← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

أوصاف حسنه، ويعرب عن الفرس والسيف والرمح بأطيب لحن في نصبه وجرّه ورفعه. صدرت إلى المقام العالي أعزّ الله جانبه تصل بوداده، وتصف حبّا علق بفؤاده؛ وتعرّض ببرحاء يمنيّة أحلام الكرى طمعا أن يرى طيفه في رقاده. وتبدي أن كتابه الكريم ورد جالبا لدرّ مننه، جالبا لليمن من يمنه، نافحا بالطّيب من عدنه، ناقدا من قوّة السيوف بما لا يدّعيه ابن ذي يزنه؛ فتؤمّل ما حوى من كرم لا يجارى، ونعم تملأ البرّ برّا والبحار بحارا؛ وأبدع في الهبة التي قدر «١» مهديها، وقدّر فيها من التّحف ما لا يوجد إلا فيها؛ وجاء بكلّ ما يستعين به المرابط، وتهتزّ به الخزائن والمرابط؛ وتفتخر من الرّماح بكل معتدل قاسط، وبما يردي العدا من أسنّته بكلّ نجم هابط. كم لها من فعل جميل لا يشارك، وكم قال طعين: إنّ لها كعبا مدوّرا وما قدر الطاعن أن يقول إلا أنها كعب مبارك. ومن السّيوف بما لا يطبع النهر في نصله، ولا يطمع البرق في مناضلة مثله، ولا يطمح الهلال أن يستقيم على شكله؛ كم أخمدت أنفاسا ولها التهاب، ولمعت من نواحي الغمود كما نصلت أنمل من خضاب. ومن الخيل بما ترقص في أعنّتها، وتفتخر على البدور بأنها تدوس على أهلّتها: من كلّ أشهب «٢» يحسن ابتدارا، ويحسب قمرا قد تكمّل إبدارا، ويطلع في كلّ ناحية نهارا جهارا. وأدهم «٣» قد غصب الظلام، واستدارت غرّته فأسفر وجهه تحت برقع من لئام. وأحوى «٤» أخضر الجلدة من بيت للعرب، قد حوى من الروض ما سلب. وكميت «٥» ينضو النقع وهو سبوق، وتقدّم في ميادينه

стр. 3677

فجاء مضمّخا بالخلوق. وأشقر قد كشف البرق عذاره، وأطار الرّكض منه شراره؛ ومعها كلّ فيل كأنّه غمام تبدّى، أو ملك مفدّى، بخرطوم يرتدّ كالصّولجان، ويمتدّ كالأفعوان، ويهول منظره كأنه من تمام الخلق بنيان، ويتحرّك فتحسبه كمّ راقصة تشير به إلى النّدمان؛ تقشعرّ منها الجلود، وتقتل نفسها بنيران الحقد محافظة على عهود الهنود؛ كم أحسنت بخراطيمها لها من صدورها الضيّقة مخرجا، وأضاءت فروجها بين أنيابها طرّة صبح تحت أذيال الدّجى؛ وزرافة، لها إنافة، كأنّها شفق بينه نجوم، أو بروق تكلّلت بقطر الغيوم؛ لها في المدخل على القلوب حذاقة، وولوج من باب ودخول من طاقة. وحمارة وحشيّة جاءت بوصف الرّبيع في اعتدال الليل والنّهار، وجمعت الهالات والأقمار، ودلّت على أصل كريم تفتّحت في فروعه الأزهار، وحكت بخطوطها الدّوح مما تراكم ظلّه فأظلم وانفرج فأنار. ونمر يؤلف على نفاره، ويسبح ليله في أنهار نهاره؛ يتدفّق في مثل أنبوب القناة المضطمر «١» ، ويصدّق من شبّه ركود الرّبا على الرّمال بقطعة من جلدة النّمر. وقطّ الزّباد «٢» الذي لا تحكيه الأسود في صورها، ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه «٣» الطيّب في سررها؛ كم تنقّل في بيوت وطابت موطنا، ومشى من دار أصحابه فقالوا: ربّنا عجّل لنا قطّنا؛ وكذلك من الطّيب، ما يطيب، وما يزور بنفحه الحبيب؛ قد بعث أكبره، وأفاد أكثره، واستخدم المتنعّمون به صندله وكافوره وعنبره. وغير هذه الأنواع مما جاد بإرساله، وأتى من كلّ بديع به وبأمثاله؛ فقوبلت بالقبول هذه التّحف، وأكرمت إكرام من لها عرف و [بها] اعترف؛ وحمد سحابه الذي تسرّعت مواطره، وبعثت من طرفها بالروض وما تنوء عنه أزاهره، وشرعت بما اتّصلت بمصر أوائله وباليمن أواخره؛ والله تعالى يشكر هممه التي تعالت، وشيمه العلويّة التي لأجلها المحامد قد توالت. وقد جهّزنا له

стр. 3678

من التّحف المنعم بها ما أمكن تعجيل حمله، وجرت عوائد ملوك الأقاليم بالتشريف من خزائننا العالية بمثله؛ وحمّلنا رسله من السلام ما تعبق به الفجاج، وتعذب به البحار وهي ملح أجاج. والمراد منه أن يواصل بمكاتباته التي تتناوب الصّدور، وتنوب عن لمحة البدور، وتؤوب بما تقدم به من السرور؛ والله تعالى يديم لسلطانه التأييد، ولملكه التأييد، ولاقتداره ما به تعزّ تعزّ «١» وتميد زبيد «٢» . إن شاء الله تعالى. فائدة- المكاتبة إلى صاحب اليمن عن وليّ العهد بالسلطنة كالمكاتبة إليه عن السلطان نفسه في جميع المكاتبة على السّواء. وعلى ذلك كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن «الأشرف خليل ابن قلاوون» قرين كتاب أبيه المنصور قلاوون إلى صاحب اليمن، بالبشرى بفتح طرابلس. وهذه نسخته: أعزّ الله تعالى نصرة المقام! وأوفد عليه كلّ بشرى أحسن من أختها، وكلّ تهنئة لا يجلّيها إلا هو لوقتها؛ وكلّ مبهجة يعجز البنان والبيان عن ثبتها ونعتها، وتتبلّج فتودّ الدّرر والدّراريّ لو رقت هذه إلى ترقّيها وسمت هذه إلى سمتها. وصبّحه منها بكل هاتفة أسمع من هواتف الحمائم، وبكل عارفة أسرع من عوارف الزّهر عند عزائم النّسائم؛ وبكلّ عاطفة أعنّة الإتحاف بالإيجاف الذي شكرت الصّفاح منه أعظم قادر والصحائف أكرم قادم؛ والغزو الذي لا يخصّ تهامة ببشراه بل جميع النّجود والتّهائم، وذوي الصّورام والصّرائم «٣» ، وأولي القوى والقوائم، وكلّ ثغر عن ابتهاج الإسلام باسم، وكلّ برّ برّ بتوصيل ما ترتّب عليه من ملاحم؛

стр. 3679

وكلّ بحر عذب يمون كلّ غاز لا يحبس عن جهاد الكفّار في عقر الدّار الشّكائم، وكلّ بحر ملح كم تغيّظ من مجاورة أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم. المملوك يخدم خدمة يقتفي فيها أثر والده، ويجري في تجميلها على أجمل عوائده، ويستفتح فيها استفتاحا تحفّ به من هنا ومن هنا تحف محامده، ويصف ولاء قد جعله الله أجمل عقوده وأكمل عقائده؛ ويشفعها بإخلاص قد جعله ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده؛ ويطلع علمه على أن من سجايا المتعرّضين إلى الإعلان بشكر الله تعالى في كلّ ما يعرض للمسلمين من نصر، ويفترض لهم من أجر غزو كم قعد عنه ملك فيما مضى من عصر؛ أن يقدروا هذه النعمة حقّ قدرها من التحدّث بنعمتها، والتنبيه بسماع نغمتها، وإرسال أعنّة الأقلام بها في ميادين الطّروس، وإدارة حرباء وصف حرّ حرب (؟) إلى مواجهة خير الشّموس. ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد خلّد الله سلطانه قد أصبحت ذكرى للبشر، ومواقفه للنصركم جاءت هي والقدر على قدر؛ وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو في الأسمار، وهذه جادّة تستطيب منها حسن الحدو السّفّار؛ فكم قاتلت من يليها من الكفّار، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار. ولمّا أذلّ الله ببأسها طوائف التّتار في أقاصي بلاد العجم، وجعل حظّ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجوههم الوجم؛ وأخلى الله من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم، وقصّرت بهم هممهم حتّى صاروا يخافون الصّبح إذا هجم، والظّنّ إذا رجم؛ وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض لأجنح من خوفه وما احتجم. وأباد الله الأرمن فحل بالنّبيل منهم الويل، وما شمّر أحد من الجنود الإسلاميّة عن ساعد إلا وشمّر هو من الذّلّ الذيل؛ ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنّوه مساء قد أقبل أو ليل، وانتهت نوبة

стр. 3680

القتل بهم والإسار إلى التكفور ليفون «١» ملك الأرمن الذي كان يحمي سرحهم، ويمرّد صرحهم، ويستنطق هتف التّتار ويسترجع صدحهم؛ وتعتزّ طرابلس الشام بأنّه خال ابرنسها «٢» الكافر، ولسان شورته السّفير ووجه تدبيره السّافر. وطالما غرّ وأغرى، وأجرّ وأجرى وضرّ وأضرى؛ فلما توكّل مولانا السلطان وعزم فتوكّل، وتحقّق أنّ البلاء به قد نزل وما تشكّك أنّ ذلك في ذهن القدر قد تصوّر وتشكّل؛ وأنّ يومه في الفتك سيكون أعظم من أمنيّته، وأعظم منهما معاداة غده، وأنّ نصر الله لن يخلفه صادق وعده؛ أكل يده ندامة على ما فرّط في جنب الله وساق الحتف لنفسه بيده، فعمر الله بروحه الخبيثة الدّرك الأسفل من النار، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لهما غير الملك من خمّار. وكانت طرابلس هي ضالّة الإسلام الشّريدة، وإحدى آبقاته «٣» من الأعوام العديدة؛ وكلما مرّت شمخت بأنفها، وتأنّقت في تحسين منازه منازهها وتزيين ريحانها وعصفها «٤» ، ومرّت وهي لا تغازل ملكا بطرفها، وكلّما تقادم عهدها تكثّرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها إذ البحر لها جلباب والسّحاب لها خمار، وليس لها من البرّ إلا بمقدار ساحة الباب من الدار؛ كأنها في سيف ذلك البحر جبل قد انحطّ، أو ميل استواء قد خرج عن الخطّ، وما قصد أحد شطّها بنكاية إلّا شطّ واشتطّ. قدّر الله تعالى أن صرف مولانا السلطان إليها العنان، وسبق جيشه إليها كلّ خبر و «ليس الخبر كالعيان» ، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد حرسته عيونها وتلك المخاوف كلّها أمان، وقد اتّخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمدّ عنان؛ وفي خدمته جنود لا تستبعد مفازه، وكم راحت

стр. 3681

وغدت وفي نفسها للأعداء حزازه؛ فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجانا لها صاغتها الثّلوج، ومعارج لا مرافق بها غير الرياح الهوج؛ وانحطّت تلك الجيوش من تلك الجنادل، انحطاط الأجادل؛ واندفعوا في تلك الأوعار، اندفاع الأوعال؛ ولم يحفل أحد منهم بسرب لاصق، ولا جبل شاهق؛ فقال: أهذا منخفض أو عال، وشرعوا في التحصيل لما يوهي ذلك التحصين، وابتنى كلّ سورا أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرّصين؛ فما لبثوا إلا بمقدار ما قيل لهم دونكم والاختطاب، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب؛ حتّى جرّوها بأسرع من جرّ النّفس، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا: السّفينة لا تجري على يبس؛ وفي الحال نقلت إليها فرأوا من متوقّلها من يمشي بها على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، ووجّهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عين إلا وكان قدّامها منها إصبع؛ وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق والحجارة من الأسوار، فكم ثقبت ونقبت عن فلذة كبدها، عن «١» وأوقدت نيران المكايد ثمّ فكم حولها من صافن ومن صافر، وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر؛ وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاق، على أهل النّفاق، وأكابرهم تساق، أرواحهم الخبيثة إلى السّاق. وكان أهل عكّا قد أنجدوهم من البحر بكل برّ، ورموا الإسلام بكل شرر وبكل شرّ؛ فصار السهم الذي يخرج بها لا يخرج إلا مقترنا بسهام، وشرفات ذلك الثغر كالثّنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفترّ عن ابتسام. وما زالت جنود الإسلام كذلك، ومولانا السلطان لا ترى جماعة مقدمة ولا متقدّمة إلا وهو يرى بين أولئك. واستمرّ ذلك من مستهلّ ربيع الأوّل إلى رابع ربيع الآخر، فزحف إليها في بكرة ذلك النهار وهو الثّلاثاء زحفا يقتحم كلّ هضبة ووهدة، وكلّ صلبة وصلدة؛ حتّى أنجز الله وعده، وفتحها المسلمون مجازا وفي

стр. 3682

الحقيقة فتحها وحده؛ وطلعت سناجق الإسلام الصّفر على أسوارها، ودخلت عليهم من أقطارها، وجاست الكسابة إلى ديارها؛ فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكا، وما كان يكون له في فتحها شريك وقد نفى عنها شركا؛ وكلّما قيل هذه طرابلس فتحت قال النصر لمن قتل فيها من النّجد الواصلة: وأكثر عكّا وأهل عكّا؛ وأعاد الله تعالى بها قوّة الكفر أنكاثا، فكان أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم ثلاثا، واستردّت في يوم الثّلاثا. ولما عمّت هذه البشائر، وكل بها مولانا السلطان إلى من يستجلي حسان هذه العرائس، ويستحلي نفيس هذه النّفائس. سيّر مولانا السلطان إلى المولى كلّ بشرى تقعقع بها البريد، لتتلى بأمره على كلّ من ألقى السمع وهو شهيد؛ وكما عمّ السرور بذلك كلّ قريب قصد أن يعمّ الهناء كلّ بعيد. وأصدر المملوك هذه الخدمة يتجرّب بين يديه نجواها، ويتوثّب بعد هذه الفاتحة المباركة لكلّ سانحة يحسن لدى المولى مستقرّها ومثواها؛ لا برح المقام العالي يستبشر لكماة الإسلام بكلّ فضل وبكل نعمى، ويفرح بسرح الكفر إذا انتهك وبسفح الملك إذا يحمى، وبسمع الشّرك إذا يصمّ وبقلبه إذا يصمى؛ والله الموفق. الجملة الثانية (في المكاتبات إلى عرب البحرين ومن انضاف إليهم) قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية أنّ بلاد البحرين لم تزل بيد العرب، وأنها صارت الآن بيد بني عقيل- بضم العين- من بني عامر بن صعصعة، من هوازن، من قيس عيلان، من العدنانية. قال في «التعريف» : ومنهم قوم يصلون إلى باب السلطان وصول التّجّار، يجلبون جياد الخيل وكرام المهاري واللّؤلؤ وأمتعة من أمتعة العراق والهند، ويرجعون بأنواع الحباء والإنعام والقماش والسّكّر وغير ذلك؛ ويكتب لهم بالمسامحة فيردون

стр. 3683

ويصدرون. قال: وبلادهم بلاد زرع وضرع، وبرّ وبحر، ولهم متاجر مربحة، وواصلهم إلى الهند لا ينقطع، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، ولهم قصور مبنيّة، وآطام عليّة، وريف غير متّسع، إلى ما لهم من النّعم والماشية، والحاشية والغاشية؛ إلا أنّ الكلمة قد صارت بينهم شتّى، والجماعة متفرّقة. وقد سبق الكلام على بلادهم مستوفى في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إلى كبرائهم «الساميّ» بالياء. والعلامة الشريفة «أخوه» ثم ما دون ذلك لمن دونهم. واعلم أنه في «التثقيف» قد جمع بين عرب البحرين وعرب البصرة وما والى ذلك، وجعل المكاتبة إليهم على ثلاث مراتب. المرتبة الأولى- من يكتب إليه «الساميّ» بالياء والعلامة الاسم، وذكر أنّ بها يكاتب أميرهم، وسماه حينئذ «صدقة بن إبراهيم بن أبي دلف» وأن تعريفه فلان بن فلان. وذكر في رتبته في المكاتبة يومئذ محمد بن مانع، وأخوه حسين بن مانع، وعليّ بن منصور. المرتبة الثانية- من يكتب إليه «الساميّ» بغير ياء والعلامة الاسم. وذكر منهم بدران بن مانع- روميّ بن أبي دلف- زين بن قاسم- يوسف بن قاسم، سعيد بن معدي- راشد بن مانع- عيسى بن عرفة- ظالم بن مجاشع- إسماعيل ابن صواري- كلبي بن ماجد بن بدران- مانع بن عليّ- مانع بن بدران. المرتبة الثالثة- من يكتب إليه «مجلس الأمير» والعلامة الاسم. وعدّ منهم جماعة، وهم عظيم بن حسن بن مانع- موسى بن أبي الحسن- سعد بن مغامس- زيد بن مانع- هلال بن يحيى- معمر بن مانع- محمد بن خليفة. قلت: وحاصل ما ذكره في «التعريف» و «التثقيف» أنّ جملة المكاتبة إليهم لا تجاوز المراتب الثلاث المذكورة، والكاتب يستخبر أخبارهم في المقدار، وينزل كلّ واحد منهم على قدر مرتبته من ذلك كما في الأسماء المتقدّمة الذكر.

стр. 3684

المهيع الرابع (في المكاتبة إلى صاحب الهند والسّند) وقد ذكر في «التعريف» أن صاحبه في زمانه كان اسمه أبا المجاهد محمد بن طغلقشاه «١» ثم قال: وهو أعظم ملوك الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وبرّا وبحرا، وسهلا وقفرا؛ وأن سمته في بلاده «الإسكندر الثاني» ثم قال: وتالله إنه يستحقّ أن يسمّى بذلك ويوسم به: لاتّساع بلاده، وكثرة أعداده، وغزر أمداده؛ وشرف منابت أرضه، ووفور معادنه، وما تنبته أرضه، ويخرجه بحره. ويجبى إليه، ويرد من التّجّار عليه. وأهل بلاده أمم لا تحصى، وطوائف لا تعدّ. ثم حكى عن قوم ثقات منهم قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ الحنفيّ، وهو يومئذ مدرّس البيدمريّة بالقاهرة، والتاج البزّي، والشيخ مبارك الأنبايتيّ: أن عسكر

стр. 3685

هذا السلطان نحو التسعمائة ألف فارس، وعنده زهاء ألفي فيل يقاتل عليها، وخلق من العبيد تقاتل رجّالة مع سعة الملك والحال، وكثرة الدّخل والمال، وشرف النّفس والإباء، مع الاتّضاع للعلماء والصّلحاء؛ وكثرة الإنفاق، وعميم الإطلاق؛ ومعاملة الله تعالى بالصّدقة، وإخراج الكفاية للمرتزقة؛ بمرتّبات دائمة، وإدرارات متّصلة؛ بعد أن حكى عن رسوليه دميرخوان «١» وافتخار ما قال: إنه لو سكنت النفوس إلى براءتهما من التعصب [فيه] لحكى منه العجائب، وحدّث عنه بالغرائب؛ ثم ذكر أنه أرسل مرّة مالا برسم الحرمين وبيت المقدس، وهدية للسلطان تزيد على ألف ألف دينار؛ فقطع عليها الطريق باليمن، وقتل محضرها بأيدي مماليك صاحب اليمن، لأمر بيّت بليل؛ ثم قتل قاتلوه، وأخذ أهل اليمن المال وأكلوه؛ وكتب عن السلطان إلى صاحب اليمن في هذا كتاب منه «وقد عددت عليه فعلته» وقيل فيه: «وفعل ما لا يليق، وأمسى وهو يعدّ من الملوك فأصبح يعدّ من قطّاع الطريق» . وقد سبق في الكلام على المسالك والممالك من عظيم هذه المملكة وعظم قدر رجالها ما فيه كفاية عن الإعادة. قال في «التعريف» : ورسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار المقدّم ذكرهم، في هيئة الكتاب وما يكتب به والطّغراة والخطبة. وألقابه «المقام الأشرف، العالي، المولويّ، السلطانيّ، الأعظميّ، الشاهنشاهيّ، العالميّ، المجاهديّ، المرابطيّ، المثاغريّ، المظفّريّ، المؤيّديّ، المنصوريّ، إسكندر الزمان، سلطان الأوان، منبع الكرم والإحسان، المعفّي على ملوك آل ساسان، وبقايا أفراسياب وخاقان، ملك البسيطة، سلطان الإسلام، غياث الأنام؛ أوحد الملوك والسلاطين» ويدعى له. قال: ولم يكتب إليه في ذلك الوقت لقب ينسب إلى الخلافة نحو «خليل أمير المؤمنين» وما يجري هذا المجرى، إذ كان قد بلغنا أنه يربأ بنفسه إلى أن يدّعى الخلافة، ويرى له فضل الإنافة.

стр. 3686

قلت: مقتضى ما ذكره في «التعريف» حيث قال: إن رسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار في هيئة الكتاب وما يكتب به، والطّغراة والخطبة، أن المكاتبة إليه تفتتح بخطبة مبتدأة ب «الحمد لله» كما تقدّم في افتتاح المكاتبات إلى القانات. والذي ذكره في «التثقيف» أن المكاتبة إليه تكون في قطع البغداديّ الكامل بالذهب والأسود، كما جرت العادة به، يعني في كتب القانات، إلا أنه جعل رسم المكاتبة إليه: «أعزّ الله تعالى أنصار المقام، العالي، السلطانيّ، العالميّ، العادليّ، الملكيّ، الفلانيّ» . ثم قال: وهذه الألقاب سطران كاملان وبينهما بيت العلامة على العادة، وبعد السطرين المذكورين في الجانب الأيمن من غير بياض «أبو المجاهد محمد ابن السلطان طغلقشاه زيدت عظمته» . ولا يذكر لقبه. والدعاء، والعلامة «أخوه» . وتعريفه «صاحب الهند» . وقد رأيت تصويره في بعض الدساتير على هذه الصورة: أعز الله تعالى أنصار المقام العالي بيت العلامة السلطانيّ، العالميّ، العادليّ، الملكيّ، الفلانيّ قال في «التعريف» : والعنوان جميعه بالذهب وهو سطران، وتعريفه «صاحب الهند» . وبقية الكتاب بالسواد والذهب أسوة القانات؛ وبه يشعر كلام «التعريف» فيما تقدّم. وهذا دعاء معطوف وصدر يليق به، ذكره في «التعريف» وهو: ولا زال سلطانه للأعداء مبيرا، وزمانه بما يقضي به من خلود ملكه خبيرا، وشأنه وإن عظم يتدفّق بحرا ويرسي ثبيرا «١» ، ومكانه- وإن جلّ أن يجلببه مسكيّ الليل- يملأ الأرجاء أرجا والوجود عبيرا، وإمكانه يستكين له الإسكندر خاضعا وإن جاز نعيما جمّا وملكا كبيرا، ولا برحت الملوك بولائه تتشّرف، وبآلائه

стр. 3687

تتعرّف، وبما تطبع مهابته من البيض ببيض الهند في المهج تتصرّف. المملوك يخدم بدعاء يحلّق الله إلى أفقه، [ويحلّ العلياء والمجرّة في طرقه] «١» ، ويهدي منه ما يعتدل به التاج فوق مفرقة، ويعتدّ له النّجم ولا يثنيه إلّا وسادة تحت مرفقة؛ ويسمو إلى مقام جلاله ولا يسأم من دعاء الخير، ولا يملّ له إذا ملّت النجوم عن السّير؛ ولا يزال يصف ملكه المحمّديّ بأكثر مما وصف به الملك السليماني، وقد قال: وأوتينا من كلّ شيء، وعلّمنا منطق الطير. قلت: وهذا الدعاء المعطوف مما يؤكد ابتداء المكاتبة بالدعاء، خلافا لما تقدّم أنه مقتضى تصوير كلامه في «التعريف» . واعلم أنّ في هذه المكاتبة على ما ذكره في «التعريف» شيئين قد خالف فيهما قاعدة المكاتبات عن الأبواب السلطانية. أحدهما- إتيانه في «التعريف» في ألقابه بالمولويّ. والثاني- قوله في الصدر المتقدّم الذكر «المملوك يخدم» . فقد ذكر صاحب «التعريف» في كتابه «عرف التعريف» «٢» : أن السلطان لا يكتب عنه في العلامة «المملوك» وإنما خالف القاعدة في ذلك هنا تعظيما لمقام المكتوب إليه وإعلاء لرتبته، حيث قال في أوّل كلامه: إنه أعظم ملوك الأرض على ما تقدّم ذكره، فعبّر عن مقامه بما يليق به، وخاطبه بما يليق بخطابه، كما تقدّم أنه كان يكتب إلى أبواب الخلافة «المملوك» أو «الخادم ينتهب ثرى الأعتاب» أو «يقبّل الأرض» ونحو ذلك تعظيما لمحل الخلافة، لا سيما وقد تقدّم أن صاحب الهند حينئذ كان يدّعي الخلافة، إلا أنّ

стр. 3688

نظام هذا الملك قد أختلّ ونقص عمّا كان بموت السلطان محمد بن طغلقشاه حين توفي، واستقر مكانه ابن خالته «١» فيروز شاه «٢» ولعل المكاتبة التي ذكرها في «التثقيف» إنما رتّبت على حكم ما كان في أيّامه بعد» ذكر المكاتبة المذكورة، بعد أن ذكر أنّ محمد بن طغلقشاه مات وقام فيروز شاه مقامه، إلا أنه مثل المكاتبة المذكورة بمحمد بن طغلقشاه، فاقتضى أن يكون هو المعنيّ بالمكاتبة. ثم تفرّقت المملكة بعد ذلك في سلطانين «٤» ، فيما أخبرني به بعض أهل الهند؛ ثم تزايد نقصها بعد أن غزا «٥» [ها] تمرلنك وغلب

стр. 3689

عليها؛ ثم نزح عنها. وبكل حال فلا ينبغي أن يقصّر بصاحب الهند عن رتبة القانات. ولم أقف على نص مكاتبة كتب بها إلى صاحب الهند فأذكرها. المقصد الثاني (من المصطلح المستقرّ عليه الحال من المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية في المكاتبات إلى ملوك الغرب ، وفيه أربع جمل) الجملة الأولى (في المكاتبات إلى صاحب أفريقيّة ، وهو صاحب تونس، وتنضم إليها بجاية وقسنطينة «١» تارة، وتنفرد عنها أخرى) وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك نقلا عن «التعريف» أنّ حدّ هذه المملكة غربا من جزائر بني مزغنّان «٢» إلى عقبة برقة الفارقة بين طرابلس وبين برقة، وهي نهاية الحدّ الشرقي؛ ومن الشام البحر «٣» ؛ ومن الجنوب آخر بلاد الجريد «٤» والأرض السّوّاخة؛ إلى ما يقال إنه موقع المدينة

стр. 3690

المسمّاة بمدينة النّحاس «١» ثم قال: وهو أجلّ ملوك الغرب مطلقا. وقد تقدّم هناك أيضا ذكر حال مملكتها ومن ملكها جاهلية وإسلاما، وأنها كانت قبل الإسلام بيد البربر حين كان معهم جميع المغرب؛ ثم انتزعها منهم الرّوم والفرنج إلى أن انتهت حال الفتح الإسلاميّ إلى جرجيس «٢» ملك الفرنج في جملة ممالك المغرب، ودار ملكه يومئذ سبيطلة «٣» ، إلى أن فتحت في خلافة عثمان ﵁ على يد عبد الله بن أبي «٤» سرح، وتوالت عليها نوّاب الخلفاء، وصارت دار المملكة بها القيروان حتّى صارت منهم إلى [بني الأغلب] «٥» ثم إلى العبيديين بني عبيد الله المهديّ؛ ثم الموحّدين أصحاب المهديّ بن تومرت، وهي بأيديهم إلى الآن، وهي مستقرّة الآن بيد الحفصيّين منهم، وهم يدّعون النسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ فيقولون: أبو حفص عمر بن يحيى بن محمد بن وانّود بن عليّ بن أحمد بن والّال بن إدريس بن خالد بن اليسع بن إلياس بن عمر بن وافتن بن محمد بن نجية بن كعب بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وباعتبار ذلك القائمون بها من بني أبي حفص يدّعون الخلافة، ويدعى القائم منهم في

стр. 3691

بلاده بأمير المؤمنين، وربّما كاتبه بها بعض ملوك المغرب. قال في «التعريف» : ومن أهل النسب من ينكر ذلك، ويجعلهم تارة بنسب إلى عديّ بن كعب: رهط عمر بن الخطاب دون بني عمر. ومنهم من ينسبهم إلى هنتاتة «١» من قبائل البربر بالمغرب، وهي قبيلة عظيمة مشهورة. وهي الآن (إلى حدود الثمانمائة) بيد السلطان أبي فارس عزّوز؛ وقد دوّخ البلاد وأظهر العدل ورفع منار الإسلام. وقد ذكر في «التعريف» أنّ السلطان بها في زمانه كان المتوكّل على الله أبو يحيى أبو بكر. ورسم المكاتبة إليه فيما ذكره في «التعريف» أن يكتب بعد البسملة. «أما بعد حمد الله» بخطبة مختصرة في مقتضى الحال، ثم يقول فهذه المفاوضة، أو النجوى، أو المذاكرة، أو المطارحة، أو ما يجري مجرى ذلك، تهدي من طيب السلام (ومن هذا ومثله) إلى الحضرة الشريفة، العليّة، السنية، السريّة، العالميّة، العادليّة، الكامليّة، الأوحدية، حضرة الإمارة العدويّة، ومكان الإمامة القرشيّة، وبقية السّلالة الطاهرة الزكيّة، حضرة أمير المسلمين، وزعيم الموحّدين، والقائم في مصالح الدنيا والدين، السلطان السيّد الكبير، المجاهد، المؤيّد، المرابط، المثاغر، المظفّر المنصور، المتوكّل على ربه، والمجاهد في حبّه، والمناضل عن الإسلام بذبّه، فلان؛ ويدعى له بما يناسب مختصرا، ثم يذكر ما يليق بكرم الجدود. صدر آخر- من «التعريف» أيضا:

стр. 3692

صدرت إليه تهدي إليه من طيب السلام ما ترقّ في جانبه الغربيّ أصائله، ويروق فيما ينصبّ لديه من أنهار النّهار جداوله، ويحمله لكلّ غاد ورائح، وتجري به السّفن كالمدن والركائب الطّلائح «١» ؛ وتخصّ ذلك المقرّ منه بثناء يعزّ لأن ينيب لبعده الدار، ويستطلع ليل العراق به من فرق أفريقيّة النهار؛ وتحامي مصر عن جارتها الممنّعة، وتفخر بجاريتها الشمس التي لا ترى في أفقها إلا مبرقعة. ولم يذكر في «التعريف» قطع الورق، ولا العنوان، والخاتمة، والعلامة، وما في معنى ذلك. والذي ذكره في «التثقيف» أنّ رسم المكاتبة إليه في قطع بحيث يكون تحتها سواء في الجانب الأيمن من غير بياض ما مثاله «عبد الله ووليّه» ثم يخلّى مقدار بيت العلامة؛ ثم تكتب الألقاب الشريفة من أوّل السطر مسامتا للبسملة. وهي «السلطان، الأعظم، المالك، الملك، الفلانيّ، السيد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المجاهد، المرابط، المثاغر، المظفّر، الشاهنشاه- وهذه تختصر غالبا- ناصر الدّنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والتّرك؛ فاتح الأقطار، مانح الممالك والأقاليم والأمصار، إسكندر الزّمان، مولي الإحسان، جامع كلمة الإيمان، مملّك أصحاب المنابر والتّخوت والتّيجان، ملك البحرين، مسلّك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه؛ سلطان البسيطة، مؤمّن الأرض المحيطة؛ سيد الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو فلان فلان، ابن الملك الفلاني فلان الدين والدنيا» ويرفع في نسبه إلى منتهاه «خلّد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه. ويجتهد أن يكون «وأعوانه» آخر السطر أو قريبا

стр. 3693

من آخره. قال: والواجب بدل وليّ أمير المؤمنين قسيم أمير المؤمنين؛ ثم يقول: يخصّ الحضرة العالية، السّنيّة، الشّريفة، الميمونة، المنصورة، المصونة؛ حضرة الأمير العالم، العادل، العابد، المؤيّد، الأوحد، فلان؛ ذخر الإسلام والمسلمين، عدّة الدنيا والدّين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول، والدعاء بإهداء السلام والشكر. ثم بعد حمد الله بخطبة مختصرة جدّا، فإنا نوضّح لعلمه الكريم؛ وتعريفه «صاحب تونس» . قلت: وخطابه بالإخاء. وهذه نسخة كتاب كتب بها عن الظاهر «برقوق» «١» من إنشاء علاء الدين، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله ووليّه. السلطان الأعظم المالك، الملك الظاهر، الأجلّ العالم العادل، المجاهد المرابط، المثاغر المؤيّد، المظفّر، سيف الدّنيا والدّين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، قامع الخوارج والمتمرّدين؛ وارث الملك، ملك ملوك العرب والعجم والتّرك، مبيد الطّغاة والبغاة والكفّار، مملّك الممالك والأقاليم والأمصار، إسكندر الزمان، ناشر لواء العدل والإحسان، مليك أصحاب المنابر والأسرّة والتّخوت والتّيجان، مالك البحرين، صاحب سبل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، سلطان البسيطة، مؤمّن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين؛ «أبي سعيد برقوق» خلد الله سلطانه، ونصر جنوده وأعوانه، وأفاض على العباد والبلاد جوده وإحسانه؛ تحية تتأرّج نفحا، وتتبلّج صبحا، وتطوي بعرفها نشر الخزامى، وتعيد ميّت الأشواق حيّا إذا ما؛

стр. 3694

تخصّ الحضرة العلية، السنيّة السريّة، المظفّرة الميمونة، المنصورة المصونة؛ حضرة الأمير العالم، العادل، المجاهد، المؤيّد، الأوحد، ذخر الإسلام والمسلمين، عدّة الدنيا والدين، قدوة الموحّدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول، المتوكّل على الله أحمد، ابن مولانا الأمير أبي عبد الله محمد، ابن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن الأمراء الراشدين، أعزّ الله دولته وأذلّ عداته، وأنجز من صعود أوليائه وسعود آلائه صادق عداته. بعد حمد الله جامع الشمل بعد تفريقه، راتق خلل الملك عند تمزيقه، والشهادة بأن لا إله إلّا هو مبيد الباطل بحقّ سرّه وسرّ تحقيقه؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله موضّح سبيل التوكّل على الله وطريقه. وإهداء سلام ما الزّهر بأعبق من فتيقه «١» ، وثناء ما الروض بأعطر من خلوقه؛ فإننا نوضّح لعلمه الكريم أنّ كتابه الكريم ورد ورود السّنة على الجفن الساهر، أو المزنة على الروض الزّاهر؛ أو الزّلال على الأوام «٢» ؛ أو البرء على السّقام؛ فمددنا إليه يد القبول، وارتحنا له ارتياح الشمائل إلى الشّمول «٣» ، وملنا إلى مفاكهته ميل الغصون إلى الرّياح، وامتزجنا بمصافاته امتزاج الماء بالراح؛ وفضضنا ختامه عن فضّيّ كلامه، وذهبنا إلى ذهبيّ نثاره ونظامه؛ وتأمّلناه تأمّلا كلّ نظر عبده وخادمه، ووقفنا عليه وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه؛ ونظمنا جواهر اعتباره في قلائد الأفكار، وصبونا إلى اختباره كما صبت النفوس إلى الادّكار؛ وفتحنا له جهد الطاقة بابا من المحبة لم يغلق، ونقسم بمن خلق الإنسان من علق أنّها بغير قلوبنا لم تعلق؛ فإذا سطوره جنود مصطفّة، أو قيان بها الحسان محتفّة؛ وإذا رقمه طراز حلّة، أو عقد شدّه البنان وحلّه؛ وإذا لفظه قد رقّ وراق، ومرّ بالأسماع فملأ

стр. 3695

بحلاوته الأوراق؛ وإذا معناه ألطف من النّسيم الساري، وأعذب مذاقا من الماء الجاري؛ وإذا سجعه يفوق سجع الحمائم، ويزري بالرّوض الضاحك لبكاء الغمائم؛ وإذا سلامه قد حيّته الأزاهر، وطوى بعرفه نشر الروض الزّاهر؛ وإذا هناؤه قد ملك عنان التّهاني، واستمطر عنان الأمان من سماء الأماني؛ فعبّر لنا لفظ عبيره عن معنى المحبّة، وقرّب شاسع الذّكر وإن بعد المدى بين الأحبّة؛ وأقام شاهد الإخاء على دعوى الإخلاص فقبلناه، ونادى مطيع المودّة فاستجبنا له ولبّيناه؛ سقيا له من كتاب غذّي بلبان الفصاحة، وجرى جواد التماحه من مضمار الملاحة؛ لا عيب فيه، سوى بلاغة فيه، ولا نقص يعتريه، سوى كمال باريه؛ لعمري لقد فاق الأواخر والأوائل، فما أجدر كلامه بقول القائل: وكلام كدمع صبّ غريب ... رقّ حتّى الهواء يكثف عنده! راق لفظا ورقّ معنى فأضحى ... كلّ سحر من البلاغة عبده! لله درّه من كتاب حلب درّ الأفراح، وجدّد من أثواب المسرّة ما كان قد أخلقته يد الأتراح؛ فهمنا معناه فهمنا، وشرحنا متن فحواه فانشرحنا؛ وعلمنا ما اتّصل بسماعكم من خبرنا العجيب، وحديث أمرنا القديم الغريب، الذي أظهر فينا لله أسرارا، وكتب لنا منه عناية كبت بها أشرارا؛ ﷻ خافض رافع، معل بحكمته واضع؛ سبحانه أوجد بعد العدم وأنسى ثم أنشأ، قل اللهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشا؛ كسر وجبر، وقرن المبتدأ بالخبر؛ وهب ما كان سلب، وجعل لصبرنا حسن المنقلب؛ أعادنا إلى الملك مع كثرة الأعداء وقلّة الأنصار، وأظهرنا بعد الخفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار؛ وأبرز إبريزنا بعد السّبك خالصا يروق الناظر، ويفوق برونقه وجه الروض الناضر؛ فاعلموا أنّ لله في ذلك سرّا خفيّا، لم يزل ببركة رسوله ﷺ بنا حفيّا؛ قمتم لنا فيه بواجب الهنا، وأحاط بنا طولكم الطويل من هاهنا وهاهنا؛ فاستجلينا من كتابكم عرائس بشراه، وحمدنا عند صباح طرسه ليل مسراه؛ وشكرنا له هذه الأيادي التي تقصر عنها الأيدي المتطاولة، وثنينا إليكم عنان الثناء الذي فاق بمخايله الروض الأريض وخمائله.

стр. 3696

ولمّا تمثل إلينا رسولكم المكرّم، وصاحبكم الكامل المعظّم، ذو الأصل الطاهر، والنسب الباهر؛ والرأي السّديد، والبأس الشديد، فلان: لا زال عليّ مقامه حسنا، وجفن علمه لا يبعث الجهل عليه وسنا؛ فأبدى إلينا ما في وطابه، وأثلج الصّدور بحكمة فضله وفصل خطابه، وأخذ يجاذبنا عنكم أطراف الأحاديث الطيّبة، ويرسل علينا من سماء محبّتكم مزنها الصّيّبة؛ وأطربنا بسماع أخباركم، ونصر أعوانكم وأنصاركم؛ ونبّه على ما أودعه كتابكم، وتضمّنه من النّصرة خطابكم؛ ودوس جنودكم جزيرة «غودش» وعودهم بالمنّ والمنح، وتلاوتهم عند الانتصار إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» وقفولهم متفيّئين من الجهاد بظلّه، فرحين بما آتاهم الله من فضله، بعد أن نعقت منهم على الكفّار الغربان، واقتنصت الرجال آجالهم اقتناص العقبان، وجاءتهم كالجبال الرّواسي، وظفرت بهم أظافير الرّماة ومخالب المراسي، وغنّت عليهم أوتار القسيّ فأرقصت رؤوسهم على الضّرب، وسقتهم كؤوس الرّدى مترعة ونعم هذا الشّرب لأولئك الشّرب، وأعادت المسلمين بالغنائم إلى الأوطان بعد نيل الأوطار، وبشّرت الخواطر بما أقرّ العيون من النّجاح والنّجاة من الأخطار؛ هذا والعدوّ الملقي السّلم «٢» عند الجهاد، جيء بهم مقرّنين في الأصفاد؛ يا لها غزاة أشرق نورها كالغزالة، وأشرق يوم إسلامها على ليل الكفر فأزاله، وتولّد منها الجهاد فلا يرى بعدها إن شاء الله عقيما، وتلا لسان الشّوق إليه يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً «٣» . لا زالت رقاب الأعداء لأسيافكم قرابا، وغزواتكم الصالحة تنيلكم من الله أجرا وثوابا. ولما عرضت علينا من جودكم عند العشيّ الصافنات الجياد، وحلّينا منها بقلائد منّها الأجياد، نقسم لقد حيّرتنا، ألوانها إذ خيّرتنا.

стр. 3697

فمن أشهب- كأنّ الشّهب له قنيصه «١» ، أو الصّباح ألبسه قميصه؛ أو كأنما قلب من اللّجين في قالب البياض، وسقي سواد أحداقه أقداح الرّباحة من غير حياض. ومن أدهم- كأن النّقس «٢» لمسه «٣» في مداده، أو الطرف أمدّ طرفه بسواده؛ أو كأنما تقمّص إهاب الليل، لمّا طلع عليه فجر غرّته فولّى مشمّر الذيل. ومن احمر- كأنما صيغ من الذهب، أو كوّن من النار واللهب؛ أو كأنّ الشّفق ألقى عليه قميصه ثم أشفق، أو الشّقيق أجرى عليه دمعه دما وجيبه شقّق. ومن أشقر- كأنما ألبس ثوب الأصيل، وبشّر السريّة يمن طلعته بالنصر والتحصيل؛ أو كأنّ النّضار «٤» كساه حلّة العشّاق، وقد ادّرعوا بأسواق المحبّة مطارف الأشواق. ومن أخضر- كأنما تلّفّع من الروض الأريض بأوراقه، أو صبغ بالعذار المخضرّ وقد شقّت عليه مرائر عشّاقه؛ أو كأنّما الزّمرّد تلوينه، أو من شارب الشادن تكوينه؛ كلّ بطرف منها يسبق الطّرف، ويروق الناظر بالحسن الناضر والظّرف؛ تقام به حجّة الإعراض وهو باعتراف ممتطية قادرملي، وينصب إلى الإدراك حسن السير كجلمود صخر حطّة السّيل من علي- فأسرجنا «٥» لها جود القبول، وامتطينا منها صهوة كلّ مأمول؛ وأعددناها مراكب للمواكب، ولليل المهمّات الواقعة بدورا وكواكب؛ وأطلقنا أعنّة شكرها في ميادين المحامد، وطفقنا نرجّع ذكرها بين شاكر وحامد.

стр. 3698

(مكاتبة وزير تونس) رأيت في الدستور المنسوب للمقرّ العلائيّ بن فضل الله أنه كتب إلى أبي عبد الله بن بعلاص. صدرت هذه المكاتبة إلى «١» الشّيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الأكمليّ، الأرشدي، الأمجديّ، الأثيريّ، البليغيّ، الفلاني، مجد الإسلام، بهاء الأنام، شرف الفضلاء، زين العلماء، نجل الأكابر، أوحد الأعيان، بركة الدّولة، صفوة الملوك والسلاطين؛ (ويدعى له بما يناسبه) . وتوضّح لعلمه المبارك كيت وكيت؛ ولم يذكر قطع الورق ولا العلامة ولا التعريف. والذي يظهر أنّ قطع الورق العادة، والعلامة «أخوه» . والتعريف «وزير تونس» . الجملة الثانية (في مكاتبة صاحب الغرب الأوسط، وهو صاحب تلمسان) وقد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك الكلام على هذه المملكة ومن ملكها جاهليّة وإسلاما؛ وهي الآن بيد بني عبد الواد من زناتة من قبائل البربر- والقائم بها الآن منهم إلى حدود الثمانمائة من الهجرة هو السلطان أبو زيّان «٢» ، ابن السلطان أبي حمو: موسى بن يوسف، بن عبد الرحمن، بن يحيى، ابن يغمراسن، بن زيّان، بن ثابت، بن محمد، بن ركدار «٣» ، بن

стр. 3699

تيدوكس، بن طاع الله، بن عليّ، بن القاسم، بن عبد الواد. قلت: وذكر هذه المملكة في «مسالك الأبصار» مضافة إلى مملكة فاس: لانضمامها حينئذ إليها في مملكة السلطان أبي الحسن المرينيّ: صاحب فاس في زمانه، ولذلك لم يذكر لصاحبها مكاتبة في «التعريف» . على أنّي رأيت من صاحبها موسى بن يغمراسن مكاتبة إلى الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب مصر. وسيأتي إيرادها في جملة المكاتبات الواردة إلى هذه المملكة. وذكر صاحب «التثقيف» أن صاحبها في زمانه في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» أي سلطانها يومئذ أبو حفص عمر بن أبي عمران موسى، وأن المكاتبة إليه مثل المكاتبة إلى صاحب تونس المقدّم ذكره على السواء. وذكر أنه كتب ذلك إليه ورأى جماعة كتّاب الإنشاء يكتبونه، وكذلك رأيته في الدّستور المنسوب إلى المقرّ العلائي بن فضل الله، ولم أظفر بصورة مكاتبة فأذكرها. الجملة الثالثة (في المكاتبة إلى صاحب الغرب الأقصى) وهو صاحب فاس، وتعرف مملكته ببرّ العدوة. وقد تقدّم الكلام على مملكتها وأحوالها ومن ملكها جاهليّة وإسلاما في المقالة الثانية في الكلام على المسالك والممالك، وأنها الآن بيد بني عبد الحق من بني مرين من زناتة من قبائل البربر، وأنها الآن بيد السلطان أبي فارس عثمان، ابن السلطان أبي العبّاس أحمد، ابن السلطان أبي سالم إبراهيم، ابن السلطان أبي الحسن عليّ، ابن السلطان أبي سعيد عثمان، ابن السلطان أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق، بن محيو، بن أبي بكر، بن حمامة، بن محمد، بن ورصيص «١» ، بن فكّوس، بن كوماط، بن مرين، بن ورتاجن، بن ماخوخ، بن وحريج «٢» ، بن قاتن، بن

стр. 3700

بدر، بن نجفت، بن عبد الله، بن ورتبيص، بن المعز، بن إبراهيم، بن رجيك، بن واشين، بن بصلتن، بن شرا» ، بن أكيا، بن ورشيك، بن أديدت، بن جانا، وهو زناتة. وقد ذكر في «التعريف» أن السلطنة فيهم في زمانه في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» صاحب مصر كانت في السلطان أبي الحسن عليّ بن عثمان المقدّم ذكره. ثم قال: وورث هذا السلطان ملك العزفيين بسبتة، وملك بنى عبد الواد بتلمسان، وأطاعه ملك الأندلس، ودان له ملك أفريقيّة، وعرض عليه ابنته فتزوّجها، فساقها إليه سوق الأمة. ثم قال: وبنو مرين رجال الوغى وناسها، وأبطال الحرب وأحلاسها «٢» ؛ وهم يفخرون بغزارة علمه وفضل تقواه. قال: وهو اليوم ملك ملوك الغرب، وموقد نار الحرب. ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف» بعد البسملة: من السلطان الأعظم الملك الفلانيّ، إلى آخر الألقاب المذكورة في المكاتبة لصاحب تونس، إلى قوله ونصر جيوشه وجنوده وأعوانه. ثم يقول: تحيّة بفتتح بها الخطاب، ويقدّم منها ما زكا وطاب؛ وتقال هنا سجعات مختصرة نحو أربع أو خمس، يخصّ بها الحضرة الشريفة العلية، الطاهرة الزكيّة، حضرة المقام العالي، السلطان، السيد، الأجلّ، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيّد، المظفّر، المنصور، الأسرى، الأسنى، الزّكيّ، الأتقى، [المجاهد في الله] «٣» المؤيّد على أعداء الله؛ أمير المسلمين، قائد الموحّدين، مجهّز الغزاة والمجاهدين، مجنّد الجنود، عاقد البنود، ماليء صدور البراري والبحار، مزعزع أسرّة الكفّار، مؤيّد السنة، معزّ الملة، شرف الملوك والسلاطين، بقيّة السّلف الكريم، والحسب الصّميم، ربيب الملك القديم، أبي

стр. 3701

فلان فلان بن فلان. ويرفع نسبه إلى عبد الحق وهو أوّل نسبه. ويقال في كل منهم: أمير المسلمين أبي فلان فلان؛ ثم يدعى له: نحو أعز الله أنصاره أو سلطانه وغير ذلك من الأدعية الملوكية بدعاء مطوّل مفخّم. ثم يقال: أما بعد حمد الله، ويخطب خطبة مختصرة. ثم يقال: أصدرت إليه، وسيّرت لتعرض عليه، لتهدي إليه من السلام كذا وكذا. ثم يقال: ومما تبديه كذا وكذا. صدر: يليق بهذه المكاتبة- تهدي إليه من السلام ما يطلع عليه نهاره المشرق من مشرقه، ويحييه به الهلال الطالع من جانبه الغربيّ على أفقه؛ وتصف شوقا أقام بين جفنيه والكرى الحرب، وودادا يملأ برسله كلّ بحر ويأتي بكل ضرب، وثناء يستروح بنسيمه وإن كان لا يستروح إلا بما يهبّ من الغرب؛ مقدّمة شكرا لما يبهر من عزماته التي أعزّت الدين، وغزت الملحدين؛ وحلّقت على من جاورها من الكفّار [تحليق] «١» صقور الرجال على مسفّة الغربان، وتقيم عند الشجاع عذر الجبان؛ وتبيّن آثارها في أعناق الأعداء وللسّيوف آثار بيان؛ وإن كان فعله أكثر مما طارت به الأخبار، وطافت به مخلّقات البشائر في الأقطار؛ وسار به الحجيج تعرف آثاره عرفات، وصارت تستعلم أخباره وتندب قبل زمانه ما فات. والذي ذكره في «التثقيف» أنه كان السلطان في زمانه في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون» عبد العزيز بن أبي الحسن عليّ المقدّم ذكره؛ وذكر أنّ المكاتبة إليه في قطع النّصف، وأنه يكتب تحت البسملة في الجانب الأيمن من غير بياض ما مثاله «عبد الله ووليّه» ثم يخلّى بيت العلامة؛ ثم تكتب الألقاب السلطانية في أوّل السطر مسامتا للبسملة «السلطان الأعظم الملك الفلاني» إلى آخر الألقاب السلطانية المذكورة في المكاتبة إلى صاحب تونس، إلى قوله: ونصر جيوشه وأعوانه. ثم يقول: تخصّ المقام العالي، السلطان، الملك، الأجلّ، الكبير، المجاهد، المعاضد، المرابط، المثاغر، المكرّم،

стр. 3702

المعظّم، المظفّر، الموقّر، المؤيّد، المسدّد، الأسعد، الأصعد، الأرشد، الأنجد، الأوحد، الأمجد، البهيّ، الزّكيّ، السّنيّ، السّريّ، فلان، أمير المسلمين ابن أبي فلان فلان، إلى عبد الحق المريني. والدعاء بما يناسب ذلك المقام؛ ثم أمّا بعد حمد الله، بخطبة لطيفة، فإنا نفاوض علمه الكريم ونحو ذلك. وأكثر مخاطبته بالإخاء وتختم بالدعاء، والعلامة «أخوه» وتعريفه «ملك الغرب» . وفي الدستور العلائيّ أنّ الطلب منه بالمستمدّ، ويختم باستعراض الحوائج والخدم مكمّلا بالدعاء. وهذه نسخة كتاب من الملك الناصر «محمد بن قلاوون» إلى السلطان أبي الحسن المرينيّ، في جواب كتاب ورد عليه منه وهي: عبد الله ووليّه، السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، مؤمّن أولياء الله المؤمنين، ظلّ الله الممدود، وميسّر السّبل للوفود، حامي القبلتين بحسامه من أهل الجحود، وخادم الحرمين الشريفين متّبعا للسنة الإبراهيمية في تطهير بيت الله للطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، والقائم بمصالح أشرف روضة وطيّبة يعطّر طيبها في الوجود؛ وليّ أمير المؤمنين جمع الله به كلمة الإسلام بعد الافتراق، وقمع برعبه أهل العناد والشّقاق؛ وأوزعه شكر نعم الله التي ألّفت على ولائه قلوب ملوك الآفاق، وأمتعه بها منحة صيّرت له الملك بالإرث والاستحقاق، وسيّرت كواكب مناقبه فلها بالمغارب إضاءة وبالمشارق إشراق. ابن السلطان السعيد الشهيد الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، سقى الله عهده عهاد الرحمة ذوات إغراق، وأبقى مجده بمحمّده الذي للأمة المحمدية على تعظيمه إجماع وعلى تقديمه اتّفاق؛ يخصّ المقام العالى، الملك الأجلّ الكبير، المجير، العاضد، المثاغر، المظاهر، الفائز، الحائز، المنصور، المأثور، الفاتح، الصّالح، الأمكن، الأصون، الأشرف، الأعرف، الكريم، المعظّم، أبا الحسن عليّا أمير المسلمين، ابن السلطان السعيد، الحميد، الطاهر، الفاخر، الماهد، الزاهد، الأورع، الأروع، أمير المسلمين، أبي سعيد عثمان، ابن السلطان، السعيد، الرّشيد،

стр. 3703

السابق، الوامق، الجامع، الصادع، أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، ناظم مفرّق الفخار، وهازم فرق الفجّار، والملازم لإحياء سنّة الجهاد المتروكة في الأقطار، حتّى يجمع في ملكه أطراف الغرب الأقصى للاستيلاء والاستظهار، ويخضع لفتكه كلّ متكبّر جبّار، ويرصّع في سلكه ما تأبّى وصعب من تلك الديار، ويرفع لنسكه أعمالا من الجهاد والاجتهاد تسرّ الحفظة الأبرار، يظهر فيها لبركة الاسم العلويّ من نشر الهدى، وقهر العداء، أوضح الأدلّة وأبين الآثار، ويؤثر سلطاننا المحمديّ من عليّ عزمه، وحميّ حزمه، بأعزّ الأعوان والأنصار، فتظفر دار الإسلام من قومه بمهاجرين من أبناء البلاد يقرّ لهم بأمّ القرى قرار، ويسير سواهم للبيت ذي الحجر والحجر «١» والباب والميزاب والملتزم والجدار والأستار، بسلام مشرق الغرر، مونق الحبر، وثناء مع ريّاه لا يعبأ بالعبير مع نشره ولا يعتبر، ووداد مخفيّ الخبر، واعتداد يطول منه ألسنة الشكر عن إحصائه واستقصائه قصر، وإيراد لمفاخره التي سارت بها الأخبار والسّير، واعتقاد لمآثره التي سبق عثمانها إلى إحراز مزايا الفضل وجاء عليّها على الأثر. أما بعد حمد الله الذي أمر أولياءه المؤمنين بالمعاونة والمظافرة، ونهى عباده الصالحين عن المباينة والمنافرة، ورعى لحجّاج بيته حرمة القصد وكتب لهم أجر المهاجرة، ودعا إلى حرمه، من أهّله من خدمه، فأجابه بالتلبية وأثابه وآجره. والشهادة له بالوحدانيّة التي تسعد بمصاحبة المصابرة، وتصعد إلى الدرجات الفاخرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي المناقب الباهرة، والمواهب الزّاخرة، والمراتب التي منها النّبوّة والرسالة في الدنيا والوسيلة والشفاعة في الآخرة، وعلى آله وصحبه الذين أفنى الله الشرك بصوارمهم الحاصدة وأدنى القتل بعزائمهم الحاضرة، صلاة إلى مظانّ الرّضوان متواترة، ما ربحت وفود مكة البركة الوافرة، ووضحت لقاصدي الكعبة البيت الحرام أوجه القبول سافرة.

стр. 3704

فإنه ورد- أورد الله تعالى البشرى على سمعه، وأيّد اهتمامه بتأليف شمل السّعد وجمعه- من جانبه المكرّم ومعهده وربعه، كتاب كريم نسبه، فخيم أدبه، عليّ منصبه، مليّ إذا أخلف السّحاب بما يهبه، سريّ سرت إلى بيت الله وحرم رسوله القريب قربه، على يد رسوله: الشيخ الأمين الأزكى، الأروع الأتقى؛ الخطيب البليغ، المدرّس، المفيد أبي إسحاق ابن الشيخ الصالح أبي زيد، عبد الرحمن بن أبي يحيى، نفع الله به، وحاجبه الكبير المختار، المرتضى، الأعزّ، أبي زيّان عريف ابن الشيخ المرحوم أبي زكريّا، أيده الله تعالى، وكاتبه الأمجد الأسعد أبي الفضل ابن الفقيه المكرّم أبي عبد الله بن أبي مدين، وفقه الله تعالى وسدّده، ومن معهم من الخاصّة والزعماء والفرسان الماثلين في خدمة الجهة المصونة بلّغها الله أربها، وقبل قربها، الواصلة بركبكم المبارك الرّواح والمغدى، المعان على إكمال فرض الحج المؤدّى، المرحولين بحمد العقبى كما حمد المبدأ؛ ففضضنا ختامه الذّكيّ، وأفضنا في حديث شكره الزّكي، وعرضنا منه بحضرتنا روضا يانع الروض به محكيّ، وحضضنا نوّابنا على إعانة خاصّة وفده وعامتهم على قضاء النّسك بذلك الحرم المكّيّ، وتلمّحنا فصوله الميمونة فإذا هي مقصورات على مثوبات محضة، ورغبات تؤدّي من الحج فرضه، وهبات يعامل بها من يضاعف أجره ويوفّيه قرضه، وقربات يحمد فاعلها يوم قيام الأشهاد نشره وحشره وعرضه. فأمّا ما ذكره من ورود الكتابين الواصلين إلى حضرته صحبة الشيخين الأجلّين «أبي محمد عبد الله بن صالح، والحاج محمد بن أبي لمحان» وأنه أمضى حكمهما، وأجرى رسمهما، فقد آثرنا للأجر حوزه، واخترنا بالشّكر فوزه، وقصدنا بهما تجديد جلباب الوداد، وتأكيد أسباب الولاء على البعاد؛ وإلا فمع وجود إنصافه الحقوق من غاصبها تستعاد، والوثوق بنصره للمظلوم وقهره للظالم لا يختلف فيه اعتقاد؛ وقد شكرنا لكم ذلك الاحتفال، وآثرنا حمدكم في المحافل والمحال. وأما ما نعته مما أشرتم إليه مما يتعيّن له التقديم، ويستحقّ توفية حقه من

стр. 3705

تكرير التكريم، وهو تجهيز ركبكم المحروس في السّرى والمقام، في خدمة من يقوم مقام الوالدة المرحومة في الاحترام، سقى الله صوب الرحمة صفيحها، ورقّى إلى الغرفات روحها، ومعها وجوه دولتكم الغرّ، وأعيان مملكتكم من سراة بني مرين الذين تبهج مرائيهم وتسر؛ وما نبهتم عليه من ارتفاع شأنهم، واجتماع فرسانهم، واستيداع أمانتنا نفائس أنفسهم وأديانهم، فقد استقبلناهم على بعد بالإكرام، وأحللناهم من القرب في أعلى مقام، وصرفنا إلى تلقائهم وجه الإقبال والاهتمام، وعرّفنا حقّهم أهل الإسلام، ونشرنا لهم بفنائنا الأعلام، ويسّرنا لهم باعتنائنا كلّ مرام، وأمرنا بتسهيل طريقهم، وتوصيل البرّ لفريقهم، وأسدلنا الخلع على جميعهم، واحتفلنا بهم في قدومهم ومقامهم وتشييعهم، وأجزلنا لهم أقسام الإنعام في توجيههم، وكذلك يكون في رجوعهم؛ وعرضوا بين أيدينا ما أصحبتهم من الطّرف والهدايا، التي لا تحملها ظهور البحار فكيف ظهور المطايا، من عقود منظّمة، وبرود مسهّمة «١» ، ومطارف معلمه، ولطائف بالإمكان والإتقان معلمه، وصنائع محكمة، وبدائع للأفهام مفحمة، وذخائر معظّمة، وضرائر للشموس في الكون والسّمة، وبواتر تفرّق بين الهام والأجسام والهام ملحمة، وأخاير بمقدار مهديها في الجلال مفهمة، وخيول مسوّمة بالأهلّة مسرجة وبالنّجوم ملجمة، معوّدة نزال الأبطال معلّمة، ذوات صدور مبقورة وأكفال مسلّمة، تسحب من الحرير أذيالا، وتصحب من الوشي سربالا، وتميس بحللها وحلاها عجبا واختيالا، ويقيس مشبّهها سرعتها بالبرق فلا يتغالى، عاتيات الأجسام، عاليات كالآكام، لفحولها صهيل يذعر الأسود، ولسنابكها وقع يفطر الجلمود، أتعبت الرّوّاض، وركبت منها صهوة كلّ بحر سابح حيث لجج الموت تخاض؛ وقرنت مرابطها بحماية جواهر النّفوس من الأعراض، وجنيبة «٢» تجرّ من ذيولها كل فضّاض؛ وحسبت لاختلاف شياتها «٣» كأنها قطع الرّياض: من شهب كأنما ارتدت الأقاح،

стр. 3706

أو غدت رافلة في حلل الإصباح؛ ودهم نفضت عليها الليالي صبغها فلا براح، وربما أغفلت من ذلك غرر وأوضاح؛ وكمت كأنّها فتح «١» صلب البطاح، تطير إلى الظّفر بجناح؛ وحمر كأنها خلقت للنّجاح، وأطلقت أعنّتها فقالت ألسنة أسنّتها للطّرائد: لا براح؛ وخضر كأنها البزاة الموشّاة الوشاح، أو مشيب في الشّباب قد لاح؛ وشقر تكبو في طلبها الرّياح، وتخبو نار البرق إذا أمسى بسنا سنابكها اقتداح. ووراءها البغال، التي تحمل الأثقال، ولا تزلّ في الأوحال بحال؛ وعليها الزّنّاريّات الموشعة، وحليها الجلال الملمّعة؛ وهي تمشي رويدا، وتبدي قوّة وأيدا «٢» ؛ كأن قلامتها قناه عيدا (؟) وهي وافرة الأمداد، فاخرة على الجياد، باهرة العدد متكاثرة الأعداد، راسخات القوائم كأنها أطواد، شامخات الرؤوس حاليات الأجياد، باذخات الأكفال غلاظ شداد، وسارت لها إلى رحابنا انقياد، وصارت من محلّ إسعاد إلى مواطن إصعاد؛ فتقبّلنا أجناسها وأنواعها، وتأمّلنا غرائبها وإبداعها، وجعلنا يوما أو بعض يوم في حواصلنا إيداعها؛ ثم استصفينا منها نفائس آثرنا إليها إرجاعها، وفرّقنا في أوليائنا اجتماعها، وقسمنا مشاعها، وغنمنا لمّا أفاء الله صفاياها ومرباعها «٣» ؛ فتوالت لكلّ وليّ منها منح، وسارت إلى كل صفيّ منها ملح؛ وقالت الألسنة وطالت في وصف ما عليه به فتح، فاستبان

стр. 3707

ووضح؛ وكان لأهل الإيمان بنعته أعظم هناء وأكبر فرح. وسطّرناها وركبكم المبارك قد رامت السّرى نجائبهم؛ وأمّت أمّ القرى ركائبهم؛ يسايرهم الأمن ويصاحبهم، ويظاهرهم اليمن ويواظبهم؛ فقد أعدّت لهم المير «١» في جميع المنازل، وشدّت لهم الهجان البوازل، وأترعت لهم الموارد والمناهل، وأمرعت لهم بالميرة القفار والمراحل، ووكّلت بهم الحفظة في المخاوف ونصبت لهم الأدلّة في المجاهل، وجرّد معهم الفرسان، وجدّد لهم الإحسان، وأكّد لهم حقّان حقّ مرسلهم وحقّ الإيمان، وقلّد درك حياطتهم أمرا العربان، وشوهد من تعظيمنا لهم ما يحسدهم عليه ملوك الزمان بكلّ مكان؛ وكتبنا على أيديهم إلى أمراء الأشراف بالنّهوض في خدمتهم والوقوف، وأن يحيط بهم كلّ مقدّم طائفة ويطوف، يتسلّمهم زعيم من زعيم، إلى أن تحطّ رحالهم بالحطيم «٢» ، ويحلّ كلّ منهم بالمقام ويقيم، وتكمل مناسكهم بشهود الموقف العظيم. وكذلك كتبنا إلى أمراء المدينة المشرّفة، أن تتلقّى بالقبول الحسن مصحفه، وتحلّه بين الروضة والمنبر، وتجلّه فقد ربح سعي كاتبه وبرّ، وكتبت له بعدد حروفه أجور توفّر؛ ويمكّن من يرقّ لتلاوته في الآصال والبكر، ويهيمن على ذلك فإنّه من بيت هم الملاك الأعلى وعندهم وفيهم جاءت الآيات والسور. وعمّا قليل يتمّ حجّهم واعتمارهم، ويؤمّ طيبة الطّيّبة العاطرة زوّارهم؛ فيكرم جوارهم ويعظم فخارهم، وتنعم بإشراق تلك الأنوار بصائرهم وأبصارهم، وتفوح أرواح نجد من ثيابهم، وتلوح أنوار القبول على شيبهم وشبابهم؛ ثم يعودون إلينا فنعيد لهم الصّلات، ونفيد كلّا منهم ديم النّعم المرسلات؛ ثم يصدرون إن شاء الله إليكم ركائبهم بالمنائح مثقلات، ومطالبهم بالمناجح مكمّلات؛ ويظفرون من الله في الدارين بقسم النّعم المجزلات حتّى يلقوا

стр. 3708

برحابكم عصا التّسيار، ويصونوا حرّ وجوههم بالصبر على حرّ الهجير [من] لفح النار، ويدّخروا بما أنفقوا عند الله من درهم ودينار، أجرا جمّا وما عند الله خير للأبرار؛ والله تعالى يقرّبه من تلك المواطن، ويدنيه منها بالظاهر وإن كان يسري إليها بالباطن؛ ويسهّل [له] ذلل الحرم، وإن كان قد أعان القاطن والقادم، حتّى تحلّ ركائبه بين المروتين «١» وتجيز، ويكون له بذلك على ملوك الغرب تمييز، وما ذلك على الله بعزيز. لا زالت مقبولة على المدى هداياه، مجبولة على النّدى سجاياه، مدلولة على الهدى قضاياه، منصورة على العدا سراياه، مبرورة أبدا تحاياه. والسلام الأتمّ الذي يعبق ريّاه، والثناء الأعمّ المشرق محيّاه، عليكم ورحمة الله وبركاته، والخير يكون، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة جواب الكتاب الوارد على الملك الناصر «محمد بن قلاوون» من ابن «٢» أبي الحسن عليّ المرينيّ، صاحب فاس المغرب، بالبشارة بفتح بجاية، والانتصار على تلمسان. واستفتاحه بعد البسملة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ «٣» ثم المكاتبة المعهودة: من ألقاب الملكين، والدعاء. والصدر:

стр. 3709

قهر الله ببأسه من ناواه من أئمة الكفر وطغاته، ونصره على من لاواه «١» من حزب الشيطان وحماته. ونشر أعلامه بالظّفر بمن خالفه من عداة الله وعداته. وأجراه من بلوغ الوطر في سكونه وحركاته، على أجمل أوضاعه وأكمل عاداته، ويسّر له بدوام سعوده فتح ما استغلق من معاقل الحائدين عن مرضاته. ولا زالت ركائب البشائر عنه تسري وإليه من تلقائنا تسير، ومصير الظّفر حيث يصير، ويدور الفلك المستدير، بسعده الأثيل الأثير، وينوّر الحلك بضوء جبينه الذي يهتدي به الضالّ ويلجأ إليه المستجير، وتغور أعين العدا إن عاينوا جحفله الجرّار وناهدوا جيشه المبير. بتحيّة تحكي اللّطائم «٢» عرفها الشميم، وتودّ الكمائم لو تفتّقت عن مثل مالها من نضارة أو تسنيم، ويودّ عقد الجوزاء لو انتظم في عقدها النّضيد النظيم. وكيف لا وهي تحيّة صادرة عن مقام شريف إلى روضة غنّاء تزري بالنّبت العميم، واردة من محلّ عظيم، على محيّا وسيم، منطوية على «٣» الأرض من سلامة ولملوك الإسلام من سلام سليم، وطرفة نشرها كالمسك الذي ينبغي أن يختتم به هذا الكتاب، وثناء يستفزّ الألباب، ويستقرّ في حبّات قلوب الأحباب، ويستدرّ أخلاف الودّين المتحابّين في الله فلا غرو أن دخلت عليهم ملائكة النصر من كلّ باب. يتسابقان إلى ذلك المجد الأسنى في أسعد مضمار، ويتساوقان بحياز قصبات السّبق إلى تلك العصبة المشرقة الأنوار، ويزداد فيّهما بالوفود عليه طيبا، ويغدو عود الودّ بهما رطيبا؛ حيث الرّبع مريع، والمهيع منيع، والعزّ مجدّد والقدر مطيع؛ وسحب الكرم ثرّة، ورياض الفضل مخضرّة، وعساكر النصر تحلّ نحوه من المجرّة؛ حيث تستعر الحرب، ويتسحرّ الضرب، وتشرق شموس المشرفيّات لامعة «٤» ..

стр. 3710

أما بعد حمد الله مظهر دينه على كلّ دين، ومطهّر أرجاء البسيطة من الماردين المارقين، ومجرّد سيف النصر على الجاحدين الحائدين، وموهن كيد الكافرين، ومجزل أجر الصابرين، ومنجز وعد من بشّرهم في كتابه المبين بقوله: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ «١» الذي عصم حمى الإسلام بكل ملك قاهر، وفصم عرى الشّرك بكلّ سلطان غدا على عدوّ الله وعدوّه بالحقّ ظاهر، وقصم كلّ فاجر بمهابة أئمة الهدى الذين ما منهم إلا من هو للمحاسن ناظم ولقمم العدا نائر؛ ناشر علم الإيمان بحماة الأمصار، وناصر علم الإسلام بملوك الأقطار، وجاعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، لا جرم أنّ لهم النّار؛ جامع قلوب أهل الإيمان على إعلاء علم الدّين الحنيف وإن بعدت بينهم شقّة النّوى وشطّ المزار. والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين ونقمة على الكفّار، ونصره بالرّعب مسيرة شهر وبالملائكة الكرام في إيراد كلّ أمر وإصدار، وألان ببأسه صليب الصّلبوت «٢» وأهان بالتنكيس عبدة الأصنام وسدنة النار، وأيّده بآل وأصهار، وأصحاب وأنصار، وجنود تهون النّقع المثار، وأتباع ما أظلم خطب إلا أجالوا سيوفهم فبدا نجم الظّفر في سماء الإيمان وأنار، وأمة ظاهرة على من ناواها، ظافرة بمن عاداها، ما تعاقب الليل والنّهار، صلاة وتسليما يدومان بدوام العشيّ والإبكار. فقد ورد علينا كتاب مختوم بالتكريم، محتوم بالتبجيل والتقديم، محتو على وصف فضل الله العميم، ونصره العظيم، ومنّه الجسيم؛ فأكرمنا نزله، ونشرنا حلله، وتفهّمنا تفاصيله وجمله؛ فتيمّنّا بوصوله، وتأمّلنا مخايل النصر العزيز من فصوله، ووجدناه قد اشتمل من سعادة مرسله على أنواع، ومن وصف تعداد نصرته على عون من الله ومن يعن الله فهو المنصور المطاع.

стр. 3711

فأما ما ذكره المقام العالي من أمر الوالدة المقدّس صفيحها «١» المغمور بالرحمة ضريحها؛ وما كانت عزمت عليه من قصد مبرور؛ وتجارة لن تبور، وأمّ إلى البيت الآمن والحرم المعمور، وما فاجأها من الأجل، وعاجلها من أمر الله ؛ فالمقام أجزل الله ثوابه يتحقّق أنّ النيّة في الأجور أبلغ من العمل، وأنه من أجاب داعي الحمام فلا تقصير في فعله ولا خلل؛ والله نسأل أن يكتب لها ما نوته من خير، وأن يطيف روحها الزكية ببيته المعمور في جنّات عدن كما أطاف أرواح الشهداء في حواصل ذلك الطّير. وكنّا نودّ أن لو قدمت ليتلقّاها منّا زائد الإكرام، ويوافي مضاربها وافد الاحتفال والاهتمام، ونستجلب دعواتها الخالصة الصالحة، وتظفر هي من مشاهدة الحرم المعظّم والمثوى المكرّم والبيت المقدّس بالصّفقة الرابحة. على أنّه من ورد من تلقائكم قابلناه من جميل الوفادة بما به يليق، وتقدّمنا بمعاملته بما هو به حقيق، ويسّرنا له السبيل وهديناه الطريق، وأبلغناه في حرز السلامة مع ركبنا الشريف أمله من قضاء المناسك والتّطواف بالبيت العتيق. وأمّا ما أشار إليه من أمر من كان «بتلمسان» وأنه ممن لا يعرف مواقع الإحسان، وما وصفه المقام العالي من أحوال ليس الخبر فيها كالعيان، وأنه اعتدى على من يتاخمه من الملوك، وخرج عن القصد فيما اعتمده من ذلك السّلوك؛ حتّى أن ملك تونس أرسل إلى المقام ابنه ووزيره، وسأله أن يكون ظهيره على الحق ونصيره، وأن المقام العالي أرسل إلى ذلك الشّخص منكرا اعتماده، طالبا إصلاحه لا إفساده؛ راجيا أن يكون ممن تنفعه الذّكرى، ظانّا أنه ممّن يأبى أن يقال له: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً «٢» وأنه بعد ذلك تمادى على غيّه، وأراد أن يذوق طعم الموت في حيّه، وأبى الظالم إلا نفورا، وذكر الملك عنه أنه قتل أباه بعد أن آتاه الله به نعمة وملكا كبيرا. وأن المقام العالي أتاه نبأ عن أخيه المقيم

стр. 3712

بسجلماسة «١» ، وخبر صدق أوجب أن يعامل بما يليق بجميل السياسة وحريز الحراسة؛ فجنّد المقام له جنودا، وعقد بنودا، وأضرى أسودا أوهنت كيده، وأذهبت أيده، وعاجلت صيده، وأذالت باسه، وأزالت عنه سيما الملك ونزعت لباسه. وأنه في غضون ذلك أتاه سلطان الأندلس «٢» يستصرخ به على عدوّ الله وعدوّ المؤمنين، ويستعديه على الكفرة المعتدين، وأنّ المقام لبّى دعوته مسرعا، وأكرم نزله ممرعا، ووعده الجميل، وحقّق له التأميل. وأن صاحب تلمسان لما غرّه الإمهال، وظنّ هذه المهامّ توجب للمقام بعض اشتغال، أعمل أطماعه «٣» في التجرّي على بعض ممالكه المحروسة ومدّ، وسار إلى محلّ هو بينهما كالحدّ. وأنّ المقام عند ذلك صرف إليه وجه العزم، وأخذ في حفظ شأنه بما لأعلام النصر من نصب وما للاعتداء من رفع وما للاهتمام من جزم. وأنه لم يقدر عليه إلا بعد أن حذّره من أليم العقاب حلولا، وتمسك فيه بقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٤» [ولمّا] «٥» لم ينفعه الإنذار، وأبى إلا المداومة والإصرار، أرسل إليه المقام العالي من جيشه الخضمّ، وعسكره الذي طالما تعضّده ملائكة السماء وإلى أعداده تنضمّ، كلّ باسل يقوم مقام الكتيبة، وكلّ مشاهد يشاهد منه في العرين كلّ غريبه، وكلّ ضرغام تعرف العدا مواقع ضربه لكنها تجهل ندّه أو ضريبه، فأذاقوه كأس الحمام صرفا، ولم يبتغوا عن حماه بدون نفسه عدلا ولا

стр. 3713

صرفا، إلى أن أخذوه في جماعة من بني أبيه، وشرذمة قليلة ممّن كانت تخالصه في الشدائد وتوافيه، وأن المقام العالي بعد ذلك سيّر مطارف العدل في الرعيّة، وأقرّ أحوالهم في عدم التعرّض إلى الأموال والذّرّية، على ما هو المسنون في قتال البغاة من الأمور الشرعيّة. وفهمنا جميع ما شرحه في هذا الفصل، وما أخبر به من هذا الظّفر الذي ابيضّ به وجه الفتح وإن كان قد احمرّ به صدر النصل؛ والله تعالى يزيد ملكه رقيّا، ويجزيه لقبول النّعم لقيّا، ويجعله دائما كوصفه مظفّرا وكاسمه عليّا. وأن المقام العالي لما فرغ وجهه من هذه الوجهة، وحاز هذا الملك الذي لم يحز آباؤه كنهه، عاد إلى المهمّ الذي قدم فيه سلطان الأندلس لأنه أبدى ما المسلمون فيه من محاورة الأذى، ومجاورة العدا؛ وقرب المسافة بين هذين العدوّين كالشّجا، وفي عيونهم كالقذى. وأنه ثوى به من الطّغاة من أسدل على المسلمين أردية الرّدى، وأنه على جانب البحر المعروف بالزّقاق «١» ، وبه قطّان يمنعون الإرفاد والإرفاق، ويصدّون عن السبيل من قصد سلوكه من الرفاق. وأن البرّ أيضا مملوء منهم بصقور صائده، وعلوج مكايده، وكفّار معانده، وفجّار على السّوء متعاضده، والبحر مشحون بغربان طائرة بأجنحة القلوع طارده، صادرة بالموت وارده، جارية في فلك البحر كالأعلام إلا أنّها بالإعلام بالخبر شاهده، تتخطّف كلّ آمّ وقاصد، وتقعد لأهل الإيمان بالمراصد، وتدني الموت الأحمر، ممن ركب البحر الأخضر، وتمنع السالك، إلا أن يكون من أهل الضّلال الحالك، من بني الأصفر. وأنّ المقام العالي عند ذلك قام لله وغار، وأنجد جنوده في طلب الثار من أهل النار وأغار، وأنجد قاصد حرمه ببعوث كرمه وأعار، وأرسل عقبان فرسانه محلّقة إلى ذلك الجبل الشّامخ الذّرى وأطار، إلى أن أحاطت بهم جنوده إحاطة الآساد بالفرائس لا إحاطة الهالات بالأقمار، فما منهم إلّا من أعمل على العدا

стр. 3714

رحى المنون وأدار، وسار وناعي البين يقدمه إلى أين سار؛ وقدّم عليهم ولده «١» الميمون النّقيبة، الممنوح غربه من مواقع النصر بكلّ غريبة، الجاري على سنن آبائه الكرام، المظفّر أنّى سرى الممدوح حيث أقام. وأنه مزّق «٢» جموعهم الكثيفة، وهدم معاقلهم المنيفة، واستدنى منهم القاصي، واستنزل العاصي، وأخذ بالأقدام والنّواصي، وأحلّ العذاب والنّكال، بمن يستحقّه من أهل الإلحاد والمعاصى، وقرن بين الأرواح والآجال، وأذكرهم بهذا النصر أيّام ابن نصر وأعاد، وأثبت لهذا الجبل حقيقة اسم المدح «٣» ، واستقرّ في صحائف فعله المقام إلى آخر هذا المنح. وعلمنا أيضا ما اعتمده الطاغي المغتال لعنه الله من الحضور بنفسه، وجمعه الملحدين من أبناء خدمته والمارقين من جنسه. وأنّه أعظم هذا الأمر وأكبر، وأيدى الزفير لهذا المصاب وأظهر، وأقسم بمعبوده المصوّر وصليبه المكسّر، أن لا يعود إلا بعد أن يظفر بما سلبه الحقّ إيّاه وتبصّر؛ فأبى الله والمؤمنون أن تكون النّيّة إلا خائبة، وقضت سعادة الإسلام أن تكون الأيّام لما عقده من الطّويّة الرّديّة ناكبة؛ فلمّا طال عليه الأمد وحان الحين، عاد صفر اليدين ولكن بخفّي حنين، ناكصا على عقبه، خاسئا لسوء منقلبه، وأسرع إلى مقرّ طاغوته

стр. 3715

سرى وسيرا، ولو كان من ذوي الألباب لتعقّل في أمر قول الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً «١» . وأنّ المقام العالي ألزمه بعد ذلك ما كان على أهل «أغرناطة» «٢» له في كلّ عام موظّفا، ووضع عنهم إصر ما برج كالأسر مجحفا. وهذه عزّة إسلاميّة جدّد الله على يد المقام بذلك القطر صدورها، وسطّر في صحائف حسناته أجورها، وأبقى له مذخورها، وأعدّها له ليوم تجد فيه كلّ نفس ما عملت من خير محضرا إذا شاهدت عرضها ونشرها، ومنّة من الله أربت على العدّ، وتجاوزت الحدّ، ومزيّة لا تطمح الآمال إلى ميلها في جانبها ولا تمتدّ، ورتب جدّ يلحق بها الولد الناجم في سماء المعالي رتب الكرام من أب له وجدّ- والله يجعله مظفّرا على العدا، منصورا على من حاد عن سواء السبيل واعتدى، مستحقا لمحاسن الأخبار على قرب المدّة وبعد المدى. وقد كان أخونا أمير المسلمين، وسلطان الموحّدين، والدك الشهيد قدّس الله سرّه؛ وبوّأه دار النعيم وبها أقرّه، في كلّ آونة يخبرنا بمثل هذا الفتح، ويذكر لنا ما ناله من جزيل المنح؛ (فهذه شنشنة نعرفها من أخزم) «٣» ، وسنّة سلك فيها الشّبل الصائد سنن ذلك الضّيغم الأعظم، ونحن نحمد الله الذي أقام المقام مقام
следующие страницы →