Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
وعليها لهم حقّ في القبول والإسعاف، وقد بعثت بما حضر جاريا على سنّة الخدمة، وعادلا عن طريق الحشمة، ومقتصرا على ما اتّسعت له الحال، وما يوجبه قدر سيّدي من المبالغة في الاحتفال، فإن رأى أن يشرّف عبده بالاحتمال إليه، وإجرائه مجرى الأنس عنده، فعل، إن شاء الله تعالى.
وفيه للكرجيّ «١» :
هذا يوم تسموله العجم، ويستعجم «٢» في العرب، تشريفا له واعترافا بفضله، واقتداء بأهله، وأخذا بسنّتهم فيه، فليهن «٣» لإحراز الدولة في العزّ [منزلا] بحيث لا يرام، ولا يضام، ولا ترقى إليه الأماني، ولا يطمع في مساواته المساوي، وإنّهم بعد تصرّم الدولة على حميد آثارها، وجميل الذّكر فيها، أعلام تضرب بهم الأمثال، وتزهو بأيّامهم الأيّام، وآثارهم تقتفى، وأعيادهم تنتظر، يتأهّب لها قبل الأوان، ويعرف فيها أثر الزمان، وإنك منهم في الذّروة السامية، والرّتبة العالية، وبمحلّ لا عار معه على حرّة في الخشوع لك، والتعلّق بحبلك. وقد وجدت الأتباع عند ساداتها في مثل هذا اليوم على عادة في الإلطاف جسّمتها، وسيّرت بها على أقوام منحتهم ظهور الدّعوى فيها، فأقبل قائلهم يقول: «لو كان باب الإهداء مفتوحا غير مسدود، ومباحا غير ممنوع، لأتحفت بالغراب الأعصم، والكبريت الأحمر، والأبلق العقوق، وبيض الأنوق» . وقد بعثت بهديّة لا تردّ (يعني الدعاء) .
وفيه: من كان محلّك من العزّ، ونباهة الذّكر، وارتفاع الدّرجة، وعلوّ
стр. 4202
المنزلة، وسعة البلد، وبعد الأمد، لم يتقرّب متحلّ بالعلم والأدب إليه في يوم جديد إلّا بصالح الدّعاء، وحسن الثناء.
وفيه: لو أخّرنا هذا انتظارا لوجود ما تستحقّه، لانقضت أيّامنا، بل أعمارنا، قبل أن نقضي حقّا، أو نؤدّي عن أنفسنا فرضا؛ لارتفاع قدرك عمّا تحويه أيدينا، وعلوّ حالك عما تبلغه آمالنا، وقد اقتديت بسنّة الخدم والأولياء في الأعياد، وأوضحت العذر في ترك الاجتهاد، وبعثت في هذا اليوم، الذي أسأل الله أن يعيده عليك ألف عام، في نماء من العز، وعلوّ من القدر، وتمام من السّرور، ومزيد من النّعمة........
الصنف الثامن- التهنئة بالمهرجان .
وهو أحد أعياد الفرس، على ما تقدّم ذكره في المقالة الأولى، في الكلام على أعياد الأمم. وكان للكتّاب من الاحتفال بالتهنئة به في أوائل الدولة العبّاسيّة مالهم بالنّيروز.
فيه «١» - لأبي الحسين بن سعد:
لسيّدي عليّ في الأعياد المشهورة، والأيّام الجديدة، عادة اختزلني عن بعضها في هذا الفصل، كلال الطّبع عن البعض، ووقوع الخطر (؟) بعرضه من الثناء نظما ونثرا، ومن الإهداء عرضا وبرّا، دعاء تزيد قيمته على الأعلاق الثّمينة، وموقعه على الذخائر النّفيسة، ولطفه على التّحف البديعة، فأسعد الله سيدي بهذا اليوم سعادة تقيم، ولا تريم، وتزيد، ولا تبيد، وتتوطّن، ولا تظعن، وتجمع حظوظا من الخيرات، وفوائد من البركات، يتّصل سندها، ولا ينتهي أمدها، وأبقاه في أسبغ عزّ وأرفع رتبة وأرغد عيشة، مكنوفا بحراسة تقيه [وآله] عوادي الزمان، وتصرف عنهما طوارق الحدثان، ما طرد الليل النّهار، وطلع نجم وغار، وعلى ذلك- أيد الله سيدي- فإنّ الحرص على إقامة الرّسم والتطيّر
стр. 4203
من إضاعة الحقّ بعثاني على مراجعة القريحة، واستكداد الرّويّة، فأسعفا بما قبلته الضرورة، ولم أطع في إهدائه سلطان الحشمة، وفضل سيدي يتّسع لقبول الميسور، وتحسين القبيح، والله المعين على تأدية حقّه، والقيام بواجب فرضه.
وله فيه أيضا، إلى من منع أن تهدى إليه فيه هدية.
لو كنت فتحت باب الإلطاف، ونهجت إليه سبيلا، لتنازع أولياؤك قصب السّبق وتنافسوا في السّرف، فبان للمجتهد فضله، والتمس العذر في التقصير ملتمسه، وعمّت المنحة كافّتهم بما يظهر من مواقعهم، وينكشف من أحوالهم، لكنّك حظرت ذلك حظرا استوى فيه الفريقان في الحكم، وامتدّ فيه على ذوي الخلل السّتر، ولم تحظر الدّعاء، إذ حظرت الإهداء، فأنا أهديه ضرورة واختيارا، وإعلانا وإسرارا، فأسعدك الله بهذا العيد الجديد، الذي زاد بك في قدره، وشرّفه بأن جعلك من أربابه وولاة أمره.
أبو الفرج «١» البّبغاء:
هذا اليوم من غرر الدّهور المشهورة، وفضائل الأزمنة المذكورة، معظّم في العهد الكسرويّ، مستظرف في العصر العربيّ، باعث على عمارة المودّات، مخصوص بالانبساط في الملاطفات، ولست استزيده- أيّده الله- من برّ يوليه، ولا تطوّل إليّ يسديه؛ غير إدخالي في جملة من بسطته الأنسة، وثقّفته المحبّة، وتقرّبت منه بوكيد الخدمة، في قبول ما إن شرّف بقبوله، كان كثيرا مع قلّته، جليلا مع نزارته، فإن رأى أن يقوّي منه ثقتي، ويقابل بقبول ما أنفذته رغبتي، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
قد أطعت في الانبساط إليك دواعي الثّقة، وسلكت في التحرّم بك سبل
стр. 4204
الأنسة، وتوصّلت بملاطفتك إلى حسم موادّ الحشمة، فاستشهدت على ثقتي بك فيما أنفذته بمفارقة الحفلة «١» ، وكلف المكاثرة، فإن رأيت أن تكلني في تقبّله إلى سعة أخلاقك، وتسلك في ذلك أخصر طريق إلى ما أخطبه من مودّتك، وأزاحم عليه في إخائك، فعلت، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
هذا اليوم- أيد الله سيدي- من أعياد المروّة، ومواسم الفتوّة، وأوطان السرور، ومحاسن الأزمنة والدّهور، بلّغه [الله] أمثاله في أنضر عيش وأسبغ سلامة، وأبسط قدرة، وأكمل مسرّة، وقد توثّبت إلى الاقتداء فيه بأدبه، والأخذ بمعرفة فروضه بمذهبه، وأطعت في الانبساط إليه دواعي الثّقة، وأنفذت ما اعتمدت في قبوله على مكاني منه، عائذا بالتقليل من كلف المكاثرة، ومستثقل الكلفة، فإن رأى أن يأتي فيما التمسته ما يناسب شرف طبعه، وسعة أخلاقه، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
لو كانت الملاطفات بحسب الرّتب وقدر المنازل، لما انبسطت قدرة ولا اتسع مكان لما يستحقّه نبل محلّه، وواجبات رياسته، ولكنت من بين خدمه ضعيف المنّة عن خدمته في هذا اليوم السعيد، بلّغه الله أمثاله في أفسح أجل، وأنجح أمل، بما يخدمه به ذوو الخدمات الوكيدة عنده، المكينة لديه، غير أنّي أثق منه- أيده الله- بحمل قليلي على علمه بإخلاصي في ولائه، وانتسابي إلى جملته، واختلاطي بأنسابه، فإن رأى أن يجريني في قبول ذلك على سنّة أمثاله من ذوي الجلالة، عند أمثالي من الأولياء والحاشية، فعل.
وله في مثله:
لو كانت الهدايا لا تتقبّل ما لم تناسب في نفاسة القدر، وجلالة الذكر،
стр. 4205
محلّ من يتقرّب بها إليه، ومنزلة من أهداها إليه عليه، لما سمت همّة، ولا اتّسعت قدرة، لما يستحقّه- أيده الله- بأيسر واجباته، وأصغر مفترضاته، غير أنّ الأنسة بتفضّله، والاعتداد بسالف تطوّله، والتحقّق بخدمته، والانتساب إلى جملته، بسطني إلى إنفاذ ما إن شرّفني بقبوله كان مع قلّته كثيرا، ومع نزارته جليلا، فإن رأى أن يقوّي بذلك منه ثقتي، ويحسم مادّة احتشامي، فعل.
أجوبة التهنئة بالمواسم والأعياد قال في «موادّ البيان» «١» : هذه الكتب والرّقاع مضمونها الهناء بالموسم الجديد، والدعاء للمهنإ فيه بتملّيه. قال: وهذا المعنى مفاوض بين المهنّي والمهنّى، وينبغي أن تكون أجوبتها مشتقّة منها. ثم قال: وقد يتصرّف الكتّاب فيها إذا كاتبوا الرّؤساء تصرّفا يخرج عن هذا الحكم.
وهذه أمثلة من ذلك:
أبو الفرج الببغاء:
سمع الله دعاءك، وبدأ في تقبّل المسألة بك، وأجزل من أقسامه حظّك، وبلّغك أمثاله في أفسح مدد البقاء، وزاد فيما خوّلك من المواهب والنّعماء، ولا أخلاني من برّك، وأنهضني بواجباتك.
وله في مثله:
كلّ يوم أسعد فيه بمشاهدتك، وأقطعه في ظلّ مودّتك، حقيق بالإحماد، موف على محاسن الأعياد، فسمع الله دعاءك، وأطال ما شئت البقا بقاءك، وجعل سائر أيّامك مقرونة بالسّعادات، موصولة بتناصر البركات.
من زهر الربيع:
يخدم المجلس العالي جعل الله قدره على الأقدار ساميا، وجزيل نواله
стр. 4206
على من هام به من العفاة هاميا، ونصره نصرا عزيزا، وأسكنه من حراسته حصنا حصينا وحرزا حريزا، ولا زالت الأيّام حالية الجيد بوجوده والأيدي تهشّ إلى تناول أياديه وجوده، وأخبار المكارم عنه مرويّة وإليه معزوّة، وآيات فضله وفضائله بكلّ لسان متلوّة.
وينهي إلى علمه ورود مشرّفته الّتي حلّت الأسماع عندما حلّت، وسمت عن الرّياض لمّا جلّيت عروس فضلها وجلّت، وزهت على زهورها، برقم سطورها، وطيب عرفها ونشرها، بما فاح من طيّها عند نشرها، وفائق حسنها وبهجتها، برائق براعة عبارتها، ومعاملتها بما يجب من فروض إكرامها والسّنن، والمشي في تبجيلها على الطريق المألوف من موالاته والسّنن، وعلمه بما أشار إليه من الهناء بالعيد، واليوم السعيد، وقد تحقّق بذلك إحسانه الذي ما برح متحقّقا بجميله وجزيله، وشاكرا لكثيره وقليله، وحصلت له البشرى، والمسرّة الكبرى، ليس للعيد بمفرده، ولا لهذا الهناء بمجرّده، بل لبقاء المولى ودوام سعادته، وتخليد سيادته، فإنّه لكلّ إنسان عين ولكلّ عين إنسان، وهو روح والأيّام والأنام جثمان، فالمملوك ببقائه كلّ يوم يتجدّد له عيد جديد، ويتضاعف له جدّ سعيد، حرس الله شرفه الرفيع من الأذى، وأراه في عين أعاديه جذعا ناتئا وسلّم لحظه المحروس من القذى، وأصار أيّامه كلّها أيام هناء، وبداية سعادته بغير حدّ وانتهاء.
الضرب السادس (التهنئة بالزواج والتسرّي) «١»
من كلام المتقدّمين:
أبو الفرج الببغاء:
стр. 4207
وصل الله هذا الاتّصال السعيد، والعقد الحميد، بأحمد العواقب، وأجمل المنح والمواهب، وجعل شمل مسرّتك به ملتئما، وسبب أنسك بإقباله منتظما، وعرّفك به تعجّل البركات، وتناصر الخيرات، ولا أخلاك فيه من التّهاني بنجباء الأولاد، وكبت بكثرة عددك سائر الحسّاد، وهنأني النعمة الجليلة بإخائك، وعضّدني وسائر إخوانك ببقائك.
وله في مثله:
قرن الله بالخيرة ما عقدت وبالسعادة ما جدّدت، وبجميل العاقبة ما أفدت، وعرّفك بركات هذا الاتّصال، ولا أخلاك فيه من موادّ السعادة والإقبال، وعضّدك بالبررة من عقبك، والسادة من ذرّيّتك.
وله في مثله:
إنّي وإن كنت ملتحفا بلحف مودّتك، ومتمسّكا بعصم أخوّتك، أولى بالتهنئة بما يحدث لك من ورود نعمة، واتّصال موهبة، فإنّي ما أجد فرض الدعاء لك ساقطا، ولا واجب الشكر لله تعالى على ما أولاني فيك زائلا، فعرّفك الله بركة هذا الاتصال الحميد، والاقتران السّعيد، وجعله للسّرور مكثّرا، وباليمن مبشّرا، وأحياك للتهاني بمثله في السادة من ولدك، والنّجباء من ذرّيّتك.
وله في مثله:
وصل الله هذا الاتصال الميمون بأرجح البركات وأفضلها، وأنجح الطّلبات وأكملها، وأحمد بدأه وعقباه، وبلّغك الآمال في سائر ما تهواه، وأحياك للتّهاني بأمثاله في البررة من ولدك، والنّجباء من عقبك.
من كلام المتأخرين:
للشيخ شهاب الدين محمود «١» الحلبي:
جعل الله الخيرة له فيما يذره ويأتيه، والنجاح مقرونا بما يعيده من الأوامر
стр. 4208
ويبديه، والألسنة شاكرة بما يوليه من الإنعام ويسديه. صدرت هذه الخدمة معربة عن ثناء تأرّج عرفه، وولاء أعجز الألسنة شرحه ووصفه، وتهنئة بهذه الوصلة المباركة جعلها الله للاتصال بالسعادة سببا، ومحصّلة من الخيرات مراما وافرا وأربا، وعرّفه بركة هذا العرس الذي أصبح الخير بفنائه معرّسا، ونور الشمس من ضياء بهجته مقتبسا، فنحمد الله على هذه الوصلة سرّا وجهرا، ونشكره أن جعل بينه وبين السّعد نسبا وصهرا، منح الله المولى الرّفاء والبنين، والعمر الذي يفني الأيام والسّنين، ورزقه إسعافا دائما وإسعادا، وأراه أولاد ألاده آباء بل أجدادا، إن شاء الله تعالى.
أجوبة التهنئة بالزّواج والتّسرّي قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تكون شكرا للمهنّي على العناية والاهتمام، و [مشتملة على] الإبانة عن موقع دعائه من التبرّك والتيمّن به، إلّا أن تكون البداية بمعنى يخرج عما هذا جوابه، فينبغي أن يجاب عنه بما يقتضي الإجابة عن ذلك.
الضرب السابع (من التّهاني التهنئة بالأولاد، وهو على ثلاثة أصناف)
الصنف الأوّل- التهنئة بالبنين .
مما أورده أبو الحسين بن سعد في ترسّله:
إنّه ليس من نعم الله وفرائد قسمه وإن حسن موقعها، ولطف محلّها، نعمة تعدل النعمة في الولد، لنمائها في العدد، وزيادتها في قوّة العضد، وما يتعجّل من عظيم بهجتها، ويرجى من باقي ذكرها في الخلوف والأعقاب، ولا حق بركتها في الدعاء والاستغفار.
ومنه: إنّه ليس من النّعم نعمة تشبه النعمة في الولد، لزيادتها في قوّة العضد، وحسن موقعها في الخلف والعقب، واتصل بي خبر مولود فسرّني ما
стр. 4209
وصل الله به من العارفة إليك، وشركتك في جميل الموهبة فيه شركة من له مالك وعليه ما عليك، وسألت الله أن يوزعك شكر النّعمة ويؤنس بهذا المولود ربعك، ويكثّر به عددك، ويعظّم بركته ويمن طائره عليك، ويزيد به في النعمة كذلك، ويفعل الله ذلك، بمنّه وطوله.
وفيه لأبي الحسين بن سعد «١» إلى أبي مسلم «٢» بن بحر يهنّئه بابن حدث له:
فأمّا ما جدّد الله من النعمة في القادم والموهوب لك ولدا وأنسا، ولنا سندا وذخرا، فقد جلّ قدر هذه الموهبة عن أن يحاط لها بوصف، أو يوفى لها بشكر.
وفيه لعلي بن خلف «٣» :
وينهي أنه اتّصل بالمملوك بزوغ نجم سعد في مشارق إقباله، مؤذن باتّساق سموّه وجلاله، فأحدث من الحلال والاستبشار بمقدمه، والتبرّك والتيمّن بقدمه، ما تلألأت على المملوك أنواره، وحسنت عنده آثاره، وسألت الله تعالى راغبا إليه في أن يعرّفه سعادة مولده، ويمن موفده، ويجعله شادّا لعضده، وموريا لزنده، ويشفعه والسادة السابقين، بنجباء متلاحقين، يتبلّجون في نطاق سعادته، ويتوسّمون في آفاق سيادته، ويصون سلكهم من الانفصام، وشملهم من الانهدام، ويبقيهم غررا في وجوه الأيّام، وأقمارا في صفحات الظّلام، بمنّه وفضله، إن شاء الله تعالى.
وفيه له: وينهي أنّ المملوك يشكر الله تعالى على ما أنزله عند مولانا من عوارفه، واختصّه به من لطائفه، شكر من شاركه في النعمة المسبغة عليه، وانتهى إليّ خبر السّند المتجدّد لمولانا، فطار المملوك بخوافي السّرور
стр. 4210
ومقادمه، وأخذ من الابتهاج بأوفى قسمه، وسأل الله تعالى أن يبارك له في عطيّته، ويردفه بزيادته، ويوفّر عدده، ويشدّ بصالح الولد عضده، ويجنيه من هذا القادم ثمار المسرّة، ويري عينه منه أقرّ قرّة، ويشفع المنحة في موهبته بإطالة مدّته.
وفيه: وينهي أنّ أفضل النّعم موقعا، وأشرفها خطرا وموضعا، نعمة الله تعالى في الولد؛ لزيادتها في العدد وقوّة العضد، وما يتعجّل من عظم جمالها وزينتها، ويرجى من حسن مآلها وعاقبتها، في حفظ النّسب والأصل، وحسن الخلافة على الأهل؛ وجميل الذّكر والثّناء، ومتقبّل الاستغفار والدّعاء، وقد اتصل بالمملوك بزوغ هلال سماء المجد، ومتعلّق الإقبال والسّعد، فأشرقت الأيام بإشراقه، ووثقت الآمال باجتلائه واتّساقه، فقام المملوك عن مولانا بشكر هذه النعمة المتجدّدة، والموهبة الراهنة الخالدة، وهنّأت نفسي بها، وأخذت بحظّي منها، والله تعالى يعرّفه يمن المولود من أطهر والدة وأطيب والد، ويعمّر به منزله، ويؤنس ببقائه رحله، ويبلّغ محبّيه، من الآمال فيه، ما بلّغهم في الماجد أبيه، إن شاء الله تعالى.
وفيه: وينهي أنّ نعم الله تعالى وإن كانت على مولانا متظاهرة، ولديه متناصرة، فقد كان المملوك يرغب إلى الله تعالى في أن يجمّل الأيام من نسله، بمن يحفظ عليها شرف أصله، ويخلفه بعد العمر الطويل في نبله وكرم فعله، ولمّا اتّصل بالمملوك نبأ هذا الهلال البازغ في سمائه، المقرّ لعيون أوليائه، المخيّب لظنون أعدائه، حمدت الله تعالى على موهبته، وسألته إقرار نعمته، وأن يعرّف مولانا بركة قدمه، ويمن مقدمه، ويوفّر حظّه من زيادته، وسعادة وفادته، وأن يجعله برّا تقيّا، مباركا رضيّا، ويفسّح في أجله، ويبلّغه فيه أمله، إن شاء الله تعالى.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي (كامل)
стр. 4211
هنّئت بالإسعاف والإسعاد ... ونفاذ أمر في العدا بنفاد
وبقيت ما بقي الزمان مهنّأ ... ووقيت شرّ شماتة الحسّاد
يا مالك الرّق الّذي أضحى لنا ... من جوده الأطواق في الأجياد
خلّدت في عيش هنيّ أخضر ... يسطو ببيض ظبا وسمر صعاد
حتّى يخاطبك الزمان مبشّرا: ... متعت بالإخوان والأولاد
جدّد الله في كلّ يوم له مسرّة وبشرى، وأطاب لعرفه عرفا ونشرا، وشدّ له بولده السعيد الطلعة أزرا وأسرا، وسرّى به الهموم عن القلوب وأصارها لديه أسرى، ورفع درجته إلى سماء المعالي ليقال: سبحان الذي بعبده أسرى.
المملوك يخدم المولى ويهنّيه ويشكره ويطلعه على ما حصل له من الابتهاج للسبب الذي ينهيه ويذكره، وهو أنه اتّصل به قدوم المسافر بل إسفار البدر، وظهور ميمون الغرّة الذي جاء لأهله بأمان من صروف الدّهر، وهو الولد العزيز الموفّق النّجيب، فلان، أبقاه الله تعالى ليحيا مشكورا محمودا، وأدام عزّه وعلاه، وأعلى نجمه وخلّد شرفه وبهاه، وضاعف سناءه وسناه، وأرانا منه ما أرانا من السعادة في أبيه، فسرّ وابتهج بهذه النعمة غاية السّرور والابتهاج، واتّضح له في شكر إحسان المولى وحسن ولده كلّ طريق ومنهاج، وسأل الله تعالى أن يطوّل له عمرا، ويجعله لإسعاد والده وإسعافه ذخرا، ليرتعا في رياض الدّعة في صحّة وسلامة، ويجعلا في فناء العلا لهما دار إقامة، ويبلغا من السعادة درجة لا تريم عالية ولا ترام، وتخضع لهما اللّيالي والأيّام، ويرشقاهما بسهام الصّروف ويطعناهما بأسنّتها، ويفهما دعاء الأيّام لهما من صدورها ويسمعاه من ألسنتها، مخاطبة لأبيه، ومنشدة لسائر أهله ومحبّيه (رجز)
مدّ لك الله الحياة مدّا ... حتّى ترى نجلك هذا جدّا
الصنف الثاني- التهنئة بالبنات .
من كلام المتقدّمين:
أبو الحسين بن سعد:
стр. 4212
النّعمة نعمتان، إحداهما تعجّل الأنس، والأخرى تدّخر الأجر، وعلى حسب ما تتلقّى به من الشّكر على ظاهر المحبوب، والتّسليم فيما يجري مجرى بعض المكروه، يكون المتاع عاجلا، والثواب آجلا، وما قدّمت القول [إلّا] لما ظننته يعرض لك من الوجوم في هذه الموهبة، في المولودة الّتي أرجو أن يعظّم الله بركتها، ويجعلها أيمن مولود في عصرها، ودالّة على سعادة أبيها وجّدها، و [لئن] كان في الطبع حبّ الذّكور والشّعف بالبنين، فإنّ البنين من البنات، وهنّ باليمن معروفات، وبالبركات موصوفات، وبالذّكور في أثرهنّ مبشّرات، فهنأك الله النّعمة فيها تهنئة لا تنقضي سعادتها، ولا يعترض النقص والتقدير «١» شيئا منها، وأبقى هذه الصبيّة ممتّعا أبوها بها، ومنشأ له الحظّ من حداثتها، وبلّغها أفضل مبالغ الصالحات القانتات من أمّهاتها، وجعل في مولدها أصدق دليل على طول عمر أبيها وسعادة جدّة، وتضاعف نعم الله عنده، إنه لطيف جواد.
أبو مسلم «٢» محمد بن بحر:
مرحبا ببكر النّساء، وبكر الأولاد، وعقيلة الخباء، والمأمولة للبركة، والمشهورة باليمن، وقد جرّبناه فوجدناه معهودا مسعودا، والله يعرّفك أضعاف ما عرّف من قبلك، ويبارك لك فيما رزقك، ويثنّي لك بأخ للمولودة ويجعله رديفها، وفي الخير قرينها وشريكها.
عليّ «٣» بن خلف.
وينهي أنّ المملوك اتّصل به ارتماض «٤» مولانا بمقدم الكريمة الوافدة،
стр. 4213
بطالع السّعادة المتجدّدة، فعجب المملوك من وقوع ذلك من مثل مولانا مع كمال نبله، وشرف عقله وعلمه، فإنّ الله تعالى جلّ اسمه يقول: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«١» وإنّ ما جدّده الله تعالى من مواهبه جدير أن يتلقّى بالسّرور والفرح، لا بالاستياء والتّرح، لا سيّما والذّكر إنما يتفصل على الأنثى بنجابته، لا بحليته وصورته، وقد يقع في الإناث من هو أشرف من الذكور طبعا، وأجزل عائدة ونفعا، وقد روي أنّ رسول الله، ﵌ قال: «إذا رزق العبد الأنثى نادى مناد من السماء: يا أهل الدار، أبشروا بالرّزق، وإذا رزق ذكرا نادى مناد من السماء: يا أهل الدار، أبشروا بالعزّ» فليستقبل مولانا الرّزق بالشّكر فإنّ العزّ يتبعه، ولا يعارض الله تعالى في إرادته، ولا يستقلّ شيئا من هبته، والله تعالى يعرّفه يمن عهودها، وسعادة قدومها، وأن يسرّه بعدها بإخوة متتابعين متلاحقين، يؤيّدون أمره، ويحيون بعد العمر الأطول ذكره.
أبو الفرج الببغاء:
لو كان الإنسان متصرّفا في أمره بإرادته، قادرا على إدراك مشيئته، لبطلت دلائل القدرة، واستحالت حقائق الصّنعة، ودرست معالم الآمال، وتساوى الناس ببلوغ الأحوال، غير أنّ الأمر لمّا كان بغير مشيئته مصنوعا، وعلى ما عنه ظهر في الابتداء مطبوعا، كان المخرج له إلى الوجود من العدم، فيما ارتضاه له غير متّهم، ومولانا- أيده الله- مع كمال فضله، وتناهي عقله، وحدّة فطنته، وثاقب معرفته، أجلّ من أن يجهل مواقع النّعم الواردة من الله تعالى عليه، أو يتسخّط مواهبه الصادرة إليه، فيرمقها بنواظر الكفر، ويسلك بها غير مذاهب الشكر.
وقد اتّصل بالمملوك خبر المولودة كرّم الله غرّتها، وأطال مدّتها، وعرّف مولانا البركة بها، وبلّغه أمله فيها، وما كان من تغيّره عند اتّضاح الخبر، وإنكار
стр. 4214
ما أختاره له سابق القدر، فعجب المملوك من ذلك واستنكره، من مولانا وأنكره، لضيق العذر في مثله عليه. وقد علم مولانا أنّهن أقرب إلى القلوب، وأنّ الله تعالى بدأ بهنّ في الترتيب فقال جلّ من قائل: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«١» وما سمّاه الله هبة فهو بالشّكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى، ولكم نسب أفدن، وشرف استحدثن، من طرق الأصهار، والاتّصال بالأخيار، والملتمس من الذّكر نجابته، لا صورته وولادته، ولكم ذكر الأنثى أكرم منه طبعا، وأظهر منه نفعا، فمولانا يصوّر الحال بصورتها، ويجدّد الشّكر على ما وهب منها، ويستأنف الاعتراف له تعالى بما هو الأشبه ببصيرته، والأولى بمثله، إن شاء الله تعالى.
الصنف الثالث- التهنئة بالتّوءم .
أحسن ما رأيت من ذلك قول بعض الشّعراء مما كتب به إلى بعض أصحابه، وقد ولد له ذكر وأنثى من جارية سوداء، وهو قوله (طويل)
وخصّك ربّ العرش منها بتوءم ... ومن ظلمات البحر تستخرج الدّرر
وابرك أضحى وارثا علم جابر «٢» ... فأعطاك من ألقابه الشّمس والقمر
الأجوبة عن التهنئة بالأولاد قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تبنى على شكر اهتمام المهنّيء ورعايته، والاعتداد بعنايته، وأنّ الزيادة في تجدّد المهنّى [به]
стр. 4215
زيادة في عدده، وأن نصيبه من تحرّك السرور فيما يخلص إليه من المواهب كنصيبه؛ لتناسبهما في الإخاء، وتوافيهما في الصّفاء، وأن تراعى مع ذلك مرتبة المهنّي والمهنّى، ويبنى الخطاب على ما يقتضيه كلّ منهما.
وهذا مثال من ذلك:
زهر الربيع:
وينهي ورود الكتاب الذي تشرّف المملوك بوروده، وأشرقت الأيّام بكمال سعوده، وأرغم ببلاغته معطس مناويه وحسوده، فشكر أيادي من أنعم بإرساله، واكتسى بالوقوف عليه حلّة من حلل فخره وجماله، وبالغ في إكماله، حتّى وقف إجلالا له بين يديه، ثم تلا آيات حسنه على أذنيه، فوجده مشتملا على إحسان لم يسبقه إلى مثله أحد، ومنن أودعها فيه فلا يحصيها حصر ولا عدد، فهيّج بوروده رسيس الأشواق، وتقلّد بإنعام مرسله كما قلّدت الحمائم بالأطواق، ووجد لوعة لا يحسن وصفها لسان اليراع في الأوراق، وعلم ما أشار إليه المولى من التهنئة بالولد الجديد، بل بأصغر الخدم والعبيد، وما أبداه من الابتهاج لميلاده وأظهره من التفضّل المعروف من آبائه الكرام وأجداده، ولم لا يكون الأمر كذلك والوالد مملوكه؟ وهو مملوك السادة الأجلّاء أولاده، حرس الله مجده ومتّعه بثوب مكارمه، وخفض قدر محاربه ورفع كلمة مسالمه، ولا زال مماليكه تتزيد تزيّد الأيّام وسعادته باقية بقاء الأعوام، وعين العناية تحرسه في حالتي السفر والمقام، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثامن (من التهاني التهنئة بالإبلال من المرض والعافية من السّقم)
فمن ذلك:
وينهي أنه ما زالت أجسام أهل التّصافي، تشترك في الأسقام والعوافي، كما تشترك أنفسهم في التخلّص والتّوافي، ولمّا ألم بمولانا هذا الألم الذي تفضّل الله تعالى بإماطته، ومنّ فيه على السّؤدد بحراسة مولانا وحياطته، فرأيته
стр. 4216
حالّا في جوارحي، محرقا لجوانحي، ممازجا لأعضائي، متملّكا لأنوائي «١» .
ولئن كنت قد تحمّلت من ذلك عبّا، وارتقيت من تحمّله مرتقى صعبا، فلقد فخرت بمماسّته، وأحمدت طبعي على مشاكلته، وشكرت الله تعالى إذ جعلني شعبة من سرحته، وجبلّة من طينته، وعلى ما سرّ به من إقالته وإنعاشه، ومصافاته وإبشاشه، وسألت الله تعالى أن يبقيه نورا يوضّح مغرب الدّهر ومشرقه، ودرّا يرصّع فود المجد ومفرقه، ويحسن الدّفاع عن حوبائه «٢» وهو سبحانه يجيب ذلك ويتقبّله، ويرفعه ويسمعه، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
المملوك يهنّيء مولاه خاصّة إذ جعله الله تعالى من صفوة أوليائه، وخالصة أحبّائه، الذين يبتليهم اختبارا، وينتابهم اختيارا؛ ليجمع لهم بين تمحيص وزرهم، ومضاعفة أجرهم، والحضّ على طاعته، والانصراف عن معصيته، ويهنّيء الكافّة عامّة بالموهبة في نوره المطلعة لأمل الإقبال، المروية لماحل الآمال، ثم أعطف على حمد الله على ما منّ به من إبلاله، ويسّره من استقلاله، والرّغبة إليه في أن يمنحه صحة تخلّد وتقيم، وعافية ترهن ولا تريم، وأن يحميه من عوارض الأسقام، ويصونه من حوادث الأيّام، بفضله وجوده، إن شاء الله تعالى.
أبو الفرج الببغاء:
أفضل ما يفزع إليه العبد المخلص، والمولى المتخصّص، فيما ينوب سيّده ويهمّ وليّ نعمته، الدعاء المقترن بصدق النية، وصفاء الطويّة [فالحمد لله الذي منّ بالصحّة وتصدّق بالإقالة، وتدارك بجميل المدافعة، وعمّ سائر خدمه أيّده الله بالنّعمة، وأعاده إلى أجمل عاداته من السلامة والصّحّة، فائزا بمدّخر
стр. 4217
الأجر، متعبّدا بمستأنف الشّكر، فلا أخلاه الله من زيادة فيما يوليه، ولا قصدنا بسماع سوء فيه، وحرس من الغير مهجته، ومن المحذور نعمته.
وله في مثله:
ما كنت أعلم أنّ عافيتي مقرونة بعافيتك ولا سلامتي مضافة لسلامتك، إلى أن تحقّقت ذلك من مشاركتي إيّاك في حالتي الألم والصّحّة، والمرض والمحنة، فالحمد لله الذي شرّف طبعي بمناسبتك وجمّل خلقي بملاءمتك، فيما ساء وسرّ، وإيّاه تعالى أشكر على ما خصّني به من كمال غافيتك، وسبوغ سلامتك وسرعة إقالتك، وبه- جلّ اسمه- أثق في مزيدك من تظاهر النّعم، وتوفّر القسم.
وله في مثله:
ولولا أنّ متضمّن كتابك قرن ذكر المرض الهاجم عليك، بذكر ما وهبه الله لك من عود السلامة إليك، لما اقتصر بي القلق على [ما] دون المسير نحوك، والمبادرة لمشاهدتك، غير أنّ السّكون إلى ما أدّاه كتابك سابق الجزع، والطّمأنينة إلى ما وهبه الله من كفايتك حالت دون الهلع، فالحمد لله الذي منّ بالإقالة، وتصدّق بالسّلامة وعمّ بالكفاية، وهو وليّ حراستك وحراستي فيك.
وله في مثله:
سيّدنا في سائر ما يذكّره الله من هجوم ألم مؤذن بصحّة، واعتراض محنة مؤدّية إلى منحة، مرموق بالعافية، محروس من الله جلّ اسمه بالحفظ والكلاءة، فهو مع العلة فائز بذخائر الأجر، ومع العافية موفّق لاستزادة الشّكر، فالحمد لله الذي عقد الكرم ببقائه، وشفى مرض الآمال بشفائه، وكفاه اعتراض المخوف، وعوارض الصّروف.
وله في مثله:
ما انفرد جسمك بالعلّة دون قلبي، ولا اختصّت نفسك- حرسها الله تعالى- بمعاناة المرض دون نفسي، ولم أزل بالقلب تاليا، وفي سائر ما شكوته
стр. 4218
بالنّيّة مساويا، إلى أن كشف الله الغمّة، وأقال العثرة، ونفّس الكربة، ومنّ بالسلامة، وتصدّق بالكفاية، وأوجب بالعافية علينا جميعا فروض الشكر، بعد ما ادّخره لك بالألم من كثرة الأجر، فالحمد لله على ذلك حمدا يؤدّي إلى حراسة ما خوّلك، ويؤذن بالمزيد فيما منحك.
ومن كلام المتأخرين:
أعلى الله قدر الجناب الفلاني، ولا زالت شموس أيامه لا تخاف كسوفا ولا أفولا، وأقمار لياليه تغرس في قلوب أوليائه ومحبّيه فروعا وأصولا.
المملوك يخدم خدمة من تحمّل جميلا، ونال من تفضّل الجناب «١» الكريم جزيلا.
وينهي ما حصل له من السّرور بعافية مولانا، فالشكر لله على ما جدّد من النّعمة التامّة، وسمح به من الكرامة العامّة، حين أعاد البدر إلى كماله، والسّرور إلى أتمّ أحواله، وما كانت إلّا غلطة من الدّهر فاستدركها، وصفقة خارجة عن يده فملّكها، فقرّت بذلك العيون، وتحقّقت في بلوغ الأمل الظّنون؛ وانجبر قلبه بعد ما وهن، وعاد جفنه بعد الأرق إلى الوسن؛ وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
«٢» ولقد كان يتمنّى المملوك لو فاز من الرّؤية الشريفة بحظّ السمع والبصر، وتملّى بمشاهدة وجهه الكريم فإنّ فيه البغية والوطر «٣» .
والمملوك فما يعدّ نفسه إلّا من المحبين الذين بذلوا نفوسهم لمحبته وأعدّوها، والله تعالى يسرّ الأولياء بتضاعف سعوده، ويديم بهجة الأيّام بميمون وجوده، ويطيل في مدّته ويحرسها من الغير، ويحرس أحوال مزاجه الكريم على
стр. 4219
القانون المعتبر، ويكفي أولياءه ومحبّيه فيه كلّ مكروه وحذر، إن شاء الله تعالى.
من زهر الربيع (متقارب) :
ولمّا شكوت اشتكى كلّ ما ... على الأرض واهتزّ شرق وغرب
لأنّك قلب لجسم الزّمان ... وما صحّ جسم إذا اعتلّ قلب
حرس الله جنابه، وأسبل عليه رداء السعد وأثوابه، ومتّعه ببرود العافية وجلبابها، وفتح له إلى نيل السعادة سائر أبوابها، ومنحه الكفاية والأمن في سربه، والعافية في جسمه من قلق كلّ مرض وكربه، وجمع له بين الثّواب والأجر وجازاه بجزيل الغفران عن جميل الصّبر.
المملوك يبشّر نفسه ومولاه بما منّ الله به من صحّة مزاجه الكريم، والإبلال من مرض كاد يدير كؤوس الحمام «١» على كلّ صديق حميم، ويحمد الله على عافيته حمدا جزيلا، ويشكره عليها بكرة وأصيلا، فإنّه قد عوفي لعافيته المجد والكرم، وزال عنه إلى أعدائه الألم، فالمولى حفظ «٢» الله صحّته من السّقم، وحماه من ألم ألمّ، وجعل سعادته تتزايد على ممرّ الأنفاس، وجسده سالما من الأذى كسلامة عرضه من الأدناس، إن شاء الله تعالى.
الشيخ جمال الدين «٣» بن نباتة:
وقى الله من الأسواء شخصه الكريم، وشمله النّظيم، وقلب محبّه الذي هو في كلّ واد من أودية الإشفاق يهيم.
стр. 4220
ولا زالت الصحة قرينه حتّى لا يعتلّ في منازله غير مرور النّسيم، ويصف شوقا يزيد بالأنفاس وقدا، ويجدّد للأحشاء وجدا، ويباشر القلب المغرم فيمدّ له من عذاب الانتظار مدّا.
وينهي أنه جهّز هذه الخدمة نائبة عنه في استجلاء وجه أكرم الأحبّة، وتصافح اليد الّتي أقلام كتبها في شكوى البعاد أطبّة، مبدية إلى العلم الكريم أنّه مع ما كان يكابده من الأشواق، ويعالجه من خواطر الإشفاق، بلغه ضعف الجسد الموقّى، وعارض الألم الذي استطار من جوانح المحبّين برقا، فلا يسأل الجناب الكريم عن قلب تألّم، وصدر صامت بالهموم ولكنّه بجراح الأشجان تكلّم، ولسان أنشد (طويل) :
ألا ليتني حمّلت ما بك من ضنى ... على أنّ لي منه الأذى ولك الأجر
ثم لطف الله تعالى وعجّل خبر العافية المأمولة، والصحة المقبلة عقيب الدّعوات المقبولة، فيا لها مسرّة شملت، ومبرّة كملت، وتهنئة جمعت قلوب الأودّاء وجملت، وأعضاء فدتها «١» عيون المها فنقلت عنها صفات السّقام وحملت، وعافية حوّلت إلى قلوب الأعداء المرض، وجوهر جسد طاهر زال [عنه] بأس العرض، فهنيئا له بهذه الصحة المتوافرة الوافية، والحمد لله ثم الحمد لله على أن جمع بين حصول الأجر ووصول العافية، وعلى أن حفظ ذاته الكريمة وحفظها هو المقدّمة الكافية الشافية (كامل)
وتقاسم النّاس المسرّة بينهم ... قسما فكان أجلّهم قسما أنا
والله تعالى يسبغ عليه ظلال نعمه ويحفظه حيث كان في نفسه وأهله وخدمه، وكما سرّ الأحباب بخبر عافيته كذلك يسرّهم بعيان مقدمه.
стр. 4221
أجوبة التهنئة بالإبلال من المرض والعافية قال في «موادّ البيان» «١» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تكون مبنيّة على وصف الألم وصورته وما تفضّل الله تعالى به من إماطته، وشكر المهنّي باهتمامه وعنايته.
وهذه أمثلة من ذلك:
من زهر الربيع:
أدام الله نعمته، وشكر منّته، وأدال دولته، وأعلى قدره وكلمته، وحتّم على الألسنة شكره والقلوب محبّته، ولا زالت التهاني من جهته وافدة، والبشائر واردة.
وينهي ورود الكتاب الذي أعدّته يد المعالي فعاد كريما، وشاهد حسن منظره فصار وجهه وسيما، وأنه وقف عليه، وأحاط علما بكلّ ما أشار المولى إليه، فذكّره أنسا كان بخدمته لم ينسه، وجدّد له وجدا ما زال يجد في قلبه ونفسه عينه ونفسه، ونشر من مآثره المأثورة، وفضائله المرقومة في صفائح الصّحائف المسطورة، ما شنّف به وشرّف، وشوّق إلى لقائه وشوّف، وأقام البرهان على ذكيّ فطنته، وزكيّ فطرته، وعلم ما أنعم به وتفضّل، وأحسن وتطوّل، من تهنئة المملوك بالإبلال من مرضه، والبرء من سقمه، والتخلّص من يدي وجعه وألمه، وسرّ بورود كريم مشرّفته، أعظم من سروره بلباس ثوب عافيته، وبدوام مجده وسعادته، أكثر من صحّة مزاجه واستقامته، فإنّ مكارم المولى كالحدائق النّاضرة، ومنزلته أعز في القلوب من الأحداق الناظرة.
فالحمد لله الذي منّ بالعافية من ذلك المرض، والداء الذي ألمّ بعرضيه فاحتوى منهما على الجوهر والعرض، وطال حتّى أسأمه من نفسه وعوّاده، وآيسه من
стр. 4222
الحياة لولا لطف الله والله لطيف بعباده، وهذا ببركة المولى ودعائه الذي كان يرفعه والخواطر والأسماع مع بعد الشّقّة تشهد به وتسمعه، جعل الله التهاني مع الأبد واردة منه وإليه، وشكر إنعامه وأتمّ نعمته عليه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وكتبت للمقرّ العلائيّ علاء الدين الكركيّ «١» وهو يومئذ كاتب «٢» السّرّ الشريف في الدولة الظاهرية «برقوق» «٣» في سلطنته الثانية، وقد برأ من مرض نظما (بسيط) .
أفديه من جسد قد صحّ من سقم ... فبات جوهره خال «٤» من العرض
فاستبشرت بعليّ القوم شيعته ... ومات حاسده بالسّقم والمرض
الضرب التاسع (التهنئة بقرب المزار)
الشيخ شهاب الدين محمود «٥» الحلبي:
قرّب الله مزاره، وأدنى جواره، وأعان أعوانه ونصر أنصاره، ولا زالت الأنفس لقربه مسرورة، ورايات مجده في الملإ الأعلى وأحزاب الإسلام بهيبته على أعداء الدّين منصوره.
المملوك يقبّل الباسطة العالية بسط الله ظلّها، وشكر على الأولياء فضلها، وينهي أنه اتّصل به طيّب أخباره، وقرب مزاره، فتضاعف شوقه، وتزايد توقه، وهيّجت صبابته لا عجه، وسهّلت إلى نيل المسرّة طرقه ومناهجه (وافر) .
стр. 4223
وأبرح ما يكون الشّوق يوما ... إذا دنت الدّيار من الدّيار
فالله يقرّب من أمد التّلاقي بعيدا، ويجعل رداء الاجتماع بخدمته قشيبا جديدا.
الضرب العاشر (التهنئة بنزول المنازل المستجدة)
فمن ذلك [من إنشاء] عليّ بن «١» خلف:
أشرف المنازل رقعة، وأترفها بقعة، وأرفعها رفعة، ما اتّخذه مولانا لنفسه موطنا، وجعله بنزوله فيه حرما آمنا، وصيّره بمخصب مكارمه للعفاة مرادا ومقصدا، وبمعذب نوافله للظّماة مشرعا وموردا، وللسّؤدد بمجده معقلا، وللرّياسة بشرفه منزلا، والله تعالى يجعل هذه الدار الّتي تديّرها وحلّها، وحطّ بها رحله ونزلها، مأهولة ببقائه، آنسة بسبوغ نعمائه، عامرة بسعادته، مشيدة بتناصر عزّه وزيادته، لا تخطئها حوائم الآمال، ولا تتخطّاها ديم الإقبال، ويعرّفه من بركتها، ويمن عتبتها، ما يقضي بامتداد الأجل، وانفساح الأمل، وبلوغ الأماني، واتّصال التّهاني، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك:
وينهي أنه قد اتّصل بالمملوك تحوّل مولانا إلى المنزل المنشإ الجديد، ذي الطالع السعيد، والطائر الحميد، فسألت الله تعالى أن يبوّئه منه المبوّأ الكريم، ويمتّعه فيه بالدّعة والنّعيم، والنّماء والمزيد، والعيش الرّغيد، ويجعله واصلا لحبله، مأهولا بأهله، ويعرّفه بركة عتبته، ويملّيه ببهائه ونضارته، وحصل للمملوك السّرور بأن بلّغه الله الوطر، في سكنى ما عمر، وأناله الأمل والالتذاذ بخدمته، والسّرور بافتضاض عذرته، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك:
стр. 4224
مولانا- أمتع الله بوجوده- غنيّ عن الهناء بمنزل ينزله ومحلّ يحلّه، إذ الله قد كثّر أوطانه وآدره «١» ، وبلّغه في تمام عمارتها وانفساحها وطره، وخصّه بأفضلها معانا، وأشرفها مكانا، والمستوجب في الحقيقة للهناء هو الموضع الذي اختاره دارا، وارتضاه مستقرّا، وعرف المملوك انتقاله- لا زال يتنقّل في بروج السّعد، ويأوي إلى ظلّ ظليل من المجد- إلى الدار الفلانية لا زالت جامعة لشمله، مأنوسة بأهله، فعدل عن خدمته بالهناء، إلى إخلاص الدّعاء، بأن يعرّفه الله تعالى يمنها وبركتها، ويريه إقبالها وسعادتها، ويقرن تحوّله إليها بأيمن طائر، وأبرك طالع، فإنّ للحركات أوقاتا محمودة ومذمومة؛ فإذا اعتنى الله تعالى بعبد من عبيده، وفرض له نصيبا من تأييده، وفّقه للحركة في الزّمن السعيد، والوقت الحميد، لتكون مصايره مشاكلة لمباديه، وأعجازه مشابهة لهواديه، والله تعالى يجعل بابها محطّا للقصّاد، ومناخا للوفّاد، ومزارا للعفاة، وملاذا [للعناة] «٢» ويصل بها حبله، وينشي بها طفله، ويضاعف باستيطانها أنسه، ويسر بتبوّئها نفسه، إن شاء الله تعالى.
أبو الفرج «٣» الببغاء:
أسعد المنازل وأشرف المواطن ما استوطنه أيّده الله وتبوّاه، وتخيّره لنفسه وارتضاه، فغدا بشخصه وطن الإقبال، وبفائض كرمه حرم الآمال، وبشرفه للسّؤدد معقلا، وبنبله للرّياسة منزلا، فعرّفه الله يمن هذه الدار المعمورة بحلول البركات، المحفوفة بتناصر السّعادات، وجعلها وكلّ ربع يقطنه، ومحلّ يسكنه، مبشّرا بامتداد بقائه، وآهلا بالزّيادة في نعمائه.
وله في مثله:
стр. 4225
كلّ وطن يحلّه- أيده الله- ويقطنه، ومحلّ يتخيّره ويسكنه، مقصود بالشّكر والثناء، آهل بالحمد والدّعاء، لا يتخطاه متوارد الآمال، ولا تنقطع عنه موادّ الإقبال، ولذلك صار هذا المنزل السعيد من فضائل الأرض ومحاسنها، ونجع الآمال ومعادنها، فعرّفه الله يمنه وبركته، وإقباله وسعادته، وقرن انتقاله إليه بأسبغ نعمة، وأكمل سلامة وأبسط قدرة وأعلى رتبة.
وله في مثله:
عرّفه الله [من] بركة هذا المنزل المورود، والفناء المقصود، ما يوفي على سالف ما أولاه من تكامل البركات، وتناصر السّعادات، وجعل مستقرّه فيه مقرونا بنموّ الحال، وتتابع الإقبال، في أفسح المدد وأطولها، وأنجح المطالب وأفضلها، وعمر أوطان المكارم بإقباله «١» ، وعضّد الأمانيّ باتّساع نعمائه.
أجوبة التهنئة بقرب المزار، ونزول المنازل المستجدّة قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تبنى على الاعتداد للمهنّي بتعهّده، والشكر له على تودّده، والابتهاج بهنائه، والتبرّك بدعائه، وأن المستجدّ غير مباين لمنزله، ولا خارج عن أحكام محله، وأنّ تمام بركته، أن يؤنس فيه بزيارته، وما يشابه هذا.
الضرب الحادي عشر (نوادر التهاني، وهي خمسة أصناف)
الصنف الأوّل- تهنئة الذّميّ بإسلامه .
فمن ذلك ما أورده أبو الحسين «٢» بن سعد في ترسّله، وهو:
وما زالت حالك ممثّلة لنا جميل ما وهب الله فيك حتّى كأنّك لم تزل
стр. 4226
بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وقد كنّا مؤمّلين لما صرت إليه، ومشفقين لك مما كنت عليه، حتّى إذا كاد إشفاقنا يستعلي على رجائنا، أتت السعادة فيك بما لم تزل الأنفس تعد منك، ونسأل الله الذي نوّر لك في رأيك، وأضاء لك سبيل رشدك، أن يؤهّلك لصالح الأعمال، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة ويقيك عذاب النار.
ومن ذلك، من كلام أبي «١» العيناء:
ولتهنئك نعمة الله عليك في أخوّة المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، والحمد لله الذي فوّز قدحك [وأ] على كعبك، وأنقذ من النار شلوك «٢» ، وخلّصك من لبس الشّك، وحيرة الشّرك، فأصبحت قد استبدلت بالأديار المساجد، وبالآحاد الجمع، وبقبلة الشام، البيت الحرام، وبتحريف الإنجيل، صحّة التنزيل، وبأوثان المشركين، قبلة الموحّدين، وبحكم الأسقفّ رأس الملحدين [حكم] أمير المؤمنين وسيّد المرسلين، فهنأك الله ما أنعم به عليك، وأحسن فيه إليك، وذكّرك شكره، وزادك بالشّكر من فضله.
أجوبة التهنئة بإسلام ذميّ قال في «موادّ البيان» : أجوبة هذه الرّقاع ينبغي أن تكون مبنيّة على شكر المهنّإ للمهنّيء؛ واعترافه بنعمة الله تعالى عنده، وابتهاجه بممازجته في الدّين، الذي جعل الله أهله إخوانا متصافين، وخلّانا متوافين، ومنّ عليهم به، وبإماطة
стр. 4227
الحسائف «١» من قلوبهم، ونحو هذا.
الصنف الثاني- التهنئة بالختان وخروج اللّحية .
فمن ذلك تهنئة لأمير بختان ولدين له:
فمن خصائص ما حباه الله بعد الذي قدّم له في نفسه- نفّس الله مدّتها، ووسّع له مهلتها، وأفنى الأعداد دون فنائها، والأعمار دون تصرّمها وانتهائها، [من] الفضائل المشهورة، والمحاسن المذكورة، والمناقب المأثورة، وأقسام الفضل الذي ينقضي دون تصرّم (؟) منازله وصف الواصف إذا أفرط، وينتهي دون أيسرها أمل الآمل إذا اشتطّ- ما وهب الله له من أولاد سادة فضّلهم في الأخلاق والصّور، وأكملهم في الأجسام والمرر، وقدّمهم في العقول والأفهام، والقرائح والألباب، ولم يجعل للمعيب فيهم سيمة، ولا للإناث بينهم شركة، حتّى يكون مسلّما لهم قصب العلا والمفاخر، وصدور الأسرّة والمنابر، من غير منازع، ولا مقارع، ولا مساهم، ولا مقاسم، وزادهم من النّماء في النّشء والبركة واليمن بما يؤذن الحاضر منه بالغابر، ويدلّ البادي على الآخر، وعدا من الله تعالى ذكره لهم بأوفى السعادات، وأكمل الخيرات وأعلى الدرجات، أرجو أن يجعل الله النّجح قرينه، والنجاة ذريعته، وما أولاه فيهم في هذه الحال الحادثة الّتي يعدق الله بها أداء الفريضة، وكمال الشريعة، ويقع التطيّر بالختان، الذي جعله الله من شروط الإيمان، وفرضه على جميع الأديان، من السّلامة على عظم الخطر، وشدّة الغرر، في إمضاء الحديد على أعضاء ناعمة، وإيصال الألم إلى قلوب وادعة، لم تقارع نصبا «٢» ، ولم تعان وصبا «٣» ،
стр. 4228
واجتمع فيه إلى رقّة الصّبا، وضعف الأسر والقوى، اعتياد الرحمة، ومخالفة الترفّه والتنقّل بين الشهوات، على أن كلّ واحد من الأميرين شهد المعركة أعزل حاسرا، وباشر الحرب مغرّرا مخاطرا، فثبت لوقع السّلاح، وصبر على ألم الجراح، وأبلى بلاء الفارس المدجّج، والكميّ «١» المقنّع، ثم خرج خروج شبل الليث، وفرخ العقاب، كالقدح المعلّى والشّهاب الساطع، والنّجم الثاقب، وكان فلان أكثرهما تغيّرا في وجه قرنه، وسطوة على منازله، وكلّ قد حصّل فوق الخصل، وحوى فضيلة السّبق، واستحقّ اسم البأس والشّدّة، وحلية البسالة والنّجدة.
ومن ذلك ما أورده أبو الحسين بن سعد في كتابه:
الحمد لله الذي كساك باللّحية حلّة الوقار، وردّاك رداء ذي السّمت من الأبرار والأخيار، وصانك عن ميسم الصّبا، ومطامع أهل الهوى، بما جلّلك من اللحية البهيّة، وألبسك من لباس ذوي اللّبّ والرّويّة، وألحقك في متصرّفاته بمن يستقلّ بنفسه ساعيا، ويستغني عمّن صحبه حافظا، وجعل ما جمّل من صورتك، وكمّل من أداتك وآلتك، قرنا لمن جاذبك، وخصما لمن نازعك، ونفى عنك ذلّة الاحتقار، من أهل المراتب والأخطار، تستوي [بهم] في المجالس الحافلة، وتجري مجراهم في المشاهد الجامعة، مسموعا قولك إذا قلت، ومصغى إليك إذا نطقت، آمنا من انصراف الأبصار عنك لقرب ولادك، ومن [عدم] الاستماع لحديثك لقلّة الثّقة بسدادك، وجاريا مجرى كملة الرجال على الجملة، إلى أن يكشف الله مخابرك بالمحنة، وتعطى المهابة من الدّاعر العادي، ومن السّبع الضاري، ولو كان عاريا من هذه الكسوة الشريفة، والحلية الملحوظة، لسيقت إلى الازدراء بالأعين، والاستصغار بالقلوب والألسن، أصناف الحيوان، من البهيمة والإنسان، ثم لا يحسّ من نفسه قوّة على الدّفع عنها، ولا من صرعته ثباتا (؟) على يدها فيه. وتلك نعمة من الله جل وعزّ حباك
стр. 4229
بمرتبتها في جمال غشاك «١» ، وكمال أتاك، فليصدّق بها اعترافك وشكرك، وليحسن ثناؤك ونشرك، قضاء لحق الله عليك، واستدرارا في المزيد من إحسانه إليك.
الصنف الثالث- التهنئة بالمرض .
أبو الفرج الببغاء:
في ذكر الله سيدي بهذا العارض- أماطه «٢» الله وصرفه، وجعل صحة الأبد خلفه- ما دلّ على ملاحظته إيّاه بالعناية، إيقاظا له من سنة الغفلة، إذ كان تعالى لا يذكّر بطروق الآلام، وتنبيه العظات، غير الصّفوة من عباده، الخيرة من أوليائه، فهنأه الله الفوز بأجر ما يعانيه، وحمل عنه بألطافه ثقل ما هو فيه، وأعقب ما اختصّه من ذخائر المثوبة والأجر بعافية تقتضيه، ولا سلب الدنيا جمال بقائه، ولا نقل ظلّه عن كافّة خدمه وأوليائه.
الصنف الرابع- التهنئة بالصّرف عن الولاية .
أبو الفرج الببغاء:
من حلّ محلّه- أيده الله تعالى- من رتب الرّياسة والنّبل، كان معظّما في حالتي الولاية والعزل، لا يقدح في قدره تغيّر الأحوال، ولا ينقله عن موضعه من الفضل تنقّل الأعمال، إذ كان استيحاشها للفائت من بركات نظره، بحسب أنسها كان بما أفادته من محمود أثره، فهنأه الله نعمة الكفاية، وأوزعه شكر ما احتازه من النزاهة والصّيانة، ولا أخلاه من التوفيق في سائر متصرّفاته، والخيرة الضامنة لعواقب إراداته.
وله في مثله:
لو كان لمستحدث الأعمال ومستجدّ الولايات زيادة على ما اختصّك به
стр. 4230
من كمال الفضل، ومأثور النّبل، لحاذرنا انتقال ذلك بانتقال ما كنت تتولّاه بمحمود كفايتك، وتحوطه بنواظر نزاهتك وصيانتك، غير أنّ الله تعالى جعلك بالفضل متقمّصا، وبالمحامد متخصّصا، فالأسف فيما تنظر فيه عليك لا منك، والفائدة فيما تتقلّده بك لا لك، ولذلك كنت بالصّرف مهنّأ مسرورا، كما كنت في الولاية محمودا مشكورا، فلا أخلاك الله من تواصل آلائه، وتظاهر نعمائه، في سائر ما تبرمه وتمضيه، وتعتمده وترتئيه.
أبو الحسين بن سعد- عمّن تولّى عملا إلى من صرف عنه:
قد قلّدت العمل بناحيتك، فهنأك الله تجديد ولايتك، وأنفذت خليفتي لخلافتك، فلا تخله من تبصيرك وهدايتك، إلى أن يمنّ الله بزيارتك.
تهنئة بصرف عن ولاية:
لو كانت رياسة سيّدي مجنيّة من عروش الولايات، وسيادته خارجة عن سانح التصرّفات، لأشفق أولياؤه من زوالهما بمزايلتهما، وحذروا من انتقالهما بنقلهما، لكن ما وسم به من الكمال، وعلا به من رتب الجلال، موجود في غريزته وجود الفرند «١» في السيف المأثور، واللألاء في النور، وإذا تصرّف، أورد الله الرعيّة من مشارعها نطافا، وأسبغ عليهم من ظلّها عطافا، وإذا انصرف فخير مسبل تقلّص، وعيش رائع تنغّص، والأسف على العمل السّليب من حلل سياسته الفاضلة، العاطل من حلى سيرته العادلة، ولهذا أصبح- أيده الله- بالعزل مبتهجا مسرورا، كما كان في الولاية محمودا مشكورا، وانطلقت ألسنة أوليائه، في هنائه، بما وهبه الله من الرّفاهية والدّعة، وحطّه عنه من الأثقال المقلقة، ولا سيّما وقد علم الخاصّ والعامّ أنّ الأعمال إذا ردّت إليه، وعوّل فيها عليه، تسلّم المودع وديعته، والناشد ضالّته، وإذا عدل فيها إلى غيره تناولها
стр. 4231
تناول الغاصب، واستولى عليها استيلاء السّالب، فلا تزال نازعة إلى ربّها، متطلّعة إلى خطبها، حتّى تعود إلى محلّها، وترجع إلى نصلها، والله تعالى أسأل أن يقضي لمولانا ببلوغ الأوطار، إن شاء الله تعالى.
أجوبة التهنئة بالصرف عن الولاية والخدمة قال في «مواد البيان» : يجب أن تكون أجوبتها مبنيّة على شكر الاهتمام والاعتداد بالمشاركة في الأحوال، مع وقوع ما ورد من الخطاب الموقع للطيف، وما ينتظم في هذا السلك.
جواب من ورد عليه كتاب من ولي مكانه في معنى ذلك.
فمن ذلك:
ما انصرفت عنّي نعمة أعديت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك، وإنّي لأجد صرفي بك ولاية ثانية، وحلّة من الوزر واقية، لما آمله بمكانك من حميد العاقبة وحسن الخاتمة.
الصنف الخامس- تهنئة «١» من تزوجت أمّه بزواجها.
قد تقدّم في أوّل المقالة الأولى في حكاية حائك الكلام مع عمرو «٢» بن مسعدة وزير المأمون «٣» ، أنه قال: يكتب إليه:
стр. 4232
أما بعد، فإنّ الأمور تجري على خلاف «١» محابّ المخلوقين [والله يختار لعباده] «٢» ، فخار الله لك في قبضها [إليه، فإن القبور أكرم الأكفاء] «٣» والسّلام.
أبو الفرج الببغاء: وقد أمره سيف الدولة «٤» بن حمدان بالكتابة في معنى ذلك امتحانا له:
من سلك إليك- أعزّك الله- سبيل الانبساط، لم يستوعر مسلكا من المخاطبة فيما يحسن الانقباض عن ذكر مثله. واتّصل بي ما كان من خبر الواجبة الحقّ عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها إليك- وفّر الله صيانتها- في اختيارها ما لولا أنّ الأنفس تتناكره، وشرع المروءة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما جدّده الله في صيانتها أحرى، فلا يسخطنّك من ذلك ما رضيه وجوب الشّرع، وحسّنه أدب الدّيانة، ومباح الله أحقّ أن يتّبع، وإيّاك أن تكون ممن لمّا عدم اختياره تسخّط اختيار القدر له، والسّلام.
стр. 4233
النوع الثاني (من مقاصد المكاتبات: التّعازي)
قال في «مواد البيان» : المكاتبة في التعزية بالأحداث العارضة في هذه الدنيا واسعة المجال؛ لما تتضمّنه من الإرشاد إلى الصّبر، والتسليم إلى الله جلّت قدرته، وتسلية المعزّى عما يسلبه بمشاركة السابقين فيه، ووعده بحسن العوض في الجزاء عنه، إلى غير ذلك مما ينتظم في هذا المعنى. قال:
والكاتب إذا كان جيّد الغريزة حسن التأتّي فيها، بلغ المراد. ثم قال: وحكمها حكم التّهاني من الرئيس إلى المرؤوس، ومن المرؤوس إلى الرئيس، ومن النظير إلى النظير.
ثم التعزية على أضرب:
الضرب الأوّل (التعزية بالابن)
أبلغ ما كتب به في ذلك ما كتب به النبيّ ﷺ ، إلى معاذ بن «١» جبل، معزّيا له بابن له مات، فيما ذكره أبو الحسين بن سعد في ترسّله، وأبو جعفر النحّاس»
في صناعة الكتّاب، وهو:
стр. 4234
«من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل:
«سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا اله إلّا هو.
أما بعد، فعظّم الله لك الأجر، وألهمك الصّبر، ورزقنا وإيّاك الشّكر، ثم إنّ أنفسنا وأهلينا وموالينا «١» من مواهب الله السنيّة، وعوارفه «٢» المستودعة، تمتّع «٣» بها إلى أجل معدود، وتقبض لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشّكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنيّة، وعوارفه المستودعة، متّعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير: الصلاة «٤» والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت «٥» ، فلا تجمعنّ عليك يا معاذ خصلتين «٦» : أن يحبط «٧» جزعك صبرك فتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك قد أطعت ربّك وتنجّزت موعوده، عرفت أنّ المصيبة قد قصرت عنه. واعلم أنّ الجزع لا يردّ ميّتا، ولا يدفع حزنا، فأحسن الجزاء وتنجّز الموعود، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد «٨» » .
من كلام المتأخرين:
تعزية بولد، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة «٩» ، وهي بعد الألقاب.
وأحسن عزاءه بأعزّ فقيد، وأحبّ حبيب ووليد، وعوّض بجميل الصبر جوانحه الّتي سئلت عن الأسى فقالت: ثابت ويزيد. صدرت هذه المفاوضة
стр. 4235
تهدي إليه سلاما يعزّ عليه أن يتبع بالتعزية، وثناء يشقّ عليه أن يطارح حمائم سجعه المطربة بحمائم الشّجو المبكية المنكية، وتوضّح لعلمه ورود مكاتبته المؤلمة، فوقفنا عليها إلّا أنّ الدّمعة ما وقفت، وخواطر الإشفاق عليه وعلى من عنده طفت حرقها وما انطفت، وعلمنا ما شرحه ولم يشرح الصّدر على العادة- من وفاة الولد فلان، سقى الله عهده ولحده، ونضّر وجهه وتغمّد بالرّضوان خاله «١» وخدّه، وما بقي إلّا التمسّك بأسباب الصبر، والتفويض إلى من له الأمر، والدّنيا طريق والآخرة دار ودهليزها القبر، وللمرء من تثبّته وازع، والاجتماع بالأحبّة الراحلين واقع، إن لم يصيروا إلينا صرنا إليهم، وإن لم يقدموا في الدار الفانية علينا قدمنا في الدار الباقية عليهم، نسأل الله تعالى أن يجمعنا في مستقرّ رحمته، ويحضرنا مع الأطفال أو مع المتطفّلين ولائم جنّته، والله تعالى يدارك بالصبر الجميل قلبه، ولا يجمع عليه فقد الثواب وفقد الأحبّة.
الشيخ شهاب الدين محمود «٢» الحلبي:
رزقه الله تعالى ثباتا على رزيّته «٣» وصبرا، وجعل له مع كلّ عسر يسرا، وأبقاه مفدّى بالأنفس والنّفائس، وكان له أعظم حافظ من نوب الدهر وأجلّ حارس.
المملوك ينهي علمه بهذه النازلة الّتي فتّتت القلوب والأكباد، وكادت أن تفرّق بين الأرواح والأجساد، وأذالت ذخائر العيون، وابتذلت من المدامع كلّ مصون، وأذابت المهج تحرّقا وتلهّبا، وجعلت كلّ قلب في ناري الأسى والأسف متقلّبا، وهي وفاة ولده الذي صغر سنّه، وتزايد لفقده همّ المملوك وحزنه (طويل) .
ونجلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل
стр. 4236
وكان الأمل يحدّث بأنه يشدّ للمولى أزره، ويشرح ببرّه صدره، ويؤثّل مجده، ويبقي الذكر الجميل بعده، ففقد من بين أترابه، وذوى عندما أينع غصن شبابه، وغيّب منظره الوسيم في لحده وترابه، وسيّدنا يعلم أنّ الموت منهل لا بدّ من ورده «١» ، وابن آدم زرع لا بدّ من حصده، وأنّ المنية تشمل الصغير والكبير، والجليل والحقير، والغنيّ والفقير، فينبغي له استعمال صبره، والاستبشار بمضاعفة أجره، والله يمتّعه بأهله وطول عمره.
وله «٢» (كامل)
لهفي وما لهفي عليك بنافع! ... كلّا ولا وجدي ولا حرقاتي
يا من قضى فقضى سروري بعده ... وتحدّرت أسفا له عبراتي
عقد التجلّد حلّها فرط الأسى ... والقلب موقوف على الحسرات
لو كنت ممّن يشترى أو يفتدى ... لفديت بالأرواح والمهجات
كنت المعدّ لنصرتي في شدّتي ... فقضى الحمام «٣» بفرقة وشتات
والله لا أنسيت ندبك والبكا «٤» ... أبدا مدى الأنفاس واللّحظات
ويسوءني أن عشت بعدك ساعة ... أسفا لفقدك ميّتا وحياتي
أعظم الله أجر مولانا ومنحه صبرا جميلا، وأجرا جزيلا، وثناء عريض الشّقّة لثباته على هذه الفادحة طويلا، وجعل هذه الرزيّة خاتمة الرّزايا، وممحّصة جميع الذنوب والخطايا، ولا فجعه بعدها في قرّة عين، ولا أورد محبوبا شغف به قلبه الكريم منهل الحمام ولا سقاه كأس الحين «٥» .
стр. 4237
المملوك يقبّل البساط الذي ما فتيء لنشر المعدلة مبسوطا، وكلّ أمل ببرّه منوطا.
وينهي إلى العلم الشريف علمه بهذه المصيبة الّتي أصابت فؤاد كلّ محبّ فأصمته، وطرقت سمع كلّ وليّ فأصمّته، وولجت كلّ قلب فأحرقته صبابة وحزنا، ومرّت على الصّلد فصدّعته ولو كان حزنا، وهي وفاة فلان سقى الله عهده، وأسكن الرحمة ثراه ولحده، فشقّ أسفا على المفقود جيب كلّ جنان وطوى الأكباد على جراحها، وحسّر الأجساد على أرواحها (طويل) .
وما هي إلّا نكبة، أيّ نكبة ... أهاجت سعيرا في الحشا يتلهّب!
فلا جسم إلّا بالتحرّق ذائب ... ولا قلب إلّا في الأسى يتقلّب
بكى كلّ جفن مصرع السيف فاغتدت ... عيون عليه في الأباطح تسكب
لقد هال عذّالي بكائي تعجّبا ... وإنّ بكائي بعد فقده أعجب
فلو رام قسّ وصف حزني ولوعتي ... لقصّر في أوصافه حين يسهب
فو الله لا جفّت جفوني من البكا ... وإن زاد عذّالي العتاب وأطنبوا
ولهذا أصدر المملوك هذه المطالعة يدعو لمولانا فيها ويعزّيه، ويندب فقيده بألسنة الأقلام ويبكيه، ويبشّره بما وعد الله الصابرين على مثل هذه الرزيّة ويسلّيه، فيا لها نازلة فجعت بغصن رطيب، وقمر يرفل من الشّبيبة في ثوب قشيب، وصدعت القلوب بفقد حبيب وأيّ حبيب (سريع) .
والموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد
وبعد، فللمملوك في هذه الرزيّة مشاركة كادت تباين بين روحه والجسد، وهو المصيب لهذه المصيبة ما تجده الوالهة على فقد الولد، لا يستقرّ به قرار، ولا ينجيه من يد الحزن فرار، دأبه البكاء والعويل، وحزنه العريض الطّويل، فواضعفاه عن حمل هذا المصاب، وواأسفا على مسافر لا ينتظر له قدوم ولا إياب، وواعجباه لضدّين اجتمعا لوالده الكريم الجناب (طويل) .
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل
стр. 4238
وعلى كلّ حال فهو أجدر من استعان على هذه الحادثة بصبره، وشرح لما قد قدّر فسيح صدره، وشكر الله على حلو القضاء ومرّه، فما كان إلّا أحد العمرين فقد فخلفه عمر، وثاني القمرين أفل فقام مقامه هلال قدم من سفر، وفي بقاء المولى ما يوجب التسليم للقدر والقضاء، والشكر لله تعالى في حالتي الشّدّة والرّخاء، جعله الله في حرز لا يزال حريزا مكينا، وحصن على ممرّ الأيام حصينا.
وله: أعظم الله أجره، وأطال عمره، وشرح صدره، وأجزل صبره، وسخّر له دهره.
المملوك ينهي أنه اتّصل به خبر صدع قلبه، وسرق رقاده ولبّه، وضاعف أسفه وكربه، وهو [موت] فلان تغمّده الله برحمته، وأهمى عليه سحائب مغفرته، وعامله بلطفه، وجعل الخيرة له في حتفه، فشقّ ذلك قلبه وعظم عليه، وقارب لشديد حزنه أن يصل إلى ما وصل المرحوم إليه، لكنّه ثبّت نفسه وثبّطها، ورفع يده بالدعاء للمولى وبسطها، وسأل الله أن يطيل بقاءه، ويحسن عزاءه، ويحرسه من أزمات الزمان، فإنه إذا سلّم كان الناس في السّلامة والأمان، ويجعله عن كل فائت عوضا، كما أصاره جوهرا وجعل غيره من الأنام عرضا، ولقد جلّت هذه الرزيّة على كلّ جناب، ودخل حزنها إلى كلّ قلب من كلّ باب، جعل الله أجره للمولى من أعظم الذّخائر، ومنحه الحياة الأبديّة الّتي لا تنتهي إلى أمد ولا آخر، إن شاء الله تعالى.
الضرب الثاني (التعزية بالبنت)
من كلام المتقدّمين:
ابن أبي «١» الخصال المغربي:
стр. 4239
الشيخ فلان عزّاه الله على احتسابه، وجعل الثواب المرتقب أفضل اقتنائه واكتسابه. معزّيه عن فلذة كبده، ومساهمه في أرقه وسهده، والفاتّ في عضد صبره الجميل وجلده، فلان: فإنّي كتبته- كتب الله لكم خيرا يذهب جزعكم، وحسّن منجاكم بالتفدّي الجميل ومنزعكم- عندما وصلني وفاة ابنتكم المرحومة نفعها الله بإيمانها، وتلقّاها بروح الجنّة وريحانها، وهي- أعزّك الله- وإن آلمك فقدها، وأوجعك أن استأثر بها لحدها، فليعزّك عنها مصابنا بنبينا ﵇، وعلمك بأنّا جميعا بمدرجة الحمام، أفتجد على الأرض خالدا، وقديما ثكلنا وليدا نجيبا ووالدا، فمن خلق للفناء، واختلس بمرّ الساعات والآناء، جدير أن يتّعظ بنفسه، ولا يحزن لذهاب من ذهب من ذوي أنسه، فاحمد الله إذ رجّحت ميزانك، وضمنت لك يوم المعاد جنانك، والله يرزقنا احتسابا جميلا وصبرا، ويؤنسك وقد اختار لك الصّهر قبرا، ويعظّم لك ثوابا جزيلا على مصابك وأجرا، ويعمّ فقيدتك بالرّحمى، ويسكب على جدثها مزنها الأوكف الأهمى، ويؤويك إلى كنفه الأعظم الأحمى، بمنّه ورحمته، لا ربّ غيره، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
الضرب الثالث (التعزية بالأب)
من كلام المتقدمين:
ابن أبي الخصال معزّيا بوزير:
يا سيّدي وواحدي، ومحلّ الابن المبرور، والأخ المشكور، عندي، أعزّك الله بالتقوى، ورضّاك بما قضى، وأمدّك بالنّعمى، وشملك بالحسنى.
كتبته- أعزك الله- وقد وصل كتابك الكريم بما نفذ به القدر الذي هو في العباد حتم، وله في كلّ عنق ختم، في الوزير الفقيه الشهيد أبيك كان، ﵀ وأكرم مثواه، وجعل الحسنى الّتي أعدها لأوليائه مقرّه ومأواه، فأسفت كلّ الأسف لفقدانه، وقد كان عين زمانه، وعمدة إخوانه، تغمّده الله بغفرانه، ونقله
стр. 4240
إلى رضوانه، وتلك- أعزك الله- غاية الأحياء، وسبيل الأعداء والأحبّاء، كان على ربّنا- جلّ وعلا- حتما مقضيّا، ووعدا مأتيّا، والأسوة- أعزّك الله- في غمره الفضفاض، وبرّه الفيّاض، وأنه ختم له بالخير والانقباض، وكان آخر ذلك [الحسب] القديم، والجيل الكريم، وقد أمرك الخير فافعل ما أمرت به وكن كما ظنّك وقدّرك وتركك، وإنك بفضل الله تسدّ مسدّه، وتبلغ في كل فضيلة حضره السابق وشدّه، وتعدّ للأيام في الجدّ والاعتزام ما أعدّه، وإخوتك- أعزك الله- لك أظهار وأعضاد، وفيهم غزو مضادّ، فاشتمل عليهم، وارفق بهم؛ فإنهم ينزلونك منزلة أبيهم، وتجد أخلاقه وعونه فيهم. وأما ما أعتقده من تكريمك، وأراه من تفضيلك وتقديمك، فشيء تشهد به نفسك، ويدركه يقينك وحدسك، أشدّ به اعتناء، وأجمل له استواء، وأوفى عنك ردءا وغناء، جعلنا الله من المتحابّين في خلاله، والمتقلّبين في ظلاله، وأمّننا من الزمان واختلاف أحواله، بمنّه والسّلام.
الضرب الرابع (التعزية بالأم)
أبو محمد بن «١» عبد البر المغربي (منسرح) .
ما مات من أنت بعده خلف ... والكلّ في البعض غير ممتنع
كتب عبده القنّ، من الأسى لأجله بعض ما يجنّ، المنطوي على قلب تطمئن القلوب سلوّا ولا يطمئن، فلان: بعد وصول كتابه الكريم بصدع يصمي القلوب، ويقدّ أقوياء الجيوب، ويترك الأحباب مصرّعين على الجنوب، فوقف العبد عليه مترقرق المدامع، منحرق الأضالع، رائيا سامعا سجا الأبصار وأسى
следующие страницы →