← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وبويع (محمد بن إدريس) المتأيّد بمالقة سنة ثمان وثلاثين وتلقّب بالمهديّ، وأقام بمالقة، وأطاعته غرناطة وجيّان وأعمالها، ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وبويع (إدريس بن يحيى) بن إدريس المتأيد ولقّب الموفّق ولم يخطب له، وزحف إليه إدريس المخلوع الملقب بالعالي ابن يحيى المعتلي من قمارش فبويع له بمالقة إلى أن هلك سنة سبع وأربعين. وبويع (محمد الأصغر) ابن إدريس المتأيد ولقّب المستعلي، وخطب له بمالقة والمريّة ورندة، وهلك سنة ستين وأربعمائة. وكان (محمد بن القاسم) بن حمّود قد لحق بالجزيرة الخضراء سنة أربع عشرة وأربعمائة فملكها وتلقّب بالمعتصم، وبقي بها إلى أن مات سنة أربعين وأربعمائة. ثم ملكها من بعده (ابنه القاسم) ولقب الواثق، وهلك سنة خمسين، وصارت الجزيرة الخضراء للمعتضد بن عبّاد «١» ، وانقرضت دولة بني حمّود بالأندلس. الطبقة الثامنة (ملوك الطّوائف بالأندلس) لما اضمحلّ أمر الخلافة من بني أميّة وبني حمّود بعدهم بالأندلس، وثب الأمراء على الجهات، وتفرّق ملك الأندلس في طوائف من الموالي، والوزراء، وكبار العرب والبربر، وقام كلّ منهم بأمر ناحية، وتغلّب بعضهم على بعض

стр. 2452

وضعف أمرهم حتّى أعطوا الإتاوة لملوك الفرنجة من بني أدفونش حتّى أدركهم الله بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين. فأما إشبيلية وغرب الأندلس فاستولى عليهما بنو عبّاد. كان أولهم القاضي أبو القاسم (محمد بن ذي الوزارتين) أبي الوليد، ابن إسماعيل، بن قريش، بن عبّاد، بن عمرو، بن أسلم، بن عمرو، بن عطّاف، ابن نعيم اللخمي؛ واستبدّ بإشبيلية بعد فرار القاسم بن حمّود عن قرطبة، انتزعها من أبي زيري وكان واليا عليها من جهة القاسم بن حمّود المذكور، وبقي بها إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ولما مات قام بأمره ابنه (عبّاد) وتلقب المعتضد، وطالت أيامه، وتغلب على أكثر الممالك بغرب الأندلس، وبقي حتّى مات سنة إحدى وستين وأربعمائة. وولي مكانه ابنه (أبو القاسم محمد) الملقّب بالمعتمد؛ فجرى على سنن أبيه واستولى على دار الخلافة بقرطبة من يد ابن جهور، وفرّق أبناءه على قواعد الملك، واستفحل ملكه بغرب الأندلس، وغلب على من كان هناك من ملوك الطوائف، وبقي حتّى غلب أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» على الأندلس فقبض عليه، ونقله إلى أغمات: قرية من قرى مرّاكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله بها إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.

стр. 2453

وأما قرطبة فاستولى عليها بنو جهور. وكان رئيس الجماعة بقرطبة أيام فتنة بني أميّة، أبو الحزم (جهور بن محمد) بن جهور، بن عبد الله، بن محمد، بن الغمر، بن يحيى، بن أبي المعافر، بن أبي عبيدة الكلبيّ، وأبو عبيدة هذا هو الداخل إلى الاندلس، وكانت لهم وزارة بقرطبة بالدولة العامريّة. ولما خلع الجند «المقتدر بالله «١» » آخر خلفاء بني أميّة بالأندلس، استبدّ جهور بالأمر واستولى على المملكة بقرطبة سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة، وكان على سنن أهل الفضل، فأسندوا أمرهم إليه إلى أن يوجد خليفة، ثم اقتصروا عليه فدبّر أمرهم إلى أن هلك في المحرّم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وولي مكانه ابنه (أبو الوليد محمد بن جهور) فخلعه أهل قرطبة سنة إحدى وستين وأربعمائة، وأخرجوه [ثم فوض التدبير إلى ابنه عبد الملك بن أبي الوليد فأساء السيرة فأخرجوه] «٢» عن قرطبة، فاعتقل [بشلطيلش] «٣» إلى أن مات سنة ثنتين وستين. وولّى ابن عبّاد على قرطبة ابنه (سراج الدّولة) وقتله ابن عكّاشة سنة سبع وستين، ودعا لابن ذي النّون (يحيى بن إسماعيل) وقدمها ابن ذي النّون من بلنسية وقتل بها مسموما. وزحف المعتمد بن عبّاد بعد مهلكه إلى قرطبة، فملكها سنة أربع وثمانين وأربعمائة.

стр. 2454

وأما بطليوس، فكان بها عند فتنة بني أميّة بالاندلس أبو محمد (عبد الله بن مسلمة) التّجيبي المعروف بابن الأفطس، واستبدّ بها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ثم هلك. فوليّ من بعده ابنه المظفّر (أبو بكر) وعظم ملكه. وكان من أعظم ملوك الطوائف، ومات سنة ستين وأربعمائة. وولي بعده ابنه المتوكّل «١» (أبو حفص عمر) بن محمد المعروف بساجة، ولم يزل بها إلى أن قتله (يوسف بن تاشفين» «٢» سنة تسع وثمانين وأربعمائة بإغراء ابن عبّاد به. وأما «٣» غرناطة، فملكها أيام الفتنة (زاري بن زيري) بن ميّاد، ثم ارتحل إلى القيروان واستخلف على غرناطة ابنه، فبدا لأهل غرناطة أن بعثوا إلى ابن أخيه (حيوس بن ماكس) بن زيري من بعض الحصون، فوصل وملك غرناطة واستبدّ بها، وتوفّي سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وولي مكانه ابنه (باديس) وكانت بينه وبين بني عبّاد حروب، وتوفّي سنة سبع وستين وأربعمائة. وولي حافده المظفّر أبو محمد (عبد الله بن بلكين بن باديس) وولّى أخاه تميما بمالقة بعهد جدّه إلى أن خلعهما «يوسف بن تاشفين» سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.

стр. 2455

وأما طليطلة، فاستولى عليها بنو ذي النّون. وذلك أن الظافر إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذي النون الهوّاري [تغلّب] «١» أيام الفتنة على حصن أفلنتين سنة تسع وأربعمائة، وكانت طليطلة ليعيش بن محمد بن يعيش وليها في أوّل الفتنة، فلما مات سنة سبع وعشرين مضى إسماعيل الظافر إلى طليطلة فملكها، وامتد ملكه إلى جنجالة من عمل مرسية، ولم يزل بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين. فولي مكانه ابنه المأمون (أبو الحسن يحيى) فاستفحل ملكه، وعظم بين ملوك الطوائف سلطانه، ثم غلب على بلنسية وقرطبة، ومات مسموما سنة سبع وستين وأربعمائة. وولي بعده طليطلة حافده (القادر يحيى) بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون. وكان الطاغية أدفونش ملك الفرنج بالأندلس قد استفحل أمره عند وقوع الفتنة بين ملوك الأندلس فضايق ابن النون حتّى تغلّب على طليطلة وخرج له عنها (القادر يحيى) سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وشرط عليه أن يظاهره على أخذ بلنسية، فقبل شرطه وتسلّمها الأدفونش ملك الفرنج، وبقيت معه إلى الآن أعادها الله تعالى إلى نطاق الإسلام. وأما شاطبة وما معها من شرق الأندلس، فاستولى عليها العامريون. بويع للمنصور (عبد العزيز) بن الناصر عبد الرحمن بن أبي عامر بشاطبة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أقامه الموالي العامريّون عند الفتنة البربرية في زمن بني أميّة، فاستبدّ بها، ثم ثار عليه أهل شاطبة فترك شاطبة ولحق ببلنسية فملكها، وفوّض أمره للموالي.

стр. 2456

وكان (خيران العامريّ) من مواليهم قد تغلّب قبل ذلك على أربونة سنة أربع وأربعمائة، ثم ملك مرسية سنة سبع، ثم جيّان والمريّة سنة تسع، وبايعوا جميعا للمنصور عبد العزيز «١» ثم انتقض خيران على المنصور وسار إلى مرسية وأقام بها ابن عمّه (أبا عامر محمد بن المظفّر) بن المنصور بن أبي عامر، وجمع الموالي على طاعته، وسماه (المؤتمن) ثم (المعتصم) ثم أخرج منها؛ ثم هلك خيران سنة تسع عشرة وأربعمائة. وقام بأمره بعده الأمير (عميد الدولة أبو القاسم زهير العامريّ) وزحف إلى غرناطة فبرز إليه باديس بن حيوس فقتله بظاهرها سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وصار ملكه للمنصور (عبد العزيز) صاحب بلنسية. وكان قائده صمادح وابنه معن يتوليان حروبه مع مجاهد العامريّ «٢» صاحب دانية، فولّى على المريّة (معن بن صمادح) سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وغزا الموالي العامريّين بشاطبة فغلبهم عليها. وولّى على بلنسية ابنه (عبد الملك) فقام بأمره وجاهد المأمون بن ذي النون فغلبه على بلنسية وانتزعها منه سنة سبع وخمسين.

стр. 2457

ولما مات المأمون وولي حافده القادر على ما تقدّم ذكره، ولّى على بلنسية (أبا بكر) بن عبد العزيز بقيّة وزراء ابن أبي عامر، فحسّن له ابن هود «١» الانتقاض على القادر، ففعل واستبد بها سنة ثمان وستين وأربعمائة حين تغلّب المقتدر على دانية، ثم هلك لسنة ثمان وسبعين لعشر سنين من ولايته. وولي ابنه القاضي (عثمان) فلما سلّم القادر بن ذي النون طليطلة للأدفونش «٢» وزحف إلى بلنسية، خلعوا القاضي عثمان خوفا من استيلاء ملك الفرنج عليها. ثم ثار على القادر سنة ثلاث وثمانين القاضي (جعفر بن عبد الله) بن حجاف، فقتله واستبد بها، ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وثمانين وقتلوه، ثم جاءهم (يوسف بن تاشفين) «٣» وأما معن بن صمادح «٤» قائد عبد العزيز بن أبي عامر، فإنه أقام بالمريّة لما ولّاه المنصور سنة ثلاث وثلاثين، وتسمّى ذا الوزارتين، ثم خلعه. وولّى ابنه (المعتصم أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح) «٥» سنة أربع وأربعين، ولم يزل بها أميرا إلى أن مات سنة ثمانين وأربعمائة. وولي ابنه (أحمد) وبقي حتّى خلعه يوسف بن تاشفين.

стр. 2458

وأما سرقسطة والثّغر فاستولى عليهما بقية بني هود، إذ كان منذر بن يحى بن مطرّف، بن عبد الرحمن، بن محمد، بن هاشم التّجيبيّ صاحب الثّغر الأعلى بالأندلس، وكانت دار إمارته سرقسطة. ولما وقعت فتنة البربر آخر أيام بني أميّة، استقل (منذر) هذا بسرقسطة والثغر، وتلقب بالمنصور، ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة. وولي مكانه ابنه (يحيى) وتلقب بالمظفّر. وكان أبو أيّوب (سليمان بن محمد) بن هود بن عبد الله بن موسى، مولى أبي حذيفة الجذاميّ من أهل نسبهم مستقلّا بمدينة (تطيلة) و (لاردة) من أوّل الفتنة. وجدّهم هود هو الداخل إلى الأندلس، فتغلّب سليمان المذكور على المظفّر يحيى ابن المنذر وقتله سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وملك سرقسطة والثغر من أيديهم، وتحوّل إليها، وتلقّب بالمستعين واستفحل ملكه، ثم ملك بلنسية ودانية. وولّى على لاردة ابنه (أحمد المقتدر) ومات سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. فولي ابنه (أحمد) الملقّب بالمقتدر سرقسطة وسائر الثغر الأعلى، وولّى ابنه (يوسف) الملقب بالمظفر لاردة. ومات أحمد المقتدر سنة أربع وسبعين لتسع وثلاثين سنة من ملكه. فولي بعده ابنه (يوسف المؤتمن) وكان له اليد الطّولى في العلوم الرياضية، وألف فيها التآليف الفائقة، مثل «المناظر» و «الاستكمال» وغيرهما، ومات سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وولي بعده ابنه (أحمد) الملقب بالمستعين، ولم يزل أميرا بسرقسطة إلى أن مات شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة في زحف ملك الفرنج إليها. وولي بعده ابنه (عبد الملك) وتلقّب عماد الدولة، وزحف إليه الطاغية أدفونش ملك الفرنج فملك منه سرقسطة وأخرجه منها، واستولى عليها سنة ثنتي عشرة وخمسمائة، ومات سنة ثلاث عشرة.

стр. 2459

وولي ابنه (أحمد) وتلقّب سيف الدولة والمستنصر، وبالغ في النّكاية في الطاغية ملك الفرنج، ومات سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان من ممالك بني هود هؤلاء طرطوشة، وقد كان ملكها (مقاتل) أحد الموالي العامريين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومات سنة خمس وأربعين. وملكها بعده (يعلى العامريّ) ولم تطل مدّته. وملكها بعده (نبيل) أحدهم إلى أن نزل عنها لعماد الدولة (أحمد بن المستعين) سنة ثنتين وخمسين وأربعمائة، فلم تزل في يده ويد بنيه بعده إلى أن غلب عليها العدو المخذول فيما غلب عليه من شرق الأندلس. وأما دانية وميورقة، فاستولى عليهما (مجاهد بن على) بن يوسف مولى المنصور بن أبي عامر، وذلك أنه بعد الفتنة كان قد ملك طرطوشة ثم تركها وسار إلى دانية واستقرّ بها، وملك ميورقة [ومنورقة] وبيّاسة، واستقلّ بملكها سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وولّى عليها ابن أخيه (عبد الله) ثم ولّى عليها بعد ابن أخيه مولاه (الأغلب) سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. وهلك مجاهد سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة. وولي ابنه (عليّ) وتلقّب إقبال الدولة، ودام ملكه ثلاثا وثلاثين سنة، ثم غلبه المقتدر بن هود على دانية سنة ثمان وستين وأربعمائة ونقله إلى سرقسطة، فمات قريبا من [وفاة المقتدر «١» ] سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وبقي الأغلب مولى مجاهد على ميورقة؛ وكان كثير الغزو في البحر فاستأذن عليّ بن مجاهد في الغزو، واستخلف على ميورقة صهره سليمان بن مشكيان نائبا عنه فأقام سليمان خمس سنين ثم مات فولّى عليّ بن مجاهد مكانه (مبشرا، وتسمّى ناصر الدولة) فأقام

стр. 2460

خمس سنين، وانقرض ملك عليّ بن مجاهد وتغلب عليه المقتدر بن هود «١» فاستقلّ (مبشر) بميورقة ولم يزل يردّد الغزو إلى بلاد العدو حتّى جمع له طاغية برشلونة وحاصره بميورقة عشرة أشهر، ثم اقتلعها منه واستباحها سنة ثمان وخمسمائة، وكان مبشر قد بعث بالصّريخ إلى (عليّ بن يوسف) صاحب المغرب، فلم يواف أسطوله بالمدد إلا بعد تغلّب العدوّ عليها وموت مبشر، فلما وصل العساكر والأسطول دفعوا عنها العدوّ وولّى عليّ بن يوسف عليها من قبله (وانّود بن أبي بكر اللّمتوني) ثم عسف بهم فولّى عليها (يحيى بن عليّ بن إسحاق) ابن غانية صاحب غرب الأندلس فبعث إليها أخاه (محمد بن عليّ) فأقام في ولايتها عشر سنين إلى أن هلك أخوه يحيى، وسلطانهم عليّ بن يوسف واستقرّت ميورقة في ملك بني غانية وكانت لهم بها دولة ثم ملكها الموحّدون وانقرض أمر بني غانية وبقيت في أيدي الموحّدين حتى ملكها الفرنج من أيديهم آخر دولتهم. وأما غرناطة فاستولى عليها (زاري بن زيري) بن ميّاد الصنهاجي، ثم عنّ له أن قدم على المعزّ بن باديس صاحب أفريقية وهو حفيد أخيه بلكين، فقدم عليه واستخلف مكانه بغرناطة ابنا له فأساء السيرة فيهم فأرسلوا إلى ابن عمه حيّوس بن ماكس بن زيري فحضر إليهم فبايعوه، وعظم فيها سلطانه إلى أن مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وولي من بعده ابنه (باديس بن حيّوس «٢» ) وتلقب بالمظفّر، وهو الذي مصرّ غرناطة واختطّ قصبتها وشيّد قصورها وحصّن أسوارها، ومات سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقد ظهر أمر المرابطين بالمغرب. وولي من بعده حافده (عبد الله بن بلكين) بن باديس فبقي بها إلى أن أجاز

стр. 2461

يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فقبض على عبد الله المذكور. [الطبقة] الطائفة التاسعة (ملوك المرابطين من لمتونة: ملوك الغرب المتغلبين على الأندلس) لما غلب أمير المسلمين (يوسف بن تاشفين) أمير المرابطين على بلاد المغرب واستولى عليها، وكان الأندلس قد تقسّم بأيدي ملوك الطوائف كما تقدم، وكان الطاغية ابن الأدفونش ملك الجلالقة «١» قد طمع في بلاد الأندلس، بعث أهل الأندلس إلى أمير المسلمين يستصرخون به فلبّى دعوتهم وسار إلى الأندلس. ونزل الجزيرة الخضراء في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ودفع الأدفونش، وسار تارة ببلاد المغرب وتارة ببلاد الأندلس، وملك إشبيلية وبلنسية، واستقلّ (عبد الله بن بلكين) عن غرناطة وأخاه تميما عن مالقة وغلب المعتمد بن «٢» عبّاد على جميع عمله واستنزل ابنه المأمون عن قرطبة وابنه الراضي عن رندة وقرمونة، وانتزع بطليوس من صاحبها عمر بن «٣» الأفطس، وانتزع عامّة حصون الأندلس من أيدي ملوك الطوائف، ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين «٤» بن هود، وانتظمت بلاد الأندلس في ملكه وانقرض ملك الطوائف أجمع منها، واستولى على العدوتين وخاطب المستظهر الخليفة العباسيّ ببغداد في زمنه فعقد له على المغرب والأندلس وكتب له بذلك عهدا وأرسله إليه، ولم يزل الأمر على ذلك حتّى توفّي سنة خمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه (عليّ بن يوسف) وفي أيامه تغلب الأدفونش على سرقسطة واستولى عليها.

стр. 2462

وعقد عليّ بن يوسف لولده (تاشفين) على غرب الأندلس سنة ستّ وعشرين وخمسمائة وأنزله قرطبة وإشبيلية؛ وعقد (لأبي بكر بن إبراهيم) على شرق الأندلس وأنزله بلنسية، وعقد (لابن غانية) على الجزائر الشرقية: دانية وميورقة ومنورقة. وبقي الأمر على ذلك إلى أن غلب الموحّدون على بلاد المغرب وانتزعوها من يد تاشفين بن علي في سنة إحدى وخمسين وملكوها. ثم عقد عبد المؤمن أمير الموحدين لابنه (أبي يعقوب) على إشبيلية، ولابنه (أبي سعيد) على غرناطة ثم كانت أيّام يوسف بن عبد المؤمن فغزا الأندلس، ثم رجع إلى إشبيلية سنة ثمان وستين وولّى عمّه (يوسف) على بلنسية، وعقد لأخيه (أبي سعيد) على غرناطة، وعقد على قرطبة لأخيه (الحسن) وعلى إشبيلية لأخيه (على) . ثم عقد (لأبى زيد) ابن أخيه أبي حفص على غرناطة ولابن أخيه أبى محمد عبد الله بن أبى حفص على مالقة. ثم عقد لابنه أبى إسحاق على إشبيلية ولابنه يحيى على قرطبة، ولابنه أبى يزيد على غرناطة ولابنه أبي عبد الله على مرسية. وقتل في قتال النصارى في صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وولي ابنه (أبو يعقوب) ورغب ابن أدفونش في مهادنته فهادنه. وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد بن الخليفة، وعلى بطليوس لأبي الربيع بن أبي حفص، وعلى غرب الأندلس لأبي عبد الله بن أبي حفص. ورجع إلى مرّاكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة ومات بعدها. وولي ابنه الناصر (محمد بن المنصور) ونزل إشبيلية، وذلك في صفر سنة تسع وستمائة ثم رجع إلى مرّاكش فمات بها. وولي بعده ابنه (المستنصر يوسف) وكان الوالي بمرسية أبا محمد عبد الله بن المنصور فدعا لنفسه، وتسمّى بالعادل، وكان إخوته أبو العلاء صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة فبايعوه سرّا وخرج من مرسية إلى إشبيلية فدخلها وبعث إليه الموحدون بالبيعة، ودخل مرّاكش فكانت

стр. 2463

بالأندلس فتن آخرها أن ثار ابن هود على الأندلس واستولى [عليه] وأخرج منه الموحدين. [الطبقة] الطائفة العاشرة (بنو الأحمر ملوك الأندلس إلى زماننا هذا) وقد تعرّض القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الذي كان في زمانه منهم وهو (يوسف) ولم ينسبه غير أنه قال: إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة. ثم ذكر أنه فاضل، له يد في الموشّحات. واعلم أن بني الأحمر هؤلاء أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، ولم أقف على نسبهم إليه، ويعرفون ببني نصر، وكان كبيرهم آخر دولة الموحدين الشيخ أبو دبّوس (محمد بن يوسف) بن نصر المعروف بابن الأحمر وأخوه إسماعيل، وكان لهما وجاهة ورياسة في تلك الناحية. ولما ضعف أمر الموحّدين بالأندلس واستقلّ بالأمر محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية وقام بدعوة العبّاسيّة بالأندلس وتغلب على جميع شرق الأندلس، ثار محمد بن يوسف بن نصر: جدّ بني الأحمر على محمد بن يوسف بن هود، وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة، على الدعاء للأمير أبي زكريّا يحيى صاحب أفريقيّة من بقية الموحدين، وأطاعته جيّان وشريش في السنة الثانية من مبايعته. ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند وصول تقليد الخليفة من بغداد لابن هود. ثم تغلب على إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين، واستعيدت منه بعد شهر ورجعت لابن هود [ثم تغلّب] «١» على غرناطة سنة خمس وثلاثين، وبايعوه وهو بجيّان، فقدم إليها ونزلها وابتنى بها حصن الحمراء منزلا له، وهو المعبّر عنه بالقصبة الحمراء: وهي القلعة؛ ثم تغلب على مالقة وأخذها من يد عبد الله بن زنون الثائر بها بعد

стр. 2464

مهلك ابن هود، ثم أخذ المريّة من يد محمد بن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين. ثم بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين [وانتزعها] ممن كانت بيده. وفي أيامه وأيام ابن هود الثائر استعاد العدوّ المخذول من المسلمين أكثر بلاد الأندلس وحصونه، وهي بيدهم إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبقي حتّى مات سنة إحدى وسبعين وستمائة. وقام بأمره من بعده ابنه الفقيه (محمد) ابن الشيخ محمد بن يوسف، واستجاش بني مرين ملوك المغرب على أهل الكفر فلبّوه بالإجابة، وكان لهم مع طاغية الكفر وقائع أبلغت فيهم التأثير، وبلغت فيهم حدّ النّكاية، وبقي حتّى هلك سنة إحدى وسبعمائة. وولي من بعده ابنه (محمد المخلوع) ابن محمد الفقيه. ثم غلب عليه أخوه (أبو الجيوش نصر بن محمد) الفقيه، واعتقله سنة ثمان وسبعمائة، واستولى على مملكته، فأساء السّيرة في الرعية، والصّحبة لمن عنده من غزاة بني مرين. فبايعوا (أبا الوليد إسماعيل) ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، وزحف من مالقة إلى غرناطة، فهزم عساكر أبي الجيوش، فصالحه على الخروج إلى وادياش ولحق بها، فجدّد له بها ملكا إلى أن مات سنة ثنتين وعشرين وسبعمائة، فدخل أبو الوليد إلى غرناطة وملكها، وكان بينه وبين ملك قشتالة من ملوك النصارى واقعة بظاهر غرناطة ظهرت فيها معجزة من معجزات الدّين لغلبة المسلمين مع قلّتهم المشركين مع العدد الكثير، وغدر به بعض قرابته من بني نصر فطعنه عندما انفضّ مجلسه بباب داره فقتله. وبويع لابنه (محمد بن أبي الوليد إسماعيل) فاستولى عليه وزيره محمد ابن المحروق، وغلب عليه حتّى قتله بمجلسه غدرا في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، واستبدّ بأمر ملكه، واستجاش بني مرين على طاغية الكفر حتّى

стр. 2465

استرجع جبل الفتح من أيديهم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة «١» ، وغدروا به بعد رجوعه من الجبل المذكور إلى غرناطة فقتلوه بالرّماح. وقدّموا مكانه أخاه (أبا الحجاج يوسف) بن أبي الوليد إسماعيل وهو الذي ذكر في التعريف أنه كان في زمانه. وفي أيامه تغلّب النصارى على الجزيرة الخضراء، وأخذوها صلحا سنة ثلاث وأربعين بعد حروب عظيمة، قتل ولد السلطان أبي الحسن المرينيّ في بعضها وكان هو بنفسه في بعضها. ولم يزل حتّى مات يوم الفطر سنة خمس وخمسين وسبعمائة «٢» ، طعن في سجوده في صلاة العيد، وقتل للحين قاتله. وولي مكانه ابنه (محمد بن يوسف) وقام بأمره مولاهم رضوان الحاجب [فغلبه عليه وحجبه. وكان أخوه إسماعيل ببعض قصور الحمراء وكانت له ذمّة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد، فسلط محمد هذا بعض الزّعانفة فتسوّر حصن الحمراء على الحاجب فقتله، وأخرج صهره إسماعيل ونصّبه للملك] «٣» وخلع أخاه السلطان محمدا، وكان بروضة خارج الحمراء ففرّ إلى السلطان أبي سالم بن أبي الحسن المرينيّ: ملك المغرب فأحسن نزله وأكرمه. واستقلّ أخوه (إسماعيل بن يوسف) بالملك في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان المعظم قدره، سنة ستين وسبعمائة، وأقام السلطان إسماعيل في الملك بالأندلس إلى أن مات أوّل سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. وأقيم مكانه أبو الحجاج (يوسف بن إسماعيل) «٤» وبايعه الناس ومات سنة أربع وتسعين وسبعمائة.

стр. 2466

وبويع ابنه (محمد) وهو محمد بن يوسف بن محمد المخلوع بن يوسف بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من جماعة أبيه، وقد شغل الله طاغية الكفر بما وقع بينه وبين أخيه من الفتن المستأصلة، فامتنع صاحب الأندلس عمّا كان يؤدّيه من الإتاوة للنصارى في كان سنة، وامتنع ذلك من استقبال سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة وإلى هذا الوقت. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ » واعلم أنه لما افتتح المسلمون الأندلس، أجفلت أمم النصرانية أمامهم إلى سيف البحر من جانب الجوف، وتجاوزوا الدّروب من وراء قشتالة، واجتمعوا بجلّيقيّة وملّكوا عليهم (بلاية بن قاقلة) فأقام في الملك تسع عشرة سنة، وهلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة. وولي ابنه (قاقلة) سنتين ثم هلك، فولّوا عليهم بعده (أدفونش بن بطرة) من الجلالقة أو القوط، واتصل الملك في عقبه إلى الآن، فجمعهم أدفونش المذكور على حماية ما بقي من أرضهم بعد ما ملك المسلمون عامّتها، وانتهوا إلى جلّيقيّة، وهلك سنة ثنتين وأربعين ومائة لثمان عشرة سنة من ملكه. وولي بعده ابنه (فرّويلة) إحدى عشرة سنة قوي فيها سلطانه، وقارنه اشتغال «عبد الرحمن «٢» الداخل» : أوّل خلفاء بني أمية بتمهيد أمره، فاسترجع مدينة لكّ، وبرتقال، وسمّورة، وسلمنقة، وشقوبية، وقشتالة، بعد أن فتحها المسلمون وصارت في مملكتهم، وهلك سنة ثنتين وخمسين. وولي ابنه (أور بن فرّويلة) ست سنين، وهلك سنة ثمان وخمسين.

стр. 2467

وولي ابنه (شبلون) عشر سنين، وهلك سنة ثمان وستين. فولّوا من بني أدفونش مكانه رجلا اسمه (أدفونش) فوثب عليه (مورفاط) فقتله وملك مكانه سبع سنين. ثم ولي منهم آخر اسمه (أدفونش) ثنتين وخمسين سنة، وهلك سنة سبع وعشرين ومائتين. فولي ابنه (ردمير) واتصل الملك في عقبه على التوالي إلى أن ولي منهم (ردمير) بن أردون آخر ملوكهم المستبدّين بأمرهم. قال ابن حيان في «تاريخ الأندلس» : وكانت ولايته بعد ترهّب أخيه أدفونش الملك قبله، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة في زمن الناصر الأمويّ الخليفة بالأندلس، وتهيأ للناصر الظهور عليه إلى أن كانت وقعة الخندق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وحصل للمسلمين فيها الابتلاء العظيم، وهلك ردمير سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وولي أخوه (شانجة) وكان معجبا تيّاها فوهن ملكه، وضعف سلطانه، ووثب عليه قوامس «١» دولته- وهم ولاة الأعمال من قبل الملك الأعظم- فلم ينتظم لبني أدفونش بعدها ملك مستقلّ في الجلالقة إلا بعد حين، وصاروا كملوك الطوائف. قال ابن حيان: وذلك أن فردلند قومس ألية والقلاع- وكان أعظم القوامس- انتقض على شانجة المتقدّم ذكره، ونصّب للملك مكانه ابن عمه (أردون بن أدفونش) واستبدّ عليه، فمالت النصرانية عن شانجة إليه، وظاهرهم ملك البشكنس على شانجة، ووفد شانجة على الناصر الأمويّ بقرطبة صريخا، فجهّز معه عساكر واستولى على سمّورة فملكها وأنزل المسلمين بها، واتصلت الحرب بين شانجة وفردلند القومس. وفي خلال ذلك ولي الحكم المستنصر الأمويّ، ثم هلك شانجة بن أدفونش ببطليوس. وقام بأمرهم بعده ابنه (ردمير) وهلك أيضا فردلند قومس «٢» ألية والقلاع،

стр. 2468

وقام بأمره بعده ابنه غريسة، ومات الحكم المستنصر فقوي سلطان ردمير، وعظمت نكايته في المسلمين إلى أن قيّض الله لهم المنصور بن أبي «١» عامر حاجب هشام؛ فأثخن في عمل ردمير وغزاه مرارا وحاصره، وافتتح (شنت مانكس) وخرّبها فتشاءمت الجلالقة بردمير، ورجع «٢» إلى طاعة المنصور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وهلك على أثرها، فأطاعت أمه. واتفقت الجلالقة على (برمند بن أردون) فعقد له المنصور على سمورة وليون وما اتصل بهما من أعمال غليسية إلى البحر الأخضر فقبل؛ ثم انتقض فغزاه المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، فافتتح ليون وسمورة، ولم يبق بعدها للجلالقة إلا حصون يسيرة بالجبل الحاجز بينهم وبين البحر الأخضر، ولم يزل المنصور به حتّى ضرب عليه الجزية وأنزل المسلمين مدينة سمّورة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وولّى عليها أبا الأحوص (معن بن عبد العزيز) التّجيبي؛ وسار إلى (غرسية بن فردلند) صاحب ألية فملك عليه لشبونة قاعدة غليسية وخرّبها، وهلك غرسية. فولي ابنه (شانجة) فضرب عليه الجزية، وصارت الجلالقة بأجمعهم في طاعة المنصور وهم كالعمّال له. ثم انتقض برمند بن أردون فغزاه المنصور حتّى بلغ شنت ياقب، مكان حجّ النصارى ومدفن يعقوب الحواريّ من أقصى غليسية، فأصابها خالية فهدمها ونقل أبوابها إلى قرطبة، فجعلها في نصف الزّيادة التي أضافها إلى المسجد الأعظم. ثم افتتح قاعدتهم (شنتمريّة) سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ثم هلك برمند بن أردون ملك بني أدفونش. وولي ابنه (أدفونش) وهو سبط غرسية بن فردلند صاحب ألية، وكان صغيرا فكفله (منند بن غند شلب) قومس غليسية، إلى أن قتل منند غيلة سنة ثمان

стр. 2469

وتسعين وثلاثمائة فاستقلّ أدفونش بأمره، وطلب القواميس المتعذّرين على أبيه وعلى من سلف من قومه مثل بني أرغومس وبني فردلند المتقدّم ذكرهم بالطاعة فأطاعوا ودخلوا تحت أمره. ثم جاءت الفتنة البربرية على رأس المائة الرابعة فضعف أمر المسلمين، وتغلّب النصارى على ما كان المنصور تغلّب عليه بقشتالة وجلّيقيّة، ولم يزل أدفونش بن برمند ملكا على جلّيقيّة وأعمالها، ثم كان الملك من بعده في عقبه إلى أن كان ملوك الطوائف، وتغلب المرابطون ملوك الغرب من لمتونة على ملوك الطوائف بالأندلس، على ما سيأتي في الكلام على مكاتبة ابن الأحمر ملك المسلمين بالأندلس. وفي بعض التواريخ أن ملك قشتالة الذي ضرب الجزية على ملوك الطوائف في سني خمسين وأربعمائة هو (البيطبين) وأنه لما هلك قام بأمره بنوه فردلند، وغرسية، وردمير. وولي أمرهم (فردلند) ثم هلك، وخلّف شانجة وغرسية والفنش فتنازعوا، ثم خلص الملك للفنش، واستولى على طليطلة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وعلى بلنسية سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ثم ارتجعها المرابطون من يده حتّى استعادها النصارى سنة ست وثلاثين وستمائة. وهلك الفنش سنة إحدى وخمسمائة. وقام بأمر الجلالقة (بنته) وتزوّجت ردمير، ثم فارقته وتزوّجت بعده قمطا من أقماطها فأتت منه بولد كانوا يسمّونه (السليطين) . وأوقع ابن ردمير بابن هود سنة ثلاث وخمسمائة الواقعة التي استشهد فيها، وملك منه سرقسطة. وفي بعض التواريخ أن النصارى في زمن المنصور أبي «١» يعقوب ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن كان دائرا بين ثلاثة من ملوكهم الفنش، والبيبوح، وابن الزند، وكبيرهم الفنش.

стр. 2470

ولما فشلت ريح بني عبد المؤمن في زمن المستنصر بن الناصر، استولى الفنش على جميع ما فتحه المسلمون من معاقل الأندلس، ثم هلك الفنش. وولي ابنه (هرّاندة) وكان أحول وبذلك يلقّب، فارتجع قرطبة واشبيلية من أيدي المسلمين. وزحف ملك أرغون في زمنه فاستولى على ماردة، وشاطبة، ودانية، وبلنسية، وسرقسطة، والزّهراء، والزاهرة، وسائر القواعد والثّغور الشرقيّة، وانحاز المسلمون إلى سيف البحر، وملّكوا عليهم ابن «١» الأحمر بعد ولاية ابن هود. وكان استرجاع الطاغية ماردة سنة ستّ وعشرين وستّمائة، وميورقة سنة سبع وعشرين، وبلنسية سنة ستّ وثلاثين، وسرقسطة وشاطبة قبل ذلك بزمن طويل. ثم هلك هرّاندة، وولي ابنه [شانجة] «٢» ثم هلك [سنة ثلاث وتسعين] «٣» وولي ابنه (هرّاندة) وكان بينه وبين عساكر يعقوب بن عبد الحق: سلطان الغرب الواصلة إلى الأندلس حروب متصلة، الغلب فيها لعساكر ابن عبد الحق، ثم خرج على هرّاندة هذا ابنه (شانجة) فوفد هرّاندة على السلطان يعقوب بن عبد الحق فقبّل يده، واستجاشه على ولده شانجة، فقبل وفادته، وأمدّه بالمال والعساكر، ورهن عنده على المال التاج المعروف من ذخائر سلفهم، فهو عند بني عبد الحق إلى الآن. ثم هلك هرّاندة سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة، واستقل ابنه (شانجة) بالملك، ووفد على يوسف بن يعقوب بالجزيرة الخضراء بعد مهلك أبيه يعقوب ابن عبد الحق وعقد معه الهدنة، ثم نقض واستولى على مدينة طريف سنة ثلاث وتسعين وستّمائة؛ ثم هلك سنة ثنتي عشرة وسبعمائة.

стр. 2471

فولي ابنه (بطرة) صغيرا، وكفله عمّه جوان وهلكا جميعا على غرناطة عند زحفهما إليها سنة ثمان عشرة وسبعمائة. فولي ابنه (الهنشة بن بطرة) صغيرا وكفله زعماء دولته، ثم استقل بأمره وهلك محاصرا جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة في الطاعون الجارف. وولي (ابنه بطرة) وفرّ ابنه القمط إلى برشلونة فاستجاش صاحبها على أخيه بطرة فأجابه، وزحف إليه بطرة فاستولى على كثير من بلاده، ثم كان الغلب للقمط سنة ثمان وستين وسبعمائة، واستولى على بلاد قشتالة، وزحفت إليهم أمم النصرانية، ولحق بطرة بأمم الفرنج الذين وراء قشتالة في الجوف بجهات الليمانية وبرطانية إلى ساحل البحر الأخضر وجزائره فزوّج بنته من ابن ملكهم الأعظم المعروف بالبنس غالس، وأمدّه بأمم لا تحصى فملك قشتالة والقرنتيرة، واتصلت الحرب بعد ذلك بين بطرة وأخيه القمط، إلى أن غلبه القمط وقتله سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة، واستولى القمط على ملك بني أدفونش أجمعه، واستقام له أمر قشتالة، ونازعه البنس غالس ملك الإفرنجة بابنه الذي هو من بنت بطرة، وطلب له الملك على عادتهم في تمليك ابن البنت، واتصلت الحرب بينهما، وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا عن أداء الإتاوة التي كانوا يؤدّونها إلى من كان قبله، وهلك القمط سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. فولي ابنه (دن جوان) وفرّ أخوه غريس ولحق بالبرتغال، واستجاش على أخيه بجموع كثيرة، ثم رجع إليه واصطلح عليه، ثم هلك دن جوان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ونصّب قومه في الملك ابنه بطرة صبيا صغيرا لم يبلغ الحلم وقام بكفالته وتدبير دولته اليركيش خال جدّه القمط بن الهنشه والأمر على ذلك إلى الآن، وفتنهم مع البنس غالس ومع الفرنج متصلة، وأيديهم عن المسلمين مكفوفة

стр. 2472

وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ «١» قلت: والممالك القائمة بجزيرة الأندلس الآن من ممالك النصرانية أربع ممالك. المملكة الأولى (مملكة قشتالة) التي عليها سياقة الحديث إلى أن صارت إلى بطرة بن دن جوان المتقدّم ذكره. وهي مملكة عظيمة وعمالات متسعة تشتمل على طيطلة، واشبيلية، وقشتالة، وغليسية والقرنبيرة وهي بسط من الغرب إلى الشرق ويقال لملكها الأدفونش والعامة تسميه الفنش. المملكة الثانية (مملكة البرتغال) وهي في الجانب الغربيّ من قشتالة، وهي عمالة صغيرة تشتمل على أشبونة وغرب الأندلس، وهي الآن من أعمال جلّيقيّة، إلا أن صاحبها متميز بسمته وملكه. المملكة الثالثة (مملكة برشلونة) وهي بجهة شرق الاندلس، وهي مملكة كبيرة، وعمالات واسعة، تشتمل على برشلونة، وأرغون، وشاطبة، وسرقسطة، وبلنسية، وجزيرة دانية، وميورقة وكان ملكهم بعد العشرين والسبعمائة اسمه بطرة وطال عمره، وهلك سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وانفرد أخوه الدك بملك سرقسطة مقاسما لأخيه ثم سار بعد

стр. 2473

ذلك في أسطول فملك جزيرة صقلية من أيدي أهلها وصارت داخلة في أعمالهم. المملكة الرابعة (مملكة نبرّة مما يلي قشتالة من جهة الشرق، فاصلا بين عمالات ملك قشتالة وعمالات ملك برشلونة) وهي عمالة صغيرة، وقاعدتها مدينة ينبلونة، وملكها ملك البشكنس. أما ما وراء الأندلس من الفرنج فأمم لا تحصى، وسيأتي الكلام على ذكر ملكهم الأكبر ريدفرنس فيما بعد إن شاء الله تعالى. الجملة السادسة (في ترتيب هذه المملكة) أما مملكة المسلمين فلا يخفى أنها في معنى بلاد المغرب. [وفي كثير من الأوقات يملكهم ملوك المغرب الأقصى، فبالضرورة إن ترتيبهم جار على ترتيب بلاد الغرب] «١» وقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن أهل الأندلس في الجملة لا يتعمّمون، بل يتعهّدون شعورهم بالتنظيف والحنّاء ما لم يغلب الشّيب، ويتطيلسون فيلقون الطّيلسان على الكتف أو الكتفين مطويّا طيّا ظريفا [والمتعمم فيهم قليل] ؛ ويلبسون الثياب الرفيعة الملونة من الصّوف والكتّان ونحو ذلك، وأكثر لباسهم في الشتاء الجوخ وفي الصيف البياض. قال: وأرزاق الجند به ذهب بحسب مراتبهم، وأكثرهم من برّ العدوة من بني مرين وبني عبد الواد وغيرهم. والسلطان مسكنه القصور الرفيعة، ويقعد السلطان للناس بدار العدل في مكان يعرف بالسبيكة من القصبة الحمراء التي هي القلعة يوم الاثنين ويوم الخميس صباحا، ويحضر معه المجلس الرؤساء من أقاربه ونحوهم، ويقرأ بمجلسه عشر من القرآن وشيء من الحديث النبويّ، ويأخذ الوزير القصص من الناس فتقرأ عليه. وأما

стр. 2474

الحرب فإنهم فيها سجال: تارة لهم وتارة عليهم، والنصر في الأغلب للمسلمين على قلّتهم وكثرة عدوّهم بقوّة الله تعالى. وبالبلاد البحرية أسطول الحراريق المفرّق في البحر الشامي، يركبها الأنجاد من الرّماة والرؤساء المهرة، فيقاتلون العدوّ على ظهر البحر، وهم الظافرون في الغالب، ويغيرون على بلاد النصارى بالساحل وما هو بقربه فيأسرون أهلها ذكورهم وإناثهم، ويأتون بهم بلاد المسلمين، فيبرزون بهم ويحملونهم إلى غرناطة إلى السلطان فيأخذ منهم ما يشاء ويهدي ويبيع. وقد كانت لهم وقيعة في الإفرنج سنة تسع عشرة وسبعمائة على مرج غرناطة قتل فيها من الإفرنج أكثر من ستين ألفا وملكان: وهما بطرة وجوان عمه ففديت جيفة جوان بأموال عظيمة. وحملت جثّة بطرة إلى غرناطة، فعلّقت على باب قلعتها في تابوت، واستمرت معلّقة هناك، وجاز المسلمون غنيمة من أموالهم قلّما يذكر مثلها في تاريخ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «١» وقد تقدم في المقالة الأولى في الكلام على النوع الرابع مما يحتاج إليه الكاتب: وهو حفظ كتاب الله تعالى: أن بعض ملوك الفرنج كتب إلى ابن الأحمر: صاحب غرناطة كتابا يهدّده فيه، فكان جوابه أن قلبه وكتب على ظهره ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ «٢» وأما ملوك الفرنج به فعلى ترتيب سائر ممالك الفرنج مما هو غير معلوم لنا.

стр. 2475

الفصل الثالث من المقالة الثانية في الجهة الجنوبيّة عن مملكة الديار المصرية : من مصر والشام والحجاز، ومضافاتها مما هو واقع في الثاني والثالث والرابع من الأقاليم السبعة) اعلم أنه قد دخل في جهتي الشرق والغرب المتقدّمتين ذكر أماكن مما هو في جهة الجنوب عن مملكة الديار المصرية ومضافاتها، انساق الكلام إليها استطرادا واستتباعا: كأطراف اليمن، والهند، والصّين الجنوبية الخارجة عن الإقليم الثاني إلى جهة الجنوب مما استتبعته ممالك الشرق، والمقصود الآن الكلام على ما عدا ذلك، وهو بلاد السّودان. وهي بلاد متّسعة الارجاء رحبة الجوانب، حدّها من الغرب البحر المحيط الغربيّ، ومن الجنوب الخراب مما يلي خطّ الاستواء؛ ومن [الشّرق] بحر القلزم مما يقابل بلاد اليمن والأمكنة المجهولة الحال شرقيّ بلاد الزّنج في جنوبيّ البحر الهنديّ، ومن الشّمال البراريّ الممتدّة فيما بين الديار المصرية وأرض برقة، وبلاد البربر، من جنوبي المغرب إلى البحر المحيط. والمشهور منها ستّ ممالك. المملكة الأولى (بلاد البجا) والبجا بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وألف في الآخر. وهم من أصفى السودان لونا. قال ابن سعيد: وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان، ومواطنهم

стр. 2476

في جنوبي صعيد مصر مما يلي الشرق، فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل، على القرب من الديار المصرية. وقاعدتهم (سواكن) بفتح السين المهملة والواو وكسر الكاف ونون في الآخر. قال في «تقويم البلدان» في الكلام على بحر القلزم: وهي بليدة للسّودان، حيث الطول ثمان وخمسون درجة، والعرض إحدى وعشرون درجة. قلت وقد أخبرني من رآها أنها جزيرة على طرف بحر القلزم من جهته الغربيّة قريبة من البرّ يسكنها التّجّار. وصاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة- بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر، وله مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ويقال في تعريفه الحدربيّ بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء، على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وقد عدّ في «تقويم البلدان» من مدن البجا (العلّاقي) بفتح العين المهملة واللام المشدّدة ثم ألف وقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت. من آخر الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان وخمسون درجة، والعرض ستّ وعشرون درجة. قال في «تقويم البلدان» : وهي بالقرب من بحر القلزم، ولها مغاص ليس بالجيّد، وبجبلها معدن ذهب، يتحصّل منه بقدر ما ينفق في استخراجه. قال المهلّبي: إذا أخذت من أسوان في سمت المشرق تصل إلى العلّاقي بعد اثنتي عشرة مرحلة. قال: وبين العلّاقي وعيذاب ثمان مراحل ومن العلّاقي يدخل إلى بلاد البجا. المملكة الثانية (بلاد النّوبة) بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر. ولون بعضهم يميل إلى الصّفاء، وبعضهم شديد السّواد. قال في «مسالك الأبصار» : وبلادهم مما يلي مصر في نهاية جنوبيّها مما يلي المغرب على ضفتي النيل الجاري

стр. 2477

إلى مصر. قال في «تقويم البلدان» في الكلام على الجانب الجنوبيّ: وبينها وبين بلاد النّوبة جبال منيعة. وقاعدتها مدينة (دنقلة) . قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بضم الدال المهملة وسكون النون وقاف مضمومة ولام مفتوحة وهاء في الآخر. وما قاله هو الجاري على ألسنة أهل الديار المصرية، ورأيتها في «الروض المعطار» مكتوبة (دمقلة) بإبدال النون ميما، مضبوطة بفتح الدال، وباقي الضبط على ما تقدّم. وأنشد بيت شعر شاهدا لذلك. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان وخمسون درجة وعشر دقائق، والعرض أربع عشرة درجة وخمس عشرة دقيقة. قال: وفي جنوبيّها وغربيّها مجالات زنج النّوبة الذين قاعدتهم (كوشة) خلف الخطّ، وفي غربي دنقلة وشماليّها مدنهم المذكورة في الكتب. قال الإدريسيّ: وهي في غربيّ النيل على ضفّته وشرب أهلها منه. قال: وأهلها سودان لكنهم أحسن السّودان وجوها، وأجملهم شكلا، وطعامهم الشعير والذّرة والتمر يجلب إليهم. واللحوم التي يستعملونها لحوم الإبل: طريّة ومقدّدة، ومطبوخة. وفي بلادهم الفيلة، والزّراريف، والغزلان. قال في «مسالك الأبصار» : ومدنها أشبه بالقرى والضيّاع من المدن، قليلة الخير والخصب، يابسة الهواء. قال: وحدّثني غير واحد ممن دخل النّوبة: أن مدينة دنقلة ممتدّة على النيل، وأهلها في شظف من العيش، والحبوب عندهم قليلة إلا الذّرة، وإنما تكثر عندهم اللحوم والألبان والسّمك. وأفخر أطبختهم أن تطبخ اللّوبيا في مرق اللحم، ويثرد ويصفّ اللحم واللّوبيا على وجه الثّريد. وربما عملت اللّوبيا بورقها وعروقها. قال: ولهم انهماك على السّكر بالمزر «١» وميل عظيم إلى الطّرب.

стр. 2478

ولما خاف بنو أيّوب نور الدّين الشهيد صاحب الشام على أنفسهم حين همّ بقصدهم، بعث السلطان صلاح الدّين أخاه شمس الدولة «١» إلى (النّوبة) ليأخذها لتكون موئلا لهم إذا قصدهم، فرأوها لا تصلح لمثلهم، فعدلوا إلى اليمن واستولوا عليها، وجعلوها كالمعقل لهم. قال ابن سعيد: ودين أهل هذه البلاد النصرانية. قال في «مسالك الأبصار» : ومن هذه البلاد نجم «لقمان الحكيم» ثم سكن مدينة أيلة، ثم دخل إلى بيت المقدس. ومنها أيضا «ذو النون المصريّ» «٢» الزاهد المشهور، وإنما سمي المصريّ لأنه سكن مصر فنسب إليها. وكان ملوكها في الزمن القديم وسائر أهلها على دين النّصرانية، فلما فتح عمرو بن العاص «٣» ﵁ مصر غزاهم. قال في «الروض المعطار» : فرآهم يرمون الحدق بالنّبل، فكفّ عنهم، وقرّر عليهم إتاوة في كل سنة. قال صاحب «العبر» وعلى ذلك جرى ملوك مصر بعده، وربما كانوا يماطلون بذلك ويمتنعون من أدائه، فتغزوهم عساكر المسلمين من مصر حتى يطيعوا، إلى أن كان ملكهم في أيام الظاهر بيبرس «٤» ﵀، رجلا اسمه (مرقشنكز) وكان له ابن أخ اسمه (داود) فتغلب عليه، وانتزع الملك من يده، واستفحل ملكه بها، وتجاوز حدود مملكته قريب (أسوان) من آخر صعيد الدّيار المصرية؛ فقدم (مرقشنكز) المذكور على الظاهر بيبرس بالدّيار المصرية، واستنجده على ابن أخيه (داود) المذكور، فجهّز معه العساكر إلى بلاد النّوبة، فانهزم (داود) ولحق بمملكة الأبواب من بلاد السّودان، فقبض عليه ملكها وبعث به مقيّدا إلى الظاهر بيبرس،

стр. 2479

فاعتقل بالقلعة حتى مات، واستقرّ (مرقشنكز) في ملك النّوبة على جزية يؤدّيها في كل سنة، إلى أن كانت دولة المنصور (قلاوون) ثم استقرّ بمملكة دنقلة في الدولة المنصورية (قلاوون) رجل اسمه سيمامون وغزته عساكر قلاوون سنة ثمانين وستّمائة. ثم ملكهم في أيام الناصر «محمد بن قلاوون» «١» رجل اسمه (أمي) وبقي حتى توفّي سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وملك بعد دنقلة أخوه (كرنبس) . ثم خرج من بيت الملك منهم رجل اسمه (نشلى) فهاجر إلى مصر، وأسلم وحسن إسلامه، وأقام بمصر بالأبواب السّلطانية؛ وأجرى عليه السلطان الملك الناصر رزقا، ولم يزل حتى امتنع (كرنبس) من أداء الجزية سنة ستّ عشرة وسبعمائة، فجهّز إليه السلطان العساكر مع نشلى المقدّم ذكره، وقد تسمّى عبد الله ففرّ كرنبس إلى بلاد الأبواب، فاستقرّ (عبد الله نشلى) في ملك دنقلة على دين الإسلام، ورجعت العساكر إلى مصر، وبعث الملك الناصر إلى ملك الأبواب في أمر كرنبس فبعث به إليه، فأسلم وأقام بباب السلطان، وبقي نشلى في الملك حتى قتله أهل مملكته سنة تسع عشرة وسبعمائة، فبعث السلطان كرنبس إليهم فملكهم وانقطعت الجزية عنهم من حين أسلم ملوكهم. قال في «العبر» : ثم انتشرت أحياء جهينة «٢» من العرب في بلادهم واستوطنوها، وعاثوا فسادا، وعجز ملوك النّوبة عن مدافعتهم فصاهروهم مصانعة لهم، وتفرّق بسبب ذلك ملكهم حتى صار لبعض جهينة من أمّهاتهم على رأي العجم في تمليك الأخت وابن الأخت، فتمزّق ملكهم واستولت جهينة على بلادهم، ولم يحسنوا سياسة الملك، ولم ينقد بعضهم إلى بعض، فصاروا شيعا ولم يبق لهم رسم ملك، وصاروا رحّالة بادية

стр. 2480

على عادة العرب إلى هذا الزمان. وذكر في «مسالك الأبصار» : أن ملكها الآن مسلم من أولاد (كنز الدولة) قال: وأولاد الكنز هؤلاء أهل بيت ثارت لهم ثوائر مرّات. فيحتمل أن أولاد الكنز من جهينة أيضا جمعا بين المقالتين. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنّ سلطانهم كواحد من العامّة، وأنه تأوي الغرباء إلى جامع دنقلة فيرسل إليهم؛ فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه، وأن غالب عطائهم الدّكاديك: وهي أكسية غلاظ غالبها سود: وربما أعطوا عبدا أو جارية. (وقد ذكر في «الروض المعطار» : أن عمرو بن العاص «١» ﵁ قصد قتال النّوبة فرآهم يرمون الحدق بالنّبل فكفّ عنهم، وقرّر عليهم إتاوة من الرّقيق في كل سنة) ، ولم تزل ملوك مصر تأخذ منهم هذه الإتاوة في أكثر الأوقات حتى ذكر في «مسالك الأبصار» أنه كان عليهم في زمنه مقرّر لصاحب مصر في كلّ سنة من العبيد، والإماء، والحراب، والوحوش النّوبية- قلت: أمّا الآن فقد انقطع ذلك. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ «٢» المملكة الثالثة (بلاد البرنو) وبلاد البرنو- بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وضم النون وسكون الواو. وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد قال في «التعريف» : وبلاده تحدّ بلاد التّكرور من الشرق، ثم يكون حدّها من الشّمال بلاد أفريقيّة، ومن الجنوب الهمج.

стр. 2481

وقاعدتهم مدينة (كاكا) بكافين بعد كلّ منهما ألف فيما ذكر لي رسول سلطانهم الواصل إلى الدّيار المصرية صحبة الحجيج في الدولة الظاهرية (برقوق) «١» وقد تعرّض إليها في «مسالك الأبصار» في تحديد مملكة مالّي على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ومن مدنهم أيضا مدينة (كتنسكي) بكاف مضمومة وتاء مثناة فوقية ساكنة ونون مكسورة وسين مهملة ساكنة وكاف مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية. وهي شرقيّ (كاكا) على مسيرة يوم واحد منها. قلت: وقد وصل كتاب ملك البرنو في أواخر الدولة الظاهرية (برقوق) يذكر فيه أنه من ذرّية «سيف بن ذي يزن» «٢» إلا أنه لم يحقق النسب فذكر أنه من قريش وهو غلط منهم فإن «سيف بن ذي يزن» من أعقاب تبابعة اليمن من حمير. على ما يأتي ذكره في الكلام على المكاتبات، في المقالة الرابعة فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ولصاحب البرنو هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها هناك إن شاء الله تعالى. المملكة الرابعة (بلاد الكانم) والكانم بكاف بعدها ألف ثم نون مكسورة وميم في الآخر. وهم مسلمون أيضا والغالب على ألوانهم السّواد. قال في «مسالك الأبصار» : وبلادهم بين

стр. 2482

أفريقيّة وبرقة، ممتدّة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط. قال: وهي بلاد قحط، وشظف، وسوء مزاج مستول عليها. وغالب عيشهم الأرزّ، والقمح، والذّرة، وببلادهم التّين، والليمون، واللّفت، والباذنجان، والرّطب. وذكر عن أبي عبد الله السلايحي، عن الشيخ عثمان الكانميّ وغيره أن الأرزّ ينبت عندهم من غير بذر. ومعاملتهم بقماش ينسج عندهم اسمه دندي، طول كلّ ثوب عشرة أذرع فأكثر. قال: ويتعاملون أيضا بالودع، والخرز، والنّحاس المكسور، والورق، لكنه جميعه يسعر بذلك القماش. وذكر ابن سعيد: أن في جنوبيّها صحارى فيها أشخاص متوحّشة، كالغول أقرب الحيوانات إلى الشّكل الآدميّ، تؤذي بني آدم ولا يلحقها الفارس. وذكر أبو عبد الله المرّاكشيّ في كتابه «التكملة» عن أبي اسحاق إبراهيم الكانميّ الأديب الشاعر: أنه يظهر ببلاد الكانم في الليل أمام الماشي بالقرب منه قلل نارتضيء، فإذا مشى بعدت منه، فلا يصل إليها ولو جرى، بل لا تزال أمامه. وربما رماها بحجر فأصابها، فيتشظّى منها شرارات. قال في «مسالك الأبصار» : وأحوالها وأحوال أهلها حسنة، وربما كان فيهم من أخذ في التعليم، ونظر من الأدب نظرة النجوم فقال إني سقيم، فما يزال يداوي عليل فهمه، ويداري جامح علمه، حتّى تشرق عليه أشعتها، ويطرّز بديباجه أمتعتها. وقاعدتها (مدينة جيمي) . قال في «تقويم البلدان» : بكسر الجيم وبالياء المثناة تحت الساكنة وكسر الميم ثم ياء مثناة تحتية في الآخر. حسب ما هو في خط ابن سعيد. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاث وخمسون درجة، والعرض تسع درج، وبها مقرّة سلطانهم. قال في «مسالك الأبصار» : ومبدأ هذه المملكة من جهة مصر بلدة اسمها (دلا) وآخرها طولا بلدة يقال لها (كاكا) وبينهما نحو ثلاثة أشهر. وقد تقدّم أن كاكا هي قاعدة سلطان البرنو. وبينها وبين جيمي أربعون ميلا. قال وبها فواكه لا تشبه فواكه بلادنا، وبها الرّمان، والخوخ، وقصب السّكّر. قال في «مسالك الأبصار» :

стр. 2483

وسلطان هذه البلاد رجل مسلم. قال في «تقويم البلدان» : وهو من ولد «سيف بن ذي «١» يزن» . قال في «مسالك الأبصار» : وأوّل من بثّ الإسلام فيهم الهادي العثمانيّ، ادّعى أنه من ولد «عثمان بن عفّان» ﵁ وملكها، ثم صارت بعده لليزنيّين. وذكر في «التعريف» : أن سلطان الكانم من بيت قديم في الإسلام، وقد جاء منهم من ادّعى النسب العلويّ في بني الحسن. ثم قال: وتمذهب بمذهب «الشافعيّ» ﵁. قال في «مسالك الأبصار» : وملكهم على حقارة سلطانه، وسوء بقعة مكانه، في غاية لا تدرك من الكبرياء، يمسح برأسه عنان السماء، مع ضعف أجناد، وقلة متحصّل بلاد، لا يراه أحد إلا في يوم العيدين بكرة وعند العصر. أما في سائر السنة فلا يكلمه أحد ولو كان أميرا إلا من وراء حجاب. قال: والعدل قائم في بلادهم، ويتمذهبون بمذهب الإمام «مالك» ﵁، وهم ذوو اختصار في اللباس، يابسون في الدّين، وعسكرهم يتلثمون، وقد بنوا مدرسة للمالكية بالفسطاط ينزل بها وفودهم. المملكة الخامسة (بلاد مالّي ومضافاتها) و (مالّي) بفتح الميم وألف بعدها لام مشدّدة مفخّمة وياء مثناة تحت في الآخر. وهي المعروفة عند العامّة ببلاد (التّكرور) . قال في «مسالك الأبصار» : وهذه المملكة في جنوب المغرب، متّصلة بالبحر المحيط. قال في «التعريف» : وحدّها في الغرب البحر المحيط؛ وفي الشرق بلاد البرنو وفي الشّمال جبال البربر، وفي الجنوب الهمج. ونقل عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أنها تقع في جنوب مرّاكش ودواخل برّ العدوة جنوبا بغرب إلى البحر المحيط. قال في «مسالك الأبصار» : وهي شديدة الحرّ، قشفة المعيشة، قليلة أنواع الأقوات، وأهلها طوال

стр. 2484

في غاية السواد وتفلفل الشّعور، وغالب طول أهلها من سوقهم، لا من هياكل أبدانهم. قال ابن سعيد: والتّكرور قسمان: قسم حضر يسكنون المدن وقسم رحّالة في البوادي. وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أن هذه المملكة مربّعة، طولها أربعة أشهر أو أزيد، وعرضها مثل ذلك، وجميعها مسكونة إلا ما قلّ، وهذه المملكة هي أعظم ممالك السّودان المسلمين. وتشتمل على ثمان جمل: الجملة الأولى (في ذكر أقاليمها ومدنها) وقد ذكر صاحب «العبر» : أنها تشتمل على خمسة أقاليم كل إقليم منها مملكة بذاتها. الإقليم الأوّل (مالّي) وقد تقدم ضبطه. وهو إقليم واسطة الأقاليم السبعة الداخلة في هذه المملكة، واقع بين إقليم صوصو وإقليم كوكو: صوصو من غربيه، وكوكو من شرقيّه. وقاعدته على ما ذكره في «مسالك الأبصار» : مدينة (بني) «١» قال في «مسالك الأبصار» : بالباء الموحدة والنون ثم الباء الموحدة أيضا. قال: وهي ممتدّة تقدير طول بريد في عرض مثل ذلك، ومبانيها متفرّقة، وبناؤها بالبالستا. وهو أنه يبنى بالطين بقدر ثلثي ذراع، ثم يترك حتّى يجفّ، ثم يبنى عليه مثله، وكذلك حتّى

стр. 2485

ينتهي، وسقوفها بالخشب والقصب، وغالبها قباب أو جملونات كالأقباء، وأرضها تراب مرمل، وليس لها سور، بل يستدير بها عدّة فروع من النيل من جهاتها الأربع، بعضها يخاض في أيام قلّة الماء، وبعضها لا يعبر فيه إلا في السّفن. وللملك عدّة قصور يدور بها سور واحد. الإقليم الثاني (صوصو) بصادين مهملتين مضمومتين، بعد كلّ منهما واو ساكنة. وربما أبدلوا الصاد سينا مهملة سمّي بذلك باسم سكّانه. قال في «العبر» : وهم يسمّونها الانكارية. وهو في الغرب عن إقليم مالّي المقدّم ذكره فيما ذكره في «العبر» عن بعض البقلة. الإقليم الثالث (بلاد غانة) بفتح الغين المعجمة وألف ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر. وهي غربيّ إقليم صوصو المقدّم ذكره تجاور البحر المحيط الغربيّ. وقاعدته (مدينة غانة) التي قد أضيف إليها. قال في «تقويم البلدان» : وموقعها خارج الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة إلى الجنوب. قال ابن سعيد: حيث الطول [تسع وعشرون «١» درجة] والعرض عشر درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي محلّ سلطان بلاد غانة. وقد حكى ابن سعيد: أن لغانة نيلا شقيق نيل مصر، يصب في البحر المحيط الغربي عند طول عشر درج ونصف، وعرض أربع عشرة. وإليها تسير التّجّار المغاربة من سجلماسة في برّ مقفر ومفاوز عظيمة في جنوب الغرب نحو خمسين يوما، فيكون بين غانة وبين مصبّه نحو أربع درج. وهي مبنيّة على ضفّتي

стр. 2486

نيلها هذا. قال في «العبر» : وكان أهلها قد أسلموا في أوّل الفتح الإسلامي. وقد ذكر في «تقويم البلدان» : أنها مدينتان على ضفّتي نيلها، إحداهما يسكنها المسلمون والثانية يسكنها الكفّار. وقد ذكر في «الروض المعطار» : أن لصاحب غانة معلفين من ذهب، يربط عليهما فرسان له أيام مقعده. الإقليم الرابع (بلاد كوكو) وهي شرقيّ إقليم مالّي المقدّم ذكره. قال في «الروض المعطار» : وملكها قائم بنفسه، له حشم وقوّاد وأجناد وزيّ كامل؛ وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الأمم. قال: وبها ينبت عود الحيّة: وهو عود يشبه العاقر قرحا، إلا أنه أسود؛ من خاصّته أنه إذا وضع على جحر الحيّة خرجت إليه بسرعة، ومن أمسكه بيده أخذ من الحيّات ما شاء من غير جزع يدركه أو يقع في نفسه. ثم قال: والصحيح عند أهل المغرب الأقصى أن هذا العود إذا أمسكه ممسك بيده أو علّقه في عنقه لم تقربه حية البتّة. وقاعدته (مدينة كوكو) بفتح الكاف وسكون الواو وفتح الكاف الثانية وسكون الواو بعدها. وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأول قال ابن سعيد: حيث الطول أربع وأربعون درجة، والعرض عشر درج. قال: وهي مقرّ صاحب تلك البلاد. قال: وهو كافر يقاتل من غربيّه من مسلمي غانة ومن شرقيّة من مسلمي الكانم. وذكر المهلّبي في العزيزي أنهم مسلمون، وبينهما وبين مدينة غانة مسيرة شهر ونصف. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة كبيرة على ضفّة نهر يخرج من ناحية الشمال، يمرّ بها ويجاوزها بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصّحراء في رمال كما يغوص الفرات في بطائح العراق. قال ابن سعيد: وكوكو في شرقيّ النهر، ولباس عامّة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم، وتجّارهم يلبسون الأكسية، وعلى

стр. 2487

رؤوسهم الكرازين، ولبس خواصّهم الأزرق. قال في «مسالك الأبصار» : وسكانها قبائل يرنان من السّودان. الإقليم الخامس (بلاد تكرور) وهي شرقيّ إقليم (كوكو) المقدّم ذكره، ويليه من جهة الغرب مملكة (البرنو) المتقدّمة الذكر، وبها عرفت هذه المملكة على كبرها واشتهرت. وقاعدتها (مدينة تكرور) بفتح التاء المثناة فوق وسكون الكاف وضم الراء المهملة وسكون الواو وراء مهملة في الآخر. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة على النّيل على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب، وطعام أهلها السمك، والذّرة، والألبان، وأكثر مواشيهم الجمال، والمعز، ولباس عامّة أهلها الصّوف، وعلى رؤوسهم كرازين صوف، ولباس خاصّتهم القطن والمآزر. قال: وبينها وبين سجلماسة من بلاد المغرب أربعون يوما بسير القوافل، وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة بالصحراء آسفي بينهما خمس وعشرون مرحلة. قال: وأكثر ما يسافر به تجّار الغرب الأقصى إليها الصّوف، والنّحاس، والخرز، ويخرجون منها بالتّبر، والخدم. قلت: وذكر في «مسالك الأبصار» : أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما وهي: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبغو، وزرنطابنا، وبيترا، ودمورا، وزاغا، وكابرا، وبراغودي، وكوكو، ومالّي. فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدّمة الذكر، وأسقط إقليم صوصو، وكأنها قد اضمحلّت وزاد باقي ذلك، فيحتمل أنها انضافت إلى صاحبها يومئذ بالفتح والاستيلاء عليها. قال في «مسالك الأبصار» : وفي شماليّ بلاد مالّي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها: وهم نيتصر، ونيتغراس، ومدوسة، ولمتونة، ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا نيتصر، فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالّي. قال: وكذلك في طاعته قوم من الكفار بعضهم يأكل لحم الآدميين. ونقل عن

стр. 2488

الشيخ سعيد الدّكّالي: أن في طاعة سلطانها بلاد مغارة الذهب. وهم بلاد همج، وعليهم إتاوة من التبر تحمل إليه في كل سنة، ولو شاء أخذهم ولكن ملوك هذه المملكة قد جرّبوا أنه ما فتحت مدينة من هذه المدن وفشا بها الإسلام، ونطق بها داعي الأذان، إلا قلّ بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتّى يعدم، ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار، فرضوا منهم ببذل الطاعة، وحمل قرّر عليهم. وذكر نحو ذلك في «التعريف» في الكلام على غانة. الجملة الثانية (في الموجود بهذه المملكة) قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أن بها الخيل من نوع الأكاديش التتريّة. قال: وتجلب الخيل العراب إلى ملوكهم، يتغالون في أثمانها، وكذلك عندهم البغال، والحمير، والبقر، والغنم، ولكنّها كلّها صغيرة الجثّة، وتلد الواحدة من المعز عندهم السبعة والثمانية، ولا مرعى لمواشيهم، إنما هي جلّالة على المقامات والمزابل. وبها من الوحوش الفيلة، والآساد والنّمورة، وكلّها لا تؤذي من بني آدم إلا من تعرّض لها. وعندهم وحش يسمّى (ترمّي) بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم، في قدر الذئب، يتولد بين الذئب والضّبع لا يكون إلا خنثى: له ذكر وفرج، متى وجد في الليل آدميّا صغيرا أو مراهقا أكله. ولا يتعرّض إلى أحد في النهار، وهو ينعر كالثور، وأسنانه متداخلة. وعندهم تماسيح عظام منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأكثر، ومرارته عندهم سمّ قاتل تحمل إلى خزانة ملكهم. وعندهم بقر الوحش، وحمير الوحش، والغزلان. وفيما يسامت سجلماسة من بلادهم جواميس متوحّشة تصاد كما يصاد الوحش. وبها من الطيور الدّواجن الإوزّ، والدّجاج، والحمام. وبها من الحبوب الأرزّ، والغوثي: وهو دق مزغّب، يدرس فيخرج منه حبّ أبيض شبيه بالخردل في المقدار

стр. 2489

أو أصغر منه، فيغسل ثم يطحن ويعمل منه الخبز، وهذا الحب هو والأرزّ هما غالب قوتهم، وعندهم الذّرة وهي أكثر حبوبهم، ومنها قوتهم وعليق خيولهم ودوابّهم، وعندهم الحنطة على قلّة فيها، أما الشعير فلا وجود له عندهم البتة، وعندهم من الفواكه البستانية الجمّيز «١» وهو كثير لديهم؛ وعندهم أشجار برّية ذوات ثمار مأكولة مستطابة، منها شجر يسمّى تادموت يحمل شيئا مثل القواديس كبرا في داخلها شيء شبيه بدقيق الحنطة، ساطع البياض، طعمه مزّ لذيذ يأكلون منه، وإذا جف جعلوه على الحنّاء فيسوّده كالنوشادر، ومنها شجر يسمّى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخرّوب فيخرج منها شيء شبيه بدقيق التّرمس حلو لذيذ الطعم، له نوى. ومنها شجر يسمّى قومي، يحمل شبيه السفرجل، لذيذ الطعم يشبه طعم الموز، وله نوى شبيه بغضروف العظم، يأكله بعضهم معه. ومنها شجر اسمه فاريتي، حمله شبيه بالليمون وطعمه يشبه طعم الكمّثرى بداخله نوى ملحم، يؤخذ ذلك النوى وهو طريّ، فيطحن فيخرج منه شيء شبيه بالسمن يجمد، وتبيّض به البيوت، وتوقد منه السّرج، ويعمل منه الصابون، وإذا قصد أكله وضع في قدر على نار ليّنة، ويسقى الماء حتّى يقوى غليانه وهو مغطّى الرأس، ويسارق كشف الغطاء في افتقاده، فإنه متى كشف القدر فار ولحق بالسقف. وربما انعقد منه نار فأحرق البيت، فإذا نضج برّد، وجعل في ظروف القرع، وصار يستعمل في المأكل كالسّمن. ومتى جعل في غير ظروف القرع من الآنية خرقها. ويوجد بها من الثمرات البرّيّة ما هو شبيه بكل الفواكه البستانيّة على اختلاف أنواعها، ولكنها حرّيفة لا تستطاب، يأكلها الهمج من السّودان، وهي قوت كثير منهم. وبها من الخضراوات اللّوبياء، واللّفت، والثّوم، والبصل، والباذنجان، والكرنب، أما الملوخيّة فلا تطلع عندهم إلا برّية، والقرع عندهم بكثرة. وعندهم شيء شبيه بالقلقاس إلا أنه الذّ من القلقاس، يزرع في الخلاء فإن سرق منه

стр. 2490

سارق، قطع الملك رأسه وعلّقه مكان ما قطع منه، عادة عندهم يتوارثونها خلفا عن سلف، لا توجد فيها رخصة، ولا تنفع فيها شفاعة. وجبالها ذوات أشجار مشتبكة، غليظة السّوق إلى الغاية، تظلّ الواحدة منها خمسمائة فارس. وفيها بغانة وما وراءها في الجنوب من بلاد السّودان الهمج معادن الذهب. وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الأمير أبي الحسن عليّ بن أمير حاجب عن السلطان (منسا موسى) سلطان هذه المملكة: أنه سأله عند قدومه الديار المصرية حاجّا عن معادن الذهب عندهم- فقال: توجد على نوعين: نوع في زمان الربيع ينبت في الصحراء، له ورق شبيه بالنجيل «١» ، أصوله التبر. والثاني يوجد في أماكن معروفة على ضفّات مجارى النيل، تحفر هناك حفائر فيوجد فيها الذهب كالحجارة والحصى، فيؤخذ. قال: وكلاهما هو المسمّى بالتّبر. ثم قال: والأوّل «٢» أفحل في العيار، وأفضل في القيمة. وذكر في «التعريف» نحوه. وذكر عن الشيخ عيسى الزواويّ عن السلطان (منسا موسى) المقدّم ذكره أيضا أنه يحفر في معادن الذهب كلّ حفيرة عمق قامة أو ما يقاربها، فيوجد الذهب في جنباتها. وربما وجد مجتمعا في سفل الحفيرة، وأنّ في مملكته أمما من الكفّار لا يأخذ منهم جزية، إنما يستعملهم في إخراج الذهب من معادنه. ثم قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن النوع الأوّل من الذهب يوجد في زمن الربيع عقيب [الأمطار] «٣» ينبت في مواقعها، والثاني يوجد في جميع السنة في ضفّات مجارى النّيل. وذكر في «التعريف» : أن نبات الذهب بهذه البلاد يبدأ في شهر
следующие страницы →