← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وإن من المسرّة التي تتهادى، والنّعمة الشاملة للخلق جميعا وفرادى، ما منّ الله به من ظهور مولانا وسيدنا الإمام فلان، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم كذا غرّة شهر رمضان من سنة كذا، إعلاما بأوّل الشّهر وافتتاحه، وأن الصيام الأوّل من فجره الأوّل قبل تنفّس صباحه، وتوجّهه إلى ظاهر المعزّيّة القاهرة المحروسة في عساكره المظفّرة وجنوده، وأوليائه وأنصاره وعبيده، والمنّة برؤيته قد تساوى فيها الكافّة، وملائكة الله مطيفة حافّة، وعوده إلى قصوره الزاهرة، وقد شمل المستظلين بأفيائه بسعادتي الدنيا والآخرة. أصدر إليك هذا الأمر لتقف على الجملة، وتشكر النّعمة السابغة على أهل الملّة، وتتلوها على أهل عملك، وتطالع بكائنك في ذلك، فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى. الثالث- الكتابة بالبشارة بالسلامة في ركوب الجمعة الأولى من شهر رمضان . وهذه نسخة كتاب من ذلك، من إنشاء ابن الصّيرفيّ أيضا، وهي: أفضل ما سيّر ذكره، ووجب حمد الله تعالى عليه وشكره، ما عاد على الشريعة بالجمال والبهجة، وأضحى واصفه صحيح المقال صادق اللهجة، فضاعف حسنه ومحّص سيّئه، وجعل أسباب السعادة متسهّلة متهيّئة، وذلك ما يسرّه الله تعالى من استقلال ركاب سيّدنا ومولانا صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم الجمعة من شهر رمضان من سنة كذا، مؤدّيا خطبتها وصلاتها، وضامنا لأمّة ائتمّت به خلاصها يوم الفزع الأكبر ونجاتها، في وقار النبوّة وسكينة الرّسالة، والهيبة المستولية على العظمة والجلالة، والعساكر الجمّة التي تقلق بمهابتها وتزعج، وتظنّ لكثرتها واقفة والرّكاب يهملج، ولما انتهى إليه، خطب ووعظ ففتح أبواب التّوبة، وآب إلى الطاعات من لم يطمع منه بالأوبة، وصلّى صلاة تقبّلها جلّ وعزّ بقبول حسن، وقصّر في وصفها ذوو الفصاحة واللّسن، وعاد إلى مستقرّ الخلافة، ومثوى الرحمة والرافة، وعين الله له

стр. 4062

ملاحظة، وملائكته له حافظة. أعلمت ذلك لتذيعه في أهل عملك، وتطالع بكائنك. الرابع- المكاتبة بالبشارة بالسلامة في ركوب الجمعة الثانية من شهر رمضان . قد تقدم في الكلام على ترتيب المملكة بالديار المصرية في الدّولة الفاطميّة، في المقالة الثانية، أن الخليفة كان يركب في الجمعة الثانية من شهر رمضان إلى الجامع الأنور، وهو جامع باب البحر، الذي عمره الحاكم بأمر الله، وجدّده الصّاحب شمس الدين المقسيّ. وهذه نسخة كتاب في المعنى، من إنشاء ابن الصّيرفيّ أيضا، وهي: لم يزل غامر كرم الله وفضله، يفوق حاضره ما كان من قبله، فنعمة الله تعالى سابغة، ومننه متتابعة، وملابسها ضافية، ومغارسها نامية، وسحائبها هامية، وهو جلّ وعزّ يضاعفها على من صلّى وصام، ويواليها عند من تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصال لها ولا انفصام، وتجدّد من ذلك ما كان من بروز مولانا وسيدنا الإمام فلان، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، يوم الجمعة من شهر رمضان من سنة كذا، في شامخ عزّه، وباذخ مجده، وتوجّهه إلى الجامع الأنور المنسوب إلى مولانا الإمام الحاكم بأمر الله جدّه، سلام الله عليه وصلواته، وبركاته وتحيّاته، وعساكره قد تجاوزت الحدّ، وكثرت عن الإحصاء والعدّ، فإذا تأملها الطّرف انقلب عنها خاسئا وارتدّ. ولما وصل إلى الجامع المذكور خطب فأورد من القول أحسنه، ووعظ فأسمع من الوعظ أوضحه وأبينه، وصلّى صلاة جهر بالقراءة فيها ورتّلها، وعاد إلى قصوره الشريفة وقد شملت البركات برؤيته، ووفّق من عمل بموعظته، ونجا من اقتدى به في صلاته، واستولى على السّعد من جميع أرجائه وجهاته. أعلمناك ذلك لتعرف قدر النّعمة به، فاشكر الله سبحانه بمقتضاه، واعتمد تلاوة هذا الأمر على رؤوس الأشهاد، فاعلم ذلك.

стр. 4063

الخامس- المكاتبة بالسّلامة في الرّكوب في الجمعة الثالثة من شهر رمضان . قد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة في المقالة الثانية أن الخليفة كان يركب في الجمعة الثالثة منه إلى الجامع العتيق «١» بمصر، فيخطب فيه ويعود إلى قصره. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، وهي: من عوائد الله- سبحانه- الإحسان إلى عبيده، وتعويضهم للشّكر عليه بنموّه ومزيده، والامتنان بتيسير عصيّه، وتعجيل قصيّه، وتقريب بعيده، فهو لا يخليهم من نواجمه، ولا يعفيهم من هواجمه. ولما أقبل هذا الشهر الشريف كان من عموم بركاته، وشمول خيراته، أن مولانا وسيدنا الإمام الفلانيّ صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، والى فيه بركاته، وزكيّ أعمال المؤمنين في استماع اختطابه والائتمام بصلاته، وفي هذا اليوم وهو يوم الجمعة من شهر رمضان، أعمل ركابه إلى الجامع العتيق بمصر ليسهم لهذه المدينة من حظّي الدنيا والآخرة، مثل ما أسهمه وعجّله لأهل المعزّيّة القاهرة. فكانت هيبته يعجز وصفها كلّ لسان، وظهر- ﵇ في الرّداءين: السّيف والطّيلسان، والجيوش قد انبسطت وانتشرت، والنفوس قد ابتهجت واستبشرت، والألسنة قد عكفت على الدعاء بتخليد ملكه وتوفّرت. وعند وصوله خطب فأحسن في الألفاظ والمعاني، وحذّر من تأخير التّوبة

стр. 4064

والتّضجيع فيها والتّواني، وصلّى صلاة شرّفها الله وفضّلها، ورضيها ﵎ وتقبّلها، وانكفأ عائدا إلى قصوره ومنازله المعظمة، ضاعف الله له ثوابه وأجره، وأوجب شكره ورفع ذكره، ويجب أن تعتمد إذاعة ذلك ليبالغ الكافّة في الاعتراف بالنّعمة فيه، ويواصلوا شكر الله تعالى عليه، والمطالعة بما اعتمد فيه. السادس- ما يكتب بالبشارة بالسّلامة في ركوب عيد الفطر . وقد تقدّم في الكلام على ترتيب الدّولة الفاطمية في المقالة الثانية، أن الخليفة كان يركب لصلاة عيد الفطر صبيحة العيد، ويخرج من باب العيد من أبواب القصر، ويتوجه إلى [المصلّى] «١» فيصلّي ويخطب، ثم يعود إلى قصوره، ويكتب بذلك إلى أعمال المملكة، تارة مع خلوّ الدّولة عن وزير، وتارة مع اشتمالها على وزير. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، مع خلوّ الدّولة عن وزير، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، وهو: الحمد لله ناشر لوائه في الأقطار، ومعوّض المطيعين من جزائه ببلوغ الأوطار، الذي نسخ الإفطار بالصّيام ونسخ الصّيام بالإفطار، وكلّف عباده ما يطيقونه ووعد عليه جزيل أجره، وأسبغ من نعمه ما لا يطمع [في القيام] بواجب حمده عليه وشكره، وصلّى الله على سيدنا محمد نبيّه الذي أعلن بالإيمان وباح، وبيّن المحظور في الشّريعة والمباح، وأرشد إلى ما حرّمه الإسلام وحلّله، ومهّد سبل الهدى لمن استغواه الشّيطان وضلّله، وأوضح مراتب الأوقات ومنازلها، وعرّف تفاوت الأيام وتفاضلها، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي مضت في الله عزماته، وبيّضت وجه الدّين الحنيف مواقفه ومقاماته،

стр. 4065

وعلى الأئمة من ذرّيّتهما الذين تكفّلوا أمر الأمة نصّا، وامتطوا على منارها فلم يألوا جهدا ولم يتركوا حرصا، فالحاضر منهم يوفي على من كان [من] قبله، وأحزاب الحقّ فرحون بما آتاهم الله من فضله، وسلّم عليهم أجمعين سلاما لا انقطاع لدوامه، وشرّفهم تشريفا لا انفصام لإبرامه، وأسنى ومجّد، وتابع وجدّد. وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم كذا عيد الفطر من سنة كذا: بعد أن وفّى الصّيام حقّه، وحاز أجر من جعل الله على خزائنه رزقه، وبعد أن أفطر بحضرته الأولياء من آله وأسرته، والمقدّمون من رؤساء دولته، والمتميّزون من أوليائه وشيعته. وكان من نبإ هذا اليوم أنّ أمير المؤمنين لمّا ارتقب بروزه من قصوره، وتجلّى فأشرقت الأرض بنوره، توجه إلى المصلّى قاضيا لسنّة العيد، فكانت نعمة ظهوره بالنّظر [للحاضر] وبالخبر للبعيد، واستقلّ ركابه بالعساكر المنصورة التي أبدت منظرا مفتنا معجبا، وجعلت أديم الأرض بالخيل والرّجل محتجبا، وذخرت الانتقام ممّن شقّ العصا، وتجاوزت في الكثرة عدد الرّمل والحصا، وزيّنت الفضاء بهيئتها، وروّعت الأعداء بهيبتها، وجمعت بين الطّاعة وشدّة الباس، وادّرعت من التّقوى أمنع جنّة وأحصن لباس، ولم يزل سائرا في السّكينة والوقار، ناظرا للدّنيا بعين الاحتقار، والثّرى بالجباه والشّفاه مصافح ملثوم، فهما موسومتان به وهو بهما موسوم، إلى أن وصل إلى مقرّ الصّلاة، ومحلّ المناجاة، فصلّى أتمّ صلاة وأكملها، وأدّاها أحسن تأدية وأفضلها، وأخلص في التّكبير والتّهليل إخلاص من لم يفت أمرا ويخشى الله ويتّقيه ونصح في إرشاده ووعظه، وأعرب ببديع معناه وفصيح لفظه، وعاد إلى مثوى كرامته، وفلك إمامته، محمود المقام، مشمولا بالتوفيق في النّقض والإبرام. أعلمك أمير المؤمنين ذلك لتذيعه فيمن قبلك، وتشكروا الله على النّعمة الشاملة لهم ولك، فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى. وكتب في اليوم المذكور. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، والدّولة مشتملة على وزير، عن الحافظ

стр. 4066

لدين الله «١» العلويّ خليفة الديار المصريّة، في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وهي: الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وشيّد مناره، وأيّد أولياءه ونصر أنصاره، وأظهر في مواسمه قوّته واستظهاره، وختم الشّرائع بشرف أبديّ فكان حظّها منه إيثاره، وحظّ الإسلام استبداده به واستئثاره، وصلّى الله على جدّنا محمد الذي كرّمه باصطفائه، وأسعد من حافظ على اتّباع نهجه واقتفائه، وبيّن بشرعه ما حلّله وحرّمه، ودعا الأمة بإرساله إلى دين قيّم أعلى بناءه وأحكمه، ووعدهم على مفروضه ومسنونه جزيل الأجر، وأمر في اعتقاد خلافه بالدّفع والمنع والزّجر، وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أوّل الأئمة الخلفاء، والمشتهرة فضائله اشتهارا ليس به من خفاء، ومن حباه الله المحلّ الرفيع والمنّ الجزيل، وخصّه من الشّرف بما جاء فيه من محكم التّنزيل، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما القائمين بفرض الله والمؤدّين لحقوقه، والذين كفلت أمانتهم بانبساط نور الحقّ وانتشار لوائه وخفوقه، وسلّم وكرّم، ومجّد وعظّم. وكتاب أمير المؤمنين إليك يوم كذا عيد الفطر من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، الذي أمر الله فيه بما نهى عنه من قبله، وضاعف الأجر بكرمه وفضله، فرفع تكاليف الصّوم، وأوجب الإفطار في هذا اليوم، وساوى في ذلك [بين] كلّ متهم ومنجد، وأمر بني آدم فيه بأخذ الزّينة عند كلّ مسجد، وكان من خبره أن الفجر لمّا طلع مبشّرا بالشمس، ومؤذنا ببعثها من الرّمس، تتابعت الجيوش الموفورة، والعساكر المنصورة، إلى أبواب القصور الزاهرة توكّفا لأنوار أمير المؤمنين، وترقّبا لظهوره قاضيا حقّ الدّين، فلما أسفر الصّبح وأضاء، وملأت الخلائق الفضاء، تجلّى من أفلاك إمامته، وبرز فأغبط كلّ مؤمن بثباته على المشايعة وإقامته، وكان ظاهرا وهو محتجب بالأنوار، وممتنعا وهو منتهب

стр. 4067

بالأبصار، والكافّة يصافحون الأرض ويجتهدون في الدعاء بإخلاص نيّاتهم، والعساكر المؤيّدة لو أنّها عمّت الأرض بتطبيقها، وساوت بين قريبها وسحيقها، وصارت كالجبال الرّواسي فيها، لكانت قد تزلزلت ومادت بأهليها، وهي مع تباين أجناسها وطوائفها متظافرة على معاندي الدّولة ومخالفيها، متلائمة على الولاء، متمالئة على الأعداء، تتلفّت إلى المجاهدة كأنها الأسود إقداما وباسا، وكأنّما فصّلت جوامد الغدران سلاحا لها ولباسا، والسيّد الأجلّ الأفضل التي عظمت به المواهب وجلّت، وذهبت بوزارته الغياهب وتجلّت، وتهلّل بنظره وجه الملّة وكان عابسا، وأعاد الدّولة معصرا وقد كانت قبله عانسا، وحسنت الدّنيا بأيامه إذ ليس فيها من يضاهيه، وانتظمت أمورها على الإرادة بصدورها عن أوامره ونواهيه، ترتّب المواكب بمهابته، ويستغنى بتوغّلها في القلوب عن إيمائه وإشارته، وكلّ طائفة مقبلة على شانها، لازمة لمكانها، متصرّفة على تهذيبه وتقريره، عاملة بآدابه، فوقوفها بوقوفه ومسيرها بمسيره. وتوجه أمير المؤمنين إلى المصلّى محفوفا بأنوار تجلّي ما أنشأته سنابك الخيل، وتمحو آية نقع قام مثارها مقام ظلام اللّيل، وعليه من وقار الإمامة، وسكينة الخلافة، ما خصّه الله تعالى به دون البريّة وحده؛ لأنه مما ورث أمية رسول الله ﷺ وآله وجدّه «١» ، ولما انتهى إليه قصد [المحراب] «٢» وأمّه، وأدّى الصّلاة أكمل أداء وأتمّه، ثم انتهى إلى المنبر «٣» فعلاه، ومجّد الله تعالى وحمده على ما أولاه، ووعظ وعظا خوّف عاقبة المعاصي والذّنوب، وحلّ وكاء العيون وداوى مرض القلوب، وأمر بسلوك سبيل الطّاعات وأفعال البر، وحثّ على التّوفّر عليها في الجهر والسّر، وعاد إلى قصوره المكرمة، ومواطنه المقدّسة،

стр. 4068

وقد بذل في نصحه لله ولرسوله وللمؤمنين جهده، وفعل في الإرشاد والهداية ما لا غاية بعده. أنبأك أمير المؤمنين خبر هذا اليوم لتشكر الله على النّعمة فيه، وتذيعه قبلك على الرسم فيما يجاريه، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى. السابع- ما يكتب بالبشارة بالسلامة في ركوب عيد النّحر . قد تقدّم في الكلام على ترتيب دولة الفاطميّين في المقالة الثانية أن الخليفة كان يركب لصلاة عيد النّحر كما يركب لصلاة عيد الفطر، تارة مع اشتمال الدّولة على وزير، وتارة مع عدم اشتمالها على وزير. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، من إنشاء ابن «١» الصّيرفيّ، وهي: أما بعد، فالحمد لله الذي أعلى منار الملّة، وشرّف مواسم أهل القبلة، وكفّل أمير المؤمنين أمر الأيّام، كما كفّله أمر الأنام، فرأى الناس من حسن سيرته أيقاظا ما لا يرونه مجازا في المنام، وصلّى الله على جدّنا محمد نبيّه الذي أرسله إلى الناس كافّة، وجعل العصمة محيطة به حافّة، فأطلع في ظلام الشّرك شمس التوحيد وبدره، وآمن به من شرح الله للإسلام صدره، وعصاه من تمرّد فأثقل الوزر ظهره، وبيّن عبادات كرم أجرها وعظم ثوابها، وألزم طاعات جعل الجنّة للعاملين بها مفتّحة أبوابها، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب مظافره ومظاهره، والمساوي في حكمه بين باطنه وظاهره، ولم يزل حاملا على المحجّة البيضاء جاعلا ذلك من قربه وذخائره، قائما بحقوق الله جاهدا في تعظيم حرماته وشعائره، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما نجوم الأرض وهداة أهلها، والواجبة طاعتهم على من في وعرها وسهلها، والذّابّين بالمشرفيّة عن حمى الشريعة، والّذين متابعتهم من أوجه ذريعة. وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم كذا عيد النّحر سنة كذا وكذا، وهو يوم

стр. 4069

أظهر الله فيه قوّة الدّولة واقتدارها، وأوجب فيه- رغبة ورهبة- مسارعة النفوس المخالفة إلى الطاعة وابتدارها، وذلك أن عساكر أمير المؤمنين توجهت إلى قصوره الزاهرة عند انفجار الفجر، وحافظت على ما تحرزه من كريم الثّواب وجزيل الأجر، واستنزلت الرّحمة برؤية إمام الأمّة، وأعدّت الإخلاص في خدمته من أوفى الحرمات وأقوى الأذمّة، وأقامت إلى أن برز أمير المؤمنين والأنوار الساطعة طوالعه، ومهابته تمنع كلّ طرف من استقصاء تأمّله وتدافعه، وقصد المصلّى في كتائب لجبة، ومواكب للتعظيم مستوجبة، وعزّة تتبين في الشّمائل والصّفحات، وقوّة يشهد بطيب وصفها أرج النّفحات، قد غدت عددها محكّمة، وخيولها مطهّمة، وذوابلها إذا ظمئت كانت مقوّمة، وإذا رويت عادت محطّمة، تتقلّد صفائح متى انتضيت أنصفت من الجائر الحائف، ومتى اقتضبت عملا كان اقتضابها مبيّضا للصّحائف، وفي ظلّها معاقل للّائذين، وبحدّها مصارع للمنابذين، وهي للدّماء هوارق، وللهامات فوالق، ولمستغلق البلاد مفاتح ولمستفتحها مغالق. ولما انتهى إلى المصلّى قضى الصلاة أحسن قضاء وأدّاها أفضل تأدية، واستنزل رحمة لم تزل بصلاته متمادية، وانتهى إلى المنبر فرقيه، وخطب خطبة من استخلفه الله فكان مراقبه ومتّقيه، ووعظ أبلغ وعظ، وأبان عمّا للعامل بنصحه في الدّنيا والآخرة من فائدة وحظّ، وعطف على الأضاحي المعدّة له فنحرها جريا في الطاعات على فعلها المتهادي، وأضحت تتوقع التّكميل بإنجازه وعيده في الأعادي، فالله يقضي بتصديقه، ويمنّ بتخيّله وتحقيقه، وعاد إلى قصوره المكرّمة مشكورا سعيه، مضمونا نفعه، مرضيّا فعله، مشمولا عبيده منه بما هو أهله. أعلمك أمير المؤمنين ذلك فاعلم هذا واعمل به. وكتب في اليوم المذكور. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، والدولة مشتملة على وزير، من إنشاء ابن

стр. 4070

قادوس «١» ، وهي: أما بعد، فالحمد لله ماحي دنس الآثام بالحجّ إلى بيته الحرام، وموجب الفوز في المعاد لمن عمل بمراشد أئمة الهدى الكرام، ومضاعف الثّواب لمن اجتهد فيما أمر الله به من التّلبية والإحرام، ومخوّل الغفران لمن كان بفرائض الحجّ ونوافله شديد الولوع والغرام، وصلّى الله على جدّنا محمد الذي لبّى وأحرم، وبيّن ما أحلّ الله وحرّم، وعلى أخيه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي ضرب وكبّر، وحقّر من طغى وتجبّر، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما أعلام الدّين، وحتوف المعتدين، وسلّم وكرّم، وشرّف وعظّم. وإنّ من الأيام التي كملت محاسنها وتمّت، وكثرت فضائلها وجمّت، ووجب تخليد عزّ صفاتها، وتعيّن تسطير تأثيراتها، يوم عيد النّحر من سنة كذا، وكان من قصصه أن الفجر لما سلّ حسامه، وأبدى الصّباح ابتسامه، نهض عبيد الدّولة في جموع الأولياء والأنصار، وأولي العزيمة والاستبصار، ميمّمين القصور الزاهرة متبرّكين بأفنيتها، ومستملين بسعادتها، وتألّفوا صفوفا تبهر النواظر، ويخجل تألّفها تألّف زهر الرّوض الناضر، مستصحبين فنونا من الأزياء تروق، ومستتبعين أصنافا من الأسلحة يغضّ لمعها من لمع اللهب والبروق، والأعلام خافقة، والرّايات بألسنة النّصر، على الإخلاص لإمام العصر، متوافقة، فأقاموا على تشوّف لظهوره، وتطلّع للتّبرّك بلامع نوره. ولما بزغت شمس سعادته، وجرت الأمور على إيثاره وإرادته، وبدت أنوار الإمامة الجليّة، وظهرت طلعتها المعظّمة البهيّة، خرّ الأنام سجودا بالدعاء والتمجيد، والاعتراف بأنّهم العبيد بنو العبيد، واستقلّ ركاب أمير المؤمنين، ووزيره السّيّد الأجلّ الذي قام بنصر الله في إنجاد أوليائه، وتكفّل للإسلام برفع

стр. 4071

مناره ونشر لوائه، وناضل عن حوزة الدّين وجاهد، وناصل أحزاب الكفّار وناهد، يقوم بأحكام الوزارة، وتدبير الدولة تدبير أولي الإخلاص والطّهارة، ويتّبع آراء أمير المؤمنين فيما تنفذ به أوامره، ويعمل بأحكام الصّواب فيما تقتضيه موارده ومصادره، ويحسن السّياسة والتدبير، ويتوخّى الإصابة في كلّ صغير من أمور الدّولة العلويّة وكبير، ويخلص لله جلّ وعزّ ولإمامه، ويكفكف من الأعداء ببذل الجهد في إعمال لهذمه «١» وحسامه، وسار أمير المؤمنين والعساكر متتابعة في أثره، متوافقة على امتثال أمره، قد رفعت السّنابك من العجاج سحابا، وخيّلت جنن الجند للناظرين في البرّ عبابا. والجياد المسوّمة تموج في أعنّتها، وتختال في مراكبها وأجلّتها، وتسرع فتكسب الرّياح نشاطا، وتفيد المتعرّض لوصفها إفراطا، وتهدي لمن يحاول مماثلتها غلوّا واشتطاطا، وأصوات مرتفعة بالتهليل، وأصوات الحديد تسمع بشائر النّصر بترجمة الصّليل، ويكاد يرعب الأرض تزلزل الصّهيل، وترضّ سنابكها الهضاب وتغدو صلابها كالكثيب المهيل. ولما انتهى ركاب أمير المؤمنين إلى المصلّى والتوفيق يكتنفه، والسعادة تصرّفه، قصد المحراب فأقام الصلاة، ونحا المنبر فشرّفه إذ علاه، وأدّى الصّلاة على أكمل الأوضاع وأتمّها، وأجمع [الأحوال] لمراضي الله وأعمّها، وانثنى للبدن المعدّة فنحر ما حضر تقرّبا لخالقه، وأجرى القانون على حقائقه، وعاد إلى قصوره الزاهرة وقد غفر الله بسعيه الذّنوب، وطهّر برؤيته القلوب، وبلّغ الأمم من المراشد نهاية المطلوب. أعلمك أمير المؤمنين نبأ هذا اليوم الّذي تشتمل المسارّ على جميعه أوّلا وآخرا، وباطنا وظاهرا، لتذيع نبأه في عمل ولايتك، وتشيع خبره في الرعايا على جاري عادتك، فاعلم هذا واعمل به، وطالع مجلس النّظر السيديّ الأجليّ بما اعتمدته في ذلك، إن شاء الله تعالى. وكتب في اليوم المذكور.

стр. 4072

قلت: وهذا الصنف من المكاتبات قد رفض وترك استعماله بديوان الإنشاء في زماننا. الصنف السادس عشر (المكاتبة بالبشارة بوفاء النّيل والبشارة بالسّلامة في الركوب لفتح الخليج) وهذه المكاتبة من خصائص الديار المصريّة، لا يشاركها فيها غيرها من الممالك. ولم يزل القائمون بالأمر بالديار المصريّة من قديم الزمان وهلمّ جرّا يكتبون بالبشارة بذلك إلى ولاة الأعمال اهتماما بشأن النّيل، وإظهارا للسّرور بوفائه، الّذي يترتب عليه الخصب المؤدّي إلى العمارة وقوام المملكة، وانتظام أمر الرّعيّة. وقد كان للخلفاء الفاطميّين القائمين بأمر الديار المصرية بذلك كبير العناية ووافر الاهتمام، وكانت عادتهم في ذلك أنّهم يكتبون بالبشارة بوفاء النّيل كتبا مفردة، وبفتح الخليج وهو المعبر عنه في زماننا بالكسر كتبا مفردة. ولعلّ فتح الخليج كان يتراخى في زمنهم عن يوم الوفاء، فيفردون كلّ واحد منهما بكتب. فأما وفاء النّيل المبارك فهذه نسخة كتاب بالبشارة به في الأيام الفاطميّة، من إنشاء ابن قادوس، وهي: النّعم وإن كانت شاملة للأمم، فإنّها متفاضلة الأقدار والقيم، فأولاها بشكر تنشر في الآفاق أعلامه، واعتداد تحكم بإدراك الغايات أحكامه، نعمة يشترك في النّفع بها العباد، وتبدو بركتها على النّاطق والصّامت الجماد، وتلك النّعمة النيل المصريّ الذي تبرز به الأرض الجرز في أحسن الملابس، وتظهر حلل الرّياض على القيعان والبسابس، وترى الكنوز ظاهرة للعيان، متبرّجة بالجواهر واللّجين والعقيان، فسبحان من جعله سببا لإنشار الموات، وتعالى من ضاعف به ضروب البركات، ووفّر به موادّ الأرزاق والأقوات، وهذا الأمر صادر إلى الأمير، وقد منّ الله جلّ وعلا بوفاء النّيل المبارك، وخلع على القاضي فلان بن أبي الرّدّاد في يوم كذا وكذا، وطاف بالخلع والتشريفات، والمواهب المضاعفات، بالقاهرة

стр. 4073

المحروسة ومصر على جاري عادته، وقديم سيرته، ونودي على الماء بوفائه ستة عشر ذراعا وإصبعا من سبعة عشر ذراعا، واستبشر بالنّعمة بذلك الخلائق، وواصلوا بالشّكر مواصلة لا تستوقفهم عنها العوائق، وبدا من مسرّات الأمم وابتهاجهم ما يضمن لهم من الله المزيد، وينيلهم المنال السعيد، ويقضي لهم بالمآل الحميد. وموصّل هذا الأمر إليك فلان، فاعتمد عند وصوله إليك إكرامه وإعزازه، وإجمال تلقّيه وإفضاله، إلى ما جرت به عادة مثله من رجاء، وتنويه واحتفاء، وإكرام واعتناء، ليعود شاكرا. فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة أخرى من ذلك، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، وهي: أولى ما تحدّث به ناقله وراويه، وتعجّل المسرّة به حاضره ورائيه، ما كانت الفائدة به شائعة لا تتحيّز، والنّعمة به ذائعة لا يتخصّص أحد بشمولها ولا يتميز، إذ كان علّة لتكاثر الأقوات، وبها يكون التّماثل في البقاء والتساوي في الحيات، وذلك ما منّ الله تعالى به من وفاء النّيل المبارك، فإنه انتهى في يوم كذا في سنة كذا، إلى ستة عشر ذراعا وزاد إصبعا من سبعة عشر ذراعا، وقد سيّرنا، أيّها الأمير، فلانا بهذه البشرى إليك، وخصّصناه بالورود بها عليك، فتلقّها من الشّكر بمستوجبها، واستقبلها من الابتهاج والاغتباط بما يليق بها، واجعل الرّسوم التي جرت العادة بتوظيفها لفلان بن أبي الرّدّاد محمولة من جهتك إلى حضرتنا، لتولى إليه من جهتنا، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى، وكتب في اليوم المذكور. وهذا الصّنف من المكاتبات متداول بالديار المصريّة إلى آخر وقت، يكتب به في كلّ سنة عن الأبواب السلطانية إلى نوّاب السّلطنة بالممالك الشاميّة عند وفاء النّيل، وتسير به البريديّة، وربّما جبي للبريديّ من الممالك شيء بسبب ذلك. وإذا كانت الدّولة عادلة ضمّن الكتاب أنه لا يجبى للبريديّ شيء بسبب ذلك. وهذه نسخة مثال شريف في معنى ذلك:

стр. 4074

ولا زال يروى عنه وإليه حديث الوفاء والنّدا، ويورد على سمعه الكريم نبأ الخصب الذي صفا موردا، ويهنّى بكلّ نعمة تكفّلت للرعايا بمضاعفة الجود ومرادفة الجدا، ويخصّ بكلّ منّة عمّت مواهبها الأنام فلن تنسى أحدا. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي، وبحر كرمها لا ينتهي إلى مدى، وبشر بشراها دائم أبدا، تهدي إليه سلاما مؤكّدا، وثناء أضحى به الشّكر مردّدا، وتوضّح لعلمه الكريم أن الله تعالى قد أجرى على جميل عاداته، وأراد بالأمّة من الخير ما هو المألوف من إراداته، ومنح مزيد النّعم التي لم تزل تعهد من زياداته، فأسدى معروفه المعروف إلى خلقه، وأيّدهم بما يكون سببا لمادّة عطائه ورزقه، فبلّغهم تأميلهم، وأجرى نيلهم، وزادهم بسطة في الأرض، وملأ به الملا وطبّق به البلاد طولها والعرض، ونشر على الخافقين لواء خصبه، وأتى بعسكرريّه لقتل المحل وجدبه، وبينما هو في القاع إذ بلغ بإذن ربّه، فجعل من الذّهب لباسه، وعطّر بالشّذا أنفاسه، ولم يترك خلال قطر إلّا جاءه فجاسه، ونصّ السّير فسيّر نصّ مجيئه في الأرض لمّا صحّح بالوفاء قياسه، وغازلته الشمس فكسته حمرة أصيلها لما غدت له بمشاهدتها ماسه، ولم يكن في هذا العام إلّا بمقدار ما قيل: أقبل إذ قيل: وفّى، ومدّ في الزيادة باعا وبسط ذراعا، وأطلق بمواهب أصابعه كفّا، وعاجل إدراك الهرم في ابتداء أمره مطال شبابه، ومرّ على الأرض فحلا في الأفواه لمّا ساغ شكر سائغ شرابه، واعتمد على نصّ الكتاب العزيز فكاد أن يدخل كلّ بيت من بابه. ولما كان يوم كذا من شهر كذا الموافق لكذا من شهور القبط بادرت إلى الوفاء شيمه، وأغنت أمواجه عن منّة السّحب فذمّت عندها ديمه، وزار البلاد منه أجلّ ضيف فرشت له صفحة خدّها للقرى فعمّها كرمه، وبلغ من الأذرع ستة عشر ذراعا ورفع لواءه بالمزيد ونشر، وجاء للبشر بأنواع البشر، فرسمنا بتعليق ستر مقياسه، وتخليقه وتضويع أنفاسه، وفي صبيحة اليوم المذكور كسر سدّ خليجه على العادة، وبلغ الأنام أقصى الإرادة، وتباشر بذلك العامّ والخاصّ، وأعلنت الألسنة بحمد ربّها بالإخلاص، وسطّرها وهو بفضل الله ورحمته متتابع المزيد،

стр. 4075

بسيط بحره المديد، متجدّد النّموّ في كلّ يوم من أيّام الزّيادة جديد. فالجناب العالي يأخذ من هذه البشرى بأوفر نصيب، ويشكر نعمة الله على ما منح- إن شاء الله- هذا العام الخصيب، ويذيع لها خبرا وذكرا، ويضوّع بطيّ هنائها نشرا، ويتقدّم بأن لا يجبى عن ذلك بشارة بالجملة الكافية، لتغدو المنّة تامة والمسرّة وافية، وقد جهزنا بهذه المكاتبة فلانا، وكتبنا على يده أمثلة شريفة إلى نوّاب القلاع الفلانية [جريا] «١» على العادة، فيتقدّم بتجهيزه بذلك على عادة همّته، فيحيط علمه بذلك. وهذه نسخة أخرى في معنى ذلك، كتب بها في سابع عشر ذي القعدة سنة ست وستين وسبعمائة، وصورتها بعد الصّدر: وبشّره بأخصب عام، وأخصّ مسرّة هناؤها للوجود عامّ، وأكمل نعمة تقابل العام من عيون الأرض بمزيد الإنعام. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه أتمّ سلام، وأعمّ ثناء تام، وتوضح لعلمه الكريم، أن الله تعالى- وله الحمد- قد جرى في أمر النيل المبارك على عوائد ألطافه، ومنح عباده وبلاده من مديد نعمه مزيد إسعافه، وأورد الآمال من جوده منهلا عذبا، وملأها به إقبالا وخصبا، وأحيا به من موات الأرض فاهتزّت وربت، وأنبتت كلّ بهيج وأنجبت، وأينعت الرّياض فجرت فيها الرّوح ودبّت، وامتلأت الحياض ففاضت بالمياه وانصبّت، وطلع كالبدر في ازدياده، وتوالى على مديد الأرض بأمداده، إلى أن بلغ حدّه، ووصّل الفرج ومنع الشّدّة، وفي يوم كذا من شهر كذا الموافق لكذا وكذا من شهور القبط، وفّاه الله ستة عشر ذراعا فاه فيها بالنّجح، وعمّ ثراه الأرض فأشرق بعد ليل الجدب بالرّخاء أضوأ صبح، وفي ذلك اليوم علقّ ستره، وخلّق مقياسه فاشتهر ذكره، وكسر سدّه،

стр. 4076

وتوالى مدّه، ونجز من الخصب وعده، وعلا التّرع والجروف، وقطع الطريق فأمّن من الجدب المخوف، وأقبل بوجهه الطّلق المحيّا، وأسبل على الأرض لباس النّفع فبدّلها بعد الظّمإ ريّا، فحمدنا الله تعالى على هذه النّعم، ورأينا أن يكون للجناب العالي أوفر نصيب من هذا الهناء الأعم، وآثرنا إعلامه بذلك، ليكون في شكر هذه النّعمة أكبر مشارك، فالجناب العالي يأخذ حظّه من هذه البشرى، ويتحقق ماله عندنا من المكانة التي خصّته في كلّ مبهجة بالذّكرى، ويتقدّم أمره الكريم بأن لا يجبى عن ذلك حقّ بشارة، ولا يتعرّض إلى أحد بخسارة، وقد جهّزنا بذلك فلانا. الصنف السابع عشر (فيما يكتب في البشارة بركوب الميدان الكبير بخطّ اللّوق عند وفاء النّيل في كلّ سنة) وهو مما يتكرر في كلّ سنة عند ركوب الميدان، ويكتب به إلى جميع النوّاب الأكابر والأصاغر، وتجهّز إلى أكابر النوّاب خيول صحبة المثال الشريف، ويرسم لهم بالركوب في ميادين الممالك للعب الكرة، تأسّيا بالسلطان، فيركبون ويلعبون الكرة. والعادة في مثل ذلك أن تنشأ نسخة كتاب من ديوان الإنشاء الشريف، ويكتب بها إلى جميع النيابات، لا يختلف فيها سوى صدرها، بحسب ما يقتضيه حال ذلك النائب. وهذه نسخة مثال شريف في معنى ذلك، كتب به في ذي القعدة سنة ستين وسبعمائة لنائب طرابلس، وصورته بعد الصّدر: ولا زال تحمل إليه أنباء ما يبرد غلّته من مضاعفة السّرور، وتبثّ له أقوال الهناء بما يجبّ علته من النّصر الموفور، ونخصّه من إقبالنا الشريف بأكمل تكريم وأنمّ حبور. صدرت هذه المكاتبة تهدي إليه من السّلام والثناء كذا كذا، وتوضّح لعلمه الكريم أننا نتحقّق مضاء عزائمه حربا وسلما، واعتلاء هممه التي تحرس بها

стр. 4077

الممالك وتحمى، وأنّ صوافنه «١» ترتبط لتركض، وتحبس لتنهض، فلذلك نعلمه من أنباء استظهارنا ما يبهج خاطره، ويقرّ ناظره، وهو أنّنا لما كان في يوم السبت المبارك خامس شوّال، توجّه ركابنا الشريف إلى الميدان السعيد وفاض به جودنا فاخضرّت مروجه، وظهر به نيّرنا الأعظم فأشرقت آفاقه وتشرّفت بروجه، وأقرّ العيون منير وجهنا المبارك وبهيجه، وغدا كلّ وليّ بموالاة إنعامنا مشمولا، وبمنالات إكرامنا موصولا، وركض الأولياء بين أيدينا جيادا ألفت نزالا وعرفت طرادا، وانعطفت لينا وانقيادا، وعدنا إلى مستقرّ ملكنا الشريف وقد جدّد الله تعالى لنا إسعادا، وأيّد لعزمنا المعان مبدأ ومعادا، وآثرنا إعلام الجناب العالي بهذه الوجهة الميمونة، والحركة التي هي بالبركة مقرونة، ليأخذ حظّه من السّرور بذلك والهنا، ويتحقق من إقبالنا الشريف عليه ما يبلغ به المنى. وهذه نسخة مثال شريف في المعنى، كتب به في العشرين من شعبان، سنة أربع وخمسين وسبعمائة. وصورته بعد الصّدر: ولا زالت ميادين سعده لا تتناهى إلى مدى، وكرات كرّاته في رحاب النّصر تلمع كنجم الهدى، ومدوّر صوالجه كشواجر المرّان «٢» تحلو بتأييدها للأولياء وتغدو مريرة للعدا. صدرت هذه المكاتبة وظفرها لا يزال مؤيّدا، ونصرها لا برح مؤبّدا، تهدي إليه سلاما مؤكّدا، وثناء كنشر الأرض بالنّدى، وتوضّح لعلمه أننا لم نزل بحمد الله نتّبع سنن سلفنا الشريف، ونجري الأمور على عوائد جميلهم المنيف، ونرى تمرين الأولياء على ممارسة الحروب، ونؤثر إبقاء آثار الجهاد فيهم على أحسن أسلوب، فلذلك لا نخلّ في كلّ عام بالتّعاهد إلى الميدان السعيد، والركوب إليه

стр. 4078

في أسعد طالع يبديء النّصر ويعيد؛ لما في ذلك من ابتهاج يتجدّد، وأسباب مسرّة لكافّة الأنام تتأكّد، ودعوات ألسنتها تتضاعف من الرعية وتتردّد. ولما كان في يوم السبت المبارك سادس عشر شهر رجب الفرد، ركبنا إلى الميدان السعيد في أتمّ وقت أخذ من السّعد بمجموعه، وأظهر في أفق العساكر من وجهنا الشريف البدر عند طلوعه، ولم نبرح يومنا المذكور في عطاء نجيده، وإنعام نفيده، وإطلاق نبدئه ونعيده، والأولياء بين أيدينا الشريفة يمرحون، وفي بحار كرمنا المنيف يسبحون، وفي ميدان تأييدنا المطيف يسيحون، والكرات كالشمس تجنح تارة وتغيب، وتخشى من وقع الصّوالجة فتقابلها بوجه مصفرّ مريب. ثم عدنا إلى القلعة المنصورة على أتمّ حال، وأسعد طالع بلّغ الأنام الأمان والآمال، والعساكر بخدمتنا الشريفة محدقون، ومماليكنا بعقود ولائنا مطوّقون، والرّعايا قد ألبسها السّرور أثوابا، وفتح لها من الابتهاج أبوابا، وقد آثرنا إعلام الجناب بذلك ليأخذ حظّه من هذه المسرّة والبشرى، ويشترك هو والأنام في هذه النّعمة الكبرى، ومرسومنا للجناب أن يتقدّم بالركوب بمن عنده من الأمراء في ميدان طرابلس المحروسة، ويلعب بالكرة على جاري العادة في ذلك، ليساهم أولياء دولتنا القاهرة في ذلك، ويسلك من طرقهم الجميلة أجمل المسالك. قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية لم يزل مستعملا بديوان الإنشاء، يكتب له كلّما ركب السلطان إلى الميدان الصّالحيّ بخطّ اللّوق، إلى أن عطّل جيده من الركوب في أواخر الدّولة الظاهرية «برقوق» واقتصر على لعب الكرة في الميدان الذي جرت به العادة، فتركت المكاتبة بذلك من ديوان الإنشاء ورفض استعمالها. الصنف الثامن عشر (المكاتبة بالبشارة بحجّ الخليفة) لما كانت الأسفار، محلّ الأخطار، وموقع الاختلاف وحدوث الفتن، كانت الخلفاء يكتبون الكتب إلى عمّالهم بالسلامة عند الإياب من السّفر للحجّ وغيره.

стр. 4079

والرّسم فيها أن يذكر أن الحجّ من أجلّ العبادات، وأن من النعمة [أن يمنّ] «١» الله تعالى بقضاء المناسك، والوقوف بالمشعر الحرام، والطّواف بالبيت العتيق، والسّعي بين الصّفا والمروة، وما يجري مجرى ذلك من شعائر الحجّ، ثم بعد بزيارة النبيّ ﷺ ، واتفاق الكلمة في جميع هذه الأحوال، على كثرة الخلائق ومزيد الجيوش والعساكر. وهذه نسخة كتاب بالسلامة من سفر الحجّ، وهي: الحمد لله الذي جعل بيته مثابة للناس وأمنا، وحرما من دخله كان آمنا، الذي اختار دين الإسلام على الأديان، وابتعث به صفوته من الإنس والجان، محمدا أكرم بني معدّ بن عدنان. يحمده أمير المؤمنين أن أعانه على تأدية حقّه، ونصبه لكفالة خلقه، ووفّقه للعمل بما يرضيه ويدني إليه، ويسأله أن يصلّي على خير من غار وأنجد، وصدر وورد، وركع وسجد، ووحّد ومجّد، وصلّى وعبد، وحلّ وأحرم، وحجّ الحرم، وأتى المستجار والملتزم، والحطيم «٢» وزمزم، محمد سيّد ولد آدم، وعلى أخيه وابن عمّه مصباح الدّلالة، وحجاب الرّسالة، إمام الأمّة، وباب الحكمة، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ممزّق الكتائب، ومفرّق المواكب؛ ومحطّم القواضب، في القلل والمناكب، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما الهادين، صلاة باقية في العالمين. وإنّ أولى النّعم بأن يستعذب ذكرها، ويستعطر نشرها، وتتحدّث بها الألسنة، وتعدّ في مواهب الله الحسنة، نعم الله تعالى في التوفيق لحجّ بيته الذي جعله مثابة لزائريه، والإطافة بحرمه الذي يوجب المغفرة لقاصديه، والنّزول

стр. 4080

بأفنيته التي من يخدم بها فقد انسلخ من السّيّئات، وتلبّس بالحسنات، وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم النّفر الأوّل، وقد قضى بحمد الله تفثه «١» ، ووفّى نذره، وتمّم حجّه، وكمّل طوافه، وشهد منافعه، وأدّى مناسكه، ووقف الموقف بين يدي ربّه قانتا داعيا، وراغبا راجيا، وعرّفه بعرفات إعلامه قبول سعيه، وإجابة تلبيته، وبلّغه في منّى أمانيّه من رأفته، وأراه من مخايل الرّحمة، ودلائل المغفرة، ما تلألأت أنواره، وتوضّحت آثاره، وأجراه على تفصيل العبارة في شمول السّلامة لكلّ من حجّ بحجّه، ووقف موقفه من أوليائه وخاصّته، وعامّته ورعيّته، وأنعم باتفاق كلمتهم، واجتماع أهويتهم، واكتناف الدّعة والسّكون لهم، وزوال الاختلاف والمباينة بينهم. فإن أراد زيارة قبر النبيّ ﷺ ، قال: وهو يصدر بإذن الله تعالى عن موقفه هذا من البيت الحرام، إلى زيارة قبر النبيّ ﵇. فإن أزمع الانكفاء إلى مقرّه، قال: وأشعرك أمير المؤمنين ذلك وهو عائد بمشيئة الله تعالى إلى مقرّ خلافته، في عزّ من قدرته، وعلوّ من كلمته، وامتداد من سلطانه، وتضاعف من جنده وأعوانه، لتأخذ بحظّك من الابتهاج والجذل، وتذيعه بين أهل العمل، ليشاركك العامّة في العلم بهذه النّعمة فيخلصوا لله الشّكر عليها، ويرغبوا إليه في الزيادة منها، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة كتاب بسلامة الخليفة من سفر في الجملة. والرسم فيه أن تذكر نعمة الله تعالى بما منح أمير المؤمنين في سفره ذلك، من بلوغ المآرب، وتسهيل المقاصد، وإدراك الأوطار، وشمول النّعمة في الذّهاب والإياب، وما يجري مجرى ذلك ممّا ينخرط في هذا السّلك، وهذه نسخته:

стр. 4081

الحمد لله ذي الطّول والإنعام، والفضل والإكرام، والمنن العظام، والأيادي الجسام، الذي أرعى أمير المؤمنين من حياطته عينا لا تنام، واستخدم لحراسته والمراماة دونه اللّيالي والأيام، وقضى له بالتوفيق والسّعادة في الظّعن والمقام. يحمده أمير المؤمنين أن استخلصه لإمامة الأنام، وعدق به أساليب النّقض والإبرام، ويسأله الصلاة على من اختصّه بشرف المقام، وابتعثه بدين الإسلام، وجلا به حنادس الظّلام، محمد خاتم الأنبياء الكرام، وعلى أخيه وابن عمّه الهمام الضّرغام، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب مكسّر الأصنام، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما أعلام الأحكام، وأدلّة الحلال والحرام. وإن أمير المؤمنين لا يزال يتحدّث بنعم الله مستدرّا لأخلافها، منتصبا لقطافها، ويفيض في ذكرها، مستدعيا للزيادة بشكرها، ويطلع خلصاءه على حسن آثارها لديه، وسبوغ ملابسها عليه، ليأخذوا بحظّ من الغبطة والاستبشار، ويسرحوا في مسارح المباهج والمسارّ، وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك حين استقرّ ركابه بناحية كذا، مبشرا لك بنعمة الله في حياطته، وموهبته في سلامته، وما أولاه من إنارة (؟) الدّليل، وتسهيل السّبيل، وطيّ المجاهل، وتقريب المنازل، وإعذاب المناهل، وإنالة الأوطار، وتدميث الأوعار، وبركة المتصرّف، وسعادة المنصرف، ووصوله إلى مقصده قرير العين، قليل الأين «١» ، محفوظا ساريا وآئبا، مكلوءا عائدا وذاهبا، مشرّد النّصب مسرورا، موفور النّصيب محبورا، في اجتماع من كلمة أوليائه على طاعته، ونفوذ بصائرهم في نصر رايته، وإعانته على ما استحفظه من عباده، واسترعاه من بلاده: ليأخذ بالحظّ الأجزل، من الابتهاج والجذل، ويشكر الله تعالى على هذه النّعمة المتجدّدة، ويضيفها إلى سوالف نعمه التّالده، ويذيعها بين رعيّته، وأنصار دعوته، ليشتركوا في ارتشاف لعابها،

стр. 4082

والتحاف أثوابها، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية قليل الوقوع، فإن وقع مثله للكاتب في زماننا، خرّجه على نسبة الأسلوب المتقدّم. الصنف التاسع عشر (الكتابة بالإنعام بالتشاريف والخلع) وهذا الصّنف ممّا أغفله صاحب «موادّ البيان» ولا بدّ منه. والرسم فيه أن يكتب عن الخليفة أو السلطان إلى من أخلص في الطاعة، أو ظهرت له آثار كفاية، كفتح أو كسر عدوّ، وما يجري مجرى ذلك. وهذه نسخة «١» كتاب كتب به أبو إسحاق «٢» الصّابي عن الطائع «٣» لله، إلى صمصام «٤» الدّولة بن عضد الدّولة بن بويه، قرين خلعة وفرسين بمركبين من ذهب وسيف وطوق، وهي: من عبد الله عبد الكريم الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى صمصام الدّولة وشمس الملّة أبي كاليجار بن عضد الدّولة وتاج الملّة مولى أمير المؤمنين.

стр. 4083

سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على جده «١» محمد عبده ورسوله ﷺ . أما بعد- أطال الله بقاءك- فإن أمير المؤمنين وإن كان قد بوّأك المنزلة العليا، وأنالك من أثرته الغاية القصوى، وجعل لك ما كان لأبيك عضد الدّولة وتاج الملّة- رحمة الله عليه- من القدر والمحلّ، والموضع الأرفع الأجلّ، فإنه يوجب لك عند كلّ «٢» أثر يكون منك في الخدمة، ومقام حمد تقومه في حماية البيضة، إنعاما يظاهره، وإكراما يتابعه ويواتره. والله يزيدك «٣» من توفيقه وتسديده، ويمدّك بمعونته وتأييده، ويخير لأمير المؤمنين فيما رأيه مستمرّ عليه من مزيدك وتمكينك، والإبقاء بك وتعظيمك، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب. وقد عرفت- أدام الله عزّك- ما كان من [أمر كردويه] «٤» كافر نعمة أمير المؤمنين ونعمتك، وجاحد صنيعته وصنيعتك، في الوثبة التي وثبها، والكبيرة التي ارتكبها، وتقديره «٥» أن ينتهز الفرصة التي لم يمكّنه الله منها، بل كان من وراء [ذلك] دفعه وردّه عنها، ومعاجلتك إياه الحرب التي أصلاه الله نارها، وقنّعه عارها وشنارها «٦» ، حتّى انهزم والأوغاد «٧» الذين شركوه في إثارة الفتنة، على أقبح أحوال الذّلّة والقلّة، بعد القتل الذّريع، والإثخان الوجيع. فالحمد لله على هذه النعمة التي جلّ موقعها، وبان على الخاصّة والعامّة أثرها، ولزم أمير المؤمنين خصوصا والمسلمين عموما نشرها والحديث بها، وهو المسؤول إقامتها وإدامتها برحمته.

стр. 4084

وقد رأى أمير المؤمنين أن يجازيك عن هذا الفتح العظيم، والمقام المجيد الكريم، بخلع «١» تامّة، ودابّتين بمركبين «٢» من ذهب من مراكبه، وسيف وطوق وسوار مرصّع، فتلقّ ذلك بشكر الله «٣» تعالى عليه، والاعتداد بنعمته فيه، والبس خلع أمير المؤمنين وتكرمته، وسر [من بابه] «٤» على حملاته، وأظهر ما حباك به لأهل حضرته، ليعزّ الله بذلك وليّه ووليّك، ويذلّ عدوّه وعدوّك، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمته وبركاته. وكتب فلان «٥» لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، أطال الله بقاءك، وأدام عزّك، وأجزل «٦» حفظك وحياطتك، وأمتع أمير المؤمنين بك وبالنعمة فيك وعندك. قلت: وهذا الصنف من المكاتبات السلطانية باق على الاستعمال، متى أنعم السلطان على نائب سلطنة أو أمير أو وزير أو غيره بخلعة بعث بها إليه وكتب قرينها مثال شريف بذكر ذلك، إلّا أنه أهمل في ذلك السّجع والازدواج، واقتصر فيه على الكلام المحلول كما في غيره من المكاتبات، إلّا في النادر المعتنى بشأنه. الصنف العشرون (المكاتبة بالتّنويه والتلقيب) قال في «موادّ البيان» : جرت عادة الخلفاء بالكتابة بالتلقيب، لأن اللّقب موهبة من مواهب الإمام، أمضاها وأجازها، فإذا جرت عليه كانت كغيرها من نعمه التي يمنحها على عبيده، والكنية تكرمة يستعملها الناس فيما بينهم، فليس حكمها كحكم اللّقب.

стр. 4085

قال: والرسم في هذه الكتب أن تفتتح بحمد الله على نعمه السّابغة الضّافية، ومواهبه الزّاهية النامية، وعوارفه التي جعلها جزاء للمحسنين، وزيادة للشّاكرين، ونحو هذا مما يليق أن يفتتح به هذا الغرض، والصّلاة على سيدنا محمد ﷺ . ثم يقال: وإنّ أمير المؤمنين بما خوّله الله تعالى من نعمه، وبوّأه من قسمه، وخصّه به من التمكين في أرضه، والمعونة على القيام بفرضه، يرى المنّ على خلصائه، وإسباغ النّعم على أوليائه، واختصاصهم بالنّصيب الأوفر من حبائه، والإمالة بهم إلى المنازل الباذخة، والرّتب الشّامخة، وإن أحقّ من وفر قسمه من مواهبه، وغزر سهمه من عطاياه ورغائبه، من تميّز بما تميزت به من إخلاص ومطاوعة، وولاء ومشايعة، وانقياد ومتابعة، وصفاء عقيدة وسريرة، وحسن مذهب وسيرة، ولذلك رأى أمير المؤمنين أن ينعتك بكذا لاشتقاقه هذا النّعت من سماتك، واستنباطه إياه من صفاتك، وشرّفك من ملابسه بكذا، وطوّقك بطوق أو بعقد وقلّدك بسيف من سيوفه، وعقد لك لواء من ألويته، وحملك على كذا من خيله وكذا من مراكبه. وبحسن الوصف في كلّ نوع من هذه الأنواع واشتقاق الألفاظ من معانيه، يعرب عن قدر الموهبة فيه. ثم يقال: إبانة لك عن مكانك من حضرته، وإثابة على تشميرك في خدمته، فالبس تشريفه وتطوّق، وتقلّد ما قلّدك به، واركب حمولاته، وابرز للخاصّة والعامّة في ملابس نعمائه، وارفل في حلل آلائه، وزيّن موكبك بلوائه، وقل رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي* «١» وأعنّي على ما يسترهنها لديّ، وخاطب أمير المؤمنين متلقبا بسمتك متنعّتا بنعتك. وهذه نسخة مكاتبة إلى الأفضل «٢» بن ولخشي، وزير الحافظ «٣» لدين الله

стр. 4086

الفاطميّ، أحد خلفاء الفاطميين بالديار المصريّة، حين قرّر الحافظ نعوته: السيد، الأجلّ، الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، وهي: أما بعد، فالحمد لله الذي تفرّد بالإلهية، وتوحّد بالقدم والأزليّة، وأبدع من برأ وخلق، وأنشأهم من غير مثال سبق، واصطفى لتدبيرهم في أرضه من بعثه برسالته، وجعل ما جاءوا به من الشرائع من أمارة لطفه بهم ودلالته، وصلّى الله على جدّنا محمد رسوله الذي جعل رتبته أخيرا ونبوّته أولى فكان أفضل من تقدّمه نبيّا وسبقه رسولا، وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي ذخره لخلافته، وأيّده بوزارته، مع كونه من منزلة الاصطفاء، وتأييد الوحي الظاهر من غير خفاء، بحيث لا يفتقر إلى وزير، ولا يحتاج إلى ظهير، وإنما جعل ذلك تعليما لمن يستخلفه في الأرض من عباده، وتمثيلا نصّ- جلّ وعزّ- إلى قصده واعتماده، لما فيه من ضمّ النّشر، وصلاح البشر، وشمول المنافع، وعموم الخيرات التي أمن فيها من مدافع، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما العالمين بمرضاته، والمتّقين له حقّ تقاته، والكافلين لكلّ مؤمن بأمانه يوم الفزع الأكبر ونجاته، وسلّم عليهم أجمعين، سلاما متصلا إلى يوم الدّين. والحمد لله الذي جعل النّعم التي أسبغها على أمير المؤمنين، بحسب ما اختصّه به من منزلته التي فضّله بها على جميع العالمين، فجعله خليفة في الأرض، والشّفيع لمن شايعه يوم الحساب والعرض، وأجزل له من مننه ما لا يناهضه شكر إلّا كان ظالعا، ولا يقابله اعتداد إلّا استولى عليه العجز فلم يكن بما يجب له طامعا، وإنّ من أرفعها مكانا، وأعظمها شانا، وأفخمها قدرا، وأنبهها ذكرا، وأعمّها نفعا، وأحسنها صنعا، وأغزرها مادّة، وأثبتها قاعدة إذا غدت النّعم شاردة نادّة، وأعودها فائدة على الخاصّ والعام، وأضمنها للسّعد المساعد والحظّ الوافر التّامّ- ما كان من المنّة الشامخة الذّرى، والمنحة الشاملة لجميع الورى، والعارفة التي اعترف بها التوحيد والإسلام، والموهبة التي [إذا] أنفق كلّ أحد عمره

стр. 4087

في وصفها وشكرها فما يعذل ولا يلام، والآية التي أظهرها الله للملّة الحنيفيّة على فترة من الرّسل، والمعجزة التي هدى أهله لها دون كافّة الأمّة إلى أعدل السّبل، والبرهان الذي خصّ به أمير المؤمنين وأظهره في دولته، والفضيلة التي أبانت مكانه من الله وكريم منزلته، وذلك ما منّ الله به على الشريعة الهادية، والكلمة الباقية، والخلافة النّبويّة، والإمامة الحافظيّة، منك أيّها السيد الأجلّ الأفضل، ولقد طال قدرك في حلل الثّناء، وجلّ استحقاقك عن كلّ عوض وجزاء، وغدت أوصافك مسألة اجتماع وائتلاف، فلو كانت مقالة لم يقع بين أرباب الملل شيء من التّناقض فيها والاختلاف، وأين يبلغ أمد استيجابك من منتحيه، أو يتسهّل إدراك شأوه على طالبه ومبتغيه؟ والإيمان لو تجسّم لكان على السّعي على شكرك أعظم مثابر، والإسلام لو أمكنه النّطق لقام بالدعاء لك خطيبا على المنابر، فأما الشّرك فلو أبقيته حيّا لتصدّى وتعرّض، لكنّك أنحيت عليه وأدلت التوحيد منه فانهدّ بناؤه بحمد الله وتقوّض، فكان لك في حقّ الله العضب الذي تقرّبت به إليه فأرضيته، والعزم الذي صمّمت عليه في نصرة الحقّ فأمضيته، والباطن الذي اطّلع عليه منك فنصرك ولم ترق دما، ولا روّعت مسلما، ولا أقلقت أحدا ولا أزعجته، ولا عدلت عن منهج صواب لما انتهجته، وذلك مما اشترك الكافّة في معرفته، وتساووا في علم حقيقته، مع ما كان من تسييرك العساكر المظفّرة صحبة أخيك الأجلّ الأوحد، أدام الله به الإمتاع وعضّده، وأحسن عنه الدّفاع وأيّده، مما جرت الحال فيه بحسن سياستك، وفضل سيادتك، على أفضل ما عوّدك الله من بلوغ آمالك، من غير أذى لحق أحدا من رجالك، والأمر في ذلك أشهر من الإيضاح، وأبين من ضياء فلق الصّباح، وهذا إذا تأمّله أمير المؤمنين أوجب عليه أن يقابلك من إحسانه، بغاية ما في إمكانه، وأن يوليك من منّته، أقصى ما في استطاعته وقدرته، ولم ير أحضر من أن قرّر نعوتك «السيّد، الأجلّ، الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبو الفتح رضوان الحافظيّ» إذ لا أولى منك بكفالة قضاة دولته وإرشادهم، وهداية دعاتها إلى ما فيه نجاة المستجيبين في معادهم، وجدّد لك ما

стр. 4088

كان قدّمه من تكفيلك أمر مملكته، وإعادة القول فيما أسلفه من ردّه إليك تدبير ما وراء سرير خلافته التذاذا بتكرار ذلك وترديده، وابتهاجا بتطرية ذكره وتجديده، فأمور الملّة والدّولة معدوقة بتدبيرك، وأحوال الأداني والأقاصي موكولة إلى تقريرك، وقد جمع لك أمير المؤمنين من استخدام الأقلام، وجعل السيادة لك على سائر القضاة والدّعاة والحكّام، وأسجل لك بالاختصاص بالمعالي والانفراد، والتّوحّد بأنواع الرّياسات والاستبداد، ولك الإبرام والنّقض، والرّفع والخفض، والولاية والعزل، والتقديم والتأخير، والتّنويه والتأمير، فالمقدّم من قدّمته والمحمود من حمدته، والمؤخّر من أخّرته، والمذموم من ذممته، فلا مخالفة لما أحببته، ولا معدلة عما أردته، ولا تجاوز لما حدّدته، ولا خروج عمّا دبّرته، وأين ذلك ممّا يضمره لك أمير المؤمنين وينويه، ويعتقده فيك فلا يزال مدى الدّهر يعيده ويبديه؟ ولو لم يكن من بركاتك على دولة أمير المؤمنين، ويمن تدبيرك العائد على الإسلام والمسلمين، إلّا أنّ أوّل عسكر جهّزته إلى جهاد الكفرة الملاعين- وكان له النّصر العزيز الذي تبلّج فجره، والفتح المبين الذي جلّ قدره وانتشر ذكره، والظّفر المبهج للدّين- العسكر المنصور على الطائفة الكافرة، قتلا لأبطالها وأسرا لأعناق رجالها، وأخذا لقلاع الملسرة «١» منها، وأنه لم يفلت من جماعتها إلّا من يخبر عنها، ولو علم أمير المؤمنين تعظيما يخرج عما تضمّنه هذا السّجلّ لما اقتصر عليه، إلّا أنه عاجله ما يسرّه فجاهر «٢» لك بما هو مستقرّ لديه، والله يخدمك السّعود، ويخصّك من مواهبه بما يتجاوز المعهود، ويمدّك بموادّ التوفيق والتأييد، ويقضي لك في كلّ أمورك بما لا موضع فيه للمزيد، إن شاء الله تعالى، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته. قلت: وهذا الصّنف من الكتب السلطانية قد رفض وترك استعماله في

стр. 4089

زماننا فلا معوّل عليه أصلا. الصنف الحادي والعشرون (المكاتبة بالإحماد والإذمام) قال في «موادّ البيان» : السلطان محتاج إلى مكاتبة من يقف منه على طاعة واجتهاد، ومناصحة وإخلاص، بالشّكر والإحماد، والبعث على الازدياد من المخالصة وحسن السّعي في الخدمة وغيرها، مما يرتبط به النّعمة، ويستوجب معه حفظ الرّتبة، ومكاتبة من يعثر منه على تقصير وتضجيع، وتفريط وتضييع، بالذّمّ والتقريع والتّأنيب؛ لأنه لا يخلو أعوان السلطان من كفاة يستديم كفايتهم بتصويب مراميهم، واستحسان مساعيهم، وإحمادهم على تشميرهم، وشرح صدورهم ببسط آمالهم، والعدة برفع منازلهم ومحالّهم، وتمييزهم على نظرائهم وأشكالهم، وتحذيرهم من التوبيخ وتقديم الأعذار، والتخويف من سقوط المراتب، وقبح المصاير والعواقب. قال: وينبغي للكاتب أن ينتهي في خطاب من انتهى في الحالين إلى غايتيهما، إلى المعاني الناجعة في الغرضين، ويتوسط فيهما سيّما التوسط الذي يقتضيه الحال المفاض فيها؛ لأنّ في ذلك تقريرا للمحسن على إحسانه، ونقلا للمسيء عن إساءته؛ لأنه إذا علم النّاهض أنه مثاب على نهضته، والواني أنه معاقب على ونيته، اجتهد هذا في الاستظهار بخدمته بما يزيد في رتبته، وخاف هذا من حطّ منزلته وتغيّر حالته، ثم قال: والرسوم في هذه المكاتبات تختلف بحسب اختلاف أغراضها، وتتشعب بتشعّب معانيها، والأمر في ذلك موكول إلى نظر الكاتب العارف الكامل، ووضعه كلّ شيء في موضعه، وترتيبه إياه في مرتبته. فأمّا المكاتبة بالإحماد، فكما كتب «١» عن صمصام «٢» الدولة بن عضد

стр. 4090

الدّولة بن بويه، إلى حاجب الحجّاب أبي القاسم سعد «١» بن محمد وهو مقيم بنصيبين «٢» على محاربة باد «٣» الكرديّ: كتابنا، ووصل كتابك مؤرّخا بيوم كذا، تذكر فيه ما جرى عليه أمرك في الخدمة التي نيطت بكفايتك وغنائك، ووكلت إلى تدبيرك ووفائك، من ردّ باد الكرديّ عن الأعمال التي تطرّقها، وحدّث نفسه بالتّغلّب عليها، وتصرّفك في ذلك على موجبات الأوقات، والتّردّد بين أخينا وعدّتنا أبي حرب، زياد بن شهراكويه وبينك من المكاتبات، وحسن بلائك في تحيّفه، ومقاماتك في حصّ جناحه، وآثارك في الانقضاض على فريق بعد فريق من أصحابه، واضطرارك إيّاه بذلك وبضروب الرياضات التي استعملتها، والسّياسات التي سست أمره بها، إلى أن نزل عن وعورة المعصية إلى سهولة الطاعة، وانصرف عن مجاهل الغواية إلى معالم الهداية، وتراجع عن السّوم إلى الاقتصار، وعن السّرف إلى الاقتصاد، وعن الإباء إلى الانقياد، وعن الاعتياص إلى الإذعان، وأن الأمر استقرّ على أن قبلت منه الإنابة، وبذلت له فيما طلب الاستجابة، واستعيد إلى الطاعة،

стр. 4091

واستضيف إلى الجماعة، وتصرّف على أحكام الخدمة وجرى مجرى من تضمّه الجملة، وأخذت عليه بذلك العهود المستحكمة، والأيمان المغلّظة، وجدّدت له الولاية على الأعمال التي دخلت في تقليده وضربت عليها حدوده، وفهمناه. وقد كانت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب [زياد بن شهراكويه] «١» مولى أمير المؤمنين ترد علينا، وتصل إلينا، مشتملة على كتبك إليه، ومطالعاتك إياه، فنعرف من ذلك حسن أثرك [وحزم رأيك] «٢» وسداد قولك، وصواب اعتمادك، ووقوع مضاربك في مفاصلها، وإصابة مراميك أغراضها، وما عدوت في مذاهبك كلّها، ومتقلّباتك بأسرها، المطابقة لإيثارنا، والموافقة لما أمرت به عنا، ولا خلت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب من شكر لسعيك، وإحماد لأثرك، وثناء جميل عليك، وتلويح وإفصاح بالمناصحة الحقيقة بك، والموالاة اللّازمة لك، والوفاء الذي لا يستغرب من مثلك، ولا يستكثر ممّن حلّ في المعرفة محلّك، ولئن كنت قصدت في كلّ نهج استمررت عليه، ومعدل عدلت إليه، مكافحة هذا الرجل ومراغمته، ومصابرته ومنازلته، والتماس الظّهور عليه في جميع ما تراجعتماه من قول، وتنازعتماه من حدّ، فقد اجتمع لك إلى إحمادنا إياك، وارتضائنا ما كان منك، المنة عليه إذ سكّنت جاشه، وأزلت استيحاشه، واستللته من دنس لباس المخالفة، وكسوته حسن شعار الطاعة، وأطلت يده بالولاية، وبسطت لسانه بالحجّة، وأوفيت به على مراتب نظرائه، ومنازل قرنائه، حتّى هابوه هيبة الولاة، وارتفع بينهم عن مطارح العصاة. فالحمد لله على أن جعلك عندنا محمودا، وعند أخينا وعدّتنا أبي حرب مشكورا، وعلى هذا الرّجل مانّا، وفي إصلاح ما أصلحت من الأمر مثابا مأجورا، وإياه نسأل أن يجري علينا عادته الجارية في إظهار آياتنا، ونصرة أوليائنا، والحكم لنا على أعدائنا، وإنزالهم على إرادتنا، طوعا أو كرها، وسلما أو حربا، فلا يخلو

стр. 4092

أحد منهم من أن تحيط لنا بعنقه ربقة أسر، أو منّة عفو، إنه جلّ ثناؤه بذلك جدير، وعليه قدير. ويجب أن تنفّذ إلى حضرتنا الوثيقة المكتتبة على باد الكرديّ إن كنت لم تنفّذها إلى أوان وصول هذا الكتاب، لتكون في خزائننا محفوظة، وفي دواويننا منسوخة، وأن تتصرّف في أمر رسله وفي بقيّة- إن كانت بقيت من أمره- على ما يرسمه لك عنّا أخونا وعدّتنا أبو حرب، فرأيك في العمل على ذلك، وعلى مطالعتنا بأخبارك وأحوالك، وما يحتاج إلى علمه من جهتك، موفّقا إن شاء الله تعالى. وأما الإذمام فيختلف الحال فيه باختلاف الملوم فيه والمذموم بسببه. فمن ذلك الذمّ على [ترك] الطاعة وشقّ العصا. كما كتب عمارة «١» يصف شخصا بأنه لمّا ارتفع مكانه، وعلا قدره، بطر معيشته، وخرج عن طاعة الخليفة، وأن فلانا كان ممّن عرفت حاله، في غموض أمره، وخمول ذكره، وضيق معيشته، وقلّة عدده وناهضته، ولا تجاوز حياته ما يقوله، ولا يتعاطى ما وراء ذلك ولا يرومه، ولا يمنّيه نفسه، ولا يدفع يد لامس عنه بقوّة تنوء بملأ، ولا عزّ يلجأ إليه، فأنعم عليه أمير المؤمنين وأكرمه وشرّفه، وبلغ به الغاية التي لم يكن يرجوها ولا ترجى له، وبسط له من الدّنيا، وآتاه من غضارتها ونعمتها، وعزّها وسلطانها، ما لم يؤت أحدا من أهل زمانه، فلما مكّن الله له في الدنيا طغى وتجبّر، وعلا وتكبّر، وظنّ أن الذي كان فيه شيء قاده إلى نفسه بحوله وقوّته، تهويلا من الشّيطان واستدراجا منه له. وكما كتب عبد الحميد «٢» في مثله:

стр. 4093

أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك، إلّا ما أحبّ من ربّ صنيعته قبلك، واستتمام معروفه إليك، وكان أمير المؤمنين أحقّ من أصلح ما فسد منك، وإنّك إن عدت لمثل مقالتك، وما بلغ أمير المؤمنين عنك، رأى في معاجلتك رأيه، فإن النّعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستثقل العافية، ونسب ما هو فيه إلى حيلته، وحسن نبته ورهطه وعشيرته، وإذا نزلت به الغير، وانكشفت عماية العشى عنه، ذلّ منقادا، وندم حسيرا، وتمكّن منه عدوّه، قادرا عليه، وقاهرا له. ولو أراد أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك، ومعاجلة إفسادك، جمع بينه وبين من شهد فلتات خطئك وعظيم زلّتك، ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك في مجلسك، وجحودك فضله عليك، لردّك إلى ما كنت عليه، ولكنت مستحقّا. وفي مثله: فإن صاحب البريد كتب إليّ عن أصحابك بكذا، فقلت: إنهم لم يقدموا على ما أقدموا عليه حتّى عجموك، فعرفوا خور عودك، وضعف مكسرك ومهانة نفسك، وأنّه لا غير عندك ولا نكير. ومن ذلك الذّمّ على الخطأ، كما كتب أحمد «١» بن يوسف: كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه، وكانا قبل ذلك في قسمه، فحازهما لوارثه، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة حتّى خلصا له من كلّ ممانع، وسلما له من تبعة كلّ منازع، فهو لا يصيب إلّا مخطئا، ولا يحسن إلّا ناسيا، ولا ينفق إلّا كارها، ولا ينصف إلّا صاغرا.

стр. 4094

قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية لا يمتنع وقوعه في وقت من الأوقات؛ فإن عرض له موجب، راعى الكاتب فيه صورة الحال، وكتب على ما يوجبه المقام، وتقتضيه تلك الوقعة. الصنف الثاني والعشرون (ما يكتب مع الإنعام لنوّاب السّلطنة بالخيل والجوارح وغيرها من أنواع الإنعامات وهذا الصّنف من المستعمل في زماننا كلّ وقت) فأما ما يكتب مع الإنعام بالخيل، فقد جرت العادة أن السلطان ينعم بالخيل على نوّاب السلطنة بالشام، ويكتب بذلك مثالات شريفة إليهم، وربّما أنعم بالخيل وكتب بها في غير ذلك. وهذه نسخة مثال شريف من ذلك: ضاعف الله تعالى نعمة الجناب وخصّه من النّعم بما لا تحصى له آثار، ولا يتعلّق له بغبار، ولا يوصف بحال واحدة؛ لأنه إن جرى فبحر، وإن وقف فنار. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بكلّ سلام لا تدرك لسوابقه غاية، ولا تحصى له نهاية، ولا يردّ منه كل ما جاء وله في وجهه كفلق الصّبح آية، ولا يتقدّم في ميدان إلّا وقد حمل له في كلّ مكان راية. وتوضّح لعلمه الكريم أنه قد جهّز له قرينها ما جرت به عادته من الحصن التي لا يدّعي البرق أنه لها نظير، ولا تجاري الرّياح من سوابقها ما يطير، كم لها في ميدان مجال، وكم لها في رؤية دوّيّة ارتجال، وكم دعي الوغى بها على كلّ ضامر فأتت رجالا تقدح سنابكها نارا، وتفيض جوانبها من الرّكض عقارا، ويتكفّل بديعها بكلّ مرام، وتعطي ما في يديها لأنها من الكرام، وقد تشرّفت من نعمنا الشريفة بالسّروج واللّجم والعدّة المكمّلة، وتحلّت من الذّهب والفضّة ما يغني بجملته المفصّلة، وأرسلناها إليه ترقص في أعنّتها زهوا، وتترك بطيب صهيلها كلّ بحر تخوضه إلى المنايا رهوا، وتوجّه بها فلان كالعرائس المجلوّة في حللها، والنّجوم لولا ما تميزت به من حلي عطلها، والسّحاب إلّا أنّها لا تحتاج منّة الرّياح في تنقّلها.

стр. 4095

فليقابل هذه النّعمة الشريفة بشكرها، وليتسلّم هذه الصّدقات العميمة التي تعترف كلّ نعمة بقدرها، وليحمد الله من تفقّداتنا الشريفة على كرم فرس جاء وهو سابق، وجود جواد لا يدور معه السّحاب في طابق، ويعتمدها لارتقاء كلّ صهوة منيفة، وجهاد أعداء الله عليها بين أيدينا الشريفة، ويعيد الواصل بها إلى خدمة أبوابنا العالية، والله تعالى يديم عليه بنا النّعم المتوالية، إن شاء الله تعالى. آخر: ولا زال إقبالنا يمدّه من الصّافنات الجياد بما يباري الرّياح، ويتيمّن بغررها الصّباح، ويطلق أعنّتها في حلبة السّباق فتسبق بركضها ذوات الجناح، ولا برح إنعامنا يتحفه بكلّ طرف يبهج الطّرف، ويثلج الصّدر بما استمدّ عليه من الملاحة التي تروق العين وتفوق الوصف، ويفرده بما اجتمع فيه من الحسن واليمن، إذ هو واحد كالألف- تهدي إليه سلاما تعبق بطيب نشره أرجاءه، وثناء يعرب عما في ضميره من علوّ قدره وسموّ ذكره فيشرق سناؤه ويضاعف ثناؤه، وتوضّح لعلمه الكريم أنه غير خاف عنه ما يصل إلى أبوابنا الشريفة من الخيول البرقيّة في كلّ عام، وما نخصّه منها بكلّ ميمون الغرّة مبارك الطّلعة هنيء السّير على الإنعام، وقد أرسلنا إلى جنابه الكريم من ذلك سهمه، وأضفنا إلى ذلك ما استصلحناه من الخيل العربيّة الغربية والعتاق العجيبة العربية (؟) مما الخير معقود بنواصيها، فتزهق على صهواتها نفوس الأعداء وتستنزلها من صياصيها «١» ، فيأخذ الجناب العالي ما يخصّه من ذلك، ويفرّق الباقي على من رسمنا له به بيمن رأيه المبارك الذي لا يساهمه فيه أحد ولا يشارك، ويجهّز الخيل المخصوصة بفلان إليه، والله تعالى يضاعف عزّ ظهورها عند امتطائها لديه. وأمّا ما يكتب مع الإنعام بالجوارح [فممّا يكتب] «٢» مع إرسال سنقر «٣» :

стр. 4096

وقد بعثنا إليه بسنقر كأنّه ملك متوّج، ورزق مروّج، تجرّأ على سفك الدّماء، وأبى أن يطلب رزقه إلّا من السماء، يودّ الكركيّ «١» لو خلص من مخاليبه، ويخاف أن يسلم من خرط «٢» الشّبكة ويقع في كلاليبه، يدرك الصّيد ولا يؤجّله، ويرفع «٣» صدره ثم يومي إليه برأسه كأنّه يستعجله، قد جمع من المحاسن كلّ الصّنوف، وكتبت عليه أسطر تقرأ بما تقرى به الضّيوف. ومما يكتب مع إرسال صقر» : وقد وجّهنا إليه بصقر لا تؤسى «٥» له من الصّيد جراح، ولا يدع من وحش يسرح ولا طائر يطير بجناح، أينما توجّه «٦» لا يأت إلّا بخير، وحيثما أطلق كان حتف الوحش والطّير، يدع أقطار الفلاة مجزرة، أو روضة بالدماء مزهرة، يجدّ إلى الطير في عنقه، ويحلّق إلى السماء فيرجع وطائره في عنقه، تخافه العفر على نفوسها، وتخضع له ولأمثاله فما تخرج إلّا والطّير على رؤوسها، يزيد خبره في مظانّ الصّيد على الخبر، وتخرج الظّباء وقد تسجّت «٧» خوفا منه في ملاءة من العجاج مخيطة من قرونها بالإبر، شديد الأيد، قد بنى على الكسر حروف

стр. 4097

الصّيد، يحمد مقتنيه أيامه الغرّ، ويقول له إذا تلفّت إلى الصيد: إن جلبت ضبعا «١» فأنت حر، لا يصحب مستصحبه معه إلّا مزاده، وأينما سار حامله- وهو «٢» معه- كان معه زاده. ومما يكتب مع إرسال شاهين «٣» : وقد وجّه إليه بشاهين إذا حلّق وراء الطّير شاهت به الوجوه، وشاهدت الآمال به ما ترجوه، قد أصبح كلّ محلّق الجناح «٤» رهين يده، وكلّ سارب من الوحش طعام يومه أو غده، لا يتعبه خلف الطّريدة بعد المدى، ولا يردّه خوف مسافة ولا تقحّم ردى، ربيّة عام لم يمتّع بطول «٥» ما دهر، وممتدّة «٦» منه في الطّلق مثل ريح سليمان «٧» غدوّها شهر ورواحها شهر. ومما يكتب مع إرسال كوهيّة «٨» : وقد جهّزنا إليه كوهيّة، هي بالمحاسن حريّة، ولكثرة الإقدام جريّة «٩» ، يكل بها صاحبها أمر مطبخه، ويمدّها «١٠» من الطير من ليس بمصرخه، لا نعفّ عن دم، ولا ترى أطرافها إلّا مثمرة «١١» بعنّاب أو مخضّبة بعندم، قد أخلت من كلّ

стр. 4098

سانح «١» ، ولبست زيّ الرّاهب المتعبّد وفتكت بكلّ سائح. ومما يكتب مع سقاوة «٢» : وقد جهزنا إليه بسقاوة، مخاليبها على الطّير كالحديد أو أشدّ قساوة، تسيل دماء الصيد كالمذانب «٣» ، وتكسو الأرض حبرا من رياش الحبارى وفراء من جلود الأرانب، وجعلت في قبضة الكفّ ما كانت العين عليه تدور، وتكفّلت بكفاية المطبخ وملأت القدور. ومما يكتب مع إرسال باز «٤» : وقد بعثنا إليه بباز مهما لقي لقف، ومهما خطا لديه خطف، كأنّما خطّ جوهره «٥» بقلم، أو ريش عليه من الصّباح والظّلم، قد أعدّ «٦» للطوارق، وادّرأ بمثل الطّوارق، قد دحض حجج الحجل، وكسرها حتّى أبان عليها حمرة الخجل، لا يسأل في «٧» الصيد عما نهب، ولا تعرف له قيمة إلّا أنّ له عينا من الذّهب. ومما يكتب مع الفهد «٨» :

стр. 4099

وقد أنعمنا عليه بفهد أهرت الشّدق، ظاهر الحذق، بادي العبوس، مدنّر الملبوس، شثن البراثن، ذي أنياب كالمدى ومخالب كالمحاجن، قد أخذ من الفلق والغسق إهابا، وتقمّص من نجل الحدق جلبابا، يضرب المثل في سرعة وثوب الأجل به وبشبهه، وتكاد الشّمس مذ لقّبوها بالغزالة لا تطلع من الوجل على وجهه، يسبق إلى الصيد مرامي طرفه، ويفوت لحظ مرسله إليه فلا يستكمل النظر إلّا وهو في كفّه، وتتقدّمه الضّواري إلى الوحش فإذا وثب له تعثّرت من خلفه. وأما ما يكتب مع الإنعام بالسلاح: فمن ذلك: وقد جهزنا إليه سيفا تلمع مخايل النّصر من غمده، وتشرق جواهر الفتح في فرنده، وإذا سابق الأجل إلى قبض النّفوس، عرف الأجل قدره فوقف عند حدّه، ومتى جرّد على ملك من ملوك العدا وهت عزائمه، وعجز جناح جيشه أن تنهض به قوادمه، وعلم أنه سيفنا الذي على عاتق الملك [الأعز] «١» نجاده وفي يد جبّار السموات قائمه. الصنف الثالث والعشرون (المكاتبة بالبشارة عن الخليفة بولد رزقه) والرسم فيها أن يذكر شرف الخلافة وعلوّ رتبتها، ويشير إلى تخصيص الخلافة بمصيرها إليه دون سائر البريّة، وانتقالها إليه بالتّوارث من آبائه الطاهرين كابرا عن كابر، وبقائها في عقبه إلى الأبد. ثم يتخلص إلى ذكر النّعمة على أمير المؤمنين التي أنعمها الله تعالى عليه، وأنّ من أعظمها نعمة أن رزقه الله تعالى ولدا، ويذكر اسمه وكنيته، ويصفه بما يناسبه. وهذه نسخة كتاب في معنى ذلك، وهي: الحمد لله مؤيّد الإسلام بخلفائه الراشدين، ومظهر الإيمان بأوليائه الهادين، الذي جعل الإمامة كلمة باقية فيهم إلى يوم الدّين، وأقام منهم الحاضر المتّبع،

стр. 4100

والمرجوّ المتوقّع، وأطلع منهم في سماء الهداية شهبا لا يخبو منها شهاب حتّى يتوقّد شهاب، وفتح بهم للإرشاد أبوابا لا يرتج منها باب حتّى يفتح باب. يحمده أمير المؤمنين أن فوّض إليه منازل آبائه، ووفّقه (؟) بانتقال ما ورثه من آبائه إلى أبنائه، ويسأله أن يصلّي على من كرّمه بولادته وشرّفه بالانتساب إلى شجرة سيدنا محمد خاتم رسله، المترجم عن توحيده وعدله، وعلى أخيه وابن عمّه عليّ بن أبي طالب قسيمه في فضله، ووصيّه على أمّته وأهله. وإن أولى النّعم بأن يفاض في شكرها، وتعطّر المحافل بنشرها، نعمة حاطت دعائم الدّين، وأمرّت حبل المسلمين، وتساوى في [تناول] «١» قطافها الكافّة، وآذنت بشيوع الرّحمة والرافة، وأضحت بها النّبوّة مشرقة الأنوار، والإمامة عالية المنار، والخلافة مختالة المنبر والسّرير، رافلة في حلل الابتهاج والسّرور. وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وقد رزقه الله تعالى ولدا ذكرا مباركا رضيّا، سمّاه فلانا، وكنّاه أبا فلان، فجلا بنهار غرّته الدّامس، وافترّ بمقدمه العابس، واخضرّ بيمن [نقيبته] «٢» اليابس، ووثقت الآمال بسعادة مقدمه، وتطلّعت الأعناق إلى جوده وكرمه، مبشّرا لك بهذه النّعمى الحسنة الأثر، القليلة الخطر، علما بمكانك من ولائه ومخالصته، وسرورك بما يفيضه الله عليه من شآبيب نعمته، لتأخذ من المسرّة والجذل بحظّ المولى المخلص، والعبد المتخصّص، ولتشيع مضمون كتابه فيمن قبلك من الأولياء، ليشاركونا في الشّكر والثّناء؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى. [قلت] «٣» وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية مستعمل في البشارة عن السلطان إذا حدث له ولد، فيكتب بالبشارة به إلى نوّاب السلطنة وأهل المملكة.
следующие страницы →