Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
وهبوطها، حيث تفاوتت رتب الاختتامات عندهم.
ثم الاختتامات لديهم على أنواع شتّى:
منها- الاختتام باستماحة الرّأي، وهو على مراتب: أعلاها «ولمولانا علوّ الرأي في ذلك» كما كتب الصابي في خاتمة كتاب: ولمولانا علوّ الرأي في تشريف خادمه بالقبول، والتقدّم بإعلامه بالوصول، واستخدامه بما يتعلق بآرابه «١» وأطاره- ومن نظائر ذلك وأشكاله- إن شاء الله تعالى.
ودون ذلك- الاختتام بلفظ «فإن رأى كذا وكذا فعل» كما كتب الصابي في خاتمة كتاب بشارة بفتح: فإن رأى سيّدي أن يعرّفني موقع هذه البشرى منه، ومقابلتها بالشكر الواجب عليها، ويتقدّم بإشاعتها في نواحيه وأعماله، ليكبت الله به عدوّه وعدوّنا، ويكاتبني بما أتطلّعه من أحواله وأخباره، وأتعمّد إسعافه به من مآربه وأوطاره، فإنّي أعتدّه شريكا لنا مساهما، وخليطا مفاوضا، فعل إن شاء الله تعالى.
ودونه «فرأيك في كذا وكذا» كما كتب أبو الفرج الببّغاء في خاتمة كتاب في الحثّ على مواصلة الكتب، فرأيك في إيناسنا بكتبك متضمنة ما نؤثره من انبساطك، ونعلمه من أخبارك، موفّقا إن شاء الله تعالى.
وقد تقدّم في الكلام على أصول المكاتبات لأيّ معنى كان فرأيك دون فإن رأيت.
وذكر ابن حاجب «٢» النّعمان أنّ أعلى المراتب «وللآراء العالية فضل السموّ ومزيد القدرة. ودونه «ولرأي المجلس الفلانيّ فضله وسموّه» . ودونه «ولرأي الحضرة الفلانية فضله» . ودونه «ورأي حضرة مولانا أسمى» . ودونه «ورأي حضرة مولاي العالي» . ودونه «ورأيه موفّقا» . ودونه «ورأيه السديد» . ودونه «ورأيه الأرشد» .
стр. 3887
ودونه «والمؤثر كذا» . ودونه «فأحبّ أن يفعل كذا» . ودونه «ويجب أن يفعل كذا» .
ودونه «فافعل كذا من غير مخالفة» . ودونه «واحذر المخالفة» .
ومنها- الاختتام بالدعاء، كما كتب الصابي خاتمة كتاب «وأسأل الله أن يطيل بقاءه، ويصل إخاءه، ويحفظه بعيدا وقريبا، ويرعاه غائبا وحاضرا.
ومنها- الاختتام بطلب مواصلة الكتب، كما كتب الصابي في خاتمة كتاب:
وأنا أسأله أن يواصلني بكتبه، مضمّنة أخباره الطيّبة، وأمره الممتثل، وأوطاره ومهمّاته، معتمدا بذلك، إن شاء الله تعالى.
ومنها- الاختتام بترك التكليف بالمكاتبة في غير الضروري، كما كتب الصابي في آخر مكاتبة: وما أطالب سيدي بالمكاتبة إلّا عند الحاجة العارضة، فإنه يفيدني بها جميلا أشكره، ويستفيد مني سعيا يحمده، فأمّا ما عدا ذلك مما يشغل أوقات راحته، ويسدّ فرج خلوته، فإنني أستعفي منها استعفاء المتقرّب إليه، المؤثر لما خفّ عليه، وله فيما سألت فضل النظر فيه، والإسعاف به، إن شاء الله تعالى.
ومنها- الاختتام بالتحذير من المخالفة، كما كتب الصابي في خاتمة الكتاب إلى جماعة بتحصيل قوم: وليكتب كلّ واحد منهم بخبر من عسى أن يظفر به من هؤلاء، أو يقف على موضعه، أو ينتهي إليه شيء من خبره، وليحذر من التقصير في ذلك. إلى غير ذلك من الاختتامات التي لا تحصى كثرة.
وقد ذهب كثير من الكتّاب [إلى عدم تفضيل بعض الاختتامات على بعض] «١» على أنّ ابن حاجب النّعمان قد قال في «ذخيرة الكتاب» : إنّ أعلى ذلك بالنسبة إلى المكتوب إليه، وللآراء الفلانيّة فضل السّموّ ومزيد القدرة. ودونه «ولرأي المجلس الفلاني فضله وسموّه» . ودونه «ولرأي الحضرة الفلانيّة فضله» .
стр. 3888
ودونه «ورأي حضرة سيدنا أسمى» . ودونه «ورأي حضرة مولاي العالي» . ودونه «ورأيه موفّقا» . ودونه «ورأيه السّديد» . ودونه «ورأيه الأرشد» . ودونه «والمؤثر كذا» . ودونه «فأحبّ كذا» . ودونه «ويجب أن يفعل كذا» . ودونه «وسبيله أن يعتمد كذا» . ودونه «فافعل كذا» . ودونه «فافعل كذا من غير مخالفة» . ودونه «واحذر المخالفة» .
المهيع الرابع (في عنوانات الكتب على هذا المصطلح، وفيها أربعة أحوال)
الحالة الأولى- أن يكون العنوان من الرئيس إلى المرؤوس
. قد ذكر في «صناعة «١» الكتّاب» أنّ العنوانات من الوزير والقاضي وغيرهما من الرؤساء على تسع مراتب:
(الأولى) أن يكتب في الجانب الأيمن «لأبي فلان أطال الله بقاءه وأعزه» ، وفي الجانب الأيسر «من فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه إن لم يكنّه الإمام، فإن كنّاه، كتب «من أبي فلان» ، والقاضي في معنى ذلك.
(الثانية) أن يكتب في الجانب الأيمن «لأبي فلان أطال الله بقاءه» فقط، ويكتب الاسم «٢» ولا يكتب: وأعزّه.
(الثالثة) أن يكتب في الدعاء للمكتوب إليه: أدام الله عزّه.
(الرابعة) أن يكتب: أعزّه الله.
(الخامسة) أن يكتب: أكرمه الله وأدام كرامته.
(السادسة) أن يكتب: أكرمه الله، وفي ذلك يكتب اسم الوزير في الجانب الأيسر.
стр. 3889
(السابعة) أن يكتب: أبقاه الله، ولا يذكر اسم الوزير في هذه المرتبة وما بعدها.
(الثامنة) أن يكتب: حفظه الله، ولا يكتب اسم الوزير.
(التاسعة) أن يكتب: عافاه الله.
وعلى نحو ذلك جرى ابن حاجب النّعمان في «ذخيرة الكتاب» فقال: إنه يبدأ في الجانب الأيمن بذكر المكتوب إليه ونعوته وكنيته واسمه واسم أبيه ونسبه المشهور من ناحيته أو قبيلته أو بلده، ثم يذكر المكتوب عنه في الجانب الأيسر باسمه واسم أبيه، فإن كان الكتاب عن الوزير، ذكر كنيته في الجانب الأيسر، إن كان الإمام أمره أن يكاتب متكنّيا أو متلقّبا.
وقد سبق في الكلام على أصول المكاتبات في أوّل الباب الثاني من هذه المقالة أنّ من السّلف من كره لأبي فلان وقال: الصواب أن يكتب إلى أبي فلان.
قال في «صناعة الكتاب» ويكتب: لأبي الحسن، فإن أعدت الكنية في الناحية الأخرى رفعت فقلت: أبو الحسن عليّ بن فلان على المبتدإ والخبر أو على إضمار مبتدإ، وإن شئت خفضت على البدل، فإن لم تعد الكنية كان الخفض أحسن فقلت لأبي الحسن. ثم قال: وإن كتبت إلى رجلين كنية كلّ منهما أبو الحسن، كتبت لأبوي الحسن، إذا لم يكن لهما ولد يقال له الحسن، فإن كان لكل منهما ولد يقال له الحسن، جاز أن يكتب لأبوي الحسنين. قال: والاختيار أن يكتب لأبوي الحسن أيضا؛ لأنّ المعنى للّذين يقال لكلّ واحد منهما أبو الحسن.
ويجوز أن يكتب إلى الرجلين اللّذين يكنّيان بأبي الحسن: لأبي الحسن بفتح الباء وكسر الياء على لغة من قال جاءني أبك، والأصل فيه لأبين الحسن سقطت النون للإضافة، ويكتب في الجميع لأبي الحسن بكسر الباء، الأصل لأبين بكسرها أيضا، سقطت النون للإضافة على لغة من قال: جاءني أبوك يعني بضم «١» الواو،
стр. 3890
ويجوز أن يكتب لرجل كنيته أبو الحسن لأبا الحسن على لغة القصر، كما يقال لفتى الحسن.
قال في «ذخيرة الكتاب» وإن كان الكتاب إلى اثنين «١» وكنايتهما مختلفة، كأبي جعفر، وأبي منصور، وأبي بكر، كتبت آباء جعفر ومنصور وبكر. وإن كانت كنايتهم متفقة مثل أن تكون كنية كلّ منهم أبو جعفر كتبت آباء جعفر.
الحالة الثانية- أن يكون العنوان من المرؤوس إلى الرئيس
. قد ذكر «النحاس» عن الفضل بن سهل أنه إذا خوطب الكفء «بجعلني الله فداءك» بالصدر الكامل، فأحسن دعائه للعنوان، «أعزّه الله وأطال بقاءه» ، وذكر أنه إذا كوتب بأعزّه الله فأجمل العنوان مدّ الله في عمره. قال في «صناعة الكتّاب» ولا يتكنّى الرجل في كتبه، إلّا أن تكون كنيته أشهر من اسمه فيتكنّى على نظيره، ويتسمّى لمن فوقه، ثم يلحق المعروف أبا فلان، أو المعروف بأبي فلان. قال:
ويكتب: من أخيه، إن كانت الحال بينهما توجب ذلك.
الحالة الثالثة- أن يكون العنوان من الرجل إلى ابنه ومن في معناه
، قد ذكر النحاس أنه يعنون إليه من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، ثم قال: وكذا كبير الإخوة والرجل إلى أهل بيته.
الحالة الرابعة- أن يكون المكتوب إليه امرأة
. قال في «صناعة الكتّاب» :
إن كان المكتوب إليه أمّ الخليفة، كتب: للسيدة أمّ فلان أمير المؤمنين، وإن كانت امرأة الخليفة وكان ابنها معهودا إليه بالخلافة، كتب للسيدة أمّ فلان وليّ عهد المسلمين، وإن كانت امرأة رجل جليل، كتب للحرّة أمّ فلان، ولا يكتب اسمها، ويدعو لها بالدعاء الذي يكون خطابها به.
стр. 3891
هذا ما كان الحال عليه في زمن النحاس في خلافة الراضي وما حولها.
وقد ذكر ابن حاجب النعمان في «ذخيرة الكتّاب» أنّ الحال تغيّر عن ذلك عند تغيّر المكاتبات إلى المجلس العالي، والحضرة السامية، وما يجري مجرى ذلك، ثم قال: فعلى هذا إذا كتب إلى المكتوب إليه بالمجلس العالي أو السامي ونعوته، فيجب أن يكنّي عن نفسه بالمملوك أو مملوكه أو العبد أو الخادم. وإذا كتب: الحضرة السامية أو العالية ونعوتها، فيجب أن يكنّي عن نفسه الخادم أو خادمها أو عبدها أو إذا كتب: حضرة سيدنا ونعوتها، فيجب أن يكنّي عن نفسه خادمها أو خادمه وعبدها أو عبده. وإذا كتب: حضرة مولانا ونعوته، فيجوز أن يكنّي عن نفسه ما شاء من ذلك. قال: وفي الكتابة إلى النظير لا ضابط لعنوانه كما لا ضابط لمكاتبته، بل له أن يكنّي عن نفسه بما شاء مما تقدّم ذكره.
ثم قال: وإن كانت المكاتبة من الرئيس إلى المرؤوس، فيجب أن يكنّي:
حضرة الفلاني بغير مولاي- ودونه: الفلاني بغير حضرة، وكنيته ونعوته واسمه واسم أبيه، ويكنّي عن نفسه ما يختار أن يكتبه الرئيس إلى المرؤوس مما هو معروف مشهور، ويزيد في اسمه واسم أبيه ألفا ولا ما، إن كانا مما يجوز أن يزاد [فيهما] ، وإذا كتب المرؤوس إلى الرئيس وكنّى عن نفسه بما كنّى، فيجب أن يحذف من اسمه واسم أبيه الألف واللام. قال: وللرئيس أن يكتب عن نفسه بما شاء من الكنايات التي تليق بمنصبه واسمه واسم أبيه ونعته المقترن بأمير المؤمنين، مثل ناصر أمير المؤمنين، وحسام أمير المؤمنين، وما أشبه ذلك.
المقصد الثاني (في [رسوم] إخوانيّات أهل المغرب)
وعادتهم فيها أن يكون الخطاب فيها خطاب المواجهة. مثل: أنت، وأنا، ولك، وعندي، وعندك. وربّما خاطبوا الواحد بميم الجمع تعظيما للمكتوب إليه، كما يعبّر عن المتكلّم الواحد بنون الجمع تعظيما له. قال ابن شيث في
стр. 3892
«معالم الكتابة» : ولا يعرف ذلك لغيرهم، وربّما وقع الخطاب عندهم على الغيبة أيضا، وفيه جملتان:
[الجملة الأولى (في مفتتحات المكاتبات على اصطلاحهم، وفيها مهيعان)
المهيع الأوّل (في ابتداء المكاتبات، وهي على طرق) ]
«١» منها- أن تفتتح المكاتبة بالدعاء؛ إمّا بطول البقاء كما كتب عبد الله بن طاهر «٢» : أطال الله بقاء سيدي الأعلى، ومفزعي في الجلّى، متمّمة عليه النّعم، ميسّرة لديه الهمم، أقول بدءا أيّدك الله: لقد أعشى الناظرين سناك، كما أعيا الطالبين مسعاك، ولئن فتّ الجميع، لقد أبدعت الصّنيع، فلا غاية لمجد إلّا وأنت آتيها، لا ذروة لعزّ إلّا ومن ظباك بانيها، لك الهدى والناس ضلّال، وفي يديك الضوء والكلّ أغفال، وإن الأمر كذا وكذا.
وكما كتب أبو المطرّف بن عميرة «٣» : أطال الله بقاء الأخ السّريّ الكريم، الحريّ بالتّقديم والتعظيم، أوحد فرسان الإحسان، وواحد عقبان البيان، ولا زال قلمه جالي بدائع السّحر، جالب بضائع الشّحر «٤» مغبوط السّبق، عند كلال جياد
стр. 3893
الكلام، مبسوط الرّزق، في حال إملاق الأقلام، إن ذكرت- أبقاك الله- البلاغة فمن على موردها يساجلك، أو قيل في شريعتها بنيت على خمس فإنما هي أناملك، صفوها متفجّر من معينك، وشاؤها لا مطمع فيه لغير يمينك، وشأوها تستوفيه في هيئة متمهّل، وجناها ترعاه بعزّة أخي مهلهل، فقد صرت أمام أمّتها، لا بل إمام أئمتها، والراضع لرسلها، بل الواضع لأصلها. فهنيئا لها أن كنت سابق غايتها، وسائق رايتها، وبشرى لمهرق وشّته يراعتك، ومشّته براعتك، لقد أوتي من الحسن ما تشتريه القلوب بحبّاتها وتشتهيه النفوس أكثر من حياتها، وإن الأمر كذا وكذا.
وإما بالبقاء المجرّد.
كما كتب أبو محمد بن عبد «١» البرّ، إلى بعض أرباب الأقلام:
أبقى الله الشيخ في عزّة تالدة طارفة، وسعادة لا تزال طارقة بكلّ عارفة، ولا زال قاصده مخيّما من رفده بروض ناضر، ومحوّما من مجده على مسرّة سمع وقرّة ناظر، والأمر كذا وكذا.
وإما بالدعاء للحضرة.
كما كتب أبو زيد «٢» الفازازي:
أبقى الله حضرة السيد ناضرة أدواح السّعد، عاطرة أفواح المجد، ساكبة أنواع الجدّ، صائبة سهام الجدّ، ولا زالت مغشيّة الجناب، بوفد الحمد، موشيّة
стр. 3894
الإهاب، بسودد الحفد. الظّلّ إذا رحب، ازدحم عليه الضّاحون، والورد إذا عذب، ازدلف إليه الممتاحون، وظلّ الحضرة المكرّمة كثيف الأفياء، ووردها مغن عن وسائط الأرشية والدّلاء، فلا غرو أن تضرب إليها أكباد الإبل، وتغصّ بالوفود عليها أفواه السّبل، والله تعالى يعين الحضرة المكرّمة على الأيادي تسوّغها، والآمال تبلّغها، بمنّه. وإن الأمر كذا وكذا.
وإما بالدّعاء للمحلّ.
كما كتب أبو المطرّف بن عميرة في صدر شفاعة:
أبقى الله المحلّ الأعلى حرما يتحاماه الأنام، وعلما تتضاءل له الأعلام، ولا زالت آراؤه الناجحة، تستمدّها العقول والأفهام، ومساعيه الصالحة، يشكرها الله والإسلام، إنّ مجدا سامى الكواكب بمثواه، وسارى الغرّ السواكب في جدواه، لداع إلى استلام كفّه العلية، والاستهام على وصفه الذي له حقيقة الأوليّة، وكيف لا وقد أجار من الدهر المخيف، وصار قبلة كلّ داخل تحت التكليف، يعيد متى أخطأها صلاة الأمل، ويرى الاجتهاد في طلبها من راحة العمل، وإنّ الأمر كذا وكذا- إلى غير ذلك من أنواع الدعاء.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بلفظ «كتابي» كما كتب أبو المطرّف بن عميرة إلى بعض العلماء:
كتابي إلى سيدي- حفظه الله مقيما وسائرا، وأبقاه لغرر البيان ساحرا، وعن وجه الإحسان سافرا، ولا زالت آدابه تشرق وتروق ساهرا، ومحاسنه كالشمس إذا لم يلق نورها ساترا، من فلانة- والودّ روضة مطلولة، ورحم موصولة، خلص من القلب إلى حبّته، واختصّ منه بما ليس لأحد من أحبّته، وأثار شوقا على قدره، وهوى ثوى في صدره، وأسفا على عهد أصبو إلى ذكره، فات، وردّ الفائت يعسر، وقصر، وأيام السّرور تقصر، كأنما كان قراءة سطر، أو إغفاءة فجر، أو زيارة مجتاز، أو عبارة ذي إيجاز. فمن لنا بذلك الأرج الذكي، والأريحيّ يرتاح لما يخترع أو يحكي، ومتى نفوز بمن ينحت من صخر، ويزري بأبي صخر، ويغرف
стр. 3895
من بحر، ويجري مع أبي بحر، ويجمع إسناده بين الجامع والمسند، وينشد من بدائع حفظه ما يؤثر يد المسند، شجرة علم تؤتى كلّ حين أكلها، ومزنة فضل تجود ما نخشى بخلها، وضالّة أدب يقلّ لها أن يجعل القارت «١» جعلها، فات عنّا، فأتعب وعنّى، فهل معين على دواء إن نحن لسعنا، أو سبيل إلى ما يفيدنا من الكلام فنحن في حروف تجيء بغير معنى، وإن الأمر كذا وكذا.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بلفظ: كتبت.
كما كتب أبو زيد الفازازي:
كتبت- كتب الله للأخ الأبرّ الأوفى، والفاضل الذي آثار مآثره لا تخفى، مجدا هامي الرّبابة، سامي الرابة، وذاكرا منتحلا بالإطالة والإطابة، وقرن أعماله بالقبول ودعواته بالاستجابة- من مكان كذا، ولا جديد بيمن الله تعالى إلّا صنعه الجميل، ولطفه العريض الطويل، والحمد لله ربّ العالمين، حمدا يؤمّن آلاءه من التغيير والتبديل، والأمر على كذا وكذا.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بكناية عن المكتوب إليه من لقب ونحوه، كما كتب أبو المطرّف بن عميرة لبعض الرؤساء:
الجناب الرّياسيّ أدام الله اعتلاءه وحرس مجده وسناءه.
صدرت هذه الخدمة إليه من فلانة، ولا مزيد على ما يجب لجلاله من التعظيم، ولفضله من التقديم، ولآلائه من الشّكر العميم، وإنّ الأمر كذا وكذا.
وكما كتب أبو بكر «٢» بن عيسى شافعا في أنصاريّ:
стр. 3896
السيد العماد، والماجد الجواد، والملجأ المنيع المريع لمن يرتاع أو يرتاد، أدام الله علاءه، وضاعف عنده آلاءه، بدر الجملة الشريفة، وفرع الدّوحة المنيفة، من آل قيس الجود، وقيل بني قيلة الباذلين الموجود، أولئك الذين عزّ المهاجرون بإخائهم وسخائهم، فلا غرو أن تكلف الألسنة بمدحه، وتمدّ الأيدي إلى منحه، ويصدّر باسمه تاريخ الأجداد فهو أحقّ مفتتحه، والأمر كذا وكذا.
وكما كتب أبو المطرّف بن عميرة، عن الأمير أبي جميل «١» زيّان، إلى الأمير أبي زكريّا «٢» بن إسحاق:
الأمير الأجلّ الهمام الأعلى حرس الله مقامه، وأسعد أيّامه، وظاهر بالنّصرة مضاءه واعتزامه، راسخ شرف النّجار، ثابت أصل الفخار، مستهلّ آلاء السّحب الغزار، والعيون إليه سامية، والهمم إلى ما لديه مترامية، والصدور بالأمل فيه تشرح، والنفوس الحرّة إلى استرقاقه تطمح، ولا غرو- والكرم من بعض شيمه، والغنى من فضل ديمه- أن يسير إليه في البر والبحر كلّ ذي رغبة، وتترامى نحوه ركائب الرّجاء من كل تربة، ومخاطبتنا هذه إلى مجلسه أيده الله عمّا نعلمه من كبير قدره، ونوجبه لعالي أمره، ونبيح به من طيّب خبره، وجميل ذكره، والأمر كذا وكذا.
стр. 3897
وكما كتب أبو الحسن بن شلبون «١» :
العماد المذخر، والملاذ الذي بولائه أفخر، جعل الله قدره عاليا، ودهره بمحاسنه حاليا، ولا زال للنّعم قابلا وللأ [سواء] قاليا، كتبت من مكان كذا، والودّ حلية يتألّق رونقها، وشجرة لا يسقط ورقها، وإنها مغروسة، لا تقبل بذر العوادي، ومحروسة، لا يقع عليها من يقع في شجر الوادي، والأمر كذا وكذا.
وكما كتب أبو المطرّف بن عميرة إلى بعض الفقهاء شافعا موصيا:
المحلّ الأعلى- ضاعف الله أنوار هدايته، وأبقى على الجميع آثار عنايته- مستودع الكمال، ومشرع الآمال، ومقعد أرباب السّؤال، ومصعد الصالح من الأعمال، وإن فلانا من أمره كذا وكذا.
وكما كتب ابن أبي «٢» الخصال:
الشيخ الأجلّ أدام الله عزّه ونعماه، ووصل رفعته وعلاه بتقواه، مجلّ قدركم، وملتزم برّكم وشكركم، العارف بحقّكم، فلان، فكتب يعظّمكم كتب الله لكم خيرا مستمرّا، ورضا على ما ترضونه ثابتا مستقرّا، من مكان كذا، على الرسم الملتزم من توفير علائك، والشّكر لآلائك، والربّ تعالى ينهض بحقكم اللازم الألزم، ويصل حراسة مجدكم الأتلد الأقدم، بمنّه وفضله، وإنّ الأمر كذا وكذا.
واعلم أنه ربّما أتي بعد ذكر النّعوت بالسلام، ثم بحمد الله تعالى والصلاة
стр. 3898
على النبي ﷺ وعلى آله، ثم الرّضا عن الخلفاء الماضين والخليفة القائم. وعلى ذلك كانت طريقة كتّاب دولة الموحّدين أتباع «المهديّ «١» بن تومرت» كما كتب أبو محمد بن عبد البرّ:
الشيخ الأجلّ، أدام الله عزّته، ووصل كرامته ورفعته، مجلّ قدره، وملتزم برّه وشكره، المسرور بما يجريه إحسانه من طيّب ذكره.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد حمد الله العظيم، والصلاة على سيدنا محمد رسوله الكريم، وعلى آله- والرّضا عن الإمام المعصوم مهديّه، وعن خلفائه الأئمة الراشدين- والدعاء لسيدنا الخليفة الإمام أمير المؤمنين، ابن الأئمة الخلفاء أمراء المؤمنين، بالنّصر الأعزّ، والفتح الأتمّ الأوفى، فكتب كتب الله لكم مجدا لا يهي شرفه، وسعدا لا يني طرفه، من فلانة- حرسها الله- ولا ناشيء عن الله تعالى وعميم لطفه إلّا الخير الأكمل، والصّنع الأجمل، والحمد لله رب العالمين كثيرا، وإنّ الأمر كذا وكذا.
قلت: وعلى هذه الطريقة كانت كتابة أبي عبد الله بن الخطيب «٢» ، كاتب ابن الأحمر بالأندلس على القرب من زماننا.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بالخطاب، إما مع حذف ياء النّسب أو مع إثباتها، أما مع حذفها، فكما كتب أبو المطرّف بن المثنى «٣» :
стр. 3899
سيّدي ومفخري، وعصمتي ووزري، وركني وعمادي، وذخيرتي وعتادي، أبقاك الله ناهجا سبل المكارم والمعالي، موقّى حوادث الأيّام واللّيالي. كتبي أعزّك الله عن عهد حسن لك قد أحكمت معاقده، وودّ محض فيك قد صفت موارده، ونفس ترتاح لذكراك، ولسان لاه بين محاسنك وعلاك، قد انفسح في نشر فضائلك ميدانها، وفاق في وصف فواضلك بيانها، فهي تنظم عقود مجدك، على أجياد شكرك، وتحوك من برود تقريظك وثنائك، خلعا لمجدك وسنائك، وشيها الذّكر الخطير، وطرازها الترفيع والتّوقير، تكسر عصب عدن، وتعفّي على وشي اليمن، وتطلع من رياض أخلاقك، في منابت أعراقك، ما يزري بنسيم المسك تضوّع عرفه وانتشاره، ويربي على حسن النجوم الزاهرة طوالع أزهاره وأنواره، وأخلق بمن جمع الله العالم فيه، وحرس معاهد البرّ بكريم مساعيه، أن لا تعزى خلّة نبيلة إلّا إليه، ولا تقصر منقبة جليلة إلّا عليه، ولا تؤثر مأثرة نفيسة إلّا عنه، ولا تقتبس سيرة جميلة إلّا منه، والله تقدّس اسمه يحمي هذه الأوصاف البديعة، والخلال الرفيعة، من طوارق الدّهر ونوازل الغير، ويجعل عليها يدّه، ويصرف عنها معرّة كل خطب وشدّة، بحوله وطوله، ويكون الأمر كذا وكذا.
وأمّا مع إثبات ياء النّسب «١» ، فكما كتب أبو المطرّف بن الدّبّاغ «٢» إلى بعض الأدباء عند وروده إلى بلاده:
يا مولاي وسيّدي، العظيم شأنه وأمره، العالي صيته وذكره، ومن أبقاه الله في عزّ لا تنفصم عراه، وحرز لا يستباح حماه، لم أزل- أبقى الله سيّدي ومولاي- تسمو بي إلى الكتابة همّة، وتترامى بي إلى البلاغة عزمة، حتّى تذلّلت لي صعابها فامتطيت، وتسهّلت لي حزونها فارتقيت، ولمّا رفعت لي عن غرائبها
стр. 3900
الأستار، وعلمت من غوامضها الأسرار، وفزت بالمعلّى من سهامها، والموفور من أقسامها، جعلت بأيّ أئمتها أأتمّ وأهتدي، وإلى أي رؤسائها أنتسب وأعتزي، ناظرا في ذلك إلى شائع الأخبار، ومتداول الآثار، فوجدت الألسنة إذا تناولت صفة سواه، تحلّت بعض حلاه، أو أرقته إلى رتبة من العلياء، تمثّلت به في الرّفعة والسّناء، ثم تفرده أعزّه الله دونها بالفهم المتين، والعلم المشهور، والحلم المتعارف، والفضل المتواصف، والرّتبة السامية، والجلالة المتناهية، فكلّما رأيت محاسن مجده تجلى، وسور فضله تتلى، هممت أن أطير إلى حضرته بجناح الارتياح، وأركب إلى أفقه نوّره الله أعناق الرّياح، والأيّام تقطعني بمصائبها، وتقيّدني بأحداثها وبحوائبها، حتّى قضى الله أن يرد هذا الأفق فأخرخ الأمل بغير نصب، وأنال البغية بغير طلب (طويل) .
وليس الّذي يتّبّع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بالتحيّة والسّلام.
كما كتب أبو المطرّف «١» بن عميرة:
تخصّ الابن محبّة ومقة، والعباد اعتدادا بجانبه وثقة، حفظ الله نجابته، وجعل لداعي السّيادة تلبيته وإجابته، تحيّة الإجلال والتّكرمة، والمودّة الخالصة المتحكّمة، ورحمة الله تعالى وبركاته، من مكان «٢» كذا، والودّ كلف، والعهد بالصّون من جميع جوانبه مكتنف، وتكلم الذات السنيّة ذخيرة جليلة، وأمل لا تخطيء منه مخيلة «٣» ، وهبة يكذب معها أن يقال الأيّام «٤» بخيلة. وكنّا نظنّ أنّ
стр. 3901
بناء «١» الكرم صمّ صداه، ومربع الفضل عاصب «٢» برداه، وغائب عن الرّشد أداه «٣» ونقول: ما كلّ من أقعدته العيلة «٤» عميلة، ومتى يفطن «٥» عمير عمر وبحيله، فكفا بكفاتها، وهل «٦» سوى قيس لرحى العجوز عدمت جداتها، حتّى «٧» تمثّل هذا المجاهد من طرفيه، المستقبل آثار سلفيه، حفظ الله الألفاظ والألسنة، وحملة الأقلام والأسنّة.
وكما كتب أبو زيد الفازازي:
السّلام الكريم العميم، على الشيخ الذي أثبت على ودّه فلا أتحوّل، وأطنب في حمده فلا أستعير ولا أتأوّل، وأتعلّل بذكره عند عدم مرآته ولأمر ما أتعلّل، فلان- أدام الله رفعته، وحرس من الأسواء مهجته. كتب أخوكم، البرّ بكم، الشّيّق إليكم الشاكر لمحاسنكم، المسرور بما سمعه من صلاح أحوالكم، فلان، ولا جديد بمنّ الله تعالى إلّا الخير والحمد لله كثيرا، والأمر كذا وكذا.
стр. 3902
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بالكناية عن المكتوب عنه، كما كتب ابن أبي الخصال إلى بعض الكتّاب يسأله حاجة:
معظّم الشيخ الأجلّ أبي فلان، ومجلّه المكبّر له فلان، أعلى الله قدركم، وأوزع أولياءكم شكركم، أياديكم أدام الله كرامتكم أوكف من الغمام، ونعمكم ألزم للأعناق من أطواق الحمام، وإنّ وليّكم ومعظّمكم يحتاج إلى كذا وكذا.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بلفظ من فلان.
كما كتب [بعضهم] من فلان، إلى الشيخ الحافظ الأكرم أبي فلان، أدام الله كرامته بتقواه، فالكتاب إليكم كتب الله لكم أحوالا صالحة، وخيرات عليكم غادية رائحة، من موضع كذا، والبركات متوافرة، والخيرات متظاهرة، والحمد لله تعالى، وإنّ الأمر كذا وكذا.
ومنها- أن تفتتح المكاتبة بلفظ إلى فلان.
كما كتب بعضهم إلى والده:
إلى مولاي المعظّم وأبي، المتكفّل بتعليمي وحسن أدبي، أبقاه الله ناظرا إليّ بعين رضاه، وأعانني على الجري في برّه على حكم الشّرع القويم ومقتضاه، من ابنك المعظّم لك، بل عبدك المتطلّع إلى ما يصل من الأنباء الكريمة من عندك، المواصل المسعى في شكرك وحمدك، فلان؛ بأبي كتبته كتب الله لكم ليانا من العيش وخفضا، وجمع بعد الافتراق بعضا منّا وبعضا، ويسّر لي بطوله ومنّته أن يصفح عنّي وأن يرضى، من موضع كذا، ولا جديد إلّا نعم من الله تراوح وتغادي، وتجري الخواتم منها على حكم المبادي، وشوق إليكم يعمر أحناء ضلوعي وفؤادي، ويحسم عنّي قطيعي دمعي الهتون وسهادي، والله جلّ وعزّ ييسّر انقضاب غربة النّوى، ويريح النفوس من محرق اللّوعة ولا عج الجوى؛ والأمر كذا وكذا.
стр. 3903
المهيع الثاني (في الأجوبة) (وهي على ما تقدّم في أجوبة المشارقة من أنها على ضربين)
الضرب الأوّل (أن يفتتح الجواب بما يفتتح به الابتداء، ثم يقع التعرّض إلى وصول الكتاب، وذكر الجواب عنه)
كما كتب أبو عمرو «١» الباجي:
وعدك الكريم- أدام الله عزّك- دين، وقضاؤه شرف وزين، ومثلك من تحلّى بمحاسن الشّيم، وزاحم في السّيادة بالمنكب العمم، وحفظ العهد لما أضيع، واشترى المجد بما بيع، والتزم للوفاء شرطا لا يفسخ، ورآه شرعا لا ينسخ، ووصل كتابك العزيز في معنى كذا وكذا.
الضرب الثاني (أن يفتتح الجواب بورود الكتاب ووصوله ابتداء)
كما كتب ابن أبي الخصال:
ورد كتابك في أمر فلان يفرض الحمل عليه في النّفوذ لوجهته، والتقدّم إلى رتبته، وليس عندي إلّا عون وإنجاد، وطاعة وانقياد، غير أنّ في الأمر كذا وكذا.
الجملة الثانية (في خواتم المكاتبات على اصطلاحهم، وهي على أساليب)
مها- أن يختم الكتاب بالسلام المجرّد عن الدعاء.
стр. 3904
كما كتب أبو عمرو الباجي في خاتمة كتاب:
وأقرأ عليك سيّدي، وأسنى عددي، أجزل السّلام وأحفله، وأتمّه وأكمله.
ومنها- أن يختم بالدعاء.
كما كتب أبو المطرّف بن الدبّاغ في خاتمة كتاب:
والله لا يخلي مولاي من عبد يسترقّه، ومنعم ينعم عليه [بما] يستحقّه، وجميل يوليه، وصنع يسديه، بمنّه وجميل صنعه.
ومنها- أن يختم بذكر التودّد والمحبّة.
كما كتب أبو جعفر «١» الكاتب في آخر كتاب:
وإن لم يكن لي من الحقّ ما لا أتبسّط به عليه، فلي من الودّ ما أمتّ به إليه، فحسبي به سلّما إلى فضلك، وذريعة إلى مجدك، إن شاء الله تعالى والسّلام.
ومنها- أن يختم باستماحة النظر في أمر المكتوب عنه.
كما كتب أبو المطرّف بن المثنّى في خاتمة كتاب:
ولك الطّول العامّ، والفضل الزاهر، في اعتبار أمري، وتحقيق خبري، والسّلام.
إلى غير ذلك من الخواتم التي تستدعيها المكاتبة وتستوجبها المقاصد، وفيما ذكر من الصّدور والخواتم ابتداء وجوابا مقنع لمن تأمّل والله المستعان في الأمر كلّه.
стр. 3905
المقصد الثالث (في الإخوانيّات المستعملة بالديار المصرية، وفيه ثلاثة مصطلحات)
المصطلح الأوّل (ما كان الأمر عليه في الدولة الطّولونيّة وما قاربها مما جرى عليه ابن عبد كان «١» وغيره، وفيه ثلاثة مهايع)
المهيع الأوّل (في الصّدور وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (الابتداءات، ولهم فيه أساليب)
الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء، وعليه غالب كتابتهم، وهي على أنماط)
منها- الدعاء بطول البقاء وما في معناه.
كما كتب ابن عبد كان في صدر مكاتبة: أطال الله بقاءك، ففي إطالته حياة الأنام وأنس الأيام والليالي، وأدام عزّك ففي إدامته دوام الشّرف ونموّ المعالي، وأتم نعمته عليك فإنها نعمة حلّت محلّ الاستحقاق، ونزلت منزلة الاستيجاب ووقفت على من لا تكره الآلاء مكانه، ولا تنكر الفواضل محلّه.
وكما كتب: عمر الله بك الأزمنة والدّهور، وآنس ببقائك الأيّام والشّهور، وأمتع بدوام عزّك السّعداء بحظّهم منك.
стр. 3906
ومنها- الدعاء بدوام النّعمة.
كما كتب: أسبغ الله عليك نعمه الراهنة بنعمة المستظفر، وصانها لديك بإيزاع الشّكر عليها، فلم أر ولله الحمد نعمة قصدت مستقرّها، وتوخّت وليّها، وتمنّت كفؤها، إلّا نعمتك أكسبت أولياءها عزّا ونضرة، وملأت أعداءها ذلّة وغضاضة، وتمكّنت بمحلّ الصّيانة والرّعاية، وخيّمت بمستقرّ الشّكر والحمد.
ومنها- اطّراح الدعاء بدوام النعمة لتقييدها بموجباتها منها.
كما كتب: قد كفى الله مؤونة الدعاء لنعمتك بالنّماء؛ لأنها توخّت لديك محلّها، فحلّت بفنائك سارّة، مطمئنّة قارّة، تستوثر مهادها قبلك، وتستهنيء مواردها عندك، ولم تزل تائقة إليك، متطلّعة نحوك بما استجمع لها فيك، من لطيف السّياسة وحسن الاحتمال لأعباء المغارم، فهنأكها الله متصلة البقاء بطول مدّة بقائك، ومتحلّية بحسن فنائك، فلا زلت لعوارف النعم مستدعيا، وللشكر بالزيادة فيها ممتريا، وبدوام الحمد لردفها مستمريا.
ومنها- الدعاء بجعلت فداك.
كما كتب: جعلني الله فداك، فإنّ في ذلك شرفا في العاجل، وذخر العقبى في الآجل، وخير تراث لمخلّفي من بعدي، دعاء أخلصته النّيّة، وصدّقته الطويّة.
ومنها- استكراه الدعاء بالتفدية.
كما كتب: إن قلت في كتبي إليك: جعلني الله فداك، فأكون قد بخستك حظّ إحسانك إليّ، وحقّ مفترضك عليّ؛ لأنها نفس لا توازن ساعة من يومك، ولا توازي طرفة من دهرك، وإنما يفدّى مثلك بالأنفس التي هي أنفس من الدنيا وأعرض من أقطار الأرض.
ومنها- تفدية النّعمة إعظاما لها.
كما كتب: جعلني الله فداء نعمتك التي علت ذروة سنامها، وفاضت درّة سمائها، فعمّرت أقطار الآملين، ونضّرت جناب ناحية المعتمدين.
ومنها- الدعاء بصلاح الدنيا وغبطة الآخرة.
стр. 3907
كما كتب: أسعدك الله بعواقب قضائه وقدره، ووهب لك الصّلاح في دينك والسلامة في دنياك.
ومنها- الدعاء بكبت العدوّ.
كما كتب: مكّن الله يدك من ناصية عدوّك بالصّولة عليه، ومن زمام وليّك بالإحسان إليه، وبلّغك من كلتا الحالتين ما ينمي على تأميلك، ويوفي على تمنّيك.
ومنها- الدعاء المشترك بين المكتوب عنه والمكتوب إليه.
كما كتب: أدام الله أنسي بحياتك، وحرسني من الغير في نعمتك، وأكرمني بصيانة أيّامك ولياليك، وأعزّني بذلّ عدوّك وقمح حاسديك.
ومنها- الدعاء بطيب الحياة.
كما كتب: عش أطيب الأعمار، موقّى من سوء الأقدار، مبلّغا نهاية الآمال، مغبوطا في كلّ الأحوال، لا ينقضي عنك حقّ عارفة حتّى تجدّد لك أخرى أجلّ منها، ولا يمرّ بك يوم من الأيّام إلّا كان مؤمّنا «١» على أمسه مقصّرا عن فضلة غده.
ومنها: الدعاء باقتضاء العدل والإنصاف.
كما كتب: جعلك الله ممّن ينظر بعين العدل، وينطق بلسان القسط، ويزن بقسطاس الحقّ، ويكيل بمعيار الإنصاف.
ومنها: الدعاء بإيزاع الشّكر.
كما كتب: وصل الله لك كلّ نعمة ينعمها عليك من الشّكر بما يكون لحقّها قاضيا، وللمزيد إليها داعيا، ومن الغير مؤمّنا، وللسّلامة موجبا.
ومنها: الدعاء للحاجّ بالبلاغ.
стр. 3908
كما كتب: أوطأك الله في مسيرك أوثر المطايا، وخوّلك فيما نويته أسبغ العطايا، وأوردك الهداية إلى كريم المشاهدة وزكيّ المواقف وأولاها بالزّلفة المقبولة، والقربة المأمولة.
ومنها: الدعاء للمسافر.
كما كتب: جعلك الله في حفظه وكنفه، وأحاطك بحيطته، وجعل سفرك أيمن سفر عليك، ورجع لك بدرك الحاجة، وبلوغ الأمل، ونجح الطّلبة، ونيل السّؤل.
ومنها: الدعاء بالعافية من المرض.
كما كتب: مسح الله ما بك، وعاد بالبرّ عليك، وعجّل الشّفاء لك، ومحّص بلواك.
ومنها: الدعاء للولاة.
كما كتب: أجرى الله بالخير يدك، وصما (؟) بالعزّ طرفك، وأوطأ كلّ مكرمة قدمك، وأطال إلى كلّ غاية هممك، وبلّغك أقصى محبّتك.
ومنها: الدعاء في الأضحية بقبول النّسك.
كما كتب: جعلك الله بقبول النّسيكة والقربان، فائزا بالأجر والرّضوان، مخلصا لله بالإيمان، في السّرّ والإعلان، مؤدّيا لما افترض عليك، شاكرا لإحسانه إليك.
ومنها: الدعاء بالهناء في الأعياد.
كما كتب: عرّفك الله في هذا العيد المبارك من السّلامة وعمومها، والعافية وشمولها، والعارفة وسبوغها، والحياطة وكمالها، والحماية وجمالها، أفضل ما عرّفك في ماضي أعيادك، وسالف أعوامك.
ومنها: الدعاء بدفع النوائب.
كما كتب: كان الله جارك من فجائع الدّهر ونوبه، ووليّ إنعام النّعمة فيما آتاك من فضله، وتطوّل عليك من حسن الحياطة لما تولّاك والذّبّ عمّا أفادك.
стр. 3909
الأسلوب الثاني (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: كتابي أو كتبت)
فأمّا كتابي، فكما كتب ابن عبد كان: كتابي إليك، وأنا أستعتب الأيّام فيك، وأصانع الزّمان في تقريبك، وربع الجوار الذي كنا نسكن تحت ظلاله، ونتفيّأ برونق جماله، بأجلّ تحفة، وأيسر ألفة، وأعذب مشاهدة، وأصدق مشافهة، ولعل أن يرتاح فيشعب صدعا، ويؤلّف جمعا.
وأما كتبت، فكما كتب ابن عبد كان أيضا: كتبت وأنا من حنين الصّبابة إليك، وإرزام الشّوق نحوك، وأليم التشوق إليك، ولا عج اللّوعة بك، على ما أسأل الله أن يرحم ضعفي ويتصدّق عليّ برؤيتك، ويهب لي النظر إلى وجهك وجمال غرّتك، التي هي حليف الجذل، ونزهة الأمل.
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بالخطاب بأنا)
كما كتب: أنا من جملة صنائعك، وحفظة ودائعك، وشكرة إحسانك، متى تصرّفت في البلاد، فأنا المعروف بمعروفك، والعائش بجدواك، وأنت منزع همّتي وقرّة عيني، ومدار أملي، ومحلّ رجائي.
الضرب الثاني (الأجوبة)
وابتداؤها إما كما في الصّدور الابتداآت كما تقدّم ثم يقع التعرّض لوصول الكتاب، وإما بأن تصدّر بوصوله وهو الأكثر.
كما كتب ابن عبد كان: وصل كتابك فدفع تباريح الشّوق، وقمع كآبة البين، وأطفأ لهيب الحرقة، وبرّد حرّ الصّبابة.
وكما كتب: وصل كتابك مشتملا من أنواع البرّ، على ما يقصر في جنب أيسره أعظم الشّكر.
стр. 3910
وكما كتب: وصل كتابك المصدّر بجواهر لفظك، وبدائع معانيك، ومحاسن نظمك، مستودعا ما لا يقدر على حمده وشكره إلّا بالاعتراف بالعجز عنه، وما أشبه ذلك.
المهيع الثاني (في خواتم الكتب)
وكان اختتام المكاتبات عند أهل هذا المصطلح على ما تقدّم في مكاتبات أهل المشرق من استماحة الرأي، إما بلفظ فإن رأيت:
كما كتب ابن عبد كان: فإن رأيت أن تأتي فيه مؤتنفا، ما لم تزل تأتيه سلفا، فعلت.
وإما بلفظ فرأيك:
كما كتب: فرأيك فيه بما أنت أهله، فإن الرأي [الذي] أنت أهله، فوق ما يلتمسه المسرف في همّته، والمتبسّط في أمنيّته.
وكما كتب: فرأيك في ذلك بما تقضي به الحقّ وتصل به الذّمام، وتحفظ به الحرمة وتصدّق به الأمل، وتقتعد به الصّنيعة، وتستوجب به الشّكر.
المهيع الثالث (في عنوانات الكتب)
ومصطلحهم فيه على نحو ما تقدّم في مكاتبات أهل المشرق، من كتابة إلى فلان من فلان، أو من فلان إلى فلان.
فأمّا ما يكتب إلى فلان من فلان، فكما كتب ابن عبد كان: للسيّد الذي استعبد الأحرار بفضله.
وكما كتب: لمن قربه يمن وسعادة، ونأيه نكد ومحنة.
وأما ما يكتب من فلان، فكما كتب: من صريع الشّوق إليه، وأسير الرّقبة عليه.
стр. 3911
وكما كتب: ممّن لا يتمنّى الخير إلّا له، إذ كان لا يناله إلّا به.
المصطلح الثاني (من مصطلحات الديار المصرية ما كان عليه الحال في الدولة الأيّوبيّة مما جرى عليه القاضي «١» الفاضل ومن بعده، وهو على قسمين)
القسم الأوّل- الابتداء: وليس لمصطلحهم ضابط في الابتداء ولا في الترتيب في الرّفعة والضّعة، بل افتتاحاتهم في ذلك متباينة.
فمن ذلك الافتتاح بالدعاء، وهو أكثر ما يقع في مكاتباتهم، والغالب في ذلك الدعاء للمجلس، كما كتب القاضي الفاضل إلى العماد الأصفهانيّ: أدام الله أيام المجلس التي لحسنات المدلّ مديلة، ولعثرات المقلّ مقيلة، ولمعاطف العزّ مميلة، ولمقاطف الفوز منيلة، ولقداح الجدوى مجيلة، ولا زالت الآراب بمكارمه باجخة، والآراء بمراسمه ناجحة، ومتاجر المفاخر بموالاته رابحة، وأيدي الآمال لأياديه بمصافاته مصافحة، وأرواح أوليائه بروح آلائه في مواطاة أعطياته عابقة فائحة، وأدعية الداعين لأيامن أيّامه، المذعنين لعهود إنعامه، طيّبة صالحة.
ومن ذلك افتتاح العماد «٢» الأصفهانيّ في اعتذار تأخّر المكاتبات: إن تأخّرت مكاتباتي، فإنّ العذر معلوم، والأجر محتوم، والقلم مصدود، واللّقم مسدود، والبلد محصور.
стр. 3912
إلى غير ذلك من أساليبهم المشهورة التي لا يسع استيعابها، ولا حاجة إلى الإمعان في ذكرها «١»
المصطلح الثالث (من مصطلحات الديار المصريّة في الإخوانيّات
، ما جرى عليه الاصطلاح في الدولة التّركيّة، مما رتّبه القاضي محيي الدّين «٢» بن عبد الظاهر، والشيخ شهاب الدين محمود «٣» الحلبيّ، والمقرّ الشّهابيّ بن «٤» فضل الله، ومن جرى مجراهم، من فضلاء الكتّاب إلى زماننا، مما هو دائر بين أعيان المملكة وأكابر أهل الدولة، من نوّاب السّلطنة وسائر الأمراء والوزراء، ومن في معناهم، من أعيان الكتّاب ومن نهج نهجهم من أرباب الوظائف) وفيه مهيعان:
стр. 3913
المهيع الأوّل (في رتب المكاتبات المصطلح عليها)
وقد اختلفت مقاصدهم في ترتيبها اختلافا متقاربا في الزيادة والنقص والتقديم والتأخير، مع مراعاة أصول المراتب. وها أنا أذكر ما استقرّ عليه الحال من ذلك، وأنبّه على ما خالفه من ترتيبهم المتقدّم الذّكر، لتحصل الإحاطة به، ويعلم ما جرى عليه أهل كلّ عصر منهم مما لعلّ مختارا يختاره، أو ينسج على منواله، منبّها على وهم من وهم في شيء من ذلك.
واعلم أنهم قد بنوا هذا النوع من الإخوانيّات على قاعدتين، تتعيّن معرفتهما قبل الخوض في رتب المكاتبات:
القاعدة الأولى- فيما يتعلّق بورق هذه المكاتبات .
قد جرت العادة أن تكون جميع هذه المكاتبات من الأعلى إلى الأدنى، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن النظير إلى النّظير، في ورق قطع العادة دون ما فوقه من مقادير قطع الورق المتقدّمة الذكر، غير أنّ أعيان أهل الديار المصرية يكاتبون في الورق المصريّ، وأعيان أهل الشأم يكاتبون في الورق الشاميّ؛ لكثرة وجوده عندهم، والمعنى في ذلك أنّ كتب السلطان الصادرة عنه إلى جميع أهل المملكة من النّوّاب وغيرهم في هذا القطع، فلا جائز أن تعلو مكاتبة أحد منهم على مكاتبة السلطان في ذلك.
ثم قد اصطلحوا على أن يكون في أعلى المكاتبة عن كلّ أحد من أعيان الدولة قبل البسملة وصل واحد بياضا، إذ كان أقلّ ما يجعل بياضا في كتب السلطان وصلين فاقتصروا على وصل واحد، كي لا يساويه غيره في ذلك، واصطلحوا أيضا على أن لا تنقص المكاتبات المذكورة عن ثلاثة أوصال: الوصل الأبيض في أعلى المكاتبة على ما تقدّم، ووصلان مكتوبان، إذ لو نقص عن ذلك، لخرج الكتاب في القصر عن الحدّ فيزدرى، أما لو دعت الضرورة إلى الزيادة على الثلاثة لزيادة الكلام فلا مانع منه. واصطلحوا على أن يترك للكتاب حاشية بيضاء تكون بقدر ربع الدّرح على ما تقدّم ذكره في غير هذا الموضع.
стр. 3914
القاعدة الثانية- فيما يتعلّق بخطّ هذه المكاتبات، وكيفيّة أوضاعها .
قد اصطلحوا على أنّ جميع هذه المكاتبات تكتب بقلم الرّقاع على ما تقدّم ذكره في الكلام على قطع الورق [من] أنّ لقطع العادة قلم الرّقاع.
واصطلحوا أيضا على أن تكون كتابة البسملة في أوّل الوصل الثاني من المكاتبة، وأن يكون تحت الجلالة من البسملة لقب المكتوب عنه المضاف إلى ملكه أو أميره، فإن كان المكتوب عنه من أتباع السلطان كنوّاب السلطنة وغيرهم من الأمراء والوزراء ومن في معناهم من رؤساء الكتّاب السلطانية، كتب الملكيّ الفلانيّ- بلقب ملكه السلطان، مثل الملكيّ الظاهريّ ونحو ذلك كما في هذه الصورة:
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) الملكيّ الظاهريّ وإن كان المكتوب عنه من أتباع الأمراء كإستدّار «١» أمير ونحوه، انتسب في كتابته إلى لقب أميره الخاصّ مما يضاف في التلقيب إلى الدّين، فإن كان أميره لقبه سيف الدين مثلا، كتب بدل الملكي الفلانيّ: السيفيّ، وإن كان لقب أميره ناصر الدّين كتب الناصريّ، وإن كان لقبه علاء الدين كتب العلائيّ، ونحو ذلك. وإذا كتب تحت الجلالة من البسملة الملكي الفلانيّ ونحو ذلك، جعل ما قبله في السطر بياضا وما بعده بياضا، ويكون ذلك قطعة من سطر مفردة بذاتها.
واصطلحوا على أنه كلّما دقّ القلم وتقاربت الأسطر، كان أعلى في رتبة المكتوب إليه، وكلما غلظ القلم وتباعدت الأسطر كان أنزل في رتبة المكتوب إليه.
واصطلحوا على أن في الرتبة العليّة من المكاتبات يكون السطر الأوّل من المكاتبة تلو الملكيّ الفلانيّ وما في معناه ملاصقا له، وفيما دون ذلك من المكاتبات يترك بياض يسير، ولا يكتب فيه شيء، وكأن المكتوب عنه يقول للمكتوب إليه: هذا محلّ العلامة، ولكنّي قد تركت الكتابة فيه وكتبت بحاشية الكتاب تأدّبا معك ورفعة
стр. 3915
لقدرك، وفيما دون ذلك يترك بياض أوسع من ذلك ويكتب فيه المكتوب عنه علامته على ما سيأتي بيانه في مواضعه إن شاء الله تعالى. واصطلحوا على أنه بعد انتهاء الكلام في المكاتبة يكتب «إن شاء الله تعالى» في خطّه. ثم يكتب التاريخ في سطرين: اليوم والشهر في سطر، والسنة في سطر. ثم تكتب الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ في سطر، ثم الحسبلة في سطر على ما تقدّم بيانه في الكلام على الفواتح والخواتم في المقالة الثالثة.
وليعلم أنّ هذه المكاتبات على قسمين:
القسم الأوّل- الابتداءات
، وهو على أربع درجات سبق توجيه ترتيبها في الكلام على أصول المكاتبات، في أوّل هذه المقالة.
الدرجة الأولى-[المكاتبة] بتقبيل الأرض
، وهي أعلاها رتبة بالنسبة إلى المكتوب إليه.
واعلم أنّ كثيرا من كتّاب الزمان يظنّون أن المكاتبة «بيقبّل الأرض» من مخترعات كتّاب الدولة التركية، بل بعضهم يظنّ أنها من مخترعات المقرّ الشهابيّ بن فضل الله وليس كذلك، بل المكاتبة بذلك كانت موجودة في أواخر الدولة العباسيّة ببغداد، ثم سرت إلى الديار المصرية في أوائل الدولة الأيّوبيّة، فاستعملت بعض الاستعمال، والمكاتبة بذلك موجودة في كلام القاضي الفاضل في بعض المكاتبات الملوكية، ومن ذلك ما كتب به عن نفسه إلى السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» في صدر كتاب تهنئة بمولود:
المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالي الناصريّ، نضّر الله الإسلام بمقامه، وأهلك أعداء الحقّ بانتقامه، ولا أعدم الأمة المحمديّة عقد التزامه، بكفالتها ومضاء اعتزامه. ثم توسّع فيه الكتّاب بعد ذلك حتّى كاتب به الآحاد بعضهم بعضا.
وقد رتّبوا المكاتبة بتقبيل الأرض في المصطلح المستقرّ عليه الحال على خمس مراتب:
стр. 3916
المرتبة الأولى- الإتيان بالإنهاء
بعد «يقبّل الأرض» من غير تعرّض لذكر دعاء ولا ثناء، مع مراعاة الاختصار وعدم السّجع وتقارب السّطور، مثل أن يكتب بعد البسملة ولقب المكتوب عنه الذي تحت البسملة:
يقبل الأرض وينهي كيت وكيت، وسؤال المملوك من الصّدقات العميمة بروز الأوامر العالية بكيت وكيت، أو: والمملوك يعرض على الآراء العالية كيت وكيت، ونحو ذلك. ويختم الكتاب بقوله: أنهى ذلك، أو طالع بذلك، وللآراء العالية مزيد العلوّ، ويعبّر عن المكتوب عنه في خلال المكاتبة بالمملوك.
ويختلف الحال في خطاب المكتوب إليه، فإن كان من أرباب السّيوف وهو نائب سلطنة خوطب بمولانا ملك الأمراء عزّ نصره أو أعزّ الله أنصاره، وإن كان أميرا غير نائب سلطنة، خوطب بمولانا المخدوم ونحو ذلك مما يقتضيه الحال، وإن كان وزيرا ربّ سيف خوطب بمولانا الوزير، وإن كان قاضيا خوطب بمولانا قاضي القضاة، وإن كان عالما كبيرا، خوطب بمولانا شيخ الإسلام، وإن كان من مشايخ الصّوفية خوطب بمولانا شيخ الشّيوخ، وعلى ذلك بحسب المراتب والوظائف على ما يقتضيه رأي الكاتب بما يناسب الحال.
والعنوان في هذه المكاتبة: الفلانيّ مطالعة المملوك فلان، ويعبّر عن ذلك:
بالفلانيّ بمطالعة. وقد يعبّر عن «١» ذلك عن نفس المكاتبة. وصورته: أن يكتب في رأس ظاهر المكاتبة من الجانب الأيمن «الفلانيّ» باللّقب الخاص بالمكتوب إليه، كالسّيفيّ، والناصريّ، والشّمسيّ، وما أشبه ذلك. ويكون ذلك ممتدّا إلى نحو ربع عرض الدّرج، وتحته فلان بما يقتضي تعريفه من وظيفة أو شهرة. فإن كان نائب سلطنة كتب تحت الفلانيّ: مولانا ملك الأمراء بالمكان الفلانيّ، وإن كان وزيرا كتب: مولانا الوزير بالمكان الفلانيّ، وإن كان قاضي قضاة، كتب:
مولانا قاضي القضاة بالمكان الفلاني، ونحو ذلك، ويعبّر عن ذلك بالتعريف،
стр. 3917
ويكتب في الجانب الأيسر من رأس ظاهر المكاتبة مقابل ما كتبه في الأولى ما صورته «مطالعة المملوك فلان» باسم المكتوب عنه ويكون لفظ المملوك تحت ذلك، وفلان تحته عن بعد ثلاثة أسطر، وتكون لطيفة القدّ غير ممشوقة على الضدّ من المكتوب إليه. وهذا مثال عنوان إلى نائب سلطنة بالشام لقبه سيف الدين، عمّن اسمه يلبغا.
السيفيّ مطالعة مولانا ملك الأمراء بالشام المحروس عزّ نصره المملوك يلبغا وعلى ذلك يقاس سائر العنوانات من هذه المرتبة، والأصل في ذلك أنّ الحجّاج بن يوسف كتب كتابا إلى عبد الملك بن مروان، فكتب في عنوانه بقلم جليل: لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، وفي الجانب الأيسر بقلم ضئيل: من الحجّاج بن يوسف كما حكاه أبو جعفر النحّاس في «صناعة الكتاب» فتبعه الناس على ذلك في تعظيم اسم المكتوب إليه، وتلطيف اسم المكتوب عنه، والعلامة في هذه المكاتبة «المملوك فلان» باسم المكتوب عنه بقلم ضئيل بحاشية الكتاب سطرين: المملوك [سطر] والاسم سطر تحته على هذه الصورة:
المملوك فلان ويكون ذلك مقابل «يقبّل» ملاصقا له بحيث تكون جرّة الكاف من المملوك تحت الياء من يفبّل، فكأنّهم راعوا في ذلك صورة ما يكتب في القصص التي ترفع إلى الأكابر لاستماحة الحوائج ونحوها من حيث إنها يكتب فيها «المملوك فلان يقبّل الأرض وينهي كيت وكيت» لما في ذلك من إظهار الخضوع والتواضع.
المرتبة الثانية- أن يأتي بعد «يقبّل الأرض» بذكر الدعاء دون الثناء
مع تقارب الأسطر أيضا واجتناب السّجع. وقد اصطلحوا في هذه المكاتبة على أن يكتبوا تحت البسملة مع لقب المكتوب عنه الذي هو الملكيّ الفلانيّ ونحوه لقب
стр. 3918
المكتوب إليه، كالسيفيّ ونحوه، على سمعت الملكيّ الفلاني من الجهة اليمنى مع بياض بينهما، بحيث يقع بعض اللقب في حاشية الكتاب، وبعضه تحت أوّل البسملة على هذه الصّورة:
بسم الله الرّحمن الرّحيم السيفي الملكيّ الظاهريّ ثم يأتي بصورة المكاتبة بعد ذلك. ويختلف الحال في هذه المكاتبة باختلاف حال المكتوب إليه، فإن كان نائب سلطنة كتب «يقبّل الأرض» وينهي بعد رفع الأدعية الصالحة، أو بعد ابتهاله إلى الله تعالى بالأدعية الصالحة، تقبّلها الله تعالى من المملوك ومن كلّ داع مخلص، ببقاء مولانا ملك الأمراء، أو بدوام أيام مولانا ملك الأمراء، وخلود سعادته، ومزيد تأييده، وعلوّ درجاته في الدنيا والآخرة، بمحمّد وآله: أنّ الأمر كيت وكيت، والمملوك يسأل الصّدقات العميمة، أو الصدقات الكريمة، أعزّ الله تعالى أنصارها بروز الأوامر المطاعة بكيت وكيت. ثم يقول: والمملوك مملوك مولانا ملك الأمراء وعبد بابه ونشء إحسانه، ويسأل تشريفه بمراسيمه وخدمه، أو والمملوك يستعرض المراسيم الكريمة، والخدم العالية، ليبادر إلى امتثالها، والفوز بقضائها، أو والمملوك مملوك الأبواب العالية ونشؤها وغلامها، ويسأل دوام النظر الكريم عليه في أحواله كلّها، ونحو ذلك مما يقتضيه الحال، وقد جهّز المملوك بهذه المكاتبة فلانا أو مملوكه فلانا. فإن كان قد حمّله كلام مشافهة، قال: وحمّله من المشافهة ما يسأل الصدقة عليه بسماعه والإصغاء إليه ونحو ذلك. ثم يقول: طالع بذلك والرأي العالي أعلاه الله تعالى أعلى. وإن كان المكتوب إليه أميرا غير نائب سلطنة، كتب «بدوام أيام مولانا المخدوم» بدل مولانا ملك الأمراء. وإن كان قاضيا، كتب «ببقاء مولانا قاضي القضاة، أو بدوام أيّام مولانا قاضي القضاة» . وإن كان من مشايخ الصّوفيّة، كتب «ببقاء مولانا شيخ الشيوخ» ونحو ذلك، وباقي المكاتبة على ما
стр. 3919
تقدّم بحسب ما يقتضيه الحال. والعنوان في هذه المكاتبة «الأبواب الفلانيّة، مطالعة المملوك فلان» ويعبر عن ذلك بالأبواب بمطالعة، ويختلف الحال في ذلك باختلاف حال المكتوب إليه، فإن كان المكتوب إليه نائب سلطنة، كتب:
الأبواب الكريمة، العالية، المولويّة، الأميرية، الكبيرية، المالكيّة، المخدوميّة، الكافلية، بلقبه الخاص كالسيفية ونحوها، أعلاها الله تعالى فلان الفلاني، باسمه وشهرته. وإن كان المكتوب إليه أميرا غير نائب سلطنة أسقط منه الكافلية. وإن كان وزيرا ربّ سيف، كتب بعد الأميرية: الوزيريّة. وإن كان وزيرا ربّ قلم، أسقط الأميرية، وكتب قبل الفلانية الصاحبيّة. وإن كان من رؤساء الكتّاب ممن في معنى الوزراء، ككاتب السرّ، وناظر الخاصّ، وناظر الجيش، ونحوهم، أبدل لفظ الأميرية والوزيرية بالقاضويّة. وإن كان قاضي حكم، أتى مع القاضويّة قبل الفلانية بالحاكميّة. وإن كان من مشايخ الصّوفيّة أبدل القاضويّة بالشّيخيّة ونحو ذلك.
وصورته أن يكتب الألقاب من أوّل عرض الدّرج سطرا إلى آخر المالكيّة، ويخلّي بياضا في آخر السطر بقدر ربع الدّرج، ثم يكتب المخدوميّة الفلانية في أوّل السطر الثاني ملاصقا للأوّل، ثم يخلّي بياضا يسيرا، ثم يكتب: أعلاها الله تعالى، ثم يخلّي بياضا يسيرا، ثم يكتب «فلان الفلاني» تحت آخر السطر الأوّل، ثم يكتب في آخر الدّرج من الجهة اليسرى بعد خلوّ بياض «مطالعة المملوك فلان» ثلاثة أسطر على ما تقدّم في العنونة بالفلاني بمطالعة كما في هذه الصورة:
الأبواب الكريمة، العالية، المولويّة، الأميريّة، الكبيرية، المالكية، مطالعة المخدومية، السيفيّة أعلاها الله تعالى أمر دوادار الظاهريّ المملوك فلان والعلامة «المملوك فلان» بقلم ضئيل مسامت يقبّل كما في المكاتبة قبلها.
стр. 3920
قال في «التثقيف» «١» : وبهذه المكاتبة يكتب عن أكابر أمراء الديار المصريّة إلى نائب الشام وحلب فيما أظنّ.
قال: وكذلك كان يكتب المقرّ العلائيّ بن فضل الله كاتب السرّ الشريف إلى المشار إليه، يعني نائب حلب، إلّا أنه كان يكتب له العلامة أسفل الكتاب دون أعلاه.
قلت: وعلى هذا يكون للعلامة في هذه المكاتبة رتبتان، إن عظّمه كتب له العلامة على سمت يقبّل، وإلّا ففي أسفل الكتاب، ومن ثم ذكرت قول صاحب «التثقيف» هنا وإن كان محلّه رتب المتكاتبين على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
المرتبة الثالثة- أن لا يكتب في أوّل المكاتبة عن يمين أسفل البسملة الفلانيّ
ويأتي بذكر الدّعاء والثناء مسجوعا، مثل أن يكتب بعد البسملة ولقب المكتوب عنه الذي هو الملكيّ الفلاني «يقبّل الأرض» وينهي بعد رفع دعائه، وإخلاصه في محبّته وولائه، واعترافه بإحسان مولانا وجزيل آلائه، أنّ الأمر كيت وكيت، والمملوك يسأل إحسان مولانا، أو صدقات مولانا، أو إحسان المخدوم، أو صدقاته في كيت وكيت، ثم يقول: والمملوك فهو مملوك مولانا ومحبّه، والداعي لإحسانه، ويسأل تشريفه بمراسيمه وخدمه، وقد جهّز المملوك بهذه العبوديّة فلانا، أو مملوكه فلانا، وحمّله من الدّعاء والولاء ما ينهيه من لسانه، ويعرب عنه ببيانه، أو وقد حمّله المملوك ما يقوم عنه به في إنهائه، من رصف الأدعية، ووصف الأثنية، والمملوك يسأل الإصغاء إليه، والتشريف بالمراسيم العالية والخدم الكريمة، ليفوز بإقبالها، ويبادر إلى امتثالها، طالع بذلك، أو أنهى ذلك، أو والمملوك يستعرض المراسيم العالية، والخدم الكريمة المتوالية، ليتشرّف بقضائها، ويتشوّف إلى إمضائها.
стр. 3921
صدر آخر: وينهي بعد رفع الأدعية، وبثّ المحامد والأثنية، والموالاة التي يحمل منها عالي الألوية، أنّ الأمر كيت.
آخر: وينهي بعد رفع دعائه الذي لا يفتر لسانه عن رفعه، ولا يخفى إن شاء الله إبّان نفعه، وابتهاله الذي يرفع السّحب، وشوقه الذي يهدي النّجب، أنّ الأمر كيت وكيت.
آخر: وينهي بعد دعائه المقبول، وشوقه الذي لا يحول عنه ولا يزول، وسلامه الذي يعجز عن شرحه القلم ويضعف عن حمله الرّسول.
آخر: وينهي بعد دعاء يرفعه بالغدوّ والآصال، وولاء لا يتغيّر ما دامت الأيّام واللّيال، وثناء أطيب من عرف الرّوض إذا مرّ عليه نسيم الشّمال، أنّ الأمر كيت وكيت.
آخر: وينهي بعد رفع الدعاء، ونصب لواء الولاء، وجرّ ذيول الفخر بالانتساب إلى عبودية مولانا والاعتزاء، أنّ الأمر كيت وكيت.
آخر: وينهي بعد دعائه المرفوع، وثنائه الذي هو كالمسك يضوع، وشكره الذي يسمع منه ويسمع أطيب مسموع، أنّ الأمر كيت وكيت.
والعنوان لهذه المكاتبة «الأبواب الفلانية» بغير مطالعة، ويختلف الحال فيه، فإن كان المكتوب إليه من أرباب السّيوف وهو نائب سلطنة، كتب «الأبواب الكريمة، العالية، المولويّة، الأميريّة، الكبيريّة، السيّديّة، المالكيّة، المخدوميّة، الكافلية، الفلانية، أعلاها الله تعالى» ثم يقال: نائب السلطنة الشريفة المحروسة، أو كافل المملكة الفلانية المحروسة، وباقي عنوانات أرباب الوظائف، من أرباب السيوف والأقلام على ما تقدّم في العنونة بالأبواب بمطالعة.
وصورة وضعه أن يكتب «الأبواب الكريمة إلى آخر الكافلية» مثلا سطرا واحدا من أوّل عرض الدّرج إلى آخره، ثم يكتب «الفلانيّة أعلاها الله تعالى» في أوّل السطر الثاني ملاصقا له، ثم يترك بياضا قدر رأس إبهام، ثم يكتب في آخر
стр. 3922
السطر الثاني «كافل الممالك الشريفة الفلانية المحروسة» كما في هذه الصورة:
الأبواب الكريمة، العالية، المولوية، الأميرية، الكبيرية، السيدية، المالكية، المخدومية، الكافلية، السيفية، أعلاها الله تعالى كافل الممالك الشريفة بالشام المحروس والعلامة في ذيل الكتاب مقابل تحت البسملة بقلم الرقاع «المملوك فلان» وكأنهم لما انحطّت رتبة المكتوب إليه عن أن تكتب العلامة إليه على سمت «يقبّل» ليكون في معنى القصّة كما تقدّم، أخذ المكتوب عنه في التنازل إلى آخر المكاتبة تواضعا للمكتوب إليه وتأدّبا معه.
قال في «التثقيف» : وبذلك كان يكتب عن الأمير يلبغا العمريّ، يعني الخاصكيّ وهو أتابك العساكر المنصورة بالديار المصرية إلى نائبي الشام وحلب.
قال: وكذلك كتب بعده إلى المذكورين: الأمير منكلي بغا، والأمير الجاي، ونوّاب السلطنة بالديار المصرية.
المرتبة الرابعة- أن يأتي بصدر المكاتبة على ما تقدّم في المكاتبة قبلها
من الابتداء «بيقبّل الأرض» وينهي بعد رفع دعائه وما في معناه على ما تقدّم من غير فرق ولا يختلف الحال في الصدر ولا في متن الكتاب، والعنوان «الباب الكريم» ولا يكون إلّا بغير مطالعة. فإن كان المكتوب إليه من أرباب السّيوف، كتب «الباب الكريم، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، المالكيّ، المخدوميّ، الفلانيّ، أعلاه الله تعالى، فلان الفلاني- باسم المكتوب إليه. وإن كان من أرباب الأقلام أو غيرهم فعلى ما تقدّم في «الأبواب بمطالعة» من إبدال الأميريّ بالقضائيّ، أو الشّيخيّ، وزيادة قاضي الحكم الحاكميّ قبل الفلاني.
وصورة وضعه: الباب الكريم- بالألقاب المتقدّمة إلى آخر المالكيّ سطرا واحدا من أوّل عرض الدّرج إلى آخره، ثم يكتب المخدوميّ الفلانيّ أعلاه الله تعالى في أوّل السطر الثاني، ويترك بياضا، ثم يكتب فلان الفلانيّ باسم المكتوب إليه أو شهرته كما في هذه الصورة:
стр. 3923
الباب الكريم العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّدي، المالكيّ، المخدوميّ، السّيفيّ، أعلاه الله تعالى بهادر أمير أخور الأشرفيّ.
تنبيه- كلّ ما كان العنوان فيه الباب الكريم، كان العنوان فيه للمسافر «المخيّم» بدل الباب، وباقي الألقاب على حالها كما نبّه عليه في «التثقيف» وغيره، والعلامة في آخر المكاتبة مقابل حسبي الله، إذ لمّا كانت العلامة في أسفل الكتاب مقابل تحت الحسبلة كانت العلامة فيما فوق ذلك أنزل في رتبة المكتوب إليه وأعلى في رتبة المكتوب عنه.
المرتبة الخامسة- يقبّل الأرض بالمقر الشريف
. والرسم فيه أن يترك بعد البسملة وما تحتها من الملكي الفلاني قدر سطر أو سطرين بياضا، ثم يكتب يقبّل الأرض بالمقر الشريف، ويختلف الحال فيه؛ فإن كان المكتوب إليه من أرباب السّيوف، كتب «يقبّل الأرض بالمقر الشريف، العالي، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الذّخريّ، الظّهيريّ، المسنديّ، الزّعيميّ، المالكيّ، المخدوميّ، الفلاني، أعزّ الله تعالى أنصاره، وأعلى مناره، وضاعف مباره، وينهي بعد وصف محبّته، وبثّ أثنيته، كيت وكيت، والمسؤول من إحسانه كيت وكيت» وربما كتب: «والمملوك يسأل كيت وكيت» كما في المكاتبات السابقة، أو «والمملوك يسأل تشريفه بمراسمه وخدمه، والله تعالى يديم عليه سوابغ نعمه» .
دعاء آخر لهذه المكاتبة: أعزّ الله تعالى أنصاره، وأدام انتصاره، وجعل على غايات النّجوم اقتصاره، وينهي.
آخر: لا زالت الرّقاب لمهابته خاضعة، والرّكاب به فوق النّجوم واضعة، وأجنّة السيوف بمضار به من ماء الأعداء راضعة، وينهي.
آخر: لا زالت أعلامه مشرّفة، وأقلامه مصرّفة، وأيامه بطيب ثنائه بين الخافقين معرّفة.
стр. 3924
آخر: لا زالت الدنيا ببقائه مجمّلة، والعلياء لا رتقائه مؤمّلة، والنّعم على اختلافها جواهر مكمّلة، وينهي.
قلت وربما أتي بصورة الإنهاء مسجوعة أيضا، مثل أن يكتب: وينهي بعد تعبّده بولائه، وقيامه بحقوق آلائه. أو وينهي بعد دعاء يقوم بوظائفه، وولاء يتردّى بمطارفه. أو ينهي بعد رفع أدعيته، وقطع العمر في موالاته وعبوديّته، ونحو ذلك. وعلى ذلك جرى في «عرف التعريف» إلّا أنّ الغالب في كتابة أهل الزمان إهماله. والعنوان إن قصد تعظيمه: الباب العالي، بألقاب الباب الكريم في المكاتبة قبلها، إلّا أنه يحذف منها الكريم، وإن لم يقصد تعظيمه فالمقرّ الشريف بالألقاب التي في صدر الكتاب. وصورة وضعه في الباب العالي على ما تقدّم في الباب الكريم: أن يأتي به في سطرين كاملين من أوّل عرض الدّرج إلى آخره، كما في هذه الصورة:
المقرّ الشريف، العاليّ، المولويّ، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، المؤيّديّ، الذخريّ، الظّهيريّ، المسنديّ، الزّعيميّ، المالكيّ، المخدوميّ، السيفيّ، أعزّ الله تعالى أنصاره أمير حاجب بالشام المحروس.
والعلامة في هذه المكاتبة «المملوك فلان» بقلم الرقاع، بأسافل الكتاب، مقابل إن شاء الله تعالى.
واعلم أنّ هذه المراتب الخمس هي الدائرة في المكاتبات بين كتّاب زماننا بمملكة الديار المصريّة وما جرى على نهجها، والمعنى في ترتيبها على هذا الترتيب أنه في المرتبة الأولى منها حذف الدعاء والثناء المقتضيان للدّالّة من المكتوب عنه على المكتوب إليه، واقتصر على اليسير من الكلام دون الكثير الذي فيه سآمة المكتوب إليه واضجاره، عند قراءة الكتاب، وعنونت بالفلاني كالسّيفيّ ونحوه، من حيث إنه لقبّ مؤدّ إلى رفعة، وأتي فيه بمطالعة المملوك فلان، إشارة إلى التصريح بالرقّ والعبوديّة من المكتوب عنه للمكتوب إليه مع إقامته في مقام الرّفعة بذكر لقبه المؤدّي إلى رفعة قدره- وفي المرتبة الثانية أتي فيها بالفلانيّ داخل المكاتبة دون العنوان فكانت أنزل مما قبلها، من حيث إنّ العنوان ظاهر وباطن
стр. 3925
المكاتبة خفيّ والظاهر المؤدّي إلى الرفعة أعلى من الخفيّ من ذلك، وأتي بالدعاء فكانت أنزل رتبة من التي قبلها لما تقدّم من أنّ الدعاء فيه معنى الدالّة، واجتنب فيه السجع من حيث إنّ في الإتيان به تفاصحا على المكتوب إليه، وعنون بالأبواب إشارة إلى شرف محلّ المكتوب إليه من حيث الإشعار بأن له أبوابا يوقف عليها، وجعلت دون المرتبة الثانية «١» من حيث إنّ العنونة في المرتبة الأولى باللّقب المؤدّي إلى الرّفعة مع دلالته على الذات. وفي الثانية عنون بالأبواب الموصّلة إلى محلّ الشخص، ولا يخفى أنّ ما دلّ على نفس الشّخص أعلى مما هو موصّل إلى محلّه، وأتي فيها بمطالعة المملوك فلان إشارة إلى التصريح للمكتوب إليه بالرّقّ والعبوديّة كما تقدّم في المرتبة الأولى. وفي المرتبة الثالثة حذف منها الفلاني المؤدّي إلى الرّفعة من داخل المكاتبة فكانت أنزل من التي قبلها فأتي فيها بذلك، وأتي بالدعاء مسجوعا فكان أنزل مما قبله لما في السجع من التفاصح على المكتوب إليه، وأسقط من عنوانه مطالعة المملوك فلان فكان أنزل من حيث إنّه لم يقع فيه تصريح برقّ وعبوديّة كما في المرتبة الأولى والثانية. وفي المرتبة الرابعة بقي الصّدر على حاله وعنون فيها بالباب بلفظ الإفراد، فكانت أنزل مما قبلها، من حيث إنّ الإفراد دون الجمع بدليل أنه بعض من أبعاضه. وفي المرتبة الخامسة قيل: يقبّل الأرض بالمقرّ، يعني مقرّ المكتوب إليه، فكانت أنزل مما قبلها من حيث إشعار ذلك بالقرب من محلّه بخلاف «يقبّل مطلق «٢» الأرض» فإنه لا ينحصر في ذلك، ثم إن عنونت بالباب العالي مجرّدا عن الكريم، كانت أنزل مما عنون فيه بالكريم لما جرى عليه الاصطلاح من رفعة رتبة الكريم العالي على العالي المجرّد عن الكريم، على ما تقدّم في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة، وإن عنونت بالمقرّ الشريف فهي على انحطاط الرتبة عمّا قبلها من حيث
следующие страницы →