← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

عفا، وجاء أمر الله وأنوف أهل الشّرك راغمة، فأدلجت «١» السيوف إلى الآجال وهي نائمة، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كلّ دين، واستطارت له أنوار أبانت أنّ الصّباح عندها حيان الحين «٢» ، واستردّ المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، وظفروا يقظة بما لم يصدّقوا أنهم يظفرون به طيفا على النّأي طارقا، واستقرّت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصّخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشفى بالماء غللهم. ولما قدم الدّين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنّأ كفؤها الحجر الأسود ببتّ «٣» عصمتها من الكافر بحربه. وكان الخادم لا يسعى سعيه إلّا لهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤسى إلّا رجاء هذه النّعمى، ولا يناجز من يستمطله «٤» في حربه، ولا يعاتب بأطراف القنا من يتمادى «٥» في عتبه، إلّا لتكون الكلمة مجموعة، والدّعوة «٦» إلى سامعها مرفوعة، فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدّنيا، وكانت الألسنة «٧» ربّما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربّما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيرا خاطر ومن رام صفقة رابحة تجاسر «٨» ومن سما لأن يجلّي غمرة غامر، وإلّا فإنّ القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فتعضّها «٩» ، ويضعف بأيديها مهز القوائم فتقضّها «١٠» ، هذا إلى كون القعود لا يقضي فرض الله

стр. 4027

في الجهاد، ولا يرعى به حقّ «١» الله في العباد، ولا يوفى به واجب التقليد الذي تطوّقه «٢» الخادم من أئمّة قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، وخلفاء الله «٣» كانوا في مثل هذا اليوم لله «٤» يسألون، لا جرم أنهم أورثوا سرّهم «٥» وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيّتهم الشريفة، وطلعتهم «٦» المنيفة، وعنوان «٧» صحيفة فضلهم لا عدم سواد العلم وبياض الصحيفة، فما غابوا لمّا حضر، ولا غضّوا لمّا نظر، بل وصلهم الأجر لما كان به موصولا، وشاطروه العمل لما كان عنه منقولا ومنه مقبولا، وخلص إليهم إلى المضاجع ما اطمأنّت به جنوبها، وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال اللّيل به سميرا، والنهار به بصيرا، والشّرق يهتدي بأنواره، بل إن أبدى نورا من ذاته هتف به الغرب بأن واره، فإنّه نور لا تكنّه أغساق «٨» السّدف، وذكر لا تواريه أوراق الصّحف. وكتاب «٩» الخادم هذا، وقد أظفر الله بالعدوّ الذي تشظّت قناته شفقا «١٠» ، وطارت فرقه فرقا، وفلّ سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عددا وحصا، وكلّت حملاته وكانت «١١» قدرة الله تصرّف فيه العيان بالعنان، عقوبة من الله ليس لصاحب يد «١٢» بها يدان، وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة، وغضّت

стр. 4028

عينه وكانت [عيون] «١» السيوف دونها كسيفة «٢» ، ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون، وأضحت «٣» الأرض المقدّسة الطاهرة وكانت الطّامث، والرّبّ المعبود الواحد وكان عندهم الثالث، فبيوت الشّرك مهدومة [ونيوب الكفر «٤» مهتومة] «٥» وطوائفه المحامية، مجتمعة «٦» على تسليم البلاد الحامية، وشجعانه المتوافية، مذعنة لبذل «٧» المطامع «٨» الوافية، لا يرون في ماء الحديد لهم عصرة، ولا في فناء «٩» الأفنية لهم نصرة، وقد «١٠» ضربت عليهم الذّلّة والمسكنة، وبدّل الله مكان السّيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة. وقد كان الخادم لقيهم اللّقاة الأولى فأمدّه الله بمداركته، وأنجده بملائكته، فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا ينتعش «١١» بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل، وقتل منهم من فتكت «١٢» به المناصل، وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسّلاح [والكفّار، وعن أصناف يخيّل بأنّه قتلهم بالسّيوف الأفلاق والرّماح الأكسار، فنيلوا بثار من السّلاح ونالوه أيضا بثار «١٣» ] ،

стр. 4029

فكم أهلّة سيوف تقارض «١» الضّراب بها حتّى صارت كالعراجين «٢» ، وكم أنجم أسنّة «٣» تبادلت الطّعان حتّى صارت كالمطاعين، وكم فارسيّة ركض عليها فارسها الشّهم «٤» إلى أجل فاختلسه، وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على بعد المسافة فافترسه «٥» ، وكان اليوم مشهودا، وكانت الملائكة شهودا، وكان الكفر «٦» مفقودا والإسلام مولودا، وجعل الله ضلوع الكفّار لنار جهنّم وقودا. وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وآكد وصله بالدّين وعلائقه، وهو صليب الصّلبوت، وقائد أهل الجبروت، وما «٧» دهموا قطّ بأمر إلّا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه، ويحرّضهم «٨» وكان مدّ اليدين في هذه الدّفعة وداعة، لا جرم أنّهم يتهافت «٩» على ناره فراشهم، ويجتمع «١٠» في ظلّ ظلامه «١١» خشاشهم، ويقاتلون «١٢» تحت ذلك الصّليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشدّ عقد «١٣» وأوثقه، ويعدّونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه.

стр. 4030

وفي هذا اليوم أسرت سراتهم، وذهبت «١» دهاتهم [ولم يفلت منهم معروف إلّا القومص، وكان لعنه الله مليّا يوم الظّفر بالقتال، ومليّا يوم الخذلان] «٢» بالاحتيال، فنجا ولكن كيف؟ وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرّمح أو «٣» جناح السّيف، ثم أخذه الله تعالى بعد أيام بيده، وأهلكه لموعده، فكان لعدّتهم فذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك. وبعد الكسرة مرّ الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الرّاية العبّاسية السّوداء صبغا، البيضاء صنعا، الخافقة هي وقلوب أعدائها، الغالبة هي [وعزائم أوليائها] «٤» المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها البشر «٥» ، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النّصر، فافتتح بلد «٦» كذا وكذا وهذه [كلّها] «٧» أمصار ومدن، وقد تسمّى البلاد بلادا وهي مزارع وفدن «٨» ، وكل «٩» هذه ذوات معاقل ومعاقر، وبحار وجزائر، وجوامع ومنائر، وجموع وعساكر، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا، ويحطّ من منائر جوامعها صلبانا ويرفع أذانا، ويبدّل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوّيء «١٠» بعد أهل الصّلبان أهل القرآن للذّبّ عن دين الله مقاعد، ويقرّ عينه وعيون أهل الإسلام أن تعلّق «١١» النّصر منه ومن عسكره بجارّ ومجرور، وأن ظفر «١٢»

стр. 4031

بكلّ سور ما كان يخاف زلزاله وزياله «١» إلى يوم النّفخ في الصّور. ولمّا لم يبق إلّا القدس وقد اجتمع «٢» إليها كلّ شريد منهم وطريد، واعتصم بمنعتها كلّ قريب منهم وبعيد، وظنّوا أنها من الله مانعتهم، وأن كنيستها إلى الله شافعتهم، فلمّا «٣» نازلها «٤» الخادم رأى بلدا كبلاد، وجمعا كيوم التّناد، وعزائم قد تألّبت «٥» وتألّفت على الموت فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السّيف وأن تموت بغصّته، فزاول البلد من «٦» جانب فإذا أودية عميقة، ولجج وعرة «٧» غريقة، وسور قد انعطف عطف السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقد «٨» الدار، فعدل إلى جهة أخرى كان للمطامع «٩» عليها معرّج، وللخيل فيها متولّج، فنزل عليها، وأحاط بها وقرب منها، وضرب «١٠» خيمته بحيث يناله السّلاح بأطرافه، ويزاحمه السّور بأكنافه، وقابلها ثم قاتلها، ونزلها ثم نازلها، وبرز إليها ثم بارزها، وحاجزها ثم ناجزها، فضمّها «١١» ضمّة ارتقب بعدها الفتح، وصدع أهلها «١٢» فإذا هم لا يصبرون على عبوديّة الخدّ «١٣» عن عتق الصّفح، فراسلوه ببذل قطيعة إلى مدّة، وقصدوا نظرة من شدّة وانتظارا

стр. 4032

لنجدة، فعرفهم الخادم «١» في لحن القول، وأجابهم بلسان الطّول، وقدّم المنجنيقات «٢» التي تتولّى عقوبات الحصون عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب «٣» فلا تفارقها سهامها، ولا يفارق سهامها نصالها، فصافحت السّور بأكنافه «٤» فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدّم النّصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوّه إلى السّماك؛ فشجّ مرادع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها [صمّ أعلاجها] «٥» ورفع مثار عجاجها «٦» فأخلى السّور من السّيّارة، والحرب من النّظّارة، فأمكن «٧» النّقّاب، أن يسفر للحرب النّقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته [الأولى] «٨» من التّراب، فتقدّم إلى الصّخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحلّ عقده بضربه الأخرق الدّالّ على لطافة أنمله، وأسمع الصّخرة الشريفة حنينه «٩» واستغاثته إلى أن كادت ترقّ لمقبّله «١٠» وتبرّأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن تبرح الأرض، وفتح في «١١» السّور بابا سدّ من نجاتهم أبوابا، وأخذ ينقب «١٢» في حجره فقال «١٣» عنده الكافر: ليتني كنت ترابا «١٤» فحينئذ يئس الكفّار من أصحاب الدّور، كما يئس الكفّار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرّهم بالله الغرور «١٥»

стр. 4033

وفي الحال خرج طاغية كفرهم، وزمام أمرهم ابن بارزان «١» سائلا أن يؤخذ البلد بالسّلام «٢» لا بالعنوة، وبالأمان لا بالسّطوة، وألقى بيده إلى التّهلكة، وعلاه ذلّ الملكة «٣» بعد عزّ المملكة، وطرح «٤» جبينه في التراب وكان جبينا لا يتعاطاه طارح، وبذل مبلغا من القطيعة لا يطمح «٥» إليه طرق آمل طامح، وقال: هاهنا أسارى مؤمنون «٦» يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنهم إن هجمت عليهم الدار، وحمّلت الحرب على ظهورهم الأوزار، بديء بهم فعجّلوا، وثنّي بنساء الفرنج وأطفالهم فقتّلوا، ثم استقتلوا بعد ذلك فلم يقتل «٧» خصم إلّا بعد أن ينتصف، ولم يسلّ «٨» سيف من يد إلّا بعد أن تنقطع «٩» أو ينقصف، وأشار «١٠» الأمراء بالأخذ بالميسور، من البلد المأسور، فإنّه «١١» إن أخذ حربا فلا بدّ أن تقتحم الرجال الأنجاد، وتبذل أنفسها في آخر أمر قد نيل من أوّله المراد. وكانت الجراح في العساكر قد تقدّم منها ما اعتقل الفتكات، واعتاق «١٢» الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون، وملك الإسلام خطّة كان عهده بها دمنة سكّان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أنّ الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحقّ

стр. 4034

وأسخطهم؛ فإنّهم خذلهم الله حموها بالأسل والصّفاح [وبنوها بالعمد والصّفّاح] «١» وأودعوا الكنائس بها وبيوت الدّيوية والاستبارية «٢» منها كلّ غريبة من الرّخام الذي يطرد ماؤه، ولا يطرد «٣» لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنّن في توشيعه، إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، كالذّهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلّا مقاعد كالرّياض «٤» لها من بياض الترخيم رقراق، [وعمدا كالأشجار لها من التّنبيت أوراق] «٥» وأوعز «٦» الخادم بردّ الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمّة من يوفّيه ورده المورود، وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع «٧» شهر شعبان فكادت السموات يتفطّرن للسّجوم «٨» لا للسجوم، والكواكب [منها] «٩» ينتثرن للطّرب لا للرّجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طرائقها «١٠» مسدودة، وظهرت «١١» قبور الأنبياء وكانت «١٢» بالنّجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها [وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها] «١٣» وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه «١٤» الأشرف من المنبر، فرحّب به ترحيب من برّ بمن برّ، وخفق علماه في

стр. 4035

حفافيه، فلو طار به سرورا لطار بجناحيه. وكتاب الخادم وهو مجدّ في استفتاح بقيّة الثّغور، واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصّدور، فإنّ قوى العساكر قد استنفدت مواردها [وأيام الشّقاء قد مردت مواردها] «١» والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها، فهي بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجمّ ولا تستنفد، وينفق «٢» عليها، ولا ينفق منها، وتجهّز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط لبرّها «٣» ، ويدأب في عمارة أسوارها، ومرمّات معاقلها، وكلّ مشقّة فهي بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع «٤» الفرنج فيما بعد ذلك مذاهبها غير مرجئة ولا معتزلة، فلن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنّها لا تسمع، ولن «٥» تزول أيديهم من أطواق البلاد حتّى تقطع. وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخّص، ولا بما سوى المشافهة تتلخّص. فلذلك نفّذنا «٦» لسانا شارحا، ومبشّرا صادحا، ينشر «٧» الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرّة من طليعته إلى ساقته «٨»

стр. 4036

قلت: وقد وقفت على نسخة كتاب كتب به عن المكتفي «١» بالله، عند ما بعث محمد «٢» بن سليمان الكاتب إلى الديار المصرية، فانتزعها من يد بني «٣» طولون واستولى عليها للخليفة، في نحو كرّاسة، تاريخها سنة اثنتين وتسعين «٤» ومائتين، أوّلها: أما بعد فالحمد لله العليّ الكبير، العزيز القدير؛ أضربت عن ذكرها لطولها. الصنف الثامن (المكاتبة بالاعتذار عن السلطان في الهزيمة) قال في «موادّ البيان» : من أخلاق العامّة تقبيح سيرة السلطان إذا زلّ في بعض آرائه، والإزراء على تدبيره في جيش يجهّزه فيكسر، ونحو ذلك، مما لا يسلم من مثله، والإفاضة فيه والتشنيع به، فيحتاج إلى مكاتبتهم بما يتلافى الوهن

стр. 4037

ويقيم العذر، كما يكاتبهم بتفخيم المنح، وتعظيم الفتوحات، والتّحدّث بمواقع المواهب، وشكر الله تعالى على إسباغ النّعم، والإظفار بأعداء الدين والدّولة ليقوّي بذلك منّتهم، ويرهف بصائرهم ويستخلص طاعتهم، ويملأ صدورهم رهبة. قال: وليست لهذه الكتب رسوم ينتظم كلّ ما وقع فيها؛ لاختلاف ما يلام فيه ويعتذر. ثم قال: ونحن نرسم في أصوله قولا وجيزا، وهو أن يقتضب الكاتب له المعاذير التي تحسّن أحدوثته، وتستر زلّته، والحجج التي تعيد اللائم عاذرا، والذّامّ شاكرا، وتوجب التقريظ من حيث يجب التأنيب، والإحماد من حيث يستحقّ التّذنيب. مثل أن يعتذر عن هزيمة جيش، فيقول: وقد علمتم أن الحرب سجال، والدنيا دول تدال، وقد تهبّ ريح النّصر للقاسطين على المقسطين امتحانا من الله وبلوى، ليجزي الّذين أساءوا بما عملوا ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى، من غير أن يصرّح بباطل، ولا يطلق كذبا محضا، ولا يختلق زورا يعلم الناس خلافه، فتتضاعف الهجنة، وتتكاثف المحنة، فإنه لا شيء أقبح على السلطان، وأقدح في جلالة الشان، من أن يعثر في كتبه على إفك قد يعلمه بعض من يقف عليه، بل ينبغي أن يعتمد في ذلك حسن التّخلّص والتّورية عن الغرض، واستعمال الألفاظ التي تدلّ على أطراف الحال ولا تفصح بحقائقها. وهذه نسخة كتاب من ذلك: الحمد لله الذي ساس الأمور بحكمته، وأبان فيها مواقع قدرته، وسلك فيها طريق مشيئته، وصرّفها على ما رآه عدلا بين العباد في أقسام نعمته ومحنته، وأحوال بلواه وعافيته، وجعل الأيام فيهم نوبا، والأحوال بينهم عقبا، فخصّ أولياءه وأهل طاعته بالنّصر في المحاكمة، والصّلح عند المخاصمة، والظّهور على من شاقّهم وعاداهم، والقهر لمن ضادّهم وناواهم، إنجازا لما وعد به الصابرين المحتسبين، وإعزازا للدّين وأنصاره من المؤمنين، ولم يخل أعداءه من دولة أدالها لهم، وجولة على الحق زادها في طغيانهم، ووصل الإملاء لهم فيها بخذلانهم، ليجب الثواب للمحسنين، ويحقّ العذاب على الكافرين. فقال

стр. 4038

في محكم كتابه- وقد ظهر المشركون على المسلمين- إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس «١» وقال: ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين «٢» وناوب بين الفريقين في المصائب، والمواهب، والمسارّ، والمضارّ، ليشفي الله صدور المؤمنين، وليمحّص ما في قلوبهم، ويوجب لهم إخلاص السرائر في طاعته، والجهاد في سبيله، والنّصرة لرسوله، والمراماة عن دينه، والمدافعة عن حريمه، ضعف الثّواب وحسن المآب، ويحلّ بالمشركين ما أعدّ لهم في دار الجزاء من أليم العذاب. وإذا كان الحال بين الفريقين المتلاقيين، والفئتين المتجاورتين، والحزبين المتحاكمين، في تعاور الغلبة، وتعاقب الدّولة، جاريا على تقدير الله ومتصرفا على حكمه، ومستوسقا على ما سبق في علمه، فليس يغني في ذلك زيادة عدد، ولا اتصال مدد، ولا قوّةّ أيد، ولا لطف كيد، ولا اختيار وقت محمود للقتال، ولا الانتخاب لأهل البسالة والنّجدة من الرجال، ولا يجب أن يستريث النّصر من أبطأ عنه، ويستشعر الجزع من نال خصمه منه، بعد تحصيله السلامة في نفسه، وقيام العذر له بعنايته وجدّه، وقد جمع الله للأمير من المناقب، التي ورثها عن آبائه، وحازها في صدره، والحيازة فيما بان من فضل بأسه، وثبات جأشه، وأصالة رأيه، وصحّة تدبيره، وإيفائه الحرب شروطها، والهيجاء حقوقها، من الحزم والتّؤدة، والإقدام عند الفرصة، والإصابة في التّقدير والتّعبير، والاحتياط في سدّ مواقع الخلل والعورة، وإعمال النّظر والرّويّة، لولا اعتراض القضاء الذي هو مالك نواصي العباد، وغير مدفوع بمحال ولا جلاد، ولا قوّة ولا عدّة ولا عتاد- ما أوفى حسنه على مزيّة الظّفر، وزاد عظمه في السّناء والخطر، إلى ما شمل عسكره في منقلبه بمراعاته لهم، ومدافعته من ورائهم، حتّى توافى الجمع موفورين، وآبوا سالمين غانمين، وبالله الحول والقوّة وعليه ضمان الإدالة على ما جرى به وعده

стр. 4039

الصادق، وأخبر عنه كتابه الناطق، وهو حسب أمير المؤمنين وكافيه، وناصره وواليه، ونعم الوكيل والظّهير، والمولى والنّصير، وصلّى الله على سيدنا محمد سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وآله الطيبين أجمعين، وسلّم تسليما. وفي مثله من إنشاء أحمد بن «١» سعيد: أحكام الله ﷻ جارية على سبل جامعة لوجوه الحكمة، منتظمة لأسباب الصلاح والمعدلة. فمنها ما عرّف الله أولياءه والمندوبين بطاعته، والمجموعين بهدايته، طريق المراد منه، وسبب الدّاعي إليه، والعلّة فيما قضي من ذلك لحينه، والصّورة المقتضية له. ومنها ما استأثر بعلمه، وطوى عن الخلق معرفة حاله، فهو- وإن أشكل عليهم موضع الحاجة إليه، وموقع العائدة به، ورؤي بهم اضطرابا في ظاهره عند تأمّلهم إياه بمقادير عقولهم، ومبالغ أفهامهم- مبنيّ على أوثق آساس الحكمة، وأثبت أركان الصّواب على الجملة، وكيف لا يكون كذلك؟ والله خالق الأشياء كلّها، وعالم بها قبل كونها، في أحوال تكوينه إياها وبعده في منزع غاياتها ومقتضيّ عواقبها، فليس تخفى عليه خافية، ولا تعزب عنه دانية ولا قاصية، ولا يسقط عن معرفته فصل ما بين الخاطرين والوهمين في الخير والشّر، وما بين الجبلين والدّر بين في الوفور والغمور، فكيف بما يبرزه الظهور، ويخبر فيه عن موضع التدبير، المحتاج فيه إلى إحكام الصّنعة وإتقان التقدير؟ ومن ظنّ أنّ شيئا من ذلك يخرج عن نهج الصواب، ويخالف طريق الصّلاح، فقد ضلّ من حيث ضلّل، وغلط من حيث غلّط، واتّصل سوء ظنّه، وفساد فكره، بالزّراية على فعل ربّه، تعالى عن قول المبطلين، ورجم الشّياطين. ثم إن لله ﷻ عادة في الجيشين المتحاربين، والحزبين

стр. 4040

المتحاكمين، من عباده المؤمنين، وأضدادهم المفسدين الملحدين، في المداولة بينهما، والمعاقبة بين الفئتين منهما، في العجز والظّهور، والوفاء والقصور، والمعافاة والامتحان، والنّصر والخذلان، والإعلاء لراية الحقّ في حال، والإملاء للباطل في أخرى، بتضمين الخيرة لأوليائه، والدائرة على أعدائه، عاجلا بالتّمحيص لهؤلاء، وبالمحق لأولئك، بما يصل إليهم من مصيبته، وينوبهم في حاضر الدنيا من رغبته، ويحلّ العادين من المشركين دار الفاسقين، ويجعل العاقبة للمتّقين، ومن سعد بقسم من التوفيق، وحظّ من فائدة الإرشاد، فليس «١» في هذه الحالة بزيادة أنصار وعدّة، وفضل عتاد وعدّة، وبسالة ونجدة، وأيد وقوّة، وسعة وبسطة، ولا يعدو أن يسلّم لله تعالى قاضيا له وعليه، ويوفّى بإحدى الحسنيين من علوّه، أو غلبة عدوّه؛ أو يتوكل عليه، وهو حسبه منعما، وممتحنا ومعافيا ومسلّما، ونعم الوكيل. قلت: وهذا الصنف من المكاتبات السلطانية مستعمل بين الكتّاب، دائر في مصطلحاتهم إلى الآن. وللشّيخ شهاب الدين محمود «٢» الحلبيّ في ذلك تفنّنات كثيرة، أورد بعضها في كتابه «حسن التّوسّل» . فمن ذلك. ما أنشأه فيمن هزم هو وجيشه، يتضمّن إقامة عذره، ووصف اجتهاده، ويحثّ على معاودة عدوّه، والطّلب بثاره، وهو: هذه المكاتبة إلى فلان: لا زال مأمون الغرّة، مأمول الكرّة، مجتنيا حلو الظّفر من أكمام تلك المرّة المرّة، راجيا من عواقب الصّبر أن يسفر له مساء تلك المساءة عن صبح المسرّة، واثقا من عوائد نصر الله بإعادته ومن معه في [القوّة و] «٣» الاستظهار كما بدأهم أوّل مرّة. أصدرناها وقد اتّصل بنا نبأ ذلك المقام الذي أوضحت فيه السيوف عذرها،

стр. 4041

وأبدت به الكماة صبرها، وأظهرت فيه الحماة من الوثبات والثّبات ما يجب عليها، وبذلت فيه الأبطال من الجلاد جهدها ولكن لم يكن الظّفر إليها، وكان عليهم الإقدام على غمرات المنون، والاصطلاء بجمرات الحرب الزّبون، ولم يكن عليهم إتمام ما قدّر أنّه لا يكون، فكابرت رقاب الأعداء في ذلك الموقف السّيوف، وكاثرت أعدادهم الحتوف، وتدفّقت بحارهم على جداول من معه ولولا حكم القدر لا نتصفت تلك الآحاد من تلك الألوف، فضاق بازدحام الصفوف على رجاله المجال، وزاد العدد على الجلد فلم يفد له الإقدام على الأوجال مع قدوم الآجال، وأملي للكافرين بما قدّر لهم من الإنظار، وحصل لهم من الاستظهار، وعوّضوا بما لم يعرفوه من الإقدام عمّا ألفوه من الفرار. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض «١» وقد ورد أنهم ينصرون كما ننصر، وإذا كانت الحروب سجالا فلا ينسب إلى من كانت عليه [وبالا] «٢» إذا اجتهد ولم يساعده القدر أنه قصّر، مع أنه قد اشتهر بما فعله في مجاله، من الذّبّ عن رجاله، وما أبداه في قتاله، من الضّرب الذي ما تروّى فيه خصمه إلّا بدره بارتجاله، وأن الرّماح التي امتدّت إليه أخرس سيفه ألسنة أسنّتها، والجياد التي أقدمت عليه جعل طعنة أكفالها مكان أعنّتها، فأثبت في مستنقع الموت رجله، ووقف وما في الموت شكّ لواقف ليحمي خيله ورجله، حتّى تحيّز أصحابه إلى مأمنهم، وأقام نفسه دونهم دريئة لمن بدر من سرعان القوم أو ظهر من مكمنهم، وهذا هو الموقف الذي قام له مقام النّصر، إذ فاته النّصراء وفاته النّصر، والمقام الذي أصيب فيه من أصحابه آحاد يدركهم أدنى العدد وفقد فيه من أعدائه مع ظهورهم ألوف لا يدركهم الحصر، [وكذا فليكن قلب] «٣» الجيش كالقلب يقوى بقوّته الجسد، وإذا حقّ اللّقاء فلا يفرّ عن كناسه إلّا الظّبي ولا يحمي [عرينه] «٤» إلّا الأسد، وما بقى إلّا أن تعفو الكلوم، وتثوب الحلوم، وتندمل الجراح، وتبرأ من فلول المضارب صدور الصّفاح،

стр. 4042

وتنهض لاقتضاء دين الدّين، من غرمائه المعتدين، وتبادر إلى استنجاز وعد الله بأن الله يمحّص المؤمنين، ويمحق الكافرين، واللّيث إذا جرح كان أشدّ لثباته، وأمدّ لوثباته، والموتور لا يصطلى بناره، والثّائر لا يرهب الإقدام على المنون في طلب ثاره، والدهر ذو دول، والزمان متلوّن إن دجت عليكم منه بالقهر ليلة واحدة فقد أشرقت لكم منه بالنّصر ليال أول، فالمولى لا يلتفت إلى ما فات، ويقبل بفكره على تدبير ما هو آت، ويعدّ للحرب عدّته، ويعجل أمد الاستظهار ومدّته، ولا يؤخر فرصة الإمكان، ولا يعيد ذكر ما مضى فإنه دخل في خبر كان، ولا يظهر «١» بما جرى عجزا، فإن العاجز من ظنّ أنه يصيب ولا يصاب، ولا يتّخذ غير ظهر حصانه حصنا فلا حرز أمنع من صهوة الجواد ولا سلّم أسلم من الرّكاب، وليعلم أن العاقبة للمتقين، ويدّرع جنّة الصّبر ليكون من النّصر على ثقة ومن الظّفر على يقين، فإن الله مع الصابرين، ومن كان الله معه كانت يده الطّولى، وإذا لقي عدوّ الله وعدوّة فليصبر لحملته فإنّ الصبر عند الصّدمة الأولى والله تعالى يكلؤه بعينه، ويمدّه بعونه، ويجعل الظّفر بعدوّه موقوفا على مطالبته له بدينه. ومن ذلك ما كتبه على لسان المهزوم يتضمن الاعتذار، ويصف الاحتفال بأخذ الثّار: هذه المكاتبة إلى فلان: أتبع الله ما ساءه من أمرنا مع العدوّ بما يسرّه، وبلّغه عنّا من الانتصاف والانتصار ما يظهر من صدور الصّفاح وألسنة الرّماح سرّه، وأراه من عواقب صنعه الجميل بنا ما يتحقّق به أنّ كسوف الشمس لا ينال طلعتها وأنّ سرار القمر لا يضرّه. توضح لعلمه أنه ربما اتّصل به خبر تلك الوقعة التي صدقنا فيها اللّقاء، وصدمنا العدوّ صدمة من لا يحبّ البقاء، وأريناه حربا لو أعانها التأييد فلّلت جموعه، وأذقناه ضربا لو أنّ حكم النّصر فيه إلى النّصل أوجده

стр. 4043

مصارعه وأعدمه رجوعه. وحين شرعت رياح النّصر تهب، وسحاب الدماء من مقاتلهم تصوب وتصب، وكرعت الصّفاح في موارد نحورهم، وكشفت الرّماح خبايا صدورهم، وما بقي إلّا أن تستكمل سيوفنا الرّيّ من دمائهم، وتقف صفوفنا على ربوات أشلائهم، وتقبض بالكفّ من صفحت الصّفاح عن دمه، وتكفّ بالقبض يد من ألبسته الجراح حلّة عندمه،- أظهروا الخرع «١» في عزائمهم، وحكّموا الطّمع في غنائمهم، فحصل لجندنا عجب أعجل سيوفنا أن تتمّ هدم بنائهم. وطمع منع جيوشنا أن تكفّ عن النّهب إلى أن تصير من ورائهم، فاغتنم العدوّ تلك الغفلة «٢» التي ساقها المهلكان، العجب والطّمع، وانتهز فرصة الإمكان «٣» ، التي أعانه عليها [المطمعان] «٤» إبداء الهلع، وتخلية ما جمع، فانتثر [من جمعنا] «٥» بعض ذلك العقد المنظّم، وانتقض من حزبنا ركن ذلك الصّفّ الذي أخذ فيه الزّحام بالكظم، وثبت الخادم في طائفة من ذوي القوّة في يقينهم، وأرباب البصائر في دينهم، فكسّرنا جفون السّيوف، وحطّمنا صدور الرّماح في صدور الصفوف، وأرينا تلك الألوف كيف تعدّ الآحاد بالألوف، وحلنا بين العدوّ وبين أصحابنا بضرب يكفّ أطماعهم، ويردّ سراعهم، ويعمي ويصمّ عن الآثار والأخبار أبصارهم وأسماعهم، إلى أن نفّسنا للمنهزم عن خناقه، وآيسنا طالبه عن لحاقه، ورددناه عنه خائبا بعد أن كادت يده تعتلق بأطواقه، وأحجم العدوّ مع ما يرى من قلّتنا عن الإقدام علينا، ورأى منا جدّا كاد لولا كثرة جمعه يستسلم به إلينا، وعادوا ولنا في قلوبهم رعب يثنيهم وهم الغالبون، [ويدركهم وهم الطالبون] «٦» ويسلبهم رداء الأمن وهم السالبون، وقد لمّ الخادم شعث رجاله، وضم فرقهم «٧» بذخائر ماله،

стр. 4044

وأمدّهم بنفقات أصلحت أحوالهم، وأطلقت في طلب عدوّ الله أقوالهم، وسلاح جدّد استطاعتهم، وأعان شجاعتهم، وخيول تكاد تسابقهم إلى طلب عدوّهم، وتحضّهم على أخذ حظّهم من اللقاء كأنّها تساهمهم في أجر رواحهم وغدوّهم، وقد نضوا رداء الإعجاب عن أكتافهم، واعتصموا بعون الله وتأييده لا بقوّة جلدهم ولا بحدّة أسيافهم، وسيعجلون العدوّ- إن شاء الله تعالى- عن اندمال جراحه، ويتعجّلون إليه بجيوش تسوء طلائعها في مسائه وتصبّحه كتائبها في صباحه، والله تعالى لا يكلنا إلى جلدنا، ولا ينزع أعنّة نصره من يدنا. الصنف التاسع (المكاتبة بتوبيخ المهزوم وتقريعه والتّهكّم به) وهذا النوع من المكاتبات قليل الوقوع، ولذلك لم يتعرّض إليه في «موادّ البيان» . والذي ينبغي أن تبنى المكاتبة فيه عليه ذكر هزيمة المهزوم وما استولى عليه من الغلبة والقهر، وصورة الحال في النّصرة عليه، والاستيلاء على بلاده وأمواله وسائر ذات يده، وأسر رجاله، واسترقاق ذراريّهم ونسائهم، وما يجري مجرى ذلك، ممّا فيه إيلام خاطره، وتقطيع قلبه حسرات على ما ناله، ونحو ذلك ممّا يدعو المكتوب إليه إلى الطاعة، ويوجب الانقياد. وهذه نسخة كتاب من هذه النّمط، كتب به القاضي محيي الدّين «١» بن عبد الظاهر ﵀، إلى البولس بيمند «٢» ملك الفرنج، المستولي على طرابلس من

стр. 4045

الشام، وأنطاكية من بلاد العواصم حين غزاه الملك «١» في طرابلس، ثم قصد أنطاكية فأخذها من عانيه «٢» ، وهي: قد علم القومص الجليل المنتقلة مخاطبته- بأخذ أنطاكية منه- من البولسية إلى القومصية، ألهمه الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل النّصيحة محفوظة عنده، ما كان من قصدنا طرابلس وغزونا له في عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر وهدم الأعمار، وكيف كنست تلك الكنائس من على بساط الأرض ودارت الدّوائر على كلّ دائر، وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر، وكيف قطّرت الرجال واستخدمت الأولاد وتملّكت الحرائر، وكيف قطّعت الأشجار ولم يترك إلّا ما يصلح لأعواد المجانيق- إن شاء الله تعالى- والستائر، وكيف نهبت لك ولرعيّتك الأموال والحريم والأولاد والحواشي، وكيف استغنى الفقير وتأهّل العازب واستخدم الحريم وركب الماشي، هذا وأنت تنظر نظر المغشيّ عليه من الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزعا: عليّ هذا الصّوت، وكيف رحلنا عنك رحيل من يعود، وأخّرناك وما كان تأخيرك إلّا لأجل معدود، وكيف فارقنا بلادك وما بقيت فيها ماشية، إلّا وهي لدينا ماشية، ولا جارية، إلّا وهي في ملكنا جارية، ولا سارية، إلّا وهي بين أيدي المعاون سارية، ولا زرع إلّا وهو محصود، ولا موجود إلّا وهو منك مفقود، وما منعت تلك المغاير «٣» التي هي في رؤوس الجبال الشّاهقة، ولا تلك الأودية التي في التّخوم مخترقة وللعقول خارقة، وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خبر، وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدّق أننا نبعد عنك وإن بعدنا فسنعود على الأثر، وها نحن نعلمك بما تمّ، ونفهمك بالبلاء الذي عمّ. كان رحيلنا عنك من طرابلس يوم الأربعاء، ونزولنا أنطاكية في شهر

стр. 4046

رمضان، وفي حال النّزول خرجت عساكرك للمبارزة وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينهم كبد اسطبل «١» فسأل في مراجعة أصحابك، فدخل إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك، وإن رأيهم في الخير مختلف، وقولهم في الشّرّ واحد، فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنّهم قد قدّر الله عليهم الموت، رددناهم وقلنا: نحن السّاعة لكم نحاصر، وهذا هو الأوّل في الإنذار والآخر، فرجعوا به متشبّهين بفعلك، ومعتقدين أنك تدركهم بخيلك ورجلك، ففي بعض ساعة مرّشان المرشان، وداخل الرّهب الرّهبان، ولان للبلاء القسطلان، وجاءهم الموت من كلّ مكان، وفتحناها بالسّيف في الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان، وقتلنا كلّ من اخترته لحفظها والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا فما بقي أحد منّا إلّا وعنده شيء منهم ومنها، فلو رأيت خيّالتك وهي صرعى تحت أرجل الخيول، وديارك والنّهّابة فيها تصول والكسّابة فيها تجول، وأموالك وهي توزن بالقنطار، وإماءك وكلّ أربع منها تباع فتشترى من مالك بدينار، ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كسّرت ونثرت، وصحفها من الأناجيل المزوّرة قد نشرت، وقبور البطارقة وقد تغيرت، ولو رأيت عدوّك المسلم وقد داس مكان القدّاس، والمذبح وقد ذبح فيه الرّاهب والقسّيس والشّمّاس، والبطارقة وقد دهموا بطارقة، وأبناء المملكة وقد دخلوا في المملكة، ولو شاهدت النّيران وهي في قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بونصر وكنيسة القسيّان وقد زلّت كلّ منهما وزالت- لكنت تقول: ياليتني كنت ترابا، ويا ليتني لم أوت بهذا الخبر كتابا، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفيء تلك النيران بماء عبرتك، ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت، ومراكبك وقد أخذت في السّويديّة بمراكبك، لصارت شوانيك من شوانيك، ولتيقّنت أن الإله الذي أنطاك «٢» أنطاكية منك استرجعها،

стр. 4047

والرّبّ الذي أعطاك قلعتها منك قلعها ومن الأرض اقتلعها. ولتعلم أنّا قد أخذنا- بحمد الله- منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام، وهو دركوش «١» ، وشقيف تلّ منّس «٢» ، وشقيف كفردبّين «٣» ، وجميع ما كان لك في بلاد أنطاكية في هذه المدّة إقامة (؟) وكونك ما كنت بها، فيكون إما قتيلا، وإما أسيرا، وإما جريحا وإما كسيرا، وسلامة النفس هي التي يفرح بها الحيّ إذا شاهد الأموات، ولعلّ الله إنّما أخّرك لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات، ولمّا لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبّرناك، ولمّا لم يقدر أحد [أن] يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشّرناك، لتتحقّق الأمر على ما جرى، وبعد هذه المكاتبة لا ينبغي لك أن تكذّب لنا خبرا، كما أنّ بعيد هذه المخاطبة يجب أن لا تسأل عمّا جرى. وهذه نسخة في هذا المعنى، من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ، وهي: هذه المكاتبة إلى فلان أقاله الله عثرة زلّته، وأقامه من حفرة ذلّته، وتجاوز له عن كبيرة فراره من جمع عدوّه على قلّته. بلغنا أمر الواقعة التي لقي فيها [العدوّ] «٤» بجمع قليل غناؤه، ضعيف بناؤه، كثيف في رأي العين جمعه، خفيف في المعنى وقعه ونفعه، أسرع في مفارقة المجال، من الظّلّ في الانتقال، وأشبه في مماثلة الوجود بالعدم من طيف

стр. 4048

الخيال، يمشون «١» إليه بقلب واجب، ويهتدون من تخرّصه برأي «٢» بينه وبين الصّواب ألف حاجب، ويأتمّون منه بمقدّم يرى الواحد من عدوّه كألف، ويتسرّعون منه وراء مقدام يمشي إلى الزّحف ولكن إلى خلف، جناح جيشه مهيض، وطرف سنانه غضيض، وساقة عسكره طالعة، وطلائعه كالنّجوم ولكن في حال كونها راجعة، تأسف السيوف بيمينه على ضارب، وتأسى الجنائب حوله إذ تعدّ لمحارب فتعدّ لهارب، وأنه حين وقعت العين على العين، وأيقن عدوّه لما رأى «٣» من عدده وعدده معاجلة الحين، أعجل نصول العدا عن وصولها، وترك غنيمة الظّفر لعداه بعد أن أشرف على حصولها، تناديه ألسنة أسنّته: الكرّة الكرّة فلا يلوي إلى ندائها، وتشكو إليه سيوفه الظّمأ وقد رأت موارد الوريد فيردّها إلى الغمود بدائها، فمنح عدوّه مقاتل رجاله، وأباحهم كرائم مال جنده وماله، وخلّى لهم خزائن سلاحه التي أعدّها لقتالهم فأصبحت معدّة لقتاله، فنجا منجى الحارث ابن هشام، وآب بسلامة أعذب منها- لو عقل- شرب كأس الحمام، واتّسم بين أوليائه وأعدائه بسمة الفرار، وكان يقال: النّار ولا العار، فجمع له فراره من الزّحف بين النّار والعار، وعاد بجمع موفور من الجراح، موقر من الإثم والاجتراح، لا علم بما جرى عند أسيافهم، ولا شاهد بمشاهدتهم الوغى غير مواقع الظّبا في أكتافهم، فبأيّ جنان يطمع في معاودة عدوّه من هذا قلبه، وهؤلاء حزبه، [وذلك القتال قتاله وتلك الحرب حربه] «٤» وبعد، فإن كانت له حميّة فستظهر آثارها، أو أريحيّة فستشبّ نارها، أو أنفة فستحمله على غسل هذه الدّنيّة، وتبعثه على طلب غايتين: إما شهادة مريحة أو

стр. 4049

حياة هنيّة، والله تعالى يوقظ عزمه من سنته، ويعجل له الانتصاف من عدوّه قبل إكمال سنته. الصنف العاشر (في المكاتبات بالتضييق على أهل الجرائم) قال في «موادّ البيان» : لم يزل السلطان يكتب إلى الولاة- عندما ينتهي [إليه] من إقدام الرّعايا على ارتكاب الجرائم، واستباحة المحارم، واقتراف المآثم، كالزّنا واللّواط، وشرب الخمر، وقطع الطّرق، والغصب والتّظالم، وما يجري هذا المجرى- بالتضييق عليهم، وإقامة حدود الله تعالى فيهم. قال: والرسم فيها أن تفتتح بحمد الله الباديء بنعمته قبل افتراض طاعته، الممتنّ بفضله قبل إيجاب شكره، خالق الخلائق جودا وكرما، وموسعهم منّا ونعما، الذي اختار دين الإسلام وطهّره من الأرجاس، ونزّهه عن الأدناس، واختصّ به صفوته من الناس، وابتعث به محمدا سيّد المرسلين: لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين «١» يحمده أمير المؤمنين أن فوّض إليه إيالة خلقه، وأقدره على القيام بخدمته، ونصبه لإعزاز دينه، والمحافظة على مفروضه ومسنونه، وذيادة العباد عن محارمه التي نهى عن التعدّي إليها، وإقامة الحدود عليهم فيها، ويسأله الصلاة على محمد ﷺ . ثم يقال: وإنّ أمير المؤمنين يرى أنّ من أعظم نعم الله تعالى عليه توفيقه لحفظ ما استحفظه من شريعته، ورعاية ما استرعاه من بريّته، وتوفير القيام على من قلّده النّظر فيهم، واعتماد ما يعود بالصّلاح في الدّين والدّنيا عليهم، ومساواته بين قريبهم وبعيدهم في تفقّده، ومماثلته بين قاصيهم ودانيهم في تعهّده، فلا ينال القريب [فقط] نصيبا من رعايته ويعلّم جاهلهم، ويهدي حائرهم، ويشحذ بصائرهم، ويثقّف مائدهم، ويصلح فاسدهم، ويتخوّلهم من مواعظه بما يبرّد

стр. 4050

الغلل، ويشفي العلل، وينسخ الشّك باليقين، ويقبس مقابس النّور المبين، [فمن] أصغى إلى إرشاده سعد جدّه، وورى زنده، وأحمد يومه وغده، ومن خالف عن أمره ضلّ مسعاه، وخسر آخرته ودنياه، ودعا إلى اتباع أمر الله تعالى في تقويمه وإصلاحه، والكفّ بإقامة الحدود عليه من جماحه. وانتهى إلى أمير المؤمنين ما أقدم عليه الأحداث وأهل الدّعارة قبلكم من احتقاب الآثام، واستدماث مراكب الحرام، والاستهتار بمحظور اللّذّات، والإكباب على دنيء الشّهوات التي تسلخ من الدّين، وتخرج عن دائرة المسلمين، وتدفع عن تأدية العبادات، وإقامة الصّلوات، وتنظم في سلك البهائم المرسلة، والسوائم المهملة، وتقصير مشايخهم وعلمائهم عن كفّهم، والأخذ على أكفّهم، وتعريفهم وجوه مراشدهم وتقويم أودهم «١» ، فامتعض من ذلك، وأشفق من نزول القوارع والمثلات، وحلول البليّات والآيات، وارتجاع ما أودعكم الله تعالى من نعمته، وانتزاع ما ألبسكم من رحمته، وبادر بكتابه موقظا لغافلكم، ومبصّرا لذاهلكم، وباعثا لكم على مراضيه الأولى، ومعاودة الطريقة المثلى، ومبادرة آجالكم بأعمالكم، والأخذ لأخراكم من أولاكم، ولسقمكم من صحتكم، ولنومكم من يقظتكم، عالمين بأن الدنيا لعب ولهو، وأن الآخرة هي دار القرار، وأنكم فيها كسفر شارفوا المنزل، فاجهدوا عباد الله واحتشدوا، وأقلعوا وارجعوا، واسمعوا وعوا، فكأنكم والله وقد توضّحت خدعها، وتصرّم متاعها، وجلّ متوقّعها، والسعيد من وثق بما قدّم لنفسه بعد نفاد أيّامه، وورود حمامه، والشّقيّ من أفرط وفرّط، وندم حيث لا مندم- وأوعز إلى والي الحرب فلان بقراءة ما نصّ فيه عليكم، واختبار سيركم بعد مروره على أسماعكم، فمن رغب في التّقوى، وآثر الآخرة على الدنيا، عرف ذلك وتوخّاه بتكرمته وتخوّله، ومن أبى إلّا غواية وضلالا، وبطالة ومحالا، أقام حدّ الله تعالى عليه غير مراقب فيه، فرحم الله عبدا صان نفسه في هذه الدار عن العار، وحماها في الآخرة من عذاب النّار، وأمير

стр. 4051

المؤمنين يرجو أن ينفعكم الله بهدايته، ويشفي صدوركم بموعظته، ويرشدكم إلى ما يفضي بكم إلى الكفاية والحماية. فليعلم فلان بن فلان ذلك من أمير المؤمنين ورسمه، وليعمل عليه بجملته، إن شاء الله تعالى. الصنف الحادي عشر (الكتب في النّهي عن التّنازع في الدّين) قال في «موادّ البيان» : من أهمّ ما صرف إليه السلطان تفقّده، ووقف عليه [تعهّده] أمر الرعايا في أعماله، وتنفيذ الكتب إليهم بالنّهي عن التنازع في الدين، وحسم أسباب المجادلة والمراء، والتّحذير من اتّباع البدع والأهواء، والإخلاد إلى مضلّ النّحل والآراء؛ لأنه متى فسّح لهم في هذا الباب صاروا شيعا متباينين، وفرقا متحاربين، وانشقّت عصاهم، وانقضت حيلهم، وخرجوا عن أحكام أهل السلامة إلى أحكام أهل الفتنة، وعاد ضرر ذلك على الدّين والسّلطان. ولهذا صرف إليه السّاسة الحزمة من الملوك الاهتمام، ولم يبخلوا بحسم مادّته على تغاير الأيام. ثم قال: والرسم فيها أن تصدّر بحمد الله تعالى على نعمه في تأليف كلمة أهل الإسلام، وما منّ به عليهم من الاتفاق والالتئام، وشكره على موهبته في نزع الغلّ من صدورهم، والتأليف بين قلوبهم، وتصييرهم إخوانا متصافين، وخلّانا متوافين، وعونهم بما وفّقهم له من إظهارهم على من شقّ عصاهم، وإقدارهم بما منحهم من الألفة على مراماة من راماهم، والصّلاة على سيدنا محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. ثم يشفع هذا بأن أمير المؤمنين بما مكّنه الله تعالى من مراضيه، ووفّقه له من القيام بفرضه، والنّهوض بحقوق طاعته، والعمل بكتابه وسنّته، ورغبته في الخير العام وشمول الصّلاح لكافّة الأنام- لا يزال يحضّ رعيّته على ما يقضي بسداد دنياهم، وحسن المنقلب في أخراهم، ويرى أن أنفع ذلك عائدة، وأجزله فائدة، ما رفع عنهم أسباب التّنافر، ودعاهم إلى التّعاضد والتّظافر، وحال بينهم وبين الخوض في محدث النّحل والآراء، والإصغاء إلى مضلّ البدع

стр. 4052

والأهواء التي تصدّ عن سنن الهدى، وتلقي في مهاوي الرّدى، وتدعو إلى شقّ العصا، وتقضي بانتثار النّظام، واختلاف الأنام، وانفصام عرى الإسلام، وكفّهم عن المماراة في الدّين، والإصغاء إلى سنّة المضلّين، المعطّلة للسّنن، القادحة للفتن، الداعية إلى احتقاب الآثام، وإراقة الدّماء الحرام، ونحو هذا مما يضاهيه. ثم يقول: وانتهى إلى أمير المؤمنين التفاتكم عن معايشكم التي جعلها الله لدنياكم قواما، وعبادتكم التي صيّرها لآخرتكم نظاما، وإقبالكم على المماراة والمنازعة، والمناظرة والمجادلة، إلى شكوك يقيمها من يرغب في الرّياسة والتّقدّم، ليفوز بخبيث المطعم الذي يعمي البصائر، ويفسد السرائر، ويقدح زند الضّلال، ويشبّ نار المحال والانتحال، فامتعض أمير المؤمنين من ذلك وخاف عليكم أليم عاجلته، وذميم آجلته، وبادركم بكتابه هذا منبّها لغافلكم، ومرشدا لجاهلكم، وباعثا لكم على التّشاغل بما أطاب أخباركم، وحسّن آثاركم، من تلاوة كتاب الله الذي آثركم بتلاوته، وزيارة بيوت عبادته، والتأدّب بأدب نبيّه وعترته، وأوعز إلى النائب في الحرب بتقويم من خرج عن أمره، وتثقيف من أصرّ على غيّه، وأن يحسم الداء قبل استشرائه، ويستدركه دوين استفحاله، فاصغوا إلى زواجر أمير المؤمنين ومواعظه، واقتدّوا بهديه ومراشده، لتفوزوا بطاعته، وتسعدوا برضاه، وتسلموا في الحاضر، من مهانة أنتم بغيرها أولى، إن سلكتم الطريقة المثلى، وفي الغابر مما أعدّه الله لمن خالف عن أمره من العقاب في الدار الأخرى، فاعلموا هذا واعملوا به إن شاء الله تعالى. قال: وقد يكتب السلطان إلى الرّعيّة بالنّهي عن التّفاخر بالبادية والتنازع في العصبيّة. ثم قال: والطريقة في هذا المعنى مشتقة من طريقة هذا الرسم. الصنف الثاني عشر (المكاتبة بالأوامر والنواهي) قال في «موادّ البيان» : على هذه الكتب مدار أشغال السلطان في أعماله؛

стр. 4053

لأنها النافذة في تصريف الأمور وتنفيذ المراسيم ولاية وعمالة. قال: وليس لهذا أمثلة فنوردها، لكنّه ينبغي للكاتب أن يؤكّد القول بها، فإن الأمر فيها والنّهي- وإن اختلف نظمهما- نوع واحد؛ لأن كلّ مأمور به منهيّ عن ضدّه، وكلّ منهيّ عنه مأمور بضدّه، فينبغي له أن يؤكّد القول في امتثال ما أمر، والعمل عليه والإنفاذ له، والانتهاء عما نهى عنه، والحذر من الإلمام به. ويجزم الأمر في العبارة عنهما جزما تامّا لا يتمكّن معه من الإخلال ببعضهما والنّقص فيهما لهوى، ويأتي من المبالغة بما يضيّق العذر، ومتى وقع تقصير أو تثاقل عما حدّد فيهما، فإنّما يمثّل ذلك بمثل جامعة مع تفنّن المعاني التي يأمر بها وينهى عنها. ثم قال: والكاتب إذا عرف الترتيب الواقع في هذين الغرضين على طريق الإجمال، أمكنه أن يبسطه إذا احتاج إلى التفصيل والبيان بمشيئة الله تعالى. واعلم أنه كان للخلفاء والملوك وولاة الأمور في قديم الزمان عناية بالكتابة إلى الرعايا بالأوامر والنّواهي المتعلقة بالدّين، من الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وما يجري مجرى ذلك، وإلى العمّال بالوصيّة بالرعايا، والاجتهاد فيما لديهم من جباية الخراج، والاهتمام بأمر الدّواوين، وما أشبه ذلك. فأما الأوامر والنواهي المتعلقة بالدّين، فقد تقدّم في الكلام على مصطلح أهل الغرب في أوائل هذه المقالة من إنشاء أبي زيد «١» الفازازي ما أغنى ذكره هناك عن إعادته هنا أو ذكر غيره. وأما الأوامر والنواهي المتعلقة بأمور السّلطنة، فمن ذلك ما كتب به أبو عبد الله بن الجنان «٢» ، عن الأمير أبي عبد الله بن «٣» هود أحد ملوك الطوائف

стр. 4054

بالأندلس في الرّفق بالرّعيّة، وهو: أما بعد حمد الله تعالى معلي منار الحقّ ورافعه، ومولي متوالي الإنعام ومتتابعه، والصلاة على سيدنا محمد رسوله مشفّع الحشر وشافعه، المبعوث ببدائع الحكم وجوامعه، وعلى آله وصحبه المبادرين إلى مقاصده العليّة ومنازعه، والذّابّين عن حوزة الإسلام بمواضي الاعتزام وقواطعه، والرّضا عن الخليفة الإمام العباسيّ أمير المؤمنين ذي المجد الذي لا ينال سموّ مطالعه. فإنا كتبنا إليكم، كتب الله لكم عزّة قدحها بالثبوت فائز، وسعادة قسطها للنّماء حائز، من فلانة: وكلمة الحقّ منصورة اللّواء، منشورة الأضواء، والتوكّل على الله في الإعادة والإبداء، والتسليم إليه مناط أمرنا في الانتهاء والابتداء، وحمد الله تعالى وشكره وصلتنا إلى نيل مزيد النّعماء والآلاء، ومكانتكم لدينا مكانة السّنيّ المناصب، المنتمي إلى كرام المنتميات والمناسب، المتحلّي في الغناء والاكتفاء، والخلوص والصفاء، بأكرم السّجيّات والمناقب، المعلوم ما لديه من المناصحة السّالكة بأكرم السّجيّات في المناحي الحسان على المهيع الأوضح والسّنن اللّاحب. وقد وقفنا على كتابكم معلما بخبر فلانة وبما رأيتموه من المصلحة في تحصينها، والاجتهاد في سبب تأمينها، ونحن نعلم أنكم تريدون الإصلاح،

стр. 4055

وتتوخّون ما تتوسمون فيه النّجاح، لكن أهمّ الأمور عندنا، وأولى ما يوافق غرضنا وقصدنا، الرّفق بالرّعيّة، وحملها على قوانين الإحسان المرعيّة، وعلى أثر وصول كتابكم وصلنا كتاب [أهل] فلانة المذكورة يشكون ضرر الخدمة المتصرّفين فيهم، ويتظلّمون من متحيّفيهم ومتعسّفيهم، وفي هذا ما لا يخفى عليكم، ولا ترضون به لو انتهى إليكم، فإنه إذا كان الناظر في خدمة ممّن لا يحسن سياسة الأمور، ولا يعلم طريق الرّفق الحاوية لرفق الخاصّة والجمهور، أعاد التّسكين تنفيرا، والتّيسير تعسيرا، وتعلمون أنا لا نقدّم على إيثار العدل في عباد الله المسلمين عملا، ولا نبغي لهم باطنة بغير التخفيف عنهم والإحسان إليهم بدلا، وأنتم أوّل وأولى من يعتقد فيه أنه يكمّل هذا المقصد، ويتحرّى في مصالح الرعايا هذا السّنن الأرشد، وقد خاطبنا أهل فلانة بما يذهب وجلهم، ويبسط أملهم، وعرّفناهم بأنكم لو علمتم ما هو جار عليهم من [بعض] الخدمة لأخذتم على يده، وجازيتموه بسوء معتمده، وأشعرناهم بأنّا قد استوصيناكم بهم خيرا، ونبّهناكم على ما يدفع عنهم ضيما ويرفع ضيرا، وأنتم- إن شاء الله- تستأنفون نظرا جميلا، وتؤخّرون عنهم الخدمة الذين لا يسلكون من السّياسة سبيلا، وتقدّمون عليهم من تحسن فيهم سيرته، وتكرم في تمشية الرّفق علانيته وسريرته، ومثلكم لا يؤكّد عليه في مذهب تحسن عواقبه، وغرض يوافقه القصد الاحتياطيّ ويصاحبه، إن شاء الله تعالى. الصنف الثالث عشر (المكاتبات عند حدوث الآيات السّماويّة) قال في «مواد البيان» : جرت العادة أن يكتب السلطان إلى الرعايا- عند حدوث الآيات المهوّلة التي يريد الله تعالى بها إرشاد عباده إلى الإقلاع عن معصيته، والإقبال على طاعته، كالرّياح العواصف، والزّلازل والصواعق، واحتباس القطر وخروجه في التّسكاب عمّا جرت به العادة- كتبا يضمّنها من الوعظ الشافي الرّقيق ما يأخذ بمجامع القلوب، ويشعرها التّقوى والرّهبة، ويبعث على المراقبة والنّظر في العاقبة.

стр. 4056

قال: وينبغي للكاتب أن يتلطّف في الموعظة، ويبالغ في الذّكرى التي تخطر الخواطر وتقدح الأنفس، وتحرّك العزائم نحو الإخلاص، فإنه إذا أبرز هذه المعاني في صور [تشعر] «١» الخيفة من غضب الله تعالى وعقابه، وترغّب في عفوه وثوابه، نفع الله بذلك (؟) من رغب عن الهوى، ورغب في التقوى بكتابه. قال: والرسم فيها أن تفتتح بحمد الله تعالى على آلائه التي يفيضها ابتلاء واختبارا، وآياته التي يرسلها تخويفا وإنذارا، وموهبته في التوقيف بسابغ نعمته على طاعته، والتحذير بدافع نقمته من معصيته، والصلاة على رسوله الذي أنقذ بشفاعته، وعصم من نزول القوارع بنبوّته. ثم يقدّم مقدّمة تتضمن أن الله تعالى يقدّم الإعذار أمام سخطه وعذابه، ويبدأ بالإنذار قبل غضبه وعقابه، فمن استيقظ من سنته، ونظر لعاقبته [ونهض] «٢» إلى طاعته، وأقلع عن معصيته، كشف الرّين «٣» عن قلبه، وضاعف أجره، ومن أضرب عن موعظته، وتعامى عن تبصيره وتذكيره، أخذه على غرّته، وسلبه سربال نعمته. ثم يأخذ في حثّ الأمة على الفزع إلى الصّلوات، والمسارعة إلى بيوت العبادات، والإكثار من التّضرّع والخشوع، والاستكانة والخنوع، بإذراء سحائب الدموع، وإخلاص التّوبة عن محتقب الآثام ومخترع الأوزار، والتّوسّل إلى الله تعالى في قبول الإنابة بقلوب نقيّة، وطويّات على الطهارة مطويّة، وسرائر صريحة، ونيّات صحيحة، يصدّقها النّدم على الماضي، وعقد العزم على الإقلاع في الآتي، والرّغبة إليه في رفع سخطه وإنزال رحمته، وما يجاري هذا. قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات قد ترك في زماننا، فلا عناية لأحد به أصلا، وإن كان مما يجب الاهتمام به وتقديمه.

стр. 4057

الصنف الرابع عشر (المكاتبات في التنبيه على شرف مواسم العبادة وشريف الأزمنة) قال في «موادّ البيان» : إن الله وقّت لعباده أوقاتا عظّم شانها، ورفع مكانها، وأمرهم أن يتقرّبوا فيها إليه بتأدية ما فرضه عليهم لطفا بهم ورأفة، وحنانا ورحمة. قال: ولم يزل السلطان يكتب إلى عمّاله بتنبيه الرعايا عليها، وتعريفهم فضل العبادة فيها، ليستقبلوها بالإخبات والخشوع، ويتلقّوها بالتّضرّع والخضوع، ويتوسلوا في قبول التّوبات، وغفران الخطيّات، حفظا لنظام الدين، وتفقّدا لمصالح المسلمين. قال: وينبغي للكاتب أن يحسن التّأتّي في هذه الكتب «١» ويذكّر النّاسي وينبه الغافل اللّاهي، والمهمل السّاهي، ويحرّك النفوس نحو مصالحها، ويبعثها على الأخذ بفاضل الأعمال وصالحها. قال: والرسم فيها أن تفتتح بحمد الله تعالى على أن وهب لعباده أوقاتا يتقبل فيها قربهم وأعمالهم، ويخفّف بالإنابة إليه عند حلولها أوزارهم وأثقالهم، فيغفر لمستغفرهم، ويعفو عن مسيئهم، ويتقبل التّوبة عن تائبهم، والصلاة على رسول الله ﷺ وعلى آله. ثم يقدّم مقدّمة مبنية على تعظيم هذه الأوقات، والإنابة عما في قصرها على العبادات، والمسابقة إلى الخيرات، من عظيم الثواب. ويشفع ببعث الولاة على أخذ الرعايا بالمحافظة على السّنن، وتعهّد حقّ الله تعالى فيها، والتّوسّع في توكيد الحجّة، ونفي الشبهة، وإيراد المواعظ الرادعة، والزواجر الوازعة، التي تعود بشحذ البصائر، وصفاء الضّمائر، والإتيان بحقوق هذه الأوقات وواجباتها، والفوز بما يوفّره من جزيل بركاتها، والتّوفّر على حسن مجاورتها، والتقرّب إلى الله تعالى ببذل الصّدقات، والإقبال على الصّلوات وزيارة

стр. 4058

بيوت العبادات، ومذاكرة أهل الدّين، والسّعي في مصالح المسلمين، ونحو ذلك مما يناسبه. ثم قال: فإن كان الكتاب مقصورا على الدعاء إلى الحجّ افتتح بالحمد لله على أن جعل لعباده حرما آمنا يمحّص ذنوبهم بزيارته، ويمحو آثامهم بحجّه ووفادته، ويلي ذلك ما يليق به من الحثّ على تأدية المناسك، وتكميل الفرائض والسّنن، وزيارة قبر النبيّ ﷺ ، وكذلك الحكم في سائر الأبواب الدّينية. الصنف الخامس عشر (المكاتبة بالسلامة في الركوب في المواسم والأعياد وما ينخرط في سلكها من المواكب الجامعة) قال في «مواد البيان» : جرت العادة أن يكاتب السلطان عمّاله وولاته بسلامة المواسم الإسلامية كلّها؛ لأنها تشاهد لجميع أصناف الرّعايا وذوي الآراء المختلفة والمذاهب المتباينة، والقلوب المتعادية والمتصاحبة في أمر الدين والدنيا، وكلّ متربّص لفتنة ينتهز فرصتها. فلا تكاد هذه المشاهد تخلو من ثورة وحدوث أحداث منكرة تفضي إلى الفتن التي لا ترفع. فإذا أنعم الله تعالى بالسلامة منها، وجب التّحدّث بنعمته، والشّكر لمشيئته، وأن يكتب أمير المؤمنين بسلامة ما قبله إلى عمّاله، لتسكن الكافّة إلى ذلك، ويشتركوا في حمد الله تعالى عليه. واعلم أن المواسم التي كان يعتاد الخلفاء الركوب فيها والكتابة بالسلامة منها هي: عيد الفطر، وعيد النّحر. وكان الخلفاء الفاطميّون بالديار المصرية يعتادون مع ذلك الركوب في غرّة السّنة، وفي أوّل رمضان، وفي الجمعة الأولى، والجمعة الثانية، والجمعة الثالثة منه، على ما تقدّم ذكره في الكلام على ترتيب المملكة في المقالة الثانية. وكذلك «عيد الغدير» : وهو عيد من أعياد الشّيعة كما سيأتي ذكره. ونحن نشير إلى ذكر مواكبها موكبا موكبا، ونذكر ما جرت به العادة في الكتابة في البشارة بالسلامة في ركوب كلّ موكب منها. الأوّل- البشارة بالسلامة في الركوب في غرّة السنة . وقد تقدّم الكلام على

стр. 4059

صورة الموكب في الكلام على ترتيب المملكة في الدّولة الفاطمية بالديار المصرية في المقالة الثانية. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، أورده أبو الفضل الصّوريّ في تذكرته، وهي: الحمد لله الذي لم يزل يولي إحسانا وإنعاما، وإذا أبلى عبيده عاما أجدّ لهم بفضله عاما، فقد أمدّكم معاشر [الخلفاء «١» ] كرما ومنّا، وآتاكم من جوده أكثر ممّا يتمنّى، ومنحكم من عطائه ما يوفي على ما أردتموه، وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه «٢» وقد استقبلتم هذه السّنة السعيدة، وإذا عملتم بالطاعة كنتم مستنجزين من ثواب الله الأغراض البعيدة. وصلّى الله على سيدنا محمد نبيّه الذي غدت الجنة مدّخرة لمن عمل بهداه لمّا سمعه، ومهيّأة لمن آمن به واتّبع النّور الذي أنزل معه، وبيّن بإرشاده ما تجري أمور السّنين عليه في العدد والحساب، ونسخ ما كانت الجاهلية [تفعله] فيه زيادة في الكفر وضلالا عن الصّواب، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي كمّل الله الإسلام بإمامته، وضاعف الأجر لأهل ولايته، ومنح شيعته مقبول شفاعته، وعلى الأئمة من ذرّيتهما خلفاء الله على خلقه، والقائمين بواجب حقّه، والعاملين في سياسة الكافّة بما يرضيه سبحانه، ويضمن غفرانه ورضوانه، وسلّم عليهم أجمعين، سلاما باقيا إلى يوم الدّين. وإنّ أحق النّعم بنشر الذّكر وأوجبها للوصف وإعمال الفكر، نعمة رفعت الشّكّ وأزالت اللّبس، ووضح ضياؤها لأولي الألباب وضوح الشمس، واشترك الناس فتضاعفت الفائدة لديهم، وانتفعوا بذلك في تواريخهم ومعاملاتهم ومالهم وعليهم، وتلك [هي] المعرفة باليوم الذي هو مطلع السّنة وأوّلها، ومبدؤها

стр. 4060

ومستقبلها، وحقيقة ذلك ظهور إمام كلّ زمان. وكان ظهور إمام زماننا مولانا وسيّدنا الإمام فلان- ليتساوى في الشرف برؤيته العامّة والخاصّة، فيكون استقلال ركابه إشعارا بأن اليوم الذي تجلّى فيه لأوليائه، ولرعاياه المتفيّئين ظلّ لوائه، هو افتتاح السنة وأوّل محرّمها، وعليه المعتمد في عدد تامّ الشهور وناقصها من مفتتحها إلى مختتمها- يوم كذا غرّة المحرّم من سنة كذا، في عساكر لا يحصر عددها، وقبائل لا ينقطع مددها، وإذا اضطرمت نار الكفر والتهبت، طفئت بأنوارهم وخبت، وقد تقلّدت هندّية تروع إذا أشرقت وسكنت، فما الظّنّ إذا اصطحبت، والأرض بمرورها عليها مبهجة مونقة، وملائكة الله حافّة به محدقة، فآذن بأن اليوم المذكور هو غرّة السّنة المعيّنة، وأن اليوم الفلانيّ أمسه انسلاخ كذا سنة كذا المتقدمة، لتستقيم أمورهم على أعدل نهوجهم، وليحفظ نظام دينهم في صومهم وفطرهم وحجّهم، وكذلك أصدر هذا الكتاب ليتلوه الأمير على من يسكن عمله، وجميع من قبله، ويتماثلوا في معرفته، ويحمل كلّ منهم الأمر عليه في معتقده وأسباب معاملاته، ويشكروا الله على النّعمة عليهم بهدايته. وهو يعتمد ذلك ويطالع بكائنه فيه إن شاء الله تعالى، وكتب في اليوم المذكور. الثاني- البشارة بالسّلامة في الرّكوب في أوّل شهر رمضان ، وهي على نحو مما تقدّم في الركوب في غرّة السّنة. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، من إنشاء ابن «١» الصّير فيّ، وهو: الحمد لله كاليء خلقه في اليقظة والمنام، والكافل لهم بمضاعفة الأجر في شهر الصّيام، وصلّى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة للأنام، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أخلص وليّ، وأشرف وصيّ، وأفضل إمام، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما الدّاعين إلى دار السّلام، صلاة دائمة الاتّصال، مستمرّة في الغدوّ والآصال.

стр. 4061

وإن من المسرّة التي تتهادى، والنّعمة الشاملة للخلق جميعا وفرادى، ما منّ الله به من ظهور مولانا وسيدنا الإمام فلان، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم كذا غرّة شهر رمضان من سنة كذا، إعلاما بأوّل الشّهر وافتتاحه، وأن الصيام الأوّل من فجره الأوّل قبل تنفّس صباحه، وتوجّهه إلى ظاهر المعزّيّة القاهرة المحروسة في عساكره المظفّرة وجنوده، وأوليائه وأنصاره وعبيده، والمنّة برؤيته قد تساوى فيها الكافّة، وملائكة الله مطيفة حافّة، وعوده إلى قصوره الزاهرة، وقد شمل المستظلين بأفيائه بسعادتي الدنيا والآخرة. أصدر إليك هذا الأمر لتقف على الجملة، وتشكر النّعمة السابغة على أهل الملّة، وتتلوها على أهل عملك، وتطالع بكائنك في ذلك، فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى. الثالث- الكتابة بالبشارة بالسلامة في ركوب الجمعة الأولى من شهر رمضان . وهذه نسخة كتاب من ذلك، من إنشاء ابن الصّيرفيّ أيضا، وهي: أفضل ما سيّر ذكره، ووجب حمد الله تعالى عليه وشكره، ما عاد على الشريعة بالجمال والبهجة، وأضحى واصفه صحيح المقال صادق اللهجة، فضاعف حسنه ومحّص سيّئه، وجعل أسباب السعادة متسهّلة متهيّئة، وذلك ما يسرّه الله تعالى من استقلال ركاب سيّدنا ومولانا صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم الجمعة من شهر رمضان من سنة كذا، مؤدّيا خطبتها وصلاتها، وضامنا لأمّة ائتمّت به خلاصها يوم الفزع الأكبر ونجاتها، في وقار النبوّة وسكينة الرّسالة، والهيبة المستولية على العظمة والجلالة، والعساكر الجمّة التي تقلق بمهابتها وتزعج، وتظنّ لكثرتها واقفة والرّكاب يهملج، ولما انتهى إليه، خطب ووعظ ففتح أبواب التّوبة، وآب إلى الطاعات من لم يطمع منه بالأوبة، وصلّى صلاة تقبّلها جلّ وعزّ بقبول حسن، وقصّر في وصفها ذوو الفصاحة واللّسن، وعاد إلى مستقرّ الخلافة، ومثوى الرحمة والرافة، وعين الله له

стр. 4062

ملاحظة، وملائكته له حافظة. أعلمت ذلك لتذيعه في أهل عملك، وتطالع بكائنك. الرابع- المكاتبة بالبشارة بالسلامة في ركوب الجمعة الثانية من شهر رمضان . قد تقدم في الكلام على ترتيب المملكة بالديار المصرية في الدّولة الفاطميّة، في المقالة الثانية، أن الخليفة كان يركب في الجمعة الثانية من شهر رمضان إلى الجامع الأنور، وهو جامع باب البحر، الذي عمره الحاكم بأمر الله، وجدّده الصّاحب شمس الدين المقسيّ. وهذه نسخة كتاب في المعنى، من إنشاء ابن الصّيرفيّ أيضا، وهي: لم يزل غامر كرم الله وفضله، يفوق حاضره ما كان من قبله، فنعمة الله تعالى سابغة، ومننه متتابعة، وملابسها ضافية، ومغارسها نامية، وسحائبها هامية، وهو جلّ وعزّ يضاعفها على من صلّى وصام، ويواليها عند من تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصال لها ولا انفصام، وتجدّد من ذلك ما كان من بروز مولانا وسيدنا الإمام فلان، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم الجمعة من شهر رمضان من سنة كذا، في شامخ عزّه، وباذخ مجده، وتوجّهه إلى الجامع الأنور المنسوب إلى مولانا الإمام الحاكم بأمر الله جدّه، سلام الله عليه وصلواته، وبركاته وتحيّاته، وعساكره قد تجاوزت الحدّ، وكثرت عن الإحصاء والعدّ، فإذا تأملها الطّرف انقلب عنها خاسئا وارتدّ. ولما وصل إلى الجامع المذكور خطب فأورد من القول أحسنه، ووعظ فأسمع من الوعظ أوضحه وأبينه، وصلّى صلاة جهر بالقراءة فيها ورتّلها، وعاد إلى قصوره الشريفة وقد شملت البركات برؤيته، ووفّق من عمل بموعظته، ونجا من اقتدى به في صلاته، واستولى على السّعد من جميع أرجائه وجهاته. أعلمناك ذلك لتعرف قدر النّعمة به، فاشكر الله سبحانه بمقتضاه، واعتمد تلاوة هذا الأمر على رؤوس الأشهاد، فاعلم ذلك.

стр. 4063

الخامس- المكاتبة بالسّلامة في الرّكوب في الجمعة الثالثة من شهر رمضان . قد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة في المقالة الثانية أن الخليفة كان يركب في الجمعة الثالثة منه إلى الجامع العتيق «١» بمصر، فيخطب فيه ويعود إلى قصره. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، وهي: من عوائد الله- سبحانه- الإحسان إلى عبيده، وتعويضهم للشّكر عليه بنموّه ومزيده، والامتنان بتيسير عصيّه، وتعجيل قصيّه، وتقريب بعيده، فهو لا يخليهم من نواجمه، ولا يعفيهم من هواجمه. ولما أقبل هذا الشهر الشريف كان من عموم بركاته، وشمول خيراته، أن مولانا وسيدنا الإمام الفلانيّ صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، والى فيه بركاته، وزكيّ أعمال المؤمنين في استماع اختطابه والائتمام بصلاته، وفي هذا اليوم وهو يوم الجمعة من شهر رمضان، أعمل ركابه إلى الجامع العتيق بمصر ليسهم لهذه المدينة من حظّي الدنيا والآخرة، مثل ما أسهمه وعجّله لأهل المعزّيّة القاهرة. فكانت هيبته يعجز وصفها كلّ لسان، وظهر- ﵇ في الرّداءين: السّيف والطّيلسان، والجيوش قد انبسطت وانتشرت، والنفوس قد ابتهجت واستبشرت، والألسنة قد عكفت على الدعاء بتخليد ملكه وتوفّرت. وعند وصوله خطب فأحسن في الألفاظ والمعاني، وحذّر من تأخير التّوبة

стр. 4064

والتّضجيع فيها والتّواني، وصلّى صلاة شرّفها الله وفضّلها، ورضيها ﵎ وتقبّلها، وانكفأ عائدا إلى قصوره ومنازله المعظمة، ضاعف الله له ثوابه وأجره، وأوجب شكره ورفع ذكره، ويجب أن تعتمد إذاعة ذلك ليبالغ الكافّة في الاعتراف بالنّعمة فيه، ويواصلوا شكر الله تعالى عليه، والمطالعة بما اعتمد فيه. السادس- ما يكتب بالبشارة بالسّلامة في ركوب عيد الفطر . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب الدّولة الفاطمية في المقالة الثانية، أن الخليفة كان يركب لصلاة عيد الفطر صبيحة العيد، ويخرج من باب العيد من أبواب القصر، ويتوجه إلى [المصلّى] «١» فيصلّي ويخطب، ثم يعود إلى قصوره، ويكتب بذلك إلى أعمال المملكة، تارة مع خلوّ الدّولة عن وزير، وتارة مع اشتمالها على وزير. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، مع خلوّ الدّولة عن وزير، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، وهو: الحمد لله ناشر لوائه في الأقطار، ومعوّض المطيعين من جزائه ببلوغ الأوطار، الذي نسخ الإفطار بالصّيام ونسخ الصّيام بالإفطار، وكلّف عباده ما يطيقونه ووعد عليه جزيل أجره، وأسبغ من نعمه ما لا يطمع [في القيام] بواجب حمده عليه وشكره، وصلّى الله على سيدنا محمد نبيّه الذي أعلن بالإيمان وباح، وبيّن المحظور في الشّريعة والمباح، وأرشد إلى ما حرّمه الإسلام وحلّله، ومهّد سبل الهدى لمن استغواه الشّيطان وضلّله، وأوضح مراتب الأوقات ومنازلها، وعرّف تفاوت الأيام وتفاضلها، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي مضت في الله عزماته، وبيّضت وجه الدّين الحنيف مواقفه ومقاماته،

стр. 4065

وعلى الأئمة من ذرّيّتهما الذين تكفّلوا أمر الأمة نصّا، وامتطوا على منارها فلم يألوا جهدا ولم يتركوا حرصا، فالحاضر منهم يوفي على من كان [من] قبله، وأحزاب الحقّ فرحون بما آتاهم الله من فضله، وسلّم عليهم أجمعين سلاما لا انقطاع لدوامه، وشرّفهم تشريفا لا انفصام لإبرامه، وأسنى ومجّد، وتابع وجدّد. وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم كذا عيد الفطر من سنة كذا: بعد أن وفّى الصّيام حقّه، وحاز أجر من جعل الله على خزائنه رزقه، وبعد أن أفطر بحضرته الأولياء من آله وأسرته، والمقدّمون من رؤساء دولته، والمتميّزون من أوليائه وشيعته. وكان من نبإ هذا اليوم أنّ أمير المؤمنين لمّا ارتقب بروزه من قصوره، وتجلّى فأشرقت الأرض بنوره، توجه إلى المصلّى قاضيا لسنّة العيد، فكانت نعمة ظهوره بالنّظر [للحاضر] وبالخبر للبعيد، واستقلّ ركابه بالعساكر المنصورة التي أبدت منظرا مفتنا معجبا، وجعلت أديم الأرض بالخيل والرّجل محتجبا، وذخرت الانتقام ممّن شقّ العصا، وتجاوزت في الكثرة عدد الرّمل والحصا، وزيّنت الفضاء بهيئتها، وروّعت الأعداء بهيبتها، وجمعت بين الطّاعة وشدّة الباس، وادّرعت من التّقوى أمنع جنّة وأحصن لباس، ولم يزل سائرا في السّكينة والوقار، ناظرا للدّنيا بعين الاحتقار، والثّرى بالجباه والشّفاه مصافح ملثوم، فهما موسومتان به وهو بهما موسوم، إلى أن وصل إلى مقرّ الصّلاة، ومحلّ المناجاة، فصلّى أتمّ صلاة وأكملها، وأدّاها أحسن تأدية وأفضلها، وأخلص في التّكبير والتّهليل إخلاص من لم يفت أمرا ويخشى الله ويتّقيه ونصح في إرشاده ووعظه، وأعرب ببديع معناه وفصيح لفظه، وعاد إلى مثوى كرامته، وفلك إمامته، محمود المقام، مشمولا بالتوفيق في النّقض والإبرام. أعلمك أمير المؤمنين ذلك لتذيعه فيمن قبلك، وتشكروا الله على النّعمة الشاملة لهم ولك، فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى. وكتب في اليوم المذكور. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، والدّولة مشتملة على وزير، عن الحافظ
следующие страницы →