← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

نيلها هذا. قال في «العبر» : وكان أهلها قد أسلموا في أوّل الفتح الإسلامي. وقد ذكر في «تقويم البلدان» : أنها مدينتان على ضفّتي نيلها، إحداهما يسكنها المسلمون والثانية يسكنها الكفّار. وقد ذكر في «الروض المعطار» : أن لصاحب غانة معلفين من ذهب، يربط عليهما فرسان له أيام مقعده. الإقليم الرابع (بلاد كوكو) وهي شرقيّ إقليم مالّي المقدّم ذكره. قال في «الروض المعطار» : وملكها قائم بنفسه، له حشم وقوّاد وأجناد وزيّ كامل؛ وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الأمم. قال: وبها ينبت عود الحيّة: وهو عود يشبه العاقر قرحا، إلا أنه أسود؛ من خاصّته أنه إذا وضع على جحر الحيّة خرجت إليه بسرعة، ومن أمسكه بيده أخذ من الحيّات ما شاء من غير جزع يدركه أو يقع في نفسه. ثم قال: والصحيح عند أهل المغرب الأقصى أن هذا العود إذا أمسكه ممسك بيده أو علّقه في عنقه لم تقربه حية البتّة. وقاعدته (مدينة كوكو) بفتح الكاف وسكون الواو وفتح الكاف الثانية وسكون الواو بعدها. وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأول قال ابن سعيد: حيث الطول أربع وأربعون درجة، والعرض عشر درج. قال: وهي مقرّ صاحب تلك البلاد. قال: وهو كافر يقاتل من غربيّه من مسلمي غانة ومن شرقيّة من مسلمي الكانم. وذكر المهلّبي في العزيزي أنهم مسلمون، وبينهما وبين مدينة غانة مسيرة شهر ونصف. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة كبيرة على ضفّة نهر يخرج من ناحية الشمال، يمرّ بها ويجاوزها بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصّحراء في رمال كما يغوص الفرات في بطائح العراق. قال ابن سعيد: وكوكو في شرقيّ النهر، ولباس عامّة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم، وتجّارهم يلبسون الأكسية، وعلى

стр. 2487

رؤوسهم الكرازين، ولبس خواصّهم الأزرق. قال في «مسالك الأبصار» : وسكانها قبائل يرنان من السّودان. الإقليم الخامس (بلاد تكرور) وهي شرقيّ إقليم (كوكو) المقدّم ذكره، ويليه من جهة الغرب مملكة (البرنو) المتقدّمة الذكر، وبها عرفت هذه المملكة على كبرها واشتهرت. وقاعدتها (مدينة تكرور) بفتح التاء المثناة فوق وسكون الكاف وضم الراء المهملة وسكون الواو وراء مهملة في الآخر. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة على النّيل على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب، وطعام أهلها السمك، والذّرة، والألبان، وأكثر مواشيهم الجمال، والمعز، ولباس عامّة أهلها الصّوف، وعلى رؤوسهم كرازين صوف، ولباس خاصّتهم القطن والمآزر. قال: وبينها وبين سجلماسة من بلاد المغرب أربعون يوما بسير القوافل، وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة بالصحراء آسفي بينهما خمس وعشرون مرحلة. قال: وأكثر ما يسافر به تجّار الغرب الأقصى إليها الصّوف، والنّحاس، والخرز، ويخرجون منها بالتّبر، والخدم. قلت: وذكر في «مسالك الأبصار» : أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما وهي: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبغو، وزرنطابنا، وبيترا، ودمورا، وزاغا، وكابرا، وبراغودي، وكوكو، ومالّي. فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدّمة الذكر، وأسقط إقليم صوصو، وكأنها قد اضمحلّت وزاد باقي ذلك، فيحتمل أنها انضافت إلى صاحبها يومئذ بالفتح والاستيلاء عليها. قال في «مسالك الأبصار» : وفي شماليّ بلاد مالّي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها: وهم نيتصر، ونيتغراس، ومدوسة، ولمتونة، ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا نيتصر، فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالّي. قال: وكذلك في طاعته قوم من الكفار بعضهم يأكل لحم الآدميين. ونقل عن

стр. 2488

الشيخ سعيد الدّكّالي: أن في طاعة سلطانها بلاد مغارة الذهب. وهم بلاد همج، وعليهم إتاوة من التبر تحمل إليه في كل سنة، ولو شاء أخذهم ولكن ملوك هذه المملكة قد جرّبوا أنه ما فتحت مدينة من هذه المدن وفشا بها الإسلام، ونطق بها داعي الأذان، إلا قلّ بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتّى يعدم، ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار، فرضوا منهم ببذل الطاعة، وحمل قرّر عليهم. وذكر نحو ذلك في «التعريف» في الكلام على غانة. الجملة الثانية (في الموجود بهذه المملكة) قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ سعيد الدّكّالي: أن بها الخيل من نوع الأكاديش التتريّة. قال: وتجلب الخيل العراب إلى ملوكهم، يتغالون في أثمانها، وكذلك عندهم البغال، والحمير، والبقر، والغنم، ولكنّها كلّها صغيرة الجثّة، وتلد الواحدة من المعز عندهم السبعة والثمانية، ولا مرعى لمواشيهم، إنما هي جلّالة على المقامات والمزابل. وبها من الوحوش الفيلة، والآساد والنّمورة، وكلّها لا تؤذي من بني آدم إلا من تعرّض لها. وعندهم وحش يسمّى (ترمّي) بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم، في قدر الذئب، يتولد بين الذئب والضّبع لا يكون إلا خنثى: له ذكر وفرج، متى وجد في الليل آدميّا صغيرا أو مراهقا أكله. ولا يتعرّض إلى أحد في النهار، وهو ينعر كالثور، وأسنانه متداخلة. وعندهم تماسيح عظام منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأكثر، ومرارته عندهم سمّ قاتل تحمل إلى خزانة ملكهم. وعندهم بقر الوحش، وحمير الوحش، والغزلان. وفيما يسامت سجلماسة من بلادهم جواميس متوحّشة تصاد كما يصاد الوحش. وبها من الطيور الدّواجن الإوزّ، والدّجاج، والحمام. وبها من الحبوب الأرزّ، والغوثي: وهو دق مزغّب، يدرس فيخرج منه حبّ أبيض شبيه بالخردل في المقدار

стр. 2489

أو أصغر منه، فيغسل ثم يطحن ويعمل منه الخبز، وهذا الحب هو والأرزّ هما غالب قوتهم، وعندهم الذّرة وهي أكثر حبوبهم، ومنها قوتهم وعليق خيولهم ودوابّهم، وعندهم الحنطة على قلّة فيها، أما الشعير فلا وجود له عندهم البتة، وعندهم من الفواكه البستانية الجمّيز «١» وهو كثير لديهم؛ وعندهم أشجار برّية ذوات ثمار مأكولة مستطابة، منها شجر يسمّى تادموت يحمل شيئا مثل القواديس كبرا في داخلها شيء شبيه بدقيق الحنطة، ساطع البياض، طعمه مزّ لذيذ يأكلون منه، وإذا جف جعلوه على الحنّاء فيسوّده كالنوشادر، ومنها شجر يسمّى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخرّوب فيخرج منها شيء شبيه بدقيق التّرمس حلو لذيذ الطعم، له نوى. ومنها شجر يسمّى قومي، يحمل شبيه السفرجل، لذيذ الطعم يشبه طعم الموز، وله نوى شبيه بغضروف العظم، يأكله بعضهم معه. ومنها شجر اسمه فاريتي، حمله شبيه بالليمون وطعمه يشبه طعم الكمّثرى بداخله نوى ملحم، يؤخذ ذلك النوى وهو طريّ، فيطحن فيخرج منه شيء شبيه بالسمن يجمد، وتبيّض به البيوت، وتوقد منه السّرج، ويعمل منه الصابون، وإذا قصد أكله وضع في قدر على نار ليّنة، ويسقى الماء حتّى يقوى غليانه وهو مغطّى الرأس، ويسارق كشف الغطاء في افتقاده، فإنه متى كشف القدر فار ولحق بالسقف. وربما انعقد منه نار فأحرق البيت، فإذا نضج برّد، وجعل في ظروف القرع، وصار يستعمل في المأكل كالسّمن. ومتى جعل في غير ظروف القرع من الآنية خرقها. ويوجد بها من الثمرات البرّيّة ما هو شبيه بكل الفواكه البستانيّة على اختلاف أنواعها، ولكنها حرّيفة لا تستطاب، يأكلها الهمج من السّودان، وهي قوت كثير منهم. وبها من الخضراوات اللّوبياء، واللّفت، والثّوم، والبصل، والباذنجان، والكرنب، أما الملوخيّة فلا تطلع عندهم إلا برّية، والقرع عندهم بكثرة. وعندهم شيء شبيه بالقلقاس إلا أنه الذّ من القلقاس، يزرع في الخلاء فإن سرق منه

стр. 2490

سارق، قطع الملك رأسه وعلّقه مكان ما قطع منه، عادة عندهم يتوارثونها خلفا عن سلف، لا توجد فيها رخصة، ولا تنفع فيها شفاعة. وجبالها ذوات أشجار مشتبكة، غليظة السّوق إلى الغاية، تظلّ الواحدة منها خمسمائة فارس. وفيها بغانة وما وراءها في الجنوب من بلاد السّودان الهمج معادن الذهب. وقد حكى في «مسالك الأبصار» عن الأمير أبي الحسن عليّ بن أمير حاجب عن السلطان (منسا موسى) سلطان هذه المملكة: أنه سأله عند قدومه الديار المصرية حاجّا عن معادن الذهب عندهم- فقال: توجد على نوعين: نوع في زمان الربيع ينبت في الصحراء، له ورق شبيه بالنجيل «١» ، أصوله التبر. والثاني يوجد في أماكن معروفة على ضفّات مجارى النيل، تحفر هناك حفائر فيوجد فيها الذهب كالحجارة والحصى، فيؤخذ. قال: وكلاهما هو المسمّى بالتّبر. ثم قال: والأوّل «٢» أفحل في العيار، وأفضل في القيمة. وذكر في «التعريف» نحوه. وذكر عن الشيخ عيسى الزواويّ عن السلطان (منسا موسى) المقدّم ذكره أيضا أنه يحفر في معادن الذهب كلّ حفيرة عمق قامة أو ما يقاربها، فيوجد الذهب في جنباتها. وربما وجد مجتمعا في سفل الحفيرة، وأنّ في مملكته أمما من الكفّار لا يأخذ منهم جزية، إنما يستعملهم في إخراج الذهب من معادنه. ثم قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن النوع الأوّل من الذهب يوجد في زمن الربيع عقيب [الأمطار] «٣» ينبت في مواقعها، والثاني يوجد في جميع السنة في ضفّات مجارى النّيل. وذكر في «التعريف» : أن نبات الذهب بهذه البلاد يبدأ في شهر

стр. 2491

(أغشت) » حيث سلطان الشمس قاهر، وذلك عند أخذ النّيل في الارتفاع والزيادة. فإذا انحطّ النيل تتبّع حيث ركب عليه من الأرض، فيوجد منه ما هو نبات يشبه النجيل وليس به. ومنه ما يوجد كالحصى. فجعل الجميع مما يحدث في هذا الزمن في أماكن النيل خاصّة، وفيه مخالفة لما تقدّم. بل قد قال: إن شهر (أغشت) الذي يطلع فيه الذهب وهو من شهور الروم، ويقع- والله أعلم- أنه يركّب من (تمّوز) و (آب) يعني من شهور السريان، وهذا غلط فاحش. فقد تقدّم في المقالة الأولى أن شهور الروم منطبقة على شهور السّريان في الابتداء والانتهاء، دون ابتداء أوّل السنة، وشهر (أغشت) من شهور الروم هو شهر (آب) من شهور السريان بعينه. ثم قد حكى في «مسالك الأبصار» عن والي مصر عن (منسا موسى) المقدم ذكره: أن الذهب ببلاده حمّى له، يجمع له متحصله كالقطيعة، إلا ما يأخذه أهل تلك البلاد منه على سبيل السّرقة. وحكي عن الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أنه إنما يهادى بشيء منه كالمصانعة، وأنه يتكسّب عليهم في المبيعات لأنّ بلادهم لا شيء بها. ثم قال: وكلام الدّكّالي أثبت وعليه ينطبق كلامه في «التعريف» حيث ذكر غانة ثم قال: وله عليها إتاوة مقرّرة تحمل إليه في كلّ سنة. وبهذه البلاد أيضا معدن نحاس وليس يوجد في السّودان إلا عندهم. قال الشيخ عيسى الزواوي: قال لي السلطان موسى: إن عنده في مدينة اسمها (نكوا) معدن نحاس أحمر، يجلب منه قضبان إلى مدينة بنبى قاعدة مالّي فيبعث منه إلى بلاد السّودان الكفّار، فيباع وزن مثقال بثلثي وزنه من الذهب، يباع كلّ مائة مثقال من هذا النحاس بستة وستين مثقالا وثلثي مثقال من الذهب. وبهذه البلاد (معدن ملح) وليس في شيء من السّودان الوالجين في الجنوب والمسامتين لسجلماسة وما وراءها ملح سواه. قال «المقرّ الشهابيّ بن

стр. 2492

فضل الله» : حدّثني أبو عبد الله بن الصائغ، أن الملح معدوم في داخل بلاد السّودان، فمن الناس من يغرّر ويصل به إلى أناس منهم يبذلون نظير كلّ صبرة ملح مثله من الذهب. قال ابن الصائغ: وحدّثت أن من أمم السودان الداخلة من لا يظهر لهم بل إذا جاء التّجّار بالملح وضعوه ثم غابوا، فيجيء السّودان فيضعون إزاءه الذهب، فإذا أخذ التجّار الذهب، أخذ السّودان الملح. قال في «مسالك الأبصار» : قال لي الدّكّاليّ: وأهل هذه المملكة كثير فيهم السحر، ولهم به عناية حتّى إنهم في بلاد الكفّار منهم يصيدون الفيل بالسحر حقيقة لا مجازا، وفي كلّ وقت يتحاكمون عند ملكهم بسببه، ويقول أحدهم: إن فلانا قتل أخي أو ولدي بالسّحر، والسلطان يحكم على القاتل بالقصاص وقتل الساحر. وحكى عنه أيضا: أن السّموم بهذه المملكة كثيرة، فإن عندهم حشائش وحيوانات يركّبون منها السموم القتّالة، ولا سيما من سمك يوجد عندهم. قال الشيخ سعيد الدّكّالي: ومن خصّيصة هذه البلاد أن يسرع فيها فساد المدّخرات لا سيما السّمن فإنه يفسد وينتن فيها في يومين. الجملة الثالثة (في معاملة هذه المملكة) ذكر في «مسالك الأبصار» عن ابن أمير حاجب: أن المعاملة عندهم بالودع وأن التّجّار تجلبه إليهم كثيرا، فتربح فيه الرّبح الكثير. وكأن هذا في المعاملات النازلة من مثل المآكل وما في معناها، وإلا فالذهب عندهم على ما تقدّم من الكثرة.

стр. 2493

الجملة الرابعة (في ذكر ملوك هذه المملكة) قد تقدّم أن هذه المملكة قد اجتمع بها خمسة «١» أقاليم، وهي: إقليم مالّي، وإقليم صوصو، وإقليم غانة من الجانب الغربيّ عن مالّي، وإقليم كوكو، وإقليم تكرور في الجانب الشرقي عن مالّي، وأن كلّ إقليم من هذه الخمسة كان مملكة مستقلة، ثم اجتمع الكلّ في مملكة صاحب هذه المملكة، وأن مالّي هي أصل مملكته. قال في «مسالك الأبصار» : وهو وإن غلب عليه عند أهل مصر اسم سلطان التّكرور فإنه لو سمع هذا أنف منه، لأن التّكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحبّ إليه أن يقال (صاحب مالّي) لأنه الإقليم الأكبر، وهو به أشهر. ونقل عن الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أنه ليس بمملكته من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة وهو كالنائب له وإن كان ملكا. وكأنه إنما بقي اسم الملك على صاحب غانة دون غيره لعدم انتزاعها منه والاستيلاء عليها استيلاء كلّيّا. فقد قال في «التعريف» : وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها، يتركها عن قدرة عليها: لأن بها وبما وراءها جنوبا منابت الذهب. وذكر ما تقدّم من أن بلاد منابت الذهب متى فشا فيها الإسلام والأذان، عدم فيها نبات الذهب، وصاحب مالّي يتركها لذلك لأنه مسلم، وله عليها إتاوة كبيرة مقرّرة تحمل إليه في كل سنة. وقد ذكر صاحب «العبر» : أن هذه الممالك كانت بيد ملوك متفرّقة، وكان من أعظمها مملكة غانة. فلما أسلم الملثّمون من البربر، تسلّطوا عليهم بالغزو حتّى دان كثير منهم بالإسلام، وأعطى الجزية آخرون، وضعف بذلك ملك غانة واضمحلّ، فتغلّب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم، وملكوا غانة من أيدي أهلها. وكان ملوك مالّي قد دخلوا في الإسلام من زمن قديم.

стр. 2494

قال: ويقال: إن أوّل من أسلم منهم ملك اسمه (برمندانّة) بباء موحدة وراء مهملة مفتوحتين وميم مكسورة ونون ساكنة ودال مهملة بعدها ألف ثم نون مشدّدة مفتوحة وهاء في الآخر فيما ضبطه بعض علمائهم. ثم حجّ بعد إسلامه، فاقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده. ثم جاء منهم ملك اسمه (ماري جاظة) ومعنى (ماري) الأمير الذي يكون من نسل السلطان ومعنى (جاظة) الأسد، فقوي ملكه وغلب على صوصو، وانتزع ما كان بأيديهم من ملكهم القديم وملك غانة الذي يليه إلى البحر المحيط. ويقال: إنه ملك عليهم خمسا وعشرين سنة. ثم ملك بعده ابنه (منساولي) ومعنى (منسا) بلغتهم السلطان، ومعنى (ولي) عليّ، وكان من أعظم ملوكهم، وحجّ أيام الظاهر بيبرس صاحب مصر. ثم ملك من بعده أخوه (والي) . ثم ملك من بعده أخوه (خليفة) وكان أحمق، يغلب عليه الحمق فيرمي الناس بالسّهام فيقتلهم، فوثب به أهل مملكته فقتلوه. وملك بعده سبط من أسباط «ماري جاظة» المقدّم ذكره، اسمه (أبو بكر) على قاعدة العجم في تمليك البنت وابن البنت. ثم تغلّب على الملك مولى من مواليهم اسمه (ساكبورة) . ويقال (سيكره) فاتسع نطاق مملكته وغلب على البلاد المجاورة له، وفتح بلاد كوكو واستضافها إلى مملكته، واتّصل ملكه من البحر المحيط الغربيّ إلى بلاد التّكرور، فقوي سلطانه، وهابه أمم السّودان ورحل إليه التّجّار من بلاد الغرب وأفريقيّة. وحجّ أيام السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» «١» ورجع فقتل في أثر عوده. وملك بعده (قو) ابن السلطان «ماري جاظة» .

стр. 2495

ثم ملك من بعده (محمد بن قو) ثم انتقل الملك من ولد ماري جاظة إلى ولد أخيه أبي بكر. فولي منهم (منسا موسى) بن أبي بكر. قال في «العبر» : وكان رجلا صالحا، وملكا عظيما، له أخبار في العدل تؤثر عنه، وعظمت المملكة في أيامه إلى الغاية، وافتتح الكثير من البلاد. قال في «مسالك الأبصار» : حكى ابن أمير حاجب والي مصر عنه، أنه فتح بسيفه وحده أربعا وعشرين مدينة من مدن السّودان ذوات أعمال وقرى وضياع. قال في «مسالك الأبصار» : قال ابن أمير حاجب: سألته عن سبب انتقال الملك إليه- فقال: إن الذي قبلي كان يظنّ أن البحر المحيط له غاية تدرك، فجهز مئين سفن، وشحنها بالرجال والأزواد التي تكفيهم سنين، وأمر من فيها أن لا يرجعوا حتّى يبلغوا نهايته أو تنفد أزوادهم، فغابوا مدّة طويلة، ثم عاد منهم سفينة واحدة وحضر مقدّمها، فسأله عن أمرهم. فقال: سارت السفن زمانا طويلا حتّى عرض لها في البحر في وسط اللّجة واد له جرية عظيمة، فابتلع تلك المراكب وكنت آخر القوم فرجعت بسفينتي، فلم يصدّقه: فجهّز ألفي سفينة ألفا للرجال وألفا للأزواد، واستخلفني وسافر بنفسه ليعلم حقيقة ذلك، فكان آخر العهد به وبمن معه. قال في «العبر» : وكان حجّه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» . قال في «مسالك الأبصار» : قال لي المهمندار خرجت لملتقاه من جهة السلطان فأكرمني إكراما عظيما، وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدّثني إلا بترجمان مع إجادته اللسان العربيّ. قال: ولما قدم، قدّم للخزانة السلطانية حملا من التّبر؛ ولم يترك أميرا ولا ربّ وظيفة سلطانيّة إلا وبعث إليه بالذهب. وكنت أحاوله في طلوع القلعة للاجتماع بالسلطان حسب الأوامر السلطانية فيأبى خشية تقبيل الأرض للسلطان ويقول: جئت للحجّ لا لغيره، ولم أزل به حتّى وافق على ذلك.

стр. 2496

فلما صار إلى الحضرة السلطانية. قيل له: قبّل الأرض، فتوقف وأبى إباء ظاهرا. وقال: كيف يجوز هذا؟ فأسرّ إليه رجل كان إلى جانبه كلاما- فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد، وتقدّم إلى السلطان، فقام له بعض القيام وأجلسه إلى جانبه وتحدّثا طويلا، ثم قام السلطان موسى فبعث إليه السلطان بالخلع الكاملة له ولأصحابه، وخيلا مسرجة ملجمة. وكانت خلعته طرد وحش بقصب كثير، بسنجاب مقندس، مطرّز بزركش، على مفرج إسكندري، وكلّوتة زركش، وكلاليب ذهب، وشاش بحرير، ورقم خليفتيّ، ومنطقة ذهب مرصّعة، وسيف محلّى، ومنديل مذهب خزّ، وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب بغل محلّاة وأعلام، وأجرى عليه الأنزال والإقامات الوافرة مدّة مقامه. ولما آن أوان الحج بعث إليه بمبلع كبير من الدراهم، وهجن «١» جليلة كاملة الأكوار والعدّة لمركبه، وهجن أتباع لأصحابه وأزواد جمة، وركز له العليق في الطّرق، وأمر أمير الركب بإكرامه واحترامه. ولما عاد، بعث إلى السلطان من هديّة الحجاز تبرّكا، فبعث إليه بالخلع الكاملة له ولأصحابه، والتّحف والألطاف، من البزّ السّكندريّ والأمتعة الفاخرة، وعاد إلى بلاده. وذكر عن ابن أمير حاجب والي مصر أنه كان معه مائة حمل ذهبا أنفقها في سفرته تلك على من بطريقه إلى مصر من القبائل ثم بمصر، ثم من مصر إلى الحجاز توجّها وعودا حتّى احتاج إلى القرض، فاستدان على ذمّته من تجّار مصر بمالهم عليه فيه المكاسب الكثيرة، بحيث يحصل لأحدهم في كلّ ثلاثمائة دينار سبعمائة دينار ربحا، وبعث إليهم بذلك بعد توجّهه إلى بلاده. قال في «العبر» ويقال: إنه كان يحمل آلته اثنا عشر ألف وصيفة لا بسات أقبية الدّيباج.

стр. 2497

قال في «مسالك الأبصار» : وذكر لي عنه ابن أمير حاجب: أنه حكى له أن من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسناء، قدّمها له أمة موطوءة، فيملكها بغير تزويج مثل ملك اليمن- فقلت له: إن هذا لا يحل لمسلم شرعا- فقال: ولا للملوك؟ - فقلت: ولا للملوك واسأل العلماء. فقال: والله ما كنت أعلم ذلك! وقد تركته من الآن. قال في «العبر» : ودام ملكه عليهم خمسا وعشرين سنة ومات. فملك بعده ابنه (منسا مغا) ومعنى مغا عندهم محمد، يعنون السلطان محمدا، ومات لأربع سنين من ولايته. وملك بعده أخوه (منسا سليمان) بن أبي بكر، وهو أخو منسا موسى المقدّم ذكره. قال في «مسالك الأبصار» : واجتمع له ما كان أخوه افتتحه من بلاد السّودان وأضافه إلى يد الإسلام، وبنى به المساجد والجوامع والمنارات، وأقام به الجمع والجماعات والأذان، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك ﵁، وتفقّه في الدين. قال في «العبر» ودام ملكه أربعا وعشرين سنة، ثم مات. وولي بعده ابنه (قنبتا بن سليمان) ومات لتسعة أشهر من ملكه. وملك بعده (ماري جاظه) بن منسا مغا بن منسا موسى فأقام أربع عشرة سنة أساء فيها السيرة، وأفسد ملكهم، وأتلف ذخائرهم بسرفه وتبذيره، حتّى انتهى به الحال في السّرف أنه كان بخزائنهم حجر ذهب، زنته عشرون قنطارا منقولا من المعدن من غير سبك ولا علاج بالنار. وكانوا يرونه من أنفس ذخائرهم لندور وجود مثله في المعدن، فباعه على تجّار مصر المتردّدين إليه بأبخس ثمن، وصرف ذلك كله في الفسوق، وكان آخر أمره أن أصابته علّة النوم وهو مرض كثيرا ما يصيب أهل تلك البلاد لا سيّما الرؤساء منهم، يأخذ أحدهم النوم حتّى لا يكاد يفيق،

стр. 2498

فأقام به سنتين حتّى مات سنة خمس وسبعين وسبعمائة. وملك بعده ابنه (موسى) فنكّب عن طريق أبيه، وأقبل على العدل وحسن السيرة. وتغلب على دولته وزيره (ماري جاظه) فحجره وقام بتدبير الدولة، وكان له فيها أحسن تدبير، وبقي منسا موسى حتّى مات سنة تسع وثمانين وسبعمائة. وملك بعده أخوه (منسا مغا) وقتل بعده بسنة أو نحوها. وملك بعده (صندكي) زوج أم موسى المقدّم ذكره، ومعنى (صندكي) الوزير، ووثب عليه بعد أشهر رجل من بيت ماري جاظة. ثم خرج من ورائهم من بلاد الكفرة رجل اسمه (محمود) ينسب إلى (منساقو) بن منساولي، بن ماري جاظة، ولقبه منسا مغا، وغلب على الملك في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. قال في «التعريف» : وصاحب التّكرور هذا يدّعي نسبا إلى عبد الله بن صالح، بن الحسن، بن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجوههم. قلت: هو صالح ابن عبد الله بن موسى، بن عبد الله أبي الكرام، بن موسى الجون، بن عبد الله، بن حسن المثنّى، ابن الحسن السبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁. وقد ذكر في «تقويم البلدان» : أن سلطان غانة يدّعي النسب إلى الحسن ابن عليّ ﵉، فيحتمل أنه أراد صاحب هذه المملكة لأنّ من جملة من هو في طاعته غانة، أو من كان بها في الزمن القديم قبل استيلاء أهل الكفر عليها. الجملة الخامسة (في أرباب الوظائف بهذه المملكة) قد ذكر في «مسالك الأبصار» أن بهذه المملكة: الوزراء، والقضاة، والكتّاب، والدّواوين، وأن السلطان لا يكتب شيئا في الغالب، بل يكل كلّ أمر

стр. 2499

إلى صاحب وظيفته من هؤلاء فيفصله. وكتابتهم بالخط العربيّ على طريقة المغاربة. الجملة السادسة (في عساكر سلطان هذه المملكة، وأرزاقهم) أما مقدار العساكر، فقد ذكر الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أن مقدار عسكره مائة ألف نفر، منهم خيّالة نحو عشرة آلاف فارس، وباقيهم رجّالة لا خيل لهم. وأما الإقطاعات لأمراء هذا السلطان وجنده والإنعامات عليهم، فقد قال الدّكّالي: إن من أكابرهم من يبلغ جملة ماله على الملك في كلّ سنة خمسين ألف مثقال من الذهب، وأنه يتفقّدهم مع ذلك بالخيل والقماش، وإن همته كلها في تجميل زيّهم وتمصير مدنهم. الجملة السابعة (في زيّ أهل هذه المملكة) قال الدكاليّ لباسهم عمائم بحنك مثل الغرب، وقماشهم بياض من ثياب قطن تنسج عندهم في نهاية الرقة واللطف تسمّى الكمصيا ولبسهم شبيه بلبس المغاربة جباب ودراريع بلا تفريج والأبطال من فرسانهم تلبس أساور من ذهب، فمن زادت فروسيّته لبس معها أطواقا من ذهب فإن زادت لبس مع ذلك خلاخل من ذهب، وكلما زادت فروسيّة البطل ألبسه الملك سراويل متسعة وسراويلاتهم ضيقة أكمام الساقين متّسعة الشرج، وأهل هذه المملكة يركبون بالسّروج وهم في غالب أحوالهم في الركوب كأنهم من العرب، إلا أن هؤلاء يبدأون في الركوب بأرجلهم اليمنى بخلاف غيرهم من سائر الناس جميعا، ولا يعرف عندهم ركوب جمل بكور.

стр. 2500

الجملة الثامنة (في ترتيب هذه المملكة) أما جلوس السّلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبة كبيرة، على دكّة كبيرة من آبنوس، كالتخت على قدر المجلس العظيم المتسع، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها، الناب إلى الناب، وعنده سلاح له من ذهب كلّه: سيف، ومزراق، وقوس، وتركاش، ونشّاب، وعليه سراويل كبير، مفصّل من نحو عشرين نصفية، لا يلبس مثله أحد منهم، بل هو من خصوصيته، ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكا من التّرك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر، بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبّة، وطائر من ذهب صفة بازي يحمل على يساره، وأمراؤه جلوس حوله يمينا وشمالا، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس، وبين يديه شخص يغنّي له وهو سيّافه، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمّى الشاعر، وتنهى إليه الشّكاوى والمظالم فيفصلها بنفسه، ولا يكتب شيئا في الغالب، بل يأمر بالقول بلسانه، وحوله أناس بأيديهم طبول يدقّون بها، وأناس يرقصون وهو يضحك منهم، وخلفه صنجقان منشوران، وأمامه فرسان مشدودان محصّلان لركوبه متى أحبّ، ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما، لا يسامح أحد في مثل ذلك، فإن بغت أحدا منهم العطاس، انبطح في الأرض وعطس حتّى لا يعلم به. أما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم. ولا يدخل أحد دار السلطان منتعلا كائنا من كان، ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو: عامدا كان أو ساهيا، وإذا قدم عليه أحد من أمرائه أو غيرهم، وقف أمامه زمانا، ثم يومى القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق. وصفة ذلك أن يكشف مقدّم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه، ثم يضعها وهي قائمة منتصبة، ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه، واليد اليسرى مبسوطة الكفّ لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط، تماسّ شحمة الأذن. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت هذا عند خدمتهم للسلطان «موسى» لما قدم الديار المصرية. فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده وعدا

стр. 2501

جميلا أو شكره على فعل، تمرّغ المنعم عليه بين يديه من أوّل المكان إلى آخره، فإذا وصل إلى آخر المكان، أخذ غلمان المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعا في آخر مجلس الملك معدّا لهذا الشأن، فيذرّ في رأس المنعم عليه، ثم يعود ويتمرّغ، إلى أن يصل بين يدي الملك، ويضرب جوكا آخر بيده ثم يقوم. وأما في الركوب فقد جرت عادة سلطان هذه المملكة أنه إذا قدم من سفر أن يحمل على رأسه الجتر راكب، وينشر على رأسه علم، وتضرب أمامه الطّبول، والطّنابير «١» ، والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة. قال ابن أمير حاجب: وشعار هذا السلطان أعلام وألوية كبار جدّا، ورنكه أصفر في أرض حمراء. وأما غير ذلك من سائر أموره، فقد ذكر الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أن من عادة هذا السلطان أنه إذا عاد إليه أحد ممّن بعثه في شغل له أو أمر مهمّ أن يسأله عن كلّ ما حدث له من حين مفارقته له وإلى حين عوده مفصّلا. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت السلطان موسى وهو بمصر لا يأكل إلا منفردا وحده، لا يحضره عند الأكل أحد البتّة. المملكة السادسة (من ممالك بلاد السّودان، مملكة الحبشة) بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة وهاء في الآخر. وهي مملكة عظيمة جليلة المقدار، متسعة الأرجاء، فسيحة الجوانب. قال في «مسالك الأبصار» : وأرضها صبعة المسلك: لكثرة جبالها الشامخة، وعظم أشجارها، واشتباك بعضها ببعض، حتّى إنّ ملكها إذا أراد الخروج إلى جهة من جهاتها، تقدّمه قوم مرصدون لإصلاح الطّرق بآلات لقطع الأشجار وإحراقها بالنار.

стр. 2502

قال: وهم قوم كثير عددهم، ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنسانيّ، لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتّوغّل في القتال والاقتحام، طول زمنهم في الأسفار، وصيد الوحش، وقتالهم إنما يكون عريا من غير لأمة «١» تدفع عنهم ولا عن خيلهم. ثم وصفهم بعد ذلك بأوصاف لولا ما هم عليه من الشرك لكانوا في الرّتبة العليا من مراتب بني آدم: فذكر أنّ المشهور عنهم مع ما هم عليه من المجاعة أنهم يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم. ومن عادتهم أن من رمى سلاحه في القتال حرم قتاله، ويكرمون الضيف، ولا ينقض الصديق منهم عهد صديقه، وإذا أحبّوا أظهروا المحبة، وإذا أبغضوا أظهروا البغض، والغالب عليهم الذّكاء والفطنة وصدق الحدس، ولهم علوم وصناعات خاصّة بهم، ولهم قلم يكتبون به من اليمين إلى الشّمال كما في العربيّ، عدّة حروفه ستّة عشر حرفا، لكل حرف منها سبعة فروع، فيكون عدّتها مائة واثنين وثمانين حرفا، سوى حروف أخر مستقلّة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة، مضبوطة بحركات نحوية متصلة بالخط لا منفصلة عنه. ومع كونهم جنسا واحدا فلغاتهم تزيد على خمسين لسانا، ويميل الكثير من ألوانهم إلى الصّفاء، ولكل طائفة منهم وسم في وجوههم يعبر عنه بالتلعيط، بعضهم يسم في الخدّين وسما خفيفا، وأمحرا يسمون في الخدّين والجبهة إلى الأنف خطوطا طوالا. ويقال: إن أوّل بلادهم من الجهة الغربيّة بلاد التّكرور مما يلي جهة اليمن، وأوّلها من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمرّ النهر المسمّى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر. وقد عدّ منها أحد عشر إقليما من جهة الغرب بمفازة بمكان يسمّى (وادي بركة) يتوصّل منه إلى إقليم يسمّى (سحرت) ويسمّى قديما تكراي، وكان به في الزمن القديم مدينة اسمها (احسرم) بلغة أخرى من لغاتهم، وتسمّى أيضا (زرفرتا) . بها كان كرسيّ ملك النّجاشيّ، وكان مستوليا على أقاليم الحبشة. ويليه من جهة الشرق إقليم (أمحرا) الذي به الآن مدينة المملكة، ثم

стр. 2503

إقليم شاوة، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لامنان، ثم إقليم السّيهو، ثم إقليم الزلح، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطّراز الإسلامي. قال: وبها أقاليم كثيرة العدد، مجهولة الأسماء، غير مشهورة ولا معلومة. ثم هي على قسمين: القسم الأوّل (بلاد النّصرانية) وهي القسم الأوفر عددا، الأوسع مجالا، وهو الذي يملكه ملك (أمحرا) بفتح الألف وسكون الميم وفتح الحاء والراء المهملتين وألف في الآخر. وهم جنس من الحبشة. ويشتمل على ستّ جمل: الجملة الأولى (في ذكر قواعدها) وقاعدتها مدينة (مرعدي) بفتح الميم وكسر الراء وسكون العين وكسر الدال المهملتين وياء مثناة تحت في الآخر. وهي مدينة بإقليم أمحرا المقدّم ذكره فيما ذكره في «مسالك الأبصار» إلا أنه لم يذكر صفتها، والذي ذكره في «تقويم البلدان» : أن قاعدة الحبشة (مدينة جرمي) بالجيم المفتوحة والراء المهملة الساكنة ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة تحتية في الآخر كما ضبطه ابن سعيد. وموقعها في الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول خمس وخمسون درجة، والعرض تسع درج وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة ذكرها أكثر المصنّفين في كتب المسالك والممالك والأطوال والعروض، وأنها كرسيّ مملكة الحبشة وقاعدتهم، ولم يزد على ذلك، فيحتمل أنها قاعدة قديمة، ويحتمل أنها القاعدة المستقرّة.

стр. 2504

الجملة الثانية (في الموجود بها) قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنّ بها من المواشي ذوات الأربع: الخيل، والبغال، والبقر، والغنم وما في معناها، وأغنامهم تشبه أغنام عيذاب واليمن. ومن الوحوش الأسد، والنّمر، والفهد، والفيل، والزّرافة، والغزال، وبقر الوحش، وحمار الوحش، والقردة، وغيرها من الوحوش. وبها من الطّيور الجوّية: الصّقورة، والبزاة بكثرة، والنّسور البيض والسّود، والغراب، والحجل، وطير الواجب بجملته، والحمام، والعصفور، وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية. ومن الطيور البرّية دجاج الحبش وأمثالها. ومن الطيور المائية البطّ، وعندهم بنهرهم سمك يشبه البوريّ، وسمك يشبه الثّعبان، يطول إلى مقدار ذراعين ونصف، ويغلظ إلى مقدار كبار الخشب، وبنهرهم أيضا التّمساح وفرس البحر، وغير ذلك. وبها من الحبوب: الحنطة، والشّعير، والحمّص، والعدس، والبسلّا، والذّرة، وبعض الباقلا، وحبوب أخرى غير ذلك منها حبّ يسمّى (قنابهول) يستعملونه قوتا كالحنطة. والحنطة عندهم على مثال الحنطة الشاميّة، والشعير حبّه عندهم أكبر من حبّ الشعير المصرية والشامية، ومنه ضرب يسمّى طمجة. ولون الحمّص عندهم إلى الحمرة. والباسلّا عندهم عزيز الوجود في أكثر البلاد، ولكنهم لا يفتقرون إليه للعلف لكثرة المراعي ببلادهم. وعندهم حبّ يسمّى (طافي) على قدر الخردل، ولونه إلى الحمرة، ومكسره إلى السّواد، يتخذون منه الخبز. وعندهم ببعض الأقاليم حبّ شبيه بالحنطة إلا أنّ له قشرين، ينزع قشره بالهرس كالأرزّ، ويتّخذون منه طعاما يكون مغنيا عن الحنطة. وعندهم بزر الكتّان وحبّ الرّشاد، وهم يزرعون على المطر في كل سنة مرتين: مرة في الصيف، ومرّة في الشتاء، تتحصل في كل مرة الغلّات.

стр. 2505

ونقل البطرك (بنيامين) أنه يقع عندهم المطر الكثير، وتحصل مع المطر الصواعق العظيمة. وعندهم من أصناف المقاثيء القرع، وفي بعض الأقاليم بطّيخ صغير. وعندهم من البقول: الثّوم، والبصل، والكزبرة الخضراء، ومن الرياحين الرّيحان، والقرنفل، ونبات أبيض يسمّى بعتران. وعندهم الياسمين البرّيّ، ولكنه ليس بمشموم لهم. وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلّة، والتّين الوزيريّ، وأصناف الحوامض خلا النّارنج. وعندهم شجر يسمّى (جان) بجيم بين الجيم والشين لا ثمر له، وإنما له قلوب تشبه قلوب النارنج تؤكل فتزيد في الذّكاء والفهم، وتفرّح، إلا أنها تقلّل الأكل، والنّوم، والجماع. وعنايتهم به عناية أهل الهند بالتّنبل وإن كان بينهما مبانية. وأيّ نفع فيما فائدته تقليل النّوم والأكل والجماع، اللاتي هي لذّات الدنيا، حتّى يحكى أنه وصف لبعض ملوك اليمن- فقال: أنا لا يذهب متحصّل ملكي إلا على هذه الثلاث، فكيف أسعى في ذهابها بأكل هذا؟ ومن أشجارهم الزّيتون، والصّنوبر، والجمّيز، وفي بعض بلادهم الآبنوس، وفي بعضها المقل «١» ، وفي بعضها القنا المجوّف والمسدود. ومأكلهم شحوم البقر والمعز، وبعض شحوم الضأن، ومشروبهم اللّبن البقريّ، وفي ضعفهم يتداوون باللبن المداف بالماء وسمن البقر. وعندهم عسل النحل بكثرة في جميع الأقاليم، تختلف ألوانه باختلاف المراعي: منه ما يوجد في الجبال فيؤخذ من غير حجر على أخذه. ومنه ماله خلايا

стр. 2506

من خشب منقورة، له ملّاك يختصّون به. ووقود مصابيحهم شحوم البقر. أما الزّيت الطّيّب فيجلب إليهم. وادّهانهم بالسّمن. وأواني طعامهم فخّار مدهون أسود. واغتسالهم بالماء البارد، وربما استعملوا الحارّ منه. وحكى البطرك (بنيامين) أن عندهم من المعادن معدن الذهب، ومعدن الحديد. وحكي عن الشريف عز الدين التاجر: أن في بعض بلادهم يوجد معدن الفضّة. ومصاغهم الذّهب، والفضّة، والنّحاس، والرّصاص، كل أحد منهم بحسبه. الجملة الثالثة (في ذكر معاملاتهم وأسعار بلادهم) أما معاملاتهم، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن معاملتهم مقايضة بالأبقار والأغنام والحبوب وغير ذلك. وأما الأسعار فالقمح والشعير اللذان هما أصل المطعومات ليس لهما عندهم قيمة تذكر، لاستغنائهم عن ذلك باللحم واللّبن. وسيأتي ذكر معاملة الطّراز الإسلاميّ فيما بعد إن شاء الله تعالى. الجملة الرابعة (في ذكر زيّهم وسلاحهم) أما زيّهم، فقد ذكر في «المسالك» أن لباسهم في الشتاء والصيف واحد: لكلّ واحد منهم ثوبان غير مخيطين: أحدهما يشدّ به وسطه، والآخر يلتحف به، ولا يعرفون لبس المخيط جملة، إلا أن الخواصّ والأجناد يفضّلون في اللّبس، فيلبسون الحرير والأبراد اليمنيّة، والعوامّ يلبسون ثياب القطن على ما تقدّم. وأما سلاح المقاتلة منهم، فالسيوف، والحراب، والمزاريق، والقسيّ، يرمون عنها بالنّبل: وهو نشّاب صغير، وربما رمى بعضهم بالنّبل عن قوس طويل يشبه قوس البندق، ولهم درق مدوّرة، ودراق طوال يتّقون بها.

стр. 2507

الجملة الخامسة (في ذكر بطاركة الإسكندريّة، الذين عن توليتهم تنشأ ولاية ملوك الحبشة) اعلم أنه قد تقدّم في المقالة الأولى في الكلام على ما يحتاج إليه الكاتب عند ذكر النحل والملل أن البطاركة عند النّصارى عبارة عن خلفاء الحواريّين الذين هم أصحاب المسيح ﵇، وأنه كان لهم في القديم أربعة كراسيّ: كرسيّ برومية: قاعدة الروم، وكرسيّ بالإسكندرية من الديار المصرية، وكرسيّ بأنطاكية: قاعدة العواصم من بلاد الشام، وكرسيّ ببيت المقدس. وأن كرسيّ رومية قد صار لطائفة الملكانيّة وبه بطركهم المعبّر عنه بالبابا إلى الآن. وكرسيّ الإسكندرية قد صار آخرا لبطرك اليعاقبة تحت ذمّة المسلمين بالديار المصرية من لدن الفتح الإسلاميّ وهلمّ جرّا إلى زماننا. وأن كرسيّ بيت المقدس وكرسيّ أنطاكية قد بطلا باستيلاء دين الإسلام عليهما. ثم كرسيّ الإسكندرية بعد مصيره إلى اليعاقبة قد تبع البطرك القائم به على مذهب اليعاقبة الحبشة والنّوبة وسائر متنصّرة السّودان، وصار لديهم كالخليفة على دين النصرانية عندهم، يتصرّف فيهم بالولاية والعزل، لا تصحّ ولاية ملك منهم إلا بتوليته، حتّى قال في «التعريف» في الكلام على مكاتبة ملك الحبشة: ولولا أنّ معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصحّ تعمّد معموديّ إلّا باتّصال من البطريرك، وأن كرسيّ البطريرك كنيسة الإسكندرية، فيحتاج إلى أخذ مطران [بعد مطران] «١» من عنده، وإلا كان شمخ بأنفه على المكاتبة، لكنه مضطرّ إلى ذلك. قال: ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة، وإذا كتب إليه كتابا فأتى ذلك الكتاب إلى أوّل مملكته، خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم، ولا يزال يحمله بيده حتّى يخرجه من أرضه وأرباب الدولة في تلك الأرض كالقسوس والشّمامسة حوله مشاة بالأدخنة، فإذا خرجوا من حدّ أرضهم تلقّاهم من يليهم أبدا كذلك في كل أرض

стр. 2508

بعد أرض حتّى يصلوا إلى أمحرا، فيخرج صاحبها بنفسه، ويفعل مثل ذلك الفعل الأوّل، إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبّي الملك، ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي ولا قليل ولا كثير حتّى ينادى للكتاب ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة، ويقرأ والملك واقف، ثم لا يجلس مجلسه حتّى ينفّذ ما أمره به. ولما تعذر الوقوف على معرفة تواريخ ملوكهم، اكتفينا بذكر البطاركة الذين عنهم تنشأ ولاياتهم، فكانوا هم ملوكهم حقيقة. اعلم أنّ أوّل من ولي من البطاركة كنيسة الإسكندرية مرقص الإنجيليّ: تلميذ بطرس الحواريّ، الذي أرسله المسيح ﵇ إلى رومية. وإنما سمّي بمرقص الإنجيليّ لأن بطرس الحواريّ حين كتب إنجيله كتبه بالرّوميّة ونسبه إلى مرقص المذكور فتلقّب بالإنجيلي، وأقام مرقص المذكور في بطركية الإسكندرية سبع سنين يدعو إلى النصرانية بالإسكندرية ومصر وبرقة والمغرب ثم قتله نيرون قيصر بن اقليوديش قيصر سادس القياصرة. وولي مكانه (حنانيا) ويسمّى بالعبرانية أنانيو ثم مات لسبع وثمانين سنة للمسيح. وولي مكانه (فلبو) فأقام ثلاث عشرة سنة ثم مات. فولي مكانة (كرتيانو) ومات لإحدى عشرة سنة من ولايته في أيام (طرنبش قيصر) . وولي مكانه (إيريمو) ثنتي عشرة سنة. ثم ولي بعده (نسطس) في أيام (أندريانوس قيصر) ، وكان حكيما فاضلا فأقام في البطركية إحدى عشرة سنة ثم مات. وولي مكانه (أرمانيون) إحدى عشرة سنة أيضا [ومات] في أيام (أندريانوس) قيصر أيضا. وولي بعده (موقيانو) فلبث تسع سنين ومات في أيام (أنطونيس قيصر)

стр. 2509

في الخامسة من ملكه. وولي بعده (كلوتيانو) فأقام أربع عشرة سنة في أيام أنطونيس قيصر ومات. وولي بعده (أغريتوس) فبقي اثنتي عشرة سنة ومات. وولي بعده (يليانس) في أيام [أوراليانس] «١» قيصر فلبث عشر سنين ومات. فولي مكانه في أيام أوراليانس (ديمتريوس) فأقام ثلاثا وثلاثين سنة. وولي بعده (تاوكلا) فأقام ستّ عشرة سنة ومات. فولي بعده (دونوشيوش) فلبث تسع عشرة سنة [ومات] . وولي مكانه (مكسيموس) فأقام ثنتي عشرة سنة ومات. وولي مكانه (ثاونا) فلبث عشر سنين [ومات] وكان النصارى إذ ذاك يقيمون الدّين خفية فلما صار بطركا صانع الروم ولاطفهم بالهدايا فأذنوا له في بناء كنيسة مريم، وأعلنوا فيها بالصلاة. ثم ولي بعده (بطرس) فلبث عشر سنين وقتله (ديقلاديانوس قيصر) . وولّي مكانه تلميذه (اسكندروس) وكان كبير تلامذته فلبث ثلاثا وعشرين سنة. وقيل ثنتين وعشرين سنة، وقيل ستّ عشرة سنة، وكسر صنم النّحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية وبنى مكانه كنيسة، وبقيت حتّى هدمها العبيديّون عند ملكهم الإسكندرية، ومات لإحدى وعشرين سنة من ملك (قسطنطين) ملك الروم. وولي مكانه تلميذه (ايناسيوس) ووثب عليه أهل إسكندرية ليقتلوه لانتحاله مذهبا غير مذهبهم فهرب. وتولى مكانه (لوقيوش) ثم ردّ (ايناسيوس) المتقدّم ذكره إلى كرسيه بعد

стр. 2510

خمسة أشهر وطرد لوقيوس، وأقام ايناسيوس بطركا إلى أن مات. فتولّى بعده تلميذه (بطرس) سنتين ووثب عليه أصحاب لوقيوس فهرب وردّ لوقيوس إلى كرسيه، فأقام ثلاث سنين، ثم وثبوا عليه وردّوا بطرس ومات لسنة من إعادته، وقيل إنه حبس وأقيم مكانه (أريوس) من أهل سميساط. ثم ولي (طيماناواس) أخو بطرس، فلبث فيهم سبع سنين ومات. ويقال: إن ايناسيوس المتقدّم ذكره ردّ إلى كرسيه ثم مات. فولي مكانه كاتبه (تاوفينا) [فأقام سبعا وعشرين سنة] «١» ومات. وتولّى مكانه (كيرلس) ابن أخته [فأقام اثنتين وثلاثين سنة] «٢» ومات. فولي مكانه (ديسقرس) فأحدث بدعة في الأمانة التي يعتقدونها فأجمعوا على نفيه. وولّوا مكانه (برطارس) وافترقت النصارى من حينئذ إلى يعقوبيّة وملكانية «٣» ووثب أهل الإسكندرية على برطارس البطرك فقتلوه لستّ سنين من ولايته وأقاموا مكانه (طيماناوس) وكان يعقوبيا، وهو أوّل من ولي البطركية من اليعاقبة بالإسكندرية فأقام فيها ثلاث سنين ثم جاء قائد من القسطنطينية فنفاه وأقام مكانه (سوريس) من الملكية، فأقام تسع سنين. ثم عاد (طيماناوس) المتقدّم ذكره إلى كرسيه بأمر لاون قيصر. ويقال أنه بقي في البطركية اثنتين وعشرين سنة ومات. فولي مكانه (بطرس) وهلك بعد ثمان سنين. وولي مكانه (اثناسيوس) وهلك لسبع سنين، وكان قيّما ببعض البيع في بطركية بطرس ومات.

стр. 2511

فولي مكانه (يوحنا) وكان يعقوبيا، ومات بعد سبع سنين. وولي مكانه (يوحنا الحبيس) ومات بعد إحدى عشرة سنة. فولي مكانه (ديسقرس الجديد) ومات بعد سنتين ونصف. ثم ولي مكانه (طيماناوس) وكان يعقوبيّا، فمكث فيهم ثلاث سنين، وقيل سبع عشرة سنة، ثم نفي. وولي مكانه (بولص) وكان ملكيا فلم تقبله اليعاقبة، وأقام على ذلك سنتين. ثم ولّى قيصر قائدا من قوّاده اسمه (أثوليناريوس) فدخل الكنيسة على زيّ الجند، ثم لبس زيّ البطاركة وحملهم على رأي اليعقوبيّة، وقتل من امتنع وكانوا مائتين، ومات لسبع عشرة سنة من ولايته. وولي مكانه (يوحنا) وهلك لثلاث سنين. وانفرد اليعاقبة بالإسكندرية وكان أكثرهم القبط وقدّموا عليهم طودوشيوش بطركا، فمكث فيهم ثنتين وثلاثين سنة. ثم جعل الملكية بطركهم داقيانوس وطردوا طودوشيوش عن كرسيّة ستة أشهر، ثم أمر قيصر بأن يعاد فأعيد، ثم نفاه بعد ذلك. وولّى مكانه (بولس التّنّيسي) فلم يقبله أهل الإسكندرية ولا ما جاء به، ثم مات وغلّقت كنائس القبط اليعقوبية، ولقوا شدّة من الملكية، ومات (طودوشيوش) الذي كان قد نفي. وتولّى البطركية (بطرس) ومات بعد سنتين. وولي مكانه (داميّانو) فمكث ستّا وثلاثين سنة، وخربت الدّيرة في أيامه. ثم ولي على الملكية بالإسكندرية ومصر (يوحنا الرّحوم) وهو الذي عمل البيمارستان للمرضى بالإسكندرية، ولما سمع بمسير الفرس إلى مصر هرب إلى

стр. 2512

قبرس فمات بها لعشر سنين من ولايته، وخلا كرسيّ الملكية بعده بالإسكندرية سبع سنين. وكانت اليعاقبة بالإسكندرية قدّموا عليهم (انسطانيوس) فمكث فيهم ثنتي عشرة سنة، واستردّ ما كانت الملكية استولوا عليه من كنائس اليعقوبيّة ومات. ثم ولي (اندرانيكون) بطركا على اليعاقبة فأقام ستّ سنين خربت فيها الدّيرة، ثم مات. وولي مكانه لأوّل الهجرة (بنيامين) فمكث تسعا وثلاثين سنة. وفي خلال أيامه غلب هرقل ملك الروم على مصر وملكها. وولّى أخاه (منانيا) بطركا على الاسكندرية وواليا وكان ملكيّا. ورأى بنيامين البطرك في نومه من يأمره بالاختفاء فاختفى، ثم غضب (هرقل) على أخيه (منانيا) لمعتقد في الدين فأحرقه بالنار ثم رمى بجثّته في البحر، وبقي (بنيامين) مختفيا إلى أن فتح المسلمون الإسكندرية فكتب له عمرو بن العاص بالأمان، فرجع إلى الإسكندرية بعد أن غاب عن كرسيّه ثلاث عشرة سنة، وبقي حتّى مات في سنة تسع وثلاثين من الهجرة، واستمرت البطركية بعده في اليعقوبيّة بمفردهم وغلبوا على مصر، وأقاموا بجميع كراسيّهم أساقفة يعاقبة، وأرسلوا أساقفتهم إلى النّوبة والحبشة فصاروا يعاقبة. وخلفه في مكانه (أغاثوا) فمكث سبع عشرة سنة، ثم مات في سنة ستّ وخمسين من الهجرة، وهو الذي في «١» أيامه قد انتزعت كنائس الملكية من اليعاقبة، وولّي عليهم بطرك بعد أن أقاموا من لدن خلافة عمر بغير بطرك نحوا من مائة سنة ورياسة البطرك لليعاقبة وهم الذين يبعثون الأساقفة إلى النّواحي. ومن هنا

стр. 2513

صارت النّوبة ومن وراءهم من الحبشة يعاقبة، وهو الذي بنى كنيسة مرقص وبقيت حتّى هدمت أيام العادل أبي بكر بن أيّوب «١» وولي مكانه بطرك اسمه (يوحنا) . ثم ولي البطركية بعده (ايساك) فأقام سنتين وأحد عشر شهرا [ومات] . وكانت تقدمته في الثامنة عشرة ليوشطيان ملك الروم، وتقرّر أن لا يقدّم بطرك إلا يوم الأحد. وقدّم عوضه (سيمون السرياني) فأقام سبع سنين ونصفا، ومات في الرابع والعشرين من أبيب سنة أربعمائة وستّ عشرة للشهداء في خلافة عبد الملك بن مروان. ويقال: إنه وصل إليه رسول من الهند يطلب منه أن يقدّم لهم أسقفّا وقسوسا فامتنع إلى أن يأمره صاحب مصر، فمضى إلى غيره ففعل له ذلك. وقدّم بعده في البطركية (الاسكندروس) في سنة إحدى وثمانين من الهجرة في يوم عيد مرقص الإنجيليّ سنة أربعمائة وعشرين للشهداء، فمكث أربعا وعشرين سنة ونصفا، وقيل خمسا وعشرين سنة، وقاسى شدّة عظيمة، وصودر دفعتين، أخذ منه في كل دفعة ثلاثة آلاف دينار، ومات في سنة ثمان ومائة، وكانت وفاته بالإسكندرية. وقدّم عوضه (قسيما) فأقام خمسة عشر شهرا ومات. فقدّم مكانه (تادرس) في سنة تسع ومائة فأقام إحدى عشرة سنة ومات.

стр. 2514

فقدّم مكانه (ميخائيل) في سنة عشرين ومائة فأقام ثلاثا وعشرين سنة ولقي شدائد من عبد الملك بن موسى نائب مروان الجعديّ على مصر ثم من مروان لما دخل إلى مصر إلى أن قتل في أبي صير وأطلق البطرك والنصارى نائب أبي العباس السّفّاح. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رسم بإعادة ما استولى عليه اليعاقبة من كنائس الملكية بالديار المصرية إليهم، فأعيدت وأقيم لهم بطرك، وكانت الملكيّة قد أقاموا بغير بطرك سبعا وتسعين سنة من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ حين الفتح الإسلاميّ إلى خلافة هشام بن عبد الملك. وفي سنة سبع وأربعين ومائة صرف أبو جعفر المنصور (ميخائيل) بطرك اليعاقبة، وأقام عوضه (مينا) فأقام تسع سنين، ومات في خلافة الهادي «محمد بن المهدي» . وقدّم مكانه (يوحنا) فاقام ثلاثا وعشرين سنة، ومات سادس عشر طوبة سنة خمسمائة وخمس عشرة للشهداء. ثم في سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة الرشيد قدّم في البطركية (مرقص الجديد) فأقام عشرين سنة وسبعين يوما. وفي أيامه رسم الرشيد بإعادة كنائس الملكية التي استولى عليها اليعاقبة ثانيا إليهم، وثارت العربان والمغاربة وخرّبوا الدّيرة بوادي هبيب «١» ولم يبق فيها من الرّهبان إلا اليسير ثم مات في سنة إحدى عشرة ومائتين. وقدّم عوضه في البطركيّة (يعقوب) قيل في السنة الثالثة من خلافة المأمون. وفي أيامه عمرت الديارات وعادت الرهبان إليها، ومات في سنة اثنتين وعشرين ومائتين.

стр. 2515

وقدّم عوضه (سيماون) في السنة المذكورة في خلافة المعتصم «١» فأقام سنة واحدة. وقيل سبعة شهور وستة عشر يوما. وخلا الكرسيّ بعده سنة واحدة وتسعة وعشرين يوما. وفي سنة سبع وعشرين ومائتين قدّم في البطركية (بطرس) ويقال (يوساب) وكانت تقدمته في دير (بومقار) بوادي هبيب حادي عشري هاتور سنة خمسمائة وسبعة وأربعين للشهداء. وقيل: إنه قدّم في أيام المأمون، وإنه أقام ثماني عشرة سنة، وسيّر أساقفة إلى أفريقيّة والقيروان، ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وخلا الكرسيّ بعده ثلاثين يوما. وقدّم عوضه (جاتيل) في السنة العاشرة من خلافة المتوكل. ويقال: إنه كان قسّا بدير بوحنس، فأقام سنة واحدة وخمسة أشهر، ثم مات ودفن بدير بومقار، وهو أوّل من دفن [فيه] من البطاركة. وخلا الكرسيّ بعده أحدا وثمانين يوما. وقدّم عوضه (قسيما) في سنة أربع وأربعين ومائتين من الهجرة، وهي الثانية عشرة من خلافة المتوكل «٢» ، وكان شمّاسا بدير بومقار، فأقام سبع سنين وخمسة شهور ثم مات ودفن بدنوشر، وخلا الكرسيّ بعده أحدا وخمسين يوما. وقدّم مكانه بطرك اسمه (اساسو) ويقال (سالوسو) في أوّل سنة من خلافة

стр. 2516

المعتزّ «١» وأحمد بن طولون «٢» بمصر، فأقام إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ومات، وهو الذي عمل مجاري المياه التي تجري تحت الأرض من خليج الإسكندرية إلى آدرها. ولما مات قدّم مكانه (ميخائيل) في خلافة المعتمد «٣» في سنة ثلاث وستين ومائتين، فأقام خمسا وعشرين سنة. وصادره أحمد بن طولون في عشرين ألف دينار، فباع في المصادرة رباع الكنائس بالإسكندرية، وبركة الحبش بظاهر مصر، ومات. فبقي الكرسيّ بعده أربع عشرة سنة شاغرا إلى سنة ثلاثمائة. [وفي يوم الاثنين ثالث شوّال سنة ثلاثمائة] احترقت الكنيسة العظمى بالإسكندرية التي كانت بنتها (كلابطره) ملكة مصر هيكلا لزحل. ثم قدّم البطرك (غبريال) في السنة السابعة من خلافة المقتدر، وهي سنة إحدى وثلاثمائة، فأقام إحدى عشرة سنة ومات. فقدّم مكانه البطرك (قسيما) فأقام اثنتي عشرة سنة ومات. وفي السنة الأخيرة من رياسته (وهي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة) أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها وتتبّعوا كنائس اليعاقبة والنّساطرة.

стр. 2517

ولما مات قسيما المذكور قدّموا عليهم بطركا لم أقف على اسمه، فأقام عشرين سنة، ثم مات. وقدّم في البطركية (تاوفانيوس) من أهل اسكندرية في السنة الحادية عشرة من خلافة المطيع «١» فأقام أربع سنين وستة أشهر، ومات مقتولا في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. وقدّم مكانه البطرك (مينا) في السنة الخامسة عشرة من خلافة المطيع، والأخشيد «٢» نائب بمصر، فأقام إحدى عشرة سنة ثم مات. وخلا كرسيّ اليعاقبة بعد موته سنة واحدة. ثم قدّم مكانه بطرك اسمه (أفراهام السرياني) في سنة ست وستين وثلاثمائة، فأقام ثلاث سنين وستة أشهر، ومات في أيام العزيز الفاطمي بمصر مسموما من بعض كتّاب النصارى: لإنكاره عليه التسرّى، وقطعت يد ذلك الكاتب بعد موته، ومات لوقته. وخلا الكرسيّ بعده ستة أشهر. وقدّم عوضه بطرك اسمه (فيلاياوس) في سنة تسع وستين وثلاثمائة. وقيل: في السنة الخامسة للعزيز الفاطميّ فأقام أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر ومات. وقدّم بعده بطرك اسمه (دخريس) في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم الفاطميّ، فأقام ثمانا وعشرين سنة، ثم مات ودفن ببركة الحبش. وخلا كرسيّ اليعاقبة بعده أربعة وسبعين يوما. [ثم قدّم اليعاقبة بعده (سابونين) بطركا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، فأقام خمس عشرة سنة ومات، فخلا الكرسيّ

стр. 2518

بعده سنة وخمسة أشهر] «١» ثم قدّم بعده بطرك اسمه (اخرسطوديس) في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في خلافة المستنصر الفاطميّ، فأقام ثلاثين سنة، ومات في السنة الحادية والأربعين من خلافة المستنصر المذكور بالكنيسة المعلّقة بمصر. وهو الذي جعل كنيسة بومرقورة بمصر وكنيسة السيدة بحارة الروم بطركية. وخلا الكرسيّ بعده اثنين وسبعين يوما. ثم قدّم بعده البطرك (كيرلص) فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفا، ومات بكنيسة المختارة بجزيرة مصر سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وخلا الكرسيّ بعده مائة وأربعة وعشرين يوما. وقدّم عوضه بطرك اسمه (ميخائيل) في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، في أيام المستنصر الفاطمي صاحب مصر، وكان قبل ذلك حبيسا بسنجار، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، ومات في المعلّقة بمصر. وقدّموا عوضه بطركا اسمه (مقاري) سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بدير بومقار، ثم كمل بالإسكندرية، وعاد إلى مصر وقدّس بدير بومقار ثم في الكنيسة المعلّقة. وفي أيامه هدم الأفضل بن أمير الجيوش كنيسة بجزيرة مصر كانت في بستان اشتراه. ولما مات قدّم عوضه بطرك اسمه (غبريال) أبو العلا صاعد، سنة خمس وعشرين وخمسمائة في أيام الحافظ الفاطمي، وكان قبل ذلك شمّاسا بكنيسة بومرقورة، فقدّم بالمعلّقة، وكمّل بالإسكندرية، فأقام أربع عشرة سنة، ومات بكنيسة بومرقورة. وخلا الكرسيّ بعده ثلاثة أشهر. وقدّم بعده بطرك اسمه (ميخائيل) بن التقدوسيّ في السنة الخامسة عشرة من

стр. 2519

خلافة الحافظ أيضا؛ وكان قبل ذلك راهبا بقلّاية دنشري، قدّم بالمعلّقة وكمّل بالإسكندرية، ومات بدير بومقار في رابع شوّال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وخلا الكرسيّ بعده سنة واحدة وسبعين يوما. وقدّم عوضه بطرك اسمه (يونس) بن أبي الفتح بالمعلّقة بمصر وكمّل بالإسكندرية، فأقام تسع عشرة سنة، ومات في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وخلا الكرسيّ بعده ثلاثة وأربعين يوما. وقدّم بعده بطرك اسمه (مرقص) أبو الفرج بن زرعة في سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكمّل بالإسكندرية، فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما، وفي أيامه أحرقت كنيسة بومرقورة بمصر، ثم مات. وخلا الكرسيّ بعده سبعة وعشرين يوما. وقدم بعده بطرك اسمه (يونس) بن أبي غالب في عاشر ذي الحجّة سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر وكمّل بالإسكندرية، وأقام ستّا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ومات في رابع عشر رمضان المعظّم قدره، سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلّقة بمصر، ودفن ببركة الحبش. وقدّم بعده بطرك اسمه (داود) بن يوحنا، ويعرف بابن لقلق بأمر العادل بن الكامل، فلم يوافق عليه المصريون فأبطلت بطركيته، وبقي الكرسيّ بغير بطرك تسع عشرة سنة. ثم قدّم بطرك اسمه (كيرلس) داود بن لقلق في التاسع والعشرين من رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، ومات في السابع عشر من رمضان المعظم سنة أربعين وستمائة، ودفن بدير الشّمع بالجيزة. وخلا الكرسيّ بعده سبع سنين وستة أشهر وستة وعشرين يوما. وقدّم بعده بطرك اسمه (سيوس) بن القسّ أبي المكارم، في رابع رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة وكمّل بالإسكندرية، وأقام إحدى عشرة سنة وخمسة

стр. 2520

وخمسين يوما، ومات في ثالث المحرم سنة ستين وستمائة. وخلا الكرسيّ من بعده خمسة وثلاثين يوما. ثم قدّم، بعده في الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون «١» البطرك (بنيامين) وهو الذي كان معاصرا للمقرّ الشهابيّ بن فضل الله، ونقل عنه بعض أخبار الحبشة. ثم قدّم بعده المؤتمن (جرجس) بن القس مفضّل في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة. ثم قدّم بعده البطرك متّى وطالت مدّته في البطركية ثم مات في شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة. واستقرّ بعده الشيخ الأمجد (رفائيل) في أواخر السنة المذكورة، وهو القائم بها إلى الآن. أما ملوكهم القائمون ببلادهم، فلم يتّصل بنا تفاصيل أخبارهم، غير أنّ المشهور أنّ ملكهم في الزمن المتقدّم كان يلقّب النّجاشيّ، سمة لكلّ من ملك عليهم، إلى أن كان آخرهم (النجاشيّ) الذي كان في زمن النبيّ ﷺ وأسلم وكتب إليه بإسلامه، ومات وصلّى عليه صلاة الغائب، وكان اسمه بالحبشية (أصحمة) ويقال (صحمة) ومعناه بالعربية عطيّة. وقد ذكر المقر الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أن الملك الأكبر الحاكم على جميع أقطارهم يسمّى بلغتهم (الحطّي) بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة المكسورة وياء مثناة تحت في الآخر. ومعناه السلطان اسما موضوعا لكل من قام عليهم ملكا كبيرا. ثم قال: ويقال: إن تحت يده تسعة وتسعين ملكا، وهو لهم تمام المائة. وذكر أن الملك القائم بمملكتهم في زمانه

стр. 2521

اسمه (عمدسيون) ومعناه ركن صهيون. قال: وصهيون بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظّمة عندهم. قال: ويقال: إنه من الشجاعة على أوفر قسم، وإنه حسن السّيرة، عادل في رعيته. قال في «التعريف» : وقد بلغنا أن الملك القائم عليهم أسلم سرّا، واستمرّ على إظهار دين النصرانية إبقاء لملكه. فيحتمل أنه (عمدسيون) المقدّم ذكره، ويحتمل أنه غيره. قال في «التعريف» : ومدبّر دولته رجل يقرب إلى بني الأرشي الأطباء بدمشق. قال في «مسالك الأبصار» : ومع ما هم عليه من سعة البلاد، وكثرة الخلق والأجناد، مفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر. لأن المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم من أهل النصرانية لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية، بحيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر للبطرك المذكور بإرسال مطران إليهم. وذلك بعد تقدّم سؤال ملك الحبشة الذي هو الحطّي وإرسال رسله وهداياه. قال: وهم يدّعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر، ويساعدون على إصلاح سلوكه تقرّبا لصاحب مصر. وقد ذكر ابن العميد مؤرّخ النصارى في تاريخه: أنه لما توقف النيل في زمن المستنصر بالله «١» الفاطميّ، كان ذلك بسبب فساد مجاريه من بلادهم، وأنّ المستنصر أرسل البطرك الذي كان في زمانه إلى الحبشة حتّى أصلحوه واستقامت مجاريه. لكن قد تقدّم في الكلام على النيل عند ذكر مملكة الديار المصرية من هذه المقالة ما يخالف ذلك. الجملة السادسة (في ترتيب مملكتهم) قال في «مسالك الأبصار» : يقال إن الحطّي المذكور وجيشه لهم خيام

стр. 2522

ينقلونها معهم في الأسفار والتنزّهات، وإنه إذا جلس الملك يجلس على كرسيّ، ويجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسيّ من حديد: منها ما هو مطعّم بالذهب، ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم. قال: ويقال إن الملك مع نفاذ أمره فيهم يتثّبت في أحكامه. ولم يزد في ترتيب مملكتهم على ذلك. ولملك الحبشة هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، يأتي ذكرها في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى. القسم الثاني (من بلاد الحبشة ما بيد مسلمي الحبشة) وهي البلاد المقابلة لبرّ اليمن على أعالي بحر القلزم، وما يتصل به من بحر الهند، ويعبّر عنها «بالطّراز الإسلامي» لأنها على جانب البحر كالطّراز له. قال في «مسالك الأبصار» : وهي البلاد التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزّيلع. قال: والزّيلع إنما هي قرية من قراها، وجزيرة من جزائرها، غلب عليها اسمها. قال الشيخ عبد المؤمن الزّيلعيّ الفقيه: وطولها برّا وبحرا خاصّا بها نحو شهرين، وعرضها يمتدّ أكثر من ذلك، لكن الغالب في عرضها أنه مقفر، أما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوما طولا، وأربعون يوما عرضا. قال في «مسالك الأبصار» : وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب، مسقّفة بجملونات وقباب، وليست بذوات أسوار ولا لها فخامة بناء، ومع ذلك فلها الجوامع، والمساجد، وتقام بها الخطب والجمع والجماعات، وعند أهلها محافظة على الدّين، إلا أنه لا تعرف عندهم مدرسة، ولا خانقاه، ولا رباط، ولا زاوية. وهي بلاد شديدة الحرّ، وألوان أهلها إلى الصّفاء، وليست شعورهم في غاية التفلفل كما في أهل مالّي وما يليها من جنوب المغرب، وفطنهم أنبه من غيرهم من السّودان، وفطرهم أذكى، وفيهم الزّهّاد، والأبرار، والفقهاء والعلماء، ويتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، خلا وفات «١» فإن ملكها وغالب أهلها شافعيّة.

стр. 2523

وتشتمل على ستّ جمل: الجملة الأولى (فيما اشتملت عليه من القواعد والأعمال) مقتضى ما ذكره في «مسالك الأبصار» و «التعريف» أن هذه البلاد تشتمل على سبع قواعد، كلّ قاعدة منها مملكة مستقلّة بها ملك مستقل. القاعدة الأولى (وفات) قال في «تقويم البلدان» : بالواو المفتوحة والفاء ثم ألف وتاء مثناة فوق في الآخر، والعامّة تسميها (أوفات) . ويقال لها أيضا (جبرة) بفتح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الآخر، والنسبة إلى جبرة جبرتيّ. وموقعها بين الإقليم الأوّل وخط الاستواء. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض ثمان درج. قال: وعن بعض المسافرين أنها من أكبر مدن الحبشة. وهي على نشز من الأرض، وعمارتها متفرّقة، ودار الملك فيها على تلّ والقلعة على تلّ، ولها واد فيه نهر صغير، وتمطر في الليل غالبا مطرا كثيرا، وبها قصب السّكّر. قال في «مسالك الأبصار» : وقال الشيخ عبد الله الزّيلعيّ: وطول مملكتها خمسة عشر يوما وعرضها عشرون يوما بالسير المعتاد. قال: وكلّها عامرة آهلة بقرى متصلة، وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السّواحل المسامتة لليمن، وهي أوسع الممالك السّبع أرضا، والإجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد. قال في «مسالك الأبصار» : وعسكرها خمسة عشر ألفا من الفرسان، ويتبعهم عشرون ألفا فأكثر من الرّجّالة، وسيأتي الكلام على سائر أحوالها عند ذكر أحوال سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومن مضافاتها (زيلع) . قال في «تقويم البلدان» : الظاهر أنها بفتح الزاي المعجمة وسكون الياء المثناة التحتية وفتح اللام ثم عين مهملة في الآخر.

стр. 2524

وهي فرضة من فرض هذه البلاد، وموقعها بين الإقليم الأوّل وخطّ الاستواء. قال في «القانون» : حيث الطول إحدى وستون درجة، والعرض ثمان درج. قال في «تقويم البلدان» : وهي في جهة الشرق عن (وفات) وبينهما نحو عشرين مرحلة. قال ابن سعيد: وهي مدينة مشهورة وأهلها مسلمون، وهي على ركن من البحر في وطاءة من الأرض. قال في «تقويم البلدان» : وعن بعض من رآها أنها مدينة صغيرة نحو عيذاب في القدر، وهي على الساحل والتّجّار تنزل عندهم فيضيفونهم ويبتاعون لهم. قال ابن سعيد: وهي شديدة الحرّ وماؤها عذيبي من جفارات «١» وليس لهم بساتين، ولا يعرفون الفواكه. قال في «القانون» : وفيها مغاص لؤلؤ. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» أنها في مملكة صاحب أوفات. وذكر في «تقويم البلدان» عن بعض من رآها أن فيها شيوخا يحكمون بين أهلها، وقال: إن بينها وبين عدن من اليمن في البحر ثلاث مجار، وهي عن عدن في جهة الغرب بميلة إلى الجنوب. القاعدة الثانية (دوارو) بفتح الدال المهملة وواو ثم ألف وراء مهملة وواو وهي مدينة ذكرها في «مسالك الأبصار» و «التعريف» . ولم يتعرّض لصفتها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها تلي أوفات المقدّمة الذكر، وأن مملكتها طولها خمسة أيام، وعرضها يومان. ثم قال: وهي على هذا الضيّق ذات عسكر جمّ، نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل. وسيأتي الكلام على تفصيل أحوالها مع أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 2525

القاعدة الثالثة (أرابيني) وهي مدينة ذكرها في «المسالك» و «التعريف» أيضا، ولم يذكر شيئا من صفتها. ثم ذكر أن مملكتها مربّعة: طولها أربعة أيام، وعرضها كذلك، وعسكرها يقارب عشرة آلاف فارس. أما الرجّالة فكثيرة للغاية. القاعدة الرابعة (هدية) قال في «تقويم البلدان» : بالهاء والدال المهملة والياء المثناة التحتية ثم هاء في الآخر على ما ذكره بعض من رآها. وموقعها بين الإقليم الأوّل من الأقاليم السبعة وبين خطّ الاستواء. قال: والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة، والعرض سبع درج. وذكر عن بعض المسافرين أنها جنوبيّ (وفات) . قال في «مسالك الأبصار» : وهي تلي أرابيني المقدّم ذكرها، وطول مملكتها ثمانية أيام، وعرضها تسعة أيام، وصاحبها أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة، وأكثر خيلا ورجالا، وأشدّ بأسا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات. قال: ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس سوى الرّجّالة، فإنهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر. قال في «تقويم البلدان» : ومنها تجلب الخدّام، وذكر أنهم يخصونهم بقرية قريبة منها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أن الخدّام تجلب إليها من بلاد الكفّار. ثم حكى عن الحاج فرج الفوّي التاجر: أنه حدّثه أن ملك أمحرا يمنع من خصي العبيد وينكر ذلك ويشدّد فيه. وإنما السّرّاق تقصد بهم مدينة اسمها (وشلو) بفتح الواو والشين المعجمة واللام، أهلها همج لا دين عندهم فتخصى بها العبيد، لا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم. قال: ولذلك التّجّار إذا اشتروا العبيد يخرجون بهم إلى (وشلو) فيخصونهم بها لأجل زيادة الثمن، ثم يحمل من خصي منهم إلى مدينة (هدية) لقربها من (وشلو) فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول لأنه يكون قد استدّ عند الخصي
следующие страницы →