← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وكان الأمل يحدّث بأنه يشدّ للمولى أزره، ويشرح ببرّه صدره، ويؤثّل مجده، ويبقي الذكر الجميل بعده، ففقد من بين أترابه، وذوى عندما أينع غصن شبابه، وغيّب منظره الوسيم في لحده وترابه، وسيّدنا يعلم أنّ الموت منهل لا بدّ من ورده «١» ، وابن آدم زرع لا بدّ من حصده، وأنّ المنية تشمل الصغير والكبير، والجليل والحقير، والغنيّ والفقير، فينبغي له استعمال صبره، والاستبشار بمضاعفة أجره، والله يمتّعه بأهله وطول عمره. وله «٢» (كامل) لهفي وما لهفي عليك بنافع! ... كلّا ولا وجدي ولا حرقاتي يا من قضى فقضى سروري بعده ... وتحدّرت أسفا له عبراتي عقد التجلّد حلّها فرط الأسى ... والقلب موقوف على الحسرات لو كنت ممّن يشترى أو يفتدى ... لفديت بالأرواح والمهجات كنت المعدّ لنصرتي في شدّتي ... فقضى الحمام «٣» بفرقة وشتات والله لا أنسيت ندبك والبكا «٤» ... أبدا مدى الأنفاس واللّحظات ويسوءني أن عشت بعدك ساعة ... أسفا لفقدك ميّتا وحياتي أعظم الله أجر مولانا ومنحه صبرا جميلا، وأجرا جزيلا، وثناء عريض الشّقّة لثباته على هذه الفادحة طويلا، وجعل هذه الرزيّة خاتمة الرّزايا، وممحّصة جميع الذنوب والخطايا، ولا فجعه بعدها في قرّة عين، ولا أورد محبوبا شغف به قلبه الكريم منهل الحمام ولا سقاه كأس الحين «٥» .

стр. 4237

المملوك يقبّل البساط الذي ما فتيء لنشر المعدلة مبسوطا، وكلّ أمل ببرّه منوطا. وينهي إلى العلم الشريف علمه بهذه المصيبة الّتي أصابت فؤاد كلّ محبّ فأصمته، وطرقت سمع كلّ وليّ فأصمّته، وولجت كلّ قلب فأحرقته صبابة وحزنا، ومرّت على الصّلد فصدّعته ولو كان حزنا، وهي وفاة فلان سقى الله عهده، وأسكن الرحمة ثراه ولحده، فشقّ أسفا على المفقود جيب كلّ جنان وطوى الأكباد على جراحها، وحسّر الأجساد على أرواحها (طويل) . وما هي إلّا نكبة، أيّ نكبة ... أهاجت سعيرا في الحشا يتلهّب! فلا جسم إلّا بالتحرّق ذائب ... ولا قلب إلّا في الأسى يتقلّب بكى كلّ جفن مصرع السيف فاغتدت ... عيون عليه في الأباطح تسكب لقد هال عذّالي بكائي تعجّبا ... وإنّ بكائي بعد فقده أعجب فلو رام قسّ وصف حزني ولوعتي ... لقصّر في أوصافه حين يسهب فو الله لا جفّت جفوني من البكا ... وإن زاد عذّالي العتاب وأطنبوا ولهذا أصدر المملوك هذه المطالعة يدعو لمولانا فيها ويعزّيه، ويندب فقيده بألسنة الأقلام ويبكيه، ويبشّره بما وعد الله الصابرين على مثل هذه الرزيّة ويسلّيه، فيا لها نازلة فجعت بغصن رطيب، وقمر يرفل من الشّبيبة في ثوب قشيب، وصدعت القلوب بفقد حبيب وأيّ حبيب (سريع) . والموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد وبعد، فللمملوك في هذه الرزيّة مشاركة كادت تباين بين روحه والجسد، وهو المصيب لهذه المصيبة ما تجده الوالهة على فقد الولد، لا يستقرّ به قرار، ولا ينجيه من يد الحزن فرار، دأبه البكاء والعويل، وحزنه العريض الطّويل، فواضعفاه عن حمل هذا المصاب، وواأسفا على مسافر لا ينتظر له قدوم ولا إياب، وواعجباه لضدّين اجتمعا لوالده الكريم الجناب (طويل) . تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل

стр. 4238

وعلى كلّ حال فهو أجدر من استعان على هذه الحادثة بصبره، وشرح لما قد قدّر فسيح صدره، وشكر الله على حلو القضاء ومرّه، فما كان إلّا أحد العمرين فقد فخلفه عمر، وثاني القمرين أفل فقام مقامه هلال قدم من سفر، وفي بقاء المولى ما يوجب التسليم للقدر والقضاء، والشكر لله تعالى في حالتي الشّدّة والرّخاء، جعله الله في حرز لا يزال حريزا مكينا، وحصن على ممرّ الأيام حصينا. وله: أعظم الله أجره، وأطال عمره، وشرح صدره، وأجزل صبره، وسخّر له دهره. المملوك ينهي أنه اتّصل به خبر صدع قلبه، وسرق رقاده ولبّه، وضاعف أسفه وكربه، وهو [موت] فلان تغمّده الله برحمته، وأهمى عليه سحائب مغفرته، وعامله بلطفه، وجعل الخيرة له في حتفه، فشقّ ذلك قلبه وعظم عليه، وقارب لشديد حزنه أن يصل إلى ما وصل المرحوم إليه، لكنّه ثبّت نفسه وثبّطها، ورفع يده بالدعاء للمولى وبسطها، وسأل الله أن يطيل بقاءه، ويحسن عزاءه، ويحرسه من أزمات الزمان، فإنه إذا سلّم كان الناس في السّلامة والأمان، ويجعله عن كل فائت عوضا، كما أصاره جوهرا وجعل غيره من الأنام عرضا، ولقد جلّت هذه الرزيّة على كلّ جناب، ودخل حزنها إلى كلّ قلب من كلّ باب، جعل الله أجره للمولى من أعظم الذّخائر، ومنحه الحياة الأبديّة الّتي لا تنتهي إلى أمد ولا آخر، إن شاء الله تعالى. الضرب الثاني (التعزية بالبنت) من كلام المتقدّمين: ابن أبي «١» الخصال المغربي:

стр. 4239

الشيخ فلان عزّاه الله على احتسابه، وجعل الثواب المرتقب أفضل اقتنائه واكتسابه. معزّيه عن فلذة كبده، ومساهمه في أرقه وسهده، والفاتّ في عضد صبره الجميل وجلده، فلان: فإنّي كتبته- كتب الله لكم خيرا يذهب جزعكم، وحسّن منجاكم بالتفدّي الجميل ومنزعكم- عندما وصلني وفاة ابنتكم المرحومة نفعها الله بإيمانها، وتلقّاها بروح الجنّة وريحانها، وهي- أعزّك الله- وإن آلمك فقدها، وأوجعك أن استأثر بها لحدها، فليعزّك عنها مصابنا بنبينا ﵇، وعلمك بأنّا جميعا بمدرجة الحمام، أفتجد على الأرض خالدا، وقديما ثكلنا وليدا نجيبا ووالدا، فمن خلق للفناء، واختلس بمرّ الساعات والآناء، جدير أن يتّعظ بنفسه، ولا يحزن لذهاب من ذهب من ذوي أنسه، فاحمد الله إذ رجّحت ميزانك، وضمنت لك يوم المعاد جنانك، والله يرزقنا احتسابا جميلا وصبرا، ويؤنسك وقد اختار لك الصّهر قبرا، ويعظّم لك ثوابا جزيلا على مصابك وأجرا، ويعمّ فقيدتك بالرّحمى، ويسكب على جدثها مزنها الأوكف الأهمى، ويؤويك إلى كنفه الأعظم الأحمى، بمنّه ورحمته، لا ربّ غيره، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته. الضرب الثالث (التعزية بالأب) من كلام المتقدمين: ابن أبي الخصال معزّيا بوزير: يا سيّدي وواحدي، ومحلّ الابن المبرور، والأخ المشكور، عندي، أعزّك الله بالتقوى، ورضّاك بما قضى، وأمدّك بالنّعمى، وشملك بالحسنى. كتبته- أعزك الله- وقد وصل كتابك الكريم بما نفذ به القدر الذي هو في العباد حتم، وله في كلّ عنق ختم، في الوزير الفقيه الشهيد أبيك كان، ﵀ وأكرم مثواه، وجعل الحسنى الّتي أعدها لأوليائه مقرّه ومأواه، فأسفت كلّ الأسف لفقدانه، وقد كان عين زمانه، وعمدة إخوانه، تغمّده الله بغفرانه، ونقله

стр. 4240

إلى رضوانه، وتلك- أعزك الله- غاية الأحياء، وسبيل الأعداء والأحبّاء، كان على ربّنا- جلّ وعلا- حتما مقضيّا، ووعدا مأتيّا، والأسوة- أعزّك الله- في غمره الفضفاض، وبرّه الفيّاض، وأنه ختم له بالخير والانقباض، وكان آخر ذلك [الحسب] القديم، والجيل الكريم، وقد أمرك الخير فافعل ما أمرت به وكن كما ظنّك وقدّرك وتركك، وإنك بفضل الله تسدّ مسدّه، وتبلغ في كل فضيلة حضره السابق وشدّه، وتعدّ للأيام في الجدّ والاعتزام ما أعدّه، وإخوتك- أعزك الله- لك أظهار وأعضاد، وفيهم غزو مضادّ، فاشتمل عليهم، وارفق بهم؛ فإنهم ينزلونك منزلة أبيهم، وتجد أخلاقه وعونه فيهم. وأما ما أعتقده من تكريمك، وأراه من تفضيلك وتقديمك، فشيء تشهد به نفسك، ويدركه يقينك وحدسك، أشدّ به اعتناء، وأجمل له استواء، وأوفى عنك ردءا وغناء، جعلنا الله من المتحابّين في خلاله، والمتقلّبين في ظلاله، وأمّننا من الزمان واختلاف أحواله، بمنّه والسّلام. الضرب الرابع (التعزية بالأم) أبو محمد بن «١» عبد البر المغربي (منسرح) . ما مات من أنت بعده خلف ... والكلّ في البعض غير ممتنع كتب عبده القنّ، من الأسى لأجله بعض ما يجنّ، المنطوي على قلب تطمئن القلوب سلوّا ولا يطمئن، فلان: بعد وصول كتابه الكريم بصدع يصمي القلوب، ويقدّ أقوياء الجيوب، ويترك الأحباب مصرّعين على الجنوب، فوقف العبد عليه مترقرق المدامع، منحرق الأضالع، رائيا سامعا سجا الأبصار وأسى

стр. 4241

المسامع، فيا أسفي لخطب ضعضع ركن الجدّ وكان وثيقا، وصوّح «١» روض الفضل وكان وريقا، ونغّص حسن الصبر ولم يزل صديقا، وترك العبد خليقا بهذا القول ومثله معه حقيقا، فآه لدين ومروءة فقدا في قرن، وعلى صون وعفاف أدرجا في كفن، وحصان رزان لا تعرف بوصمة ولا تزنّ؛ لقد أصمّ بها الناعي وإن كان أسمع، وأرّق ما شاء الفؤاد وأراق المدمع، ولم يبق قلبا للصبر إلّا صدعه، ولا أنفا للسّلوّ إلّا جدعه، ولا بابا للتعزّي إلّا أرتجه، ولا عقيما للتأسّف إلا أنتجه، ولو قبل في الموت فدا وصحّ أن يؤخذ فيه فداء لما خلص إليكم ولا ألمّ، ولا عداكم في صروف المنايا المخيفة سلّم، لكن أبى الله إلّا أن تعمّ الحرقة، وتستولي على الوقت الفرقة. الضرب الخامس (التعزية بالأخ) أبو محمد بن عبد البر: وكتبت والأنفس مرتمضة، والعين غير مغتمضة، والأنفاس تتصعّد، والأحزان تتأكّد، أسفا للمصاب الذي عمّ وغمّ، وأسمع نعيه فأصمّ، وقال للفرح: كفّ من عنانك، وللتّرح انتظر لأوانك، بوفاة [الفرد] الذي في رأسه نور، وسداد الآراء المختلفة وسداد الثّغور، والفذّ الذي شهد الرجال بفضله، وعقم النساء فما تجيء بمثله، أبي فلان صنوكم، السابق الذي لا يجارى، والشارق الذي لا يسارى، والغيث الذي عمّ المنيل والمستنيل، والليث الذي ورد الفرات زئيره والنّيل، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون! تسليما للقدر وإن ساء، وشمل المرؤوسين والرّؤساء، فياله مصابا ترك كلّ رأس أميما، وأودع صميم كلّ فؤاد ثكلا صميما، لقد أنصل السّمر اللهاذم، وأغمد البيض الصّوارم، وعطّل الكتائب والمقانب، وأوحش المفاوز والسّباسب، ولم يبق مشيد علا إلا

стр. 4242

هدّه، ولا مديد ثناء إلّا صدّه. ولم لا وهو الشخص يموت بموته بشر كثير، ويبكيه قلم وحسام ومنبر وسرير؟ وعند الله نحتسبه جميعا، ونوسعه بمحض الصّفاء وصفو الثناء توديعا وتشييعا، ونفارقه فراق الصّدر خلده، والمصاب جلده، فوا أسفي لرزئه ما أفظعه موقعا! وواحربا ليومه ما أظلمه مطلعا! وواحزنا لنعيه ما أشنعه مرأى ومسمعا!!! فلئن جرت الدموع له دما، وأضمرت الضلوع به مضطرما، لما أدّت حقّه ولا كربت، ولا دانت بعض الواجب فيه ولا اقتربت، ولولا أنّ المنيّة منهل لا يحلّأ وارده، ومعلم يهدى إليه على أهدى سمت مباعده، لم يبق في أنس مطمع، ولا لحزن مستدفع، ولكان الثاكل غير ما ترى وتسمع، وما أنتم أيّها الشيخ المكرّم ممن ينبّه على ذخر من العمل الصالح، يكتسبه، وصبر في الرّزء الفادح، يحتسبه، فصبرا فالمنون غاية الممسين والمصبحين، والنبأ الذي يعلم ذوقا ولو بعد حين؛ وهو تعالى المسؤول أن يرقع بمكانكم هذا الخرق المتّسع، ويصل بجنابكم ذلك الشّمل المنصدع. ابن أبي «١» الخصال: الشيخ فلان أبقاه الله يتلقّى الأرزاء بحسن الصبر، وجميل الاحتساب، ويتقاضى بالتعزي مرتقب الأجر، ومنتظر الثّواب، معزّيه في أخيه الكريم علينا، العظيم مصابه الفادح لدينا، فلان: فإني كتبته- كتب الله لكم صبرا تجدون ذخره، وأوجب لكم عزاء تحمدون يوم القيامة شأنه وأمره- عندما وصل من وفاة الشيخ أبي فلان أخيكم رحمه الله تعالى ما كدّر العيش ونغّصه، وجشّم جرع الحمام المقطوعة وغصصه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! استسلاما لقدره وقضائه، وأخذا فيما يدني ويقرّب من إرضائه، وما نحن إلّا بنو الأموات الذين درجوا، وسنخرج من الدّنيا كما قبلنا خرجوا، جعلنا الله جميعا ممن ينظر لمعاده، ويجعل التقوى خير ما أوعاه بجداده، وسلك بنا نهج هدايته وطريق رشاده. وهو جلّ وعلا يجزل لكم على مصابكم ثوابا عميما موفورا، ويجعل فقيدكم بين

стр. 4243

أيديكم في يوم القيامة نورا، ويلقّيه في دار الفردوس ملكا كبيرا وحبورا، ولولا كذا لسرت إليكم لأعزّيكم شفاها، وأحدّثكم عن ضلوع أحرق هذا المصاب حشاها، لكن امتثال أمره المطاع، حمل على البدار إلى ما أمر به والإسراع، والله يديم لنا بكم الإمتاع، بمنّه وكرمه، والسّلام. الضرب السادس (التعزية بالزوجة) من كلام المتقدّمين: أبو محمد بن عبد البر: وقد تقرّر عند ذوي الألباب، وثبت ثبوتا لا يعلّل بالارتياب، أنّ الدنيا قنطرة دائرة، ومعبرة إلى الآخرة، وأنّ ساكنها وإن طال عمره، وطار في الخافقين أمره، لديغ سمّها، وصريع سهمها، فما تضحك إلّا لتبكي، ولا تؤنس إلا لتنكي، وقد نفذ القدر الذي ماله ردّ، ولا منه بدّ، بوفاة فلانة ألحقها الله رضوانه، وأسكنها بفضله المرجوّ جنانه، فإنّا لله وإنا إليه راجعون!! تأسّيا بالسّلف الصالح، وتسلّيا عن ماء الدّمع السّافح، وزند القلب القادح. وعند الله نحتسبها عقيلة معدومة المثيل، مفقودة الدّين والعفّة في هذا الجيل، متحلّية من دعاء الفقراء، وثناء الصّلحاء، بالغرّة الشادخة والتحجيل، لقد ذهب لذهابها الرّفق والحنان، وعدم لعدمها الشّيم البرّة والأخلاق الحسان، وإنّ فقدها لخرق لا يرقع، وغلّة لا تنقع، وخطب لا يزال الدهر يتذكّر فيصدع، ولولا العلم بأن اللّحاق بها أمر كائن، وأن المخلّف في الدّنيا لا محالة عنها بائن، وأن التنقّل للآخرة ما لا ننفكّ نسمعه ونعاين، لما بقيت صبابة دمع إلّا ارفضّت، ولا دعامة صبر إلّا انقضّت، ولكان الحزن غير ما تسمع وترى، والوجد فوق ما يجري وجرى، لكن لا معنى لحزن لما يقع فيه الاشتراك، ولا وجه لأسف على ما لا يصحّ فيه الاستدراك. وما أنتم بحمد الله ممن يذكّر بما هو فيه أذكر، ولا ممن ينبّه على ما هو بالتنبيه عليه أخلق وأجدر، ولولا أنّ التّعازي مما اطّرد به العمل،

стр. 4244

وسنّه الصالحون الأول، لما سلك سبيله معكم وأنتم ممن قدر الأمور قدرها، وعلم أنّ الحياة ولو طالت فالموت أثرها، وإذا لم يكن من الموت بدّ، ولم يمنع منه صدّ ولا سدّ، فالصبر خير من الجزع، وأدلّ على كرم المنحى والمنزع، وأحرى أن يكون الثواب جزيلا، والجزاء حسنا جميلا، والله يبقيكم أتمّ البقاء، ويرقّيكم أتم الارتقاء. ابن أبي الخصال: الشيخ الأجلّ فلان آنس الله وحشته، وجدّد على فقيدته رحمته. معزّيه عن أهله الهالكة وسكنه، ومساهمه بأوجب حزن في القلوب وأسكنه. فلان: فإنا كتبناه عن دموع تصوب وتنسرب، وضلوع تخفق من وجيبها وتضطرب، وأنس يشرد منا ويحتجب، بموت فلانة رحمها الله الّتي أودعت في جوانحنا من الثّكل ما أودعت، ورضّت أكبادنا بمصابها وصدعت، عزّانا الله جميعا فيها، وأولاها نعيما في الفردوس الأعلى وترفيها، وأعقبنا من الوحشة أنسا، وعمر بالرّحمى جدثا مباركا ورمسا، وجعلنا كلّا ممن يردع عن الانحطاط إلى الدنيا نفسا، بمنّه وكرمه. من كلام المتأخرين: الشيخ شهاب الدين محمود «١» الحلبي: لمّا علم مملوك المجلس «٢» السامي أطال الله بقاءه، وأعظم أجره وأحسن عزاءه، وفاة السيدة المرحومة سقى الله عهدها عهدا يبلّ الثّرى، وجعل الرحمة لمن نزلت به لها القرى، تألّم لفقدها غاية الألم، ووجد حرقة كسته ثوبي ضنّى وسقم، وحزنا لا يعبّر عنه بعبارة بيانه، ولا يستوعب وصفه بلسان قلمه وبنانه (وافر) .

стр. 4245

ولو كان النّساء كمن فقدنا ... لفضّلت النّساء على الرّجال والمولى أولى من عزّى نفسه، واستحسن رداء الصبر ولبسه، وعلم أنّ الموت غريم لا ينجي منه كثرة المطال، ولا يدافع بالأطلاب والأبطال، وأنه إذا طالب بذمّة كان ألدّ الخصام، وإذا حارب فعل بيده ما لا تفعله الكماة بحدّ الحسام. الضرب السابع (التعازي المطلقة مما يصلح إيراده في كلّ صنف) من ذلك، من ترسّل أبي الحسين «١» بن سعد: من صحب الأيام وتقلّب في آنائها، اعتورته أحداثها، واختلفت عليه احكامها، بين مسرّة ومساءة يعتقبان، وفرحة وترحة يتناوبان، [وكان] فيما تأتيه من محبوبها على غير ثقة من دوامه واتّصاله، ولا أمن من تغيره وانتقاله، حتّى تعقب السلامة حسرة، وتستحيل النعمة محنة، والسعيد من وفّق في كلّ حال لحظّه، وأعين على ما فيه سلامة دينه، من الشّكر على الموهبة، والصبر على النازلة، وتقديم حقّ الله تعالى في حال الغبطة والرّزيّة. ولم تكن بالفجيعة به مفردا عنّي وإن كان النّسب يقرّبه منك، والرّحم تصله بك؛ لما كنت أوجبه من حقّه، وأرعاه من مودّته، وأختصّه بالاعتداد فيه دون أداني أهلي والثّقة من إخواني، فمضى ﵀ أقوى ما كان الأمل فيه، وأكمل ما كان عليه في لبّه وأدبه، واجتماع فهمه وكمال هديه، وانتظام أسباب الخير وأدوات الفضل فيه. ومنه: لا ينكر للعبد أن يتناول مولاه عند وقوع المحنة في أهل خاصّته، وتخوّن ريب المنون من حاشيته، بالتعزية عن مصيبته، والإخبار عما يخصّه من ألم فجيعته وعظم رزيّته، لا سيّما إذا كان بحيث لا يرى شخصه في الباكين، ولا تسمع صرخته بين المتفجّعين، ولو سعيت على حدقتي. ومن ذلك:

стр. 4246

إنّ الله تعالى أمر أهل طاعته، بتنزيل هذه الدنيا بمنزلتها من إهانته، وسوّى بين البرّ والفاجر في رغائبها ومصائبها، ولم يجعل العطيّة دليلا على رضاه، ولا الرزيّة دليلا على سخطه، ولكنّه ألزم كلّ واحد من أهل الرّضا والسّخط من نعمها بنصيب، وسقاهم من حوادثها بذنوب؛ ليبتلي أهل رضاه في أهون الدارين عليه، ويحسن لهم الجزاء في أكرمهما لديه، ولذلك حبّب إليهم الزّهادة في زهيد فائدتها، وممنوح زهرتها، وسمّاها لعبا ولهوا؛ لئلّا يعلقوا بحطامها، وينغمسوا في آثامها، وختمها بالموت الذي كتبه على خليقته، وسوّى بينهم في سكرته: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «١» ، ويقرّبهم بدار يفنى الموت ويبقون فيها بعده، كما فنوا في هذه الدار وبقي الموت بعدهم، فإن تأخّر الأجل فإلى غاية، وإن تطاول الأمد فإلى نهاية. ولا بدّ أن يلحق التالي الماضي، والآنف بالسالف، وهذه حال نصب الأفكار، وتلقاء الأبصار، لا تحتاج أن يرتاض الصبر على آلامها، والتحمل لمعضلات سهامها، والجزع عند وقوعها قادح في البصائر والأفهام، دالّ على الجهل بالليالي والأيام، وقد طرق المملوك ناعي فلان فهدّ جلدي، وفتّت كبدي، لا ارتياعا للحادثة؛ لأنّها لو لم تكن فيه لكانت في المملوك، ولو لم تتطرّق إليه لتطرّقت إلى المدرك (؟) ولكن الأسف على عطل الزمان من حلية فضله، وتعرّيه من حلّة نبله، وخلوّ عراصه من الأنس بمثله، وما نال سيّدي لفقده، وتحمّله من بعده، وإلى الله تعالى يرغب المملوك أن يربط على قلبه بالصبر، ويوفّقه لتنجّز ما وعد به الصابرين من الأجر، إن شاء الله تعالى. عليّ بن خلف: رقعة: ليس عند المصيبة- أطال الله بقاء سيدي- خير من التسليم إلى الله والرّضا بقضائه، والصبر على بلائه، فإنه تعالى مدح الصابرين في كتابه، ووعدهم بصلواته، فقال جلّ قائلا: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا

стр. 4247

إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ «١» . وقال جلّ قائلا: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ «٢» . ولم تزل الأولياء من القدماء يحضّون على الصبر وهم لا يرجون عليه ثوابا، وينهون عن الجزع ولا يخافون عليه عقابا. ومن عرف الأيّام وتداولها، والأحوال وتحوّلها، وسّع صدره للنوائب، وصبر على تجرّع المصائب، ومن «٣» اغترّ بطول السّلامة، وطمع في الاستمرار والإقامة. رقعة: وقد اتصل بالمملوك خبر الفجيعة بفلان، فأفيضت المدامع، وتضعضعت الأضالع، وزفرت الأنفاس، وهمدت الحواسّ، وأذاب الطرف سواده على الوجنات بدلا من الأنقاس، وخلعت القلوب سويداءها على الأجساد، عوضا عن جلابيب الحداد، وعضّت الأنامل جزعا، ومزّقت الثياب تفجّعا وتوجّعا، وكل هذا وإنّ فارق حميد التّماسك، ووافق ذميم التّهالك، غير موف بحقّ ذلك الدارج الذي بلغ المعالي وهو في مهده، وشدّ دعائم الفضل ولم يبلغ أوان رشده، وعلم سيدي أنّ غاية الجازع وإن صدعت المصيبة قلبه، وأطاشت الفجيعة لبّه، الصبر والسّلو، وأنّ نهاية القلق وإن هجمت عليه الحرقة بما لا تتوفّر عليه الأضالع، ولا تتماسك معه المدامع، القرار والهدوّ، والله تعالى لا يريه بعد هذا الرّزء رزءا بفنائه، وينقل ذلك عنه إلى حاسديه وأعدائه. رقعة: من علم أنّ الأقضية لا تخطيء سهامها، والأقدار لا تردّ أحكامها، سلّم الأمر في السّرّاء والضّرّاء، ورضي بما مناه في البلاء والابتلاء، ولا سيّما

стр. 4248

في مصيبة الموت الّتي سوّى بين الخليقة في تجريع صابها، واقتحام عقابها، وقد اتّصل بالمملوك خبر الحادث الفاصم لعرى الجلد، البارح «١» في الجلد، فاستحالت في عين المملوك الأحوال، ومالت عنه الآمال، ورأى السماء وقد تكدّر جوّها، والشمس وقد تعكّر ضوّها، والسّحائب وقد أخلف نوّها، والنّهار وقد اظلم، والليل وقد ادلهم، والنسيم وقد ركد، والمعين وقد جمد، والزمان وقد سهمت وجنته، وسلبت حليته، وأفرجت قبضته عن التماسك، وقبضت على التهالك، وعدلت عن التجلّد، إلى التبلّد، ثم أفاق من غمرة فجيعته، وهبيب سنة رويّته، فسلّم لله راضيا بأقضيته، راغبا في مثوبته. أبو الفرج «٢» الببغاء: إذا كان أيّده الله أهدى في النّعم إلى سبل الشكر، وأعرف في المحن بطرق الصبر، فكيف نحاذر عليه من المصائب، ونذكّره التسليم لمحتوم النّوائب، والمصيبة بفلان أعظم من أن نهتدي فيها إلى سلوة غير مستفادة منه، أو نقتدي في العزاء بغير ما نأخذه عنه، إذ كانت قلوبنا تبع قلبه- سرّه الله- في طروق السّراء والضّرّاء، وحالتي الشّدّة والرّخاء. وأحسن [الله] عن الفجيعة عزاءه، وأجزل من المثوبة عطاءه، ولا شغله عن حلاوة شكر النّعم بمرارة الصبر على ورود المحن، وجعل ما نقل الماضي إليه، أنفع له ولسيّدي من الجزع عليه. وله في مثله: اتصل بي خبر المصيبة فجدّد الحسرة، وسكب العبرة «٣» ، وأضرم الحرقة، وضاعف اللّوعة، وكان الأسف عليه، بقدر تشوّف الآمال كانت إليه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! أخذا بأمره، وتسليما لحكمه، ورضا بمواقع أقضيته،

стр. 4249

وأحسن الله في العزاء هدايته، وحرس من فتن المصائب بصيرته، وحمل عن قلبه ما أظلّه من ثقل المصيبة وعظم الرزيّة. ولا أزال على جملة من القلق إلى أن يرد عليّ كتابه- أيده الله- بما أكون فيه بأدبه مقتديا، وبهدايته إلى سبيل العزاء والصبر مهتديا، فإن رأى إجرائي من تشريفه بذلك على مشكور العادة، فعل، إن شاء الله تعالى. وله في مثله: اشتراك القلوب فيما ألمّ بقلب سيّدي بحسب تساويها في المسرّة بما سرّه، إذ كان لا يختصّ دون أوليائه بنعمة، ولا ينفرد دون مؤمّليه بحلول موهبة، والمصيبة بفلان وإن جلّ موقعها وعظمت الفجيعة [بها]- جلل» مع سقوط الأقدار دونه، وتجاوزها عنه، ومسامحتها به، فلا شغل الله قلبه بعدها بمرارة الصبر عمّا توجبه النّعم من حلاوة الشّكر، ولا جاوره برزيّة في حميم ولا نعمة. وله في مثله: بصيرتك إلى العزاء تهديك، واغتباطك بثواب الله يسلّيك، وعلمك بقلّة الغناء عن الجزع يثنيك، وجمعنا بك في الصبر مقتدون، ولرأيك في الرّضا بما اختاره الله تعالى متّبعون، فحمل الله عن قلبك ثقل المصيبة، وحرس يقينك من اعتراض الشبهة، وأحسن إلى جميل الصبر هدايتك، وتولّى من فتن المحن رعايتك، وجعل ما نقل الماضي إليه، أنفع لك وله من الأسف عليه. وله في مثله: اتصل بي خبر المصيبة فأضرم الحسرة، وسكب العبرة، وقدح اللّوعة، وامترى «٢» الدّمعة، وكانت مشاركتي إيّاك في المصيبة به، والفجيعة لفقده، بحسب اختصاصي بمواهب الله عندك، واغتباطي بمنحه لديك، فإنّا لله وإنّا إليه

стр. 4250

راجعون!! تسليما لأمره، وانقيادا لحكمه، ورضا بمواقع أقداره، وأحسن الله على العزاء توفيقك، وإلى السّلوة إرشادك، ولا أخلاك فيما تطرقك به مصيبة من مصاحبة الصبر، وفيما تفد به عليك نعمة من الاستزادة بالشكر، وحرسك في نفسك وأحبّتك، وذوي عنايتك ونعمتك. وله في مثله: قدرك أكبر، وبصيرتك أنور، وثقتك بالله تعالى أعظم من اعتراض الشّكوك عليك فيما يطرقك من عظاته بالحوادث وإن عظمت، والمحن وإن جلّت، اختبارا بالمصائب لصبرك، وبما يظاهره عليك من النّعم لشكرك، ومثلك، أيدّك الله، من قابل الفجيعة بفلان- إذ كانت من الواجب المحتوم- بأحسن عزاء وأفضل تسليم، غير مرتاب بما اختاره الله له ولك فيه، فعظّم الله به أجرك وحرسك وحرس فيك. الأجوبة عن التّعازي قال في «موادّ البيان «١» » : أجوبة التّعازي يجب أن تبنى على وقوف المعزّى على كتاب المعزّي، وأنّ إرشاده نقع غلّته، ووعظه نفع علّته، وتبصيره سكّن أواره، وتذكيره أخمد ناره، وتنبيهه أيقظ منه بحسن العزاء غافلا، وهدى إلى الصبر ذاهلا، وحسّن عنده الرزيّة بعد جهامتها، ودمّث نفسه للمصيبة بعد فدامتها، فسلّم لله تعالى متأدّبا بأدبه، وعمل بالحكم مقتديا بمذهبه، وغالب الرّزء بالعزم، وأخذ فيه بالحزم، وسأل الله تعالى أن يحسن له العوض في ردّه، ويجعله له خلفا ممن أصيب بفقده، ونحو هذا مما ينخرط في سلكه. جواب عن تعزية: من زهر الربيع: أعزّ الله سيدنا وأسعده، وسهّل له طريق المسرّة ومهّده، وصان عن حوادث الأيّام حجابه، وعن طوارق الحدثان جنابه، وجعله في حمى عن

стр. 4251

عوارض الغير والغرر، وأصار أيّامه محسّنة لوجوه الأيّام كالغرر. ورد الكتاب الذي أنعم بإرساله، بل المشرّف الذي كسته اليد العالية حلّة من حلل جماله، فوقف عليه وفهمه وتذكّر به إحسانه الذي لا ينساه، وتفضّله الذي لا يعرف سواه، فأما التعزية بفلان، فإنه ردّ بعذب لفظها قوّته، وبلّ بماء حسنها غلّته، وصبّره على حادثته بفلان بعد أن عزّ عليه العزاء وأعوزه، وطلب وعده من صبره فما أنجزه، لأنه كان وجد لموت المذكور حزنا ما استطاع له تركا، وفقد لموته خلّا مثله يناح عليه ويبكى، وفي بقاء مولانا مسرّة تطرد كلّ حزن، وفي بهاء طلعته عوض عن كل منظر حسن، جعله الله ساميا على أترابه، مقدّما على أضرابه، ما سمت الأسماء على الأفعال، وتقدّم الحال على الاستقبال. آخر: ضاعف الله بقاءه وأطال عمره، وشرح لإسداء المكارم صدره، وأنفذ نهيه وأمره، ولا زال إلى أوليائه محسنا، وفضله يحصّل لمحبّيه غاية السّول والمنى، ورد مشرّفه المعزّي بوفاة فلان سقى الله عهده عهاد رضوانه، وأسكنه في غرف غفرانه، فجبر مصابا، وفتح إلى الصّبر أبوابا، وهدى إلى طريق الخير وقال صوابا، وسكّن نفسه، وذكّره إحسانه الذي لم ينسه، وأزال الوحشة وزاد أنسه، بعد أن كان فقد المذكور قد هدّ ركنه وفتّ عضده، وأوصله إلى أمد الحزن وضاعف على الأيام أمده، وألبسه رداء الاكتئاب، على تربه الذي أصبح تحت التّراب، وصديقه الموصوف بالصدق، الذي فاق سناه ذلك الأفق، جعله الله أصلا في تحصيل المسرّة إذا ذوت الفروع، وسيفا يقهر به وليّه الحوادث الّتي تروع، إن شاء الله تعالى. آخر: جعل الله أجره عظيما كقدره، والقلوب مجمعة على حبّه كإجماع الألسنة على شكره. المملوك يعلمه بورود كتابه الكريم المعزّي بفلان- قدّس الله روحه، وأمطر سحائب الرحمة ضريحه- عليه، وعنده من شديد الحزن، ما أعدمه لذيذ

стр. 4252

الوسن، ومن زائد الاكتئاب، ما كاد يحرمه التقمّص بثوب الثّواب، بحيث إنّه عوّض بالزّمن الأسود عن العيش الأخضر، وذاق من موجب لبس الأبيض طعم الموت الأحمر، وأنه ضمه إليه ضمّ المحبوب، وابتهج به ابتهاج من ظفر بغاية السّول والمطلوب، فأغمدت الكآبة خوفا من قلمه سيفها، وأزالت الدنيا الدنيّة عنه حيفها، وعزّى نفسه وسلّاها، وشغله إحسانه عن محاسن محا الموت سناها، فرفض من توجّعه ما فرضته حادثته، وسلك منهجا غير المنهج الذي فتّتت فيه حشاه ومهجته، فالله تعالى يكفينا ما نحاذره في المجلس ويحرس سناه، ويديم سعده وعلاه. النوع الثالث (من مقاصد المكاتبات التّهادي والملاطفة) قال في «موادّ البيان» : رقاع التّهادي يجب أن تودع من الألفاظ المستحسنة ما يمهّد لقبول الملاطفة والمبرّة الّتي تتميز في المودّة. قال: وينبغي أن يطرف الكاتب إذا كان مهديا أو مستهديا، وقد جرت العادة أن تودع هذه الرقاع من أوصاف الشيء المهدى ما يحسّنه في نفس المهدى إليه. قال: وينبغي لمن ذهب هذا المذهب أن لا يعتمد تفخيم هديّته، ولا الإشارة إلى جلالة خطرها، فإنّ ذلك يخلّ بشروط المروءة ويتحاماه الكرماء. ثم هي على ثلاثة أضرب: الضرب الأوّل (ما يكتب مع التّقادم إلى الملوك من أهل مملكتهم إلى القائمين بإيصال التّقدمة إلى الملك وكاتب السّرّ ونحوهما) الشيخ جمال الدين بن «١» نباته: إلى كاتب «٢» السرّ بالأبواب السلطانية

стр. 4253

صحبة تقدمة من نائب الشام إلى السلطان «١» : لا زالت أقلامها لنتائج الفضل مقدّمة، ولمراكض الكرم والبأس جيادا مسوّمة «٢» ولكتائب الملك من كتبه أعلاما بشعارها العبّاسيّ معلمة، وفي يد صاحبها من أصحاب الميمنة، والذين كفروا بآيات الله ونعمها من أصحاب المشأمة، تقبيل محبّ لا تفسخ عقود ولائه المحكمة، ولا تنسخ إلّا في الكتب عقود ثنائه المنظّمة، ولا تطوف الأشواق ببيت قلبه إلّا وهي من ملابس السّلوان المحرّم محرمة. وينهي أنه قد اختار من عناية مولانا بمقاصده أحسن الخير، وبورك له في قصدها (ومن بورك له في شيء فليلزمه) كما جاء الخبر، وقد جهّر فلانا إلى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها بتقدمته على العادة في كلّ سنة، واتّبع سفارة مولانا بين يدي المواقف الشريفة فاتّبع من القول أحسنه، وسأل حسن نظر مولانا الذي إذا لا حظ قصدا أعلنه وسعدا عيّنه، وقد جهّز المملوك برسم مولانا ما هو بمقتضى الورقة المجهّزة عطفها، المؤمّلة وإن كانت ورقة قطفها، وسأل مقابلتها بالجبر الذي يحسب الأمل حسابه، ويستفتح ببنان القلم بابه، والإصغاء لما يملى من رسائل الشّوق فإنّها من رسائل إخوان الصّفا المستطابة، لا برح القاصدون مرحين بأيّام مولانا وحقّ لهم أن يمرحوا، تالين نسبة بيته ورحمى الله على يده: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا «٣» . وله إليه أيضا مع الجهاز الشريف السلطاني: أمتعها الله من خيري الدنيا والآخرة بكرم الأمرين، وبشرف الذّكرين، وسرّها بما يجهّز في الثّناء والثّواب من الوفرين، وأعلى منارها المحلّق إلى السماء على وكر النّسرين. ولا زالت الآمال لا تبرح حتّى تبلغ من تلك اليدين

стр. 4254

مجمع البحرين، تقبيل مخلص في الولاء والدّعاء، مستشهد بالخواطر الكريمة على ثبوت الادّعاء، وارد لموارد النّعم قبل صدور بل قبل ورود الرّعاء. وينهي أنه ليس للمملوك فيما يؤمّله ويتأمّله، ويفصّله من عقود المطالب ويجمله، غير إحسان مولانا الذي لا يملّ على طول الإيناس والإلباس، وعوارف بيته المستجدة تالية: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ* «١» . وقد جهّز المملوك الولد فلانا بالجهاز المبارك إلى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها، وملأ به جواهر حبّات القلوب وريحانها، وهو على قدر المملوك ومقداره، لا على قدر مراده واختياره، ولو أن المراد مما يحمله العبد إلى سيّده، ويقدّمه من سبد الحال ولبده، على قدر المحمول إليه، والمقدّم بين يديه، لضعفت قوى أكثر العبيد عن ذلك، ويئس من الرّضوان جهدهم المالك، وإنما على العبيد أن تنصب على قدرتها الحال، وعلى السادات أن تصرّف بعوامل الخبر مستقبل الأفعال. وعلم مولانا الكريم محيط بتنقّل المملوك في هذه السّنين من بلد إلى بلد، ومن أمد كلّفه إلى أمد، وبما حصل في ذلك من التمحّق في إقطاعات كاد أن يخني عليها الّذي أخنى على لبد. وكان المملوك يودّ لو كان هذا المحمول من الجهاز من جواهر النّجوم المنثورة، وأخبية السّعود المأثورة، وجميع ما زيّن للناس من الشّهوات المذكورة، أضعاف أضعافه الآن، بل أضعاف أضعاف ما حمل الأوّلون من فلان وفلان، كالحسن «٢» بن سهل مع الجهة المأمونيّة الّتي حلا ذكرها، وابن طولون «٣» مع المعتضديّة الّتي كاثر هذا الغيث قطرها،

стр. 4255

والسّامانيّ وما أدراك، والسّلجوقيّ وما أسراك، وجميع ما تضمّنته التواريخ الّتي لو عاينت تاريخ هذه الدولة الشريفة عنت في الحال لمجده، وكان كلّ مجلّد منها يموت للهيبة في جلده؛ لما خلّدته أيامها الشريفة من أخبار حكمها وخيرها، وكرمها وبرّها، وعطفها على مماليك بيتها الشريف، تتقبّل ميسورهم، وتكمّل سرورهم، ويملأ بجيوش الانشراح صدورهم، وتبلّغهم من همم مطلوبهم، وتقبل على زاهرات نجاياهم ورياحين قلوبهم (متقارب) . ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها والمملوك يسأل من إحسان مولانا الذي ألفه، ومعروفه الذي عرفه، ملاحظة الولد فلان بين يدي المواقف الشريفة خلّد الله سلطانها، وإقامة عذر المملوك بعبارته الّتي أحلّ الله سحرها وبيانها. فما للمملوك في مقاصده مثل مودّة مولانا الوافية المتوافيه، ومقدّمة عبارته الكافية الشافية، والله تعالى يعين على شكر مننه، والقيام بفرائض حمده وسننه، والنهوض بأوصاف أياديه الّتي يغرّد بها قلم الكتّاب كما يغرّد القمريّ «١» على فننه.

стр. 4256

الضرب الثاني (ما يكتب مع الهديّة عند بعثها) وهو على عشرة أصناف: الصنف الأوّل- ما يكتب مع إهداء الخيل . علي بن «١» خلف: في إهداء جواد أدهم أغرّ محجّل. وقد خدم المملوك ركابه الأكرم، بجواد أدهم «٢» مطهّم، قد سلب الليل غياهبه وكواكبه، فاشتمل بأديمه، وتحلّى بنجومه، وأطلع من غرّته السّاذجة قمرا متّصلا بالمجرّة، وتحلّى من رثمته «٣» بالثّريّا أو النّثرة، صافي القميص، ممحوض الفصوص، حديد الناظر، صليب الحافر، وثيق القصب، نقيّ العصب، قصير المطا، جعد النّسا، كأنما انتعلت بالرّياح الأربع أربعه، وأصغى لاستراق السّمع مسمعه، إن ترك سار، وإن غمز طار، وإن ثني انحرف، وإن استوقف وقف، أديب نجيب، متين صليب، صبور شكور، والله تعالى يجعل السعادة مطلع غرّته، والإقبال معقد ناصيته. من كلام المتأخرين: كتاب عن نائب الشام إلى الملك الصالح: شمس الدين صاحب «٤»

стр. 4257

ماردين قرين خيل منعم بها إليه، عن السلطان الملك الصالح، عماد الدين إسماعيل «١» بن الناصر محمد بن قلاوون- من إنشاء الشيخ جمال الدين «٢» ابن نباتة، وهو بعد الألقاب: وأجرى بالنّصر جياده، وبالظّفر مراده، وعلى عوائد السّعد مطالع شمسه الّتي يسمّيها عرف المملكة بلاده، ولا زالت منيرة بسعادة شمسه الأحلاك، نظيمة بدرّ محامده الأسلاك، ماثلة خيول سعده حتّى حمر السّوابق من البروق والشّهب السّوانح في الأفلاك. المملوك يقبّل اليد الّتي إذا بسطت فلأن تجود وتستلم، وإذا قبضت فعلى سيف أو قلم. وينهي بعد ولاء وثناء للإخلاص شارحين، وفي الضمائر والآفاق سانحين، واشتياق وعهد كانا أحقّ بالانتماء لاسمه ونعته وكان أبواهما صالحين، أنّ المرسوم «٣» الشريف زاده الله تعالى شرفا، ورد يتضمّن تشريف مولانا على العادة وإعظامه، واستقرار مكانته من الخواطر الشريفة في دار مقامه، واستمرار

стр. 4258

كرامته من الآراء المعظّمة ولا ينكر بين الصالح والصّالح استمرار الكرامة، وأنّ الصّدقات الشريفة أنعمت على مولانا بثلاثة أرؤس من الخيل كثلاثة الراح، إلّا أنّ حبابها عرق سبقها، وثلاثة الشجر (؟) كما قال الطائي: تساوي شرف ثمرها وزهرها وعرفها، ما منها إلا من «١» تقصر الرّياح أن تسلك فجّه، والبروق أن تتبع نهجه. ومن تودّ الثّريّا أن تكون لجامه والهلال أن يكون سرجه. ومن يتمطّر «٢» كالغمام ويركض كالسّيل. ومن كملت حلاه ولبس حلّه الفخار فمشى على الحالتين في الحلّتين مسبل الذّيل. ومن عقد بناصيته كلّ الخير وعقد له لواء الفخار على كلّ الخيل، من كلّ خضراء معجبة فهي على المجاز حديقة، وكل أحمر سابق فهو البرقيّ على الحقيقة، وكلّ أصفر شفقيّ إلّا أنّ الرياح من مجاراته على نفسها شفيقة. وكيف لا يشبّه بالشّفق وهو من الأصائل؟ وكيف لا يفتخر العسكريّ بهذه الخيل وخناصر عددها فى الحسن أوائل؟ قد صرفت وجوهها المقبّلة، لباب مولانا أحسن المصارف، وكتبت عوارف الفضل في معارفه المسبلة، فناهيك منها بكتاب عوارف المعارف، ووصل لمولانا بذلك مثال «٣» شريف، ورسم للمملوك بتجهيزها مع من يراه، وقد جهّز المملوك لخدمة مولانا الخيل المذكورة مع المثال الشريف صحبة فلان، ومولانا أدرى بنفحات رياض الحمد بهذه الدّيم المطلّة، وبالتقبيل في الأرض الّتي هي سماء حوافر هذه الخيل الّتي هي أهلّة، وأولى أن يشرّف المملوك بمهمّاته، ويؤنس لحظه بطيف اليقظة من مشرّفاته،

стр. 4259

والله تعالى يجدّد لمعاليه في كل قصد نجحا، ويعلي لمجده «١» في كل حال قدحا، ويروّع الأعداء من خطوات خيله في بلادهم بالمغيرات صبحا، ومن خطرات ذكره في قلوبهم بالموريات قدحا. وفي معناه: يقبّل الباسطة الشريفة أعلى الله شانها، وجمّل ببقائها زمانها، وضاعف على الأولياء برّها وإحسانها. وينهي: أنه ابتاع جوادا أعجبه، وطرفا انتخبه، وقد قدّمه لوليّ نعمته، ومالك عهدته؛ لأنّ الكرام لا تكون إلّا عند سيّد الكرام، والذي يصلح للمولى على العبد حرام، فالله تعالى يجعل التوفيق ضياء غرّته، واليمن معقد ناصيته، والإقبال تحجيل أوظفته، والسعادة موضع الجلوس من صهوته، والمملوك يسأل الإنعام بقبوله، و [أن] يبلّغه من ذلك [غاية] مأموله، مضافا إلى ما سبق به سابق إحسانه العميم، وفضله الجسيم، والله تعالى يحرسه بعينه الّتي لا تنام، آمين. الأجوبة بوصول الخيل جواب عن نائب الشام إلى أمير آخور «٢» بالأبواب الشريفة، عن وصول خيل إليه من الإنعام الشريف- من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الألقاب: لا زالت مبشّرة بأعظم الخير وكرام الخيل، ميسّرة النعماء «٣» بسوابق السّير

стр. 4260

كدوافق السيل، مسفرة عن إيجاد سوابح إلّا أنها في الفخار والشّية ضافية الذّيل، سفيرة في الجوادّ بكلّ جواد تبتسم غرّته ابتسام النهار ويدرك طلبه إدراك الليل، تقبيلا يستبق استباق الجياد، ويتّسق على الدّرج اتّساق العقود على الأجياد. وينهي بعد ثناء وولاء: هذا يهيم في كل واد، وهذا يهيم بمثله كلّ وادّ، ورود مشرّفة مولانا الكريمة بما ملأ القلب مسرّة، والعين قرّة، ودرج عام «١» الفيل من نجب الخيل السيارة مستهلّ وغرّة، فقابلها المملوك بتقبيله، وقام لها على قدم تبجيله، ثم قام إلى الخيل الشريفة المنعم بها عليه فقبّل من حوافرها أهلّة ثم من غررها نجوما، وتأمّل شياتها البرقيّة واستمطر من السّعود غيوما، فأذنت له من الإقبال أمد قاصيها، وظلّ بمنزله الخير المعقود بنواصيها، وتضاعفت أدعيته الصالحة لهذه الدولة القاهرة الصالحيّة زادها الله من فضله، والوقت الذي ملأ الدنيا بسحاب جوده ورياح جياده ورياض عدله، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولولا شهود العهد الشهيديّ لقال: ولا لأحد من قبله، وأعدّ المملوك هذه الثلاثة من الخيل ليفني عليها بالقتال أهل التعطيل والتّثليث، ويستخفّ بها آجال الأعداء بين يدي مالكه، فإنها من ذوات العزّ والعزم الحثيث، وما هي إلّا كواكب سعد تمددها أسنّتها الوقّادة، وزهرات حسن حيّت بها على البعد سفارته المعتادة؛ لا برح مولانا يقلّد بعنايته وإعانته المنن الجسام، وينصر بعزائمه القاطعة، وكيف لا ينصر ويقطع وهو الحسام؟ وله في جواب وصول أكديش «٢» وباز «٣» [وكوهيّة] «٤» :

стр. 4261

لا زال جزيلا سماحه، جميلا من الحمد رباحه، جليلا برّه الذي يشهد به طائر الخير ويمنه وطائل الخيل ونجاحه. هذه المفاوضة تهدي إليه سلاما يخفق جناحه، وثناء تشرق غرره وأوضاحه، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته سريعة الاحتثاث، طائرة بيمن طرسها وهديّتها بأجنحة مثنى وثلاث، فحصل الوقوف عليها، وتجدّد عهد الارتياح لديها، وفهمنا ما لم نزل نفهمه من ودّ الجناب العالي، وبرّه المتعالي، ووفاء عهده الذي تتلقّاه المحامد بأمالي المحبّ لا بأمالي القالي «١» ، ووصل الأكديش الايكر ظاهرا حسنه، وسافرا عن وفق المراد يمنه، تتجمّل به المواكب، وتماشيه الرّياح وبعضها من خلفه جنائب، وكذلك وصل البازي والكوهيّة، وكلاهما بديع الأوصاف، سريع الاقتطاف لأزاهر الطير

стр. 4262

والاختطاف، يسبق الطّرف بجناحه اللّموح، ويستعجل من الأفق وارد الرّزق الممنوح، ويواصل الخير والمير إلى المطبخ، فكأنّ حوائج كاش تغدو إليه وتروح، لا برح إحسان الجناب «١» العالي واصلا، وذكره في ضمير الاعتداد حاصلا، وحكم سماحته وشجاعته باستحقاق الثناء فاصلا. جواب بوصول جوارح: كتب به عن نائب الشام، جوابا لمطالعة وردت على نائب الشام من الصالح صاحب ماردين «٢» من بقايا بني أرتق، صحبة سناقر «٣» ، هديّة للصالح «٤» إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون، صاحب الديار المصرية. من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة: وأيّد هممه السّوابح، ونعمه السوافح، وشيمه الّتي تنتظم منها عليه درر المحامد والمادح، وشكر هداياه الّتي منها جوارح طير تخفق لفرط استحسانها الجوارح، ولا زال من أجنحة نصره حتّى السّماك الرامح، ومن جنود سعده للأولياء سعد السّعود، وفي الأعداء سعد الذابح، ومن جياد ركابه الشّهب إلا أنها شهب الأفلاك السّوابح، ولا برح سلطان البسيطة مكافئا عمل قلبه الوفيّ، ولا ينكر العمل بالقلوب بين الصالح والصّالح. المملوك يقبّل الأرض الّتي تستمدّ السّحب من سمائها، وتستعدّ منازل

стр. 4263

الأنجم للتعلّم من أنوائها، تقبيلا يودع ورق الرسائل أزاهره، ويطلع في ليالي السّطور زواهره، ويدّخر في أيدي الحروف إلى أن تصل إلى أجياد المنابر جواهره. وينهي- بعد دعاء صالح، إذ جدّد تجدّد، وولاء ناجح، إذا انعطف تأكّد، وثناء سانح، إذا سرى لا يتوقّف إلّا أنّ نسيمه في الآفاق يتردّد، وارتياح لما يرد من أخبار دياره السارّة إذا شافه سروره سمع الوليّ شهد وسمع الحاسد تشهّد، حيث يتلقّى ببلاده النّجح والمقاصد، وصلات البرّ والعوائد، ووفود الآمال من كل أوب، فديار بكر ديار زيد وعمرو وخالد- ورود المشرّف الكريم، بل الغيث السائر بخصب المقيم، على يد فلان ونعم اليد العائلة لأيادي البرّ العميم، ونعم المشرّف الوارد عن مقرّ، هذا للأمل كهف وهذا للتأميل رقيم، ففضّه المملوك عن علامة اسم لحسنها رسوم، ولها رسوم، واستجلى مواقع تلك الأنامل المضيّة وأقسم على فضلها بمواقع النّجوم، وانتهى إلى الإشارات العالية، وعلم ما كان القلب يعلمه من ضمائر الودّ الحاليّة لا الخالية، وقابل كلّ أمر حسن بما يجب من مذاهب الودّ المتواليه، ووصلت السّناقر المنير سنا فضلها، المبير في معارك الصيد شبا نصلها، القائمة في كواسر الطير مقام الملوك الأكاسرة «١» إلّا في حكمها وعدلها، لا جرم «٢» أنها إذا دخلت آفاق طير أفسدتها وجعلت أعزّة أهلها أذلّة، وإذا انقضّت على سرب وحش جذبتها من دم الأوردة بأرسان حيث كستها من قوادم الأجنحة أجلّة، لا يسأل كاسرها في الطّيور بأيّ ذنب قتلت، ولا يحملها جانب الطير والوحش إذا عاندته، فيا عجبا لها

стр. 4264

على أيدي البشر كيف حملت، تظلّ الصيد فلا عجب أن يفزع بها من ظلّه، وتكتب علائم اليمن والظّفر بما في لونها من شبه الخطّ وشكله، نعم الجالبة للخير والمير، والسائرة بما يخيف المتصيّدات وكيف لا؟ وعلى رؤوسها الطير، أزاهر حسن لا بدع أن يكون لها كمائم، وبوارق العزم لا جرم أنّ أجنحتها عمائم، ونواقل البأس والكرم عن مرسلها فمهما جمعته الشّجاعة فرّقته المكارم. استجلاها المملوك بعد ألفاظ المشرّف الكريم فقال: (تلك الرياض وهذه السّحب، وتلك الأنوار الهادية وهذه في أفق مطارها الشّهب) ؛ وجهّز المملوك المطالعة المحضر للأبواب الشريفة أعلاها الله وشرّفها على يد فلان المذكور فقوبل بالإكرام والكرم، ومثل بالمواقف الشريفة مثولا رقى بهمّته إلى الكواكب لا جرم، وذكّر بصالح بيت الارتقاء صالح بيت أرتق حتّى أنشد (بسيط) . فهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلّا إلى حرم وقد عاد معلما من البشر بما يراه مولانا عليه، معلما بما تقدّم من نجوى الإنعام بين يديه، حاملا من كرم وجاه يعدّان للأولياء في يوم نزل وللأعداء في يوم نزال، قائلا برجاء سعيه المؤمن: (يا صالح قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا) ولن تزال، والله تعالى يجري كرم مولانا على عوائد إسعاده، ويحرس بعينه وملائكته نفاسه نفسه وبلاده، ويدخله باسمه ومسمّاه لدى الدّنيا والآخرة في الصّالحين من عباده. وله جواب بوصول بازيين: ولا زالت بزاة كرمه على الحمد مطلّة، وسحائبه مستهلّة، وهممه مستقلّة بأعباء المكارم وإن كانت لكثير ما يهديه مستقلّة. هذه المفاوضة تهدي إليه من السّلام أجلّه، وتوضّح لعلمه الكريم وصول مكاتبته العالية فوقفنا عليها، وعوّذناها بكلمات الثناء التامّة من خلفها ومن بين يديها، وعلمنا ما لم نزل نعلمه من موالاته وآلائه المسند في الشكر عنها والمستند في الولاء إليها، ووصل كلا

стр. 4265

البازيين الحسنين المحسنين كأنّهما فرقدا سماء قد اجتمعا، وقمرا حسن طلعا، وعلى محاسن الصيد اطّلعا، يسرّان القلوب والأبصار، ويحمل كلّ منهما على اليمين فيحصل به اليسار، وما هما بأول إحسانه الأسنى، وبرّه الأهنى، وأياديه الّتي أبى الكرم إلّا أن ترد مثنى مثنى، وعلم اعتذاره عن الكوهيّة الّتي كان ادّخرها فنفقت، ولو أقيمت بها أسواق الصيد نفقت، وأرسل بروايتها تحقيقا لدعوى المكارم الّتي من زمان تحقّقت، والله تعالى يشكر برّه، ويملأ بذكره بحر الثناء وبرّه. وله جواب بوصول كوهيّتين على يد شخص اسمه باشق. لا زالت المحامد من مصايد إنعامه، وفوائد أيّامه، وثمرات البأس والكرم من قضب سيوفه وأقلامه، تقبيل معترف بإحسانها، مغترف من موارد امتنانها، متحف منها بعالي تحف تدلّ على مكانها في الفضل وإمكانها. وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم على يد الولد «باشق» فيا له باشق جاء بكوهيّتين جميلتين، وطار للسّرعة وهو حامل منّتين جليلتين، وقد وصلتا و [كلتا] هما حسنة الخبر والخبر، حميدة الورد والصّدر، يحسن مسرى كلّ منهما وسيره، ويتجمّل بهما باب الشّكر خاناه وصدرها ويكثر خير المطبخ وميره، فمدّ المملوك إليهما اليد المتحمّلة الحاملة، وإلى المشرّف الكريم اليد المتولّية المتناولة، وعلم ما تضمنه من الحسن والإحسان، وذكر الموالاة الّتي يحكم بها القلب العالم قبل شهادة اللّسان، واعتذار مولانا عن تعذّر وجود الشاهين، وكلّ إحسان مولانا شهيّ كافي، وكلّ موارد نعمه هنيّ صافي، وما فات مقصد وإنعام مولانا وراء طلبه وإن طال الأمد، ولا فرّ مطلوب حتّى يأتي به سعد مولانا مقرونا في صفد، والله تعالى يشكر عوائد فضله، ولا يضحي «١» الآمال الملتجئة [إليه] من ظلّه. جواب بوصول طيور، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن «٢» نباتة:

стр. 4266

وشكر هداياه المتقبّلة، وسجاياه الّتي هي بأفواه المحامد مقبّلة، ولا زال بدر سعادته المأمولة وطائر هديّته المتأمّلة. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه من السّلام أتمّه، ومن الثناء أنمّه، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الكريمة، ومكارمه العميمة، وطيور هديّته الّتي كلّ منها في الحسن بدرتمّ، وظهرت ظهور البدر لتمامه فأبت محاسنها أن تنكتم، فحسن ورودها، ورعي بفضل التلطّف والتودّد مقصودها، وأقبلت تلك الطيور التّمّيّة تامّة الإنعام، دالّة بيمن طائرها على بركة عامّة وكيف لا؟ وقد جاءت بيضاء عدد شهور العام، والله تعالى يزيده من فضله، ويجري الأقدار بالسّعود الشاملة لجمعه الجامعة لشمله، إن شاء الله تعالى. جواب في المعنى، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا: لا زالت الجوارح شاهدة ببرّه، والجوانح حائمة الجناح على شريف ذكره، والمحامد من مصايد أقلامه ورماحه في السلم والحرب؛ فإمّا بقوادم سمره، وإما بمناسر حمره، تقبيلا يبعثه على أجنحة أوراق الرّسائل، ويتصيّد به على البعد مشافهة تلك الأنامل الجلائل. وينهي بعد دعاء، تحلّق إلى السماء كلماته الحسنة، وولاء وثناء: هذا تخفق بتشوّقه أجنحة القلوب، وهذا تخفق بذكره أجنحة الألسنة- أنّ كتاب مولانا ورد على المملوك فأورد عليه المسارّ، و [ملأ] يده بالمبارّ، ومصايده بالمير، ومنازله بالخير، وآماله بأمالي الكرم لذي السرحات المنشرح بآية عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ «١» فقابله المملوك بتقبيله، وواصل فضل الاعتداد بتفضيله، وحصل من هداياها وهداها على جملة الإحسان وتفصيله، وانتهى إلى الإشارات العالية الّتي زكت على العيان وتأمّله وأربت على الجنان وتأميله. فأمّا الإنعام بالكوهيّتين اللتين ما قذف البحر إلى الساحل أبهى من

стр. 4267

دررهما المكنونة، وأزهر من وجوههما المباركة الميمونة، فقد وصل كلا الطائرين بيمنه، والسابقين بمنّه، والغائبين في جوّ السماء الآتيين من الصّيود بأوفى من قطرات مونه، واستقبل المملوك منهما وجوه المسارّ، وحملت يمينه الثّروة وحملت على اليسار، وتناولت يده يدي إحسان يسرّ الناظرين والسامعين، واستخدما للشّكر خاناه ولحفظ مطبخ يملأ عيون المشبعين والجائعين، وقال صنع الله لصناعتهما: ائتيا بصيود السّماء طوعا أو كرها قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «١» . قد كتبت باليمن في مطاوي ريشها أشباه الحروف، وقضى الجود لتلك الأحرف أن تقري ما تقتري عواصي الطير له بطاقة تقيّد السابح في طلقه «٢» ، ويعود مطلقها وقد ألزم نجاح الطير طائره في عنقه، فشكر الله إحسان مولانا الذي ألحف الأمل جناحه، والقصد نجاحه؛ وبرّه الذي أحمد في سوانح الطير وبوارحه مساءه وصباحه، وعلم ما أشار مولانا إليه في أمر فلان وأمره علم الله تعالى في الخاطر حاضر، وما يؤخّر شغله عن إهمال وعائب الإمهال غادر، وما أشار إليه في أمر فلان أمير شكاره وأمير شكر المملوك، وتقدّم بخلاص حقّه، واستنزل بهديّته قضاء الشّغل من أفقه، لا برح مولانا ممتثل الأوامر، هامي سحب البرّ الهوامر، مجدّدا في كل وقت نعمى، مالئا بهداياه قلوب «٣» محبّيه وبيوتهم شحما ولحما، إن شاء الله تعالى. وله جواب في وصول طيور العقعق «٤» :

стр. 4268

لا زالت متّصلة منن إرفادها وإرفاقها، نازلة على حكمها [الأشياء] حتّى الطّير العاقّة من آفاقها، خافقة أعلام نصرها بالأجنحة مؤمّنة لظنون القاصدين من إخفاقها، تقبيل مطلق لسان الحمد على عوائد إطلاقها، مجتن لثمرات الإحسان من غصون أقلامها وغصون أوراقها. وينهي ورود مشرّف مولانا العالي على يد الولد فلان فوقف المملوك عليه، وعلم من جميل الاحتفال ما أشار إليه، وأنه موقّع على المقصود من طيور العقعق فأوقعها من مطارها، واستنزلها من أوكار أفقها وأفق أوكارها، وأرسلها قرين مشرّفه الكريم، وقلد عنق الأمل بعقدها النّظيم، ووصلت سبعة كعدد أيام الجمعة الكاملة، والكواكب الماثلة، والسّموات لا جرم أن سحب يمنها هاملة، حسنة الشّكل الموصوف والوصف وإن كان مع عقوقه المألوف، طائعة لأوامر توقيعه فما عقّ منها شيء غير تضعّف اسمها المعروف، لا برح إحسان مولانا متنوّعا، وبرّه الجزيل متبرّعا، وغصن قلمه بأنواع المكارم متفرّعا. وله جواب بوصول تمّات «١» ، وإوزّ صينيّ، وطلب إمرة عشرة: حمى الله تلك النّعمة من الغير، وأطلعها عليه بأيمن الغرر، ولا برح طائر منّه كوصفه أبيض الخبر والخبر. هذه المفاوضة إلى الجناب الكريم تهدي إليه سلاما يشوق الصّباح، وثناء خفّاق الجناح، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الكريمة جميلة الفوائد، جليلة المصايد، تمّيّة البدور المتناولة من منال الفراقد، فوقفنا بالأشواق عليها، وعطفنا على العادة بتأكيد الولاء إليها، ووصلت تلك التّمّات واضحة الأنوار، لائحة كبياض النّوّار، تامّة تمام ميقات موسى عليه

стр. 4269

السّلام، إلّا أنّها لبياضها كأربعين نهار، وكذلك البطّ الصّينيّ كأيّام الحجّ عشرة كاملة، مفترضا على عشرتها ولاء القلوب المتأمّلة الآملة، صينيّة مملوءة بمحاسن الألوان الّتي هي بغير مثل ماثلة، وحصل الاعتداد ببرّه، والازدياد لحمده وشكره، وفهمنا ما ذكره من إمرة العشرة الّتي انحلّت عن فلان، وقد طالعنا بأمرها، وعجّلنا بذكرها، ونرجو أن يعجّل بأمانيّها المنتظرة، وأن يقابل بخوافق أعلامها خوافق بطّه فتقابل عشرة بعشرة، والله تعالى يعجّل لمعاليه الصّعود، ويؤكّد لمساعيه السّعود، إن شاء الله تعالى. الأجوبة عن وصول الصّيود ولحومها جواب عن نائب الشام إلى نائب حلب بوصول [لحم] طير صيد قديد وصحبته بطّيخ أخضر، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة. وهو بعد الألقاب: لا زالت تقتنص المحامد بعاطاياه المكرّرة، وأوابد الصيّد برماياه المقرّرة، ورقاب الإنس والوحش، إمّا بسهام نعمه المتواترة، وإمّا بسهام قسيّه الموتّرة، ولا برحت نفحات مكارمه، تشهد أنّ المسك بعض دم الغزال «١» ، وسرحات عزائمه، تمتدّ في صيد الوحش لقرى نزيل أو في صيد الأعداء لتقرير نزال، تقبيلا تتعطف أجياد الظّباء لمحاولة عقوده، وتزدحم أفواه الأولياء على مشافهة وروده. وينهي بعد ولاء تقوم الخواطر الكريمة في دعواه مقام شهوده، وشوق لا تزال النّسمات الشّماليّة قاضية باستمرار وفوده- أنّ مشرّف مولانا الكريم ورد

стр. 4270

على المملوك على يد فلان وصحبته الإنعام المتجدّد، وإن كان قديما في المعنى، واللحم القديد، وإن كان أطرى من الروض النّضير حسنا، والسّمين المحبوب وإن كان كحال عداه الذين تقدّد جسومهم في الحياة قبل الممات حزنا، فقابل المملوك المشرّف الكريم، بتقبيل أحرفه، والإنعام العميم، بقبول مسعده ومسعفه، وعانقهما بجوانح آماله، وأخذ الكتاب والبرّ كما يقال بيمينه وشماله، فيا لها من ظباء تعشق وإن بليت محاسنها، وغزلان تغازل وإن بادت عيونها إلّا أنه ما باد حبّ من يعاينها، وصيود توصف وإن قصدتها قصد السّهام بطعن، ويتّقى بقرونها القتال والقسيّ تالية: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ* «١» . سلكت خيول مولانا لقنصها المصاعب واتّخذها الآكلون سهلا، وتصيّدها من الفلاة واصطادها القاعدون من المقلى، ووصل معه البطّيخ الأخضر فشبهه بثمار الجنة المشبّهون، وقيل: هكذا ترتيب مآكل الجنة لهم فيها فاكهة ولحم طير مما يشتهون، لا زالت منن مولانا مشروحة مشروعة، وثمرات نعمه من الدنيا كثمرات أهل الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، بمنّه وكرمه. أجوبة هدايا الفواكه وما في معناها الشيخ جمال الدين بن نباتة: جواب وصول مشمش لؤلؤيّ ودغميشيّ من حماة. بسط الله ظلّها ونداها، وأطلع باليمن نجوم هديّتها وهداها، ولا زالت مواهب بحرها لؤلؤيّة، وشواهد يمنها كوكبيّة، وثمرات جودها فضّية الأعيان ذهبيّة، تقبيلا حلت مواقعه، وجلّت مطالعه. وينهي بعد ولاء وحمد: هذا قد ثبتت في القلب شريعته وهذا قد عذبت في السمع مشارعه، أنّ مشرّفة مولانا الكريمة وردت على المملوك تتضمّن الحسن والإحسان ويمين البرّ الشامل لكلّ إنسان، وعهد المحبّة الّتي حكمت

стр. 4271

فيه بعلمها القلوب فما تحتاج إلى بيّنة لسان، فقابلها المملوك مقبّلا، واستجلى وجه الودّ والإحسان مقبلا، ووصل المشمش الذي شفى لؤلؤيّه نظر الناظرين، ونوعه الآخر الدغميشي الذي هو الشهد بحسنه ولا يدغمش باسمه على الحاضرين، فتناول المملوك عوارف برّه المعروف والمبتكر، واستضاء نجومه المتردّدة منشدا قول المعرّي: (كم درن، وكم يدرن هذه الأكر) ، وقال: شكر الله هذه المنن الحلوة الثمرات، المتّصلة الخطرات، وهذه المجاني الّتي طابت أصولها وفروعها فلا أبعدهنّ الله من شجرات، وحيّا حماة وما جلبت، وجنبات ذلك الوادي وما أنجبت، وحدائق ذلك العاصي الذي أطاع ببركة مولانا فأنبت أحلى وأحلّ ما نبت، وقد جهّز المملوك هذه الخدمة منطوية على وظائف الحمد المستجادة، ولطائف الحبّ المستفادة، وحمد المنن الّتي لا تزال من مولانا عادة ومن المحبّين شهادة، لا برحت يد مولانا الكريمة إن بسطت فبعوائد إنعامها، وإن قبضت فعلى سيوفها لمصالح الدّول وأقلامها، وإن زهت «١» فروع المكارم، تساقطت ثمرات برّها من زهرات أكمامها. جواب بوصول مشمش وبطّيخ حلبيّ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة. وينهي بعد ولاء وثناء: لهذا في الأسماع أزهى وأزهر ثمرة، ولهذا في القلوب أرسى وأرسخ شجرة- ورود المشرّف الكريم على يد فلان بما ملأ السّمع من أخبار مولانا المرتقبة سرورا، والعين من آثار يده الكريمة نورا، والفم من هدايا المشمش الحمويّ كؤوس لذّة كان مزاجها كافورا، فقبّل المملوك أسطره مستحليا مواقع رشفاته، وقابله بعوائد المحامد مستجليا عوائد افتقاداته وصلاته، ومدّ يده وفكره فالتقط النّجوم المشرقة من هداياه وكلماته، وتقلّد جواهر المبرّات الحسنة المحسّنة، والثمرات الّتي، جاءت بدريّة القدوم وإن كانت نجوميّة الهيئات المكوّنة، واستصوب نتائج الغيث فقال: لعلّ هذه بنادق

стр. 4272

قوس السماء الملوّنة، وصفا وطاب ظاهرها وقلبها وكذا تكون صفات ذوي القلوب المؤمنة، والمؤمن حلويّ لا جرم، والحمويّ على عجمه الخراسانيّ أولى بفصاحة الفخار والكرم، لا زالت فعلات منن مولانا مستجادة ونعمه لا سيّما المشمشيّة مستزادة، وافتقاداته المشهورة لدى مماليكه ومحبّيه منه عادة ومنهم شهادة، وجاءت فاكهة البطّيخ الحلبيّ وقد رضع حلب الغمام فأنجب، واستوى باطنه وظاهره في الحسن فأعجب من حين أعشب، واستطاب الذوق والشمّ مطعمه وأنفاسه، ووصف بالرّؤوس فضمّه كلّ متلقّ وقبّل راسه، وقال: نعم الهديّة السريّة، والفاكهة الّتي طلعت حزز [ها] هلاليّة وثمرتها بدرية. جواب عن وصول بطّيخ حلبيّ، من إنشائه أيضا، [وهو] بعد الألقاب: وشكر سجاياه الّتي علت، وهداياه الّتي تكرّرت فحلت، وافتقاداته الّتي طاب ظاهرها وباطنها فكأنها من أخلاقه الجميلة نقلت، أصدرناها تهدي إليه سلاما يتقدّم كهديته نسيمه العاطر، وثناء ينتج أطايب الثّمر مقدّمات غيثه الماطر، وتوضّح لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمة وردت فحسّنت بالودّ مشافهتها، وأقرّت في الأسماع فاكهتها ومفاكهتها، ووصل البطّيخ فلله درّ حلبه ودرّ جلبه، لقد حسنت في ملاذّ المطاعم طريقته المرضيّة، ولقد أشبه القناديل بتكوينه وفتيلة عرقه فلا جرم أنّ قناديله عند الشّكر مضيّة، ولقد ملأ خبره وخبره عين البصر وأذن المصيخ، ولقد خلق دواء للأجسام حتّى صحّ قول الحلبيين للأرمد: دواؤك البطّيخ، فشكر الله إحسان الجناب العالي، وبرّه المتوالي، وعلى الوالد والولد ومن عندهما سلام المحبّ المتغالي، والله تعالى يحفظ عليهم من الفضل ما وهب، ويرزقهم بغير حساب ويرزق الظنّ فيهم ما حسب إن شاء الله تعالى. وله أيضا جواب بوصول بطّيخ حلبيّ، وهو بعد الألقاب: وشكر إحسانه الذي حلا مذاقه، وزكت أعراقه، وحيّا على البعد تحيّة طيّبة نفحت بها أزهار الكتاب وأثمرت أوراقه، هذه المفاوضة تهدي إليه سلاما طيّبا كهديّته، وثناء زاكيا كطويّته، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الجامعة

стр. 4273

حسن الأقوال والأفعال، المطلعة بوارد غمامها أطيب الثمر في الحال، فأحيت ولاء حاشى لوجوده من العدم، وجدّدت عهد البشر- وما بالعهد من قدم- ووصل البطّيخ الحلبيّ أصله، الحمويّ فصله، الدّمشقيّ ضمّه وشمّه وأكله، الفلكيّ ولا سيّما من الأهلّة المجتمعة شكله، فكرم مطلعا، وحسن من الأفواه موقعا، وعمّ الحاضرين نوالا، واشتملهم بعطف الإحسان اشتمالا، وأخذ الغلام السّكّين: (متقارب) . فقطّع بالبرق شمس الضّحى ... وناول كلّ هلال هلالا لا بل أهلّة كثّر تعدادها، وكرّر تردادها، ورصد قربها، ولا نقول كما يقول أصحاب الهيئة أبعادها، فشكر الله إحسان الجناب العالي حاضرا وغائبا، وبرّه الذي يطلع كلّ وقت من هداياه وكتبه أهلّة وكواكبا، ومرباه الذي نقل عن ملوك كانت منازلهم للمحامد روضا وكانت أيديهم للكرم سحائبا، إن شاء الله تعالى. وله جواب بوصول قصب سكّر وأترجّ «١» وقلقاس: لا زالت أوصاف شيمها، تطرب كما يطرب القصب، وألطاف كرمها، مما يغذّي الحسد وينعش الرّوح ويشفي الوصب «٢» ، وأصناف نعمها من الحلو إلى الحامض مما يعدي الأيدي المتناولة فهي على الأعداء تنتصب، تقبيل محبّ حلت له المنن فتناولها، ومواقع اللّثم فعاج إليها وعاجلها. وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم، على يد فلان يتضمّن الحسن والإحسان، والبرّ المأثور بكلّ فم، المشكور بكلّ لسان، فقابله المملوك بما يجب من الخدمة لمثله، ولاقاه بعوائد تحمد عوائد فضله، ووصل قرينه الإنعام

стр. 4274

الذي تنوّع فنونا وأفنانا، وملأ فم الشراب خاناه سكّرا ويد المطبخ إحسانا، وذكّر نباته الطرابلسيّ عهود الديار المصرية، وأوقات الأنس بخدمة مولانا السنيّة، سقيا لها من أوقات وعهود، وشكرا لجود مولانا الذي هو في كلّ واد موجود، ولتدبيره الشمسيّ الذي أحيا الله به على عباده عناصر هذا الوجود، ولا برحت مكارمه متنوّعة، ونعم أياديه متفرّعة، فمنها ما حلا فرعه فأصبح لكلّ حلو أصلا، ومنها ما طاب ريحه وطعمه فكان للمؤمن مثلا، ومنها ما لذّ طعامه الشهيّ فما هو مما يهجر وإن كان مما يقلى. وله جواب بوصول باكورة خيار وملوخيّة: لا زالت تشرح بمكارمها الصّدور، وتفتح بركات الأعوام والشّهور، وتمنح من لطائف مننها كلّ جماعة السّرور، وتلمح في هداياها المستبقة إلى الأولياء خيار الأمور، تقبيل محبّ لا تغيّر ولاءه الدّهور، ماش من طريق المصافاة والموافاة في نور على نور. وينهي ورود مشرّفة مولانا على يد فلان تتضمّن المعهود من ولائه وآلائه والمشهود المشهور من إحسان نداه قبل ندائه، فقابلها المملوك مقابلة الشّيّق إلى قرب الديار، الممضي في المحبّة قلبه لمولاه قبل شرط الخيار، ووصلت لطائف هديّته الخضرة النّضرة، وطرائف الفضل الباكرة كمعاني اللفظ المبتكرة، فتنجّز المملوك الفاكهة قبل أوانها البديع، ورصد من أفلاك العلب في ذي الحجّة غرّة ربيع، وتفاءل بالهديّة المجمّعة الأحباب في أن يعود الشّمل وهو جميع، وقد عاد فلان حاملا من رسائل الشوق والشّكر ما يؤدّيه بين أيدي مولانا الكريمة، ويجدّد بذكراه عهود الأنس القديمة، لا برح مولانا سابق الكرم، مخضرّ المرابع ببيض النّعم. قلت: وكتبت جوابا لبعض الأصحاب وقد أهدى لي سمكا (بسيط) : أهدى لنا سمكا قد طاب مطعمه ... أكرم به سمكا لم يسكن البركا! لا شكّ أنّ له بالبحر شاكلة ... والبحر عادته أن يهدي السّمكا

стр. 4275

الضرب الثاني (من كتب التهادي الاستهداء) واعلم أنّ كل ما يكتب مع إهدائه قد يكتب مع استهدائه، إلّا أنّ الغالب مما جرت به عادة الكتّاب في الاستهداء طلب الأشياء المستظرفة الخفيفة المنّة دون ما يعظم خطره، اللهم إلّا أن يكون الاستهداء من الملوك ونحوهم فيطلب فيه ما جلّ وعظم. والذي جرت عادة الكتّاب بالكتابة في استهدائه على أصناف: الصنف الأوّل- آلات الكتابة: من الأدوية «١» والمداد والأقلام : مما تقدّم ذكره في الإهداء. أبو الفرج «٢» الببغاء في استهداء دواة: أنفس الذّخائر وأشرف الآمال ما كان للفضل نسبا، وللصّناعة والحظوة سببا، وبالدّويّ تجتنى ثمرة الصّناعة، ويحتلب درّ الكتابة، وقد أوحش المملوك الدّهر مما كنت أقتنيه من نفائسها، وضايقه في وجود الرّضيّ على الحقيقة منها، فإن رأى مولانا أن يميط ببعض ما يستخدمه من حاليها أو عاطلها سمة عطلة المملوك، ويسمح بإهدائها إلى أهل تصريفه ويقابل بالنّجح والتقبّل رغبته، فعل، إن شاء الله تعالى. وله في استهداء مداد: التّنافس- أيدك الله- في أدوات الكتابة وآلات الصّناعة بحسب التّفاخر في ظهور النعمة، والتخيّر لبيان الإمكان والقدرة، وإلّا فسائر الدّويّ سواء فيما تصدره الأقلام عنها، وتستمدّه بطون الكتب منها؛ وأولى آلاتها بأن تتوفّر العناية
следующие страницы →