← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

بكر ولا عمر يلبسون «١» خواتم ولا يطبعون كتابا، حتّى كتب زياد بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب ﵁: إنك تكتب إلينا بأشياء ليست لها طوابع؛ فاتخذ عند ذلك عمر طابعا يطبع به، وخزم «٢» الكتاب ولم يكن قبل يخزم. ومقتضى ذلك أن يكون أوّل من اتخذ الختم عمر بن الخطاب ﵁، ويكون لبسه خاتم النبيّ ﷺ لغير الختم. وذكر الطبريّ في تاريخه: أن أوّل من اتخذ ذلك معاوية بن أبي سفيان في خلافته، وذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف من عند زياد، ففتح الكتاب وجعل المائة مائتين؛ فلما رفع زياد حسابه أنكر ذلك معاوية، وطلب عمرا فحسبه حتّى قضاها عنه أخوه عبد الله بن الزّبير واتخذ معاوية حينئذ ديوان الختم، وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. قال القاضي وليّ الدين بن خلدون في تاريخه: «وديوان الختم عبارة عن الكتّاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان. قال: وهذا الخاتم خاصّ بديوان الرسائل، وكان ذلك للوزير في أيام الدولة العباسية. ويشهد لذلك قول الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفرا، ويستبدل به من الفضل أخيه: إني أحوّل الخاتم من يميني إلى شمالي، فكنى بالخاتم عن الوزارة، لانضمام ديوان الرسائل إلى الوزير إذ ذاك. ثم اختلف العرف بعد ذلك، فصار ليس إليه الرسائل في الدولة. ثم للختم ثلاث صور: الصورة الأولى- أن يلصق رأس الكتاب بنوع من أنواع اللّصاق، كالكثيراء «٣» المدافة «٤» بالماء، والنّشا المطبوخ ونحو ذلك. وهذا هو المستعمل بالديار المصرية وبلاد المشرق من قديم الزمان وهلمّ جرّا إلى زماننا؛ والمستعمل بالدواوين هو النّشادون غيره، لنصاعة بياضه وشدّة لصاقه. قال في «موادّ

стр. 3047

البيان» : ويجب أن يكون اللّصاق خفيفا كالدّهن لئلا يتكرّس ويكثف في جانب الورق. وقد كانت عادتهم في بلاد المشرق أيام الخلفاء أن يختم بخاتم الخليفة، بأن يغمس في طين معدّ لذلك أحمر الصبغ، ويختم به على طرفي اللّصاق، ليقوم مقام علامة الخليفة. وكان هذا الطين يجلب إليهم من سيراف «١» من بلاد فارس، وكأنّه مخصوص بها؛ وعلى نهج الخلفاء جرى الملوك حينئذ. والذي استقرّ عليه الحال الآن بالديار المصرية ونحوها من البلاد الشرقية الاقتصار على مجرّد اللّصاق اكتفاء بما فيه من الضبط وظهور فضّه إن فضّ. وهذه المسألة مما سأله الشيخ جمال الدين بن نباتة كتّاب ديوان الإنشاء بدمشق مخاطبا به للشيخ جمال الدين محمود الحلبي- فقال: ومن ختم الكتاب بالطين وربطه؟ ومن غيّر الطين إلى النّشا وضبطه؟. وقد سبق الكلام في النّشا وسائر أنواع اللّصاق في الكلام على آلات الدواة في المقالة الأولى. الصورة الثانية- أن يخزم الكتاب من وسطه بالأشفار حتّى تنفذ في بعض طيّات الكتاب ثم تخرج من وجه الورق أيضا، ويدخل فيه دسرة «٢» من الورق كالسّير الصغير ويقطّ طرف الدسرة؛ ثم يلصق على ذلك بشمع أحمر؛ ثم يختم عليه بخاتم يظهر نقشه فيه، ويسمّى هذا النوع من الختم الخزم- بالخاء والزاي المعجمتين- أخذا من خزم البعير، وهو أن يثقب أنفه ويجعل فيه خيط أو نحوه.. ولعل هذه الطريقة من الختم هي التي كان عليها الحال حين أحدث الختم في صدر الإسلام، ويدل على ذلك قول ابن عمر ﵁ في رواية «٣» الطبريّ

стр. 3048

المتقدّمة: وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. وعلى هذا الآن أهل المغرب والرّوم والفرنج ومن في معناهم. الصورة الثالثة- أن يلفّ على الكتاب بعد طيّه قصاصة من الورق كالسّير في عرض رأس الخنصر، وتلف على الكتاب ثم يلصق رأسها؛ ويكون ذلك في الرّقاع الصغيرة المتردّدة بين الإخوان، وتسمّى القصاصة التي يلصق بها سحاءة- بفتح السين وبالمدّ، وتقال بكسر السين أيضا، وربما قيل سحاية؛ ويقال فيه: سحوت الكتاب أسحوه سحوا، وسحّيته بالتشديد أسحّيه تسحية فهو مسحوّ ومسحيّ ومسحّى؛ والأمر من سحوت الكتاب أسح، ومن سحّيته بالتشديد سحّ، وأصله من السّحو وهو القشر. يقال: سحوت اللحم عن العظم إذا قشرته. الجملة الرابعة (في حمل الكتاب وتأديته) وهو من جملة الأمانات الداخلة في عموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «١» . وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: من أعظم الأمانة أداء الكتاب إلى أهله. قال محمد بن عمر المدائني: حمل الكتاب أمانة، وترك إيصاله خيانة. وقد روي أن النبيّ ﷺ قال: «من بلّغ كتاب غاز في سبيل الله إلى أهله أو كتاب أهله إليه، كان له بكلّ حرف عتق رقبة وأعطاه الله كتابه بيمينه وكتب له براءة من النار» . وقد نطق القرآن الكريم بتأدية الهدهد كتاب سليمان ﵇ إلى بلقيس، حيث قال حكاية عن سليمان: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ «٢» إلى أن قال: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ «٣» .

стр. 3049

وقد وردت الأحاديث بأن النبيّ ﷺ ، كان يبعث كتبه مع رسله إلى الملوك، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس؛ وبعث دحية الكلبيّ إلى قيصر ملك الروم؛ وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر؛ وبعث عمرو بن أميّة الضّمريّ إلى الضّحّاك «١» ملك الحبشة؛ وبعث شجاع بن وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني؛ وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن عليّ صاحب اليمامة؛ وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين؛ وبعث عمرو بن العاص إلى عبد «٢» وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان. قال ابن الجوزيّ: وبعث جرير بن عبد الله البجليّ إلى ذي الكلاع الحميريّ. واعلم أنه يجب أن يكون حامل الكتاب المؤدّى له عن الملك ونحوه وافر العقل، شديد الشّكيمة في الجواب، طلق اللسان في المحاورة، فإنه لسان ملكه، وترجمان مرسله، وربما سأله المكتوب إليه عن شيء أو أورد عليه اعتراضا فيكون بصدد إجابته. وقد قيل: إنّه يستدلّ على عقل الرجل بكتابه ورسوله. ومن غريب ما يروى في ذلك ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النّبيّ، ﷺ ، لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلّغه كتاب النبيّ ﷺ ، قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ - قال له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل ويفعل؟ فوجم ساعة ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب، فسكت. ويروى أنه حين سأله عن أمر النبيّ، ﷺ ، في حرب قومه، وذكر له أنّ الحرب تكون بينهم سجالا، تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النّبيّ يغلب! فقال له حاطب: فالإله يصلب! - يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح ﵇ صلب مع دعواهم فيه أنه إله. وذكر السّهيليّ أن دحية الكلبيّ حين دخل على قيصر بكتاب النبيّ، ﷺ ،

стр. 3050

قال له دحية: هل تعلم أكان المسيح يصلّي؟ قال نعم، قال: فإنّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلّي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض والمسيح في بطن أمه. فألزمه من صلاة المسيح أنه عبد لله تعالى، وضمّن ذلك بيتا من أبيات له فقال: (متقارب) فقرّرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمر! ويحكى أن بعض ملوك الرّوم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النّصرانية عنده فإن قطعهم أسلموا؛ فوجّه إليه بالقاضي أبي بكر بن الطيّب المالكيّ، وكان من أئمة علماء زمانه؛ فلما حضر المجلس واجتمع لديه علماء النصارى، قال له بعضهم: إنّ معتقدكم أنّ الأنبياء ﵈ معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به. فإن كان ما رميت به حقّا، كان ناقضا لأصلكم الذي أصّلتموه في عصمة الأنبياء في الفراش، وإن كان غير حقّ كان مؤثّرا في إيمان من وقع منه. فقال القاضي أبو بكر: إمرأتان حصينتان رميتا بالفرية «١» ، إحدهما لها زوج ولا ولد لها، والأخرى لها ولد ولا زوج لها- يشير بالأولى إلى عائشة ﵂، وبالثانية إلى مريم ﵍، فسجدوا له على عادة تحيّتهم في ذلك، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى كثرة. فإذا كان الرسول متمكّنا من عقله، عالما بما يأتي وما يذر، كفى ملكه مؤونة غيبته، وأجاب عن كل ما يسأل عنه؛ وإذا كان بخلاف ذلك انعكست القضيّة، ورجع على مرسله بالوبال. ثم إن اقتضى رأي الملك زيادة في الرسالة على الرسول الواحد فعل؛ ليتعاونا على ما فيه المصلحة، ويتشاورا فيما يفعلان، فقد ذكر السهيليّ أن جبرا مولى أبي ذرّ الغفاريّ كان رسولا مع حاطب ابن أبي بلتعة إلى المقوقس. وإن اقتضى الحال إرسال أكثر من اثنين أيضا فعل، فقد ذكر ابن الجوزيّ أن أبا بكر الصدّيق، ﵁، في خلافته

стр. 3051

بعث إلى قيصر ثلاثة رسل، وهم: هشام بن العاص، ونعيم بن عبد الله، ورجل آخر. ومما يجب التنبيه عليه أنه يحرم على حامل الكتاب النظر فيه، والاطّلاع على ما تضمّنه. قال محمد بن عمر المدائني: في فضّ الكتاب إثم وسوء أدب، وساق بسنده إلى معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من اطّلع في كتاب أخيه بغير إذنه، أطلعه طلعة في النار» . الجملة الخامسة (في فضّ الكتاب وقراءته) أما فضّه فالمراد فكّ ختمه وفتحه؛ والفضّ في أصل اللغة الكسر والتفريق؛ ومن الأوّل ما ثبت في الصحيح من قول القائلة لابن عمّها في قصّة الثلاثة الذين دعوا الله بأحبّ أعمالهم: «إتقّ الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه» تريد إزالة بكارتها. ومن الثاني هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا» . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة في المقالة الثانية أن الرسول أو البريديّ الواصل إلى باب السلطان يقدّمه الدّوادار إلى السلطان، ثم يتناول الكتاب منه ويمسح به وجه من حضر على يده، ثم يدفعه إلى السلطان فيفضّ ختامه، ثم يتناوله الدّوادار من السلطان ويدفعه إلى كاتب السر، فيقرأه على السلطان. واعلم أنّ لفضّ الكتاب حالتين: الحالة الأولى- أن يكون مختوما باللّصاق بالنّشا على طريقة المشارقة وأهل الديار المصرية ، فيشقّ ظاهره على القرب من محلّ اللّصاق بسكّين ثم يفتح.

стр. 3052

الحالة الثانية- أن يكون مخزوما مسمّرا بدسرة «١» من الورق على عادة المغاربة ومن جرى مجراهم، فيرفع الختم الملصق عليه من الشّمع، وتقلع الدّسرة ويفتح الكتاب. وأما قراءة الكتب فإنه يجب أن يكون من يقرأ الكتب على الملوك ومن في معناهم ماهرا في القراءة، فصيح اللسان في النّطق، رقيق حاشية اللّسان في حسن الإيراد، قويّ الملكة في استخراج الخطوط المختلفة، سريع الفهم في حسن الإيراد، قويّ المملكة في استخراج الخطوط المختلفة، سريع الفهم في إدراك المعاني الخفيّة؛ وأن تكون قراءته على رئيسه- من سلطان أو غيره- بحسب ما يؤثر ملكه أو أميره سماعه من السّرعة والبطء، وأن يكون ذلك بصوت غير خفيّ بحيث يعسر سماعه، ولا مرتفع بحيث يعدّ صاحبه خارجا عن أدب المخاطبة للأكابر، وأن يقرّب لمن يقرأ عليه فهم المقاصد التي اعتاصت عليه إذا سأله عنها، أو غلب على ظنه أنها لم تصل إلى فهمه، بحسن إيراد، وتلطيف عبارة يحسن موقعها في النفوس ويجمل وقعها في الأذهان. الجملة السادسة (في كراهة طرح الكتاب بعد تخزيقة: وهو فضّه، وحفظه بعد ذلك في الإضبارة «٢» ) أما كراهة طرحه فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» : كرهوا تخزيق الرسائل ورميها في الطّرق والمزابل، خوفا على اسم الله تعالى أن يداس، أو تلحقه النجاسة والأدناس. قال: وفي رفع ما طرح من

стр. 3053

الكتاب أعظم الرغائب وأجلّ الثواب؛ وساق بسنده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من كتاب يلقى ببقعة من الأرض فيه اسم من أسماء الله إلّا بعث الله إليه سبعين ألف ملك يحفّونه بأجنحتهم ويقدّسونه، حتّى يبعث الله إليه وليّا من أوليائه فيرفعه من الأرض. ومن رفع كتابا من الأرض فيه اسم من أسماء الله تعالى، رفع الله اسمه في علّيّين وخفّف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين» . ويروى: «من رفع قرطاسا من الأرض فيه مكتوب «بسم الله الرحمن الرحيم» إجلالا له أن يداس، أدخله الله الجنة وشفّعه في عشرين من أهل بيته كلّهم قد وجب له النار» . وأما حفظه في الإضبارة فهو أمر مطلوب، والإضبارة عبارة عن ورقة تلفّ على جملة من الكتب قد جمعت في داخلها ويلصق طرفها بالنّشا. والقاعدة فيها أن تلوى الكسرة من أسفلها، وإن طال بعضها في طيّه وقصر بعض جعل التفاوت في الطّول والقصر من أعلاها. قال في «صناعة الكتّاب» : ومعناها الجمع؛ لأنها يجمع بعضها إلى بعض. ومنه قيل: تضبّر القوم إذا تجمّعوا، ورجل مضبّر الخلق أي مجتمعه، وناقة مضبّرة ومضبورة، وضبر الفرس إذا جمع قوائمه ووثب. ويقال للإضبارة أيضا إضامة «١» بكسر الهمزة وتشديد الميم لضم بعضها إلى بعض، والمعنى فيها صيانة الكتب وحفظها عن الضّياع. وقد جرت عادة كتّاب ديوان الإنشاء بالديار المصرية أن يجعل لكل شهر إضبارة تجمع فيها الكتب الواردة على أبواب السلطان من أهل المملكة وغيرهم، ويكتب عليها «شهر كذا» . وقد سبق القول في مقدّمة الكتاب أن الديوان كان له في زمن الفاطميين كاتب يكتب الكتب الواصلة ويبسط عليها جرائد، كما يكتب

стр. 3054

الكتب الصادرة عن الأبواب السلطانية ويبسط عليها جرائد؛ وأن ذلك بطل في زماننا وصار الأمر قاصرا فيها على حفظ الكتب في الإضبارات؛ متى احتيج إلى الكشف عن كتاب منها، أخذ بالحدس أنه ورد في السنة الفلانية، وتكشف إضباراتها واحدة بعد واحدة حتّى يقع العثور عليه، ولا خفاء فيما في ذلك من المشقّة، بخلاف ما إذا كان لها جرائد مبسوطة، فإنه يسهل الكشف منها، ويستدلّ بتاريخه على إضبارته فتخرج ويقع الكشف منها، ولكن أهمل ذلك في جملة ما أهمل.

стр. 3055

الباب الثاني من المقالة الرابعة (في مصطلحات المكاتبات الدائرة بين كتّاب أهل الشرق والغرب والديار المصرية في كل زمن من صدر الإسلام وهلمّ جرّا إلى زماننا، وفيه ستة فصول) الفصل الأوّل (في الكتب الصادرة عن النبيّ ﷺ ، وفيه ثلاثة أطراف) الطرف الأوّل (في ذكر ترتيب كتبه ﷺ في الرسائل على سبيل الإجمال) كان ﷺ يفتتح أكثر كتبه بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» وربما افتتحها بلفظ «أما بعد» وربما افتتحها بلفظ «هذا كتاب» وربما افتتحها بلفظ «سلم أنت» . وكان يصرّح في الغالب باسم المكتوب إليه في أوّل المكاتبات، وربما اكتفى بشهرته «١» . فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب بعد ذكره اسمه «عظيم القوم الفلانيين» وربما كتب «ملك القوم الفلانيين» وربما كتب «صاحب مملكة كذا» . وكان يعبّر عن نفسه ﷺ في أثناء كتبه بلفظ الإفراد. مثل: «أنا» و «لي»

стр. 3056

و «جاءني» و «وفد عليّ» وما أشبه ذلك، وربما أتى بلفظ الجمع مثل «بلغنا» و «جاءنا» ونحو ذلك. وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب. مثل: «لك» و «عليك» وتاء المخاطب. مثل: «أنت قلت كذا وفعلت كذا» . وعند التثنية بلفظها مثل: «أنتما» و «لكما» و «عليكما» . وعند الجمع بلفظه. مثل: «أنتم» و «لكم» و «عليكم» وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام. فيقول في خطاب المسلم «سلام عليك» وربما قال: «السّلام على من آمن بالله ورسوله» وفي خطاب الكافر: «سلام على من اتّبع الهدى» وربما أسقط السّلام من صدر الكتاب. وكان يأتي في صدور الكتب بالتحميد بعد السّلام. فيقول: «فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو» وربما تركه، وقد يأتي بعد التحميد بالتشهّد وقد لا يأتي به. وكان يتخلّص من صدر الكتاب إلى المقصود تارة بأما بعد وتارة بغيرها. وكان يختم كتبه بالسلام تارة، فيقول في خطاب المسلم: «والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» وربما اقتصر على السلام. ويقول في خطاب الكافر: «والسّلام على من اتّبع الهدى» وربما أسقط السّلام من آخر كتبه. أما عنونة كتبه، ﷺ ، فلم أقف فيها على نصّ صريح، والذي يظهر أنه ﷺ كان يعنون كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان» على نحو ما في الصّدر، وتكون كتابته «من محمد رسول الله» عن يمين الكتاب، و «إلى فلان» عن يساره، وعليه يدلّ ما تقدّم من كلام صاحب «موادّ البيان» في الأصل الثاني عشر من أصول المكاتبات حيث ذكر في الكلام على العنوان أن الأصل أن يبتدأ باسم المكتوب عنه ويثنّى باسم المكتوب إليه، ثم قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله ﷺ .

стр. 3057

الطرف الثاني (في كتبه ﷺ إلى أهل الإسلام، وهو على ثلاثة أساليب) الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» ) فمن ذلك كتابه ﷺ إلى خالد بن الوليد، في جواب كتابه إليه ﷺ بإسلام بني الحارث وهو على ما ذكره ابن إسحاق في سيرته: «من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد: سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو. أما بعد فإنّ كتابك جاءني مع رسولك، يخبرني أنّ بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشّرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين من جهة الفرس، في جواب كتابه إليه ﷺ . ونسخته على ما ذكره السّهيليّ في «الروض الأنف» : «من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، وأشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإنّي أذكّرك الله ، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتّبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإنّ رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفّعتك في

стр. 3058

قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذّنوب فاقبل لهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك، ومن أقام على مجوسيّته فعليه الجزية» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى فروة بن عمرو الجذاميّ. ونسخته على ما ذكره ابن الجوزي في «كتاب الوفاء» : «من محمد رسول الله إلى فروة بن عمرو. أما بعد، فقد قدم علينا رسولك، وبلّغ ما أرسلت به، وخبّر عمّا قبلكم خيرا، وأتانا بإسلامك وأنّ الله هداك بهداه» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى طهفة النّهدي وقومه. ونسخته فيما حكاه ابن الأثير في «المثل السائر» : «من محمد رسول الله إلى بني نهد. السّلام على من آمن بالله ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة «١» ، ولكم الفارض «٢» والفريش «٣» ، وذو العنان الرّكوب والفلوّ الضّبيس «٤» ، لا يمنع سرحكم «٥» ، ولا يعضد طلحكم «٦» ، ولا يحس «٧» درّكم ما لم تضمروا

стр. 3059

الإماق «١» ، وتأكلوا الرّباق «٢» . من أقرّ [بما في هذا الكتاب «٣» ] فله [من رسول الله «٤» ] الوفاء بالعهد والذّمّة، ومن أبي فعليه الرّبوة «٥» » . وهذا الكتاب مما يحتاج إلى شرح غريبه ليفهم. «فالوظيفة» النّصاب في الزكاة وأصله الشيء الراتب. «والفريضة» الهرمة المسنّة، والمراد أنها لا تؤخذ منهم في الزكاة بل تكون لهم. «والفريش» بالفاء والشين المعجمة ما انبسط من النبات وفرش على وجه الأرض ولم يقم على ساق، وقد يطلق على الفرس إذا حمل عليها بعد النّتاج أيضا. «وذو العنان الرّكوب» الفرس الذّلول، «والفلوّ» المهر الصغير وقيل الفطيم من جميع أولاد الحافر. «والضّبيس» بالضاد المعجمة والباء الموحدة والسين المهملة العسر الصّعب الذي لم يرض. «والسّرح» السارحة، وهي المواشي، والمعنى أنها لا تمنع من المرعى. والعضد القطع. والطلح شجر عظام من شجر العضاه. والدّرّ اللبن، والمراد ذوات الدّرّ من المواشي، أراد أنها لا تحشر إلى المصدّق وتمنع المرعى إلى أن تجتمع الماشية ثم تعدّ لما في ذلك من الإضرار. و «الإماق» مخفّف، من أمأق الرجل إذا صار ذا مأقة، وهي الحميّة والأنفة، وقيل مأخوذ من الموق وهو الحمق، والمراد إضمار النّكث والغدر أو إضمار الكفر. و «الرّباق» بالراء المهملة والباء الموحدة والقاف جمع ربقة، وهي في الأصل اسم لعروة تجعل في الحبل وتكون في

стр. 3060

عنق البهيمة أو يدها تمسكها، والمراد هنا نقض العهد واستعار الأكل لذلك؛ لأن البهيمة إذا أكلت الرّبقة خلصت من الشدّ. و «الرّبوة» بكسر الراء الزيادة، والمراد هنا الزيادة في الفريضة الواجبة عليه كالعقوبة له. ومن ذلك كتابه ﷺ إلى أكيدر دومة فيما ذكره أبو عبيدة، وهو: «من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إنّ لنا الضاحية من الضّحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسّلاح والحافر والحصن. ولكم الضّامنة من النّخل. والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق» . وهذا الكتاب أيضا مما يحتاج إلى معرفة غريبه: فالأنداد جمع ندّ بكسر النون وهو ضدّ الشيء الذي يخالفه في أموره، وينادّه أي يخالفه، والمراد ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله تعالى. والأصنام جمع صنم: وهو ما اتّخذ إلها من دون الله، وقيل: ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن. والأكناف بالنون جمع كنف بالتحريك وهو الجانب والناحية. والضاحية بالضاد المعجمة والحاء المهملة الناحية البارزة التي لا حائل دونها، والمراد هنا أطراف الأرض؛ والضّحل بفتح الضاد المعجمة وسكون الحاء المهملة القليل من الماء، وقيل الماء القريب من المكان، وبالتحريك مكان الضّحل. والبور الأرض التي لم تزرع، وهو بالفتح مصدر وصف به، وبالضم جمع بوار، وهو الأرض الخراب التي لم تزرع. والمعامي المجهولة من الأرض التي ليس فيها أثر عمارة، واحدها معمّى. وأغفال الأرض بالغين المعجمة والفاء الأرض التي ليس فيها أثر يعرف كأنها مغفول عنها. والحلقة بسكون اللام

стр. 3061

السّلاح عامّا، وقيل الدّروع خاصّا، والسلاح ما أعدّ للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسّيف وحده يسمّى سلاحا. والضامنة من النخل بالضاد المعجمة والنون ما كان داخلا في العمارة من النخيل وتضمّنته أمصارهم وقراهم، وقيل سميت ضامنة لأن أربابها ضمنوا عمارتها وحفظها، فهي ذات ضمان كعيشة راضية بمعنى ذات رضا. والمعين من المعمور الماء الذي ينبع من العين في العامر من الأرض. وقوله: لا تعدل سارحتكم بالذال «١» المعجمة، أي لا تصرف ماشيتكم وتمال عن الرّعي ولا تمنع. وقوله: ولا تعدّ فاردتكم أي لا تضمّ إلى غيرها وتحشر إلى الصدقة حتّى تعدّ مع غيرها وتحسب. والفاردة الزائدة على الفريضة. وقوله: ولا يحظر عليكم النّبات بالظاء المعجمة، أي لا تمنعون من الزّرع والمرعى حيث شئتم، والحظر المنع. ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى وائل «٢» بن حجر وأهل حضر موت، وهو: «من محمد رسول الله إلى الأقيال «٣» العباهلة «٤» من أهل «٥» حضر موت، بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة. على التّيعة «٦» الشاة، والتّيمة «٧» لصاحبها، وفي

стр. 3062

السّيوب «١» الخمس، لا خلاط «٢» ولا وراط «٣» ولا شناق «٤» ولا شغار «٥» ، ومن أجبى «٦» فقد أربى؛ وكلّ مسكر حرام» «٧» . وذكر القاضي عياض في «الشّفاء» أن كتابه لهم: «إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب. وفي التّيعة شاة، لا مقورّة الألياط، ولا ضناك، وأنطوا الثّبجة، وفي السّيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيّب فضرّجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدّين، ولا غمّة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل على الأقيال» «٨» . وهذا الكتاب في معنى ما تقدّم من الاحتياج إلى شرح غريبه. الأقيال بالقاف والياء المثناة تحت جمع قيل: وهو الملك. والعباهلة الذين أقرّوا على ملكهم لا يزالون عنه؛ وحضر موت بلدة في اليمن في أقصاها، وقيل هي أحد مخالفيها. والتّيعة بالمثناة من فوق ثم المثناة من تحت والعين المهملة اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الحيوان، كالخمس من الإبل والأربعين من الغنم. قال ابن الأثير: وكأنها الجملة التي للسّعاة عليها سبيل من تاع يتيع إذا ذهب إليه. والتّيمة بالكسر الشاة الزائدة على الأربعين حتّى تبلغ الفريضة الأخرى، وقيل هي الشاة التي تكون لصاحبها في منزله يحلبها وليست بسائمة، وهي بمعنى الدّاجن. والسّيوب الرّكاز أخذا من السّيب وهو العطاء، قاله أبو عبيدة؛ وقيل هي عروق الذهب والفضّة التي تسيب في المعدن بمعنى تتلوّن وتظهر. وقال الزمخشريّ: هي

стр. 3063

جمع سيب، يريد به المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنه من فضل الله تعالى لمن أصابه. والخلاط بالكسر مصدر خالط، يقال: خالطه يخالطه خلاطا ومخالطة، والمراد أن يخلط الرجل إبله بإبل غيره أو بقره أو غنمه ليمنع حقّ الله تعالى منها، ويبخس المصدّق فيما يجب له. والوراط بالكسر أيضا أن تجعل الغنم في وهدة من الأرض لتخفى على المصدّق، مأخوذ [من الورطة] وهي الهوّة من الأرض. والشّناق بكسر الشين المشاركة في الشّنق بفتح النون، وهو ما بين الفريضتين من كلّ ما تجب فيه الزكاة، وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى التّسع، وما زاد على العشر إلى أربع عشرة، والمراد أن لا تؤخذ الزيادة على الفريضة. قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون معناه المشاركة في الشّنق والشّنقين، وهو بمعنى الخلاط المتقدّم ذكره، لكن حمله على الأوّل أولى، لتعدّد المعنى. والشّغار بكسر الشين وبالغين المعجمة نكاح معروف في الجاهلية، وهو أن يزوّج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوّجه بنته أو أخته، ويكون بضع كلّ منهما صداقا للأخرى. والأرواع جمع رائع: وهم الحسان الوجوه من الناس. وقيل: الذين يروعون الناس أي يفزعونهم بشدّة الهيبة. قال ابن الأثير: والأوّل أوجه. وقوله: ومن أجبى هو بالجيم والباء الموحدة: وهو بيع الزّرع قبل بدوّ صلاحه. وقيل هو أن يغيّب إبله عن المصدّق أخذا من أجبأته إذا واريته. وقيل هو أن يبيع من الرجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم يشتريها منه بالنقد بأقلّ من الثمن الذي باعها به؛ ومعنى أربى وقع في الربا. والمشابيب السادة الرؤوس الزّهر الألوان الحسان المناظر واحدها مشبوب. والمقورّة الألياط المسترخية الجلود لهزالها والاقورار الاسترخاء في الجلود. والألياط جمع ليط: وهو قشر العود، شبّه به الجلد لالتزاقه باللحم. والضّناك بالكسر الكثير اللحم، ويقال الذكر والأنثى فيه سواء، والمراد أنه لا تؤخذ المفرطة في السّمن كما لا تؤخذ الهزيلة. وقوله: وأنطوا هو بلغة أهل اليمن بمعنى أعطوا، خاطبهم ﷺ بلغتهم. والثّبجة بثاء مثلثة بعدها باء موحدة ثم جيم هي الوسط من المال التي ليست من خياره ولا رذالته، أخذا من ثبجة الناقة وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.

стр. 3064

وقوله مم بكر جرى فيه على لغة أهل اليمن حيث يبدلون لام التعريف ميما. قال ابن الأثير: وعلى هذا فتكون راء بكر مكسورة من غير تنوين لأن أصله من البكر، فلما أبدلت الألف واللام ميما بقيت الحركة بحالها، ويكون قد استعمل البكر موضع الأبكار. قال: والأشبه أن تكون بكر منوّنة، وقد أبدلت نون من ميما؛ لأن النون الساكنة إذا كان بعدها باء قلبت في اللفظ ميما نحو عنبر ومنبر، ويكون التقدير ومن زنى من بكر. وقوله فاصقعوه هو بالصاد المهملة والقاف أي اضربوه، وأصل الصّقع الضرب على الرأس، وقيل الضرب ببطن الكف. وقوله: واستوفضوه هو بالفاء والضاد المعجمة أي انفوه، أخذا من قولهم: استوفضت الإبل إذا تفرّقت [في رعيها] وقوله: فضرّجوه- بالضاد المعجمة والجيم أي أدموه بالضرب، ويطلق الضّرج على الشّق أيضا. والأضاميم بالضاد المعجمة الحجارة واحدها إضمامة، والمراد ارجموه بالحجارة. والتوصيم بالصاد المهملة الفترة والتّواني، أي لا تفتروا في إقامة الحدود ولا تتوانوا فيها. وقوله: ولا غمّة في فرائض الله- أصل الغمّة السّتر، أي لا تستر فرائض الله ولا تخفى، بل تظهر ويجهر بها وتعلن. وقوله: يترفّل- أي يسود ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب وهو إسباغه وإرساله؛ والأقيال الملوك وقد تقدّم الكلام عليه. الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «هذا كتاب» ويذكر المقصد فيما بعد، وهو قليل الوقوع في المكاتبات) ومن ذلك كتابه ﷺ لقبيلة همدان من اليمن، فيما ذكره ابن هشام وهو: «هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرّمل، مع وافدها ذي المشعار، «١» لمالك «٢» بن نمط ولمن أسلم من قومه، على أنّ

стр. 3065

لهم فراعها ووهاطها [وعزازها] ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لكم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدكم المهاجرون والأنصار» «١» . وذكر القاضي عياض في «الشفاء» أن في كتابه إليهم: «إنّ لكم فراعها ووهاطها وعزازها، تأكلون علافها وترعون عفاءها، «٢» لنا من دفئهم وصرامهم ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوريّ، وعليهم فيها الصّالغ والقارح» . وهذا من نسبة ما تقدّم مما يحتاج إلى شرح غريبه: فالفراع بالكسر «٣» جمع فرعة، وهو ما ارتفع من الأرض. والوهاط جمع وهطة، وهي ما اطمأنّ من الأرض. والعلاف بالكسر- جمع علف كجبل وجبال، والمراد ما تعتلفه الدوابّ من نبات الأرض. والعزاز- ما صلب من الأرض واشتدّ وخشن، ويكون ذلك في أطرافها. والعفاء العافي- وهو ما ليس لأحد فيه ملك، من قولهم: عفا الأثر إذا درس. والدفء- نتاج الإبل وما ينتفع به منها، سمّي دفئا لأنه يتخذ من أوبارها ما يستدفأ به، والمراد هنا الإبل والغنم. والصّرام- النخل، وأصله قطع الثمرة. والثّلب من ذكور الإبل- الذي هرم وتكسّرت أسنانه. والناب- المسنّة من إناثها. والفصيل من أولاد الإبل- الذي فصل عن أمه من الرّضاع. والفارض- المسنّ من الإبل، والمراد أنه لا يؤخذ منهم في الزكاة. والداجن- الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم والكبش الحوريّ منسوب إلى الحور، وهي جلود تتّخذ من جلود الضأن، وقيل: هو ما دبغ من الجلود بغير القرظ «٤» . والصالغ بالصاد المهملة

стр. 3066

والغين المعجمة، وهو من البقر والغنم الذي كمل وانتهى، ويكون ذلك في السنة السادسة، ويقال: بالسين بدل الصاد. والقارح الفرس الذي دخل في السنة الخامسة. الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «سلّم أنت» ) فمن ذلك كتابه ﷺ إلى المنذر بن ساوى. وهو فيما ذكره أبو عبيد في «كتاب الأموال» : «سلّم أنت، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أمّا بعد، فإنّ من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمّة الله وذمّة الرسول؛ فمن أحبّ ذلك من المجوس فإنّه آمن، ومن أبي فإنّ عليه الجزية» . الطرف الثالث (في كتبه ﷺ إلى أهل الكفر للدّعاية إلى الإسلام، وهو على ثلاثة أساليب) الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من محمد رسول الله إلى فلان» كما في الأسلوب الأوّل من كتبه إلى أهل الإسلام) فمن ذلك كتابه ﷺ إلى هرقل: وهو قيصر، وقيل نائبه بالشام. وهو على ما ثبت في الصحيحين: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى. أما بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين، ويأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون.

стр. 3067

وذكر أبو عبيد في «كتاب الأموال» : أنّ كتابه ﷺ ، إلى هرقل كان فيه: «من محمد رسول الله إلى صاحب الروم؛ إنّي أدعوك إلى الإسلام: فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإن لم تدخل في الإسلام فأعط الجزية، فإنّ الله تعالى يقول: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «١» وإلا فلا تحل بين الفلّاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية» . قال أبو عبيد: وأراد بالفلّاحين أهل مملكته؛ لأن العجم عند العرب كلّهم فلّاحون لأنهم أهل زرع وحرث. وفي مسند البزّار أنه ﷺ ، كتب إليه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الرّوم» . ومن ذلك كتابه ﷺ إلى كسرى أبرويز «٢» ، ملك الفرس فيما ذكره ابن الجوزيّ، وهو: «من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله عزّ

стр. 3068

وجلّ فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافّة، لأنذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، وأسلم تسلم فإن تولّيت فإنّ إثم المجوس عليك» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى المقوقس صاحب مصر. وهو فيما ذكره ابن عبد الحكم: «من محمد رسول الله إلى المقوقس «١» عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فعليك إثم القبط. يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون» . وذكر الواقديّ أن كتابه إليه كان بخطّ أبي بكر الصّديق ﵁، وأن فيه: من محمد رسول الله إلى صاحب مصر. أما بعد، فإنّ الله أرسلني رسولا وأنزل عليّ قرآنا، وأمرني بالإعذار والإنذار ومقاتلة الكفّار حتّى يدينوا بديني ويدخل الناس في ملّتي، وقد دعوتك إلى الإقرار بوحدانيّته، فإن فعلت سعدت، وإن أبيت شقيت، والسّلام» . ومن ذلك كتابه ﷺ إلى النّجاشيّ ملك الحبشة. وهو فيما ذكره ابن إسحاق: «من محمد رسول الله إلى النجاشيّ ملك الحبشة، إني أحمد إليك الله الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم البتول.

стр. 3069

الطّيّبة الحصينة، حملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده. وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن تتّبعني وتؤمن بالّذي جاءني، فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصحي. وقد بعثت إليكم ابن عمّي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسّلام على من اتّبع الهدى» . ومن ذلك كتابه ﷺ إلى هوذة «١» بن عليّ، صاحب اليمامة، وكان نصرانيّا. وهو فيما ذكره السهيليّ. «من محمد رسول الله إلى هوذة بن عليّ. سلام على من اتّبع الهدى. واعلم أنّ ديني سيظهر إلى منتهى الخفّ والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى نصارى نجران. وهو فيما ذكره صاحب «الهدي المحمّديّ» : بسم الله الرحمن الرحيم، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد؛ فإن أبيتم فالجزية؛ فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام «٢» . ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عمان. وهو: «من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتّبع الهدى.

стр. 3070

أما بعد، فإنّي أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإنّي رسول الله إلى الناس كافّة لأنذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، وإنّكما إن أقررتما بالإسلام ولّيتكما، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإنّ ملككما زائل عنكما، وخيلي تحلّ بساحتكما، وتظهر نبوّتي في ملككما. وكتب أبيّ بن كعب» . وفي رواية ذكرها أبو عبيد في «كتاب الأموال» أنه كتب إليهما: «من محمد رسول الله لعباد الله أسيد بن ملوك عمان، وأسيد عمان: من كان منهم بالبحرين، إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حقّ النبيّ ﷺ ، ونسكوا نسك المسلمين، فإنّهم آمنون، وإنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أنّ مال بيت النار ثنيا لله ورسوله، وإنّ عشور التّمر صدقة، ونصف عشور الحبّ، وإنّ للمسلمين نصرهم ونصحهم، وإنّ لهم على المسلمين مثل ذلك، وإنّ لهم أرحاء يطحنون بها» . قال أبو عبيد: وبعضهم يرويه لعباد الله الأسبيين اسما أعجميّا نسبهم إليه. قال: وإنما سمّوا بذلك لأنهم نسبوا إلى عبادة فرس، وهو بالفارسية أسب فنسبوا إليه، وهم قوم من الفرس وفي رواية من العرب. ومن ذلك كتابه ﷺ ، إلى مسيلمة «١» الكذّاب في جواب كتابه إليه ﷺ ، أنه إن جعل له الأمر بعده آمن به.

стр. 3071

وهو: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب: السّلام على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين «١» . الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» وهو أقلّ وقوعا مما قبله) فمن ذلك كتابه ﷺ إلى أهل نجران، ودينهم النصرانية. وهو فيما ذكره ابن الجوزيّ: «بسم الله الرحمن الرحيم، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام» «٢» . الأسلوب الثالث (أن يفتتح الكتاب بلفظ «هذا كتاب» ) فمن ذلك كتابه ﷺ ، مع رفاعة بن زيد إلى قومه. وهو فيما ذكره ابن إسحاق: «هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامّة ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين» . قلت: وقد كتب ﷺ ، إلى جماعة غير من تقدّم، لم أقف على صورة ما

стр. 3072

كتب إليهم، كجبلة «١» بن الأيهم الغسّانيّ، وذي الكلاع الحميريّ وغيرهم، وستأتي كتبه ﷺ في معنى الولايات والإقطاعات والهدن والأمانات في مواضعها إن شاء الله تعالى.

стр. 3073

الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الرابعة (في الكتب الصادرة عن الخلفاء، وهي على قسمين) القسم الأوّل (المكاتبات إلى أهل الإسلام، وفيه تسعة أطراف) الطّرف الأوّل (في الكتب الصادرة عن الخلفاء من الصحابة ﵃، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في المكاتبات الصادرة عن أبي بكر الصدّيق ﵁ وكانت تفتتح بلفظ: «من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى فلان» وباقي الكتاب من نسبة كتب النبيّ ﷺ من التصدير بالسلام والتّحميد، والتّخلّص بأما بعد، والاختتام بالسلام وما يجري هذا المجرى، مع لزوم الخطاب بالكاف وتاء المخاطب للواحد، وبالتثنية للاثنين، والجمع للجماعة. وعنونتها «من أبي بكر خليفة رسول الله» في الجانب الأيمن ثم «إلى فلان الفلانيّ» في الجانب الأيسر على ما يقتضيه الترتيب المتقدّم. وهذه نسخة كتابه ﵁ إلى أهل الرّدة حين ارتدّوا عن الإسلام بعد وفاة النبيّ ﷺ . وهو على ما ذكره صاحب «نهاية الأرب» :

стр. 3074

«من أبي «١» بكر خليفة رسول الله ﷺ ، إلى من بلغه كتابي هذا من عامّة وخاصّة، أقام على الإسلام «٢» أو رجع عنه، سلام على من اتّبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضّلالة والعمى؛ فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله، وأقرّ «٣» بما جاء به [وأكفّر من أبى وأجاهده «٤» ] . أما بعد، فإن الله أرسل محمدا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين، يهدي «٥» الله للحقّ من أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ ، بإذنه من أدبر عنه حتّى صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم توفّي رسول الله ﷺ ، وقد نفّذ لأمر الله، ونصح لأمّته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزله «٦» ، فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٧» وقال: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «٨» وقال للمؤمنين: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «٩» فمن كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإنّ الله بالمرصاد، حيّ قيّوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم،

стр. 3075

حافظ لأمره، منتقم من عدوّه بحزبه «١» ، وإنّي أوصيكم بتقوى الله وحظّكم ونصيبكم من الله، وما جاء به نبيّكم، وأن تهتدوا بهديه «٢» ، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ من لم يهد الله ضلّ «٣» ، وكلّ من لم يعافه مبتلى، وكلّ من لم ينصره «٤» مخذول. فمن هداه الله كان مهديّا «٥» ، ومن أضلّه كان ضالّا: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً «٦» ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتّى يقرّ به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل. وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به اغترارا بالله وجهالة بأمره، وإجابة للشّيطان، وقال الله جلّ ثناؤه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا «٧» . وقال جلّ ذكره: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ «٨» وإنّي أنفذت «٩» إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتّى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمل صالحا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته «١٠» أن يقاتله على ذلك، ولا يبقى على أحد منهم قدر عليه «١١» ،

стр. 3076

وأن يحرّقهم بالنّيران «١» ، ويقتلهم كلّ قتلة، ويسبي النساء والذّراريّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛ فمن آمن فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله. وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم، والداعية «٢» الأذان، فإن «٣» أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا [عاجلوهم، وإن أذّنوا «٤» ] سلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم. الجملة الثانية (في المكاتبات الصادرة عن بقيّة الخلفاء من الصحابة رضوان الله عليهم) وهي على أسلوبين: الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من فلان إلى فلان» ) يقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، لما صارت الخلافة إليه بعد أبي بكر، كان يكتب في كتبه: «من عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله ﷺ إلى فلان» فلما تلقّب بأمير المؤمنين على ما تقدّم في المقالة الثالثة، أثبت هذا اللّقب في كتبه، وزاد في ابتدائها لفظ «عبد الله» قبل اسمه، ليكون اسمه نعتا له، فكان يكتب: «من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى فلان» وباقي الكتاب على ما مرّ في كتب النبيّ ﷺ ، والصدّيق بعده في التصدير والتعبير عن نفسه بلفظ الإفراد، مثل أنا ولي وعليّ، وعن المكتوب له بكاف الخطاب، مثل لك وعليك، وتاء المخاطب، مثل قلت وفعلت، وتبعه الخلفاء على ذلك. وعنونتها «من عبد الله فلان أمير المؤمنين»

стр. 3077

في الجانب الأيمن، ثم «إلى فلان الفلاني» في الجانب الأيسر كما تقدّم ترتيبه. فمن ذلك ما كتب به أمير المؤمنين عمر، ﵁، إلى عمرو بن العاص وهو يومئذ أمير مصر، وهو: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أمّا بعد، فقد بلغني أنّه فشت لك فاشية من خيل وإبل وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك ولا مال لك، فاكتب إليّ من أين أصل هذا المال» . ومن ذلك ما كتب به معاوية بن أبي سفيان في خلافته إلى ابنه يزيد، وقد بلغه مقارفته اللذات، وانهماكه على الشّهوات، وهو: «من معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى يزيد بن معاوية. أمّا بعد، فقد أدّت ألسنة التصريح إلى أذن العناية بك ما فجع الأمل فيك، وباعد الرّجاء منك إذ ملأت العيون بهجة، والقلوب هيبة؛ وترامت إليك آمال الرّاغبين، وهمم المتنافسين؛ وشحّت بك فتيان قريش وكهول أهلك، فما يسوغ لهم ذكرك إلا على الجرّة المهوّعة «١» ، والكظّ الجشء «٢» . اقتحمت البوائق «٣» ، وانقدت للمعاير، واعتضتها من سموّ الفضل، ورفيع القدر؛ فليتك يزيد إذ كنت لم تكن. سررت يافعا ناشئا، وأثكلت كهلا ضالعا، فواحزناه عليك يزيد! ويا حرّ صدر المثكل بك! ما أشمت فتيان بني هاشم! وأذلّ فتيان بني عبد

стр. 3078

شمس! عند تفاوض المفاخر ودراسة المناقب! فمن لصلاح ما أفسدت، ورتق «١» ما فتقت؟ هيهات خمشت الدّربة وجه التصبّر بك، وأبت الجناية إلا تحدّرا على الألسن، وحلاوة على المناطق! ما أربح فائدة نالوها، وفرصة انتهزوها! انتبه يزيد للّفظة، وشاور الفكرة، ولا تكن إلى سمعك أسرع من معناها إلى عقلك. واعلم أنّ الذي وطّأك وسوسة الشّيطان، وزخرفة السّلطان، مما حسن عندك قبحه، واحلولى عندك مرّه، أمر شركك فيه السّواد ونافسكه الأعبد، لا لأثرة تدّعيها أو حبتها لك الإمرة، وأضعت بها من قدرك، فأمكنت بها من نفسك، فكأنك شانيء «٢» نفسك، فمن لهذا كله؟ اعلم يا يزيد، أنك طريد الموت وأسير الحياة، بلغنى أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ «٣» وأجهرت الفاحشة حتّى اتخذت سريرتها عندك جهرا. اعلم يا يزيد، أن أوّل ما سلبكه السّكر معرفة مواطن الشّكر لله على نعمه المتظاهرة، وآلائه المتواترة، وهي الجرحة العظمى، والفجعة الكبرى، ترك الصّلوات المفروضات في أوقاتها، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثم استحسان العيوب، وركوب الذّنوب، وإظهار العورة، وإباحة السّرّ. فلا تأمن نفسك على سرّك، ولا تعقد على فعلك. فما خير لذة تعقب الندم، وتعفّي الكرم؟ وقد توقّف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك، لما يتوقّعه من غلبة الآفة واستهلاك الشّهوة. فكن الحاكم على نفسك، واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد إن شاء الله تعالى. وليبلغ أمير المؤمنين ما يردّ شاردا من نومه، فقد أصبح

стр. 3079

نصب الاعتزال من كل مؤانس، ودرأة «١» الألسن الشامتة، وفّقك الله فأحسن. الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أمّا بعد» ) وهو على ما تقدّم خلا الابتداء والتصدير بالسلام والتحميد، ويكون الافتتاح فيه بالمقصد، كما كتب أمير المؤمنين عثمان بن عفّان إلى عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، حين خرج عليّ إلى الينبع «٢» واختلف الناس على عثمان. أما بعد، فقد بلغ السّيل «٣» الزّبى [وجاوز «٤» ] الحزام الطّبيين، وطمع فيّ كلّ من كان يضعف [عن الدفع «٥» ] عن نفسه، ولم يغلبك مثل مغلّب، فأقبل إليّ صديقا كنت أو عدوّا: (طويل) فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق «٦»

стр. 3080

الطرف الثاني (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني أميّة) وهي على ما تقدّم من الكتب عن الخلفاء من الصحابة في التصدير والتعبير، إلا أنه يعبّر عن الخليفة بأمير المؤمنين، وربما عبّر عنه بلفظ الإفراد، مثل: فعلت وأفعل وما أشبه ذلك أما الخطاب للمكتوب له، فبكاف الخطاب وتاء المخاطب مثل، إنك أنت قلت كذا، وفعلت كذا، وما أشبه ذلك. وعنوانها: «من عبد الله فلان أمير المؤمنين» في الجانب الأيمن، ثم «إلى فلان الفلانيّ» في الجانب الأيسر. ثم هي على أسلوبين: الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من عبد الله فلان أمير المؤمنين إلى فلان» ) كما كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج بن يوسف- وقد بلغه تعرّضه لأنس بن مالك ﵁ «من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجّاج بن يوسف. أما بعد، فإنّك عبد علت «١» بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتّى جزت حدّ قدرك، وعدوت طورك. وايم «٢» الله لأغمزنّك كبعض غمزات اللّيوث الثّعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها في وجعاء أمّك! أذكر مكاسب آبائك في الطائف، إذا كانوا ينقلون الحجارة على أعناقهم، ويحفرون الآبار والمناهر «٣» بأيديهم، قد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدّناءة واللّوم والضّراعة. وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس بن مالك جرأة منك على أمير

стр. 3081

المؤمنين، وغرّة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله، وعمد إلى غير محجّته، ونزل عند سخطته، وأظنّك أردت أن تروزه «١» . بها فتعلم ما عنده من التغيير والتنكير فيها، فإن سوّغتها مضيت قدما، وإن غصصت بها ولّيت دبرا أيها «٢» العبد الأخفش العينين، الأصكّ الرجلين، الممسوح الجاعرتين «٣» ، ولن يخفى عن أمير المؤمنين نبؤك، ولكلّ نبأ مستقرّ وسوف تعلمون. الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» ويقع الشروع منه في المقصد) كما كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام، والتحية والإكرام- وقد بلغه خلافهم عليه. «أما بعد، فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إنّي والله قد لبستكم فأخلقتكم! ورفعتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم على بطني، وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم، وأترككم بها أحاديث تنسخ منها أخباركم كأخبار عاد «٤» وثمود» . وكما كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة، وهو عامله على بعض النواحي: «أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق، فاذكر قدرة الخالق عليك! واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للرّعيّة عندك» .

стр. 3082

وكما كتب يزيد بن الوليد المعروف بالناقص إلى مروان بن محمد- وقد بلغه عنه تلكّؤ في بيعته: «أما بعد، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام» . قلت: ولم يزل الأمر في المكاتبات في الدولة الأمويّة جاريا على سنن السّلف، إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك، فجوّد القراطيس، وجلّل الخطوط، وفخّم المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك، إلا عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد المقدّم ذكره، فإنهما جريا في ذلك على طريقة السلف. ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنّه الوليد بن عبد الملك، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد آخر خلفائهم، وكتب له عبد الحميد «١» بن يحيى- وكان من اللّسن والبلاغة على ما اشتهر ذكره- فأطال الكتب وأطنب فيها، حيث اقتضى الحال تطويلها والإطناب فيها، حتّى يقال: إنه كتب كتابا عن الخليفة جاء وقر جمل، واستمر ذلك فيما بعده. الطرف الثالث (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني العبّاس ببغداد وولاة العهد بالخلافة، وفيه ثلاث جمل) الجملة الأولى (في بيان ترتيب كتبهم في الرسائل على سبيل الإجمال) كانوا يفتتحون أكثر كتبهم بلفظ «من فلان إلى فلان» وتارة ب «أما بعد»

стр. 3083

وربما افتتحوها بغير ذلك. فأما افتتاحها بلفظ من فلان إلى فلان فكان يكتب عنهم في أوّل دولتهم كما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة، وهو «من عبد الله فلان أمير المؤمنين، سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو» ثم يتخلّص إلى المقصود بلفظ أما بعد. إلا أنهم زادوا بعد اسم الخليفة لفظ «الإمام الفلاني» بلقب الخلافة، فكان يقال: «من عبد الله الإمام الفلاني أمير المؤمنين» فلما صارت الخلافة إلى الرشيد زاد بعد التحميد «ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ﷺ » فلما ولّي ابنه الأمين اكتنى في كتبه وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك. وقد اختلف في تقديم الاسم والكنية واللّقب، والذي رتّبه أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتّاب» تقديم الاسم على الكنية وتقديم الكنية على اللقب، مثل أن يقال: «من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين» ثم قال: وهذه المكاتبة هي التي اصطلح عليها في الأمور السلطانية التي تنشأ بها الكتب من الدواوين، إلا أن بعض العلماء قد خالفهم في هذا، وقال: الأولى أن يبدأ باللقب، مثل أن يقال «من الراضي» أو «المتوكل» وما أشبه ذلك، كما قال الله جل وعز: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ «١» وذلك لأن اللقب لا يشاركه فيه غيره، فكان أولى أن يبدأ به. وترتيب المكاتبة على ما ذكره في «صناعة الكتّاب» أن يكتب: «من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله» . ثم يفصل ببياض يسير، ويكتب «أما بعد فإن كذا وكذا» ؛ ثم يأتي على المعنى، فإذا فرغ من ذلك وأراد أن يأمر بأمر، فصل ببياض يسير، ثم يكتب: «وقد أمر أمير المؤمنين بكذا ورأى أن يكتب إليك بكذا» ، فيؤمر بامتثال ما أمر به والعمل بحسبه، ثم يفصل ببياض ويكتب: فاعلم ذلك من رأي أمير

стр. 3084

المؤمنين، واعمل به، إن شاء الله تعالى. «وكتب فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه، يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا. وقد يكتب في أواخر المكاتبة بعد استيفاء المقصد: «هذه مناجاة أمير المؤمنين لك» أو «هذه مفاوضة أمير المؤمنين لك» . ويقال في السّلام على أعلى الطبقات من المكتوب إليهم «والسّلام عليك ورحمة الله» وربما قيل: «ورحمة الله وبركاته» . وأما افتتاحها بلفظ «أما بعد» ، فغالب ما يقع في الكتب المطلقة، كالبشرى بالفتوح وغيرها. ثم تارة يعقّب البعدية بالحمد لله، إما مرة أو أكثر، وغالب ما يكون ثلاث، وتارة يعقّب بغير الحمد. وأما الافتتاح بغير هذين الافتتاحين، فتارة يكون بالدعاء، وتارة يكون بغيره، ويكون التعبير عن الخليفة في كتبه الصادرة عنه «بأمير المؤمنين» على ما تقدّم في خلافة بني أميّة. ثم إن كان المكتوب إليه معيّنا، فالذي كان عليه الحال في أوّل دولتهم أن يكتب إليه باسمه، ثم لما تغلب بنو بويه على الخلفاء وغلبوا عليهم، وعلت كلمتهم في الدولة وتلقّبوا بفلان الدّولة وفلان الملّة، فكان يكتب إليهم بذلك في الكتب إليهم. ثم لما كانت الدولة السّلجوقيّة في أواخر الدولة العباسية ببغداد، استعملوا كثرة الألقاب للمكتوب إليه عن الخليفة في صدر المكاتبة. قال في «موادّ البيان» : ولا يخاطب أحد عن الخليفة إلا بالكاف. وقد يخاطب الإمام وزيره في المكاتبة الخاصة بما يرفعه فيه عن خطاب المكاتبة العامّة الديوانية، ويتصرّف في ذلك ويزاد وينقص على حسب لطافة محل الوزير ومنزلته من الفضل والجلالة. قال في «ذخيرة الكتاب» : ويكون الدعاء من الخليفة لمن يكاتبه على

стр. 3085

قدر موضعه في خدمته ومحلّه عنده، وقد تقدّم أن أعلى الدعاء كان عندهم بإطالة البقاء؛ ولذلك كان يدعى لملوك بني بويه فمن بعدهم بلفظ: «أطال الله بقاءك» . وقد تقدّم في المقالة الثالثة في الكلام على مقادير قطع الورق وما يناسب كلّ قطع من الأقلام أنه إن كانت المكاتبة عن الخليفة ترك الكاتب من رأس الدّرج قدر ذراع بياضا، ثم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ثم يكتب في سطر ثان يلاصقها ويخرج يسيرا، من عبد الله إلى آخر التصدير الذي يليه «أمّا بعد» ، وأن التصدير يكون في سطرين بينهما فضاء قدر شبر، لا يزيد عن ذلك ولا ينقص، ثم يترك بعد هذين السطرين فضاء بنصف ما بين الأوّلين فيما ذكره في «موادّ البيان» : وبقدره فيما ذكره في «ذخيرة الكتاب» ثم يقول: أما بعد، ويأتي على المكاتبة إلى آخرها على هذا النحو. أما عنونة كتبهم، فكانت في أوّل دولتهم: «من عبد الله فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين» في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر «إلى فلان بن فلان» . ثم زاد المأمون في أوّل عنواناته «بسم الله الرحمن الرحيم» . ولما تكنّى الأمين في كتبه بعد ذلك زيدت الكنية في العنوان، فكان يكتب في الجانب الأيمن «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله فلان أبي فلان الإمام الفلاني» وفي الجانب الأيسر، «إلى فلان بن فلان» . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المكاتبات أن البسملة بقيت في العنونة إلى زمن النّحاس في خلافة الراضي، وأن صاحب «موادّ البيان» ذكر أنها بطلت منه بعد ذلك. قال النحاس: فإن كان المكتوب إليه من موالي بني هاشم، نسب إلى ذلك. وإن لم يكن ينسب إليهم ترك. الجملة الثانية (في الكتب العامّة، وهي على أسلوبين) الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
следующие страницы →