← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

«من عبد الله ووليّه عبد المجيد أبي الميمون الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين، إلى الملك بجزيرة صقلّيّة، وأنكورية وأنطالية وقلّورية وسترلو وملف وما انضاف إلى ذلك، وفّقه الله في مقاصده! وأرشده إلى العمل بطاعته في مصادره وموارده. سلام على من اتّبع الهدى، وأمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النبيّين، وسيد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما. أما بعد، فإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين الكتاب الواصل من جهتك، ففضّ ختامه واجتلي، وقريء مضمونه وتلي، ووقعت الإصاخة إلى فصوله، وحصلت الإحاطة بجمله وتفاصيله. والإجابة تأتي على أجمعه، ولا تخلّ بشيء من مستودعه، أما ما افتتحته به من حمد الله تعالى على نعمه، وتوسيعك القول فيما أولاك من إحسانه وكرمه، فإنّ مواهب الله تعالى ومننه التي جعل تواليها اختبار شكر العبد وامتحانه على أنه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عليم، وهو القائل فيمن أثنى عليهم: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ «١» لا يزال مضاعفها ومرادفها، ومتبعا سالفها آنفها، وهو يوليها كلّا من عبيده بقدر منزلته عنده، ويخصّ أصفياءه بأوفى مما تمنّاه الآمل المبالغ وودّه. والله ﵎ يمنح أمير المؤمنين، وآباءه الأئمة الراشدين، ما غدت مستقدمات الحمد والشكر عند لوازمه مستأخرة، إذ كان أفردهم دون الخليقة بأن أعطاهم الدنيا ثم أعطاهم معها الآخرة، واختصّهم من حبائه «٢» بما لا يحصيه عدد، وخوّلهم من آلائه بما لا يقوم بشكره أحد.

стр. 3152

وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة «١» لما شرحته من عدوان أهلها، وعدولهم عن طرق الخيرات وسبلها، واجترائهم في الطّغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها، واستعمالهم الظّلم تمرّدا، وتماديهم في الغيّ تباهيا في الباطل وغلوّا، يأسا من الجزاء لمّا استبطأوه، فإنّ من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق أن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية، كما أنه من كان من أهل السلامة، وسالكا سبيل الاستقامة؛ ومقبلا على صلاح شانه، وغير متعدّ للواجب في سرّه وإعلانه؛ تعيّن أن نوفّر من الرعاية سهمه، ونجزل من العناية نصيبه وقسمه، ويؤمّن مما يقلقه ويزعجه، ويقصد بما يسرّه ويبهجه، ويصان عن أن يناله مكروه، ويحمى من أذى يلمّ به ويعروه. وأما شكرك لوزيرك الأمير تأييد الدولة وعضدها عزّ الملك وفخره نظام الرّياسة، أمير الأمراء، فإنّ من تهذّب بتهذيبك، وتخلّق بأخلاقك وتأدّب بتأديبك، لا ينكر منه إصابة المرامي، ولا يستغرب عنده نجح المساعي. وواجب عليه أن لا يجعل قلبه إلا مثوى للنصائح، وأن لا يزال عمره بين غاد في المخالصة ورائح. وأما المركب العروس ووصول كتاب وكيله ذاكرا ما اعتمده مقدّم أسطولك من صونه وحمايته، وحفظه ورعايته، وإعادة ما كان أخذ منه قبل المعرفة بأنه جار في الديوان الخاص الحافظي، ففعل يجمل عنك صدره، ويليق بك أن ينسب إليك ذكره وخبره، ويدلّ على علم أصحابك برأيك وإحكام معاقدة المودّة، ويعرب عن إيثارك إبرازها كلّما تقادم عهدها في ملابس بهجة مستجدّة، وهذا الفعل من خلائقك الرضية غير مستبدع، وقد ذخرت منه عند أمير المؤمنين ما حصل في أعز مقرّ وأكرم مستودع. لا جرم «٢» أن أوامره خرجت إلى مقدّمي

стр. 3153

أساطيله المظفّرة بما يجنيك ثمرة ما غرسته، ويعلي منار ثنائك الذي قرّرته على أقوى أصل وأسّسته، وقد نفذت مراسيمه بإجرائك على غلاتك المستمرّة في المسامحة بما وجب للديوان عما وصل برسمك على مراكبك، وبرسم الأمير تأييد الدولة وزيرك، والرسولين الواردين عن حق الورود إلى ثغر الإسكندرية حماه الله تعالى، ثم إلى مصر حرسها الله وحقّ الصدور عنهما، وكلّ ما يصل من جهتك فعلى هذه القضية. وأما شكرك على الأسرى الذين أمر أمير المؤمنين بإطلاقهم إجابة لرغبتك، ورسم بتسييرهم إليك محافظة على مرادك وبغيتك، فأوزعنا شعارهم أنهم عتقاء شفاعتك، وأرقّاء منّتك، فذلك من الدلائل على ما ينطوي عليه من جميل الرأي وكريم النّية، ومن الشواهد بأنه يوجب لك ما لا يوجبه لأحد من ملوك النّصرانية،. وأما سؤالك الآن في إطلاق من تجدّد أسره، وإنهاؤك أنّ ذلك مما يهمّك أمره، فقد شفّعك أمير المؤمنين بالإجابة إليك على ما ألف من كريم شيمته، وسيّر إليك مع رسولك من تضمّن الثبت ذكر عدّته، وقد علمت ما كان من أمر بهرام ووصوله إلى الدولة الفاطمية خلّد الله ملكها شريدا طريدا، قد نبت به أوطانه، وقذفته دياره، لا مال له ولا حال، ولا عشيرة ولا رجال، فقبلته أحسن قبول، وبلغت به في الإحسان ما يزيد على السّول، وغمرته من الإنعام ما يقصر عن اقتراحه كلّ أمل، وجعلته فواضلها يقلّب الطّرف بين الخيل والخول. وكانت أموره كلّ يوم في نموّ وزيادة، وأحواله توفي على البغية والإرادة، إلى أن جرت نوبة اقتضى التدبير في وقتها أن عدقت به الوزارة، ونيطت به السّفارة، فوسوس له خاطره ما زخرفه البطر وزيّنه، وصوّره الشيطان وحسّنه، وأظهر ما ظهرت أماراته، ووضحت أدلّته وعلاماته، فاستدعى قبيله وأسرته، وجنسه وعشيرته، بمكاتبات منه سرّيّة، وخطوط عثر عليها بالأرمنية، فكانوا يصلون أوّل أوّل، إلى أن اجتمع منهم عشرون ألف رجل من فارس وراجل، ومن جملتهم ابنا أخيه

стр. 3154

وغيرهما من أهله، فدلّوه بالغرور، وحملوه على ما قضى بالاستيحاش منه والنّفور، وقوّوا عزمه فيما يؤدّي إلى اضطراب الأحوال واختلال الأمور، فامتعض العساكر المنصورة مما أساء به سياستهم، وأبوا الصبر على ما غيّر به رسمهم وعادتهم. فلما رأى أمير المؤمنين ذلك استعظم الحال فيه، وتيقّن أن التغافل عنه يقتضي بما يعسر استدراكه وتلافيه، فكاتب وليّه وصفيّه الذي ربّي في حجر الخلافة، وسما به استحقاقه إلى أعلى درج الإنافة، وحصلت له الرياسة باكتسابه وانتسابه، وغدا النظر في أمور المملكة لا يصلح لغيره ولا يليق إلا به، السيد الأجلّ الأفضل، وهو يومئذ والي الأعمال الغربية. وصدرت كتب أمير المؤمنين تشعره بهذا الأمر الصّعب، وتستكشف به ما عرا الدولة من هذا الخطب، فأجاب دعاءه، ولبّى نداءه، وقام قيام مثله ممن أجزل الله حظّه من الإيمان، وجعله جلّ وعز حسنة هذا الزمان، واختصّه بعناية قويّة، وأمدّه بموادّ علويّة، وأيّده بإعانة سماويّة، تخرج عن الاستطاعة البشريّة. فجمع الناس وقام خطيبا فيهم، وباعثا لهم على ما يزلفهم عند الله ويحظيهم؛ وموضّحا لهم ما يخشى على الدولة من الأمر المنكر، فاجتمعوا إليه كاجتماعهم يوم المحشر، وغصّت النّجود والأغوار، وامتلأت السّهول والأوعار، وضاقت الأرض على سعتها بالخلائق، وارتفعت في توجّههم لطلب المذكور الأعذار والعوائق. ولم يبق فضاء إلّا وهو بهم شرق «١» ، ولا أحد إلا وهو منزعج بقصده وعلى تأخّر ذلك قلق. وكان بهرام وأصحابه بالإضافة إليهم كالشامة في اللّون البسيط، وكالقطرة في البحر المحيط، وساروا مع السيّد الأجلّ الأفضل نحوه مسارعين، وعلى الانقضاض عليهم متهافتين. فلما شعر بذلك لم يبق له قرار، ولاذ بالهرب والفرار، يهجر المناهل، ويطوي المراحل، ويرى الشّرود غنما، ويعدّ السّلامة حلما. واستقرّت وزارة أمير المؤمنين لهذا السيد الأجلّ الأفضل الذي لم تزل فيه راغبة، وله خاطبة، ونحو تولّيه إيّاها متطلّعة، وإلى نظره فيها مبادرة متسرّعة،

стр. 3155

ولم تنفكّ لزينة دستها مستبطئة، وفي التلهّف على تأخّر ذلك معيدة مبدئة، فأحسن إلى الكافّة قولا وفعلا، وعمل في حقّ الدولة ما لم يجعل له في الوزراء شبها ولا في الملوك العظماء مثلا، وغدا للملّة الحنيفيّة حجّة وبرهانا، وأولى الأولياء إعزازا وتكريما والأعداء إذلالا وإهوانا. وصان الخلافة عن نفاذ حيلة، وتمام غيلة، ومخادعة ماكر، ومخاتلة غادر؛ فلذلك انتضاه أمير المؤمنين حساما باترا ماضي الغرار، واجتباه هماما في المصالح لا يطعم جفنه غير الغرار، واصطفاه خليلا وظهيرا لتساوي باطنه وظاهره في الصّفاء، واستخلصه لنفسه لمفاخره الجمّة التي ليس بها من خفاء. وانتظمت الأمور بكفالته في سلك الوفاق، وعمّت الخيرات بوزارته عموم الشمس بأنوارها جميع الآفاق، فسعدت بنظره الجدود، وتظاهرت ببركاته الميامن والسّعود. وأصبح غصن المعالي بيمنه مورقا، وعلى الملّة من يمن آرائه تمائم من مسّ الحوادث ورقى، فآثاره توفي على ضياء الصّباح، وعزماته تزري بمضاء المهندة الصّفاح، ومآثره تفوت شأو الثناء وغاية الامتداح. فالله تعالى يحفظ النعمة على الخلافة الحافظيّة، ويوزع شكره على سبوغها كافّة البريّة؛ بكرمه وفضله، ومنّه وطوله. ولما أمعن بهرام في الهرب، وجدّت العساكر المنصورة وراءه في الطّلب، وضاقت عليه المسالك، وتيقّن أنه في كل وجهة يقصدها هالك، عاد لمكارم الدولة وعواطفها، وسأل أمانا على نفسه من متالفها، فشملته الرحمة، وكتب له الأمان فعاودته النّعمة، واختلط برجال العساكر المنصورة، وصار حظّه بعد أن كان مبخوسا من الحظوظ الموفورة. وأما اعتذار الكاتب عما وجّه إليه بأنّ من الكلام ما إذا نقل من لغة إلى لغة أخرى اضطرب مبناه فاختلّ معناه، ولا سيما إن غرس فيه لفظ ليس في إحدى اللّغتين سواه، فقد أبان فيما نسب إليه السهو فيه عن وضوح سببه، وقد قبل عذره ولم تفكّ يده عن التمسّك به. وأما ما سيّرته إلى خزائن أمير المؤمنين تحفة وهديّة، وأبنت به عن همّة

стр. 3156

بدواعي المجد مليّة، فإنه وصل وتسلّم كلّ صنف منه متولّي الخزائن المختصة به بعد عرضه على الثّبت المعطوف كتابك عليه وموافقته، وقد أجري رسولك في إكرامه وملاحظته على أفضل ما يعتمد مع مثله بمنزلة من ورد من جهته، وعلى قدر من وصل برسالته. وقد سيّر أمير المؤمنين من أمراء دولته، ووجوه المقدّمين بحضرته، الأمير المؤتمن، المنصور، المنتخب، مجد الخلافة، تاج المعالي، فخر الملك، موالي الدولة وشجاعها، ذا النّجابتين، خالصة أمير المؤمنين، أبا منصور جعفرا الحافظيّ رسولا بهذه الإجابة؛ لما هو معروف من سداده، وموصوب من مستوفق قصده ومستصوب اعتماده، وألقي إليه ما يذكره ويشرحه، وعوّل عليه فيما يشافه به ويوضّحه، وأصحبه من سجاياه وألطافه، ما تضمّنه الثبت الواصل على يده، إبانة لمحلّك عنده، وموقفك منه، ومكانك لديه. وأمير المؤمنين متطلّع إلى ورود كتبك متضمنة من سارّ أنبائك وطيب أخبارك ما يسكن إلى معرفته ويثق بعلم حقيقته. فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى.

стр. 3157

الفصل الثالث من باب الثاني من المقالة الرابعة (في المكاتبات الصادرة عن الملوك ومن في معناهم مما الجاري عليه الحال في زماننا، وهو على قسمين) القسم الأوّل (المكاتبات الصادرة عن الملوك إلى أهل الإسلام، وفيه أطراف) الطرف الأوّل (في مكاتباتهم إلى النبيّ ﷺ ، وفيه ثلاث جمل) الجملة الأولى (في ترتيب كتبهم إليه ﷺ على سبيل الإجمال) كانت أمراء سراياه ﷺ ومن أسلم من الملوك تفتتح المكاتبة إليه ﷺ باسمه ﷺ ، ويثنّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسّلام عليه ﷺ ، ويتخلّصون إلى المقصود «بأما بعد» أو بغيرها، ويختمون بالسلام. وملوك الكفر يبدأون بأنفسهم؛ وربما بدأوا باسمه ﷺ . وكان المكتوب عنه منهم يعبّر عن نفسه بلفظ الإفراد. مثل: أنا، ولي، وقلت، وفعلت. وربما عبّر بعض الملوك عن نفسه بنون الجمع. ثم إن كان المكتوب عنه مسلما، خاطبه ﷺ بلفظ الرّسالة والنّبوّة مع كاف الخطاب وتاء المخاطب؛ وإن كان كافرا، خاطبه بالكاف والتاء المذكورتين، وربما خاطبه باسمه. فإن كان المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام عليه ﷺ .

стр. 3158

أما عنونة هذه الكتب، فيظهر أنها إن افتتحت باسمه ﷺ ، وثنّي باسم المكتوب إليه عنونت كذلك، فكتب في الجانب الأيمن «لمحمد رسول الله» أو نحو ذلك، وفي الجانب الأيسر «من فلان» وإن كانت ممن يفتتح المكاتبة باسم نفسه عنونت على العكس من ذلك. الجملة الثانية (في صورة مكاتبتهم إليه ﷺ [وفيه أسلوبان: الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه) ] «١» كما كتب خالد بن الوليد ﵁ إليه ﷺ بإسلام بني الحارث، بالكتاب الذي تقدّمت إجابته ﷺ عنه، وهو على ما ذكره ابن هشام في «السّيرة» . «لمحمد النبيّ ﷺ رسول الله من خالد بن الوليد: السّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد يا رسول الله، صلّى الله عليك فإنّك بعثتني إلى بني الحارث ابن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيّام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم «٢» وعلّمتهم معالم الإسلام ثلاثة «٣» أيام وكتاب الله وسنّة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت إليهم «٤» فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة

стр. 3159

أيّام كما أمر «١» رسول الله ﷺ ، وبعثت فيهم كتابا «٢» : يا بني الحارث، أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمر الله به، وأنهاهم عمّا نهاهم الله عنه، وأعلّمهم معالم الإسلام وسنّة النبيّ حتّى يكتب إليّ رسول الله ﷺ . والسّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته!» . وكما كتب النجاشيّ ملك الحبشة إليه ﷺ في جواب كتابه ﷺ إليه. ونسخته على ما ذكره ابن إسحاق: «إلى محمد رسول الله، من النجاشيّ أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الذي لا إله إلا هو، الذي هداني للإسلام. أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله؛ فما ذكرت من أمر عيسى فوربّ السّماء والأرض إنّ عيسى ﵇ ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا «٣» ، إنه لكما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقدم ابن عمّك وأصحابه (وفي رواية: وقد قرّبنا ابن عمّك وأصحابه) وأشهد أنك رسول الله [صادقا مصدّقا] ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين. وقد بعثت إليك بابني، وإن شئت أتيك [بنفسي] «٤» فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أنّ ما تقوله حقّ، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» . وكما كتب المقوقس صاحب مصر إليه ﷺ جواب كتابه الوارد عليه منه في

стр. 3160

رواية ذكرها ابن عبد الحكم، وهو: «لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه. وقد علمت أنّ نبيّا قد بقي وكنت أظنّ أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسّلام عليك» . ولم يزد على هذا. وزاد غيره أنّ في أوّل الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذكر الواقديّ: أن في كتابه إليه: باسمك اللهم، من المقوقس إلى محمد. أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمته وأنت تقول إنّ الله أرسلك رسولا، وفضّلك تفضيلا، وأنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا عن خبرك فوجدناك أقرب داع دعا إلى الله، وأصدق من تكلّم بالصّدق، ولولا أنّي ملكت ملكا عظيما، لكنت أوّل من آمن بك، لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين. والسّلام عليك منّي إلى يوم الدّين. الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب عنه) كما كتب مسيلمة «١» الكذّاب إليه ﷺ الكتاب الذي تقدّمت إجابته ﷺ في المكاتبات الصادرة عنه، وهو: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله «٢» . أما بعد، فإنّي قد أشركت في الأمر معك، إنّ لنا نصف الأرض ولقريش

стр. 3161

نصف الأرض، ولكنّ قريشا قوم يعتدون» . الجملة الثالثة (في المكاتبات التي كتبت إليه قبل ظهوره ﷺ وبعد وفاته) أما الكتب التي كتبت إليه ﷺ قبل ظهوره، فقد حكى «صاحب الهناء الدائم بمولد أبي القاسم» أن تبّعا الأوّل حين مرّ بموضع المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام، أخبره من معه من علماء أهل الكتاب أنّ هذا الموضع مهاجر نبيّ يخرج في آخر الزمان، فعمر هناك مدينة وأسكن فيها جماعة من العلماء، وكتب إليه كتابا فيه: «أما بعد، يا محمد، فإنّي آمنت بك وبربّك وربّ كلّ شيء، وبكتابه الذي ينزله عليك وأنا على دينك، وسنّتك، آمنت بربّك وربّ كلّ شيء، وبكل ما جاء من ربّك من شرائع الإسلام والإيمان، وإني قلت ذلك، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع فيّ يوم القيامة ولا تنسني فإني من أمّتك الأوّلين، وتابعتك قبل مجيئك وقبل أن يرسلك الله، وأنا على ملّتك وملّة أبيك إبراهيم» «١» . وختم الكتاب. ونقش عليه «لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» . وكتب عنوانه: «إلى محمد بن عبد الله خاتم المرسلين ورسول رب العالمين صلّى الله عليه، من تبّع الأوّل حمير، أمانة الله في يد من وقع إليه أن يدفعه إلى صاحبه» . ودفعه إلى رئيس العلماء الذين رتّبهم بالمدينة، فبقي عنده وعند بنيه يتداولونه واحدا بعد واحد، حتّى هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، فلقيه الذي صار

стр. 3162

الكتاب إليه يومئذ من بني ذلك العالم في طريق المدينة ودفع إليه الكتاب. وأما الكتب التي تكتب إليه ﷺ بعد وفاته، فقد جرت عادة الأمّة من الملوك وغيرهم بكتابة الرسائل إليه ﷺ بعد وفاته بالسلام والتحيّة والتوسّل والتشفّع به إلى الله تعالى في المقاصد الدّنيويّة والأخرويّة، وتسييرها إلى تربته ﷺ . وأكثر الناس معاطاة لذلك أهل المغرب لبعد بلادهم، ونزوح أقطارهم. ومن أحسن ما رأيت في هذا المعنى ما كتب به ابن «١» الخطيب وزير ابن الأحمر بالأندلس وصاحب ديوان إنشائه عن سلطانه يوسف «٢» بن فرج بن نصر: (طويل) . إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمه ... كفاني وحسبي أن يهبّ نسيمه «٣» ويقنعني أنّي به متكيّف ... فزمزمه دمعي، وجسمي حطيمه «٤»

стр. 3163

يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا «١» ... فيقعده فوق الغضا ويقيمه ولم أر شيئا كالنّسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه نعلّل بالتّذكار نفسا مشوقة ... ندير عليها كأسه ونديمه «٢» وما شفّني بالغور رند «٣» مرنّح ... ولا شاقني من وحش وجرة ريمه ولا سهرت عيني لبرق ثنيّة ... من الثّغر يبدو موهنا فأشيمه براني شوق للنّبيّ محمد ... يسوم فؤادي برحه ما يسومه ألا يا رسول الله ناداك ضارع ... على البعد «٤» محفوظ الوداد سليمه مشوق إذا ما اللّيل مدّ رواقه ... تهمّ به تحت الظّلام همومه إذا ما حديث عنك جاءت به الصّبا ... شجاه من الشّوق الحديث «٥» قديمه أيجهر بالنّجوى، وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفى، وأنت عليمه «٦» ؟ وتعوزه السّقيا، وأنت غياثه؟ ... وتتلفه البلوى، وأنت رحيمه «٧» ؟ بنورك نور الله قد أشرق الهدى ... فأقماره وضّاحة ونجومه بك انهلّ فضل الله في الأرض ساكبا «٨» ... فأنواؤه ملتفّة وغيومه ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الّذي أوطاكها وكليمه «٩»

стр. 3164

لك الخلق الأرضى الّذي بان فضله ... ومجّد في الذّكر العظيم عظيمه «١» يجلّ مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر درّ القول فيك عديمه ولي يا رسول الله فيك وراثة ... ومجدك لا ينسى الذّمام كريمه «٢» وعندي إلى أنصار دينك نسبة ... هي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه وكان بودّي أن أزور مبوّءا ... بك افتخرت أطلاله ورسومه وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه ... ويعوزه من بعد ذاك مرومه وعذري في تسويف عزمي ظاهر ... إذا ضاق عذر العزم عمّن يلومه «٣» عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا «٤» ... جلالقة الثّغر الغريب ورومه أجاهد منهم في سبيلك أمّة ... هي البحر يعيي أمرها من يرومه «٥» فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى «٦» ... لريع حماه واستبيح حريمه فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته ... فمجدك موفور النّوال عميمه وأنت لنا الغيث الذي نستدرّه ... وأنت لنا الظّلّ الذي نستديمه ولمّا نأت داري وأعوز مطمعي ... وأقلقني شوق تشبّ جحيمه بعثت بها جهد المقلّ معوّلا ... على مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه «٧» [وكلت بها همّي وصدق قريحتي ... فساعدني هاء الرويّ وميمه «٨» ]

стр. 3165

فلا تنسني يا خير من وطيء الثّرى ... فمثلك لا ينسى لديه خديمه عليك صلاة الله ما ذرّ «١» شارق ... وما راق من وجه الصّباح وسيمه «٢» «إلى رسول الحقّ، إلى كافّة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز «٣» في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطّين والماء، شفيع أرباب الذّنوب، وطبيب أدواء القلوب، ووسيلة الخلق إلى «٤» علّام الغيوب، نبيّ الهدى الذي طهّر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربّه، وجرى في النّفوس مجرى الأنفاس حبّه، [الشّفيع] «٥» المشفّع يوم العرض، المحمود في ملإ السماء والأرض، صاحب اللّواء المنشور يوم النّشور، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظّلمات إلى النّور، المؤيّد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظّه من عنايته وحرمته «٦» ، الظّلّ الخفّاق على أمّته، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا، أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة الكون ومعناه وسرّ الوجود الذي بهر «٧» الوجود سناه، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ونزل فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى «٨» من الأنوار من عنصر نوره مستمدّة، والآثار تخلق وآثاره مستجدّة، من طوي بساط الوحي لفقده، وسدّ باب الرسالة والنّبوّة من بعده، وأوتي جوامع الكلم فوقفت

стр. 3166

البلغاء حسرى دون حدّه، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تحيّيه «١» وفودها وتزوره، وأخبرت الكتب المنزّلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، وأخذ عهد الأنبياء «٢» به على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذي «٣» المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحسّ، وأقرّ بها الجنّ والإنس، من جماد يتكلّم، وجذع لفراقه يتألّم، وقمر له ينشقّ وشجر «٤» يشهد أنّ ما جاء به هو الحقّ، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من بين أصابعه يتبجّس، وغمام باستسقائه يصوب، وطوى بصق في أجاجها «٥» فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب، المسمّى بالحاشر العاقب، ذي «٦» المجد البعيد المرامي والمراقب، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب، ونجحت لديه قربة البعيد «٧» والمقترب، سيد الرّسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتّباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ﷺ ما لمع برق وهمع «٨» ودق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس: «من عتيق شفاعته، وعبد طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلّما تألّم، المفتتح بالصلاة عليه كلّما تكلّم، الذي إن ذكر

стр. 3167

تمثّل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هبّ النّسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكّر صوت بلاله «١» ، وإن ذكر القرآن استشعر تردّد جبريل بين معاهده وحلاله، [لاثم تربه، ومؤمّل قربه، ورهين طاعته وحبّه] «٢» المتوسل به إلى رضى ربه، يوسف بن إسماعيل بن نصر: «كتبته «٣» يا رسول الله والدّمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلّما نقص الصّبر، وانكسار لا يتاح له إلا بدنوّ مزارك الجبر، وكيف لا يعنى مشوقك بالأمر، ويوطيء «٤» على كبده الجمر، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربتك «٥» المقدّسة اللّحد. ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرّفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما رحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنّواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح؛ فيا لها من معاهد فاز من حيّاها، ومشاهد ما أعطر ريّاها، بلاد نيطت بها عليك التّمائم، وأشرقت بنورك منها النّجود والتّهائم، ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسّور، ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت وافتتحت سورة الوحي وختمت، وابتدئت الملّة الحنيفيّة وتمّمت، ونسخت الآيات وأحكمت. أما والذي بعثك بالحقّ هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا، لا يطفيء غلّتي إلا شربك، ولا يسكّن لوعتي إلا قربك؛ فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك وأصبح بعد أداء ما فرضت

стр. 3168

عن الله ضيف كرمك، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك! وإنّي لمّا عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك، وعدتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك وأصبحت ما بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه في طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصّبر نفوسهم، وجعلوا التوكّل على الله وعليك لبوسهم «١» ، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله تعالى ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، ويتلفّتون والمخاوف يمنى «٢» ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوّ كالذّرّ عند انتشاره معشار معشاره «٣» ، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدّنيا، لأن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلا عنك «٤» ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع وصبية حمر الحواصل، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطّى ومدّ «٥» ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السّماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشديد فالتقى الماء، ولم يبق إلا الذّماء «٦» ، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظّنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتّى تكاد تراه» العيون، إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله تعالى وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل

стр. 3169

الله وسبيلك البيض «١» والسّمر. استنبت «٢» رقعتي هذه لتطير إليك [من شوقي «٣» ] بجناح خافق، وتسعد من نيّتي التي تصحبها برفيق موافق، فتؤدّي عن عبدك وتبلّغ، وتعفّر الخدّ في تربتك «٤» وتمرّغ، وتطيب بريّا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخشوع «٥» والخضوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملّق، عند التشبّث بأسبابك والتعلّق، منكسرة الطّرف، حذرا بهرجها من عدم الصّرف: يا غياث الأمّة، وغمام الرحمة، إرحم غربتي وانقطاعي، وتغمّد بطولك قصر باعي، وقوّ على هيبتك خور طباعي. فكم جزت من لجّ مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجّل بالرّضا إجابتي. ومعلوم من كمال تلك الشّيم، وسجايا تيك الدّيم، أن لا تخيّب «٦» قصد من حطّ بفنائها، ولا يظمأ وارد أكبّ على إنائها. اللهم، يا من جعلته أوّل الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصّورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملّكت أمّته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمّته المجبولة على حبّه المفطورة، وشوّقتني إلى معاهده المبرورة، ومشاهده المزورة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغّبتني بالتماس ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي، ولا تحرمني «٧» في حبّه أجر ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي.

стр. 3170

هذه، يا رسول الله، وسيلة من بعدت داره، وشطّ مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم يكن «١» للقبول أهلا فأنت للإغضاء والسّماح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإذا «٢» كان الحبّ يتوارث كما أخبرت، والعروق تدسّ حسب ما إليه أشرت؛ فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزيّة، ووسيلة أثيرة خفيّة، وإن «٣» لم يكن لي عمل ترتضيه فلي نيّة. فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك، على أيدي خيار أمّتك، فإنما نحن بها وديعة تحت بعض أقفالك، نعوذ بوجه ربّك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من نور «٤» محيّا قبولك لمحة، ندافع بها عدوّا طغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى. فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وورّخ، والبحر قد أصمت من استصرخ، والطاغية في العدوان مستبصر، والعدوّ محلّق والوليّ مقصّر. وبجاهك ندفع ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربّك فينا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا «٥» ، وطوائف أمتك حيث كانوا عناية منك تكفيهم، وربّك يقول لك وقوله الحقّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٦» ، والصلاة والسّلام عليك يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلّى الله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحقّ لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمتك، وفاروقك المستخلف بعده على جلّتك، وصهرك ذي النّورين المخصوص ببرّك ونحلتك، وابن عمك سيفك المسلول على حلتك،

стр. 3171

بدر سمائك ووالد أهلّتك، والسلام الكريم عليك وعليهم [كثيرا أثيرا «١» ] ورحمة الله وبركاته. من «٢» حضرة جزيرة الأندلس غرناطة صانها الله ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها. الطرف الثاني (في المكاتبات الصادرة عن الأمراء من العمّال وأمراء السّرايا، إلى الخلفاء من الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه جملتان) الجملة الأولى (في ترتيب هذه المكاتبات على سبيل الإجمال) كانت المكاتبة إليهم تفتتح تارة بلفظ «من فلان إلى فلان» ويؤتى في الصدر بالسلام والتحميد على نحو ما تقدّم في المكاتبة عن الخلفاء. ويقع التخلّص إلى المقصود ب «أما بعد» وتارة يقع الافتتاح ب «أما بعد» ويؤتى بالمقصود تلو ذلك، ويعبّر المكتوب عنه فيها عن نفسه بلفظ الإفراد، وعن الخليفة بأمير المؤمنين، وتختم بالسلام على أمير المؤمنين. الجملة الثانية (في صورة هذه المكاتبات، وهي على أسلوبين كما تقدّمت الإشارة إليه) الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «لفلان من فلان» ) وكان الرسم فيها أن يكتب: «لعبد الله فلان أمير المؤمنين، سلام عليك

стр. 3172

فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو أما بعد فإنّ كذا» . كما كتب عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في جواب الكتاب منه إليه المقدّم ذكره في المكاتبة عن الخلفاء من الصحابة، وهو: «لعبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنه أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه فاشية مال فشا لي، وإنه يعرفني قبل ذلك ولا مال لي، وإني أعلم أمير المؤمنين أني ببلد السعر فيه رخيص، وأنّي أعالج من الزّراعة ما يعالجه الناس، وفي رزق أمير المؤمنين سعة. وو الله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك، فأقصر أيّها الرجل فإنّ لنا أحسابا هي خير من العمل لك، إن رجعنا إليها عشنا بها!. ولعمري إنّ عندك من لا يذمّ معيشة ولا تذمّ له، فإن كان ذلك فلم يفتح قفلك ولم يشركك في عملك؟ الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» ويتوصّل منه إلى المقصود) كما كتب المغيرة «١» بن شعبة إلى معاوية- وهو على بعض أعماله- يستعفيه عن العمل. أما بعد، فقد كبر سنّي ورقّ عظمي واقترب أجلي وسفّهني سفهاء قريش، فرأي أمير المؤمنين في عمله.

стр. 3173

الطرف الثالث (في المكاتبات الصادرة عن الأمراء من العمّال، وأمراء السّرايا أيضا إلى خلفاء بني أميّة، وهي في ترتيبها على ما تقدّم في المكاتبات إلى الخلفاء من الصحابة ﵃. وهي على أسلوبين) الأسلوب الأول (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان» على نحو ما تقدّم في المكاتبة عنهم إلى الخلفاء من الصحابة مع زيادة الدّعاء بطول البقاء) كما كتب الحجاج «١» بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان في جواب كتابه «٢» الوارد عليه منه، في توبيخه له بسبب تعرّضه لأنس بن مالك ﵁ على ما تقدّم ذكره. «لعبد «٣» الله عبد الملك أمير المؤمنين، [أصلح الله] «٤» أمير المؤمنين وأبقاه، وسهّل حظّه وحاطه ولا عدمناه، فقد وصلني كتاب أمير المؤمنين- أطال الله بقاه، وجعلني من كل مكروه فداه- يذكر شتمي «٥» وتوبيخي بآبائي،

стр. 3174

وتعييري بما كان قبل [نزول النّعمة بي «١» ] من عند أمير المؤمنين أتمّ الله نعمته عليه، وإحسانه إليه. ويذكر أمير «٢» المؤمنين استطالة مني على أنس بن مالك، وأمير المؤمنين أحقّ من أقال عثرتي، وعفا عن ذنبي، وأمهلني «٣» ولم يعجلني عند هفوتي، للّذي جبل عليه من كريم طبائعه، وما قلّده الله من أمور عباده. فرأي أمير المؤمنين- أصلحه الله- في تسكين روعتي، وإفراج كربتي، فقد ملئت رعبا وفرقا من سطواته، وقحمات «٤» نقماته. وأمير المؤمنين- أقاله الله العثرات، وتجاوز له عن السيّئات، وضاعف له الحسنات، وأعلى له الدّرجات- أحقّ من صفح وعفا، وتغمّد وأبقى، ولم يشمت بي عدوّا مكبّا، ولا حسودا مضبّا، ولم يجرّ عني غصصا. والذي وصف أمير المؤمنين من صنيعته «٥» إليّ، وتنويهه لي «٦» بما أسند إليّ من عمله وأوطأني من رقاب رعيّته، فصادق فيه مجزيّ عليه «٧» بالشكر، والتوسّل منّي إليه بالولاية، والتقرّب له بالكفاية. وقد خضعت عند كتاب أمير المؤمنين، فإن رأى «٨» [أمير المؤمنين «٩» ]- طوّقني الله

стр. 3175

بشكره «١» ، وأعانني على تأدية حقّه، وبلّغني إلى ما فيه موافقة مرضاته، ومدّ لي في أجله- أن يأمر بالكتاب إليّ من رضاه «٢» ، وسلامة صدره، ما «٣» يؤمّنني به من سفك دمي، ويردّ ما شرد من نومي، ويطمئنّ به قلبي فعل «٤» ، فقد ورد عليّ أمر جليل خطبه، عظيم أمره، شديد كربه. أسأل الله أن لا يسخط أمير المؤمنين عليّ، وأن ينيله «٥» في حزمه وعزمه، وسياسته وفراسته، ومواليه وحشمه، وعمّاله وصنائعه، ما يحمد به حسن رأيه [وبعد همّته] «٦» . إنه وليّ أمير المؤمنين، والذابّ عن سلطانه، والصانع له في أمره، والسّلام. الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» ويتوصّل منه إلى المقصود) كما كتب عبد الله بن عمر ﵄ إلى عبد الملك بن مروان في خلافته: أما بعد، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر. سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأمرني بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنّة نبيّه فيما استطعت.

стр. 3176

الطّرف الرابع (في المكاتبات الصادرة عن الملوك ومن في معناهم إلى خلفاء بني العباس، وفيها جملتان) الجملة الأولى (في المكاتبات العامّة من الملوك إلى الخلفاء، ولها حالتان) الحالة الأولى (ما كان الأمر عليه في ابتداء دولة بني العباس وأوساطها) أما ابتداء دولتهم، فكان الأمر فيه على ما تقدّم في مكاتبات العمّال ونحوهم إلى خلفاء بني أميّة، وقد تقدّم تمثيله. إلا أنه زيد فيه في صدور المكاتبات سؤال الصلاة على النبيّ ﷺ من حين رتّبه المأمون في صدور الكتب، وتكنية الخليفة من حين أحدثه الأمين في كتبه على ما تقدّم بيانه في المكاتبات عن الخلفاء فيما سلف. وأما أوساط دولتهم من حين ظهور ملوك بني بويه وغلبتهم على الأمر، فللكتّاب فيه أسلوبان: الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «لفلان من فلان» وتصدّر بالسلام والتحميد وسؤال الصلاة على النبيّ ﷺ ، ويتخلص إلى المقصود بأما بعد) والرسم فيه على ما ذكره قدامة في كتاب الخراج أن يكتب: «لعبد الله فلان أبي فلان- باسمه وكنيته ونعته- أمير المؤمنين، سلام على أمير المؤمنين، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ﷺ . أما بعد، أطال الله بقاء أمير المؤمنين وأدام عزّه وتأييده وكرامته وحراسته،

стр. 3177

وأتم نعمته عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضله عنده وجميل بلائه لديه، وجزيل عطائه له» . وزاد في «صناعة الكتّاب» في السّلام «ورحمة الله وبركاته» . قال في «صناعة الكتاب» : ثم يقال: أما بعد فقد كان كذا وكذا، حتّى يأتي على المعاني التي يحتاج إليها. وتكون المكاتبة:- وقد فعل عبد أمير المؤمنين كذا- فإن زادت حاله لم يقل عبد أمير المؤمنين، فإذا بلغ إلى الدعاء ترك فضاء وكتب: أتمّ الله على أمير المؤمنين نعمته وهناءه وكرامته، وألبسه عفوه وعافيته وأمنه وسلامته، والسّلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وكتب يوم كذا وكذا من شهر كذا من سنة كذا. وقال الفضل «١» بن سهل: يدعى للخليفة: أما بعد، أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزّه وتأييده، وأتمّ نعمته وسعادته وتوفيقه، وزاد في إحسانه إليه ومواهبه له. ولا يكتب إليه «وجعلني فداه» ويكون أوّل فصوله: أخبر أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- أن كذا وكذا. ثم يوالي الفصول ب «أيده الله وأدام عزه» . ونحو هذا. وإن شئت كتبت: أما بعد، أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزّه وتأييده وكرامته، وأتمّ نعمته عليه، وزاد فيها عنده وحاطه وكفاه، وتولّى له ما ولّاه. وإن شئت كتبت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في العزّ والسّلامة، وأدام كرامته في السّعادة والزّيادة، وأتمّ نعمته في السّبوغ والغبطة، وأصلحه وأصلح

стр. 3178

على يديه ونصره، وكان له في الأمور كلّها وليّا وحافظا. وإن شئت كتبت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أعزّ العزّ، وأدوم الكرامة والسّرور والغبطة، وأتمّ نعمه في علوّ من الدرجة، وشرف من الفضيلة، ومتابع من العائدة، ووهب له السلامة والعافية في الدنيا والآخرة. والذي كانت عليه قاعدة ملوك بني بويه فمن بعدهم إن كان الكتاب في معنى حدوث نعمة من فتح ونحوه، أتي بعد ذلك بالتحميد ما بين مرّة واحدة إلى ثلاث مرّات. ويعبّر المكتوب عنه عن نفسه بلفظ الإفراد، وعن الخليفة بأمير المؤمنين، ويختم الكتاب بالإنهاء وما في معناه. وهذه نسخة كتاب كتب به أبو إسحاق «١» الصابي عن عز الدولة بن بويه إلى المطيع «٢» لله عند فتحه الموصل، وهزيمة أبي تغلب بن حمدان صاحب حلب في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وهي لعبد الله الفضل [الإمام] «٣» المطيع لله أمير المؤمنين، من عبده وصنيعته «٤» عزّ الدولة ابن معزّ الدولة مولى أمير المؤمنين. سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله، فإنّي أحمد إلى أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم. أما بعد- أطال الله بقاء «٥» أمير المؤمنين وأدام له العزّ والتأييد، والتوفيق والتّسديد، والعلوّ والقدرة، والظّهور والنّصرة- فالحمد لله العليّ العظيم، الأزليّ

стр. 3179

القديم، المتفرّد بالكبرياء والملكوت، المتوحّد بالعظمة والجبروت، الذي لا تحدّه الصّفات، ولا تحوزه الجهات، ولا تحصره قرارة مكان، ولا يغيّره مرور زمان، ولا تتمثّله «١» العيون بنواظرها، ولا تتخيّله القلوب بخواطرها، فاطر السموات وما تظلّ، وخالق الأرض وما تقلّ، الذي دلّ بلطيف صنعته، على جليل حكمته، وبيّن بجليّ برهانه، عن خفيّ وجدانه، واستغنى بالقدرة عن الأعوان، واستعلى بالعزّة عن الأقران، البعيد عن كلّ معادل ومضارع، الممتنع على كلّ مطاول ومقارع، الدائم الذي لا يزول ولا يحول، العادل الذي لا يظلم ولا يجور، الكريم الذي لا يضنّ ولا يبخل، الحليم الذي لا يعجل ولا يجهل. ذلكم الله ربّكم لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدّين، منزل الرحمة على كلّ وليّ توكّل عليه، وفوّض إليه، وأتمر لأوامره، وازدجر بزواجره، ومحلّ النّقمة بكلّ عدوّ صدّ عن سبيله وسننه، وصدف عن فرائضه وسننه، وحادّه في مكسب يده ومسعاة قدمه، وخائنة عينه وخافية صدره، وهو راتع رتعة النّعم السائمة، في أكلاء النّعم السابغة، وجاهل «٢» جهلها بشكر آلائها، ذاهل ذهولها عن طرق استبقائها، فلا يلبث أن ينزع سرابيلها صاغرا، ويتعرّى منها حاسرا، ويجعل الله كيده في تضليل، ويورده شرّ المورد الوبيل إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ «٣» ولا يهدي كيد الخائنين. والحمد لله الذي اصطفى للنّبوة أحقّ عباده بحمل أعبائها، وارتداء ردائها، «محمدا» صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وعظّم خطره وكرّم، فصدع بالرسالة، وبالغ في الدّلالة، ودعا إلى الهداية، ونجّى «٤» من الغواية، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم، إلى طاعة الرحمن الرحيم، وأعلقهم بحبائل

стр. 3180

خالقهم ورازقهم، وعصمة محييهم ومميتهم، بعد انتحال الأكاذيب والأباطيل، واستشعار المحالات والأضاليل، والتهوّك «١» في الاعتقادات الذائدة عن النّعيم، السائقة إلى العذاب الأليم، فصلّى الله عليه من ناطق بالحق، ومنقذ «٢» للخلق، وناصح للرّبّ، ومؤدّ للفرض، صلاة زاكية نامية، رائحة غادية، تزيد على اختلاف الليل والنّهار، وتعاقب الأعوام والأدوار. والحمد لله الذي انتجب «٣» أمير المؤمنين [أطال الله بقاءه] «٤» من ذلك السّنخ «٥» الشريف، والعنصر المنيف، والعترة الثابت أصلها، الممتدّ ظلّها، الطّيب جناها، الممنوع حماها، وحاز له مواريث آبائه الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين، واختصّه من بينهم بتطاول أمد الخلافة واستحصاف حبلها في يده، ووفّقه لإصابة الغرض من كل مرمى يرميه، ومقصد ينتحيه، وهو- جل ثناؤه- الحقيق بإتمام ذلك عليه، والزيادة فيه لديه. وأحمده سبحانه حمدا أبتدئه ثم أعيده، وأكرّره وأستزيده، على أن أهّل ركن الدولة أبا عليّ، وعضد الدولة أبا شجاع مولى أمير المؤمنين، وأهّلني للأثرة عنده التي بذذنا «٦» فيها الأكفاء، وفتنا فيها القرناء، وتقطّعت دونها أنفاس المنافسين، وتضرّمت عليها أحشاء الحاسدين. وأن أولاني في كل مغزى في خدمة أمير المؤمنين أغزوه، ومنحى أنحوه، وثأي أرأبه، وشعث ألمّه، وعدوّ أرغمه، وزائغ أقوّمه، أفضل ما أولاه عباده السليمة غيوبهم، النقيّة جيوبهم، المأمونة ضمائرهم، المشحوذة بصائرهم، من تمكين يد، وتثبيت قدم، ونصرة راية، وإعلاء كلمة، وتقريب

стр. 3181

بغية، وإنالة أمنيّة، وكذلك يكون من إلى [ولاء] «١» أمير المؤمنين اعتزاؤه، وبشعاره اعتزازه، وعن زناده قدحه، وفي طاعته كدحه، والله وليّ [بإدامة «٢» ] ما خوّلنيه من هذه المنقبة، وسوّغنيه من هذه الموهبة، وأن يتوجّه أمير المؤمنين في جميع خدمه الذابّين عن حوزته، المنتمين إلى دعوته، بيمن الطائر، وسعادة الطالع، ونجاح المطلب، وإدراك الأرب، وفي أعدائه الغامطين لنعمته، الناقضين مواثيق بيعته، بإضراع الخدّ، وإتعاس الجدّ «٣» ، وإخفاق الأمل، وإحباط العمل، بقدرته. ولم يزل مولانا أمير المؤمنين [أطال الله بقاءه «٤» ] ينكر قديما من فضل الله بن ناصر الدولة أحوالا حقيقا مثلها بالإنكار، مستحقّا من ارتكبها الإعراض، وأنا أذهب في حفظ غيبه، وإجمال محضره، وتمحّل حججه وتلفيقها، وتأليف معاذيره وتنميقها، مذهبي الذي أعمّ به كلّ من جرى مجراه من ناشيء في دولته، ومغتذ بنعمته، ومنتسب إلى ولايته، ومشتهر بصنيعته، وأقدر أن أستصلحه لأمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- وأصلحه لنفسه بالتوقيف على مسالك الرّشاد، ومناهج السّداد، وهو يريني أن قد قبل وارعوى، وأبصر واهتدى، حتّى رغبت إلى أمير المؤمنين «٥» فيما شفّعني متفضّلا فيه، من تقليده أعمال أبيه، والقناعة منه في الضّمان بميسور بذله، وإيثاره «٦» به على من هو فوقه من كبراء إخوته وأهله. فلما بلغ هذه الحال، ألطّ «٧» بالمال، وخاس بالعهد، وطرّق لفسخ

стр. 3182

العقد، وأجرى إليّ «١» أمورا كرهتها، ونفد «٢» الصبر منّي عليها. وخفت أن أستمرّ على الإغضاء عنها والمسامحة فيها، فيطّلع الله مني على إضاعة الاحتياط في أمر قلّدني أمير المؤمنين «٣» زمامه، وضمّنني دركه، وإرخاء لبب «٤» رجل قبل «٥» في الاعتماد عليه رأيي، وعوّل في أخذه بما يلزمه على نظري واستيفائي- فتناولته بأطراف العذل ملوّحا، ثمّ بأثباجه «٦» مفصحا مصرّحا. ورسمت لعبد أمير المؤمنين الناصح أبي طاهر أن يجدّ به وبوسطائه وسفرائه في حال، ويدخل عليه من طريق المشورة والرّفق في أخرى، ويتنقّل معه بين الخشونة التي يقفو فيها أثري، واللّين الذي لا يجوز أن يحسّه مني، تقديرا لانثنائه، وزوال التوائه، ففعل ذلك على رسمه في التأنّي لكلّ فاسد حتى يصلح، ولكلّ آب حتّى يسمح، ولم يدع التناهي في وعظه، والتّمادي في نصحه وتعريفه سوء عاقبة اللّجاج، ومغبّة الإحراج، وهو يزيد طمعا في الأموال وشرها، وعمى في الرأي وعمها، إلى أن كاد أمرنا معه يخرج عن حدّ الانتظار، إلى حدّ الرضا بالإصرار، فاستأنفت ادّراع الحزم، وامتطاء العزم، ونهضت إلى أعمال الموصل وعندي أنه يغنيني عن الإتمام، ويتلقّاني بالإعتاب «٧» وينقاد إلى المراد، ويتجنّب طرق العناد. فحين عرف خبر مسيري، وجدّي فيه وتشميري، برز بروز المكاشف، وتجرّد تجرّد المواقع المواقف، وهو مع ذلك إذا ازددت منه قربا، ازداد منّي

стр. 3183

رعبا، وإذا دلفت إليه ذراعا، نكص عنّي باعا. وتوافت إلى حضرتي وجوه القبائل من عقيل وشيبان وغيرهما في الجمع الكثيف من صعاليكهما، والعدد الكثير من صناديدهما، داخلين في الطاعة، متصرّفين في عوارض الخدمة. فلما شارفت الحديثة «١» ، انتقضت عزائم صبره، وتقوّضت دعائم أمره، وبطلت أمانيّه ووساوسه، واضمحلّت خواطره وهواجسه، واضطرب عليه من ثقاته وغلمانه من كان بهم يعتضد، وعليهم يعتمد، وبدأوا بخذلانه والأخذ لنفوسهم، ومفارقته والطّلب بحظوظهم، وحصل «٢» منهم بحضرتي إلى هذه الغاية زهاء خمسمائة رجل ذوي خيل مختارة، وأسلحة شاكية، فصادفوا عندي ما أمّلوا من فائض الإحسان، وغامر الامتنان، وذكروا عمّن وراءهم من نظرائهم التنزّي «٣» إلى الانجذاب، والحرص على الاستئمان، وأنهم يردون ولا يتأخّرون، ويبادرون ولا يتلوّمون. ولمّا رأى ذلك، لم يملك نفسه أن مضى هاربا على طريق سنجار «٤» ، منكشفا عن هذه الدّيار، قانعا من تلك الآمال الخائبة، والظّنون الكاذبة، بسلامة حشاشة هي رهينة غيّها، وصريعة بغيها. وكان انهزامه بعد أن فعل الفعل السّخيف، وكادنا الكيد الضّعيف، بأن

стр. 3184

أغرق «١» سفن الموصل وعروبها «٢» ، وأحرق جسرها «٣» واستذمّ «٤» إلى أهلها، وتزوّد منهم اللعن المطيف به أين يمّم، الكائن معه حيث خيّم. ودخلتها يومي هذا- أيّد الله أمير المؤمنين- دخول الغانم الظافر، المستعلي الظاهر، فسكّنت نفوس سكّانها، وشرحت صدور قطّانها، وأعلمتهم ما أمرني به أمير المؤمنين-[أدام الله عزّه] «٥» وأعلى الله أمره- من تأنيس وحشتهم، ونظم ألفتهم، وضمّ نشرهم، ولمّ شعثهم، وإجمال السّيرة فيهم في ضروب معاملاتهم وعلقهم، وصنوف متصرّفاتهم ومعايشهم، فكثر منهم الثناء والدعاء، والله سامع ما رفعوا، ومجيب ما سألوا. وأجلت حال هذا الجاهل- أيّد الله أمير المؤمنين- عن أقبح هزيمة، وأذلّ هضيمة، وأسوإ رأي، وأنكر اختيار؛ لأنه لم يلقني لقاء الباخع بالطاعة، المعتذر من سالف التفريط والإضاعة، ولا لقاء المصدّق لدعواه في الاستقلال بالمقارعة، المحقّق لزعمه في الثبات للمدافعة، ولا كان في هذين الأمرين بالبرّ التّقيّ، ولا الفاجر الغويّ «٦» ، بل جمع بين نقيصة شقاقه وغدره، وفضيحة جبنه وخوره، متنكّبا «٧» للصّلاح، عادلا عن الصّواب، قد ذهب عنه الرّشاد، وضربت بينه وبينه الأسداد، وأنزله الله منزلة مثله ممّن أساء حفظ الوديعة، وجوار الصّنيعة، واستوجب نزعهما منه وتحويلهما عنه. وتأمّلت- أيّد الله مولانا أمير المؤمنين- أمره بالتّجريب، وتصفّحته على

стр. 3185

التقليب، فإذا هو الرجل الذي أطاع أبوه فيه هوى أمّه «١» ، وعصى دواعي رأيه وحزمه، وقدّمه من ولده على من هو آنس رشدا، وأكبر سنّا، وأثبت جأشا، وأجرأ جنانا، وأشجع قلبا، وأوسع صدرا، وأجدر بمخايل النّجابة، وشمائل اللّبابة. فلما اجتمعت له أسباب القدرة والثّروة، وأمكنته مناهز الغرّة والفرصة، وثب عليه وثبة السّرحان «٢» ، في ثلّة «٣» الضّان، وجزاه جزاء أمّ عامر «٤» لمجيرها، إذ فرته بأنيابها وأظافيرها؛ واجتمع وأخوه من الأمّ، المرتضع معه لبان الإثم، المكنّى أبا البركات- وليس بأب لها، ولا حريّ بشيء منها- على أن نشزا عنه وعقّاه، وقبضا عليه وأوثقاه، وأقرّاه من قلعتهما «٥» بحيث تقرّ العتاة، وتعاقب الجناة، ثم أتبعا ذلك باستحلال دمه، وإفاضة مهجته، غير راعيين فيه حقّ الأبوّة، ولا حانيين عليه حنوّ البنوّة، ولا متذمّمين من الإقدام على مثله ممن

стр. 3186

تقدّمت عند سلطانه قدمه «١» ، وتوكّدت أواصره وعصمه، ولا راحمين له من ضعف شيخوخته، وذهل «٢» كبرته، ولا مصغيين إلى وصيّة الله إيّاهما به، التي نصّها في محكم كتابه، وكرّرها في آيه وبيناته إذ يقول: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ «٣» وإذ يقول: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٤» . فبأيّ وجه يلقى الله قاتل والد حدب «٥» قد أمر أن لا ينهره؟ وبأيّ لسان ينطق يوم يسأل عما استجازه فيه وفعله؟ وتالله «٦» ! لو أنّ بمكانه عدوّا لهما قد قارضهما الذّحول «٧» ، وقارعهما عن النّفوس، لقبح بهما أن يلؤما ذلك اللّؤم عند الظّفر به، وأن يركبا تلك الخطّة الشّنعاء في الأخذ بناصيته، ولم يرض «فضل الله» بما أتاه إليه حتّى استوفى حدود قطع الرّحم، بأن تتبّع «٨» أكابر إخوته السالكين خلاف سبيله، المتبرّئين إلى الله من عظيم ما اكتسب، ووخيم ما احتقب، لمّا غضبوا لأبيهم، وامتعضوا من المستحلّ فيه وفيهم، فقبض على محمد بن ناصر الدولة حيلة وغيلة، وغدرا ومكيدة، ونابذ حمدان بن ناصر الدولة منابذة خار «٩» الله له فيها، بأن أصاره من فناء أمير المؤمنين «١٠» إلى

стр. 3187

الجانب العزيز، والحرز الحريز، وأن أجرى الله «١» على يده الحرب الواقعة بينه وبين المعروف بكنيته أبي البركات، التي لقّاه الله فيها نحسه، وأتلف نفسه، وصرعه بعقوقه وبغيه، وقنّعه بعاره وخزيه. وهو مع ذلك لا يتّعظ، ولا ينزع «٢» ولا يقلع ولا يزدجر، إصرارا على الجرائر التي الله عنها حسيبه، وبها طليبه، والدّنيا والآخرة مرصدتان له بالجزاء المحقوق عليه، والعقاب المسوق إليه. وأعظم من هذا كلّه- أيد الله أمير المؤمنين- خطبا، وأوعر مسلكا ولحبا «٣» ، أنّ من شرائط العهد الذي كان عهد إليه، والعقد الذي عقد له، والضّمان المخفّف مبلغه عنه، المأخوذ عفوه منه، أن يتناهى في ضبط الثغور وجهاد الرّوم وحفظ الأطارف، ورمّ الأكناف، فما وفى بشيء من ذلك، بل عدل عنه إلى الاستئثار بالأموال واقتطاعها، وإحرازها في مكامنها وقلاعها، والضّنّ بها دون الإخراج في وجوهها، والوضع لها في حقوقها، وأن تراخى في أمر عظيم الرّوم مهملا، واطّرح الفكر فيه مغفلا، حتّى هجم في الديار، وأثّر الآثار، ونكى القلوب، وأبكى العيون، وصدع الأكباد، وأحرّ الصّدور، فما كان عنده فيه ما يكون عند المسلم القاريء لكتاب الله إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٤» بل صدف عن ذكر الله لاهيا، وعدل عن كتابه ساهيا، واستفسخه ذلك البيع والعقد، وتنجّزه الوعيد لا الوعد، ولاطف طاغية الرّوم وهاداه، وماره «٥» وأعطاه، وصانعه بمال المسلمين الذي

стр. 3188

يلزمه- إن سلّم دينه وصحّ يقينه- أن ينفقه في مرابطهم «١» ، ويذبّ به عن حريمهم، لا أن يعكسه عن جهته، ويلفته عن وجهته، بالنّقل «٢» إلى عدوّهم، وإدخال الوهن بذلك عليهم. وقاد إليه من الخيل العتاق ما هو الآن عون للكفر «٣» على الإيمان، ونجدة للطاغية على السّلطان. وكان فيما أتحفه به الخمر التي حظر الله عليه أن يشربها ويسقيها، وتعبّده «٤» بأن يجتنبها ويجتويها «٥» ، وصلبان ذهب صاغها له وتقرّب بها إليه تقرّبا قد باعده الله فيه عن الإصابة والأصالة، وأدناه من الجهالة والضّلالة، حتّى كأنه عامل من عمّاله أو «٦» بطريق من بطارقته. فأمّا فشله عن مكافحته، ولهجه بملاطفته، فضدّ الذي أمره الله به في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ «٧» . وأما نقله «٨» ما نقل من الخيل من ديار المسلمين إلى ديار أعدائهم، فنقيض قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ «٩» . وأما إهداؤه الخمر والصّلبان، فخلاف عليه تبارك «١٠» اسمه، إذ يقول:

стр. 3189

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١» كلّ ذلك عنادا لرب العالمين، وطمسا لأعلام الدّين، وضنّا بما يحامي عليه من ذلك الحطام، المجموع من الحرام، المثمّر من الآثام، المقتطع من فيء الإسلام، وقد فعل الآن بي وبالعساكر التي معي ومن نضمّ «٢» من أولياء أمير المؤمنين «٣» الذين هم إخوته وصحبه- إن كان مؤمنا وأنصاره وحزبه- إن كان موقنا، من توعير المسالك وتغريق العروب، وتضييق الأقوات، واستهلاك الأزواد، ليوصّل إلينا الضّرّ، ويلحق بنا الجهد، فعل العدوّ المبين، المخالف في الدّين، فهل يجتمع [في أحد من المساوي- أيّد الله أمير المؤمنين- ما اجتمع] «٤» في هذا النادّ العاند، والشاذّ الشارد؟، وهل يطمع من مثله في حق يقضيه، أو فرض يؤدّيه، أو عهد يرعاه، أو ذمام يحفظه، وهو لله عاص، ولإمامه مخالف، ولوالده قاتل، ولرحمه قاطع؟ كلّا والله! بل هو الحقيق بأن تثنى إليه الأعنّة، وتشرع نحوه الأسنّة، وتنصب له الأرصاد، وتشحذ له السّيوف الحداد، ليقطع الله بها دابره، ويجبّ غاربه، ويصرعه مصرع الأثيم المليم، المستحقّ للعذاب الأليم، أو يفيء «٥» إلى الحق، إفاءة «٦» الداخل فيه بعد خروجه، العائد إليه بعد مروقه، التائب المنيب، النازع المستقيل، فيكون حكمه شبيها بحكم الراجع عن الرّدّة، المحمول على ظاهر الشريعة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فالحمد لله الذي هدانا لمراشدنا، ووقف بنا على السبيل المنجية لنا،

стр. 3190

والمقاصد المفضية إلى رضاه، البعيدة من «١» سطاه. والحمد لله الذي أعز أمير المؤمنين بالنصر، وأعطاه لواء القهر، وجعل أولياءه العالين الظاهرين، وأعداءه السافلين الهابطين، وهنّأه الله هذا الفتح ولا أخلاه من أشكال له تقفوه وتتبعه، وأمثال تتلوه وتشفعه، واصلا فيها إلى ما وصل فيه إليه من حيازته مهنّأ، لم يسفك فيه دم، ولم ينتهك محرم، ولم ينل جهد، ولم يمسس نصب. أنهيت إلى أمير المؤمنين «٢» ذلك، ليضيف صنع الله له فيه، إلى السالف من عوارفه عنده وأياديه، وليجدّد من شكره جلّ وعلا، ما يكون داعيا إلى الإدامة والمزيد، مقتضيا «٣» للعون والتأييد، إن شاء الله تعالى. [وكتب يوم الجمعة لتسع ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وثلاثمائة] «٤» . الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي للخليفة والحال على كذا وكذا» ويدعى للخليفة بطول البقاء في أثناء ذلك، ويعبّر الملك المكتوب عنه عن نفسه بلفظ الإفراد مع التصدير بالعبودية، ويخاطب الخليفة بأمير المؤمنين ويختم بالدعاء ونحوه) كما كتب أبو الفرج «٥» الببّغا عن السلطان أبي تغلب بن ناصر الدّولة أحد
следующие страницы →