Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وخرج عن شرط البلاغة بوضعه إيّاه في غير موضعه، وذكر العسكريّ نحو ذلك في «الصناعتين» .
ثم قال في «حسن «١» التوسل» : وإن كان المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة بمفرده، تعيّن أن يكون البسط أكثر، والإطناب والتهويل أبلغ، والشرح أتمّ. ثم قال: وإن اضطرّ أن يكتب مثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب، فالحكم في ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضي المشاركة في المسارّ، وأنّ أمر هذا العدوّ مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره إلى ما آل.
ويعظّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، ويقول: إن تلك عوائد نصر الله تعالى لنا، وانتقامه ممّن عادانا.
وإن كان المكتوب إليه متّهما بممالأة العدوّ، كتب إليه بما يدل على التّقريع والتهكّم والتهديد في معرض الإخبار.
الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان في أوقات حركات العدوّ إلى أهل الثّغور
، يعلمهم بالحركة للقاء عدوّهم قال في «حسن «٢» التوسل» : فيجب أن يبسط القول في وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدّين، وكثرة العساكر والجيوش وسرعة الحركة، وطيّ المراحل، ومعاجلة العدوّ، وتخييل أسباب النّصر، والوثوق بعوائد الله تعالى في الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التيقّظ، وحفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك. ويبرز ذلك في أمثل كلام وأجلّه وأمكنه، وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرقّة. ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى واستنزال نصره وتأييده، والرّجوع إليه في تثبيت الأقدام، والاعتصام به في الصبر، والاستعانة به على العدوّ، والرغبة إليه في خذلانهم وزلزلة أقدامهم وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح ببطلان حركتهم، ورجاء تأخّرهم، وانتظار العرضيّات في ضعفهم، لما في ذلك
стр. 3012
من إيهام الضّعف عن لقائهم، واستشعار الوهم والخوف منهم.
القسم الثاني (ما يكتب به عن الأتباع إلى السلطان والطّبقة العليا من الرؤساء، وهو على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يعمل فيه على الإيجاز والاختصار)
وقد استحبّوا الإيجاز في ثلاثة مواضع:
أحدها- أن يكون ما يكتب به من باب الشكر على نعمة يسبغها سلطانه عليه
، وعارفة يسديها إليه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن لا يبنيها على الإسهاب وتجاوز الحدّ، بل يبنيها على اللّفظ الوجيز، الجامع لمعاني الشّكر، المشتمل على أساليب الاعتراف والاعتداد، فإنّ إطناب الأصاغر في شكر الرؤساء داخل في باب الإضجار والإبرام، ولا سيّما إذا رجعوا إلى خصوصيّة وتقدّم خدمة. وكذلك لا يكثر من الثناء عليه؛ لأن ذلك من باب الملق الذي لا يليق إلا بالأباعد الذين لم يتقدّم لهم من المواتّ «١» والحرم»
ما يدلّ على صحّة عقائدهم، ولم يضف عليهم من النّعم ما يوجب خلوص نيّاتهم. أما إذا كان المثني أجنبيّا متكسّبا بالتقريظ والثناء، فإنه لا يقبح به الإيغال والإغراق فيهما. قال: وكذلك لا ينبغي للخاصة الإكثار من الدعاء، وتكريره في صدور الكتب عندما يجري ذكر الرئيس، فإنّ في ذلك مشقّة وكلفة يستثقلها الملوك.
والحكم فيما يستعمل من ذلك في الكتب شبيه بما يستعمل شفاها منه. ويقبح من خادم السلطان أن يشغل سمعه في مخاطبته إياه بكثرة الدعاء وتكريره.
الثاني- أن يكون ما يكتب به التابع إلى السلطان
ونحوه في سؤال حسن
стр. 3013
النظر وشكوى الفقر والخصاصة «١» . قال في «موادّ البيان» : فيبني القول على الإيجاز ويمزج الشكوى بالشّكر والاعتداد بالآلاء «٢» ، والرغبة في مضاعفة الإحسان والزيادة في البرّ، والإلحاق بالطّبقة الرابعة في إيلاء العوارف، فإن ذلك أعطف لقلب الرئيس، وأدعى إلى بلوغ الغرض. ولا يكثر شكوى الحال ورثاثتها، واستيلاء الخصاصة والفقر عليه، فإن ذلك يجمع إلى الإضجار والإبرام شكاية الرئيس بسوء حال مرؤسه، وقلة ظهور نعمته عليه، وذلك مما يكرهه الرؤساء ويذمّونه.
الثالث- أن يكون ما يكتب به التابع إلى المتبوع من باب التنصّل
والاعتذار عن شيء قرف به عند رئيسه. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يبني كلامه على الاختصار، ويعدل عن الإسهاب والإطناب، ويقصد إلى النّكت التي تزيل ما عرض عنده من الشّبهة في أمره، وتمحو الموجدة السابقة إلى ضمير رئيسه. ولا يصرّح ببراءة الساحة عن الإساءة والتقصير، فإنّ ذلك مما يكرهه الرؤساء من أتباعهم؛ لأن عادتهم جارية بإيثار اعتراف الخدم بالتقصير والتّفريط، والإقرار بالمقروف به ليكون لهم في العفو عند الإقرار موضع منّة مستأنفة تستدعي شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضي نشرا. أما إذا أقام التابع الحجة على براءته مما قرف به، فلا موضع للإحسان إليه في إقراره على منزلته والرضا عنه، بل يكون ذلك قدرا واجبا له، إن منعه إيّاه ظلمه وتعدّى عليه.
الضرب الثاني (ما يعمل فيه على البسط والإطناب)
وقد استحبّوا البسط هنا في موضع واحد؛ وهو ما إذا كان ما يكتب به
стр. 3014
التابع إلى السلطان واقعا في باب الإخبار بأحوال ما ينظر فيه من الأعمال، وما يجري على يديه من المهمّات. قال في «موادّ البيان» : فسبيله أن يوفّي حقّه في الشرح والبيان، ويسلك فيه طريقة يجمع فيها بين إيضاح الأغراض من غير هذر يضجر ويملّ، ولا اختصار يقصّر ويخلّ، وأن يقصد إلى استعمال الألفاظ السّهلة التي تصل معانيها إلى الأفهام من غير كلفة، ويتجنب ما يقع فيه تعقيد وتوعير أو إبهام، إلا أن يعرض له في المكاتبة ما يحتاج إلى التّورية والكناية كما تقدّم فيما إذا أطلق عدوّ لسانه في السلطان فإنه يحتاج إلى الكناية عنه على ما مرّ.
القسم الثالث (ما يكتب به إلى الأكفاء «١» والنّظراء، والطبقة الثانية من الرؤساء)
قال في «موادّ البيان» : وسبيل مكاتبتهم أن يؤتى فيها باللفظ المساوي للمعنى من غير إيجاز ولا إطناب؛ لأنها رتبة متوسطة بين الرّتبتين المتقدّمتين.
ولا يخفى أنّ ما ذكره إنما هو عند الوقوف مع حقائق المكاتبات. أما الإخوانيّات المطلقة، فإنها تكون في الطّول والقصر بحسب ما بين الصديقين من المودّة والقرب، وما يعلمه كلّ واحد منهما من خلق الآخر، وما توجبه دالّته عليه.
وسيأتي في مقاصد المكاتبات من أمثلة الأقسام الثلاثة ما يوضّح مقاصدها ويقرّب مآخذها إن شاء الله تعالى.
الطّرف الثالث (في أمور تختص بالأجوبة، وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في بيان أيّ الأمرين من الابتداء والجواب أعلى رتبة وأبلغ في صناعة الكتابة)
وقد اختلف الكتّاب في ذلك، فذهب أكثر البلغاء إلى أن الكتب الجوابيّة
стр. 3015
أتعب مطلبا وأصعب مرتفى من الكتب الابتدائية، وأن فيها تظهر مهارة الكاتب وحذقه، لا سيما إذا كان الخطاب محتملا «١» للاعتذار والاعتلال عن امتثال الأوامر والنواهي، والتّورية عن نصوص الأحوال، والإعراض عن ظواهرها، قائدا إلى استعمال المغالطة، موجبا للانفصال عن الاحتجاج والإلزام، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى الخلاص من المكاره.
واحتجّوا لترجيح ذلك بوجوه.
منها- أن المبتديء محكّم في كتابه، يبتديء بألفاظه كيف شاء، ويقطعها حيث يشاء، ويتصرّف في التقديم والتأخير، والحذف والإثبات والإيجاز والإسهاب؛ ويبني على أساس يؤسسه لنفسه، والمجيب ليس له تقديم ولا تأخير، وإنما هو تابع لغرض المبتديء، بان على أساسه.
ومنها- أنّ المجيب- إذا كان جوابه محتملا للإشباع والتوسّع- مضطرّ إلى اقتصاص ألفاظ المبتديء واتّباعها للإجابة عنها، وذلك يؤدّي إلى تصفّح كلام المبتديء والمجيب ويصل ما بين الكلامين، لأن الكلامين يتقابلان فلا تخفى رتبتهما والفاضل منهما من الرّذل، وهذا مرفوع عن المبتديء.
ومنها- أن تأليف الكلام وانتظامه واتّساقه والتئامه يقدر منها المبتديء على ما لا يقدر عليه المجيب؛ لأن الجواب يفصّل أجزاء الكلام ويبدّد نظامه ويقسّمه أقساما، لمكان الحاجة إلى استئناف القول من الفصل بعد الفصل بقول وأمّا كذا وأمّا كذا، فظهور الصورة المستحسنة، في المتصل أكثر من ظهورها في المنفصل.
أما إذا كان الجواب مقتضبا مبنيّا على امتثال مأمور، أو انتهاء عن منهيّ عنه، فإنه سهل المرام، قريب المتناول؛ لأنه إنما يشتمل على ذكر وصول الكتاب والعمل بما فيه.
стр. 3016
وذهب صاحب «موادّ البيان» إلى أنّ الابتداء والجواب في ذلك على حدّ واحد، وإن «١» كان الكاتب قد يجيد في الابتداء ولا يجيد في الجواب وبالعكس محتجّا لذلك بأن كلّا من المبتديء والمجيب ممتاح «٢» من جودة الغريزة، محتاج من البلاغة والصّناعة إلى ما يحتاج إليه الآخر، لأن الكاتب يكون تارة مبتدئا وتارة مجيبا، وليست الإجابة بصناعة على حيالها، ولا البداية بصناعة على حيالها، بل هما كالنوعين للجنس، ولا منع من أن يكون الكاتب ماهرا في نوع دون نوع.
قال: والكاتب لا يكون في الأمر الأعمّ كاتبا عن نفسه وإنما يكون كاتبا عن آمر يأمره بالكتابة في أغراضه ويسلّمها إليه منثورة، فيحتاج إلى نظمها وضمّها وإبرازها في صورة محيطة بجميع الأغراض من غير إخلال بشيء منها، فعلى المبتديء من المشقّة في إيراد أغراض المكتوب عنه في الصّورة الجامعة لها مع نظمها في سلك البلاغة مثل ما على المجيب من المشقّة في توفية فصول كتاب المبتديء حقّها من الإجابة والتصرّف على أوضاع ترتيبها، بل كلفة المجيب قريبة، لأنه يستنبط من نفس معاني كتاب المبتديء للمعاني التي يجيب بها، لأن الجواب لا يخلو من أن يكون يوافق الابتداء أو يناقضه، فإن وافقه فالأمر سهل، وإن ناقضه فإنّ كل نقيض قائم في الوهم على مقابلة نقيضه، إلا أنه أتعب على كل حال من الموافق، ولا شكّ أن الجواب بتجزئته قد خفّ تحمّله، إذ ليس من يجمع خاطره على الفصل الواحد حتّى يخرج عن جوابه كمن يجمع خاطره على الكتاب كلّه، ثم قال: وليس القصد مما ذكرناه مناقضة مشايخ صناعتنا «٣» ، ولكن القصد تعريف الحق الذي يجب اعتقاده والعمل عليه.
стр. 3017
الجملة الثانية (في بيان ترتيب الأجوبة)
واعلم أن للجواب حالتين:
الحالة الأولى- أن يكون الجواب من الرئيس إلى المرؤوس عما كتب به الرئيس إليه
، فالذي ذكره في «موادّ البيان» أن للرئيس أن يبني حكاية كتاب مرؤوسه إليه في جوابه على الاختصار، ويجمع معانيه في ألفاظ وجيزة، محيطة بما وراءها كأن يقول: وصل كتابك في معنى كذا وفهمناه.
الحالة الثانية- أن يكون الجواب من المرؤوس إلى الرئيس عما كتب به الرئيس إليه
، قال في «موادّ البيان» : والواجب في هذه الحالة أن يحكي فصول كتاب رئيسه على نصّها ويقصّها على وجهها من غير إخلال بشيء منها، إعظاما لقدر الرئيس وإجلالا لخطابه. قال: وليس للمجيب إن مرّ في كتاب الرئيس بلفظة واقعة في غير موضعها أن يبدلها بغيرها، لما في ذلك من الإشارة إلى أن هذا أصحّ من كتاب رئيسه في ألفاظه ومعانيه. قال: ولا يجوز الخروج عن حكاية لفظ رئيسه في كتابه بحال، اللهم إلا أن يكون الكتاب الوارد على المجيب في معنى الشكر والتّقريظ من رئيسه له والثناء عليه في قيامه بالخدمة، فإنه لا يجوز أن يأتي به على نصه؛ لأنه يصير بذلك مادحا نفسه، ومدح الإنسان نفسه غير سائغ، ولا يجوز أن يهمل ذكره جملة؛ لأنه يكون قد أخلّ بما يجب من شكره له على تشريف رتبته بإحماده له والثّناء عليه، بل الواجب أن يوقع تلك الصفة على جملة تجعل نفسه بعضا منها، مثل أن يقول: «فأما ما وصفه من اعتداده بخادمه في جملة من نهض بحقوق خدمته، وقام بفرض طاعته، فأهلّه لما يرفع الأقدار من إحماده وثنائه، ويعلي الأخطار من شكره ودعائه» وما يضاهي هذا من العبارة التي تشتمل على معاني ألفاظ رئيسه، فإنه إذا قصد هذا السبيل في حكاية كتاب رئيسه في هذا المعنى، فقد جمع بين البلاغة والإتيان على معاني ألفاظ رئيسه والأدب في ترك التفخيم لنفسه بإضافته لها إلى جملة الخاصّة دون إيقاع المدح عليها فقط.
стр. 3018
قلت: هذا هو الترتيب الذي يجب اعتماده في الأجوبة، فلا يجوز الخروج عنه إلى غيره، على أن كتّاب زماننا قد اطّرحوا النظر في ذلك جملة، وصاروا يكتبون الأجوبة بحسب التشهّي؛ فمنهم من يحكي الكتاب الذي يقع الجواب عنه بنصه مطلقا، سواء كان من رئيس أو مرؤوس وبالعكس، مع قطع النظر عما وراء ذلك. فتنبه لهذه الجملة فإنها دقيقة جليلة.
стр. 3019
الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الرابعة (في ذكر أصول المكاتبات وترتيبها، وبيان لواحقها ولوازمها. وفيه طرفان)
الطرف الأوّل (في ذكر أصولها وترتيبها. وفيه جملتان)
الجملة الأولى (في المكاتبات إلى أهل الإسلام)
واعلم أنّ المكاتبات الدائرة بين المسلمين من صدر الإسلام وإلى زماننا لا يأخذها حدّ ولا تدخل تحت حصر.
والمشهور استعماله منها في دواوين الإنشاء على اختلاف الأزمان خمسة عشر أسلوبا.
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح الكتب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : وأوّل من كتب بذلك قسّ «١» ابن ساعدة الإياديّ، وعلى ذلك كانت مكاتبات النبيّ ﷺ والسلف من الصحابة
стр. 3020
والتابعين رضوان الله عليهم. فكان النبي، ﷺ يكتب: «من محمد رسول الله إلى فلان» . ثم كتب أبو بكر الصدّيق، ﵁، في خلافته: «من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ » . ثم كتب عمر بعده: «من عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله ﷺ إلى فلان» . فلما لقّب بأمير المؤمنين زاد في ذلك لفظ «عبد الله» قبل عمر، ولقب «أمير المؤمنين» ، بعده؛ فكان يكتب: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان» . ولم يزل الأمر على ذلك إلى خلافة هارون الرشيد، فأمر أن يزاد في صدور الكتب بعد «فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على جدّه «١» محمد عبده ورسوله» . فجرى الأمر على ذلك في زمنه وما بعده، قال أبو هلال العسكريّ في «الأوائل» : وكان ذلك من أجلّ مناقبه. قال صاحب «ذخيرة الكتّاب» : وكان الرشيد قد قال ليحيى بن خالد: إني قد عزمت على أن يكون في كتبي: «من عبد الله هارون الإمام أمير المؤمنين عبد رسول الله ﷺ » - فقال له يحيى: قد عرف الله نيّتك في هذا يا أمير المؤمنين! [وأجزل] لك الأجر؛ والتعبد إنما هو لله وحده لا لغيره- قال: فأكتب «من هارون مولى محمد رسول الله» - فقال: إن المولى ربما كان في كلام العرب ابن العمّ، وجزى الله أمير المؤمنين خيرا عن هذه النية وهذا الفكر.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «لفلان من فلان» أو «إلى فلان من فلان» وبقية الصّدر، والتخلص ب «أما بعد» أو غيرها، والاختتام بالسلام وغيره على ما تقدّم في الأسلوب الأوّل)
وقد اختلف العلماء في جواز الابتداء في المكاتبة باسم المكتوب إليه؛ فذهب جماعة من العلماء إلى جواز ذلك، محتجّين بأن الصّحابة رضي الله
стр. 3021
عنهم، وبعض الملوك كانوا يكتبون إلى النبيّ ﷺ كذلك. كما كتب إليه خالد ابن الوليد والنجاشيّ «١» والمقوقس «٢» ، في إحدى الروايات، على ما سيأتي ذكره في المكاتبات إلى النبي ﷺ فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه، إلّا إلى والد أو والدة أو إمام يخاف عقوبته» . وعن نافع قال: كانت لابن عمر إلى معاوية حاجة، فقال له ولده: إبدأ به في الكتاب، فلم يزالوا به حتّى كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى معاوية من عبد الله بن عمر» . وعن الأوزاعيّ «٣» أنه كان يكتب إلى عمر بن عبد العزيز فيبدأ به فلا ينكر ذلك. وعن سعيد بن عبد العزيز قال: كتب عمر (يعني ابن عبد العزيز) إلى الحجّاج، فبدأ بالحجّاج قبل نفسه- فقيل له في ذلك- فقال: «بدأت به لأحقن دم رجل من المسلمين. قال سعيد:
فحقن له دمه. وعن بكر بن عبد الله أنه كتب إلى عامل في حاجة، فكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم، إلى فلان من بكر» - فقيل له: أتبدأ باسمه؟ فقال:
وما عليّ أن أرضي صاحبي وتقضى حاجة أخي المسلم؟ قال في «صناعة الكتّاب» : وعلى ذلك جرى التعارف في المكاتبة إلى الإمام.
وذهب قوم إلى كراهة ذلك؛ لأنه مأخوذ عن ملوك العجم. قال ميمون بن مهران: كان العجم يبدأون بملوكهم إذا كتبوا إليهم. وقد روي عن العلاء بن الحضرميّ أنه كتب إلى النبي ﷺ فبدأ بنفسه. وعن الربيع بن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ وكان أصحابه يكتبون إليه يبدأون بأنفسهم. وعلى ذلك جرى «٤» في «نهاية الأرب» فقال: كان أصحاب رسول الله ﷺ وأمراء
стр. 3022
جيوشه يكتبون إليه كما يكتب إليهم، يبدأون بأنفسهم. وعن ميمون بن مهران أنه قال: كان ابن عمر إذا كتب إلى أبيه كتب «من عبد الله بن عمر إلى عمر بن الخطّاب» . وعن يحيى بن سعيد القطّان قال: قلت لسفيان الثوري: أكتب إلى أمير المؤمنين يعني المهديّ، قال: إن كتبت إليه بدأت بنفسي- قلت: فلا تكتب إليه إذن. وهذه الأقوال كلها جانحة إلى ترجيح بداءة المكتوب عنه بنفسه. قال أبو جعفر النحاس: وهذا عند أكثر الناس هو الإجماع الصحيح، لأنه هو إجماع الصحابة ﵃.
ولتعلم أن الذاهبين إلى جواز الابتداء باسم المكتوب إليه اختلفوا؛ فذهب قوم إلى أنه إنما يكتب «إلى فلان من فلان» كما تقدم في كتاب ابن عمر إلى معاوية، ولا يكتب «لفلان من فلان» . واستشهد لذلك بما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: يكتب الرجل «من فلان إلى فلان» ولا يكتب لفلان؛ وبما روي عن هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أنه قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا «بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان» . لكن قد روي أن رجلا كتب عند ابن عمر «بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان» فقال ابن عمر: مه! فإنّ اسم الله هو له إذن. ومقتضى ذلك أن الكراهة إنما هي لإيهام أن البسملة للمكتوب إليه، لا للابتداء باسم المكتوب إليه.
وذهبت طائفة إلى جواز أن يكتب « «لفلان من فلان» واحتجّ لذلك بما روي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أنّ ابن عمر كتب إلى عبد الملك ابن مروان: «بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر» وهو ظاهر، فقد كانت مكاتبة خالد بن الوليد والنّجاشيّ والمقوقس «لمحمد رسول الله» على ما سيأتي ذكره. وعلى ذلك «١» كانت
стр. 3023
المكاتبة للخلفاء؛ فكان يكتب لعمر بن الخطاب ﵁، من عمّاله وغيرهم «لعبد الله عمر أمير المؤمنين» وعلى ذلك جرى الحال في المكاتبة إلى سائر الخلفاء بعده على ما ستقف عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثالث (أن يفتتح الكتاب بلفظ أما بعد)
وعليه ورد بعض المكاتبات الصادرة عن النبي، ﷺ ، وعن الخلفاء من الصحابة فمن بعدهم في صدر الإسلام على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وكانوا بعد حدوث الدعاء في المكاتبات يتبعونها بالدعاء بطول البقاء غالبا، فيقال: «أما بعد، أطال الله بقاءك» ونحو ذلك؛ ثم أضرب بعض الكتّاب بعد ذلك. قال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين» : وكان الناس فيما مضى يستعملون في أوائل فصول الرسائل «أما بعد» وقد تركها جماعة من الكتّاب فلا يكادون يستعملونها. قال: وأظنّهم ألمّوا بقول ابن «١» القرّيّة- وقد سأله الحجاج عما ينكره من خطابته- فقال: إنك تكثر الرّذ، وتشير باليد، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموها لهذه الجهة. ثم قال: فإن استعملتها اتّباعا للسلف ورغبة فيما جاء فيها من التأويل أنها فصل الخطاب، فهو حسن؛ وإن تركتها توخّيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عما أصّلوه لم تكن ضائرا. أما الآن فقد ترك الابتداء في الكتب بأما بعد حتّى لا يكاد يعوّل عليها في الابتداء كاتب من كتّاب الزمان، ولا يفتتح بها مكاتبة. نعم يؤتى بها في أثناء بعض
стр. 3024
المكاتبات على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على معناها وأوّل من قالها في الكلام على الفواتح في المقالة الثالثة، وكتّاب المغاربة ربما افتتحوا مكاتباتهم بلفظ وبعد.
الأسلوب الرابع (أن تفتتح المكاتبة بخطبة مفتتحة بالحمد لله)
وأصل هذه المكاتبة مختلس من الأسلوب الأوّل من قولهم: فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. ثم جاء عبد «١» الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أميّة، فأطال التحميدات في صدور الكتب مع الإتيان بأما بعد، وتبعه الكتّاب على ذلك، ثم توسّعوا فيه حتّى كرّروا الحمد المرّات في الكتاب الواحد، لا سيما في أماكن النّعم الحادثة، كالفتوحات ونحوها؛ ثم توسّع بعض الكتّاب في ذلك حتّى جعل الحمد لله افتتاحا، واستمرّ ذلك إلى الآن. وعلى ذلك بعض المكاتبات السلطانية في زماننا، على ما ستقف على ذلك جميعه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ولا خفاء في أنّ الحمد أفضل الافتتاحات، وأعلى مراتب الابتداآت، وإن لم يقع الابتداء به في صدر الإسلام، فهو من المبتدعات المستحسنة. وحيث افتتحت المكاتبة بالحمد لله كان التخلّص منها إلى المقصود «بأما بعد» ؛ وربما وقع التخلّص بغير ذلك، ويكون الاختتام فيها تارة بالسلام، وتارة بالدّعاء، وتارة بغير ذلك. قال ابن شيث في «معالم الكتابة» : والتحميد في أوّل الكتب لا
стр. 3025
يكون إلا في الكتب المكتوبة عن السلطان. قال: وغاية عظمة الكاتب أن يكرّر التحميد ثانية وثالثة في الكتاب، ثم يذكر الشهادتين والصلاة على النبيّ ﷺ .
قلت: والتكرار في الحمد يكون بحسب مقدار النعمة المكتوب بسببها من فتح ونحوه.
الأسلوب الخامس (أن تفتتح الكتاب بلفظ «كتابي إليك» أو «كتابنا إليك من موضع كذا، أو في وقت كذا والأمر على كذا» وتشرح القضية؛ وتختم المكاتبة «بكتابنا إليك» بنحو قولك: «فإن رأيت أن تفعل كذا فعلت» والمكاتبة «بكتابي إليك» بنحو قولك: «فرأيك في كذا» وما يجري هذا المجرى)
والأصل في هذه المكاتبة أنّ النبيّ ﷺ ، كان يكتب في بعض المكاتبات الصادرة عنه: «هذا كتاب من محمد رسول الله إلى فلان، أو إلى الجماعة الفلانيين» . فلما كان أيام بني بويه في أثناء الدولة العباسية، استخرج كتّابها من هذا المعنى الابتداء «بكتابي إليك» إذا كانت المكاتبة إلى النظير ومن في معناه، والابتداء «بكتابنا إليك» إذا كانت المكاتبة عمّن له رتبة نون العظمة من الملوك ونحوهم؛ وكانوا يتبعون ذلك بالدعاء بطول البقاء نحو «كتابي اليك أطال الله بقاءك» أو «كتابنا إليك أطال الله بقاءك» . وربما عبر «بهذه «١» الخدمة» وما أشبه ذلك؛ ويكون التخلّص فيه إلى المقصد بواو الحال، مثل أن يقال: «كتابي إليك والأمر على كذا وكذا» ونحو ذلك؛ وربما وقع التخلّص بخلاف ذلك. ويكون الاختتام فيه تارة بالسلام وتارة بالدعاء، وتارة بغير ذلك. وكتّاب المغرب عدلوا عن لفظ الاسم في كتابي إلى لفظ الفعل. مثل أن يقال: «كتبنا إليك» أو «كتبت
стр. 3026
إليك والأمر على كذا، أو من موضع كذا» .
الاسلوب السادس (أن تقع المكاتبة بلفظ «كتب» بصيغة الفعل)
وهذه المكاتبة كان يكتب بها عن الوزراء ومن في معناهم إلى الخلفاء.
فيكتب الوزير ونحوه: «كتب عبد أمير المؤمنين» أو «كتب العبد من محلّ خدمته بمكان كذا، والأمر على كذا وكذا» . وعلى نحو من ذلك يجري كتّاب المغاربة في الكثير من كتبهم، مثل «إنا كتبنا إليكم من محلّ كذا» أو «كتبت إليك من محلّ كذا» وما أشبه ذلك. وهذه في الأصل مأخوذة من الأسلوب الذي قبل.
الأسلوب السابع (أن يقع الافتتاح بالدعاء)
والأصل في ذلك ما حكاه أبو جعفر النحاس: إنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، عند جريان الخلاف ووقوع الحرب بينهما: «أما بعد عافانا الله وإيّاك من السّوء» . ثم زاد الناس في الدعاء بعد ذلك.
وقد اختلف في جواز المكاتبة بالدّعاء في الجملة؛ فذهب ذاهبون إلى جواز ذلك كما يجوز الدّعاء في غير المكاتبة، سواء تضمّن الدعاء معنى الدّوام والبقاء أم لا. وهو الذي رجّحه محمد بن عمر المدائنيّ في كتاب «القلم والدواة» وإليه يميل كلام غيره أيضا، وحكاه النحاس عن أبي جعفر أحمد بن سلامة، وكلامه يميل إلى ترجيحه. أمّا ما يتضمن معنى الدّوام والبقاء، فلما روي أنّ النبي، ﷺ ، قال لأبي اليسر كعب «١» ابن عليّة: «اللهم أمتعنا به» قال النحاس: وذلك دليل الجواز، بل حكي عن بعضهم أنّ الدعاء بطول البقاء
стр. 3027
أكمل الدعاء وأفخمه؛ لأنّ كل نعمة لا ينتفع بها إلا مع طول البقاء. ثم قال:
والمعنى في الدّعاء في المكاتبات التودّد والتحبّب؛ وقد أمر ﷺ المسلمين أن يكونوا إخوانا، ومن أخوّتهم ودّ بعضهم بعضا. وكذلك القول بما يؤكّد الأخوّة بينهم والمودّة من بعضهم لبعض، وإذا قال له ذلك، كان قد بلغ من قلبه نهاية مبلغ مثله منه، ويكون من قال ذلك قد علم من قلبه في شأنه ما يكون من قلب مثله. وقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ: من قال لصاحبه- حفظا لمودّة-:
«أدام الله لك النّعم» ونحو ذلك فلا بأس به.
وأمّا ما لم يتضمن معنى الدوام والبقاء، كالعزّ والكرامة، فقد روي عن كعب بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رأى منكم مقتل حمزة؟
فقلت: أعزّك الله! أنا رأيته» . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل جرير بن عبد الله على النبيّ ﷺ ، فضنّ الناس بمجالسهم فلم يوسّع له أحد، فرمى له رسول الله ﷺ ببردته «١» وقال: اجلس عليها يا جرير، فتلقّاها بوجهه ونحره فقبّلها ثم ردّها على ظهره وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني» فقد دعا له ﷺ كعب بن مالك بالعز، وجرير بن عبد الله بالكرامة ولم ينكر ذلك على واحد منهما.
وذهب آخرون إلى أنه لا تجوز المكاتبة بالدّعاء، سواء تضمّن معنى الدوام والبقاء أم لا؛ لأنه خلاف ما وردت به السنة وجرى عليه اصطلاح السّلف.
وفصّل بعضهم فقال: «إن كان الدعاء مما لا يتضمّن معنى الدوام والبقاء نحو «أكرمك الله بطاعته» و «تولّاك بحفظه» و «أسعدك بمعرفته» و «أعزّك بنصره» جاز؛ لحديثي كعب بن مالك وجرير بن عبد الله المتقدّمين. وإن كان مما
стр. 3028
يتضمّن معنى الدوام والبقاء، نحو «أطال الله بقاءك» و «نسأ أجلك» و «أمتع بك» وما أشبه ذلك، لم تجز المكاتبة به.
واحتجّ لذلك بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ «أنّ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبيّ ﷺ قالت: اللهمّ، أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية- فقال لها رسول الله ﷺ : لقد دعوت لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة لا يتقدّم منها شيء قبل أجله ولا يتأخّر بعد أجله، ولو سألت الله أن يقيك عذاب النار لكان خيرا لك» . وبما روي أن الزّبير بن العوّام، ﵁، قال للنّبي ﷺ : «جعلني الله فداك» فقال له النبيّ ﷺ :
«أما تركت أعرابيّتك بعد» ؟ فقد أنكر ﷺ على أمّ حبيبة والزبير الدعاء بما فيه طول البقاء. وإذا امتنع ذلك في مطلق الدعاء، امتنع في المكاتبة من باب أولى؛ لمخالفة طرقها التي وردت بها السنة. قال حمّاد بن سلمة: كانت مكاتبة المسلمين «من فلان إلى فلان، أما بعد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده وآل محمد» حتّى أحدث الزنادقة- لعنهم الله- هذه المكاتبة التي أوّلها «أطال الله بقاءك» .
وعن إسماعيل بن إسحاق أنّ أوّل من كتب «أطال الله بقاءك» الزنادقة. وقد قال الإمام الرافعيّ وغيره من أئمة أصحابنا الشافعية: إن الدعاء بالطّليقة- وهي أطال الله بقاءك- لا أصل له في الشرع. قال الشيخ محيي الدين النوويّ: وقد نصّ السلف على كراهته. ونقل النحاس عن بعضهم أنه استحبّ تقييده بالإضافة إلى شيء آخر، مثل أن يكتب «أطال الله بقاءك في طاعته وكرامته» أو «أطال الله بقاءك في أسرّ عيش وأنعم بال» وما أشبه ذلك.
واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في صورة الابتداء بالدعاء؛ فالأوّلون- لابتداع الدّعاء في المكاتبات- كانوا يفتتحون بطول البقاء للخلفاء وغيرهم؛ ثم توسّعت الطبقة الثانية من الكتّاب في المكاتبة فافتتحوا بالدعاء للخلفاء والملوك بخلود الملك، ودوام الأيام، ودوام السّلطان وخلوده، وما في معنى ذلك؛
стр. 3029
ولمن دونهم بعد النّصر والنّصرة والأنصار بدوام النّعمة وخلود السّعادة ومدّ الظّل وإسباغ الظّلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في الكلام على مصطلح كل طبقة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم للكتّاب في الخطاب «١» بالدّعاء مذهبان:
أحدهما- أن يقع الدعاء بلفظ الخطاب، نحو «أطال الله بقاءك، وأعزّك الله، وأكرمك الله، وأدام كرامتك وسعادتك» وما أشبه ذلك.
والثاني- أن يقع بلفظ الدعاء للغائب مثل: «أطال الله بقاء أمير المؤمنين» و «أطال الله بقاء سيّدي» و «أطال الله بقاء مولانا» أو «أعز الله أنصار المقام أو المقرّ» أو «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب» أو «أدام الله نعمة الجناب أو المجلس» وما أشبه ذلك.
قال في «صناعة الكتّاب» : وهو أجلّ الدعاء فيما اصطلحوا عليه. قال:
ورأيت عليّ بن سليمان ينكر ذلك ويقول: الدعاء للغائب جهل باللّغة، ونحن ندعو الله بالمخاطبة.
الأسلوب الثامن (أن يفتتح الكتاب بالسلام)
ويقع التخلّص إلى المقصود بلفظ «ونبدي لعلمه» أو نحو ذلك؛ ويقع الاختتام فيه بالسلام أيضا، وهو منتزع من قولهم في صدر المكاتبة في الأسلوب الأوّل: سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله، تصرّف الكتّاب فيه فجعلوا السّلام في ابتداء المكاتبة، وصاروا يبتدئونها بنحو سلام الله ورحمته وبركاته» . وقد كانوا يبتدئون المكاتبة إلى الخلفاء ببغداد في الدولة الأيّوبية بالديار المصرية بالسلام في بعض الأحيان، وعلى ذلك استقرّت المكاتبة عن الخليفة الآن. وبه يفتتح
стр. 3030
بعض المكاتبات إلى مشايخ الصّوفيّة، على ما سيأتي في الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال في «صناعة الكتّاب» : وإنما قدّموا السّلام على الرحمة لتصرّفه؛ لأنه من أسماء الله تعالى أو جمع سلامة. قال في «موادّ البيان» : أو اسم للجنّة كما في قوله تعالى: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
«١» ثم عقّب ذلك بأن قال:
والسّلام في هذا الموضع من السّلامة، وتقديم السلامة التي تكون في الدنيا أولى من تقديم الرحمة التي تكون في الآخرة.
الأسلوب التاسع (أن يفتتح الكتاب بيقبّل الأرض)
ويتخلص إلى المقصود بلفظ «وينهي» ويقع الاختتام ب «طالع» أو «أنهى» وهذه المكاتبة مما هو موجود في بعض مكاتبات القاضي الفاضل، ولم أرها فيما قبله؛ وكأنهم لما استعملوا في صدور المكاتبات إلى الخلفاء المكاتبة بيقبّل الأرض والعتبات ونحو ذلك، استنبطوا منه ابتداء مكاتبة وجعلوها لمكاتبة الرّؤساء من السلطان ومن في معناه بالنّسبة إلى المرؤوس. والأصل في ذلك أن تحيّة الملوك والرّؤساء والأكابر في الأمم الخالية كانت بالسّجود، كما يحيّي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقد قال قتادة في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵈: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً «٢»
: كانت تحيّة الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، وعليه حمل قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا «٣» *
على أحد التفاسير، وهو المرجّح عند الإمام فخر الدين وغيره من المفسّرين. قال الشيخ عماد الدين بن كثير ﵀ في تفسيره: وكان ذلك
стр. 3031
مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملّتنا. قال معاذ «يا رسول الله! إنّي قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول الله أحقّ أن يسجد لك. فقال: [لا] «١» لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها من عظم حقّه عليها» . وعن صهيب: «أن معاذا [لما] «٢» قدم من اليمن سجد للنبيّ ﷺ فقال يا معاذ، ما هذا؟ قال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها، ورأيت النصارى تسجد لقسّيسيها وبطارقتها، قلت ما هذا؟
قالوا: تحيّة الأنبياء- فقال ﵇: كذبوا على أنبيائهم» . وعن سفيان الثوريّ عن سماك بن هانيء قال: دخل الجاثليق «٣» على عليّ بن أبي طالب، فأراد أن يسجد له، فقال له عليّ: اسجد لله ولا تسجد لي.
فلما وردت شريعة الإسلام بنسخ التحيّة بالسجود وغلب ملوك العجم على الأقطار، استصحبوا ما كان عليه الأمر في الأمم الخالية، وعبّروا عنه بتقبيل الأرض فرارا من اسم السّجود ولورود الشريعة بالنهي عنه؛ واستمر ذلك تحية الملوك إلى الآن، فاستعار الكتّاب ذلك ونقلوه من الفعل إلى اللّفظ، فاستعملوه في مكاتباتهم إلى الخلفاء والملوك؛ ثم توسّعوا في ذلك فكاتبوا به كلّ من له عظمة بالنسبة إلى المكتوب عنه، ورتّبوه مراتب على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولا خفاء فيما في هذه المكاتبة من الكراهة.
الأسلوب العاشر (أن يفتتح الكتاب «بيقبّل اليد» وما في معناها من الباسط والباسطة)
ويقع التخلّص منه إلى المقصود بما يقع به التخلص في الأسلوب الذي
стр. 3032
قبله من الانتهاء «١» ويختم بالدعاء ونحوه.
والأصل في هذه المكاتبة أنّ يقبّل اليد وما في معناها مما يؤذن بالتعظيم، والتبجيل والتكريم، وعلوّ القدر وزيادة الرفعة، مع أنه ليس بممنوع في الشريعة.
فقد ثبت في الصحيحين في حديث الإفك: «أنه لما أنزل الله تعالى براءة أمّ المؤمنين عائشة ﵂، قال لها أبوها: قومي إلى النبيّ ﷺ ، فقبّلي يده» . ولم يكن الصدّيق، ﵁، ليأمرها بما هو ممنوع في الشريعة.
وقد نصّ الفقهاء ﵏ على أنه يجوز تقبيل يد العالم والرجل الصالح ونحوهما، فاستعار الكتّاب ذلك ونقلوه من الفعل إلى الكتابة أيضا، كما فعلوا في تقبيل الأرض، ورتّبوه مراتب على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. على أنّ بعض الكتّاب قد جعل «يقبّل القدم» رتبة بين «يقبّل الأرض» و «يقبّل اليد» وما في معناها، وهو ظاهر لكنه لم يشتهر في عرف الكتّاب.
الأسلوب الحادي عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «صدرت المكاتبة» )
ويتخلص فيها إلى المقصود بلفظ «وتوضّح لعلمه» أو «موضّحة لعلمه» وما أشبه ذلك. ويقع الاختتام فيها بمثل «والله الموفّق» ونحو ذلك. وربما قيل فيها: «أصدرت هذه المكاتبة» أو «أصدرناها» .
وأصل هذه المكاتبة أنه كان يكتب في الدّولة السّلجوقيّة ببغداد، والدولة الأيّوبيّة بالديار المصرية «صدرت هذه الخدمة» أو «أصدرت هذه الخدمة» .
وربما كتب «صدرت هذه الجملة» فعدل عنه كتّاب الزمان بالديار المصرية ومن قاربهم إلى التعبير بقولهم: «صدرت هذه المكاتبة» . على أن كتّاب الزمان بالديار المصرية إنما أخذوها من صدور المكاتبات المفتتحة بالدعاء مثل «أعزّ الله أنصار المقرّ» ، حيث يقال في تصديرها «أصدرناها» ومثل «ضاعف الله
стр. 3033
نعمة الجناب» و «أدام الله نعمة الجناب أو المجلس» وما أشبه ذلك. حيث يقال في تصديرها: «صدرت هذه المكاتبة» فجعلوا الصّدور ابتداء.
الأسلوب الثاني عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «هذه المكاتبة» )
ويتخلص منها إلى المقصود بنحو ما وقع التخلّص به في الأسلوب الذي قبله، ويقع الاختتام بمثل ما وقع به اختتامه.
وهذه المكاتبة مأخوذة في الأصل من ابتدائهم في الأسلوب الخامس بلفظ: «كتابي إليك» وما في معناه، على أن كتّاب الزمان إنما أخذوا ذلك من المكاتبة التي قبلها، فجعلوا بعض الصّدر فيها ابتداء، كما جعلوا جميع الصّدر ابتداء في الأسلوب الذي قبلها.
الأسلوب الثالث عشر (أن يفتتح الكتاب بالإعلام)
كما يكتب كتّاب الزمان: «يعلم فلان أنّ الأمر كذا وكذا» والاختتام فيها بمثل الأسلوبين اللذين قبلها ولا تخلّص فيها؛ لأن الافتتاح فيها موصّل إلى المقصود. على أن الصواب إثبات اللام في أوّلها، بأن يقال: «ليعلم فلان» لأن لام الأمر لا يجوز حذفها على ما تقرّر في آخر المقالة الثالثة. وعلى ذلك كتب غازان أحد ملوك بني جنكزخان ببغداد وما معها إلى الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصرية، وكتب الجواب عن الملك الناصر إليه كذلك، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الرابع عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ «يخدم» )
مثل «يخدم الجناب» أو «يخدم المجلس» وما أشبه ذلك. ويكون
стр. 3034
التخلّص منها بمثل: «وينهي» أو «ويبدي» ونحو ذلك، ويقع الاختتام فيها بالدعاء.
وهذه المكاتبة كانت مستعملة في مكاتبات الفاضل بقلّة، وتداولها الكتّاب بعد ذلك إلى أن صارت مستعملة بين الكتّاب في المكاتبات الدائرة بين أهل الدّولة في زماننا؛ ثم رفضت بعد ذلك وتركت حتّى لم يستعملها منهم إلا القليل النادر.
الأسلوب الخامس عشر (أن يفتتح الكتاب بلفظ الخلافة أو المقام الذي شأنه كذا، أو الإمارة التي شأنها كذا)
مثل: «خلافة فلان» أو «مقام فلان» أو «إمارة فلان» وما أشبه ذلك.
ثم يقع التخلّص في ذلك بمثل: «معظّم مقامها يخصّها بسلام صفته كذا ويبدي لعلمها كذا» وما أشبه ذلك. ويقع الاختتام فيها بالسلام، وهذا الأسلوب مما اختص به كتّاب المغرب لا سيما المتأخرّون منهم، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
قلت: ووراء هذه الأساليب أساليب أخرى لكتّاب أهل الشّرق والغرب بالديار المصرية في الأزمنة المتقدّمة، لا يأخذها حصر، ولا تدخل تحت حدّ، وأكثر ما تكون في الإخوانيات، وسيأتي ذكر الكثير من أنواعها في مواضعه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الجملة الثانية (في المكاتبات إلى أهل الكفر؛ وللكتّاب فيه أسلوبان)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» )
وعلى ذلك كتب النبيّ ﷺ ، إلى أهل الكفر، وكان يكتب في
стр. 3035
مكاتباته ﷺ : «السّلام على من اتّبع الهدى» بدل «والسّلام» ويتخلّص فيها بأمّا بعد تارة، وبغيرها أخرى؛ وعلى ذلك جرى الخلفاء من الصحابة ﵃، وخلفاء بني أميّة، وخلفاء بني العبّاس ببغداد، ومن شاركهم في الأمر من ملوك بني بويه وبين سلجوق ومن في معناهم. وتختتم هذه المكاتبة تارة بلفظ «والسّلام على من اتبع الهدى» إن لم يذكر السّلام في الأوّل، وتارة بغير ذلك.
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء)
كما يكتب كتّاب الزمان «أطال الله بقاء الحضرة الفلانية: حضرة الملك الفلاني» أو «أطال الله بقاء الملك الفلاني» وما أشبه ذلك. وقد تقدّم الخلاف في أصل جواز المكاتبة بالدّعاء، وما قيل في الدعاء بطول البقاء وما في معناه، من الكراهة، وأنّ جماعة من العلماء والكتّاب أجازوه.
فإن قيل: على تقدير جواز ذلك في حقّ المسلم، فكيف يجوز في حقّ الكافر؟ فالجواب أنه قد ورد «أن النبيّ ﷺ ، استسقى فسقاه يهوديّ، فقال له:
جمّلك الله، فما رؤي الشّيب في وجهه حتّى مات» فقد دعا ﷺ ليهوديّ بالجمال، وقد لا يكون في طول بقائه على الإسلام ضرر، بل قد يكون فيه نفع، كحمل جزية ونحوه، وإنما يمنع الدعاء له بالعزّ والنّصر وما في معنى ذلك.
تنبيه- اعلم أن الأجوبة قد تفتتح بما تفتتح به الابتداءات من الأساليب المتقدّمة، ثم يؤتى بالأجوبة في أثنائها مثل أن يقال: «وقد وصل كتاب المجلس أو الجناب» أو «وردت مكاتبته» أو «عرضت مكاتبته على أمير المؤمنين، أو على المسامع الشريفة» وما أشبه ذلك. وقد يجعل الجواب ابتداء، فيفتتح الكتاب بنحو: «عرضت مكاتبتك على أمير المؤمنين» مثلا كما كان يكتب في الزمن المتقدّم، أو «عرضت المكاتبة الواصلة من جهة المجلس أو الجناب الفلانيّ على المسامع الشريفة» أو «وردت مكاتبته» أو «وصلت مكاتبته»
стр. 3036
ونحو ذلك، ويؤتى على ما تضمّنته المكاتبة وما اقتضاه الجواب عنه؛ ثم يؤتى في الاختتام بنظير ما يؤتى به في المكاتبة المبتدأة.
الطرف الثاني (في ذكر لواحق المكاتبات ولوازمها، وفيه ستّ جمل)
الجملة الأولى (في التّرجمة عن المكتوب عنه)
أما الترجمة عن السلطان، فقد ذكر ابن شيث أنّ مصطلح الدولة الأيوبيّة أن يكتب لأرباب خدمته العلامة فإنها أليق به معهم. فإن أراد تمييز أحد منهم، كتب له بخطه شيئا مكان العلامة. وأنّ ترجمته للفقهاء والقضاة وذوي التنسّك «أخوه» و «ولده» . وذكر أن الأحسن أن يقال في «ولده» «محل ولده» لقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
«١» أما «أخوه» فلا حرج عليه فيه: لقوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٢»
وقوله: فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ «٣» *
وذكر أنه يترجم لهؤلاء من وليّ الأمر أيضا: «المعترف ببركته» و «المتبرّك بدعائه» و «المرتهن بمودّته» . وذكر أنّ الفقهاء والقضاة وذوي التنسّك يترجمون عن أنفسهم ب «الخادم» ودون ذلك «خادمه» .
قال: وربما ترفّعوا عن الترجمة بهذه اللفظة مطلقا فقالوا: «الخادم بالدّعاء الصالح» أو «الخادم بدعائه» . قال: وأهل الورع خاصة يترجمون ب «الفقير إلى رحمة الله» . وربما راعوا المترجم له مثل أن يكون وليّ الأمر، فيقول: «العبد الفقير إلى رحمة الله» ويعني أنه عبد الله، ويحصل بذلك المقصود من الأدب مع السلطان. ومنهم من يكتب: «الدّاعي لدولته»
стр. 3037
و «المبتهل بدعائه الصالح لأيّامه» و «المواظب على خدمته بالدعاء» وأمثال ذلك. قال: وأكثر الناس يرى الترجمة لولده، فإن ترجم له لم يسمّ اسمه لأنه ليس له والدان، ولا أقل من أن يكون بينه وبين من يكتب بوالده غير الأب هذا الفرق؛ فأما أن يقول: «والده فلان بن فلان» بحيث يذكر اسم أبيه فقبيح. ثم قد كانوا في الزمن الأوّل يكتفون بذكر اسم المكتوب عنه في صدر الكتاب وعنوانه، نحو: «من فلان إلى فلان» ثم أحدث الكتّاب في أيام بني بويه وما بعدها تراجم رتّبوها، بعضها أرفع من بعض.
وقد ذكر في «ذخيرة الكتّاب» لذلك مراتب في الصّدور والعنوان بعضها أعلى من بعض، فجعل أعلاها بالنسبة إلى المكتوب عنه أن يكتب اسمه، ودونه «صديقه» ودونه «محبّه» ودونه «شاكره» ودونه «المعتدّ به» ودونه «أخوه» ودونه «وليّه» ودونه «عبده» ودونه «خادمه» ودونه «عبده وخادمه» ودونه «العبد» ودونه «العبد الخادم» ودونه «الصّنيعة «١» » ودونه «مملوكه» ودونه «المملوك» ودونه «المملوك الصّنيعة» . وهو الأعلى بالنسبة إلى المكتوب إليه. ثم قال: ويتفرّع من هذه الأصول فروع كثيرة لا تحصر مما يختاره الكتّاب ويقترحونه ويبتكرونه، ويكاتبون به أصدقاءهم وأودّاءهم «٢» حسب ما تقتضيه مودّاتهم وتوجبه مصافاتهم، كصفيّ مودّته، والمفتخر بمحبته، والمعتمد على أخوّته، وعبد مودّته، وخادم مجده، وشاكر أياديه، وحامد تفضّله، والمعتدّ بتطوّله وما يجري هذا المجرى مما هو أوسع من أن يجمع وأكثر من أن يحصر؛ ولكنه أكثر ما يكون بين النّظراء والأقران.
ورتّب عبد الرحيم بن شيث في «معالم الكتابة» ترتيبا آخر، فذكر أن الترجمة إلى ديوان الخلافة من ذوي الولايات كلّهم «العبد» ومن الملوك كلّهم
стр. 3038
«الخادم» وأن الترجمة إلى الملوك من الأجناد كلّهم «المملوك» مع النسبة إلى أشهر ألقاب الملك، كالناصريّ للناصر، والعادليّ للعادل، وما جرى مجرى ذلك. ودون المملوك في الخضوع: «عبده، وخادمه» ودونه «العبد» مفردة.
ودونه «مملوكه» ودونه «العبد الخادم» ؛ لأن الثاني كأنه ناسخ للأوّل، ودونه «الخادم» ودونه «عبده» ودونه «خادمه» ودونه «عبده وأخوه» ودونه «أخوه» ودونه «شاكر تفضّله» ودونه «شاكر إحسانه» ودونه «شاكر مودّته» ودونه «وليّه وصفيّه» ودونه «محبّه ووادّه وشاكره» . ودونه الاسم، ودونه العلامة.
ثم قال: أما «أصغر المماليك» وما يجري مجراها، فلا يليق من الأجانب. ورأيت في دستور صغير في المكاتبات يعزى للمقرّ الشهابيّ بن فضل الله، أنّ أكبر الآداب في اسم المكتوب عنه بالنسبة إلى المكتوب إليه «المملوك» ثم «المملوك الرّقّ» ثم «المملوك الأصغر» ثم «المملوك المحبّ» ثم «المملوك الدّاعي» ثم «مملوكه ومحبه» ثم «الخادم» ثم «خادمه» ثم «أخوه» ثم «محبّه» ثم «شاكره» ثم «الفقير إلى الله تعالى» . ولا يخفى ما في بعض هذه التراجم من التخالف بين ما ذكره وما تقدّم ذكره عن «ذخيرة الكتّاب» .
والذي استقرّ عليه الحال في زماننا في ترجمة العلامة بالقلم الشريف السلطاني «أخوه» ثم «والده» ثم الاسم؛ وفي حق غيره «المملوك» ثم الاسم.
وربما كتب بعضهم «العبد» بدل الاسم تواضعا، على أنهم قد اختلفوا في جواز التّرجمة بالعبد والمملوك، فذهب بعضهم إلى منع ذلك، محتجّا بما روي أن النبيّ، ﷺ قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي ولا أمتي «١» ، كلّكم عبيد الله وكلّ نسائكم إماء الله ولكن غلامي وجاريتي» . والذي عليه العمل جواز ذلك احتجاجا بقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ «٢»
والاستدلال به لا يخلو من نزاع، وقضاة القضاة يكتبون «الدّاعي» .
стр. 3039
الجملة الثانية (في العنوان، وفيه سبع لغات)
حكاها صاحب «ذخيرة الكتّاب» . واقتصر في «صناعة الكتّاب» على ذكر بعضها: إحداها عنوان- بضم العين وواو بعد النون. والثانية عنيان- بضم العين وياء تحتية بعد النّون. والثالثة عنيان- بكسر العين. والرابعة علوان- بضم العين ولام بدل النون. والخامسة علوان- بفتحها. والسادسة علوان- بكسرها.
والسابعة عليان بالكسر مع إبدال الواوياء؛ ويجمع عنوان على عناوين، وعلوان على علاوين. ويقال: عنونت الكتاب عنونة وعلونته علونة، وعنّنته بنونين الأولى منهما مشدّدة تعنينا، وعنّيته بنون مشدّدة بعدها ياء تعنية، وعنوته أعنوه عنوا بفتح العين وسكون النون، وعنوّا بضمّهما وتشديد الواو.
واختلف في اشتقاقه؛ فمن قال عنوان، جعله مأخوذا من العنوان بمعنى الأثر؛ لأن عنوان الكتاب [أثر بيان] «١» ممن هو وإلى من هو. قال النحاس:
وأكثر الكتّاب لا يعرف غير هذا؛ واحتجّوا لذلك بقول الشاعر يذكر قتل أمير المؤمنين «عثمان بن عفّان» ﵁: (بسيط)
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وزعم بعضهم أن العنوان مأخوذ من قول العرب: عنت الأرض تعنو إذا أخرجت النبات، وأعناها المطر إذا أظهر نباتها. قال النحاس: فيكون عنوان على هذا فعلانا ينصرف في النّكرة ولا ينصرف في المعرفة. وقيل هو مأخوذ من عنّ يعنّ، إذا عرض وبدا. قال النحاس: فعلى هذا ينصرف في النّكرة والمعرفة لأنه فعلال.
ومن قال: علوان، أبدل من النون لاما، كما في صيدلانيّ وصيدنانيّ؛
стр. 3040
فيكون الاشتقاق واحدا. وقيل علوان مشتقّ من العلانية؛ لأنه خطّ ظاهر على الكتاب.
ومن قال: عنيان وعنيان، جعله من عنيت فلانا بكذا إذا قصدته. قال في «موادّ البيان» : والعنوان كالعلامة، وهو دالّ على مرتبة المكتوب إليه من المكتوب عنه. والأصل «١» فيه الإخبار عن اسمهما حتّى لا يكون الكتاب مجهولا، والمراد أنه يكتب فيه «من فلان إلى فلان» أو «لفلان من فلان» قال:
ولم يزالوا يكاتبون بأسمائهم إلى أن ولي عمر بن الخطّاب، ﵁، الخلافة ولقّب بأمير المؤمنين، فكتب: «من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» . ثم وقع الاصطلاح على العنونة للرّؤساء والنّظراء والمرؤوسين والأتباع بالأسماء؛ ثم تغيّر هذا الرسم أيضا.
وكان المأمون يكتب في أوّل عنوانات كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم، فكانت تكتب قبل اسم المكتوب إليه والمكتوب عنه. وقد ذكر أبو جعفر النحاس أن ذلك بقي إلى زمانه، وكان بعد الثلاثمائة. قال في «موادّ البيان» : ثم بطل بعد ذلك. قال: والأصل فيه أن يبتدأ باسم المكتوب عنه ثم باسم المكتوب إليه وهو الترتيب الذي تشهد به العقول؛ لأن نفوذ الكتاب من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه كنشء الشيء وخروجه من ابتداء إلى نهاية. فابتداؤه من المكتوب عنه، وانتهاؤه إلى المكتوب إليه؛ ولفظ «من» يتقدّم لفظ «إلى» بالطبع؛ لأن حرف «من» ينبيء عن منشإ الشيء، و «إلى» حرف يخبر عن النهاية التي عندها قرار الشيء، والابتداآت في الأشياء قبل النّهايات.
قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله ﷺ ، ومن سلف من الأمم الماضية؛ ثم عرض للناس رأي في تغيير هذا الرّسم إلى غيره، ففرّقوا بين مراتب المكاتبين من الرؤساء والعظماء والخدم والأتباع بتقديم اسم المكتوب
стр. 3041
إليه إذا قصدوا إعظامه وإجلاله وتأخير اسم المكتوب عنه، ورأوا أنه الصواب الصحيح. على أن كتّاب زماننا يقتصرون في أكثر عنواناتهم على ذكر المكتوب إليه دون المكتوب عنه ولا يذكرون المكتوب عنه إلا في مكاتبات خاصّة قليلة.
قال في «صناعة الكتّاب» : ولا يتكنّى المكتوب عنه على نظيره، بل يتسمّى له ولمن فوقه، ثم يقول: المعروف بأبي فلان. وإن كانت كنيته أشهر من اسمه واسم أبيه، جاز أن يكتب كنيته «١» بغير ألف ويجريها مجرى الأسم. قال النحاس: وإن كان الكتاب إلى اثنين أحدهما أكبر من الآخر، فيقدّم الأكبر، وكذلك لو كان لى ثلاثة. قال أبو جعفر النحاس: وقد استحسن جماعة أن يصغّر اسم المكتوب عنه على عنوانات الكتب، ورأوا أن ذلك تواضع. وما ذكره هو المستعمل في المكاتبات الجاري عليه حكم الدواوين إلى زماننا. والأصل في ذلك ما ذكره النحاس أن الحجاج بن يوسف، كتب إلى عبد الملك بن مروان وهو خليفة، في طومار «٢» : «لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين» ثم كتب في طرّته بقلم ضئيل: من الحجّاج بن يوسف، فجرى الكتّاب على أسلوبه فيما بعد.
قال في «معالم الكتابة» : ولا يكثر النعوت ولا الدّعاء على العنوان للسلطان ولا للكبراء، أما من الأعلى «٣» إلى الأدنى فحسن. وقد تقدم في مقدّمة الكتاب أن صاحب ديوان الإنشاء هو الذي يعنون الكتب السلطانية، وأنها كانت لا تعنون قبل كتابة السلطان عليها علامته. والذي استقرّ عليه الحال في كتب السلطان وما في معناها من المشتملة على الألقاب أن تكتب الألقاب في العنوان، ويدعى فيها بدعوة واحدة وهي المفتتح بها المكاتبة.
стр. 3042
الجملة الثالثة (في طيّ الكتاب وختمه)
أما طيّه فمعروف، وهو أن يلفّ بعضه على بعض لفّا خاصّا. والطّيّ في اللغة خلاف النّشر؛ ويقال: طوى الكتاب يطويه طيّا، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
«١» . والترتيب في ذلك أن تكون الكتابة إلى داخل الكتاب؛ لأن المقصود صون المكتوب فيه.
ثم للناس في صورة الطيّ طريقتان:
الطريقة الأولى- أن يكون لفّه مدوّرا كأنبوبة الرّمح
، وهي طريقة كتّاب الشرق من قديم الزمان وإلى الآن.
والطريقة الثانية- أن يكون طيّه مبسوطا في قدر عرض أربعة أصابع مطبوقة
، وعلى ذلك كان الحال جاريا في الدولة الأيّوبية بالديار المصريّة. فقد ذكر عبد الرحيم بن شيث «٢» من كتّاب دولتهم، أنّ طيّ الكتب السلطانية يكون عرض أربعة أصابع، وكذلك من العلية إلى من دونهم، أما الكتاب من الأدنى إلى الأعلى فلا يتجاوز به عرض إصبعين، وهذا ظاهر في أنّ الطّيّ يكون عريضا لا مدوّرا، وهي طريقة أهل المغرب والرّوم والفرنج.
وأما ختمه، فالختم مصدر ختم، يقال: ختم الكتاب يختمه ختما، ومعناه الطّبع، ومنه قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
«٣» والمراد شدّ رأس الكتاب والطبع عليه بالخاتم، حتّى لا يطّلع أحد على ما في باطنه حتّى يفضّه المكتوب إليه، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وهو أمر
стр. 3043
مطلوب مرغّب فيه، فمن كلام عمر ﵁: «طينة خير من ظنّة» يعني أنّ ختم الكتاب بطينة خير من ظنّة تقع في الكتاب بالنظر فيه أو زيادة أو نقص، والظّنّة التّهمة. ومن كلام غيره: «اختم تسلم» . ومن كلام غيره: «إن طيّنت وإلّا وقعت» يعني إن طيّنت الكتاب وإلا وقعت في المحذور. ويقال: إنّ في ختم الكتاب تعظيما للمكتوب إليه. قال بزرجمهر أحد ملوك الفرس: من لم يختم كتابا فقد استخفّ بصاحبه، وجهّل في رأيه. وقد قيل: إن أوّل من ختم الكتاب سليمان ﵇؛ وقد فسّر قوله تعالى حكاية عن بلقيس: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«١» بأنه مختوم. وعلى نهجه في ذلك جرت ملوك العجم. قال في «موادّ البيان» : ولم تزل كتب العرب منشورة حتى كتب عمرو «٢» بن هند الصحيفة إلى المتلمّس «٣» ، فقرأها ولم يوصّلها، فختمت العرب الكتب من حينئذ. وقد ورد في الحديث «أن النبيّ ﷺ أراد أن يكتب إلى بعض العجم فقيل له: يا رسول الله، إنهم لا يقرأون كتابا غير مختوم، فأمر أن يتّخذ له خاتم حديد، فوضعه في إصبعه، فأتاه جبريل ﵇ فقال له: انبذه من
стр. 3044
إصبعك، فنبذه وأمر أن يتّخذ له خاتم نحاس فوضعه في إصبعه فأتاه جبريل ﵇ فقال: انبذه من إصبعك فنبذه، ثم أمر أن يتّخذ له خاتم، فاتّخذ له خاتم من فضة فختم به، وكتب إلى من أراد أن يكتب من الأعاجم؛ ونقش عليه «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر؛ وكان الخاتم في يد رسول الله، ﷺ ، حتّى قبضه الله تعالى؛ ثم تختّم به أبو بكر ﵁ حتّى قبض؛ ثم تختّم به عمر بن الخطاب ﵁ حتّى قتل؛ ثم تختّم به عثمان ﵁، فبينما هو ذات يوم على بئر أريس من بئار المدينة، إذ عبث بالخاتم فسقط من يده، فنزح كلّ ما كان في البئر من الماء فلم يوجد؛ فلما يئس منه أمر أن يصاغ له خاتم مثله وينقش عليه «محمد رسول الله» ففعل ذلك وتختّم به. هكذا أورده صاحب «ذخيرة الكتاب» وبعضه في الصحيح. وقيل: إن نقش الخاتم الذي اتخذه كان «آمنت بالّذي خلق فسوّى» . وقيل: كان نقشه «لتصبرنّ أو لتندمنّ» .
ثم كان لكلّ من الخلفاء بعد عثمان ﵁ خاتم يختم به، عليه نقش مخصوص؛ فكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ «الملك لله الواحد القهّار» ونقش خاتم ابنه الحسن «لا إله إلا الله الملك الحقّ المبين» ونقش خاتم معاوية بن أبي سفيان «لكلّ عمل ثواب» وقيل:
«لا قوّة إلّا بالله» ونقش خاتم يزيد بن معاوية «ربّنا الله» ونقش خاتم معاوية بن يزيد «الدّنيا غرور» «١» ونقش خاتم مروان ابن الحكم «الله ثقتي ورجائي» ونقش خاتم عبد الملك ابن مروان، «آمنت بالله مخلصا» ونقش خاتم الوليد بن عبد الملك «يا وليد، إنّك ميّت ومحاسب!» ونقش خاتم عمر بن عبد العزيز «عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله» ونقش خاتم يزيد بن عبد الملك «قني «٢»
стр. 3045
السّيّئات «١» يا عزيز» ونقش خاتم هشام بن عبد الملك «الحكم للحكم الحكيم» ونقش خاتم الوليد بن يزيد «يا وليد احذر الموت» ونقش خاتم يزيد بن الوليد «يا يزيد قم بالحق» ونقش خاتم إبراهيم بن الوليد «توكّلت على الحيّ القيّوم» ونقش خاتم مروان بن محمد «اذكر الله يا غافل» .
وكان نقش خاتم السّفّاح، أوّل خلفاء بني العبّاس «الله ثقة عبد الله» ونقش خاتم المهديّ «٢» «حسبي الله» ونقش خاتم الرّشيد «العظمة والقدرة لله» . وقيل: «كن من الله على حذر» ونقش خاتم الأمين «محمد واثق بالله» ونقش خاتم المأمون «سل الله يعطيك» ونقش خاتم المعتصم «الله ثقة أبي إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن» ونقش خاتم الواثق «الله ثقة الواثق» ونقش خاتم المتوكّل «على الحيّ اتّكالي» ونقش خاتم المنتصر «يؤتى الحذر من مأمنه» ونقش خاتم المستعين «في الاعتبار غناء عن الاختبار» ونقش خاتم المعتز «الحمد لله ربّ كلّ شيء وخالق كلّ شيء» ونقش خاتم المهتدي «من تعدّى الحقّ ضاقت مذاهبه» ونقش خاتم المعتمد «السّعيد من وعظ بغيره» ونقش خاتم المعتضد «الاضطرار يزيل الاختيار» ونقش خاتم المكتفي «بالله عليّ بن أحمد يثق» ونقش خاتم المقتدر بالله «الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء» ونقش خاتم القاهر «محمد رسول الله ﷺ » ونقش خاتم المتّقي «المتّقي لله» كلقبه للخلافة، ونقش خاتم المستكفي «المستكفي بالله يثق» ولم أقف على نقش خاتم أحد من الخلفاء غير هؤلاء.
واعلم أنه كان للختم في أيام الخلفاء ديوان مفرد يعبّر عنه بديوان الخاتم.
وقد اختلف في أوّل من اتّخذ ديوان الخاتم؛ فروى محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» بسنده إلى ابن عمر ﵁ أنه قال: لم يكن أبو
стр. 3046
بكر ولا عمر يلبسون «١» خواتم ولا يطبعون كتابا، حتّى كتب زياد بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب ﵁: إنك تكتب إلينا بأشياء ليست لها طوابع؛ فاتخذ عند ذلك عمر طابعا يطبع به، وخزم «٢» الكتاب ولم يكن قبل يخزم.
ومقتضى ذلك أن يكون أوّل من اتخذ الختم عمر بن الخطاب ﵁، ويكون لبسه خاتم النبيّ ﷺ لغير الختم. وذكر الطبريّ في تاريخه: أن أوّل من اتخذ ذلك معاوية بن أبي سفيان في خلافته، وذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف من عند زياد، ففتح الكتاب وجعل المائة مائتين؛ فلما رفع زياد حسابه أنكر ذلك معاوية، وطلب عمرا فحسبه حتّى قضاها عنه أخوه عبد الله بن الزّبير واتخذ معاوية حينئذ ديوان الختم، وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. قال القاضي وليّ الدين بن خلدون في تاريخه: «وديوان الختم عبارة عن الكتّاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان. قال: وهذا الخاتم خاصّ بديوان الرسائل، وكان ذلك للوزير في أيام الدولة العباسية. ويشهد لذلك قول الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفرا، ويستبدل به من الفضل أخيه: إني أحوّل الخاتم من يميني إلى شمالي، فكنى بالخاتم عن الوزارة، لانضمام ديوان الرسائل إلى الوزير إذ ذاك. ثم اختلف العرف بعد ذلك، فصار ليس إليه الرسائل في الدولة.
ثم للختم ثلاث صور:
الصورة الأولى- أن يلصق رأس الكتاب بنوع من أنواع اللّصاق، كالكثيراء «٣» المدافة «٤» بالماء، والنّشا المطبوخ ونحو ذلك. وهذا هو المستعمل بالديار المصرية وبلاد المشرق من قديم الزمان وهلمّ جرّا إلى زماننا؛ والمستعمل بالدواوين هو النّشادون غيره، لنصاعة بياضه وشدّة لصاقه. قال في «موادّ
стр. 3047
البيان» : ويجب أن يكون اللّصاق خفيفا كالدّهن لئلا يتكرّس ويكثف في جانب الورق. وقد كانت عادتهم في بلاد المشرق أيام الخلفاء أن يختم بخاتم الخليفة، بأن يغمس في طين معدّ لذلك أحمر الصبغ، ويختم به على طرفي اللّصاق، ليقوم مقام علامة الخليفة. وكان هذا الطين يجلب إليهم من سيراف «١» من بلاد فارس، وكأنّه مخصوص بها؛ وعلى نهج الخلفاء جرى الملوك حينئذ.
والذي استقرّ عليه الحال الآن بالديار المصرية ونحوها من البلاد الشرقية الاقتصار على مجرّد اللّصاق اكتفاء بما فيه من الضبط وظهور فضّه إن فضّ.
وهذه المسألة مما سأله الشيخ جمال الدين بن نباتة كتّاب ديوان الإنشاء بدمشق مخاطبا به للشيخ جمال الدين محمود الحلبي- فقال: ومن ختم الكتاب بالطين وربطه؟ ومن غيّر الطين إلى النّشا وضبطه؟. وقد سبق الكلام في النّشا وسائر أنواع اللّصاق في الكلام على آلات الدواة في المقالة الأولى.
الصورة الثانية- أن يخزم الكتاب من وسطه بالأشفار حتّى تنفذ في بعض طيّات الكتاب ثم تخرج من وجه الورق أيضا، ويدخل فيه دسرة «٢» من الورق كالسّير الصغير ويقطّ طرف الدسرة؛ ثم يلصق على ذلك بشمع أحمر؛ ثم يختم عليه بخاتم يظهر نقشه فيه، ويسمّى هذا النوع من الختم الخزم- بالخاء والزاي المعجمتين- أخذا من خزم البعير، وهو أن يثقب أنفه ويجعل فيه خيط أو نحوه..
ولعل هذه الطريقة من الختم هي التي كان عليها الحال حين أحدث الختم في صدر الإسلام، ويدل على ذلك قول ابن عمر ﵁ في رواية «٣» الطبريّ
стр. 3048
المتقدّمة: وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم. وعلى هذا الآن أهل المغرب والرّوم والفرنج ومن في معناهم.
الصورة الثالثة- أن يلفّ على الكتاب بعد طيّه قصاصة من الورق كالسّير في عرض رأس الخنصر، وتلف على الكتاب ثم يلصق رأسها؛ ويكون ذلك في الرّقاع الصغيرة المتردّدة بين الإخوان، وتسمّى القصاصة التي يلصق بها سحاءة- بفتح السين وبالمدّ، وتقال بكسر السين أيضا، وربما قيل سحاية؛ ويقال فيه:
سحوت الكتاب أسحوه سحوا، وسحّيته بالتشديد أسحّيه تسحية فهو مسحوّ ومسحيّ ومسحّى؛ والأمر من سحوت الكتاب أسح، ومن سحّيته بالتشديد سحّ، وأصله من السّحو وهو القشر. يقال: سحوت اللحم عن العظم إذا قشرته.
الجملة الرابعة (في حمل الكتاب وتأديته)
وهو من جملة الأمانات الداخلة في عموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«١» . وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: من أعظم الأمانة أداء الكتاب إلى أهله. قال محمد بن عمر المدائني:
حمل الكتاب أمانة، وترك إيصاله خيانة. وقد روي أن النبيّ ﷺ قال: «من بلّغ كتاب غاز في سبيل الله إلى أهله أو كتاب أهله إليه، كان له بكلّ حرف عتق رقبة وأعطاه الله كتابه بيمينه وكتب له براءة من النار» . وقد نطق القرآن الكريم بتأدية الهدهد كتاب سليمان ﵇ إلى بلقيس، حيث قال حكاية عن سليمان: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
«٢» إلى أن قال: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«٣» .
стр. 3049
وقد وردت الأحاديث بأن النبيّ ﷺ ، كان يبعث كتبه مع رسله إلى الملوك، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس؛ وبعث دحية الكلبيّ إلى قيصر ملك الروم؛ وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر؛ وبعث عمرو بن أميّة الضّمريّ إلى الضّحّاك «١» ملك الحبشة؛ وبعث شجاع بن وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني؛ وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن عليّ صاحب اليمامة؛ وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين؛ وبعث عمرو بن العاص إلى عبد «٢» وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان. قال ابن الجوزيّ: وبعث جرير بن عبد الله البجليّ إلى ذي الكلاع الحميريّ.
واعلم أنه يجب أن يكون حامل الكتاب المؤدّى له عن الملك ونحوه وافر العقل، شديد الشّكيمة في الجواب، طلق اللسان في المحاورة، فإنه لسان ملكه، وترجمان مرسله، وربما سأله المكتوب إليه عن شيء أو أورد عليه اعتراضا فيكون بصدد إجابته. وقد قيل: إنّه يستدلّ على عقل الرجل بكتابه ورسوله. ومن غريب ما يروى في ذلك ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النّبيّ، ﷺ ، لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلّغه كتاب النبيّ ﷺ ، قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ - قال له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل ويفعل؟ فوجم ساعة ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب، فسكت. ويروى أنه حين سأله عن أمر النبيّ، ﷺ ، في حرب قومه، وذكر له أنّ الحرب تكون بينهم سجالا، تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النّبيّ يغلب! فقال له حاطب: فالإله يصلب! - يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح ﵇ صلب مع دعواهم فيه أنه إله.
وذكر السّهيليّ أن دحية الكلبيّ حين دخل على قيصر بكتاب النبيّ، ﷺ ،
стр. 3050
قال له دحية: هل تعلم أكان المسيح يصلّي؟ قال نعم، قال: فإنّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلّي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض والمسيح في بطن أمه. فألزمه من صلاة المسيح أنه عبد لله تعالى، وضمّن ذلك بيتا من أبيات له فقال: (متقارب)
فقرّرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمر!
ويحكى أن بعض ملوك الرّوم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النّصرانية عنده فإن قطعهم أسلموا؛ فوجّه إليه بالقاضي أبي بكر بن الطيّب المالكيّ، وكان من أئمة علماء زمانه؛ فلما حضر المجلس واجتمع لديه علماء النصارى، قال له بعضهم: إنّ معتقدكم أنّ الأنبياء ﵈ معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به. فإن كان ما رميت به حقّا، كان ناقضا لأصلكم الذي أصّلتموه في عصمة الأنبياء في الفراش، وإن كان غير حقّ كان مؤثّرا في إيمان من وقع منه. فقال القاضي أبو بكر: إمرأتان حصينتان رميتا بالفرية «١» ، إحدهما لها زوج ولا ولد لها، والأخرى لها ولد ولا زوج لها- يشير بالأولى إلى عائشة ﵂، وبالثانية إلى مريم ﵍، فسجدوا له على عادة تحيّتهم في ذلك، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى كثرة.
فإذا كان الرسول متمكّنا من عقله، عالما بما يأتي وما يذر، كفى ملكه مؤونة غيبته، وأجاب عن كل ما يسأل عنه؛ وإذا كان بخلاف ذلك انعكست القضيّة، ورجع على مرسله بالوبال. ثم إن اقتضى رأي الملك زيادة في الرسالة على الرسول الواحد فعل؛ ليتعاونا على ما فيه المصلحة، ويتشاورا فيما يفعلان، فقد ذكر السهيليّ أن جبرا مولى أبي ذرّ الغفاريّ كان رسولا مع حاطب ابن أبي بلتعة إلى المقوقس. وإن اقتضى الحال إرسال أكثر من اثنين أيضا فعل، فقد ذكر ابن الجوزيّ أن أبا بكر الصدّيق، ﵁، في خلافته
следующие страницы →