Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
الغطاريف من أسلافنا، وألبسنا خلعة هي من سواد السّؤدد مصبوغة، ومن سواد العيون وسويداوات القلوب مصوغة، وأمضينا على سدّتنا الشريفة أمر الخاصّ والعامّ، وقلّدنا كلّ إقليم من عملنا «١» من يصلح سياستها على الدّوام، واستكفينا بالكفاة من عمّالنا على أعمالنا، واتخذنا مصر دار مقامنا وبها سدّة مقامنا؛ لما كانت في هذا العصر قبّة الإسلام، وفيئة الإمام وثانية دار السّلام، تعيّن «٢» علينا أن نتصفّح جرائد عمّالنا، ونتأمّل نظام أعمالنا، مكانا فمكانا، وزمانا فزمانا، فتصفّحناها فوجدنا قطر اليمن خاليا من ولايتنا في هذا الزمن. عرّفنا هذا الأمر من اتخذناه للممالك الإسلامية عينا وقلبا، وصدرا ولبّا، وفوّضنا إليه أمر الممالك الإسلامية فقام فيها مقاما أقعد الأضداد، وأحسن في ترتيب ممالكها نهاية الإصدار وغاية الإيراد، وهو السّلطان الأجلّ، السيد الملك الناصر المبجّل، لا زالت أسباب المصالح على يديه جارية، وسحابة الإحسان من أفق راحته سارية، فلم يعد جوابا لما ذكرناه، ولا عذرا عمّا أبديناه، إلا بتجهيز شرذمة من جحافله المشهورة، وتعيين أناس من فوارسه المذكورة، يقتحمون الأهوال، ولا يعبأون بتغيّرات الأحوال، يرون الموت مغنما إن صادفوه، وشبا المرهف مكسبا إن صافحوه، لا يشربون سوى المدام «٣» مدامة، ولا يلبسون غير الترانك «٤» عمامة، ولا يعرفون طربا إلا ما أصدره صليل الحسام من غنا، ولا ينزلون قفرا إلا ونبت ساعة نزولهم من قنا. ولما وثقنا منه بإنفاذهم راجعنا رأينا الشريف، فاقتضى أن يكاتب من بسط يده في ممالكها، واحتاط على جميع مسالكها، واتخذ أهلها خولا «٥» ، وأبدى في خلال ديارها من عدم سياسته
стр. 3117
خللا. برز مرسومنا الشريف النبويّ أن يكاتب من قعد على تخت مملكتها، وتصرّف في جميع أمور دولتها، وطولع بأنّه ولد السلطان الملك المظفر يوسف ابن عمر الذي له شبهة تمسّك بأذيال المواقف المستعصمية وهو مستصحب الحال على زعمه، أو ما علم الفرق بين الأحياء والأموات؟ أو ما تحقّق الحال التي بين النفي والإثبات؟، أصدرناها إلى الرّحاب التّعزّية، والمعالم اليمنية تشعر من تولّى عنها فاستبدّ، وتولى كبره فلم يعرّج على أحد، أن أمر اليمن ما برحت نوّابنا تحكم فيه بالآية الصحيحة، والتّفويضات التي هي غير جريحة، وما زالت تحمل إلى بيت المال المعمور وما تمشي به الجمال مشيا وئيدا، وتقذفه بطون الجواري إلى ظهور اليعملات «١» وليدا، ويطالعنا بأمر مصالحه ومفاسده، وبحال دياره ومعاهده. ولك أسوة بوالدك فلان، هلّا اقتفيت ما سنّه من آثاره، ونقلت ما دوّنته أيدي الزمن من أخباره؟
واتصل بمواقفنا الشريفة أمور صدرت منك.
منها- وهي العظمى التي ترتّب عليها ما ترتب- قطع الميرة «٢» عن البيت الحرام، وقد علمت أنّه واد غير ذي زرع، ولا يحلّ لأحد أن يتطرّق إليه بمنع.
ومنها- انصبابك إلى تفريغ مال بيت المال في شراء لهو الحديث، ونقض العهود القديمة بما تبديه من حديث.
ومنها- تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا، وخلوّ تلك الأماكن من أمور عقدنا وحلّنا. ولو أضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال، ولاتّسعت فيه دائرة المقال، رسمنا بها والسيف يودّ لو سبق القلم حدّه، والعلم المنصور يودّ لو فات العلم واهتزّ بتلك الرّوابي قدّه، والكتائب المنصورة تختار لو بدرت عنوان الكتاب، وأهل العزم والحزم يودّون إليك إعمال الرّكاب، والجواري المنشآت
стр. 3118
قد تكوّنت من ليل ونهار، وبرزت كصور الأفيلة لكنّها على وجه الماء كالأطيار، وما عمدنا إلى مكاتبتك إلّا للإنذار، ولا احتجنا إلى مخاطبتك إلا للإعذار، فأقلع عمّا أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب، وانتظم في سلك من استخلفناه فأخذه بيمينه ما أعطي من كتاب، وصن بالطاعة من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك، ومنتظمون في سلك أوامر كلمك، وداخلون تحت طاعة قلمك. فلسنا نشنّ الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبّه. ودان بما يجب من الدّيانة، وتقلّد عقود الصّلاح والتحف مطارف الأمانة. ولسنا ممنا يأمر بتجريد سيف إلا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا. فأصدرنا مرسومنا هذا إليه نقصّ عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدّة دولته، وشيّد قواعد صولته، ونستدعي منه رسولا إلى مواقفنا الشريفة، ورحاب ممالكنا المنيفة؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب نفسه، وليجن بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتها. ومن سعادة المرء أن يجني ثمار غرسه، بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمة وخفّ حملا، وتعالى رتبة وحسن مثلا، واشرط على نفسك في كل سنة قطيعة ترفعها إلى بيت المال. وإيّاك ثم إيّاك! أن تكون على هذا الأمر ممن مال، ورتّب جيشا مقيما تحت علم السلطان الأجلّ الملك الناصر للقاء العدوّ المخذول التّتار، ألحق الله أوّلهم بالهلاك وآخرهم بالبوار «١» . وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهورة، وتواريخ سيرهم المنكورة، فاحرص على أن يخصّك من هذا المشرب السائغ أوفر نصيب، وأن تكون ممن جهّز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجر كان مصيبا أو [غير] مصيب، ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حاملا أهلّة أعلامنا المنصورة، شاكرا برّ مواقفنا المبرورة.
وإن أبى حالك إلا أن استمرّيت على غيّك، واستمريت مرعى بغيك، فقد منعناك التصرّف في البلاد، والنظر في أحكام العباد، حتّى تطأ خيلنا العتاق
стр. 3119
مشمخرّات حصونك، وتعجّل حينئذ ساعة منونك. وما علّمناك غير ما علمه قلبك، ولا فهّمناك غير ما حدسه لبّك، ولا تكن كالصغير يزيده كثرة التحريك نوما، ولا ممن غرّه الإمهال يوما فيوما. أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه، موفّقا إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بخطبة إمّا مصدّرة بآية من القرآن الكريم أو دونها)
كما كتب عن الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس «أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان» إلى السلطان الملك الناصر، أحمد ابن الملك الناصر محمد «١» بن قلاوون، وهو بالكرك «٢» ، يستدعي حضوره إلى قلعة الجبل بالقاهرة المحروسة لتقليد السلطنة الشريفة، بعد خلع أخيه الملك الأشرف كجك ابن الناصر محمد، وإمساك الأمير قوصون ومن معه من الأمراء.
وقد ذكر صاحب «الدرّ الملتقط» أنه كتبه في قطع البغداديّ الكامل بين يدي الأمير قطلوبغا الفخريّ كافل السلطنة الشريفة. وهذه نسخته:
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ «٣» .
فالحمد لله الذي أسبغ نعمه الظاهرة والباطنة، وألّف قلوب أوليائه المتفقة والمتباينة، وأخذ بنواصي أعدائه المراجعة والبائنة، وأعلى جدّ هذه الدولة القاهرة، وأطلع في أسنّة العوالي نجومها الزاهرة، وحرّك لها العزائم فملكت
стр. 3120
والأمور- بحمد الله- ساكنة، والبلاد- والمنة لله- آمنة، والرّعايا في مكانها قاطنة، والسيوف في أغمادها مثل النّيران في قلوب حسّادها كامنة، وأقام أهل الطاعة بالفرض واستوفى بهم القرض، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض، وأعزّ أنصار المقام الشريف العالي وأعزّ نصره، وأعدّ لعدوّه حصره، وأتى بدولته الغراء تسمو شموسها، وتثمر غروسها، وتظهر في حلل الصباح المشرق عروسها وتجيء منه بخير راع للرعية يسوسها، وبشّره بالملك والدّوام وسرّه بما اجتمع له من طاعة الأنام، وأقدمه على كرسيّ ملكه تظلّه الغمام، وأراه يوم أعدائه وكان لا يظنّ أن يرى في المنام، ولا يزال مؤيّد الهمم، مؤكّد الذّمم، مجدّد البيعة على رقاب الأمم، ولا برحت أيامه المقبلة مقبلة بالنّعم، خضر الأكناف على رغم من كاد وغيظ من رغم؛ ولا فتئت عهود سلفه الشريفة تنشأ له كما كانت، ورعاياه تدين له بما دانت، وجنوده تفدّيه من النفوس بأعزّ ما ذخرت وما صانت، وسعادة سلطانه تكشف الغمم وتنشر الذّمم وتعيد إلى أنوف أهل الأنفة الشّمم، وتحفظ ما بقي لأوليائه من بياض الوجوه وسواد اللّمم.
سطّرها وأصدرها وقد حقّقت بعوائد الله الظّنون، وصدّقت الخواطر العيون، وأنجز الله وعده، وأتمّ سعده، وجمع على مقامه الكريم قلوب أوليائه، وفرّق فرق عدوّه وأباته بدائه، ووطّد لرقيّه المنابر، ورجّل لترقّيه العساكر، وهيّأ لمقاتل أعدائه في أيدي أوليائه السّيوف البواتر. وأخذ قوصون وأمسك ونهب ماله واستهلك، وهدمت أبنيته وهدّت أفنيته، وخرّبت دياره وقلعت آثاره، وأخليت خزائنه وأخرجت من بطون الأرض دفائنه، وما مانعت عنه تلك الربائب التي ظنّها قساور ولا ناضلت تلك القسيّ التي طبعها أساور، ولا أغنى عنه ذلك المال الذي ذهب، ولا ذلك الجوهر الذي كان عرضا لمن نهب. وأعيد إلى المهد ذلك الطفل الذي أكل الدّنيا باسمه، وقهر أبناءها بحكمه، وموّه به على الناس وأخلى له الغاب وما خرج من الكناس، وغالب به الغلب حتّى وطيء الرّقاب وداس الأعقاب، وخادع ودلّه الشيطان بغروره ودلّس عليه عاقبة أموره، فاعتدّ
стр. 3121
بعتاده واعتزّ بقياده واغترّ بأنّ الأرض له وما علم أنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فأمسك ومعه رؤوس أشياعه، وحصرت بالخوف نفوس أتباعه- ومنهم الطنبغا. وقد أحاط العلم الشريف بكيفية وصوله وحقيقة الخبر وما قاساه في طريقه من العبر، وداس عليه حتّى وصل من وخز الإبر. وكذلك من جاء معه، وخلّف وراءه الحقّ وتبعه، بعد الهزيمة التي ألجأهم إليها خوف العساكر المنصورة التي قعدت لهم على الطريق وأخذت عليهم بمدارج أنفاسهم في فم المضيق، وعبّئت لهم صفوف الرجال، وأعدّت لهم حتوف الآجال، وحيّرتهم في سعة الفجاج، وأرتهم بوارق الموت في سحب العجاج. ثم لم يصلوا إلا وهم أشلاء ممزّقة، وأعضاء مفرّقة قد فني تحتهم الظهر، وقني بيومهم الدّهر، وساقتهم سعادة سلطان المقام العالي إلى شقاوتهم وهم رقود، وعبّئت لهم الخيل والخلع إلا أنها ملابس الذّلّ وهي القيود. فأخذوا جميعا ومن كانوا على موالاته، وفارقوا الجماعة لمواتاته، وحملوا إلى الحبس النائي المكان، وأودعوا أحياء في ملحده إلّا أنهم كالأموات، وقد نالوا المقصد إلا أنهم ما أمنوا الفوات. ووكّل بحفظهم إلى أن يشرّف سرير الملك بقعود مقامه وعقود أيّامه الحوالي، وسعود زمانه الذي لا يحتم بالنجوم إلا خدم الليالي.
وهذا النصر إنما تهيّأت- ولله الحمد- أسبابه، وهذا الفتح إنما فتحت بمشيئة الله أبوابه، بمنّة الله ونيّة المقام العالي لا بمنّة أحد، ولا بمنّة بأس من أقدر ولا يأس من حجر، وما قضى الله به من سعادة هذه الأيام، ومضى به القدر السابق وعلى الله التمام، وبمظافرة الجناب الكريم السّيفيّ، قطلوبغا الفخريّ الساقي الناصريّ، أدام الله نصرته لهذه العصابة المؤيّدة. وبمضاء عزائمه التي ماونت، وقضاء قواضبه التي ما انثنت، وبموازرة من التفّ عليه من أكابر الأمراء، وبما أجمعوا عليه من مظافرة الآراء، ونزولهم على النية لا يضرّهم من خذلهم، ولا يهينهم من بذلهم، ولا يبالون بعساكر دمشق المقيمة على حلب ومن مال إليهم، وتمالأ معهم عليهم، ومن انضاف إليهم من جنود البلاد، وجيوش العناد، ولا لواهم ما كان يبعث إليهم ذلك الخائن من وعيده، ولا ولّاهم
стр. 3122
ما كاد يخطف أبصارهم من تهديده، ولا بالوا بما ألّب عليهم من جند الشام من كلّ أوب، وصبّ عليهم سيوله من كل صوب، وخادعهم بالرسائل التي ما تزيدهم عليه إلا إباء، ولا تشكّكهم أن السيف أصدق منه إنباء، حتّى ولّى لا تنفعه الخدع، ولا تنصره البدع، فما أسعدته تلك الجموع التي جمعها، ولا أجابته تلك الجنود التي سار عليها إلى مكمن أجله، ولا وقت تلك السيوف التي لم يظهر له من بوارقها إلا حمرة الخجل، حتى أخذ مع طاغيته بل طاغوته بمصر ذلك الأخذ الوبيل، وقذف به إلى مهوى هلكة سيل ذلك السبيل، وقام من بالديار المصرية قيام رجل واحد، وتظافروا على إزالة ذلك الكافر الجاحد، ولم يبق من الأمراء إلا من بذل الجهد، وجمع قلوب الرعية والجند، وفعل في الخدمة الشريفة ما لم يكن منه بدّ، حتّى حمد الأمر وخمد الجمر، وتواترت الكتب بما عمّت به البشرى من إقامة البيعة باسمه الكريم، وأنه لم يبق إلا من أعطى اليمين وأعطى اليمين، وأتمّ الحلف إتماما لا يقدّر معه ثمين، وأقيمت له السّكة والخطبة فرفع على المنابر اسمه وتهلل به وجوه النّقود، وظهر على أسارير الوجود، وضربت البشائر، ونهبت المسرّات السّرائر، وتشوّقت أولياء هذه الدولة القاهرة أدام الله سلطانها إلى حضور ملكها، وسفور الصّباح لإذهاب ما أبقته عقابيل تلك الليلة من حلكها. والمقام العالي ما يزداد علما ولا يزاد عزما، وهو أدرى بما في التأخير، وبما في بعده من الضرر الكبير ومثله لا يعلّم، ومنه يتعلّم؛ فهو أعلم بما يجب من مسابقة قدومه للبشير، وما سيعنّ من معاجلته لامتطاء جواديه ظهر الخمال وبطن السّرير، فالله الله! في تعجيل حفظ هذا السّوام المشرّد، وضمّ هذا الشّمل المشتّت ونظم هذا العقد المبدّد، وجمع كلمة الإسلام التي طالما افترقت، وانتجاع عارض هذه النعمة التي أبرقت، وسرعة المسير فإنّ صبيحة اليوم المبارك الذي يعرف من أوّله قد أشرقت، فما بقي ما به يقتدر، ولا سوى مقدمه السعيد ينتظر.
وقد كتبناها ويدنا ممدودة لمبايعته وقلوب الخلق كلّها مستعدّة لمتابعته، وكرسيّ الملك قد أزلف له مقعده ومؤمّل الظّفر قد أنجز له موعده، والدهر
стр. 3123
مطاوعه والزمان مسعده، وطوائف أوليائه ليوم لقائه ترصده والعهد له قد كتب ولواء الملك عليه قد نصب والمنبر باسمه عليه قد خطب، والدينار والدرهم هذا وهذا له قد ضرب ولم يبق إلا أن يقترب وترى العيون منه ما ترتقب، ويجلس على السّرير ويزمع المبشّر ويعزم على المسير، وتزيّن الأقاليم ويبيّن لتسيير شهابه ما كان يقرأ له في التّقاويم، لا زال جيب ملكه على الأقطار مزرورا وذيل فخاره على السماء مجرورا وحبل وليّه متّصلا وقلبه مسرورا، ومقدمه يحوز له من إرث آبائه نعما جمة وملكا كبيرا؛ إن شاء الله تعالى.
الأسلوب الثالث (ما استقرّ عليه الحال في زماننا إلى خلافة الإمام المتوكل على الله خليفة العصر)
وهو أن تفتتح المكاتبة بالسلام، ويؤتى في ألقاب المكتوب إليه بما يكتب من الألقاب عن السلطان على ما سيأتي ذكره في المكاتبات السلطانيات في الباب الثاني من هذه المقالة، إن شاء الله تعالى.
مثال ذلك أن تكون المكاتبة إلى نائب الشأم مثلا، فالذي يكتب إليه عن السلطان: «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم العالي» إلى آخر الألقاب الآتي ذكرها هناك، ويكتب عن الخليفة «سلام الله تعالى ورحمته وبركاته يخصّ المقرّ الكريم العالي» إلى آخر الألقاب.
قلت: ولو سلكوا سبيل الخلفاء السابقين في المكاتبات الصادرة عنهم:
من الابتداء بلفظ «من عبد الله ووليّه أبي فلان فلان الإمام الفلاني أمير المؤمنين إلى فلان على ما تقدّم» وأتوا في ألقاب المكتوب إليه بالألقاب المستعملة في [ذلك] الزمان في المكاتبات السلطانية، مثل أن يكتب عن الإمام المتوكّل على الله محمد خليفة العصر إلى نائب الشام «من عبد الله ووليّه أبي عبد الله محمد الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، إلى المقرّ الكريم العالي الأميريّ
стр. 3124
الكبيريّ» إلى آخر الألقاب المقدّم بيانها في المقالة الثالثة. ثم يقال: «وسلام على المقرّ الكريم، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ﷺ » . ثم يقال: أمّا بعد، فإنّ كذا وكذا، ويؤتى على المقصد ويختم بالدعاء وغيره؛ لكان أذهب مع الصواب، وأوفق لمكاتبة الخلفاء السابقين، وأقرب إلى اقتفاء سبيلهم.
الطرف الخامس (في الكتب الصادرة عن الخلفاء الفاطميين بالديار المصرية، وفيه ثلاث جمل)
الجملة الأولى (في الكتب الصادرة عنهم على سبيل الإجمال)
وقد ذكر صاحب «موادّ البيان» وكان من كبار دولتهم في المكاتبات الصادرة عنهم نحو المكاتبات الصادرة عن خلفاء بني العبّاس ببغداد، فقال:
وإن كانت المكاتبة من الخليفة فينبغي للكاتب أن يفضل من الدرج قدر ذراع ثم يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في سطر أوّل؛ لأنها أولى ما يستفتح به، ثم يكتب في سطر ثان يلاصقها ويخرّج يسيرا «من عبد الله ووليه فلان بن فلان إلى فلان» ويبدأ بذكر نعته إن كان الإمام شرّفه بنعت: «سلام عليك فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين وعلى آله الأئمة المهديّين ويسلّم تسليما» . ويكون هذا التصدير في سطرين، يجعل بينهما فضاء قيس شبر، ولا يزيده عن ذلك ولا ينقصه فيخرجه عن حدّه، ثم يترك بعد هذين السطرين فضاء نصف الذي بينهما. ثم يقول: أمّا بعد، ويقتصّ المعاني معنى معنى، فإن كان أمرا أمر به الإمام قال بعد انقضاء الكلام: وأمر أمير المؤمنين بكذا. ثم يقول بعد فصل أوسع من الفصل الأول «فاعلم ذلك من أمير المؤمنين ورسمه واعمل عليه بحسبه» . ويقول للمخاطبين من الطبقة العالية: والسّلام عليك ورحمة الله،
стр. 3125
ويفرد بالسلام من دونها.
وقد كانت العادة جارية أن يقال في آخر الكتب النافذة عن الإمام «وكتب فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه، ثم بطل هذا الرسم في الدولة العلويّة ولا يكتب أحد بالتصدير إلا الإمام ووليّ عهده. وهذه المكاتبة عامّة للناس جميعا في الأمور السلطانية التي تنشأ فيها الكتب من الدواوين، ولا يخاطب أحد عن الخليفة إلا بالكاف.
الجملة الثانية (في الكتب العامة؛ وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الكتاب بلفظ: «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان الإمام الفلاني» على ما تقدّم ترتيبه)
وعلى هذا الأسلوب كان الحال في ابتداء دولتهم وإلى أوساطها.
وهذه نسخة كتاب كتب به الإمام العزيز بالله نزار «١» الفاطميّ إلى عامله بمصر يبشّره بالفتح حين خرج إلى قتال القرمطيّ بالشام في سنة سبع وستين وثلاثمائة، مما أورده المسبّحيّ في تاريخه:
من عبد الله ووليّه نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى حسين بن القاسم.
стр. 3126
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جده محمد نبيه ورسوله ﷺ ، وعلى الأئمة من عترته الأبرار، الطاهرين المطهرين وسلّم تسليما.
أما بعد، فالحمد لله الملك العظيم، العليم الحليم، ذي الطّول الكريم، والمنّ الجسيم، والعزّ المديد، والمحال الشّديد، وليّ الحقّ ونصيره وما حق الباطل ومبيره، المتكفّل بالنصر والتمكين، والتأييد والتحصين، لأوليائه المتقين وخلفائه المصطفين الذابّين عن دينه، والقائمين بحقّه، والدالين على توحيده؛ الحاكم بإعلاء كلمتهم، وإفلاج حججهم وظهورهم على أعدائه المشاقّين له، الضالّين عن سبيله، الملحدين في آياته، الجاحدين نعمه، المنزّل رجزه، وقوارع بأسه على من عصاه فحادّه، وصدّ عنه فنادّه، القاضي بالعواقب الحسنى والفوز والنعماء لمن أسلم وجهه له وتوكل عليه في أمره، وفوّض إليه حكمه كلّ ذلك فضلا منه وعدلا، وقضاء فصلا، وهو الحكم العدل الذي لا يظلم الناس شيئا ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون. فتبارك الله الغالب على أمره الفرد في ملكه، علوّا كبيرا. والحمد لله الذي ابتعث عبده المصطفى، وأمينه المرتضى، من أكرم سنخ «١» ونبعة، وأظهر ملّته وشرعه في أفضل دهر وعصر، وأنزل عليه كتابا من وحيه حكيما غير ذي عوج قيّما بديع النظام، داخلا في الأفهام، خارجا عن جميع الكلام، ليس كسجع الكهّان، ولا كتحبير ذوي اللسن والبيان، وقد تفرّقت بالأمم أهواؤهم، وتوزّعتهم آراؤهم، فضلّت أحلامهم وعميت أفهامهم واستحوذ عليهم الشيطان، فعبدوا الأصنام والأوثان، جهلا بعبادة الرحمن، فدعاهم إلى الإقرار بإلههم، وعرّفهم وحدانية ربّهم وكان حريصا على إرشادهم، جادّا في الاجتهاد، هاجرا للدّعة والمهاد، صابرا على تكذيب المشركين، وتفنيد الملحدين، ينصح لهم فيستكبرون، ويهديهم فيضلّون، ويحذّرهم فيستهزئون، حتّى ظهر دين الله فسما، وطمس
стр. 3127
الكفر فانمحق وعفا؛ وعمّت بركته، وفضّلت على الأمم أمّته، وعلت على الملل ملّته، صلّى الله عليه أفضل صلاة المصلّين، وزاده شرفا في العالمين إلى يوم الدين.
والحمد لله الذي حبا أمير المؤمنين وانتخبه لخلافته، وجعله صفيّه من خلقه وأمينه على عباده وهاديا إلى سبيله، قائما بحقه، مقسطا في أرضه، ذابّا عن دينه، محييا ما أماته أهل الكفر من أحكامه، وأيّده بنصره، وأمدّه بقوّته، وتكفّل له بالنّجح في مسعاه، والظّفر بمبتغاه، ونيل طلبته فيما أمّه وارتآه. وحكم بكبت كلّ عدوّ له وخزيهم، وإذلالهم ومحقهم وخذلهم، وإيهان كيدهم. وضرب الذّلّة عليهم حيث كانوا وأين كانوا، فلا ينعق ناعق منهم بطلال، أو يسعى بفسق وخبال، أو يدفع إلى افتراء على الله أو مروق عن دينه أو إذهاب ما فرض الله من طاعة إلا اصطلمه وأخزاه، وأكبّه لوجهه وأرداه، وقضى عليه بالشّقوة في دنياه، وعذاب الآخرة في أخراه.
والحمد لله الذي منح فأجمل، وأعطى فأجزل، من نعمه السابغة، وآلائه المتتابعة، التي لا يوازيها شكر، ولا يدرك كنهها ذكر، حمدا يوجب منه المزيد، ويستدعي المنن والتّجديد، وإليه يرغب أمير المؤمنين خاضعا ويسأله راغبا حسن العون على ما بلّغ رضوانه، وامترى فضله وإحسانه. وتقدّم أمير المؤمنين إليك بما هيّأه الله من وصوله إلى مدينة الرملة «١» على أجمل صنع وألطف كفاية، وأتمّ أمن، وأكمل عزّ وأوطد حال، وأحسن انتظام، وأبسط يد، وأظهر قدرة، وأشمل هيبة وبما أولى الله أمير المؤمنين في حلّه وظعنه، وارتحاله وثوائه، من نعمه العميمة، ومواهبه الجسيمة، ومنحه الجليلة، ومننه الجزيلة، وإنه مما يستغرق الحمد والشّكر، ويفوت الإحصاء والنّشر، وذكر أمير المؤمنين أمر اللعين التركيّ وهربه من بين يديه، وأنه لم يلو
стр. 3128
على شيء إلى أن بلغ طبريّة للذي تداخله من الفرق «١» ، واستولى عليه من القلق، ولما سكن قلبه من الرّعب، وحشاه من الرّهب، بقصد أمير المؤمنين إيّاه وإغذاذه «٢» السير في طلبه ومواصلته الأسباب، ومتابعته الإدآب. ووصف أمير المؤمنين ما عليه عزمه في تتبّعه واقتفاء أثره، والحلول بعقوته «٣» حيث قصد وحلّ، لثقته بالله ربّه، وتوكّله عليه، وتفويضه إليه. ولم يزل جلّ وعز يولي أمير المؤمنين- بعد نفوذ كتابه- من عزّ يؤيده، وظفر يؤكّده، ونصر يوطّئه؛ وآلاء يجدّدها، ومواهب يتابعها، وعدوّ يذلّه، ومناو يقلّه، وشارد يصرفه إلى طاعته، ومارق يعيده إلى موالاته، إلى أن تمّ له من ذلك ما واصل به حمد الله عليه، وتهيّأ له ما تواتر شكره له جل وعزّ فيه وكان مع ذلك مواصلا إلى.
اللعين الإعذار، ومتابعا الإنذار، ومحذّرا له ما يعذر، ومستدعيه إلى ما يختار ويؤثر، وممنّيا له مما يمنّى به مثله من العفو عنه، وتغمّد ما جرى منه، والإقالة لعثرته، والتجاوز عن هفوته، والامتنان عليه بما رغب فيه من تقليده ناحية من نواحي الشام، وإدرار الأرزاق عليه وعلى رجاله وأصحابه، وإيثارة بالفضل الجليل، واختصاصه بالطّول الجزيل. فما نجح في الفاسق وعد، ولا نجع فيه وعظ، ولا وفّق إلى قبول حظ، ولا أصغى إلى قبول تذكرة، ولا أناب إلى تبصرة. وما زال جادّا في تهوّكه «٤» ، متماديا على تمهّكه «٥» ، جاريا على ضلالته، سالكا سبيل عمايته، مترددا في غوايته، متلدّدا في جهالته، مقدّرا أن بأس الله لا يرهقه، وسطوته لا تلحقه، ورجزه لا يمحقه، وذنوبه لا تزهقه، وأجرامه لا توبقه. وما زال اللّعين في خلال ذلك يبسط آمال العرب ويرجّيها، ويرغّبها ويمنّيها؛ بأقوال كاذبة، وآمال خائبة، ومواعيد باطلة، حتّى أصغى أكثرها إلى غروره، وقبول إفكه
стр. 3129
وزوره، وأجابته طائفة طاغية، ووصلت إليه متتابعة، فتوفّر جمعه، وكثر عدده واشتدّ طعمه، وقوي أمله، وتمكن له باستدراج الله إيّاه وغضبه عليه أن يورّط عصبته ومن اختدعه بغيّه واستفزّه معه جهله، ويوردهم جميعا ونفسه الرّذلة موردا لا صدر له، ولا علل بعده؛ فخرج من طبريّة وحلّ بيسان، محلّ الخزي والهوان، فعندها انتهى إلى أمير المؤمنين خبره وهو يومئذ في المنهل، الذي حصل فيه بعد رحيله من الرملة وهو الموضع المعروف بالطّواحين. فعندما قرب استجرار الفاسق اللعين، واعتمد ما يعود بأطماعه، أقام في الموضع أياما ناظرا فيما يحتاج إليه، متأهّبا لما يريده، وكان ذلك هو السبب الذي أطعمه. فبعد ما طمع قاده الحين «١» الغالب، والقدر الجالب، وما أراد الله من استدراجه إلى موضع نكاله، ومنهل وباله، ورحل من بيسان «٢» رحيل من استعجلته البليّة، واستدعته الرّزيّة، فحلّ بموضع يعرف بكفر «٣» سلّام، كافرا بحدود الإسلام، متجرّئا على الله محاربا لنجل نبيّه ﵇، وأقام بها متلدّدا في حيرته، متردّدا في سكرته؛ ثم استجرّه شؤمه، وقاده حينه ولؤمه، إلى أن رحل فنزل بكفر «٤» سابا البريد، فأنبأه اسمها بما حلّ به من السّبي المبيد والخزي الشديد ثم لم يلبث أن ضرب مضاربه المأكولة، ونصب أعلامه المخذولة، وأقام صفوفه المفلولة، وأظهر آلة الحرب إقداما، و [أخفى] عن اللقاء إحجاما.
فأمر أمير المؤمنين بتزيين العساكر المنصورة والجيوش المظفّرة وتعبئتها على مراتبها، وترتيبها على مواكبها. وتقدّم إلى قوّادها أن لا يمشوا إلا صفّا، ولا يسيروا إلا زحفا، وعرّفهم أنه سيسير بنفسه، ويقصد اللعين بموكبه وجمهوره
стр. 3130
ومن معه من حماة رجاله، وأنه لا يثنيه عن الفاسق ثان ولا يصرفه عن الاقتحام صارف، فبدا من عزائمهم، وشدّة شكائمهم، وخلوص بصائرهم، وسكون أفئدتهم، وثبات أقدامهم، ما كانت به دلائل النصر واضحة، وشواهد الفلج لائحة، وعلامات الفتح ظاهرة، وآيات النّجح باهرة، فمشوا على ما أمروا، وساروا على ما سيّروا، فعند ما دنوا من عدوّ الله أصابوه للجلاد معدّا، وفي المحاربة مجدّا، واستخاروا الله وتدانوا للتّلاق، والأخذ بالنواصي والأعناق وقامت الحرب على ساق، وتجرّع منها أمرّ مذاق، فاستطار شرارها، وتأججّت نارها، وارتفع دخانها، وعظم شانها، والتزم الأقران بالأقران، واشتدّ الضّرب والطّعان، إلى أن مشى أمير المؤمنين بنفسه، وجمهور موكبه، متوكّلا على الله، ماتّا إليه بجدّه محمد ﷺ ، متوسّلا بمتقدّم وعده، وسالف إنعامه عنده، وقصد اللعين غير متلوّم عن مصادمته، ولا معرّج عن ملاحمته، فقويت نفوس أوليائه وعبيده، ومن اشتملت عليه عساكره المنصورة، وجيوشه المظفّرة بما تبيّنوه من إقدامه، وشاهدوه من اعتزامه، وحملوا على الفاسق وأحزابه، وقذف الله في قلوبهم الرّعب فتزلزلت أقدامهم، وأرعشت أيديهم ونخبت أفئدتهم، وولّوا الدّبر منهزمين، ومنحوا ظهورهم مولّين، وافترقوا ثلاث فرق:
فرقة قتلت في المعركة، وصرعت في الملحمة؛ فاحتزّت رؤوسهم، وفرقة أحسّت وقع السّيوف وإرهاق الحتوف، فاستأمنت تحت الذّلّة والصّغار، والغلبة والاقتدار، فبقّيت عليهم الأرواح، وحقنت منهم الدّماء. وفرقة أسرت أسرا، وقيّدت قيدا، وهرب التّركيّ اللعين رئيس ضلالتهم، وعميد كفرهم، في شر يذمة من أصحابه، فظنّ أن ذلك من بأس الله ينجيه، ومن الأخذ بكظمه يوقيه، هيهات! كما قال الله : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ «١»
: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ «٢»
فاتّبعه سرعان الخيل
стр. 3131
وخفاف الرّجال، مع مفرّج بن دغفل بن جراح، فأخذه قبضا وأتى به قودا أسيرا من غير عهد، وذليلا من غير عقد، واستولى أهل العساكر المنصورة، والجيوش المظفّرة، على مناخه وسواده، وما كان فيه من مال وأثاث وكراع «١» وقناع «٢» ، وقليل وكثير، وجليل وحقير، فحازوه واتّسعوا به، وأكثروا من حمد الله، وانصرفوا إلى معسكرهم سالمين، بالمغنم والظّفر آمنين، لم يكلم منهم أحد، ولم ينقص لهم عدد. وكان جملة ما أتوا به معهم من رؤوس الفسقة زائدا على ألف رأس، ومن أسراهم ثمانمائة أسير، غير من استؤمن وقت الإيقاع بهم، ولم يفلت من الفسقة إلا من هرب بحشاشة نفسه مع من لاءم التركيّ اللعين، وصاحب عقده ومورّطه في هلاكه، وقائده إلى نقماته، وسائقه إلى موبقاته «٣» ، وهو كاتبه المعروف بابن الحمارة. فلحق بطبريّة فقتل هو وجلّ من كان معه واحتزّ رأسه وأتي به، فكملت النعمة، وتمت الموهبة، وتجدّد حمد أمير المؤمنين واتصل شكره، لما أولاه من جليل عطائه، وكريم حبائه، وسنيّ آلائه.
وكان ما آتاه الله من عظيم آياته، وأكبر شواهده، واختصاص الله إيّاه وانتخابه له.
فالحمد لله! ثم الحمد لله! ثم الحمد لله ربّ العالمين على عطائه الهنيّ، وحبائه السّنيّ، وما أيّد أمير المؤمنين، وأعزّ الدين، وقمع المشركين، إذ كان الفاسق اللعين، التركيّ الغويّ المبين، ثلّة من ثللهم وركنا من أركانهم، وحزبا من أحزابهم، ووثنا من أوثانهم، وطاغية من طواغيتهم. ولم يكن لهم في بلد المسلمين يد تصدّ عنهم بأس غيرهم، ولا عضد يدفعون بها سواه. وأمير المؤمنين يرغب إلى الله أن يوزعه الشّكر على ما أولاه، ويوجده سبيلا إلى بلوغ مبتغاه، من إعزاز الملّة والدّين، وإحياء شريعة جدّه سيد المرسلين، ومجاهدة التّرك والمشركين، وقمع الظالمين والقانطين والمارقين، حتّى يكون الدين كلّه لله، ويجمع القلوب على طاعته بإذن الله.
стр. 3132
أمر أمير المؤمنين بتعريفك ذلك، وتلخيص الكتاب إليك، لتقف عليه وتذيعه، وتشهّره فيما قبلك، وتحمد الله على ما منح أمير المؤمنين من النصر، ومكّنه من الظّفر. فاعلمه إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرّم سنة سبع وستين وثلاثمائة.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بخطبة مفتتحة بالحمد لله)
وعليه كان الحال في أواخر دولتهم. وعليه جرى في «موادّ البيان» في الأمثلة التي ذكرها.
وهذه نسخة «١» كتاب مما أورده في «موادّ البيان» ببشارة بفتح، وهي:
الحمد لله مديل الحقّ ومنيره ومذلّ الباطل ومبيره، مؤيّد الإسلام بباهر الإعجاز وقصم «٢» وعده في الإظهار بوشيك الإنجاز. أخمد كلّ دين وأعلاه، ورفض كلّ شرع واجتباه، وجعله نوره اللامع، وظلّه الماتع، وابتعث به السراج المنير، والبشير النّذير، فأوضح مناهجه، وبيّن مدارجه، وأنار أعلامه، وفصّل أحكامه، وسنّ حلاله وحرامه، وبيّن خاصّه وعامّه، ودعا إلى الله بإذنه، وحضّ على التمسّك بعصم دينه، وشمّر في نصره مجاهدا من ندّ عن سبيله، وعند عن دليله، حتّى قصّد الأنصاب «٣» والأصنام، وأبطل الميسر والأزلام «٤» ، وكشف غيابات الإظلام، وانتعلت خيل الله بقبائل «٥» الهام.
стр. 3133
يحمده أمير المؤمنين أن جعله من ولاة أمره، ووفّقه لاتّباع سنّة رسوله واقتفاء أثره. وأعانه على تمكين الدّين، وتوهين المشركين، وشفاء صدور المؤمنين. وأنهضه بالمراماة عن الملّة، والمحاماة عن الحوزة، وإعزاز أهل الإيمان، وإذلال حزب الكفران. ويسأله الصلاة على خيرته المجتبى، وصفوته المنتصى، محمد أفضل من ذبّ وكافح، وجاهد ونافح، وحمى الذّمار «١» ، وغزا الكفّار، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه «٢» عليّ بن أبي طالب سيفه القاطع، ومجنّه «٣» الدافع، وسهمه الصارد، وناصره العاضد، فارس الوقائع، ومعنوس «٤» (؟) الجمائع، مبيد الأقران، ومبدّد الشّجعان، وعلى الطّهرة من عترته أئمة الأزمان، وخالصة الله من الإنس والجانّ. وإن أولى النّعم بأن يرفل في لباسها، ويتوصّل بالشّكر إلى لباثها «٥» ، ويتهادى طيب خبرها، ويتفاوض بحسن أثرها، نعمة الله تعالى في التوفيق لمجاهدة أهل الإلحاد والشّرك، وغزو أولي الباطل والإفك، والهجوم عليهم في عقر دارهم، واجتثاث أصلهم وهدم «٦» منارهم، واستنزالهم من معاقلهم، وتشريدهم عن منازلهم، وتغميض نواظرهم الشّوس «٧» ، وإلباسهم لباس البوس؛ لما في ذلك من ظهور التوحيد وعزّه، وخمود الإلحاد وعرّه، وعلوّ ملة المسلمين، وانخفاض دولة المشركين، ووضوح محجّة الحق وحجّته، وفضوح «٨» برهانه وآيته.
стр. 3134
وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وقد انكفأ عن ديار الفلانيّين والمشركين «١» إلى دست خلافته، ومقرّ إمامته، بعد أن غزاهم برّا وبحرا، وشرّدهم سهلا ووعرا، وجرّعهم من عواقب كفرهم مرّا، وفرّق جمائهم التي تطبّق سهوب الفضاء خيلا ورجلا، وتضيق بها المهامه حزنا وسهلا، ومزّق كتائبهم التي تلحق الوهاد بالنّجاد، وتختطف الأبصار ببوارق الأغماد، وسبى «٢» الذّراريّ والأطفال، وأسر البطاريق والأقيال، وافتتح المعاقل والأعمال، وحاز الأسلاب والأموال، واستولى من الحصون على حصن كذا وحصن كذا، ومحا منها رسوم الشرك وعفّاها، وأثبت سنن التوحيد بها وأمضاها، وغنم أولياء أمير المؤمنين ومتطوّعة المسلمين من الغنائم ما أقرّ العيون، وحقّق الظّنون، وانفصلوا وقد زادت بصائرهم نفاذا في الدّين، وسرائرهم إخلاصا في طاعة أمير المؤمنين، بما أولاهم الله من النّصر والإظفار، والإعزاز والإظهار، ووضح للمشركين بما أنزله «٣» عليهم من الخذلان، وأنالهم إيّاه من الهوان، أنّهم على مضلّة من الغيّ والعمى، وبعد «٤» من الرّشد والهدى، فضرعوا إلى أمير المؤمنين في السّلم والموادعة، وتحمّلوا بذلا بذلوه تفاديا من الكفاح والمقارعة، فأجابهم إلى ذلك متوكّلا على الله تعالى، ومتمثّلا «٥» بقوله تعالى إذ يقول: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٦»
. وعاقد طاغيتهم على كتاب هدنة كتبه له، وأقرّه في يده، حجّة مضمونة.
أشعرك أمير المؤمنين ذلك لتأخذ من هذه النعمة بنصيب مثلك من المخلصين، وتعرف موقع ما تفضّل الله تعالى به على الإسلام والمسلمين،
стр. 3135
فتحسن «١» ظنّك، وتقرّ عينك، وتشكر الله تعالى شكر المستمد من فضله، المعتدّ بطوله، وتتلو كتاب أمير المؤمنين، على كافّة من قبلك من المسلمين؛ ليعلموا ما تولّاهم الله به من نصره وتمكينه، وإذلال عدوّهم وتوهينه؛ فاعلم ذلك واعمل به «٢» .
الجملة الثالثة (في الكتب الخاصّة، كالمكاتبة إلى الوزير ومن في معناه)
قال في «موادّ البيان» بعد ذكر صورة المكاتبات العامّة عنهم: وقد يخاطب الإمام وزيره في المكاتبة الخاصّة بما يرفعه فيه عن خطاب المكاتبة العامّة الدّيوانيّة، ويتصرّف في ذلك، ويزاد وينقص على حسب لطافة محلّ الوزير ومنزلته من الفضل والجلالة. قال: وليس لهذه المكاتبة الخاصة حدود ينتهي إليها، ولا قوانين يعتمد عليها، وطريقها مستفيضة معلومة. وقد تقدّم في المكاتبات الخاصة عن خلفاء بني العبّاس أن مكاتبة الوزير «أمتعني الله بك» في أدعية أخرى.
الطرف السادس (في الكتب الصادرة عن خلفاء بني أمية بالأندلس)
ولم أقف على شيء من المكاتبات الصادرة عنهم، وإن ظفرت بشيء منها بعد ذلك ألحقته إن شاء الله تعالى.
стр. 3136
الطرف السابع (في الكتب الصادرة عن الخلفاء الموحّدين أتباع المهديّ بن «١» تومرت المستمرّ بقاياهم الآن بتونس وسائر بلاد أفريقيّة، وهي على أسلوبين)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» )
وكان الرسم فيها أن يقال: «من أمير المؤمنين فلان» ويدعى له بما يناسبه «إلى فلان» ويدعى له بما يليق به؛ ثم يؤتى بالسلام؛ ثم يؤتى بالبعدية والتحميد والصلاة على النبيّ ﷺ ، والترضية عن الصحابة، ثم عن إمامهم المهديّ؛ ثم يؤتى على المقصود، ويختم بالسلام. والخطاب فيه بنون الجمع عن الخليفة وميم الجمع عن المكتوب إليه.
كما كتب عن عبد المؤمن «٢» خليفة المهديّ إمامهم إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعد «٣» :
стр. 3137
«من أمير المؤمنين أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته، إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعد وفّقه الله، ويسّره لما يرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فالحمد لله الذي له الاقتدار والاختيار، ومنه العون لأوليائه والإقدار، وإليه يرجع الأمر كلّه فلا يمنع منه الاستبداد والاستئثار. والصلاة على محمد نبيّه الذي ابتعثت بمبعثه الأضواء والأنوار، وعمرت بدعوته الأنجاد والأغوار، وخصم بحجّته الكفر والكفّار، وعلى آله وصحبه الذين هم الكرام الأبرار، والمهاجرين والأنصار، والرّضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، القائم بأمر الله حين غيّرته الأغيار، وتقدّم الامتعاض له والانتصار. وهذا كتابنا- كتب الله لكم نظرا يريكم المنهج، ويلفيكم الأبهج فالأبهج، وآتاكم الله من نعمة الإيمان، وعصمة الانقياد له والإذعان، ما تجدون به اليقين والثّلج- من حضرة مرّاكش حرسها الله تعالى، ولا استظهار إلا بقوّته وحوله، ولا استكثار إلا من إحسانه وطوله.
ولما جعل الله هذا الأمر العظيم رحمة لخلقه، ومطيّة لرقيه وقرارة لإقامة حقّه، وحمّل حملته الدعاء إليه، والدلالة به عليه، والترغيب في عظيم ما عنده ونعيم ما لديه، وجعل الإنذار والإعذار من فصوله المستوعبة، وأحكامه المرتّبة، ومنجاته المخلّصة من الخطوب المهلكة والأحوال المعطبة- رأينا أن نخاطبكم بكتابنا هذا أخذا بأمر الله تعالى لرسوله في المضاء إلى سبيله، والتحريض على اغتنام النجاء وتحصيله، وإقامة الحجّة في تبليغ القول وتوصيله، فأجيبوا- رفعكم الله- داعي الله تسعدوا، وتمسّكوا بأمر المهديّ- ﵁ في اتّباع سبيله تهتدوا، واصرفوا أعنّة العناية إلى النظر في المآل، والتفكّر في نواشيء التغيّر والزوال، وتدبّروا جري هذه الأمور وتصرّف هذه الأحوال، واعلموا أنه لا عزّة إلا بإعزاز الله تعالى فهو ذو العزّة والجلال. وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ «١» *
فالدّنيا دار الغرور، وسوق المحال، وليس لكم في قبول
стр. 3138
النصيحة، وابتداء التوبة الصحيحة، والعمل بثبوت الإيمان في هذه العاجلة الفسيحة، إلّا ما تحبّونه في ذات الله تعالى من الأمنة والدّعة، والكرامة المتّسعة والمكانة المرفّعة، والتنعّم بنعيم الراحة المتصلة والنفس الممتنعة. فنحن لا نريد لكم ولسائر من نرجو إنابته، ونستدعي قبوله وإجابته، إلا الصّلاح الأعمّ، والنجاح الأتمّ. وتأملوا- سدّدكم الله- من كان بتلك الجزيرة- حرسها الله- من أعيانها، وزعماء شانها، هل تخلّص منهم إلى ما يودّه، وفاز بما يدّخره ويعدّه، إلا من تمسّك بهذه العروة الوثقى، واستبقى لنفسه من هذا الخير الأدوم الأبقى، وتنعّم بما لقي من هذا النعيم المقيم ويلقى؟ وأما من أخلد إلى الأرض واتّبع هواه، ورغب بنفسه عن هذا الأمر العزيز إلى ما سواه، فقد علم بضرورتي المشاهدة والاستفاضة سوء منقلبه، وخسارة مذهبه ومطّلبه، وتنقّل منه حادث الانتقام أخسر ما تنقّل به. وحقّ عليكم- وفقكم الله ويسّركم لما يرضاه- أن تحسنوا الاختيار، وتصلوا الادّكار والاعتبار، وتبتدروا الابتدار. وما حقّ من انقطع إلى هذا الأمر الموصول الواصل، وأزمع ما يناله من خيره المحوز الحاصل، أن يناله منكم شاغل يشغله عن مقصوده، ويحيط به ما يصرفه عن محبوبه ومودوده، فقد كان منكم في أمر أهل بلنسية «١» حين إعلانهم بكلمة التوحيد، وتعلّقهم بهذا الأمر السعيد ما كان، ثم كان منكم في عقب ذلك ما اعتمدتموه في أمر أهل لورقة «٢» - وفّقهم الله- حين ظهر اختصاصهم، وبان إخلاصهم. وليس لذاك وأمثاله عاقبة تحمد، فالخير خير ما يقصد، والنجاة فيما ينزح عن الشر ويبعد. وإنا لنرجوا أن يكفّكم عن ذلك وأشباهه إن شاء الله تعالى نظر موفّق، ومتاع محقّق، ويجذبكم إلى موالاة هذه الطائفة المباركة جاذب يسعد، وسائق يرشد، والله يمنّ عليكم بما ينجّيكم، ويمكّن لكم في طاعته
стр. 3139
أسباب تأميلكم وترجّيكم، بمنّه. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب في السادس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
الأسلوب الثاني (أن يفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» )
والأمر فيه على نحو ما تقدّم في الأسلوب قبله بعد البعدية، كما كتب أبو الميمون عن المستنصر بالله، أحد خلفائهم إلى بعض نوّابه، وقد نقض العهد على بعض المهادنين من النصارى.
«أما بعد حمد الله الآمر بالوفاء بالعهود، والصلاة على سيدنا محمد المصطفى الكريم سيّد الوجود، وعلى آله وصحبه ليوث البأس وغيوث الجود، والرّضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، الآتي بالنّعت الموجود، في الزّمن المحدود، وعن خلفائه الواصلين بأمره إلى التّهائم والنّجود، والدعاء لسيدنا الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين بسعد تذلّ له النواصي، ويهدّ الأقطار القواصي، فكتبناه- كتبكم الله ممّن إذا همّ بأمر تدبّر عواقبه، وإذا عزم على ركوب غرر ألفى معاطبه- من فلانة كلأها الله تعالى. وقد بلغنا ما كان منكم من اكتساح النصارى، والزيادة على ذلك باختطاف الأسارى «١» ، ونعوذ بالله من شهوة تغلب عقلا، ونخوة تعقب هوانا وذلّا. وقد أخطأتم في فعلتكم الشّنعاء من ثلاثة أوجه؛ أحدها أنه خلاف ما أمر الله تعالى به من الوفاء بالعهد، والوقوف مع العقد. والثاني عصيان الأمر العزيز وفيه التغرير بالمهج، وترك السّعة للحرج.
والثالث أنكم تثيرون على أنفسكم من شرّ عدوّكم- قصمه الله- شررا يستعر، وضررا يعدم فيه المنتصر، فليتكم إذ تجلّيتم بالعصيان، ورضيتم الغدر المحرّم في سائر الأديان، ثبتّم للعدّو إذا دهمكم، ولقيتموه بالجانب القويّ متى زحمكم، بل تتدرّعون له الفرار، وتتركونه في مخلّفيكم وما اختار. وقد جرّبتم
стр. 3140
مرّات أنكم لا ترزؤونهم ذرّة، إلا رزؤوكم ألف بدرة، ولا تصيبونهم مرّة، إلا أصابوكم ألف مرّة. وإلى متى تنهون فلا تنتهون؟ وحتّام «١» تنبّهون فلا تنتبهون؟
فإذا وافاكم كتابنا هذا بحول الله وقوّته فأدّوا من أسرتم إلى مأمنه، وردّوا ما انتهبتم إلى مسرحه، ولا تمسكوا من الأسارى بشعرة، ولا من الماشية بوبرة.
ومن سمعنا عنه- بعد وصول هذا الكتاب- أنه تعدّى هذا الرّسم، وخالف هذا الحكم، أنفذنا عليه الواجب، وحكّمنا فيه المهنّد القاضب، فلتسرع من نومة الغفلة إفاقتكم، ولا تتعرّضوا من الشّر لما تعجز عنه طاقتكم، ونحن متعرّفون ما يكون منكم من تأنّ أو بدار، ومقابلون لكم بما يصدر عنكم من إقرار وإنكار، وهو يرشدكم بمنّه. والسّلام عليكم ورحمة الله» .
قلت: ثم طرأ بعد ذلك الإكثار من ألقاب خلفائهم في المكاتبات الصادرة عنهم، والمبالغة في مدحهم، وإطرائهم على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات الواردة من ملوك الأقطار إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الطّرف الثامن (في الأجوبة، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما يضاهي الأجوبة في الابتداء، وهو على أسلوبين)
(الأسلوب الأوّل (أن يفتتح الجواب بلفظ «من فلان إلى فلان» )
مثل أن يكتب «من عبد الله ووليه أبي فلان فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين» إلى آخر الصدر على ما تقدّم في الابتداءات؛ ثم يقال: أما بعد، وينساق
стр. 3141
منه إلى ذكر الكتاب الوارد وعرضه على الخليفة، وما اقتضته آراء الخلافة فيه، ويكمّل على نحو الابتداء. كما كتب عن المقتفي لأمر الله، إلى غياث الدين مسعود «١» بن ملكشاه السّلجوقيّ في جواب كتابه الوارد عليه، يخبره بأن بعض من كان خرج عن طاعته دخل فيها، وانحاز إليه، وهو:
«من عبد الله أبي عبد الله محمد الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، إلى فلان بألقابه.
أما بعد- أطال الله بقاءك- فإن كتابك عرض بحضرة أمير المؤمنين معربا عن أخبار سعادتك، وجري الأمور على إرادتك، وبلوغ الأغراض من الوجهة التي توجّهت إليها، والأطراف التي أشرقت سعادتك عليها، بميامن ما تثق به من الطاعة الإمامية وتضمره، وتعتقده من الإخلاص وتستشعره وأن ركن الدين محمدا ومن انضمّ إلى جملته وانتظم في سلك موافقته لمّا ظفروا منك بذمام اطمأنّوا إليه وسكنوا، وأمان وثقوا به وركنوا، أبصروا الرّشد فاتّبعوه، واستجابوا الداعي إذ سمعوه، وأذعنوا لطاعتك مسرعين، وانقادوا إلى متابعتك مهطعين، على استقرار مسيرهم تحت لوائك إلى باب همذان ليكون تقرير القواعد الجامعة للمصالح عند وصولها، والتوفّر على تحرّي ما تقرّ به الخواطر مع حلولها، والانفصال إلى من يفد إلى الأبواب العزيزة مؤتنسا بقرب الدار، ومستسعدا بالخدمة الشريفة الإمامية المؤذنة ببلوغ الأوطار. ووقف عليه وعرف مضمونه، وجدّد ذلك لديه من الابتهاج، والاغتباط الواضح المنهاج، ما تقتضيه ثقته بجانبك واعتقاده، وتعويله على جميل معتقدك واعتماده، واعتضاده من طاعتك بحبل لا تنقض الأيّام مبرمه، وسكونه من ولائك إلى وزر «٢» لا تروّع المخاوف حرمه وواصل شكر الله تعالى على ما شهدت به هذه النعمة العميمة، والموهبة الجسيمة، من إجابة الأدعية التي ما زالت جنودها نحوك مجهّزة،
стр. 3142
ووعوده- جلّت عظمته- بقبول أمثالها منجّزة، وإمدادك منها بأمداد تستدعي لك النصر وتستنزله، وتستكمل الحظّ من كلّ خير وتستجز له، وتبلّغ الأمل منك فيمن هو العدّة للملمّات، والحامي لتقرير الأنس من روائع الشّتات، ومن ببقائه تكفّ عن الامتداد أكفّ الخطوب، وتطلق وجوه المسارّ من عقل القطوب، ويأبى الله العادل في حكمه وحكمته، الرؤوف بعباده وخليقته، إلا إعلاء كلمة الحق بالهمم الإماميّة، والإجراء على عوائد صنيعته الحفية، الكافلة بصلاح العباد والرعيّة، وقد أقيمت أسواق التهنئة بهذه البشرى، وأفادت جذلا تتّابع وفوده تترى؛ لا سيّما مع الإشارة إلى قرب الأوبة التي تدني كلّ صلاح وتجلبه، وتزيل كلّ خلل أتعب القلوب وتذهبه. وإلى الباري جلّ اسمه الرغبة في اختصاصك من عنايته بأحسن ما عهدته وأجمله، وصلة آخر وقتك في نجح المساعي بأوّله؛ وأن لا يخلي الدار العزيزة من إخلاصك في ولائها، ورغبتك في تحصيل مراضيها وشريف آرائها.
هذه مناجاة أمير المؤمنين- أدام الله تأييدك- ابتغى الله جزاءك فيها على عادة تكرمته، وأعرب بها عن اعتقاده فيك وطويّته، ومكانك الأثيل في شريف حضرته، وابتهاجه بنعمة الله عندك وخيرته فتأمّلها تأمّلا يشاكل طاعتك الصافية من الشّوائب والأقذاء، وتلقّها بصدق الاعتماد عليها وحسن الإصغاء، تفز بالإصابة قداحك، ويقرن بالتوفيق مغداك ومراحك، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
وكما كتب بعض كتّاب الفاطميين عن الحافظ لدين الله، أحد خلفائهم إلى شمس الدولة أبي منصور محمد بن ظهير الدين بن نوري بن طغتكين ببعلبكّ جوابا عن كتابه الوارد عنه على الخليفة، ويذكر أنه حسّن لفخر الملك رواج وروده على الخليفة بالديار المصرية، ويذكر نصرته على الفرنج بطرابلس، وقتله القومص ملكها.
стр. 3143
«من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى الأمير فلان.
أما بعد، فإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتابك من يد فتاه ووزيره، وصفيّه وظهيره، السيد الأجل الأفضل، الذي بذل نفسه في نصرة الدين تقى وليانا، وأوضح الله للدولة الحافظيّة بوزارته حجّة وبرهانا، وأسبغ النعمة على أهلها بأن جعله فيهم ناظرا ولهم سلطانا، ووفّقه في حسن التدبير، والعمل بما يقضي بمصالح الصغير والكبير وبما أعاد المملكة إلى أفضل ما كانت عليه من النّضرة والبهجة، ولم يخرج المادحون لها إذا اختلفوا عن التحقيق وصدق اللهجة، فقد ساوت سياسته بين البعيد والقريب، وأخذ كلّ منهما بأجزل حظّ وأوفر نصيب، وسارت سيرته الفاضلة في الآفاق مسير المثل، واستوجب من خالقه أجر من جمع في طاعته بين القول والعمل. وشفع عرضه من وصفك وشكرك، والثناء عليك وإطابة ذكرك، وأنهى ما أنت عليه من الولاء، وشكر الآلاء، بما يضاهي ما ذكرته فيه مما علم عند تلاوته، وأصغي إلى عند قراءته.
وقد استقرّ بحضرة أمير المؤمنين مكانك من المشايعة، وموقعك من المخالصة وكونك من ولاء الدولة على قضية كسبتك «١» شرفا تفيّأت ظلاله، وأفاضت عليك ملبسا جررت أذياله، وسمت بك إلى محلّ لا يباهي من بلغه ولا يطاول من ناله، وكنت في ذلك سالكا للمنهج القويم، ومعتمدا ما أهل بيتك عليه في القديم؛ ولا جرم «٢» أنه عاد عليك من حسن رأي أمير المؤمنين بما تقصر عنه كلّ أمنيّة، ويشهد لك بمخالصة جمعت فيها بين عمل ونيّة، والله يضاعف أجرك على اعتصامك من طاعة أمير المؤمنين، بالحبل المتين، ويوزعك شكر
стр. 3144
ما منحك من الاستضاءة بنور الحق المبين.
فأما الأمير الأسفهسلار فخر الملك رواج وبعثك له على الوصول إلى الباب، وحضّك إيّاه على التعلّق من الخدمة بمحصد الأسباب، فما كان الإذن له في ذلك إلّا لأنّ كتابه وصل بملتمسه، وعرض فيه نفسه وبذل المناصحة والخدمة، ويسأل سؤال من يعرف قدر العارفة بالإجابة إليه وموقع النعمة، فأجيب إلى ذلك إسعافا له بمراده، وعملا برأي الدولة فيمن يرغب إلى التحيّز إليها من أقطاره وبلاده، وإلا فلا حاجة لها إليه ولا إلى غيره؛ لأن الله تعالى- وله الحمد- وفّر حظّها من الأولياء والأشياع، والأنصار والأتباع، والعساكر والجيوش والأجناد والأنجاد، والأعوان الأقوياء الشّداد، وعبيد الطاعة الذين يتبارون في النّصح ويتنافسون في الاجتهاد والحرص، وسعة الأموال، وعمارة الأعمال، وجمع الرّجال في العزائم بين الأفعال والأقوال ولو وصل المذكور لكانت المنّة للدولة عليه، والحاجة له في ذلك لا إليه، قال الله عز من قائل:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
«١» .
وأمّا توجهه إلى طرابلس وظفره بقومصها وقتله إيّاه مع من بها، وعظيم أمره فيها؛ فالله تعالى يعزّ الإسلام وينشر لواءه، ويعلي مناره ويخذل أعداءه، وينصر عساكره وأجناده، ويبلّغه في أحزاب الكفر والضلال مراده، وهو يمتّعك من الولاء بما منحك، وينيلك في دينك ودنياك أملك ومقترحك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى» .
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الجواب بلفظ «أمّا بعد» )
كما كتب عن المقتفي إلى السلطان محمود «٢» بن محمد السّلجوقيّ جوابا
стр. 3145
عن كتابه الوارد بإخباره باجتماعه مع عمه سنجر، ونسخته «١» :
أما بعد، فإنّ كتابك عرض بحضرة أمير المؤمنين ناطقا بدرك الأوطار، وحصول المقاصد على الآثار، وما أنهيته من الاجتماع بعزّ الدنيا والدّين جمع الله في طاعته شملكما ووصل بالألفة والتوادد حبلكما! ومن إكرام الوفادة الذي أنت أهله ووليّه، وحقيق أن يتبع وسميّه لديك وليّه، والموافقة على كل حال آذنت ببلوغ الأغراض وتيسّرها، ونجاز المساعي على أتمّ وفاق وتقرّرها، وانتظام الأمور على أجمل معتاد وأكمل مراد، وأحسن اتّساق واطّراد، واستقرار القواعد على الوصف الجامع أشتات الاتّفاق، الدالّ على صدق المحافظة بينكما وفرط الإشفاق، محفوفا بالسعادة التي لا تزال مآثرك في الطاعة الإمامية تملك قيادها، وتقلّدك على الاتصال نجادها، فتهللت بهذا النّبإ المبهج أسرّة البشرى، وأصبح الجذل بمكانه أفعم عرفا وأذكى نشرا، وقامت لأجله في عراص «٢» الدار العزيزة مواسم، أضحت المسرّة بها مفترّة الثغور ضاحكة المباسم؛ وجدير بمن كان له من الهمم الشريفة مدد واف، ومنجد يدفع في صدر كلّ خطب مواف، أن تكتنفه الميامن والسّعود، ويصدق «٣» في كل مرمى ينحوه من النّجح الموعود، وتنقاد له المصاعب ذللا، ويعود بيمن نقيبته كلّ عاف من الصلاح جديدا مقتبلا ولا ينفكّ صنع الله جلّ اسمه لطيفا، وبرباعه محدقا مطيفا، والتوفيق مصاحبه أنّى حلّ وثوى، أو ثنى عنانه إلى وجه ولوى، والله يمتّع أمير المؤمنين منك بالعضد الذي يذبّ عن دولته ويحامي، ويناضل دونها بجنود الإخلاص ويرامي،
стр. 3146
ولا يخليك من رعايته التي لا يزال يستقر فيها إليك، ويرغب إليه في إسباغ لباسها عليك، حتّى تتسنّى لك المطالب معا، ويغدو الزمان فيما ينشأ متّبعا.
هذه مفاوضة أمير المؤمنين إليك، أدام الله تأييدك، أجراك فيها على مألوف العادة، وجدّد لك بها برود الفخار والسعادة، فاجر على وتيرتك في إتحاف حضرته بطيّب أخبارك، ومجاري الأمور في إيرادك وإصدارك، تهد إليها ابتهاجا وافرا، وابتساما يظلّ لثامه عن حمد الله المسند بها سافرا؛ إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (أن يكون الافتتاح في الجواب مصدّرا بما فيه معنى وصول المكاتبة إلى الخليفة)
فقد جرت عادة المتقدّمين من الكتّاب في التعبير عن ذلك بلفظ «العرض على الخليفة» ويؤتى فيه على ما تضمنه الكتاب المجاب عنه، ثم يختم كما تختم الابتداآت.
كما كتب العلاء «١» بن موصلايا عن القائم بأمر الله إلى «أتسز» عند ورود كتابه على أبواب الخلافة يتضمّن انتظامه في سلك الطاعة وغلبته الأعداء، وهو:
عرض بحضرة أمير المؤمنين ما ورد منك دالّا على تمسّكك من الطاعة الإمامية بما لا تزال تجدّ فيه ملابس التوفيق حالا بعد حال، وتجد به مرائر السعد محصفة في كل حلّ وترحال، منبئا عن توفّرك على المقامات التي انتقمت بها للهدى من الضّلال، واستقمت فيها حتّى أجلت عن كلّ صلاح ممتدّ الظّلال، شاهدا بما أنت عليه من موالاة لا تألو جهدا في التزام شروطها بادئا عائدا، ولا تخلو فيها من حسن أثر يكون لدعائم الصواب عامدا، وترى فيه قاصدا لاجتلاب
стр. 3147
الخير عائدا. ووقف عليه وقوف من ارتضى ما يتوالى من قرباتك التي لا تزال في إعذاب ورودها ساعيا. ولما يفضي إلى إعشاب مرعاها في طلب الحمد مراعيا، وانتضى منك للخدمة بتلك الأعمال حساما باترا آجال بقايا الكفر هناك، ماضيا في كل ما يقضي بانفساح مجال آمالك في الدهر ومبارّك، واعتدّ لك بما أنهاه عنك رسول أمير المؤمنين العائد من قبلك، وأوضحه من زلفك «١» التي شفع قولك فيها عملك، وطالع به الرسول الذي نفّذته معه لقصد بابه، والمناب في تأكيد دواعي النّجح وتمهيد أسبابه، وحلّ كلّ ذلك لديه المحلّ الذي ستجني ثمره كلّما يطيب ويحلو، ويسلم من كل «٢» الاستزادة ويخلو، ويعزّ مهر الفوز به على غيرك ويغلو، وتأثّل لك من الرّتبة بحضرته ما يدني لك كلّ مطلب إلى مرادك آئل، ويدوي قلب كلّ منحرف عن وفائك مائل؛ وصرت من أعيان الخلصاء الذين وسمت الهدى أفعالهم بالحمد، وسمت بالطاعة آمالهم إلى توقّل هضاب المجد، فما تهمّ بك الغير إلا وتنقطع دونك أعناقها، وترجع في جلباب الخيبة وحيصها إليك وإعناقها، ولا تمتدّ نحوك يد ضدّ إلا ردّها عنك جميل الآراء الشريفة فيك وغلّها، وأوجب نهلها عن موارد القصور وعلّها وكيف لا يكون ذاك ولك في الطاعة كلّ موقف اغتذى بلبان الحمد، واعتنى باشتهاره بلوغ المدى في وصفه والحدّ؟ فأحسن الله توفيقك فيما أنت بإزائه من إخماد لهب الباطل بتلك الشّعاب، وإجهاد النّفس في إخمال المتاعب وإذلال الصّعاب، وأمدّك بالعون على ما بدأت له من جب..... «٣» ... فيما يليك، وطبّ أدواء الفساد في نواحيك. ومع ما فزت به من هذه المنحة التي قد جاز قدرها التقدير والظّن، وجاد لك الدهر فيها بما كان شحّ به على أمثالك وضنّ فيجب أن تستديمها، وتحصّن من النّغل «٤» أديمها، بمزيد من الخدمة تنتهز
стр. 3148
الفرص بالإسراع إليه والبدار، وتنتهج أقوم الجدد «١» في مقابلة الإيراد منه بالإصدار، وتنفد وسعك في كل مسعى ينثني إليك عنان الثّناء معه، وتنفق عمرك في كل أمر يجمع لك مرأى الرضا عنك ومسمعه، لتجد من جدوى ذلك ما ينظم في السعادة شملك، ويضحى به القياد فيما يصدّق أملك أملك، وأن تحمد السيرة في الرعايا الذين غدوا تحت كنفك، وتجعل الاشتمال على مصالحهم معربا عن فضل شغفك بالخير وكلفك؛ فإنهم ودائع الله تعالى يلزم أن تحمى من ضياع يتسلّط عليها في حال، وتحيا من درّ الإحسان برضاع لا يخطر الفطام عنه ببال فلا تقفنّ عند غاية في إفاضة الفضل عليهم وإسباغ ظلّه، واعتمادهم بتخفيف ثقل الحيف عنهم أو إزالة كلّه، ليكونوا في أفياء الأمن راتعين، ولخرق كل ملمّ بحسن ملاحظتك راقعين فالذي يراه أمير المؤمنين في فرضك حتّى يزداد باعك طولا، ولا يترك لك على الزمان اقتراحا ولا سولا، يقتضي أن يتبع كلّ سابق إليك من الإحسان بلاحق، ويمرع جناب النّعمى لديك عند ذرّ «٢» كلّ شارق. وكذلك يرى أن يجدّد لك من تشريفه المنوّر مطالع الفجر، المنوّه بالذّكر في الدهر، الذي لا تزال الهمم العالية تصبو إلى الفوز به وتميل، وتقف عند حدّ الرجاء والتأميل، ما أصحب رسولك المشار إليه لتدّرع من خلاله ما الشّرف الأكبر في مطاويه، وتمتطي من صهوة العزّ فيه ما يبعد على النظراء إدراك مراميه. ويجب أن تتلقى مقدم ذلك عليك بما ينبيء عن اقتران النعمة الغراء فيه، وأقمار أهلّة التوفيق عندك بما تقصد في المعنى وتنتحيه وإذا عاد رسولك إلى باب أمير المؤمنين حسب ما ذكرت، أصدر على يده من ضروب التشريفات ما يقرّ فيك عيون من يودّك، ويقرّ في مغانيك كلّ سعد يوري فيه زندك فاسكن إلى حبائك بالمزيد من كلّ رتبة أهّلت لها، وكن بحيث الظّنّ فيك توقّر عليك أقسام الحمد كلّها، وثق بمترادف آلاء ينضمّ لديك شملها، ويثقل كلّ كاهل حملها، إن شاء الله تعالى.
стр. 3149
الطرف التاسع (في الكتب الصادرة عن ولاة العهد بالخلافة)
لم أقف على مكاتبة صريحة التصوير عن ولاة العهد، غير أن الإمام أبا جعفر النحاس «١» في «صناعة الكتّاب» بعد أن ذكر أن صورة المكاتبة عن الخليفة: «من عبد الله أبي فلان فلان الإمام الفلاني إلى فلان» أتبع ذلك بأن قال: وليس أحد من الرؤساء يكاتب عنه بالتصدير إلا الإمام ووليّ العهد، ولم يزد على ذلك. وقد فسّر ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتاب» التصدير بأن قال: يكتب «من عبد الله أبي فلان فلان» باسمه وكنيته ونعته. ويقال: أمير المؤمنين أبي فلان.
أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو إلى آخره، على ما تقدّم بيانه.
وذكر النحاس في الكلام على العنوان من الرئيس إلى المرؤوس أنه يحذف من الكتاب عن وليّ العهد لفظ الإمام، ولفظ أمير المؤمنين، ويقال فيه:
وليّ العهد. وظاهر ذلك أن المكاتبة عن وليّ العهد مشابهة للمكاتبة عن الخليفة، وأن لفظ وليّ العهد في المكاتبة عنه يقوم مقام أمير المؤمنين في المكاتبة عن الخليفة نفسه، وحينئذ فيتجه أن تكون المكاتبة عنه «من عبد الله أبي فلان فلان المعتضد بالله مثلا وليّ عهد المسلمين. سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فإن كذا وكذا» ويؤتى على المقصد إلى آخره. وعلى ذلك يدلّ كلام صاحب «ذخيرة الكتّاب» . فإنه قال بعد ذكر المكاتبة عن الخليفة: وكذلك المكاتبة عن وليّ العهد. على أنّ المكاتبة عن وليّ العهد قد بطلت في زماننا جملة.
стр. 3150
الطرف العاشر (من المكاتبات عن الخلفاء المكاتبات إلى أهل الكفر)
وكان الرّسم فيها أن يكتب «من فلان إلى فلان» . ويقع التخلّص فيها إلى المقصود ب «أما بعد» . ويختم الكتاب بلفظ «والسّلام على من اتّبع الهدى» . فقد حكى أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» أنه كان على الروم ملكة، وكانت تلاطف الرشيد ولها ابن صغير، فلمّا نشأ فوّضت الأمر إليه فعاث وأفسد، فخافت أمّه على ملك الروم فقتلته، فخرج عليها تقفور ملك الرّوم فقتلها واستولى على ملكها وكتب إلى الرشيد:
«أما بعد، فإنّ هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرّخّ «١» ، وينبغي أن تعلم أنّي أنا الشاه وأنت الرّخّ. فأدّ إليّ ما كانت المرأة تؤدّي إليك» . فلما قرأ الكتاب، قال لكتّابه أجيبوا عنه، فكتبوا ما لم يرتضه، فكتب هو إليه:
«من عبد الله هارون أمير المؤمنين، إلى تقفور كلب الرّوم. أما بعد، فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسّلام على من اتبع الهدى» .
ويقال: إنه كتب «الجواب ما تراه لا ما تسمعه، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار» . ولا يخفى ما في ذلك من البلاغة مع الإيجاز.
وكما كتب عن الحافظ لدين الله، أحد خلفاء الفاطميين بمصر إلى صاحب صقلّيّة «٢» وما معها من ملوك الفرنج:
стр. 3151
«من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى الملك بجزيرة صقلّيّة، وأنكورية وأنطالية وقلّورية وسترلو وملف وما انضاف إلى ذلك، وفّقه الله في مقاصده! وأرشده إلى العمل بطاعته في مصادره وموارده.
سلام على من اتّبع الهدى، وأمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النبيّين، وسيد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما.
أما بعد، فإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين الكتاب الواصل من جهتك، ففضّ ختامه واجتلي، وقريء مضمونه وتلي، ووقعت الإصاخة إلى فصوله، وحصلت الإحاطة بجمله وتفاصيله. والإجابة تأتي على أجمعه، ولا تخلّ بشيء من مستودعه، أما ما افتتحته به من حمد الله تعالى على نعمه، وتوسيعك القول فيما أولاك من إحسانه وكرمه، فإنّ مواهب الله تعالى ومننه التي جعل تواليها اختبار شكر العبد وامتحانه على أنه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عليم، وهو القائل فيمن أثنى عليهم: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
«١» لا يزال مضاعفها ومرادفها، ومتبعا سالفها آنفها، وهو يوليها كلّا من عبيده بقدر منزلته عنده، ويخصّ أصفياءه بأوفى مما تمنّاه الآمل المبالغ وودّه. والله ﵎ يمنح أمير المؤمنين، وآباءه الأئمة الراشدين، ما غدت مستقدمات الحمد والشكر عند لوازمه مستأخرة، إذ كان أفردهم دون الخليقة بأن أعطاهم الدنيا ثم أعطاهم معها الآخرة، واختصّهم من حبائه «٢» بما لا يحصيه عدد، وخوّلهم من آلائه بما لا يقوم بشكره أحد.
стр. 3152
وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة «١» لما شرحته من عدوان أهلها، وعدولهم عن طرق الخيرات وسبلها، واجترائهم في الطّغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها، واستعمالهم الظّلم تمرّدا، وتماديهم في الغيّ تباهيا في الباطل وغلوّا، يأسا من الجزاء لمّا استبطأوه، فإنّ من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق أن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية، كما أنه من كان من أهل السلامة، وسالكا سبيل الاستقامة؛ ومقبلا على صلاح شانه، وغير متعدّ للواجب في سرّه وإعلانه؛ تعيّن أن نوفّر من الرعاية سهمه، ونجزل من العناية نصيبه وقسمه، ويؤمّن مما يقلقه ويزعجه، ويقصد بما يسرّه ويبهجه، ويصان عن أن يناله مكروه، ويحمى من أذى يلمّ به ويعروه.
وأما شكرك لوزيرك الأمير تأييد الدولة وعضدها عزّ الملك وفخره نظام الرّياسة، أمير الأمراء، فإنّ من تهذّب بتهذيبك، وتخلّق بأخلاقك وتأدّب بتأديبك، لا ينكر منه إصابة المرامي، ولا يستغرب عنده نجح المساعي.
وواجب عليه أن لا يجعل قلبه إلا مثوى للنصائح، وأن لا يزال عمره بين غاد في المخالصة ورائح.
وأما المركب العروس ووصول كتاب وكيله ذاكرا ما اعتمده مقدّم أسطولك من صونه وحمايته، وحفظه ورعايته، وإعادة ما كان أخذ منه قبل المعرفة بأنه جار في الديوان الخاص الحافظي، ففعل يجمل عنك صدره، ويليق بك أن ينسب إليك ذكره وخبره، ويدلّ على علم أصحابك برأيك وإحكام معاقدة المودّة، ويعرب عن إيثارك إبرازها كلّما تقادم عهدها في ملابس بهجة مستجدّة، وهذا الفعل من خلائقك الرضية غير مستبدع، وقد ذخرت منه عند أمير المؤمنين ما حصل في أعز مقرّ وأكرم مستودع. لا جرم «٢» أن أوامره خرجت إلى مقدّمي
стр. 3153
أساطيله المظفّرة بما يجنيك ثمرة ما غرسته، ويعلي منار ثنائك الذي قرّرته على أقوى أصل وأسّسته، وقد نفذت مراسيمه بإجرائك على غلاتك المستمرّة في المسامحة بما وجب للديوان عما وصل برسمك على مراكبك، وبرسم الأمير تأييد الدولة وزيرك، والرسولين الواردين عن حق الورود إلى ثغر الإسكندرية حماه الله تعالى، ثم إلى مصر حرسها الله وحقّ الصدور عنهما، وكلّ ما يصل من جهتك فعلى هذه القضية.
وأما شكرك على الأسرى الذين أمر أمير المؤمنين بإطلاقهم إجابة لرغبتك، ورسم بتسييرهم إليك محافظة على مرادك وبغيتك، فأوزعنا شعارهم أنهم عتقاء شفاعتك، وأرقّاء منّتك، فذلك من الدلائل على ما ينطوي عليه من جميل الرأي وكريم النّية، ومن الشواهد بأنه يوجب لك ما لا يوجبه لأحد من ملوك النّصرانية،.
وأما سؤالك الآن في إطلاق من تجدّد أسره، وإنهاؤك أنّ ذلك مما يهمّك أمره، فقد شفّعك أمير المؤمنين بالإجابة إليك على ما ألف من كريم شيمته، وسيّر إليك مع رسولك من تضمّن الثبت ذكر عدّته، وقد علمت ما كان من أمر بهرام ووصوله إلى الدولة الفاطمية خلّد الله ملكها شريدا طريدا، قد نبت به أوطانه، وقذفته دياره، لا مال له ولا حال، ولا عشيرة ولا رجال، فقبلته أحسن قبول، وبلغت به في الإحسان ما يزيد على السّول، وغمرته من الإنعام ما يقصر عن اقتراحه كلّ أمل، وجعلته فواضلها يقلّب الطّرف بين الخيل والخول. وكانت أموره كلّ يوم في نموّ وزيادة، وأحواله توفي على البغية والإرادة، إلى أن جرت نوبة اقتضى التدبير في وقتها أن عدقت به الوزارة، ونيطت به السّفارة، فوسوس له خاطره ما زخرفه البطر وزيّنه، وصوّره الشيطان وحسّنه، وأظهر ما ظهرت أماراته، ووضحت أدلّته وعلاماته، فاستدعى قبيله وأسرته، وجنسه وعشيرته، بمكاتبات منه سرّيّة، وخطوط عثر عليها بالأرمنية، فكانوا يصلون أوّل أوّل، إلى أن اجتمع منهم عشرون ألف رجل من فارس وراجل، ومن جملتهم ابنا أخيه
стр. 3154
وغيرهما من أهله، فدلّوه بالغرور، وحملوه على ما قضى بالاستيحاش منه والنّفور، وقوّوا عزمه فيما يؤدّي إلى اضطراب الأحوال واختلال الأمور، فامتعض العساكر المنصورة مما أساء به سياستهم، وأبوا الصبر على ما غيّر به رسمهم وعادتهم. فلما رأى أمير المؤمنين ذلك استعظم الحال فيه، وتيقّن أن التغافل عنه يقتضي بما يعسر استدراكه وتلافيه، فكاتب وليّه وصفيّه الذي ربّي في حجر الخلافة، وسما به استحقاقه إلى أعلى درج الإنافة، وحصلت له الرياسة باكتسابه وانتسابه، وغدا النظر في أمور المملكة لا يصلح لغيره ولا يليق إلا به، السيد الأجلّ الأفضل، وهو يومئذ والي الأعمال الغربية. وصدرت كتب أمير المؤمنين تشعره بهذا الأمر الصّعب، وتستكشف به ما عرا الدولة من هذا الخطب، فأجاب دعاءه، ولبّى نداءه، وقام قيام مثله ممن أجزل الله حظّه من الإيمان، وجعله جلّ وعز حسنة هذا الزمان، واختصّه بعناية قويّة، وأمدّه بموادّ علويّة، وأيّده بإعانة سماويّة، تخرج عن الاستطاعة البشريّة. فجمع الناس وقام خطيبا فيهم، وباعثا لهم على ما يزلفهم عند الله ويحظيهم؛ وموضّحا لهم ما يخشى على الدولة من الأمر المنكر، فاجتمعوا إليه كاجتماعهم يوم المحشر، وغصّت النّجود والأغوار، وامتلأت السّهول والأوعار، وضاقت الأرض على سعتها بالخلائق، وارتفعت في توجّههم لطلب المذكور الأعذار والعوائق. ولم يبق فضاء إلّا وهو بهم شرق «١» ، ولا أحد إلا وهو منزعج بقصده وعلى تأخّر ذلك قلق. وكان بهرام وأصحابه بالإضافة إليهم كالشامة في اللّون البسيط، وكالقطرة في البحر المحيط، وساروا مع السيّد الأجلّ الأفضل نحوه مسارعين، وعلى الانقضاض عليهم متهافتين. فلما شعر بذلك لم يبق له قرار، ولاذ بالهرب والفرار، يهجر المناهل، ويطوي المراحل، ويرى الشّرود غنما، ويعدّ السّلامة حلما. واستقرّت وزارة أمير المؤمنين لهذا السيد الأجلّ الأفضل الذي لم تزل فيه راغبة، وله خاطبة، ونحو تولّيه إيّاها متطلّعة، وإلى نظره فيها مبادرة متسرّعة،
стр. 3155
ولم تنفكّ لزينة دستها مستبطئة، وفي التلهّف على تأخّر ذلك معيدة مبدئة، فأحسن إلى الكافّة قولا وفعلا، وعمل في حقّ الدولة ما لم يجعل له في الوزراء شبها ولا في الملوك العظماء مثلا، وغدا للملّة الحنيفيّة حجّة وبرهانا، وأولى الأولياء إعزازا وتكريما والأعداء إذلالا وإهوانا. وصان الخلافة عن نفاذ حيلة، وتمام غيلة، ومخادعة ماكر، ومخاتلة غادر؛ فلذلك انتضاه أمير المؤمنين حساما باترا ماضي الغرار، واجتباه هماما في المصالح لا يطعم جفنه غير الغرار، واصطفاه خليلا وظهيرا لتساوي باطنه وظاهره في الصّفاء، واستخلصه لنفسه لمفاخره الجمّة التي ليس بها من خفاء. وانتظمت الأمور بكفالته في سلك الوفاق، وعمّت الخيرات بوزارته عموم الشمس بأنوارها جميع الآفاق، فسعدت بنظره الجدود، وتظاهرت ببركاته الميامن والسّعود. وأصبح غصن المعالي بيمنه مورقا، وعلى الملّة من يمن آرائه تمائم من مسّ الحوادث ورقى، فآثاره توفي على ضياء الصّباح، وعزماته تزري بمضاء المهندة الصّفاح، ومآثره تفوت شأو الثناء وغاية الامتداح. فالله تعالى يحفظ النعمة على الخلافة الحافظيّة، ويوزع شكره على سبوغها كافّة البريّة؛ بكرمه وفضله، ومنّه وطوله.
ولما أمعن بهرام في الهرب، وجدّت العساكر المنصورة وراءه في الطّلب، وضاقت عليه المسالك، وتيقّن أنه في كل وجهة يقصدها هالك، عاد لمكارم الدولة وعواطفها، وسأل أمانا على نفسه من متالفها، فشملته الرحمة، وكتب له الأمان فعاودته النّعمة، واختلط برجال العساكر المنصورة، وصار حظّه بعد أن كان مبخوسا من الحظوظ الموفورة.
وأما اعتذار الكاتب عما وجّه إليه بأنّ من الكلام ما إذا نقل من لغة إلى لغة أخرى اضطرب مبناه فاختلّ معناه، ولا سيما إن غرس فيه لفظ ليس في إحدى اللّغتين سواه، فقد أبان فيما نسب إليه السهو فيه عن وضوح سببه، وقد قبل عذره ولم تفكّ يده عن التمسّك به.
وأما ما سيّرته إلى خزائن أمير المؤمنين تحفة وهديّة، وأبنت به عن همّة
следующие страницы →