← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

والانتثار «١» ، مفصّلة النّظام، بخرز «٢» المآثر العظام، والآثار، معرّف أهلها، في حزن البسيطة وسهلها عوارف الصّنع المثار، وإقالة العثار، القويّ العزيز، الذي لا يغالب قدره بالاحتشاد والاستكثار، ولا يبدّل غيبه المحجوب، بعد ما عيّن حكمه الوجوب «٣» ، في خزائن الاستئثار «٤» ، حتّى تظهر خبيئة عنايته بأوليائه، المعترفين بآلائه، بادية للأبصار، فيما قرب وبعد من الأعصار، ورحمته عند الاستغاثة به والانتصار، في مختلف الأقطار والأمصار، الوليّ الذي لا تكدّر هبات فضله شروط الاعتصار «٥» ، ولا تشين خطب حمده ضرائر الاقتصار والاختصار. والصلاة والسّلام «٦» على سيدنا محمد رسوله، نخبة الأكوان، وسرّ الدّهور والأزمان، وفائدة الأدوار، نور الله المتميّز باختصاصه، واستصفائه واستخلاصه، قبل خلق الظّلمات «٧» والأنوار، ورحمته الوارفة الشاملة، الهامية الهاملة، على الهضاب والوهاد والنّجاد والأغوار، أقرب عوالم الشّهادة والخلق، إلى حضرة الحقّ، على تعدّد الرّتب وتفاضل الأطوار، منقذ الناس من البوار، ومبوّئهم من جوار الله خير الجوار، نبيّ الرحمة والجهاد والغوار، المنصور على الأحزاب عند ما استداروا بمثوى نبوّته على الأطم والأسوار دور السّوار، الواعد عن ربه بظهور دينه الحقّ على الأديان فمهما أوقدوا نار «٨» الحرب تكفّل الله لهم بإطفاء النار وإخماد الأوار. والرّضا عن آله وأصحابه حماة الذّمار، ومقتحمي الغمار، وباذلي كرائم «٩»

стр. 3852

الأموال من دونه ونفائس الأعمار، القائمين في سماء ملّته للاهتداء بسننهم، والاقتداء بسننهم، مقام النجوم الهادية والأقمار، ما صقلت مداوس «١» النّسيم سيوف الأنهار، وخجل الورد من تبسّم البهار، وغازلت عيون زهر المجرّة عيون الأزهار، وطرد أدهم الليل أشهب النهار. والدّعاء لتلك الأبواب، المتعدّدة الحجّاب، المعوّدة باجتلاء غرر الفتوح، والمطالع المشيدة المصانع على العزّ الممنوح، والأواوين، المؤيّدة الدّواوين، بالملائكة والرّوح، بإعلاء المظاهر والصّروح، وإنارة الله تعالى بأهلّة تلك السّروج ساحات تلك السّروح «٢» ، ولا زالت أقلام بشائرها تأتي على سورة الفتح بأكمل الشّروح. فإنا كتبناه لمثابتكم السلطانية دار العزّ «٣» الأحمى، والملك الأشرف الأسمى، والصّيت البعيد المرمى، كتب الله لها من عنايته- وقد فعل- أوفر مقاسم النّعمى، وجعل غيث نوالها الأهمى، وحظّ جلالها من الله الأنمى، ودامت كواكب سعودها تمزّق جلابيب الظّلما، وأخبار بأسها وجودها، وسعادة وجودها، تهديدها على البعد ركائب الدّأما، وترفرف برياح ارتياحها أجنحة بنات الما. من منزلنا المحبور، بسعادة سلطانكم المنصور، وخزي عدوّه المدحور، بحمراء غرناطة، دار ملك الجهاد بجزيرة ثغر «٤» الأندلس، والى الله عنها الدّفاع، وأنار بمشكاة نوره، الذي وعد بإتمامه الأعلام منها والأيفاع، ووصل لها بشرف مخاطبتكم الارتفاع والانتفاع، حتّى تشفع بتهانيكم الأوتار وتوتر «٥» الأشفاع، وآلاء الله لدينا، بنعمة دين الإسلام علينا، قد أخجلت اللسان الشّكور، وإن استنفدت الرّواح والبكور، والثّقة بالله في هذا الثغر الغريب قد كثّرت العدد المنزور، والحقّ

стр. 3853

الصّريح «١» قد كافح الزّور، والتّوطين على الشهادة قد شرح الصّدور، واقتطع في الجنة المنازل والدّور، والمعرفة بمقام تلك الأبواب الشريفة عقيدة «٢» لا تبدّل وأدواح علائها حمائم الحمد بها تتهدّل، ومحافل ثنائها تتراكم في سمائها الألوّة «٣» والمندل، [والحال ما علمتم: بحر زاخر الأمواج، وعدوّ وافر الأفواج] «٤» وحرم لولا اتّقاء الله مقتحم السّياج «٥» ، وجياد ضمّرتها مصابرة الهياج، وداء على الأيّام متوقّع الاهتياج، وعدد إلى الإصراخ «٦» والإنجاد عظيم الاحتياج فالنفوس إلى الله تجهّز «٧» وتسلّم، والصّبيان في المكاتب تدرّب على مواقف الشهادة وتعلّم، والألسنة بغير شعار الإسلام لا تنبس غالبا ولا تتكلّم، إلّا أنّ عادة الخبير اللّطيف، تخفيف «٨» الذّعر المطيف، ونصر النّزر الضعيف، على عدد التضعيف، والحال تزجى بين الحرب والسّلم، والمكالمة والكلم، وتأميل الجبر، وارتقاب عاقبة الصّبر، على حماة الدّبر. وإلى هذا فإننا اتّصل بنا ما رامت الرّوم «٩» من المكيدة التي كان دفاع الله من دونها سدّا، والملائكة جندا، والعصمة سورا، والرّوح الأمين مددا منصورا، وأنها استنفدت الوسع في احتشادها، حتّى ضاقت اللّجج عن أعوادها، وبلغت المجهود في استنفادها «١٠» ، حتّى غصّ كافر البحر بكفّارها، يصيح بهم التأليب،

стр. 3854

ويذمّرهم الصليب، وقد «١» سوّل لهم الشيطان كياد ثغر الإسكندرية شجا صدورهم، ومرمى آمال غرورهم «٢» ، ومحوّم قديمهم، ومتعلّل غريمهم، ليهتموا ثغر «٣» الإسلام بصدمتها، ويقودوا جنائب «٤» الساحل في رمّتها، ويرفعوا عن دينهم المعرّة، ويتلقّفوا في القدس كرة الكرّة، ويقلّصوا ما امتدّ من ظلال الإسلام، ويشيموا «٥» سيوف التغلّب على الشام، ويحولوا بين المسلمين وبين محطّ أوزارهم، وحجّهم ومزارهم، وبيت ربّهم، الذي يقصدونه من كل فجّ عميق، ويركبون إليه نهج كلّ طريق، وقبر نبيّهم الذي يطفئون بزيارته من الشّوق كلّ حريق، ويكحلون الجفون بمشاهدة آثاره عن بكاء وشهيق، وشوق بذلك الحبيب خليق، ويقطعوا حبل المسلمين حتّى «٦» لا يتأتّى بلوغ فريق ولا غرض تشريق، والله من ورائهم محيط، وبدمائهم مشيط، وبعباده بصير، ولدينه الحقّ وليّ ونصير، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون* «٧» فما هو إلّا أن صمأ «٨» جرادهم، وخلص إليها مرادهم، وفاض عليها بحرهم، وعظم من المحاولة أمرهم، حتّى اشترك الشّرك بعض أسوارها، ونال النهب مستطرف ديارها، وظنّت أنها الوهية التي لا ترفع، والمصيبة التي غلّتها لا تنقع، واشتعل «٩» الباس، وذعر الناس، وأرى الشّدّة من تدارك «١٠» بالفرج، وأعاد إلى السّعة من الحرج، وأنشأ ريح النّصر عاطرة الأرج، ونصر حزب الإسلام من

стр. 3855

لا غالب لمن ينصره، وحصر العدوّ «١» من كان العدوّ يحصره، وظهر الحقّ على الباطل، والحالي بزينة الله على العاطل، فخرج العدوّ الخاسر عما حازه والسّيوف ترهقه حيث تلفيه، والسّهام تثبته وتنفيه، وغرماء كرّة الإسلام تستقضي «٢» منه دينها وتستوفيه، والخزي قد جلّل سباله الصّهب، وحنّاءالدّماء قد خضبت مشيخته الشّهب، والغلب قد أخضع رقابه الغلب، فكم من غريق أردته دروعه، لمّا حشي بالرّوع روعه، وطعين نظمت بالسّمهريّ «٣» ضلوعه، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وأحقّ الله الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين «٤» فأيّ رحمة منشورة ضفت على الإسلام ظلالها، وخطّة نعمة اتّسع نطاقها ورحب مجالها، ومجلى صنيعة راق عيون المؤمنين جمالها، فاهتزّت «٥» بها الأرض وربت، وبشكر الله ﷻ أعربت، واستبشرت النّفوس، وذهب البوس، وضفا بمنّة الله اللّبوس، وظهرت عناية الله بمقامكم، وإقالة عثرة الإسلام في أيّامكم، فما كان الله سبحانه ليضيع لكم خدمة الحرمين، وإنّها للوسيلة الكبرى، والذّريعة إلى سعادة الدنيا والأخرى، وهي عهدة الله التي يصونها من كل اهتضام، وقلادته التي ما كان «٦» يتركها بغير نظام. وكان من لطائف هذا الفتح الذي أجزل البشرى، وأوسع أعلام الإسلام نشرا، وروده بعد أن شفيت العلّة، ونصرت الملّة، وبعد أن جفا الدهر وتجافى، وعادى ثمّ صافى، وهجر ووافى، وأمرض ثم عافى، فلو ورد مقدّمه قبل تاليه، ونقده متأخّرا «٧» عن كاليه، أو كانت أواخره بعيدا ما بينها وبين أواليه،

стр. 3856

لأوحشت «١» الظّنون وساءت، وبلغت الهموم من النّفوس ما شاءت، فإنّ الإسلام كالجسد يتداعى كلّه لتألّم بعضه، ويتساهم إخوانه في بسطه وقبضه، وسماؤه مرتبطة بأرضه، ونفله متعلّق بفرضه، فالحمد لله الذي خفّف الأثقال «٢» وألهم حال الضّرّ الانتقال، وسوّغ في الشّكر المقال، وزار وأقال، وجمع بين إيقاظ القلوب، وإنالة المطلوب، وإن وجد العدوّ طعم الإسلام مرّا فما «٣» ذاقه، وعوده صلبا فما أطاقه، ورفع عن طريق بيت الله ما عاقه، وقاد إليكم في بيوتكم فضل الجهاد وساقه [وردّ المكر السّيّيء على العدوّ وأحاقه] «٤» فما كانت هذه المكيدة إلا داهية للكفر طارقة، ونكثة لعصب «٥» التثليث عارقة، ومعجزة من آثار النبيّ الشريف لهذا الدين المنيف خارقة، واستأصلت «٦» للعدوّ المال، وقطعت الآمال، وأوهنت اليمين والشّمال؛ فبادرنا عند تعرّف الخبر، المختال من أثواب المسرّة في أبهى الحبر، المهدي أعظم العبر، إلى تهنئتكم تطير بنا «٧» أجنحة الارتياح، مبارية للرّياح، وتستفزّنا دواعي الأفراح، بحسب الودّ الصّراح، وكيف لا يسرّ اليسار بيمينه [والوجه بجبينه، والمسلم بدينه، وخاطبناكم مهنئين ولولا العوائق] «٨» التي لا تبرح، والموانع التي وضحت حتّى لا تشرح، ومكايدة «٩» هذا العدوّ الذي يأسو به الدّهر ويجرح، لم نجتز بإعلام القلم، عن إعمال القدم، حتّى نتشرف [بالورود على تلك المثابة الشريفة، ونمتاز بزيارة الأبواب المنيفة، فيقضى] «١٠» الفرض تحت رعيها، وبركة سعيها، لكن المرء جنيب أمله، ونيّة المؤمن أبلغ من

стр. 3857

عمله. فهنيئا بما خوّلكم «١» الله من ظفر شهدت برضى الله مراسمه، وافترّت عن ثغور العناية الربّانيّة مباسمه، وتوفّرت لديكم مواهبه ومقاسمه، ويهنّيء البيت المقدّس مكان فضل الله ومنّه، وسلامة مجنّه، ويهنّيء الإسلام عصمة ثغره المؤشر، وطهارة كتابه المنشر، وجمال عنوانه، وقفل صوانه «٢» ، وباب إيوانه، مرفأ «٣» الفسطاط، ومركز لواء الرّباط، ومحطّ رحال «٤» الاغتباط، ومتخيّر الإسكندر عند البناء والاختطاط. ومما زادنا بجحا «٥» بهذا الفتح، وسرورا زائدا بهذا المنح، ما تحقّقنا أنه يثير من شفقة المسلمين لهذا القطر الذي لا يزال يطرقه ما طرق الإسكندرية على مرّ الأيام، وتجلب عليه برّا وبحرا عبدة الأصنام، بحيث البرّ موصول، والكفر بكثرة العدد يصول، ونيران الجوار [مترائية للعيان، والفراسخ القليلة] «٦» متوسّطة بين مختلف النّحل والأديان، والعدد لا ينسب، والصّريح إلّا من عند الله لا يحسب، فتنجدنا بالدعاء ألسنة فضلائه، وتسهمنا خواطر صالحيه وأوليائه، والله لا يقطع عن الجميع عوائد آلائه، ويعرّفنا بركة أنبيائه «٧» ، وينصرنا في أرضه بملائكة سمائه. وقد كان اتّصل بنا في هذه الأيّام الفارطة الذّخر الذي ملأ اليد استكثارا، والخلد «٨» اعتدادا واستظهارا، والهمم فخارا، وأضاء القطر أنوارا، جوابكم الكريم يشمّ «٩» من نفحاته شذا الإذخر «١٠» والجليل، وتلتمس من خلال حافاته

стр. 3858

بركات الخليل، وتقرى الوجوه به آثار المعاهد، وتلتمح من ثنايا وفادته بوارق الفوائد، فأكرم به من وافد مخطوب، وزائر مرقوب، صدعنا به في حفل الجهاد انتحاء وافتخارا، ثم صنّاه في كرائم الخزائن اقتناء للخلف وادّخارا، وجعلنا قراه شكرا معطارا، وثناء يبقى في الخافقين مطارا، ودعاء يعلي الله به لمقامكم السنيّ في أوليائه مقدارا، ويجهّز به لملككم كما فعل أنصارا، ويثيبكم الجنة التي لا يرضى السعداء بغيرها قرارا، والله تعالى يجعل لأفلاك الهناء على مخاطبة مقامكم الرفيع العلاء مدارا، ويقيم الشكر ألزم الوظائف لحقّكم ابتدارا، والثناء أولى ما تحلّى به مجدكم شعارا، ويبقيكم للإسلام ركنا شديدا، وظلّا مديدا، وسماء مدرارا، ما استأنفت البدور إبدارا، وعاقب الليل نهارا، والسّلام. المقصد الثالث (في رسم المكاتبات الواردة عن ملوك السّودان، وفيه ثلاثة أطراف) الطرف الأوّل (في المكاتبات إلى «١» صاحب مالّي) وهو المستولي على التّكرور «٢» وغانة وغيرهما، وهي أعظم ممالك السّودان المسلمين مملكة، ولم أقف لأحد منهم على صورة مكاتبة إلى الأبواب السلطانية، إلّا أنّ المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في كتابه «مسالك الأبصار» عند الكلام على هذه المملكة تعرض لذكر سلطانها في زمان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» وهو منسى موسى، وذكر أنه ورد منه كتاب يمسك لنفسه فيه ناموسا ولم يورد نسخته.

стр. 3859

الطرف الثاني (في المكاتبات الصادرة عن صاحب «١» البرنو) ورسم مكاتبته أن يكتب في ورق مربع بخطّ كخط المغاربة؛ فإن فضل من المكاتبة شيء كتب بظاهرها، وتفتتح المكاتبة بخطبة مفتتحة بالحمد، ثم يتخلّص إلى المقصد ببعديّة، ويأتي على المقصد إلى آخره، ورأيته قد ختم مكاتبته إلى الأبواب السلطانية بقوله: والسّلام على من اتّبع الهدى. وكأنّ ذلك جهل من الكاتب بمقاصد صناعة الإنشاء، إذ لا يهتدون إلى حقائقها. وهذه نسخة «٢» كتاب ورد على الملك الظاهر «أبي «٣» سعيد برقوق» ووصل في شهور سنة أربع وتسعين وسبعمائة، صحبة ابن عمه، مع هديّة بعث بها إلى السلطان بسبب ما يذكر فيه من أمر عرب جذام المجاورة لهم، وهي في ورق مربّع، السطر إلى جانب السّطر، بخطّ مغربيّ، وليس له هامش في أعلاه ولا جانبه، وتتمّة الكتاب في ظهره من ذيل الكتاب وهو: بسم الله الرحمن الرحيم* ، صلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما. الحمد لله الذي جعل الخطّ تراسلا بين الأباعد، وترجمانا بين الأقارب، ومصافحة بين الأحباب، ومؤنسا بين العلماء، وموحشا بين الجهّال، ولولا ذلك لبطلت الكلمات، وفسدت الحاجات. وصلوات الله على نبينا المصطفى، ورسولنا المرتضى، الذي أغلق الله به باب النبوّة وختم، وجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ما ناحت الورق «٤» ، وما عاقب

стр. 3860

الشّروق الأصيل. ثم بعد ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ﵃ أجمعين. من المتوكّل على الله تعالى، الملك، الأجل، سيف الإسلام، وربيع الأيتام، الملك المقدام، القائم بأمر الرحمن، المستنصر بالله المنصور في كلّ حين وأوان، ودهر وزمان، الملك، العادل، الزاهد، التقيّ، النقيّ، الأنجد، الأمجد، الغشمشم «١» ، فخر الدين، زين الإسلام، قطب الجلالة، سلالة الكرماء، كهف الصّدور، مصباح الظلام، أبي عمر وعثمان الملك، ابن إدريس الحاج أمير المؤمنين المرحوم، كرم الله ضريحه، وأدام ذريّة هذا بملكه- هذا اللفظ وارد على [لسان] كاتبنا لآلنا ولا فخر- إلى ملك المصر الجليل، أرض الله المباركة أمّ الدنيا. سلام عليكم أعطر من المسك الأذفر «٢» ، وأعذب من ماء الغمام واليمّ، زاد الله ملككم وسلطانكم، والسّلام على جلسائكم وفقهائكم وعلمائكم، الذين يدرسون القرآن والعلوم، وجماعتكم، وأهل طاعتكم، أجمعين. وبعد ذاك، فإنا قد أرسلنا إليكم رسولنا، وهو ابن عمّي، اسمه إدريس بن محمد من أجل الجائحة «٣» الّتي وجدناها، وملوكنا، فإنّ الأعراب [الذين] يسمّون جذاما وغيرهم قد سبوا أحرارنا، من النساء والصّبيان، وضعفاء الرجال، وقرابتنا، وغيرهم من المسلمين. ومنهم من يشركون بالله، يمارقون للدين، فغاروا على المسلمين فقتلوهم قتلا شديدا؛ لفتنة وقعت بيننا وبين أعدائنا، فبسبب تلك الفتنة قد قتلوا ملكنا، عمرو بن إدريس الشهيد، وهو أخونا ابن أبينا إدريس الحاج بن

стр. 3861

إبراهيم الحاج، ونحن بنو سيف بن ذي يزن، و [الد] قبيلتنا، العربيّ القرشيّ، كذا ضبطناه عن شيوخنا، وهؤلاء الأعراب قد أفسدوا أرضنا كلّها، في بلد برنو كافّة حتّى الآن، وسبوا أحرارنا وقرابتنا من المسلمين، ويبيعونهم لجلّاب مصر والشام وغيرهم، ويختدمون ببعضهم، فإنّ حكم مصر قد جعله الله في أيديكم من البحر إلى أسوان، فإنهم قد اتخذوا متجرا، فتبعثوا الرسل إلى جميع أرضكم، وأمرائكم، ووزرائكم، وقضاتكم، وحكّامكم، وعلمائكم، وصواحب أسواقكم، ينظرون ويبحثون ويكشفون، فإذا وجدوهم فلينزعوهم من أيديهم، وليبتلوهم، فإن قالوا نحن أحرار ونحن مسلمون فصدّقوهم ولا تكذّبوهم، فإذا تبيّن ذلك لكم فأطلقوهم، وردّوهم إلى حرّيتهم وإسلامهم، فإن بعض الأعراب يفسدون في أرضنا ولا يصلحون، فإنهم الجاهلون كتاب الله وسنة رسولنا، فإنهم يزيّنون الباطل، فاتقوا الله واخشوه ولا تخذلوهم يسترقّوا ويباعوا، قال الله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر «١» وقال الله تعالى لنبيه ﵇ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم «٢» وقال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض «٣» وكان ﵇ يقول: «السلطان ظلّ الله في الأرض يأوي إليه كلّ مظلوم» . وقال: المؤمنون كالبنيان يشدّ بعضهم بعضا إلى يوم القيامة» . وقال: «المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يسلمه» إلى آخره. وفي الحكمة: ومن الفرائض الأمر بالمعروف على كلّ من بسطت يده في الأرض (أراد به السلاطين) وعلى من تصل يده إلى ذلك (أراد بذلك القضاة والحكّام والأمراء) فإن لم يقدر فبلسانه، (أراد بذلك الفقهاء والعلماء) وإن لم يقدر فبقلبه، (أراد بذلك عامّة المسلمين) أطال الله بقاءكم في أرضكم. فازجروا الأعراب المفسدين عن

стр. 3862

دعرهم، قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين «١» وقال ﵇: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» . وقال في الحكمة: لولا السلطان لأكل بعضهم بعضا. وقال تعالى لنبيه داود ﵇ يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب «٢» والسّلام على من اتبع الهدى- ولم يؤرّخ. الطرف الثالث (في المكاتبات الصادرة عن ملك «الكانم» «٣» ولم أقف له على مكاتبة إلّا أنه يشبه أن تكون المكاتبة عنه نظير المكاتبة عن صاحب «البرنو» فإنه على قرب من مملكته والله أعلم) المقصد الرابع (في الكتب الواردة من الجانب الشّماليّ، وهي بلاد الروم) قد تقدّم ذكر المكاتبة إلى أمرائها، وأنّ كبيرهم الذي صار أمرهم إليه وانقادوا إلى طاعته الآن هو ابن عثمان صاحب برسا «٤»

стр. 3863

النوع الثاني (من المكاتبات الواردة إلى هذه المملكة الكتب الواردة عن ملوك الكفّار، وهي على أربعة أضرب) الضرب الأوّل (الكتب الواردة عن ملوك الكرج) «١» الضرب الثاني (الكتب الواردة عن ملوك الحبشة) والعادة فيها أن ترد في قطع «٢» باللسان «٣» ولم أظفر بصورة مكاتبة في هذا المعنى إلّا مكاتبة واحدة وردت على الملك الظاهر بيبرس، ضمن كتاب إلى صاحب اليمن، وصاحب اليمن أرسله إلى هنا فيما وقفت عليه في بعض المصنّفات وهو: أقل المماليك يقبّل الأرض، وينهي بين يدي السلطان الملك الظاهر، خلّد الله ملكه، أنّ رسولا وصل إليّ من والي قوص «٤» ، بسبب الراهب الذي جاءنا، فنحن ما جاءنا مطران مولانا السلطان ونحن عبيده، فيرسم مولانا السلطان للبطريرك [أن] يجهّز لنا مطرانا يكون رجلا جيّدا عالما، لا يجني ذهبا ولا فضّة، ويرسله إلى مدينة «عوان» . وأقلّ المماليك يسيّر إلى نوّاب مولانا الملك المظفّر، صاحب اليمن ما يلزمه، وهو يسيّره إلى نوّاب مولانا السلطان، وما كان

стр. 3864

سبب تأخير الرّسل عن الحضور إلى [ما] بين يدي مولانا السلطان، إلّا أنني كنت في سكار (؟) والملك داود قد توفّي، وقد ملّك موضعه ولده، وعندي في عسكري مائة ألف فارس مسلمين، وأما النصارى فكثير لا يحصون، والكلّ غلمانك وتحت أمرك، والمطران الكبير يدعو لك والخلق كلّهم يقولون آمين، وكلّ من يصل من المسلمين إلى بلادنا نكون له أقلّ المماليك، ونحفظهم ونسفّرهم كما يحبّون ويختارون، وأما الرسول الذي سفّروه فهو مريض، وبلادنا وخمة، أيّ من مرض لا يقدر أحد يدخل إليه، وأيّ من شمّ رائحته فيمرض فيموت. ونحن نحفظ كلّ من يأتي من بلاد المسلمين، فسيّروا مطرانا يحفظهم. قلت: وقد تقدّم الجواب عن هذا الكتاب من كلام القاضي «١» محيي الدين ابن عبد الظاهر، في الكلام على الكتب الصادرة عن الأبواب السلطانية إلى أهل الجانب الجنوبي من أهل الكفر، ولكن الكتاب المذكور يخالف ما تقدّم هناك من ادّعائه العظمة، وأنه لولا اضطراره إلى أخذ المطران من بطريرك الديار المصرية لكان يشمخ بنفسه عن المكاتبة، ولعلّ ذلك كان في الزمن المتقدّم. الضرب الثالث (الكتب الواردة عن ملوك الرّوم، ورأس الكلّ صاحب القسطنطينيّة) وقد وقفت على كتاب ورد منه في السابع والعشرين من صفر سنة أربع عشرة وثمانمائة في درج ورق فرنجيّ في نحو عشرين وصلا قطع النصف، والبياض في أعلاه وصل واحد، وفي أسفله وصلان، وله هامش عن يمينه وهامش عن يساره، كلّ منهما تقدير إصبعين، ومقدار ما بين السّطور متفاوت، فأعلاه بين كلّ سطرين أربعة أصابع مطبوقة، ثم بعد تقدير ثلث الكتاب بين كلّ سطرين قدر ثلاثة أصابع، ثم بعد ذلك بين كل سطرين قدر إصبعين، ثم بعد ذلك بين كل سطرين قدر ثلاثة أصابع إلى آخر الكتاب، والقلم في غاية [الدقة ب] قلم الرّقاع

стр. 3865

الدقيق، وفي آخره ثلاثة أسطر وقطعة بالحمرة بقلم أجلّ من الأوّل قليلا. وهذه نسخة كتاب معرّبة بترجمة بطرك الملكانية بحضور سيف الدين سيف «١» التّرجمان، وهي: المعظّم، الممجّد، المبجّل، الضابط، السلطان، الكبير، سلطان مصر ودمشق وحلب وغيرها، الملك الناصر (فرج) ابن السلطان الكبير المرحوم الظاهر (برقوق) المحبوب إليّ العزيز أكثر من أولاد مملكتي. يحيط علمه أنني ومملكتي طيّبون بنعمة الله تعالى، وكذلك تكون- إن شاء الله تعالى- سلطنتك الممجّدة طيبة في خير، وأنّ المحبة والمودّة لم تزل بين والدك المرحوم وبين والدي إلى آخر وقت. ونحن بحمد الله قد تزايدت محبّتنا على ذلك وتكاثرت، وتتوكّد أيضا المحبة بيننا وبين سلطنتك المعظّمة إلى الأبد، فإنّ ذلك واجب، وتتردّد رسلكم بكتبكم إلينا، وكذلك رسلنا بكتبنا إلى ملككم، وكان قصدنا أن نجهّز إليكم رسولا لكنّ الفتن في بلادنا، وما بلغنا من سفر مولانا السلطان من تخت مملكته، ولم نعرف إلى أيّ مكان توجّه، أوجب تأخير ذلك، وأنّ حامل هذا الكتاب المتوجه به إلى السلطان المعظم المسمّى (سورمش) التاجر من اسطنبول هو من جهتنا، وله عادة بالتردّد إلى مملكتكم المعظّمة، ونحن نعلم أنّ سلطنتك تحبّ الطيور الكواهي، فجهّزنا لكم صحبة المذكور خمس كواهي «٢» وبازدار «٣» ، ليكون نظركم الشريف عليهم، وكذلك على البطاركة

стр. 3866

والنصارى والكنائس على حكم معدلة السلطان ومحبّته، والوصية بهم، ومعاونتهم ورعايتهم وإجراؤهم على جاري عوائدهم، من غير تشويش على ما ألفوه من إنصافكم أوّلا وآخرا لأجل محبتكم لنا ومحبتنا، واستمرار العناية بهم، مع أنّ البطاركة عرّفونا أنّ مولانا السلطان يبرز مرسومه بمراعاتهم، والإحسان إليهم، ولم يزالوا داعين له شاكرين من معدلته، ونضاعف شكرنا من إحسانكم على ذلك، وتكونوا إن شاء الله تعالى طيبين، والمحبة متزايدة في أيّامكم وأيّامنا، ومهما كان لمولانا السلطان بمملكتنا من أطواع «١» فيرسم يعرّفنا بها ونبادر بذلك. والذي بآخره بالحمرة علامة الملك مضمونها (مانويك المسيحي بنعمة الله، ضابط مملكة الروم البلالوغس) . الضرب الرابع (الكتب الواردة من جهة ملوك الفرنج بالأندلس، والجهات الشّمالية، وما والى ذلك) والعادة فيها أن تكتب باللسان الفرنجيّ، وعادة الكتب الواردة عنهم جملة أن تكتب في فرخة ورق فرنجيّ مربّعة على نحو مقدار الفرخة البلديّ أو دونها، بأسطر متقاربة، باللسان الفرنجيّ وقلمه، ثم يطوى طيّا مسطّحا ويعنون في وسطه، ويطوى من جهتي الأوّل والآخر حتّى يصير العنوان ظاهرا من الطيّ، ثم يخرز ويختم بسحاءة «٢» ، ويختم عليه بطمغة في شمع أحمر على نحو ما تقدّم في الكتب الواردة عن ملوك الغرب، فإذا ورد على الأبواب السلطانية فكّ ختمه، وترجم بترجمة التّرجمان بالأبواب السلطانية وكتب تعريبه في ورقة مفردة وألصقت به بعد كتابة الجواب من التعريب على ما تقدّم ذكره في مقدّمة الكتاب. وهذه نسخة كتاب وارد من دوج البنادقة ميكائيل، على يد قاصده نقولا البندقيّ في سادس عشر صفر المبارك سنة أربع عشرة وثمانمائة، ترجمة شمس

стр. 3867

الدين سنقر، وسيف الدّين سودون، التراجمة بالأبواب الشريفة، في فرخة ورق فرنجيّ مربعة متقاربة السطور، وهو: السلطان المعظّم، ملك الملوك «فرج الله» ناصر الملة الإسلامية، خلّد الله سلطانه. يقبّل الأرض بين يديه نقولا «١» دوج البنادقة، ويسأل الله أن يزيد عظمته، لأنه ناصر الحق ومؤيّده، وموئل الممالك الإسلامية كلّها، وينهي ما عنده من الشّوق والمحبة لمولانا السلطان، وأنه لم تزل أكابر التجار والمحتشمين والمتردّدين من الفرنج إلى الممالك الإسلامية شاكرين من عدل مولانا السلطان وعلوّ مجده، وتزايد الدعاء ببقاء دولته، وقد رغب التّجّار بالتّرداد إلى مملكته الشريفة بواسطة ذلك، ولأجل الصّلح المتصل الآن بيننا والمحبة. وأما غير ذلك، فإنه بلغنا ما اتّفق في العام الماضي من حبس العنز في ثغر دمياط المحروس، وأن مولانا السلطان مسك قنصل البنادقة والمحتشمين من التّجّار بثغر الإسكندرية المحروس، وزنجرهم بالحديد، وأحضرهم إلى القاهرة، وحصلت لهم البهدلة بين جنوسهم والضّرر والقهر الزائد، وكسر حرمتنا بين أهل طائفتنا، فإن الذي فعل مع المذكورين إنما فعل معنا، وتعجّبنا من ذلك؛ لأنّ طائفتنا لم يكن لهم ذنب، وهذا مع كثرة عدل مولانا السلطان في مملكته، ومحبّتنا له، ومناداتنا في جميع مملكتنا بكثرة عدله، وبمحبته لطائفتنا، وإقباله عليهم، وقولنا لجميع نوّابنا: إنهم يكرمون من يجدونه من مملكة مولانا السلطان، ويراعونه ويحسنون إليه، والمسؤول من إحسانه الوصية بالقنصل والتجّار وغيرهم من البنادقة، ومراعاتهم وإكرامهم والإقبال عليهم، والنظر في أمورهم إذا حصل ما يشبه هذا الأمر، ومنع من يشاكلهم لتحصل بذلك الطّمأنينة للتّجّار، ويتردّدوا إلى مملكته.

стр. 3868

وهذه نسخة كتاب ورد من كبطان الماغوصة والمستشارين بها، في ثامن عشر صفر المبارك سنة أربع عشرة وثمانمائة، ترجمة شمس الدين سنقر وسيف الدين سودون التّرجمانين بالأبواب الشريفة، وهو: الملك المعظّم، ملك الملوك، صاحب مصر المحروسة، الملك الناصر، عظّم الله شأنه. يقبّل الأرض بين أياديه الكبطان والمستشارون، وينهون أنهم آناء «١» الليل داعون بطول بقائه، مجتهدون في استمرار الصّلح والمودّة التي لا يشوبها كدر بين القومون (؟) وبين مولانا السلطان، وأنّ في هذا الوقت ثمّ حراميّة غراب يتحرّمون بأطراف هذه البلاد، والمين الإسلامية، ونحن لم نزل نشحطهم بالمراكب والأغربة، ونمنعهم من ذلك جهدنا وقدرتنا، حتّى إنّ أحدا صار لا يجسر على الدخول إلى مينا الماغوصة جملة كافية، مع أننا كنّا خلّصنا في المدّة الماضية من الحراميّة المذكورين خمسة وعشرين نفرا من المسلمين، وأكرمناهم وأطلقنا سبيلهم [وعزمنا أن] «٢» نجهّزهم إلى دمياط أو إلى ثغر الإسكندرية. وأما غير ذلك، فقد بلغنا أن برطلما أوسق للمواقف الشريفة صابونا في مراكبه، وكان قصده أن يهرب بذلك، فللحال عمّرنا مركبا كبيرا، وأخذنا برطلما المذكور بالمحاربة، وأحضرناه إلى الماغوصة، وعهدنا بطروق المركب إلى شخص يسمّى (أرمان سليوريون) وهو رجل مشكور السّيرة، وقلنا له إنه يتوجّه إلى خازن الصابون المذكور ويستشيره إن كان يوسق شيئا من الأصناق لمولانا السلطان، ويجهّزه إلى أيّ مكان اختاره ليسلمه ليد من تبرز له المراسيم الشريفة بتسليمه، فليفعل، وهذا القول كلّه يكون دليلا عند مولانا السلطان على صدق

стр. 3869

الولاء والتمسك بالصّلح، والمسؤول من الصدقات الشريفة الإقبال على التّجّار الجنويّة الذين عند مملكته، وكفّ أسباب الضرر عنهم، وينشر معدلته عليهم، والله تعالى يديم بقاءه بمنّه وكرمه.

стр. 3870

الفصل السادس [من الباب الثاني] من المقالة الرابعة (في رسوم المكاتبات الإخوانيّات- وهي جمع إخوانيّة نسبة إلى الإخوان جمع أخ- والمراد المكاتبات الدائرة بين الأصدقاء، وفيه طرفان) الطرف الأوّل (في رسوم إخوانيّات السّلف من الصّحابة رضوان الله عليهم والتابعين، وهي في الغالب لا تخرج عن ضربين) الضرب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب عنه) وكان رسمهم فيه أن تفتتح المكاتبة بلفظ «من فلان إلى فلان، سلام عليك، إنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو» فلما كانت خلافة الرشيد وأمر أن يزاد هنا في السلطانيات «وأسأله أن يصلّي على سيدنا محمد عبده ورسوله» كما تقدّم في موضعه، جرى الكتّاب في الإخوانيات على ذلك أيضا، وكان الخطاب يجري بينهم في ذلك بأنا، وأنت، ولي، ولك، وعندي، وعندك، وما أشبه ذلك من ألفاظ الخطاب، وكانت خاتمه الكتب عندهم بالسّلام. الضرب الثاني (أن تفتتح المكاتبة باسم المكتوب إليه، تفخيما لأمره، وتعظيما لشأنه) وكان رسمهم في ذلك أن يفتتحوا المكاتبة بلفظ «إلى فلان من فلان، سلام

стр. 3871

عليك، فإنّي أحمد اليك الله الذي لا إله إلّا هو» وباقي الكتاب على ما تقدّم في الضرب الأوّل في الخطاب والختام وغيرهما. الطرف الثاني (في رسوم الإخوانيّات المحدثة بعد السّلف، وفيه ثلاثة مقاصد) المقصد الأوّل (في رسوم إخوانيّات أهل المشرق، وفيه أربعة مهايع) المهيع الأوّل (في صدور الابتداآت، وهي على أساليب) «١» الأسلوب الأوّل- أن تفتتح المكاتبة بالدعاء، وعليه اقتصر أبو جعفر «٢» النّحاس في كتابه «صناعة الكتاب» وكان على رأس الثّلثمائة في خلافة الراضي، وقد تقدّم في الكلام على مقدّمات المكاتبات نقلا عن «موادّ البيان» أنّ الأدعية كانت في الزمن الأوّل تستعمل فيما يتعلّق بأمر الدّين، مثل قولك: أكرمه الله، وحفظه الله ووفّقه، وحاطه، وما أشبه ذلك، فعدل عنها قصدا للإجلال والإعظام إلى الدعاء بإطالة البقاء، وإدامة العزّ، وإسباغ النّعمة، ونحو ذلك مما يتنافس فيه أبناء الدنيا، جريا على عادة الفرس. ثم رتّبوا الدعاء على مراتب، فجعلوا أعلاها الدعاء بإطالة البقاء، ثم بإطالة العمر، ثم بالمدّ في العمر، وكذلك سائر المكاتبات على ما تقدّم بيانه هناك.

стр. 3872

ثم هو على ستة أضرب: الضرب الأوّل (المكاتبة من المرؤوس إلى الرئيس؛ وهو على صنفين) الصنف الأوّل (المكاتبة إلى الأمراء) قد ذكر النحّاس أنه يقال في افتتاح مكاتباتهم: أطال الله بقاء الأمير، فإذا أردت أجلّ ذلك كلّه، كتبت: أطال الله بقاء الأمير في أعزّ العزّ وأدوم الكرامة والسّرور والغبطة، وأتمّ عليه نعمه في علوّ الدّرجة، وشرف من الفضيلة، وتتابع من الفائدة، ووهب له السلامة والعافية في الدنيا والآخرة، وبلغ بالأمير أفضل ما تجري إليه همّته، وتسمو إليه أمنيّته، أو بلغ بالأمير أفضل شرف العاجل والآجل، وأجزل له ثواب الآخرة. ثم قال: ومن الدعاء له: أطال الله بقاء الأمير في عزّ قاهر، وكرامة دائمة، ونعمة سابغة، وزاد في إحسانه إليه، والفضيلة لديه، ولا أخلى مكانه منه. قال: ومنه أطال الله بقاء الأمير، وأدام عزّه وتأييده، وعلوّه وتمكينه، وكبت عدوّه. ثم ذكر أدعية أخرى للأمراء عن الفضل «١» بن سهل. منها- أطال الله بقاء

стр. 3873

الأمير، ومكّن له في البسطة وتزايد النّعمة، وزاده من الكرامة والفضيلة، والمواهب الجليلة في أعزّ عزّ وأدوم سلامة، وأسبل عافية- ومنها- أطال الله بقاء الأمير، وأدام له الكرامة مرغوبا إليه، وزاد في إحسانه لديه، وأتمّ نعمته عليه، ووصل له خير العاجل بجزيل الآجل. الصنف الثاني (المكاتبة إلى القضاة) وقد قال النحاس: إنه يدعى للقاضي بمثل ما يدعى به للأمير، غير أنه يجعل مكان الأمير القاضي، إلّا أنّ الفضل بن سهل قال: يدعى لقاضي القضاة، أطال الله بقاء القاضي، وأدام عزّه وكرامته، ونعمته وسلامته، وأحسن من كلّ جميل زيادته، وألبسه عفوه وعافيته. وإنه يدعى له أيضا: أطال الله بقاء القاضي في عزّ وسعادة، وأدام كرامته، وأحسن زيادته، وأتمّ نعمته عليه في أسبغ عافية، وأشمل سلامة. قال: وقال غير الفضل: إن الكفء يكاتب كفأه ومن كان خارجا من نعمته: أدام الله بقاءك أيّها القاضي. الضرب الثاني (المكاتبة من الرئيس إلى المرؤوس، كالمكاتبة عن الوزير وقاضي القضاة وغيرهما، والخطاب في جميعها بالكاف) قال النحاس: وهي على مراتب، أعلاها في حق المكتوب إليه أطال الله بقاءك وأدام عزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك، وإحسانه إليك وعندك. ودونه «أطال الله بقاءك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك، وعندك» . ودونه «أدام الله عزّك، وأطال بقاءك، وأدام كرامتك، وأتمّ نعمته عليك، وأدامها لك» . ودونه «أعزّك الله ومدّ في عمرك، وأتمّ نعمته عليك، وما بعده على توالي «١» الدعاء الذي تقدّم» . ودونه «أكرمك الله وأبقاك، وأتمّ نعمته عليك، وأدامها لك» . ودونه «أن

стр. 3874

تسقط وأدامها لك» . ودونه «أبقاك الله وحفظك وأتمّ نعمته عليك، وأدامها لك» . ودونه «أن تسقط وأدامها لك» . ودونه «حفظك الله وأبقاك، وأمتع بك» . ودونه «عافانا الله وإيّاك من السّوء» . قال «١» في «صناعة الكتاب» : هذا إذا جرى الأمر على نسبته ولم تتغيّر الرسوم، وإلّا فقد يعرض أن يكون في الدولة من هو مقدّم على الوزير أو مساوى به فتتغير المكاتبة، فقد كان عبد الله بن سليمان (يعني وزير المعتضد) يكاتب أبا الجيش (يعني خمارويه بن أحمد بن طولون) : أطال الله يا أخي بقاك إلى آخر الصدر، للمصاهرة التي كانت بين أبي الجيش وبين المعتضد ولأنّ المعتضد كنّاه. ثم قال: فإن كان الرئيس غير الوزير، فربما زاد في مكاتبته زيادة لمن له محلّ، فيزيده ويكاتبه بزيادة التأييد ودوام العزّ. قال: ويدعى للفقهاء: أدام الله بقاءك في طاعته وسلامته وكفايته وأعلى جدّك وصان قدرك، وكان لك ومعك حيث لا تكون لنفسك. أو: أدام الله بقاءك في أسرّ عيش وأنعم بال، وخصّك بالتوفيق لما يحبّ ويرضى، وحباك برشده، وقطع بينك وبين معاصيه. أو أطال الله بقاءك بما أطال به بقاء المطيعين، وأعطاك من العطاء ما أعطى الصالحين. أو: أكرمك الله بطاعته، وتولّاك بحفظه، وأسعدك بعونه، وأيّدك بنصره، وجمع لك خير الدنيا والآخرة برحمته، إنه سميع قريب. أو: تولّاك من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، وكان لك من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم. أو: أكرم الله عن النار وجهك، وزيّن بالتقوى تجمّلك. أو: أكرمك الله بكرامة تكون لك في الدنيا عزّا، وفي الآخرة من النار حرزا. الضرب الثالث (المكاتبة إلى النظراء، والمخاطبة فيه بالكاف) قال في «صناعة الكتّاب» وأعلى ما يكتب في ذلك (يعني بالنسبة إلى

стр. 3875

المكتوب إليه) «يا سيّدي أطال الله بقاءك وأدام عزّك وتأييدك إلى آخر الصدر» . ودونه «أطال الله يا سيدي بقاءك» . ودونه «يا سيّدي وأخي أطال الله بقاءك» . ودونه «أدام الله يا أخي بقاءك» . الضرب الرابع (المكاتبة إلى الأبناء، والخطاب فيه بالكاف) قال في «صناعة الكتاب» يكتب الرجل إلى ابنه: بأبي أنت، أو: فداك أبوك. أو: مات قبلك. أو: أسأل الله حفظك وحياطتك ورعايتك. أو: أرشدك الله أمرك. أو: أحسن البلاغ بك. أو: بلّغ الله بك أفضل الأمل، وأتمّ السرور بك، وجعلك خلفا صالحا، وبقيّة زاكية. الضرب الخامس (المكاتبة إلى الفتيان، والخطاب فيه بالكاف) قال النحاس: يدعى لهم: صرف الله السوء عنك، وعن حظّي منك. أو: أطال الله بقاء النعمة عليك وعليّ فيك. أو: جعلت أنا وطارفي وتالدي فداك. أو: ملّاني الله إخاءك، وأدام بقاءك. أو: أستودع الله ما وهب لي من خلّتك، ومنحني من أخوّتك، وأعزّني به من مودّتك. أو: حاط الله حظّي منك، وأحسن المدافعة عنك. أو: ببقائك متّعت، وفقدك منعت. أو: نفسي تفديك، والله يبقيك، ويقيني الأسواء فيك. أو: ملّاني الله النعمة ببقائك، وهنأني ما منحني من إخائك. أو: أبقى الله النعمة لي ببقائها لك، وبلّغتها بك. أو: وفّر الله حظّي منك، كما وفّر من المكارم حظّك. أو: ملّاني الله ببقاك، كما منحني إخاك. أو: دافع الله لي وللمكارم عن حوبائك «١» ، وأمتعني ببقائك، وجمع أملي فيك بجمعه المكارم لك. أو: زادك الله من النّعم حسب تزيّدك في البرّ لإخوانك، وبلّغ بك أملهم كما بلّغ بهم آمالهم فيك.

стр. 3876

الضرب السادس (المكاتبة إلى النساء) قد ذكر النحاس أنهنّ يكاتبن على نظير ما تقدّم من مكاتبة الرئيس والمرؤوس والنظير، غير أنه قد وقع في الاصطلاح من بعضهم أنه لا يقال في مكاتبتهنّ: وكرامتك ولا وأتمّ نعمته عليك، ولكن وأتم نعمته لديك، ولا فضله عندك، ولا سعادتك، ولا فعلت ولا أن تفعلي، ولكن يقال: إن رأيت أن تمنّي بذلك مننت به، وما أشبه ذلك، وقد تقدّم في الكلام على مقدّمات المكاتبات بيان كراهتهنّ لذلك. قلت: ثم راعى الكتّاب في تعظيم المكتوب إليه أن عدلوا عن خطابه بالكاف عن «١» نظير خطاب المواجهة إلى معنى الغيبة، فقالوا: له، وإليه، وعنده، ونحو ذلك وخصّوا الخطاب بالكاف بأدنى المراتب في حقّ المكتوب إليه. على أنه قد تقدّم من كلام النحاس إنكار ذلك على من اعتمده محتجّا عليه بأنه لا أعظم من الله تعالى مع أنه يقال في الدعاء يا الله ونحو ذلك. وقد ذكر ابن حاجب «٢» النّعمان في كتابه «ذخيرة الكتاب» أدعية مرتّبة على

стр. 3877

الغيبة، وقال: أعلاها «أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه وارتقاءه، ورفعته وسناءه، وكبت عدوّه» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام تأييده، وعلاه وتمهيده، وكبت عداه» . ودونه «أطال الله بقاءه، وأدام تأييده وحرس حوباءه» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام نعماه» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام عزّه» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام توفيقه وتسديده» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام سداده وإرشاده» . ودونه «أطال الله بقاه، وأدام حراسته» . ودونه «أدام الله تأييده» . ودونه «أدام الله توفيقه» . ودونه «أدام الله عزّه وسناءه» . ودونه «أدام الله عزّه» . ودونه «أدام الله حراسته» . ودونه «أدام الله كرامته» . ودونه «أدام الله سلامته» . ودونه «أدام الله رعايته» . ودونه «أدام الله كفايته» . ودونه «أبقاه الله» . ودونه «حفظه الله» . ودونه «أعزّه الله» . ودونه «أيّده الله» . ودونه «حرسه الله» . ودونه «أكرمه الله» . ودونه «وفّقه الله» . ودونه «سلّمه الله» . ودونه «رعاه الله» . ودونه «عافاه الله» . وعلى معنى الغيبة يقال في الدّعاء: أطال الله بقاء الأمير، أو بقاء القاضي، أو بقاء سيّدي، أو بقاء مولاي، وما أشبه ذلك في كلّ رتبة بحسبها. واعلم أن الذاهبين من الكتّاب إلى إجراء المخاطبة في المكاتبة على معنى الغيبة كما هو طريقة ابن حاجب النّعمان وغيره، يعبّرون عن المكتوب إليه بلقبه الخاص: كالوزير، والأمير، والحاجب، والقاضي، وما أشبه ذلك، وذكره بالسيادة وما في معناها، مفضّلين لفظ الجمع، كسيّدنا ومولانا على لفظ الإفراد كسيدي ومولاي، وينعتون المكتوب إليه بالجليل أو الحاجب «١» الجليل، ويجعلون الإفراد دون ذلك في الرتبة فيقولون: سيّدي، أو مولاي الأمير الجليل، أو الحاجب الجليل، ونحو ذلك. ثم توسّعوا في ذلك فجعلوا الدّعاء متوسّطا كلام الصدر على القرب من الابتداء، مقدّمين بعض كلام الصدر عليه، ومؤخّرين بعضه عنه، مثل أن يقال في المكاتبة بشكر: إذا كان الشّكر- أطال الله بقاء سيدنا

стр. 3878

الأمير فلان- ترجمان النّيّة، ولسان الطويّة، وشاهد الإخلاص، وعنوان الاختصاص، وسببا إلى الزّيادة، وطريقا إلى السّعادة، وكانت معارفه قد أحاطت بمعادنه واستولت على محاسنه، فألسن آثارها مع الصّمت أفصح من لسانه، وبيانها مع الجحود أبلغ من بيانه، ونحو ذلك. ثم أحدثوا اصطلاحا آخر أضافوه إلى الاصطلاح الأوّل، فقدّموا على الدعاء لفظ «كتابنا» أو لفظ «كتابي» رتبة دون رتبة، مثل أن كتبوا: كتابنا- أطال الله بقاء الأمير! ونحن على أفضل ما عوّدنا الله من انتظام الأمور وسدادها، واستقامتها بحضرتنا واطّرادها، أو كتابي- أطال الله بقاء مولاي الحاجب- عن سلامة ينغّصها فقدك، وينتقصها فراقك، وما يجري مجرى ذلك. وربما أبدلوا لفظ كتابنا أو كتابي بلفظ كتبت بصيغة الفعل، وربما ابتدأوا بلفظ أنا ونحوه. ثم خرج بهم الاختيار إلى مصطلحات اصطلحوا عليها مع بقاء بعض المصطلح القديم، فخاطبوا بالحضرة تارة، وبالخدمة تارة، وبالمجلس أخرى، فكتبوا: كتابي، أطال الله بقاء حضرة سيّدنا الوزير، أو سيّدنا الأمير، ونحو ذلك، أو أسعد الله الحضرة، أو أسعد الله الخدمة، أو ضاعف الله جلال الخدمة، أو أعزّ الله أنصار الخدمة. وربما كتبوا: صدرت هذه الخدمة إلى فلان. وقد يكتبون: صدرت هذه الجملة، إلى غير ذلك من تفنّناتهم التي لا يسع استيعابها، ولا يمكن اجتماع متفرّقها. قلت: وبالجملة فضبط صدور الإخوانيّات وابتداءاتها على هذا المصطلح غير ممكن لاختلاف مذاهبهم في ذلك، والذي تحصّل لي من كلام النحاس وابن حاجب النعمان، وترسّل أبي إسحاق «١» الصابي، والعلاء بن «٢» موصلايا، وأبي

стр. 3879

الفرج الببّغاء «١» وغيرهم من الكتّاب المجيدين أنّ الغالب في المكاتبات الدائرة بين أعيان الدول على سبعة أساليب: الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بالدعاء) كما كتب أبو إسحاق الصابي إلى الصاحب إسماعيل «٢» بن عبّاد بالشكر والتشوّق: أطال الله بقاء سيدنا الصاحب الجليل، في سلامة دنيا ودين، ونفاذ أمر وتمكين، وتمام عزّ وتأييد، وثبات وطأة وتمهيد، وعلوّ قدر وسلطان، وتعاظم خطر وشان، وتولّاه في نفسه وأوليائه بأحسن ما عرف وألف، من نعم دارّة الحلب متفرّعة الشّعب، محميّة الجهات والجوانب، محجوبة عن النوائب والشّوائب، وأراه في حسّاد فضائله، وكفّار فواضله، ما عوّده فيهم من شقاء جدودهم، وفلول حدودهم، وحلول النّكال بهم، وإثبات العصمة منهم، وجعل حكمه قطبا لمدار الأفلاك، ونهجا لمجاري الأقدار، فلا ينزل منها محبوب مطلوب إلّا توجّه إليه ونحاه، ولا محذور إلّا أعرض عنه وتحاماه، ثم كان برؤوس معانديه حلوله،

стр. 3880

وبرقابهم إحاطته، وفوق ظهورهم محمله، وعلى صدورهم مجثمه، أمرا جزما قضاه الله له وخصّه به، وأعطته الأيام عليه عهد أمانها، وأمرّت له به عقد ضمانها، عاطفة عليه بطاعتها ومواتاتها، مغضية له عن نوائبها ونبواتها، وحقيق عليه جلّ اسمه أن يفعل ذلك به، ويسمع هذا الدعاء فيه، إذ كان مرفوعا إليه في أوفر عباده فضلا، وأغمرهم نيلا، وأجزلهم أدبا، وأكثرهم حسبا، وأعملهم بطاعته، وأولاهم بإحسانه ومعونته. كتبت هذا الكتاب أطال الله بقاء سيدنا الصاحب الجليل، ثم انخرط في سلك مقصده إلى آخره. الأسلوب الثاني (أن يتوسّط الدعاء صدر الكتاب بعد الابتداء بكلام مناسب للحال) كما كتب أبو إسحاق الصابي أيضا عن بعض الأمراء إلى أمير آخر، مبشّرا بفتح: ومن أعظم النّعم- أطال الله بقاء مولانا الأمير الجليل- خطرا وأحسنها أثرا، نعمة سكّنت ثورة، وأطفأت فورة، وعادت على الناس بجميل الصّنع، وجليل النّفع، ونظام الأمور، وصلاح الجمهور، فتلك التي يجب أن يكون الشكر عليها مترادفا، والاعتداد بها متضاعفا، بحسب ما أزالت من المضرّة، وجدّدت من المسرّة، وأماطت من المحذور، ونشرت من المأمول. وحقيق على الناس أن يعرفوا حقّها ويوفوها من حمد الله قسطها، ويتنجّزوه وعده الحقّ في أدائها، وإطالة الإمتاع بها، والحمد لله على أن جعلنا ممن يعرف ذلك ويهتدي إليه، ويعتقده وينطوي عليه، ويؤدّي فرض الاجتهاد في الاستدامة والاستزادة منه، وأن خصّنا من هذه النّعم بذوات الفضل السابغ، والظّلّ الماتع، الجامعة لكبت العدوّ ومساءته، وابتهاج الوليّ ومسرّته، وهو المسؤول جلّ اسمه وعزّ ذكره، أن لا يسلبنا ما ألبسناه من سرابيلها، وأجرّناه من فضل ذيولها، وعوّدناه من جلالة أقدارها، وتعاظم أخطارها، ولا يعدمنا معونة منه على بلوغ أقصى الوسع

стр. 3881

في الاعتداد بها، ومنتهى الطّوق في البشر لها، بمنّه وطوله، وقوّته وحوله. وقد عرف مولانا الأمير فلان ما كان من كذا وكذا، ثم أتى على ذكر الفتح إلى آخره. الأسلوب الثالث أن يفتتح الكتاب بلفظ «كتابي» كما كتب الصابي عن الوزير أبي عبد الله الحسن بن سعدان، إلى فخر «١» الدولة بن بويه في بشارة فتح: كتابي- أطال الله بقاء مولانا الأمير الجليل فخر الدولة- ومولانا الملك السيّد صمصام الدولة وشمس الملّة، جار على أفضل حال، جمع الله بينهما في تمام عزّ ونصر، ونفاذ أمر ونهي، وعلوّ كلمة ورأي، وسبوغ موهبة ونعمة، وشكر الله يستزيد من فضله، ويستدرّ المادّة من طوله، وأنا جار فيما أحمّله من أعباء خدمتهما، وأتولّاه من تعاظم شؤونهما، على أجمل ما عوّد الله وزراء هذه المملكة المناصحين لها، وأوليائها المحامين عنها، من هداية إلى مراشد الأمور، وتوفيق لصواب التدبير، والحمد لله ربّ العالمين، وقد كان كذا وكذا. الأسلوب الرابع أن يفتتح الكتاب بلفظ «كتبت» كما كتب الصابي إلى صاحب الجيش في تعزية: كتبت- أطال الله بقاء سيدنا صاحب الجيش- والعين عبرى، والكبد حرّى، والصبر مسلوب، والعزاء مغلوب، بالفجيعة في سيّدي فلان نضّر الله

стр. 3882

وجهه، وكرّم منقلبه، التي هدّت الجلد، وفتّت في العضد، وبسطت عذر الجزوع، وهجّنت حلم الحليم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى أمره صائرون، وعند الله نحتسبه غصنا ذوى، وشهابا خبا، وعلق مضنّة علقت به أيدي النّوائب، وتخيّرته سهام المصائب، وقارنت بين قلوب الأباعد والأقارب، والخواصّ والعوامّ في التألم لفقده والاستيحاش لمصرعه، والكآبة لوقوع المحذور به، وعزّ عليّ أن يجري لساني بهذا القول، ويدي بهذا الخطّ، إلى آخر المكاتبة. الأسلوب الخامس أن يفتتح الكتاب بالخطاب، كما كتب صاحب ديوان الإنشاء في زمن المسترشد «١» عن نفسه، إلى شجاع الدولة وزير دمشق، بعد هلاك زنكي «٢» بن اقسنقر: أيها السيد الرئيس المحامي عن سربه، والذي قصّر إلّا في المعالي، ربّ ناء بجسمه وهو دان بقلبه، وغريب إذا نسبت وأمير على دمشق مطاع في صحبه، وله بالعراق إخوان من حزبه، إلى آخر المكاتبة. الأسلوب السادس أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «أنا» كما كتب الصابي عن نفسه إلى الأثير أبي الحسن يهنّئه بعيد:

стр. 3883

أنا- أطال الله بقاء سيّدنا الأستاذ الأثير- أحاول الخدمة له والقربة منه منذ وصلت إلى العسكر المنصور، فيعترض دون ذلك عوارض يجري بها المقدور، إلى الحين الموقّت المسطور، وقد علم منّي وشهر عني كذا وكذا، إلى آخر الكتاب. الأسلوب السابع أن تفتتح المكاتبة بلفظ «صدرت» أو «أصدرت» كما كتب صاحب ديوان الإنشاء في زمن المسترشد عن نفسه إلى أبي الفرج سعد بن محمد تشوّقا: صدرت هذه الجملة إلى فلان، ولواعج الأشواق إليه متضاعفة مترادفة، واستمرار الصّبر على البعد عنه قد رثّ قواه، ووهن عراه، وأعوزنا وجدانه إذ عنّت ذكراه، وإن كان ذكره سمير الخاطر، وتجاه الناظر، والغريم الملازم، الذي يستحق غالبه اللبيب الحازم، إلى آخر الكتاب. المهيع الثاني (في الأجوبة على هذا المصطلح، وهي على ضربين) الضرب الأوّل أن يفتتح الجواب بما يفتتح به الابتداء ثم يقع التعرّض بعد ذلك لوصول الكتاب والجواب عنه، إما ملاصقا لأوّل الابتداء، وإما بعد كلام طويل. فأما ما هو متصل بأوّل الابتداء، فكما كتب الصابي: كتابي- ووصل كتاب مولاي وفهمته، وجلّ عندي قدره وموقعه، وسكنت إلى ما دلّ عليه من سلامته، وسألت الله أن يسبغ عليه ظلّها، ويملّيه نعمه كلّها، فأما ما ذكره من كذا وكذا، إلى آخر الكتاب. وأمّا ما هو بعد كلام طويل، فكما كتب الصابي أيضا عن نفسه إلى الصاحب

стр. 3884

ابن عبّاد» : كتابي- أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل كافي الكفاة- وليس من جارحة إلّا ناطقة بشكره وحمده، ولا في الدّهر جراحة إلّا عافية بفضله ورفده، وأنا مستمرّ له على دعاء، إن خلوت من أن يكون عائدا لصلاحي، ورائشا لجناحي، لألتزمنّه عن الأحرار العائشين في نداه، المستظلّين بذراه «٢» ، فكيف وأنا أوّل ساهر في مرابعه، ووارد لشرائعه، وأحوالي جارية على استقامة أقوى أسبابها تصرّف الأيام على آرائه، واتباعها إيثاره في أوليائه وأعدائه. والحمد لله رب العالمين، قضاء لحقّه واقتضاء لمزيده، واستدامة للنّعمة عنده، التي استحصفت في أيدينا سعتها، وسالت علينا شعابها، وغمرتنا سجالها، وتفيّأت لنا ظلالها، وما يزال بين رغبة مولانا الصاحب الجليل كافي الكفاة- أدام الله علوّه، وكبت عدوّه، في عبده ورغبة عبده إليه سرّ مكنون في الصّدور، ومستور تحت الضّلوع، فهما يتناجيان به على بعد الدار، ويلتقيان عليه بالأفكار، فإن تطلّع من حجاب القلوب، وشذّ من ظهور الغيوب، فإنّ ظهوره يكون من جهته في نفحات الإنعام، ومن جهتي في ثمرات الكلام. وقد وصل كتابه المخطوط بكرمه لا بقلمه، إلى صنيعته الماثل بين يديه بهممه لا بقدمه، فلم يستطع أن ينهض من الفكر، إلّا بقدر ما يبرّيء ساحته من الكفر، ويبلّغه إلى آخر الاجتهاد والعذر، وأسأل الله أن يطيل بقاءه للإفضال المأخوذ منه، والفضل المأخوذ عنه، والعلم الذي يزخر به بحره، والفخر الذي يسحب له ذيله، والعزّ الذي ضرب عليه رواقه، والسلطان الذي ألقي إليه استحقاقه، والأمر والنهي اللذين يحويهما تراثا واكتسابا، إذا حواهما غيره غلولا واغتصابا، بمنّه وطوله، وقد كان كذا وكذا.

стр. 3885

الضرب الثاني (أن يفتتح الجواب بلفظ «ورد أو وصل» ونحوهما) كما كتب الصابي عن الوزير أبي عبد الله بن سعدان في جواب كتاب ورد عليه: وصل كتابك- أطال الله بقاءك- وفهمته، وأدّى فلان ما تحمّله عنك ووعيته، وازددت به بصيرة في سدادك ومعرفتك، وفضلك وحصافتك، واجتماع الأدوات الجميلة فيك، الداعية إلى إعلاء محلّك، وحميد حالك، والثّقة بك، والاستنامة إليك، وأنهيت ذلك إلى الملك فلان، فأصغى إليه مستمعا، وأوجب لك به حقّا متضاعفا، وأمرني بكذا وكذا إلى آخر مراده. وكما كتب أبو الفرج «١» الببّغاء في جواب كتاب: ورد كتابك مشافها من البرّ، ومؤدّيا من الفضل، ومتحمّلا من المنن، ما تجاوز الإنصاف إلى الإسراف، وقرن الإكرام بالإنعام، ولم أدر أيّ المنح به أشكر، ولا بأيّ العوارف له أعترف؛ أبما تحمّله من جميل نيّته، أم ما أدّى من جليل مخاطبته، أم ما ناجتني به فوائد ملاطفته، أم ما اعتمدني من حلاوة مفاوضته، إلى غير ذلك من الوصول إلى النعمة التي لا أطاولها بشكر، ولا أقاومها بمنّة اعتداد، وهو ابتداؤه إيّاي من المكاتبة بما أحرز به على عادته قصب السّبق، وزاد على الرّغبة مبرهنا وبصادق الودّ مخبرا، وإلى البسط دليلا، وعلى مستأنف الخدمة بالمواصلة باعثا، ووجدته أيده الله قد فعل كذا وكذا. المهيع الثالث (في خواتم الإخوانيّات على هذا المصطلح) واعلم أنه لم يكن لهم ضابط للاختتامات، ولا ما يقتضي ملازمة اختتام معين لصدر معيّن، بل ذلك موكول إلى رأي الكاتب لا يراعي فيه غير علوّ الرتبة

стр. 3886

وهبوطها، حيث تفاوتت رتب الاختتامات عندهم. ثم الاختتامات لديهم على أنواع شتّى: منها- الاختتام باستماحة الرّأي، وهو على مراتب: أعلاها «ولمولانا علوّ الرأي في ذلك» كما كتب الصابي في خاتمة كتاب: ولمولانا علوّ الرأي في تشريف خادمه بالقبول، والتقدّم بإعلامه بالوصول، واستخدامه بما يتعلق بآرابه «١» وأطاره- ومن نظائر ذلك وأشكاله- إن شاء الله تعالى. ودون ذلك- الاختتام بلفظ «فإن رأى كذا وكذا فعل» كما كتب الصابي في خاتمة كتاب بشارة بفتح: فإن رأى سيّدي أن يعرّفني موقع هذه البشرى منه، ومقابلتها بالشكر الواجب عليها، ويتقدّم بإشاعتها في نواحيه وأعماله، ليكبت الله به عدوّه وعدوّنا، ويكاتبني بما أتطلّعه من أحواله وأخباره، وأتعمّد إسعافه به من مآربه وأوطاره، فإنّي أعتدّه شريكا لنا مساهما، وخليطا مفاوضا، فعل إن شاء الله تعالى. ودونه «فرأيك في كذا وكذا» كما كتب أبو الفرج الببّغاء في خاتمة كتاب في الحثّ على مواصلة الكتب، فرأيك في إيناسنا بكتبك متضمنة ما نؤثره من انبساطك، ونعلمه من أخبارك، موفّقا إن شاء الله تعالى. وقد تقدّم في الكلام على أصول المكاتبات لأيّ معنى كان فرأيك دون فإن رأيت. وذكر ابن حاجب «٢» النّعمان أنّ أعلى المراتب «وللآراء العالية فضل السموّ ومزيد القدرة. ودونه «ولرأي المجلس الفلانيّ فضله وسموّه» . ودونه «ولرأي الحضرة الفلانية فضله» . ودونه «ورأي حضرة مولانا أسمى» . ودونه «ورأي حضرة مولاي العالي» . ودونه «ورأيه موفّقا» . ودونه «ورأيه السديد» . ودونه «ورأيه الأرشد» .

стр. 3887

ودونه «والمؤثر كذا» . ودونه «فأحبّ أن يفعل كذا» . ودونه «ويجب أن يفعل كذا» . ودونه «فافعل كذا من غير مخالفة» . ودونه «واحذر المخالفة» . ومنها- الاختتام بالدعاء، كما كتب الصابي خاتمة كتاب «وأسأل الله أن يطيل بقاءه، ويصل إخاءه، ويحفظه بعيدا وقريبا، ويرعاه غائبا وحاضرا. ومنها- الاختتام بطلب مواصلة الكتب، كما كتب الصابي في خاتمة كتاب: وأنا أسأله أن يواصلني بكتبه، مضمّنة أخباره الطيّبة، وأمره الممتثل، وأوطاره ومهمّاته، معتمدا بذلك، إن شاء الله تعالى. ومنها- الاختتام بترك التكليف بالمكاتبة في غير الضروري، كما كتب الصابي في آخر مكاتبة: وما أطالب سيدي بالمكاتبة إلّا عند الحاجة العارضة، فإنه يفيدني بها جميلا أشكره، ويستفيد مني سعيا يحمده، فأمّا ما عدا ذلك مما يشغل أوقات راحته، ويسدّ فرج خلوته، فإنني أستعفي منها استعفاء المتقرّب إليه، المؤثر لما خفّ عليه، وله فيما سألت فضل النظر فيه، والإسعاف به، إن شاء الله تعالى. ومنها- الاختتام بالتحذير من المخالفة، كما كتب الصابي في خاتمة الكتاب إلى جماعة بتحصيل قوم: وليكتب كلّ واحد منهم بخبر من عسى أن يظفر به من هؤلاء، أو يقف على موضعه، أو ينتهي إليه شيء من خبره، وليحذر من التقصير في ذلك. إلى غير ذلك من الاختتامات التي لا تحصى كثرة. وقد ذهب كثير من الكتّاب [إلى عدم تفضيل بعض الاختتامات على بعض] «١» على أنّ ابن حاجب النّعمان قد قال في «ذخيرة الكتاب» : إنّ أعلى ذلك بالنسبة إلى المكتوب إليه، وللآراء الفلانيّة فضل السّموّ ومزيد القدرة. ودونه «ولرأي المجلس الفلاني فضله وسموّه» . ودونه «ولرأي الحضرة الفلانيّة فضله» .

стр. 3888

ودونه «ورأي حضرة سيدنا أسمى» . ودونه «ورأي حضرة مولاي العالي» . ودونه «ورأيه موفّقا» . ودونه «ورأيه السّديد» . ودونه «ورأيه الأرشد» . ودونه «والمؤثر كذا» . ودونه «فأحبّ كذا» . ودونه «ويجب أن يفعل كذا» . ودونه «وسبيله أن يعتمد كذا» . ودونه «فافعل كذا» . ودونه «فافعل كذا من غير مخالفة» . ودونه «واحذر المخالفة» . المهيع الرابع (في عنوانات الكتب على هذا المصطلح، وفيها أربعة أحوال) الحالة الأولى- أن يكون العنوان من الرئيس إلى المرؤوس . قد ذكر في «صناعة «١» الكتّاب» أنّ العنوانات من الوزير والقاضي وغيرهما من الرؤساء على تسع مراتب: (الأولى) أن يكتب في الجانب الأيمن «لأبي فلان أطال الله بقاءه وأعزه» ، وفي الجانب الأيسر «من فلان بن فلان» باسم الوزير واسم أبيه إن لم يكنّه الإمام، فإن كنّاه، كتب «من أبي فلان» ، والقاضي في معنى ذلك. (الثانية) أن يكتب في الجانب الأيمن «لأبي فلان أطال الله بقاءه» فقط، ويكتب الاسم «٢» ولا يكتب: وأعزّه. (الثالثة) أن يكتب في الدعاء للمكتوب إليه: أدام الله عزّه. (الرابعة) أن يكتب: أعزّه الله. (الخامسة) أن يكتب: أكرمه الله وأدام كرامته. (السادسة) أن يكتب: أكرمه الله، وفي ذلك يكتب اسم الوزير في الجانب الأيسر.

стр. 3889

(السابعة) أن يكتب: أبقاه الله، ولا يذكر اسم الوزير في هذه المرتبة وما بعدها. (الثامنة) أن يكتب: حفظه الله، ولا يكتب اسم الوزير. (التاسعة) أن يكتب: عافاه الله. وعلى نحو ذلك جرى ابن حاجب النّعمان في «ذخيرة الكتاب» فقال: إنه يبدأ في الجانب الأيمن بذكر المكتوب إليه ونعوته وكنيته واسمه واسم أبيه ونسبه المشهور من ناحيته أو قبيلته أو بلده، ثم يذكر المكتوب عنه في الجانب الأيسر باسمه واسم أبيه، فإن كان الكتاب عن الوزير، ذكر كنيته في الجانب الأيسر، إن كان الإمام أمره أن يكاتب متكنّيا أو متلقّبا. وقد سبق في الكلام على أصول المكاتبات في أوّل الباب الثاني من هذه المقالة أنّ من السّلف من كره لأبي فلان وقال: الصواب أن يكتب إلى أبي فلان. قال في «صناعة الكتاب» ويكتب: لأبي الحسن، فإن أعدت الكنية في الناحية الأخرى رفعت فقلت: أبو الحسن عليّ بن فلان على المبتدإ والخبر أو على إضمار مبتدإ، وإن شئت خفضت على البدل، فإن لم تعد الكنية كان الخفض أحسن فقلت لأبي الحسن. ثم قال: وإن كتبت إلى رجلين كنية كلّ منهما أبو الحسن، كتبت لأبوي الحسن، إذا لم يكن لهما ولد يقال له الحسن، فإن كان لكل منهما ولد يقال له الحسن، جاز أن يكتب لأبوي الحسنين. قال: والاختيار أن يكتب لأبوي الحسن أيضا؛ لأنّ المعنى للّذين يقال لكلّ واحد منهما أبو الحسن. ويجوز أن يكتب إلى الرجلين اللّذين يكنّيان بأبي الحسن: لأبي الحسن بفتح الباء وكسر الياء على لغة من قال جاءني أبك، والأصل فيه لأبين الحسن سقطت النون للإضافة، ويكتب في الجميع لأبي الحسن بكسر الباء، الأصل لأبين بكسرها أيضا، سقطت النون للإضافة على لغة من قال: جاءني أبوك يعني بضم «١» الواو،

стр. 3890

ويجوز أن يكتب لرجل كنيته أبو الحسن لأبا الحسن على لغة القصر، كما يقال لفتى الحسن. قال في «ذخيرة الكتاب» وإن كان الكتاب إلى اثنين «١» وكنايتهما مختلفة، كأبي جعفر، وأبي منصور، وأبي بكر، كتبت آباء جعفر ومنصور وبكر. وإن كانت كنايتهم متفقة مثل أن تكون كنية كلّ منهم أبو جعفر كتبت آباء جعفر. الحالة الثانية- أن يكون العنوان من المرؤوس إلى الرئيس . قد ذكر «النحاس» عن الفضل بن سهل أنه إذا خوطب الكفء «بجعلني الله فداءك» بالصدر الكامل، فأحسن دعائه للعنوان، «أعزّه الله وأطال بقاءه» ، وذكر أنه إذا كوتب بأعزّه الله فأجمل العنوان مدّ الله في عمره. قال في «صناعة الكتّاب» ولا يتكنّى الرجل في كتبه، إلّا أن تكون كنيته أشهر من اسمه فيتكنّى على نظيره، ويتسمّى لمن فوقه، ثم يلحق المعروف أبا فلان، أو المعروف بأبي فلان. قال: ويكتب: من أخيه، إن كانت الحال بينهما توجب ذلك. الحالة الثالثة- أن يكون العنوان من الرجل إلى ابنه ومن في معناه ، قد ذكر النحاس أنه يعنون إليه من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، ثم قال: وكذا كبير الإخوة والرجل إلى أهل بيته. الحالة الرابعة- أن يكون المكتوب إليه امرأة . قال في «صناعة الكتّاب» : إن كان المكتوب إليه أمّ الخليفة، كتب: للسيدة أمّ فلان أمير المؤمنين، وإن كانت امرأة الخليفة وكان ابنها معهودا إليه بالخلافة، كتب للسيدة أمّ فلان وليّ عهد المسلمين، وإن كانت امرأة رجل جليل، كتب للحرّة أمّ فلان، ولا يكتب اسمها، ويدعو لها بالدعاء الذي يكون خطابها به.
следующие страницы →