← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

فيه بعلمها القلوب فما تحتاج إلى بيّنة لسان، فقابلها المملوك مقبّلا، واستجلى وجه الودّ والإحسان مقبلا، ووصل المشمش الذي شفى لؤلؤيّه نظر الناظرين، ونوعه الآخر الدغميشي الذي هو الشهد بحسنه ولا يدغمش باسمه على الحاضرين، فتناول المملوك عوارف برّه المعروف والمبتكر، واستضاء نجومه المتردّدة منشدا قول المعرّي: (كم درن، وكم يدرن هذه الأكر) ، وقال: شكر الله هذه المنن الحلوة الثمرات، المتّصلة الخطرات، وهذه المجاني الّتي طابت أصولها وفروعها فلا أبعدهنّ الله من شجرات، وحيّا حماة وما جلبت، وجنبات ذلك الوادي وما أنجبت، وحدائق ذلك العاصي الذي أطاع ببركة مولانا فأنبت أحلى وأحلّ ما نبت، وقد جهّز المملوك هذه الخدمة منطوية على وظائف الحمد المستجادة، ولطائف الحبّ المستفادة، وحمد المنن الّتي لا تزال من مولانا عادة ومن المحبّين شهادة، لا برحت يد مولانا الكريمة إن بسطت فبعوائد إنعامها، وإن قبضت فعلى سيوفها لمصالح الدّول وأقلامها، وإن زهت «١» فروع المكارم، تساقطت ثمرات برّها من زهرات أكمامها. جواب بوصول مشمش وبطّيخ حلبيّ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة. وينهي بعد ولاء وثناء: لهذا في الأسماع أزهى وأزهر ثمرة، ولهذا في القلوب أرسى وأرسخ شجرة- ورود المشرّف الكريم على يد فلان بما ملأ السّمع من أخبار مولانا المرتقبة سرورا، والعين من آثار يده الكريمة نورا، والفم من هدايا المشمش الحمويّ كؤوس لذّة كان مزاجها كافورا، فقبّل المملوك أسطره مستحليا مواقع رشفاته، وقابله بعوائد المحامد مستجليا عوائد افتقاداته وصلاته، ومدّ يده وفكره فالتقط النّجوم المشرقة من هداياه وكلماته، وتقلّد جواهر المبرّات الحسنة المحسّنة، والثمرات الّتي، جاءت بدريّة القدوم وإن كانت نجوميّة الهيئات المكوّنة، واستصوب نتائج الغيث فقال: لعلّ هذه بنادق

стр. 4272

قوس السماء الملوّنة، وصفا وطاب ظاهرها وقلبها وكذا تكون صفات ذوي القلوب المؤمنة، والمؤمن حلويّ لا جرم، والحمويّ على عجمه الخراسانيّ أولى بفصاحة الفخار والكرم، لا زالت فعلات منن مولانا مستجادة ونعمه لا سيّما المشمشيّة مستزادة، وافتقاداته المشهورة لدى مماليكه ومحبّيه منه عادة ومنهم شهادة، وجاءت فاكهة البطّيخ الحلبيّ وقد رضع حلب الغمام فأنجب، واستوى باطنه وظاهره في الحسن فأعجب من حين أعشب، واستطاب الذوق والشمّ مطعمه وأنفاسه، ووصف بالرّؤوس فضمّه كلّ متلقّ وقبّل راسه، وقال: نعم الهديّة السريّة، والفاكهة الّتي طلعت حزز [ها] هلاليّة وثمرتها بدرية. جواب عن وصول بطّيخ حلبيّ، من إنشائه أيضا، [وهو] بعد الألقاب: وشكر سجاياه الّتي علت، وهداياه الّتي تكرّرت فحلت، وافتقاداته الّتي طاب ظاهرها وباطنها فكأنها من أخلاقه الجميلة نقلت، أصدرناها تهدي إليه سلاما يتقدّم كهديته نسيمه العاطر، وثناء ينتج أطايب الثّمر مقدّمات غيثه الماطر، وتوضّح لعلمه الكريم أنّ مكاتبته الكريمة وردت فحسّنت بالودّ مشافهتها، وأقرّت في الأسماع فاكهتها ومفاكهتها، ووصل البطّيخ فلله درّ حلبه ودرّ جلبه، لقد حسنت في ملاذّ المطاعم طريقته المرضيّة، ولقد أشبه القناديل بتكوينه وفتيلة عرقه فلا جرم أنّ قناديله عند الشّكر مضيّة، ولقد ملأ خبره وخبره عين البصر وأذن المصيخ، ولقد خلق دواء للأجسام حتّى صحّ قول الحلبيين للأرمد: دواؤك البطّيخ، فشكر الله إحسان الجناب العالي، وبرّه المتوالي، وعلى الوالد والولد ومن عندهما سلام المحبّ المتغالي، والله تعالى يحفظ عليهم من الفضل ما وهب، ويرزقهم بغير حساب ويرزق الظنّ فيهم ما حسب إن شاء الله تعالى. وله أيضا جواب بوصول بطّيخ حلبيّ، وهو بعد الألقاب: وشكر إحسانه الذي حلا مذاقه، وزكت أعراقه، وحيّا على البعد تحيّة طيّبة نفحت بها أزهار الكتاب وأثمرت أوراقه، هذه المفاوضة تهدي إليه سلاما طيّبا كهديّته، وثناء زاكيا كطويّته، وتوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته الجامعة

стр. 4273

حسن الأقوال والأفعال، المطلعة بوارد غمامها أطيب الثمر في الحال، فأحيت ولاء حاشى لوجوده من العدم، وجدّدت عهد البشر- وما بالعهد من قدم- ووصل البطّيخ الحلبيّ أصله، الحمويّ فصله، الدّمشقيّ ضمّه وشمّه وأكله، الفلكيّ ولا سيّما من الأهلّة المجتمعة شكله، فكرم مطلعا، وحسن من الأفواه موقعا، وعمّ الحاضرين نوالا، واشتملهم بعطف الإحسان اشتمالا، وأخذ الغلام السّكّين: (متقارب) . فقطّع بالبرق شمس الضّحى ... وناول كلّ هلال هلالا لا بل أهلّة كثّر تعدادها، وكرّر تردادها، ورصد قربها، ولا نقول كما يقول أصحاب الهيئة أبعادها، فشكر الله إحسان الجناب العالي حاضرا وغائبا، وبرّه الذي يطلع كلّ وقت من هداياه وكتبه أهلّة وكواكبا، ومرباه الذي نقل عن ملوك كانت منازلهم للمحامد روضا وكانت أيديهم للكرم سحائبا، إن شاء الله تعالى. وله جواب بوصول قصب سكّر وأترجّ «١» وقلقاس: لا زالت أوصاف شيمها، تطرب كما يطرب القصب، وألطاف كرمها، مما يغذّي الحسد وينعش الرّوح ويشفي الوصب «٢» ، وأصناف نعمها من الحلو إلى الحامض مما يعدي الأيدي المتناولة فهي على الأعداء تنتصب، تقبيل محبّ حلت له المنن فتناولها، ومواقع اللّثم فعاج إليها وعاجلها. وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم، على يد فلان يتضمّن الحسن والإحسان، والبرّ المأثور بكلّ فم، المشكور بكلّ لسان، فقابله المملوك بما يجب من الخدمة لمثله، ولاقاه بعوائد تحمد عوائد فضله، ووصل قرينه الإنعام

стр. 4274

الذي تنوّع فنونا وأفنانا، وملأ فم الشراب خاناه سكّرا ويد المطبخ إحسانا، وذكّر نباته الطرابلسيّ عهود الديار المصرية، وأوقات الأنس بخدمة مولانا السنيّة، سقيا لها من أوقات وعهود، وشكرا لجود مولانا الذي هو في كلّ واد موجود، ولتدبيره الشمسيّ الذي أحيا الله به على عباده عناصر هذا الوجود، ولا برحت مكارمه متنوّعة، ونعم أياديه متفرّعة، فمنها ما حلا فرعه فأصبح لكلّ حلو أصلا، ومنها ما طاب ريحه وطعمه فكان للمؤمن مثلا، ومنها ما لذّ طعامه الشهيّ فما هو مما يهجر وإن كان مما يقلى. وله جواب بوصول باكورة خيار وملوخيّة: لا زالت تشرح بمكارمها الصّدور، وتفتح بركات الأعوام والشّهور، وتمنح من لطائف مننها كلّ جماعة السّرور، وتلمح في هداياها المستبقة إلى الأولياء خيار الأمور، تقبيل محبّ لا تغيّر ولاءه الدّهور، ماش من طريق المصافاة والموافاة في نور على نور. وينهي ورود مشرّفة مولانا على يد فلان تتضمّن المعهود من ولائه وآلائه والمشهود المشهور من إحسان نداه قبل ندائه، فقابلها المملوك مقابلة الشّيّق إلى قرب الديار، الممضي في المحبّة قلبه لمولاه قبل شرط الخيار، ووصلت لطائف هديّته الخضرة النّضرة، وطرائف الفضل الباكرة كمعاني اللفظ المبتكرة، فتنجّز المملوك الفاكهة قبل أوانها البديع، ورصد من أفلاك العلب في ذي الحجّة غرّة ربيع، وتفاءل بالهديّة المجمّعة الأحباب في أن يعود الشّمل وهو جميع، وقد عاد فلان حاملا من رسائل الشوق والشّكر ما يؤدّيه بين أيدي مولانا الكريمة، ويجدّد بذكراه عهود الأنس القديمة، لا برح مولانا سابق الكرم، مخضرّ المرابع ببيض النّعم. قلت: وكتبت جوابا لبعض الأصحاب وقد أهدى لي سمكا (بسيط) : أهدى لنا سمكا قد طاب مطعمه ... أكرم به سمكا لم يسكن البركا! لا شكّ أنّ له بالبحر شاكلة ... والبحر عادته أن يهدي السّمكا

стр. 4275

الضرب الثاني (من كتب التهادي الاستهداء) واعلم أنّ كل ما يكتب مع إهدائه قد يكتب مع استهدائه، إلّا أنّ الغالب مما جرت به عادة الكتّاب في الاستهداء طلب الأشياء المستظرفة الخفيفة المنّة دون ما يعظم خطره، اللهم إلّا أن يكون الاستهداء من الملوك ونحوهم فيطلب فيه ما جلّ وعظم. والذي جرت عادة الكتّاب بالكتابة في استهدائه على أصناف: الصنف الأوّل- آلات الكتابة: من الأدوية «١» والمداد والأقلام : مما تقدّم ذكره في الإهداء. أبو الفرج «٢» الببغاء في استهداء دواة: أنفس الذّخائر وأشرف الآمال ما كان للفضل نسبا، وللصّناعة والحظوة سببا، وبالدّويّ تجتنى ثمرة الصّناعة، ويحتلب درّ الكتابة، وقد أوحش المملوك الدّهر مما كنت أقتنيه من نفائسها، وضايقه في وجود الرّضيّ على الحقيقة منها، فإن رأى مولانا أن يميط ببعض ما يستخدمه من حاليها أو عاطلها سمة عطلة المملوك، ويسمح بإهدائها إلى أهل تصريفه ويقابل بالنّجح والتقبّل رغبته، فعل، إن شاء الله تعالى. وله في استهداء مداد: التّنافس- أيدك الله- في أدوات الكتابة وآلات الصّناعة بحسب التّفاخر في ظهور النعمة، والتخيّر لبيان الإمكان والقدرة، وإلّا فسائر الدّويّ سواء فيما تصدره الأقلام عنها، وتستمدّه بطون الكتب منها؛ وأولى آلاتها بأن تتوفّر العناية

стр. 4276

عليه، وينصرف التّخيّر بالضّرورة إليه، المداد الذي هو ينبوع الآداب، وعتاد الكتّاب، ومادّة الأفهام، وشرب الأقلام، فجعلها الله بواجب القضيّة والحكم، في حيّز وصفه من الحمد والذّم، وما زلت لنفائس الأخلاق موطنا، ولنجع الإخوان في المحل معدنا، ولا معدل بي عن استماحة خزائنك عمرها الله الممكن من جيّده، فإن رأيت أن تستنقذ دواتي من خمول العطلة، وتنزّه قلمي عن ظمأ الغلّة، وتكشف عنها سمة النّقصان والخلّة، فعلت، إن شاء الله تعالى. عليّ بن خلف «١» ، في مثله: أولى ما أنبسط في استهدائه، وتسمح [نفسي] في استماحته واستجدائه، ما كان ناقعا لغلّة الأقلام، مقيّدا لشوارد الأفهام، محبّرا لبرود البيان، حاليا في معارض الحسن والإحسان، وكتبت هذه الشّكوى أطال الله بقاء سيدي. الصنف الثاني- الشّراب . في استهداء مشروب. أبو الفرج الببغاء: أنا- أيّد الله سيّدي- ومن سامحني الدّهر بزيارته من إخواني وأوليائه، عضّد الله جمعنا ببقائه، وقوف بحيث يقف بنا اختياره، من القبول والانبساط، ويرتضيه لنا إيثاره من الهمّ والسّرور، لأنّ الأمر في ذلك مما يوليناه من المساعدة بالممكن من المشروب إليه، والاعتماد دون كلّ أحد في اجتماع شمل المسرّة لنا به عليه، فإن رأى أن يكلني إلى أولى الظّنين به وأحقّهما بمأثور فتوّته، فعل. وله في مثله: ألطف المنن موضعا، وأجلّها من الأنفس موقعا، ما عمر أوطان المسرّة، وطرد عوارض الهمّ والفكرة، وجمع شمل المودّة والألفة، وأدّى إلى اجتناء ثمرة

стр. 4277

اللّذّة، وبذخائرك من المشروب مع هذه الأوصاف [ما] يسترقّ حرّ الشكر، ويحرز قصب السّبق إلى الثناء وجميل الذّكر، فإن رأيت أن تنجد بالممكن منه مروّتي، على قضاء حقّ من أوجب المنّة عليّ بزيارتي، فعلت. وله في مثله: من كان للفضل نسبا، ولفلك الفتوّة قطبا، لم تفزع القلوب من الهمّ إلّا إليه، ولم تعوّل الأنفس في استماحة المسارّ إلّا عليه، وقد طرقني من إخواني من كان الدّهر يماطلني بزيارته، وينفس «١» عليّ بقربه ومشاهدته، فصادفني من المشروب معسرا، ووجدت الانبساط في التماسه من غيرك عليّ متعذّرا، وإلى تفضّلك تفزع مروءتي في الإسعاف منه بما يلمّ شعث الألفة، ويجمع شمل المسرّة، ويجعلنا لك في رقّ الاعتداد بالمنّة، ويقضي عني بتفضّلك حقوق المودّة. عليّ بن خلف: قد انتظم لنا- أطال الله بقاء سيدي- مجلس واقف بين النّشاط والفتور، والكآبة والسّرور، لغروب نجوم الخمر عن سمائه، وعطله من حليّ نوره ولألائه، وقد عوّلنا في إطلاقه إلى إحدى الجهتين عليه، وجعلنا زمامه بيديه، فإن رأى أن يروّح أفكارنا بشيء من راحه المشابهة عبقا وعتقا لأخلاقه وأعراقه، فعل، إن شاء الله تعالى. وله في مثله: أفضل ما أهدى سيدي ما أهدى السرور إلى أحبّته، ونظم شمل المتحقّقين بخدمته، وحسم عنهم هواجس الفكر، وأعداهم على الدّهر، وقد جمعنا مجلس وهبناه للثناء عليه، وزفّت عرائس الخمر إليه، فإن رأى إيثارنا بما

стр. 4278

يكمّل نشاطنا، ويتمّم انبساطنا، فليعقر همومنا بشيء من عقاره، وينظم [جمعنا] في سلك أياديه ومبارّه، إن شاء الله تعالى. النوع الرابع (الشّفاعات والعنايات) قال في «موادّ «١» البيان» : وهذه الكتب إنما تصدر عن ذوي الرّتب والأخطار، والمنازل والأقدار، الذين يتوسّل بجاههم إلى نيل المطلوب ودرك الرغائب. قال: والملتمس فيها ممن تنفّذ إليه أحد ثلاثة أنواع؛ إمّا بذل ماله ولا يبذل ماله إلّا ذو مروءة يفرض على نفسه حقّا فيه لقاصديه، وإما بذل جاهه وفي بذل الجاه إراقة ماء الوجه والتعرّض لموقف الرّدّ، وإمّا الاستنزال عن سخيمة وموجدة في النزول عنهما كفّ حدّ الغضب وغضّ طرف الحنق، وهما صعبان إلّا على من فضل حلمه، ولطف فهمه. ثم قال: والكاتب يحتاج إلى التلطّف فيهما وإيداعهما من الخطاب ما يخرج به الشافع عن صورة المثقّل على المشفوع إليه بما كلّفه إيّاه، ويؤدّي إلى بلوغ غرض المشفوع له ونجاح مطلبه، ثم أتبع ذلك أن قال: وسبيل ما كان في استماحة المال، أن يبنى على الإبانة عن موقع الإفضال، وفضيلة النّوال، واغتنام فرص الاقتدار، في معونة الأحرار، وما جارى هذا- وسبيل ما كان منهما في طلب الانتفاع بالجاه أن يبنى على هزّ الأريحيّة لاصطناع الصّنائع، وتحمّل المشاقّ في تقليد المنن، وادّخار الفعل الحسن، واغتنام الأجر والشّكر- وسبيل ما كان منهما في الاستنزال عن السخائم أن يبنى على الملاطفة، والإشارة إلى فضيلة الحلم والصّفح عن الخاطيء، وما في ذلك من حسن السّمعة في العاجلة، ومتوفّر المثوبة في الآجلة، ونحو ذلك.

стр. 4279

وذكر أنّ أحسن ما قصد في هذا الفنّ مسلك الإيجاز والاختصار، وأن يسلك به مسلك الرّقاع القصار المجملة، لا الكتب الطّوال المفصّلة، وأن يرجع فيما يودعه إلى قدر الشافع والمشفوع فيه، والكاتب إذا كان مرتاضا ماهرا لم يضلّ عن تنزيل كلّ شيء [في] منزلته، وترتيبه في مرتبته. قلت: ومن أحسن ما يطابق هذا النوع ما رأيته في بعض المصنّفات، أنّ عمرو بن مسعدة وزير المأمون كتب إلى المأمون في رقعة: أما بعد، فإنّ فلانا سألني أن أشفع له إلى أمير المؤمنين، فأخبرته أنّي لم أبلغ عند أمير المؤمنين مبلغ الشّفاعة- فلمّا وصلت الرّقعة إلى المأمون وقّع عليها بخطّه: قد فهمنا تصريحك به وتعريضك بنفسك، واجبناك إليهما وأتحفناك بهما. من كلام المتقدّمين: الحسن «١» بن سهل: كتابي إليك كتاب معتن بمن كتب له واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع حامله بين عناية وثقة، والسّلام. أبو الحسين «٢» بن سعد: وقد توجّه إليك فلان بقصد فيه مستجمع، وأمل فيما قبلك منبسط، وليس بعد إصابتك عنده موضعا وعندنا متجمّلا لليد الحسنة إلّا افتراض ذلك منه ومنّا في أمره على يسر في حاجته، وتخفيف من مؤونته، فإن رأيت أن تأتي في ذلك بما يشبه أمله وظنّه، وتوجب عليه الحقّ به، ونشكر لك منه ما يبقى عندنا، بأنك بحيث تأتي الفضل وتتوخّى الصّلة، [فعلت] إن شاء الله تعالى. آخر: معرفتي بأنك لا تتجاوز في العقوبة سبيلها من مواقع الأدب،

стр. 4280

تحملني على مساءلتك ما أنت موجب له والذّكرى تنفع المؤمنين، ولولا ذلك لا ستغنى صاحب كتابي عنه، فإن كان ذنبه صغيرا فالصغير يخرجه من حبسه، وإن كان كبيرا فالعفو يسعه. وكتابي متقاض لك تقديم العفو على العقوبة، والحسنة على السيّئة، والاستصلاح على القوّة في التأديب. طفال بن شبّة: وأحقّ من يعطف على أهل البيوتات، ويجود لهم بما يبقى ذكره، ويحسن به ذخره، مثلك، وقد وجّهت إليك فلانا، وهو من ذوي قراباتي، وذوي الهيئة من أسرتي، وعرّضته لمعروفك، وأحببت أن تلبسه نعمتك وتصرفه إليّ وقد أودعتني وإيّاه ما تجده باقيا على البشر «١» الجميل في الغيب والحضر. ولغيره: وقد جعلك الله غياثا، وجعل عندك لمؤمّليك وراجي رفدك، أبلغ ذريعة من كرمك وفضلك، وقد أصبحت مفزع كلّ ذي همّ، وملجأ كلّ ذي أرب، وموضع كلّ أمل، وأصبحت ملتقى السّبل، ومجمع الأصناف المختلفة، والطوائف المتصرّفة. أبو مسلم «٢» محمد بن بحر: قد شهّرتني باصطناعك [حتّى] تكافأ في معرفة خبرها أهل بلدان المشرق والمغرب، والذين عرفوني فصديقي منهم مغتبط بذلك لي، وشريك في النعمة به عليّ، وقويّ الظهر بما منحنيه الله من رأيك، وإذا نابت بعضهم نائبة يرجوك لكشفها ولم يكن له إليك طريق يدنيه ولا حرمة تقربه وتعطفك عليه، سألني الشفاعة له إليك، ففعلت ذلك مدلّا بما أعتقده من الشّكر على نعمتك عندي، والإخلاص في طاعتك المفروضة عليّ، واثقا بتسويغك إيايّ ما

стр. 4281

رقّيت إليه من درجة الشافع لغيره، والسائل (؟) في طريقه وذوي الحقّ عليه، لتكون قد أكملت عليّ النّعمة، ووكّدت لديّ العارفة، واستتممت عندي الصّنيعة. أبو الخطّاب بن الصابي: أبسط الشفاعة وجها، وأقربها نجحا، وأوقعها في القلوب، وأسرعها إلى القبول، ما وقع من أقسام ثلاثة؛ من إدلال السائل بحسن الظنّ، وارتياح المسؤول إلى فعل الخير، واستحقاق المسؤول فيه لقضاء الحقّ، فإذا اجتمع لها ذلك كانت الثّقة بها زائدة، والفتوّة لها رائدة، والفضل عليها قائما، والنّجح بها قادما، وكان الشّكر من أقلّ موجوداتها، والمنّة من أجلّ مذخوراتها. وله: إن دلّ المملوك فبصدق المودّة، أو عوّل فعلى حسن النيّة، أو استظهر فبقديم الحرمة، أو استنصر فبكريم الرّعاية، ووراء ذلك همّة من مولانا بعيدة المرامي، طويلة المساعي، شامخة الأنف، سابقة الطّرف، توجد الآمال سراحا، وتوسعها نجاحا، وتأخذها خماصا، وتردّها بطانا، وتوردها هزالا «١» وتصدرها سمانا «٢» ، وثقة منّي قد أحكم عقدها الزّمان، وأوثق شدّها الامتحان، فصارت لأعراض المملوك رائدة، وفي قوّة نفسه زائدة، فالمملوك من اجتماع هذه الأقسام، ووجوب ما تقتضيه من الأحكام، بين ظنّ جميل لا مجال للشكّ عليه، ويقين صحيح لا وصول للارتياب إليه. آخر: ولئن كان المملوك أسرف في مجاري التثقيل على مولانا، فإنّ المملوك لم يردّ بعضا من دواعي الأمل فيه، فإنّ المظنون من فتوّة مولانا رائد الثّقة بجميل نيّته، ولن يعدم النجاح من اعتمد على الفتوّة والثّقة. آخر: وينهي أنّ المملوك إن أدلّ، فبحقّ لدى مولانا أكّده، أو استرسل،

стр. 4282

فبفضل منه عوّده، وبين الدّالّة من المملوك والعادة من مولانا موضع لنجاح الحاجة، وبلوغ الإفادة، وقد فعل المملوك ما تعلّق به واثقا بالكرم من مولانا، فليفعل مولانا ما يتعلّق به محقّقا للأمل فيه. آخر: وينهي أنّ المملوك إن انبسط، فمدلّ بالحرمة الوكيدة، ومعوّل على النية الكريمة، أو انقبض، فلهيبة الإقدام على مولانا ومراعاة التخفيف عنه، ولفضله فيما بين ذلك مسلك وغلبة تسلّط يدعوان إلى حسن الظن بمولانا، ويوثّقان من وجود النجاح لديه. آخر: بذل الجاه في إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، والترويح عن المضغوط، والتفريج عن المكروب المكدود، كبذل المال في إسعاف المعسر، وإسعاد المقتر، ومواساة المحروم، والتعطّف على المزحوم، وما في الحالتين إلّا ما الدّيانة له ضامنة، والمروءة له قائمة، والحقّ به مستوجب، والأجر به مكتسب، والصنيعة به معتقدة، والمثوبة به مدّخرة. آخر: وينهي أنّ حرمة الجوار من أوجب الحرمات حقّا، وأحكمها عقدا، وأخصّها بالعناية، وأحقّها بالرّعاية، وما رعاها إلّا ذو قدر عظيم، وخلق كريم، وأصل عريق، وعهد وثيق. وفلان ممن يضرب بدالّتها، ويمتّ بوسيلتها، ويتخفّر بذمّتها، ويتعلّق بعصمتها، ويعتدّها وزرا مانعا، وذخرا نافعا، وعدّة موجودة عند الحاجة، وله أمر يذكره مشافهة، فإن رأى مولانا أن يحقّق من ظنّه ما كان جميلا، ويصدّق من أمله ما كان فضل مولانا إليه سبيلا، فهو المعهود من إحسانه، والمؤمّل من فضله. آخر: من سافر إلى سيّدي بأمله ورغبته، ومتّ إلى حضرته بوفادته وهجرته، فقد استغنى عن الشافع، وكفي أمر الوسائل والذّرائع، وحامل كتابي هذا قد تجشّم القدوم إليه، وتمسّك بذمام «١» الوفادة عليه، مع ما يتحقّق به من

стр. 4283

حقّ المشاركة في الصّناعة، ويستوجبه بفضيلة الكفاية والأمانة، وإنّما أصدر المملوك هذه الخدمة عن يده ممهّدة لأنسه، ومقوّية لنفسه، وإذا مثل بحضرته، ونظره بعين نباهته، فقد غني عن الشفاعة وبلغ الإرادة. آخر: وينهي أنّ ما يفرضه مولانا لمن أمّه بالرجاء، ومتّ له بإخلاص الحمد والثناء، من إدرار أخلاف الإفضال، وتحقيق الرّغبات والآمال، يغني قاصديه عن الشّفاعات والوسائل، ويكفي آمليه تحمّل الذّرائع والمسائل، والواصل إليه بهذه الرقعة فلان، ومولانا يعرف حقّه على المملوك وماله من المواتّ لديه، وقد توجّه إلى حضرته، راجيا أن يلحفه من ظلّ سعادته ما يتكفّل بمصلحته، ويقضي على الزمن بإعدائه ومعونته، ومولانا أحقّ من تولّاه بحسن خلافته فيه، والتفضّل على المملوك بتحقيق ما يرجّيه. آخر في معتقل: علم المملوك بأنّ مولانا لا يتعدّى في العقاب موضع الإصلاح والتأديب، ولا يتجاوز في الغضب موقع التقويم والتهذيب، عملا بالعدل، وتمسّكا بالفضل، يبعثه على تنبيهه لما أغفله، وانقياده لما أصّله، وفلان قد تطاول اعتقاله، فإن كان جرمه صغيرا فقد ظلم في القصاص، وإن كان كبيرا فقد استحقّ الخلاص، والمسؤول من إحسانه أن يعاود جميل عادته، ويراجع كريم شيمته، فيعمل في أمره بالعدل، إذا لم يره أهلا للفضل، وإن كانت حقوقه متأكّدة، وحرمته مؤكدة، فلا يحسن أن يضاع ويخفر، ولا ينبغي أن يجحد وينكر، وهو حريّ أن يحقّق الظنّ فيه، ويقابل هذا السّؤال بما يقتضيه. آخر: على حسب أخطار الودائع يكون الإشفاق عليها، والشكر ممن صرف رعايته إليها، وقد كان المملوك أودع كنف مروءته، وفناء همّته، فلان، وهو درّة المحاسن الفريدة، ونادرة الدّهر الشريدة، والجامع لأسباب المحامد بفضائله ومناقبه، والناظم لنثار المآثر بخلقه وأدبه، مع ما خصّ به من المعرفة بقدر الصنيعة، والتعويض بالشّكر عن قليل العارفة، والمملوك يرجو أن يكون مولانا قد أحسن خلافته فيه، ونزّله من حياطته وتولّيه، بما يوجبه مكانه من

стр. 4284

المملوك ويقتضيه، متعوّضا من شكر المملوك وشكره بما هو خليق أن يطوّق أجياد معاليه، وينتظم في سلك مساعيه. رقعة- وينهي أن الأيّام، إذا قعدت بالكرام، فأنزلتهم بعد السّعة ضيقا، أوجدتهم إلى التثقيل على من يمتّون إليه بسالف الخدمة طريقا، وممن تحدّاه الزمن بنكده، وعوّضه ببؤسه من رغده، فلان، وكان قد فزع إلى جماعة من الخلّان، واثقا منهم بالامتنان والإحسان، فألفى وعدا جميلا، ومطلا طويلا، فعدل عنهم إلى سيدي وعزل عنهم إليه، وتوجه إليه معتمدا بعد الله في مقصده عليه، ثقة بفضل غيره «١» ، وحسن أثره، وتحمّل عبوديّة المملوك هذه ذريعة تبسط له من مولانا محيّاه، وتوصّله إلى ما يرجوه من معروفه ونداه. وما أولى مولانا بأن يحقّق ظنّ المملوك وظنّه، ويجوز شكره وشكره، إن شاء الله تعالى. رقعة- وينهي أنّ رغبة سيدي في إسداء المعروف، وغوث الملهوف، تبعث على السّفر إليه، والتقدّم بالرّغبات عليه، والله تعالى يواصل المنح لديه، كما وصلها من يديه، وقد سبقت له عوارف لا ينساها المملوك، ولا يؤمّل جزاءها إلّا بمرفوع الدعاء، وكريم الثّناء، حتّى تقتضي ضرائرها، وتستدعي نظائرها، وحامل عبوديّتي هذه، فلان، والمملوك يرضى لمولانا لسان شكره، كما يرضاه لتحمّل برّه، وقد ركض ظهر الأمل إلى حضرته، ووثق ببلوغ الوطر «٢» من جهته، وأن ينظم في سلك من أسبغت عليه عوارفه، وعمّته لطائفه، وعزّز ذلك باستصحاب كتاب المملوك إلى بابه، وتقديمه ذريعة في التزام حقّه وإيجابه. رقعة- من كان سيدي شافعه انبسط في المنى، ولم يرض بغير العلا،

стр. 4285

وقد علم مولانا أنّ للشّفاعة أحوالا ثلاثا؛ حالا تخصّ الشافع، وحالا تخصّ المستشفع، وحالا تخص [المشفوع «١» إليه] ولكلّ حدّ يجب الانتهاء إليه، ولا يجوز التقصير فيه، فعلى المستشفع ارتياد أخصب جناب، وأسكب سحاب، وقصد الجهة الّتي لا تصدّ عن البغية سائلا، ولا تردّ عن الأمل آملا، وأن ينهض بالشّكر على العارفة، ويحدّث بالنّعم عنه في الأحوال الطارفة، وعلى الشافع أن يهريق «٢» ماء وجهه في السّؤال، ويجرّد رغبته في تسهيل المنال، ويعتقد أنّ ذلك من الدّين المقترض، والدّين المفترض، ويتكفّل بالقيام بما يستدعي منه من المكافاة، ويلتمس من العوض والمجازاة. وعلى المشفوع إليه أن يعلم أنّ الشافع والمستشفع ما قصداه إلّا بعد الثّقة بأحديّته، ولا اعتمداه إلّا بعد السّكون إلى أريحيّته، وأنه لا ينبغي أن يخسر متجرهما، ولا يضيع سفرهما، وقد اجتمعت هذه الأحوال الثلاث للرئيس المشفوع إليه، ولسيّدي الشافع، ولخادمه المستشفع به، ولم يبق إلّا عزمة منه تهزّ أفنان الإقبال فتسّاقط أثمارها، وتنشيء عوارض الآمال فيتهافت قطارها. أبو الفرج «٣» الببغاء: وموصّل كتابي هذا غنيّ عن شفاعتي له بما يمتّ من حرمات الرّغبة إليك، والوقوف دون كلّ مقصد عليك، وبما يشفع ذلك من التقدّم في الصّناعة، والتوصّل بوجيه الكفاية، وإنما زوّدته هذه الأحرف لأفتح له باب الأنسة، وأسهّل السّبل إلى التّعلّق بالخلّة، وأدلّ بها على ما تكشف منه المطاولة والخيرة، وأنت أيّدك الله وليّ التطوّل بالتقدّم في إيناسه وبسطه في الخدمة بما يستزيد له محمود الأثر فيها من حسن النظر وجميل الرأي.

стр. 4286

وله في مثله: وموصّل كتابي فيما يؤمّله منك ويبلغه بك متمسّك من رجائك بأوكد ذمّة، ومن شفاعتي بأوجب حرمة، ومهما متّ به بعد ذلك من ظهور كفاية أو تقدّم في صناعة كان غير ضائع عند رعايتك، ولا مجهول مع تيقّظ عنايتك، وأرجو أن يحلّ من تقبّلك، بحيث أحلّه حسن النظر بتطوّلك. وله في مثله: وفي علمك ما آخذ به نفسي، وأروض به أخلاقي، من الانقباض عن التّسرّع إلى مسألة، والاحتشام من الانبساط في حاجة، ما دلّك على موضع فلان ومكانه من إيثاري بواجبات حقوقه، وسالف مواتّه، ولذلك سمحت بالكتاب له إليك، وفارقت رسمي بالتثقيل في قضاء حقّه عليك، وقد قصد نحوك بأمله، واختارك لرجائه، وقدّر بك بلوغ البغية، واختصر بشفاعتي إلى تفضّلك السبيل إلى إدراك المحبّة «١» ، فإن رأيت أن تأتي في بابه ما يشبه فضلك، ويناسب وكيد ثقته بك، وأني أشركه في الشكر وأساهمه في الاعتداد، فعلت. آخر (متقارب) : رأيت المساكين قد أجمعوا ... على أنّك الوزر المعتمد فأنت لطفلهم والد ... وأنت لشيخهم كالولد السّلام العميم ورحمة الله وبركاته على من جعله الله للمساكين ظلّا يقيهم، وطلّا يسقيهم، ونعمة تعمّهم، ورحمة تضمّهم، أبو فلان، أبقاه الله في عزّة تالدة طارفة، وسعادة لا تزال طارقة بكلّ عارفة. من أقامه الله مقامك أيّها الشيخ المبرور بالترفّق بالفقراء، والإحسان إلى

стр. 4287

الضّعفاء، لم يعدم مريضا يقصده في الشّفاء، ولا يعدم فيضا يعتمده للاكتفاء، لا سيّما إذا توسّل وحده، وتشفّع بمن لا يضيع عمل عامل عنده، ومتحمّلها فلان قصّ الفقر جناحه، وأخنى عليه الدّهر واجتاحه، ولما رأى الفقراء ببرّكم مرتفقين، وعلى شكركم متّفقين، أمّكم حسن الظنّ بالمنّ، ولم يقدّم شفيعا دنيويّا، ولا طريقا واضحا سويّا، وأنتم أيّها الشيخ الموقّر تنزلونه منزلة سواه، ممّن ثوى مثواه، ونوى فيكم من الأجر والشّكر ما نواه، إن شاء الله تعالى، والسّلام الكريم العميم، يخصّ جنابكم ورحمة الله وبركاته (بسيط) : فالله سبحانه يبقيك في دعة ... وحسن حال وتيسير وإقبال مقدّم المجد في عزّ وفي كرم ... مؤمّل النّفع من جاه ومن مال الشفاعات من كلام المتأخّرين: الشيخ شهاب الدين محمود «١» الحلبي: شفاعة في استخدام كاتب «٢» درج: جعل الله تعالى دوره رحبة العراص «٣» ، وسعادته في الازدياد وأعاديه في الانتقاص، والدعاء لإحسانه مقرونا بصدق النيّة والإخلاص (طويل) :

стр. 4288

وهذا دعاء لو سكتّ كفيته ... فإنّي سألت الله فيك وقد فعل صدرت هذه الخدمة تستمطر سحاب كرمه، وهامي ديمه، وتسأل جميل شيمه، في معنى مملوك المولى وداعيه، والشاكر لأياديه، والملازم على رواية أخبار فضائله وبثّها، ونشر تفضّلاته ونثّها، فإنّه من بيت كريم النّجار، زائد الفخار، وله على مولانا حقّ خدمة، وهو يمتّ بسالف معرفة، ومحبّة المملوك له شديدة، والصّحبة بينهما قديمة وشقّة المودّة جديدة، ولولا ذلك ما ثقّل على خدمته، وتهجّم على المولى بمكاتبته، وقد توجّه إلى بابه العالي مهاجرا، وناداه لسان جوده فلبّاه وأجابه مبادرا، وغرضه أن يكون كاتبا بين يديه، ومملوكا تقع عين العناية عليه، وهو من الكرام الكاتبين، والراغبين في الانتظام في سلك خدمه والمؤثرين، وصفاته بالجميل موصوفة، وفصاحته معروفة، وقلمه الذي يقلم ظفر المهمّات ويكفّ كفّ الحدثان، ولسانه الذي يغني بشباته عن حدّ السّنان، ورأيه المقدّم في الهيجاء على شجاعة الشّجعان، فإذا أنعم المولى باستخدامه، وتحقيق مرامه، كان قد وضع الشيء في محلّه، وصنع المعروف مع أهله، وبيّض وجه المملوك وشفاعته، وصدّق الأمل في إحسانه ومروءته، ورأيه العالي، إن شاء الله تعالى. وله شفاعة في استخدام جنديّ: لا زال برّه مطلوبا، وجوده مخطوبا، وذكر إحسانه في الملإ الأعلى مكتوبا، ولا برحت رياض جوده أزهر وأنضر من روض الرّبا، ويده البيضاء ترقم له في سواد القلوب سطور حمد أحسن من نور تفتّحه الصّبا. هذه الخدمة صدرت على يد فلان تهدي إلى المولى سلام المملوك وتحيّته، ودعاءه الصالح الذي أخلص فيه نيّته، وتشفع إليه في تنزيله في الحلقة المنصورة واستخدامه، وترتيبه في سلك جيشه المؤيّد وانتظامه، فإنه من الأجناد الجياد، وذوي الجلد على الجلاد، وهو الغشمشم «١» الذي لا يردّ، والشّهم الذي لا يصدّ، والباسل

стр. 4289

الذي لا تحصر بسالته بوصف ولا تحدّ، والنقيب الميمون الغرّة والنّقيبة، الموصوف في الهيجاء بحزم الكهول وجهل ذوي الشّبيبة، والمولى وإن كان بحمد الله غير محتاج إلى مساعد، ولا مفتقر إلى معاضد، فإنّ أسنّته لا تحتجب عن روج محتجب ونفسه الشريفة تقوم وحدها يوم الكفاح مقام عسكر لجب، وقلبه يغنيه عن الأطلاب والأبطال، وجيوش سطوته لا تكلّفه المقام في منازل النّزال، فإنّ المملوك يعلم أنّ نفسه الشريفة تهوى تزيّد عسكره وجنده، وترعى حرمة قاصده وقصده، فلهذا توسّل بشفع وتر الشّافعة، وتوصّل إلى إزالة ضرع حاله بكثرة الضّراعة، فإذا أنعم بقبول شفاعة المملوك فيه، وحقّق له من العناية ما يؤمّله ويرتجيه، كان قد شدّ للمشار إليه، ما أضعفته العطلة من منّته، وقلّد المملوك جميل منّته. شفاعة في ردّ معزول إلى ولايته: يقبّل اليد العالية لا زالت مقبّلة، ولإسداء الخير إلى أهله مؤهّلة، وبأياديها على الكافّة متفضّلة. وينهي ملازمته على شكر مواهبه، ونشر فضائله الجسيمة ومناقبه، وحمده كريم شيمه، والاعتذار من تثقيله على خدمة المولى بخدمه وسؤال إنعامه بوجوه مكاتبته ولسان قلمه، وما ذاك إلّا لما يتحقّقه من كريم نجاره، وشدّة تطلّبه لإسداء العوارف وإيثاره، والموجب لهذه الوسيلة وسؤال مكارمه، واستمطار سحائب مراحمه، ما بلغه من عزل مملوك المولى وعبده، وواصف جميل أوصافه بلسان شكره وحمده فلان، أفاض الله عليه إحسان المولى وإنعامه، وخلّد لنا وله دولته وأيّامه، فإنه صاحب المملوك وصديقه، وشريكه في الدّعاء لمولانا ورفيقه، وهو من العدول الأمناء، والثّقات الاتقياء، وهو قليل الجدة كثير العيال، لا يجد حيلة إذا بطل بخلاف ما يحكى عن البطّال، وقد تشفّع بالمملوك ومكاتبته في ملاحظة المولى له بعين عنايته، والتقدّم بردّه إلى جهة ولايته، فلهذا كتب إليه وأكّد في معناه السّؤال وعلّق بتحصيل أمله الآمال، يعلم ذلك موفّقا.

стр. 4290

شفاعة في خلاص مسجون: فسّح الله في مدّته، وسهّل أداء ما يجب من شكر نعمته، وألزم الألسنة بحمده والقلوب بمحبّته، وجعله مفرّجا كلّ كرب، ومسهّلا من المقاصد كلّ صعب. وبعد، فإنّ كافّة الأمّة قد تحقّقت رحمة قلب المولى ورأفته، وتيقّنت إحسانه ومروءته، وأنه يؤثر إعانة كلّ عان وإغاثة كلّ ملهوف، وأنه لا يمسك إلّا بالإحسان ولا يسرّح إلّا بالمعروف، بحيث سارت بحسن سيرته الرّكاب عوضا عن الرّكبان، ودرأت مكارمه «١» عن الأولياء نوب الزّمان، وعلا على حاتم فلو تشبّه بكرمه لقلنا له: (مرعى ولا كالسّعدان) «٢» . وللمملوك من إحسانه أوفر نصيب، وهو يرفل من جوده في ثوب قشيب، وقد اشتهر ما يعامل به من الإكرام، وأنّ قسمه من العناية أوفر الأقسام، وكان يعدّ من جملة العبيد فأصبح مضافا إلى الألزام «٣» ، وهذا مما يوجب على المملوك أن يبتهل إلى الله في تخليد دولته ويتضرّع، وعلى حلم مولانا إنه إذا شفع إليه في مذنب أن يشفّع، وهو يشفع إليه في مملوكه وعبده، والملازم على رفع رايات مجده وتلاوة آيات حمده، فلان، رزقه الله رضا الخواطر الشريفة، وأسبل عليه حلّة عفوه المنيفة على الحلل بظلالها الكثيفة، فإنه قد طالت مدّة حبسه، واعترف بأنه الجاني على نفسه، والمعترف بذنبه كمن لا أذنب، والمغترف من بحر جوده يروى دون أن يشرب،

стр. 4291

والطالب لبرّه ينال سؤله والمطلب، فإن حسن في رأيه العالي زاده الله علاء وضاعف له سناء، المشي على منار جوده ومنهاجه، وبروز أمره المطاع بإطلاقه وإخراجه، اغتنم أجره، وجبر كسره، وربح في هذا الشهر المبارك دعاءه الصالح وشكره، وكان قد أنعم على المملوك بقبول شفاعته إليه، وفعل ما يوجب على كلّ مسلم الثناء عليه، والله الموفّق. شفاعة بسبب خلاص حق: يخدم المجلس «١» السامي لا فتيء بالتحيات مخدوما، وحبل سعده مبروما، ودرّ المدائح لجيد جوده منظوما، وعدله بين الأخصام قاضيا فما يترك ظالما ولا مظلوما. ولا زالت الآمال متعلّقه بهمّته، منوطة بسعيد عزمته، راجية خلاص كلّ حقّ ممن هو في جهته، وتوضّح لعلمه أنّ فلانا أدام الله سعادته، وخلّد سيادته، ذكر أنّ له دينا، في جهة غريم مماطل مدافع، وخصم ممانع، وقد جعل هذه الخدمة ذريعة إلى خلاص حقّه، وخالها إلى الوصول إلى عناية المولى أقرب طرقه، وهو جدير بالتقدّم بإحضار غريمه ومحاققته، وأخذ ما للمملوك في ذمّته، وأن لا يفسح له في تأخيره، ولا يسمح بقليل الصبر ولا كثيره، فإنه يعلم أنّ المولى المشار إليه واجب الخدمة، وافر الحرمة، وقد تعلّق أمله في خلاص حقّه بالمولى، ولا يجاوب عن هذه الخدمة بلو ولولا، بل يبذل جهده، ويطلق في تحصيل الغرض لسان الاجتهاد ويده، ويعتمد من الاهتمام ما يليق بأمثاله، ويبيّض وجه الشافع وسؤاله، موفّقا. شعر (طويل) : ولو كان [لي] في حاجتي ألف شافع ... لما كان فيهم مثل جودك شافع شفاعة فيمن اسمه سراج الدّين إلى من اسمه جمال الدين: الشيخ جمال الدين «٢» بن نباتة:

стр. 4292

وينهي بعد؟؟؟ ولا ويحكم على القلوب شافع جماله، وثناء يجرّ على أكمام الزّهر فضل أذياله، أنّ العلوم الكريمة محيطة بإيجاب حق من هاجر إلى بابها، وشكا غلّة الفاقة إلى منهل منهلّ سحابها، وأنّ الماثل بهذه الخدمة، فلان، ذكر احتياجه إلى عاطفة من عواطف مولانا الّتي شملت، وعارفة من عوارفة الّتي لو استمدّت من غررها الليالي لما أظلمت ولا ظلمت، وأنّ بيده وظيفة شهادة بيت لحم بتواقيع شريفة نظرت في حاله، ونشرت حال عياله وأطفاله، وأنّ ثمّ من ينازعه في جهته المعتادة، ويقصد نزعه والنّزع عن «١» تلك الشهادة المسطّرة أخفّ من نزع الشّهادة، ومولانا أولى من رحم منه ضعفا، واشتمل عليه عطفا، ودارك بكرمه هذا السّراج قبل أن يطفى، ورعى سيرة مباشرته الحسنة الآثار، واغتنم أدعيته وأدعيته أولاده الذين هم كقطع الشّطرنج صغار وكبار، وكفّ يد التعرّض إليه في أيام عدله فإنها أيام لا ضرر فيها ولا ضرار، وعلى الجملة فقد تركته الأيّام قطعة لحم، فمباشرة بيت لحم أولى به، ورجاله فرجانية وأخواتها أحقّ أن يتعلّق سببها بأسبابه، والله تعالى ينير بمنن مولانا أحوال المضرورين فإنّها ظلام، وينصرهم على حرب الأيّام بسيوفه الّتي هي أقلام، ويمتّع بأيّام عدله وإحسانه الّتي تتنافس فيها أعمار الرعايا فإنهم يتبعون أيّاما بأعوام. وله إلى شخص اسمه شمس الدين: وينهي بعد قيام بوظائف ثناء يتمسّك بنفحاته [المتوالية] ، وولاء يتمسّك بحباله المتينة وما كلّ شمس حبالها واهية، أنه يرتاد الأوقات لخطاب مولانا بالأقلام، حيث حبس البعد خطاب الكلام، ويتخيّر حملة رسائل الشّوق، وإن أضعف عطف النّسيم رسائل السّلام، ولما حضر من مكان كذا، عارض هذه الخدمة فلان، وذكر توجّهه إلى حمى حماة المحروسة، وقصد كتابا يكون في وحشة الاغتراب أنيسه، فوافق ذلك غرض المملوك، وسلك طريق مراده ولا

стр. 4293

ينكر من جهة هذا الرجل الصالح السّلوك، فأعلمته أنّ المكارم الحمادية لا تحتاج غير الحمد والأجر شافعا إليها، والمنازل الشمسيّة لا تفتقر إلى دليل ينبّه عليها، وطالما جمعت لقاصدها الفعل والقول السخي، وطالما قال يوسف ﵀، أخو مولانا أبقاه الله للقاصد: أنا يوسف وهذا أخي، ولكن المملوك يذكّر الخاطر الكريم بهذا القادم فإنه من أهله، ويلقاه قبل ذلك بالبشر المنشد (طويل) : أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله فإنّه من أصحاب وليّ لله طالما فاض وليّ معروفه، واستفاضت نسبته المرشديّة فكان وليّا مرشدا قامت صفته مقام موصوفه، وإنّ آثار هذه البركات على هذا القادم لائحة، وإن على يده تجارة ذكر وأجر وهي في سوق همم مولانا تجارة رابحة، والله تعالى يجعل له في كلّ ثناء وثواب نصيبا ويديم قلمه الكريم مقصد رفد وجاه (فطورا رشاء وطورا قليبا) . وله: عن نائب الشام إلى نائب حماة شفاعة في شخص اسمه شهاب الدين، وهو بعد الألقاب: لا زالت الأقدار تسعده، والملائكة تنجده، ومواطن النصر تجرّد حدّ بأسه ومواطن الحلم تغمده، والجناة تلوذ بظلّه، فأيّ جاني ذنب ما يعفو عنه، وأيّ جاني برّ ما يرقّ عليه ويرفده، تقبيلا يترادف مدده، ولا تنتهي في القرب والبعد مدده. وينهي بعد ولاء وثناء: هذا لا يبلى جديده وهذا لا تخفى جدده، وشوق وارتياح كلاهما يروى عن ابن شهاب توقّده، ويحمل على يد شهاب سنده، أنّ العلوم الكريمة محيطة بمقدار الحلم وفضله، والعفو ومحلّه، والتجاوز عن هفوات المخطئين من القوم، وطلب العفو من الله غدا بالعفو عن عباده اليوم،

стр. 4294

قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ «١» . ولمّا سمع الصدّيق ﵁ هذه الآية، قال: (بلى والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي) ثم عفا عمن نزلت بسببه، ومملوك مولانا أعزّ الله أنصاره فلان، قد اعترف بهفوة بدت منه، وزلّة نقلت عنه، ما يسعها إلّا عفو مولانا ومراحمه، وقدم على المملوك فكأنّه ما خرج عن ظلّ مولانا ولا فارقته معالمه، وسأل سؤال مولانا أن يشمله بالعفو، ويتجاوز له عن السّهو، ويرحم كبر سنّه وكبيرة جهله، ويرعى قدم هجرته لخدمة هذا الباب الذي نشأ عمرا طويلا في ظلّه، أهلا لأن تشمله عواطف أهله، وهو- كما عرف المملوك واطّلع عليه حيث كان في نيابة حماة- مشكور السّيرة بالاعتبار، ناهض الخدمة بالاختبار، ملازم لثرى الباب بعزم ما عليه غبار، وله على المملوك بالأمس حقّ خدمة وباليوم حقّ سؤال يشفع بهما في القلوب وهي كبار، والمسؤول من صدقات مولانا تجاوزه عن هفوته، وردّه إلى أمنه ووظيفته، وإجراؤه على عادة إقطاعه، وحاشاه في أيّام مولانا أن يقطع، بل حاشى المذكور أن لا يستخبر وأن لا يقطع، واستقراره في مكان خدمته، وإجابة سؤال المملوك في كل ما يتعلق بنجاح هجرته وعزمته، لا برح مولانا مأمول المنن الغائبة والحاضرة، والمقيمة والسائرة، مأهول الخواطر برفع ذكره وقدره في الدنيا والآخرة. الشيخ جمال الدين بن نباتة: لا زالت المحامد بذكرها متوّجة، ومقدّمات الفضل والفضائل من تلقاء شيمها منتجة، ومطالع الكرم والإكرام هادية إلى حرمها من اتّجه، تقبيل مواظب على الدعاء يرفعه، والولاء يجمعه، والثناء يقول بضّاع أرجه لا مما نضيّعه بل مما نضوّعه، [وينهي] أن عارض هذه الخدمة على عارض كرم مولانا الممطر، وبابه الذي هو لكبد الحاسد وفم الوارد مفطّر، فلان، لقضاء تعلّقات

стр. 4295

له أوّلها التعلّق بحبل رجائه المحصد، وانتمائه المرصد، والتجمّل بقصد باب مولانا الذي هو المهمّ المقدّم على كل مقصد، وهو من الفضلاء الذين يعرفهم انتقاد مولانا معرفة الخبير، وله اتصال بالأكابر الذين سلّم منهم زمام المفاخر كلّ كبير، وقصد من المملوك هذه الخدمة لمولانا تؤنس اغترابه، وتنشد المقرّ الذي ما قرع سنّ الندامة من قرع بابه (خفيف) : يا غريب الصّفات، حقّ لمن كان ... غريبا أن يرحم الغرباء والمملوك يسأل من إحسان مولانا ملاحظة المذكور بعين عنايته الّتي ما أغفت عن القاصدين ولا غفلت، وعواطفه الّتي طالما فتحت أبوابها فأثنت عليها الركائب الّتي قفلت؛ والله تعالى يديم تقليد الأعناق بكلمه وبرّه، ويمتّع الممالك الساحليّة بما قذف لها من درر بحره. النوع الخامس (التشوّق) قال في «موادّ «١» البيان» : وينبغي للكاتب أن يجمع لها فكره، ويظهر فيها صناعته، ويأخذ في نظمها مأخذا من اللّطافة والرّقّة يدلّ على تمازج الأرواح، وأتلاف القلوب، وما يجري هذا المجرى، وأن يستخدم لها أعذب لفظ وألطف معنى، ويذهب فيها مذهب الإيجاز والاختصار، ويعدل عن سبل الإطناب والإكثار، لئلا يستغرق جزءا كبيرا من الكتاب فيملّ ويضجر، وينتظم في سلك الملق والتكلّف اللذين لا يعتادهما المتصافون من الأصدقاء. وهذه نسخ من ذلك: أبو الفرج «٢» الببغاء:

стр. 4296

شوق المملوك إلى مولانا بحسب مكانه من تفضّله، وحظّه من جميل نظره، واختصاصه بإنعامه، واغتباطه بشرف خدمته، ومكانه من إيثاره، والله يجمع للمملوك شمل السعادة بمشاهدة حضرته، و؟؟؟ «١» من الدّهر بالنظر إلى غرّته، على الحال السارّة فيه وبه. وله: شوق المملوك إليه شوق الظّمآن إلى القطر، والسّاري إلى غرّة الفجر. وله: شوقي إليه شوق من لم يجد مع بعده عوضا عنه، فتقوده الزيادة إلى الانصراف بالرّغبة عنه. وله: شوقي إليه شوق من فقد بالكره سكنه، وفارق بالضّرورة وطنه. وله: لو كان ما يصدره من خطاب، ويناجيه به من متضمّن كتاب، بقدر ما أعانيه من ألم الشوق إلى غرّته، ومضض الفائت من مشاهدته، لما أحاطت بذكره بسطة لسان، ولا ناب في إثباته استخدام بنان. وله: أمّا الدهر فما يستحقّ من إبعاد المملوك عنه عتبا، ولا يعدّ ما جناه من ذلك ذنبا، إذ كان إنما نقل من حشمة المخاطبه، إلى انبساط المكاتبة. وله: وقدره- أبقاه الله تعالى- يرتفع عن ذكر الشّوق إليه، فالمملوك يعبّر عنه بذكر الشوق إلى ما فارقه من تفضّله، وبعد عنه من أوطان تطوّله. وله: ولولا أنّ المملوك يخمد نار الاشتياق، ويبرّد أوار الفراق، بالتخيّل الممثّل لمن نأت محلّته، والتفكّر المصوّر لمن بعدت شقّته، لألهبت أنفاسه، وأسعرت حواسّه، وهمت دموعه، وأنقضت ضلوعه، والله المحمود على ما وفّق له من تمازج الأرواح، عند تباين الأشباح. وله: ولا بدّ أن يكفّ بالمكاتبات، من غرب الاشتياق، ويستعين بأنس

стр. 4297

المراسلات، على وحشة الفراق، فإنها ألسن ناطقة، وعيون على البعد رامقة. وله: عند المملوك لمولانا خيال مقيم، لا يبرح ولا يريم، يجلو عليه صورته، ويطلع على عين فكرته طلعته، إن سهر المملوك سامر معينا على السّهاد، أو رقد تصوّر معذبا طعم الرّقاد، لا يمطله بزيارته، ولا يوحشه بغيبته، كأنما تصوّر بصورته في الوفاء، وتخلّق بخلقه في المحافظة على الإخاء. وله: إن تزايلت الأشباح، فقد تواصلت الأرواح، وإن نزحت الأشخاص وبعدت، فقد دنت الأنفس وتقاربت، فلا تمضّ الفرقة وتؤلم، وتنغّص النّوى وتكلم، وقد ينال بتناجي الضّمائر، وتحاور السّرائر، ما لا تصل إليه الإشارة، ولا تدلّ عليه العبارة، إذ الأنفس البسيطة أرقّ مسرى، وأبعد من الألسنة مرمى. التشوّق من كلام المتأخرين: نسخة كتاب من ذلك، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الصدر: لا زال الدّهر يقضي خدمه، ويمضي رأيه وسيفه وقلمه، ويرضي الدّول الشاكرة تقديمه فيها وقدمه، ولا برحت الأقدار المعربة تجزم أمره وتكسر ضدّه وترفع علمه، تقبيلا إذا لثم التّرب التثمه، وإذا أودع القلب في ذلك التّرب ختمه. وينهي مواظبته على ولاء لا ينسخ البعد محكمه، ودعاء يقابل النّجوم ولا تنقطع من القبول إدراراته المنجّمة. وينهي أنه سطّرها عن شوق يعزّ عليه أن ينوب فيه سعي القلم، عن سعي القدم، وارتياح إلى القرب الذي بأنسه يؤنسه أنوارا على أعلى علم، وتطلّع لمعاودة الأخبار أوفى من تطلّع العامريّ إلى معاودة أيّام ذي سلّم، وتعلّل بقول القائل (وافر) . بعثت لكم سوادا في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني وهيهات! أين نظرات الحروف المرقومة من نظرات العيون الرامقة، وأين

стр. 4298

منال السّلوّ من شجو يقول (بسيط) : أعيذها نظرات منك صادقة. ما يحسب المملوك من النظر إلّا ما يملأ العين من ذلك الوجه الكريم، ولا يلبس من خلع الأيّام إلّا ما تخيط الأهداب على شبا ذلك القرب الرّقيم، وعلى ذلك فقد جهّزها المملوك على يد فلان، وحمّله من رسائل الشّوق ما يرجو أن ينهض فيه بأعباء الرّساله، ويسأل الإصغاء والملاحظة فيما توجّه فيه وإن أدّت الأمالي إلى الملالة، والله تعالى المسؤول أن يبلّغ في امتدادها مولانا الأمنيّة، ويمتّع الدّول منه بهذه البقيّة النقيّة، إن شاء الله تعالى. نسخة كتاب في المعنى عن نائب الشام، إلى القاضي «١» علاء الدين بن فضل الله، كاتب «٢» السّرّ بالأبواب السلطانية، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا، وهو بعد الألقاب: لا زال قلمها مفتاح الرّزق لطالبه، والجاه لكاسبه، والظّفر لمستنيب كتبها عن كتائبه، والنّجح لرائد مطالبة الدّهر بعد المطال به، ولا برح البأس والكرم يتحدّثان عن بحرها ولا حرج عن عجائبه، تقبيلا تغبطه في مرابعها، ثغور الأزاهر، لا بل تحسده في مطالعها، ثغور الزّواهر. وينهي بعد دعاء أحسنت فيه الألسنة وأخلصت الضّمائر، وولاء وثناء لهما مصاعد النّجمين إلّا أنّ هذا في القلوب واقع وهذا في الآفاق طائر- أنه جهّز هذه الخدمة معربة عن شوق يتجدّد، وارتياح لا يتعدّى ولا يتعدّد، ساعية عنه بخطوات الأقلام، أن منع الوقت خطوات الأقدام، نائبة في تقبيل الأنامل الّتي تستسقى ديمها على القرب والبعد ولا كيد ولا كرامة للغمام، وجهّزها على يد فلان بعد أن حمّله من رسائل الشوق ما إنّ حملنا من إحسانه لينضي عقود الأنجم لو تعدّدت، ومفاتيح أبوابه لتنوء بالعصبة أولي القوّة لو تجسّدت، وهو بين

стр. 4299

يديه يقدّم نجواها، ويستشهد بالخاطر الكريم قبل حضور دعواها، والمسؤول إصغاء السّمع الكريم إليه، والملاحظة فيما توجّه فيه متّكلا على الله وعليه، وإذا عاد مشمولا بعناية مولانا المعهودة، مكفولا برعايته المقصورة على نجح الآمال الممدودة، فلينعم على المملوك من المشرّفات الكريمة بما يسكّن على جور البعد خواطره الدّهشة، ويعينه على الوحشة الّتي حرّكها نحوه البعاد فهي الوحشة، والله تعالى يشكر همم مولانا غائبا وحاضرا، وشافعا لرسائل خدمه وناظرا، ويخصّ بابه العلويّ بسلام كسلام سقيط الطّل عن ورق الغصن ناضرا. آخر من كلامه: كتب به إلى بعض رؤساء مصر. وينهي أنه سطّرها معربة عن شوق مقيم، وعهد لا يبرح على صراطه المستقيم، وآرتياح لجنابه، أو لكتابه، ليتلو لإنصات شجوه: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ «١» ، متطلّعا لما يرد من أخبار مولانا السارّة البارّة، مرتقبا لأنبائه ارتقاب الزّهيرة الفاغرة إلى ضرع الغمام الدّارّة، ولو أنّ كلّ ما يتمنى المرء يدركه، وكلّ ما يقترح على الدّهر يملكه، لغني بقرب المخاطبة، عن بعد المكاتبة، واستجلى كوكب الجمال المشرق وأقصر في ليالي الانتظار عن المراقبة. وقد جهّزها على يد فلان، وحمّله من رسائل الشوق أوفى وأوفر من رسائل الصّفا، وسأل الإصغاء والملاحظة من مولى كجاره النيل معروف المنافع والوفا، ولآمال المملوك بمشرّفاته وأوامره جمال حين يريح وحين يسرح، وحين يقتصر على مقترحات الأيام حين يشرح، فينعم مولانا بمواصلتها على هذه المقدّمة، ويجعل ذلك من إدرارات صلاته المنجّمة، والله تعالى لا يعدم المملوك في حال كرمه، إما أن يفيض في القرب بحره وإما أن يبعث على البعد ديمه. وله إلى كاتب السر:

стр. 4300

أعلى الله أمر قلمها على الأقلام، وأدام بفيض أنامله عليه بسط كلمة الإسلام، وراع بكتائب كتبه العدا إذا انتبهوا، فإذا أغفوا «سلّت عليهم سيوفها الأحلام» . ولا زالت تلك الأقلام العالية في تلك اليد الكريمة إن لم تكن من المنشئات، فإنها من المنشآت في البحر كالأعلام، تقبيل مواظب على دعاء يطلع طلوع طرّة الصبح تحت ذلك الظلام، وولاء إذا اعتبر الخاطر مسعاه وخدمته، قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ «١» . وينهي أنه جهّز هذه الخدمة مقصورة على وصف الأشواق الممدودة، وجوانح الشّجو المعهودة، وأنفاس التذكّر الّتي لولا شرف مذكورها لم تكن عنده من الأنفاس المعدودة، فيالها مقصورة على شوق ما فيها غير طيور الجوانح خفّاقة الجناح، سبّاقة الارتياح، ويا لها أنفاس ذكر أغنت منادمتها عن كيس كأس واقتراح وقت راح، ويا لها ورقة فازت بمشافهة لثم اليد الشريفة فكرمت وصفا، ونأت عن فخار الروض عطفا، واستطابت بشفاه السّطور على تلك البنان رشفا (طويل) . وسطّرتها والجسم أنحل ما يرى ... فيا ليتني أصبحت في طيّها حرفا واصلة إلى الباب الكريم بسلام وصل عبقه قبل ما وصلت، واردة على يد فلان وقد حمل من رسائل الصّفاء والودّ مثل ما حملت، وحصلت على القرب، ويا أسفى على ما حصل وحصلت. والمملوك يسأل الإصغاء إليها وإليه بفضل النظر والسّمع، والإنعام على المحبّ المفارق بمشرّفات تجلو عليه أيام جمع، وتعينه على أوقات وحشة إذا وصفها المشتاقون وأقلامهم ولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع، لا برح ذكر مولانا عليّا، وبرّه بملء الآمال مليّا، ووصفه بالتّقى وسحاب الجود على الحالين وليّا (سريع) .

стр. 4301

يا منية النّفس ويا مالكي ... مذغبت عنّي لم تنم مقلتي. إن بنت عن عيني برغمي فقد ... سكنت في قلبي وفي مهجتي لا أوحش الله من طلعته، ولا أخلى من كريم مساعدته، وجمع شمل الأنس بخدمته. المملوك يشكو من المولى فراقا أوجب له على نفسه فرقا «١» وجيش صدود منحه من العزائم طوائف وفرقا، وداء صبابة كلّما ترجّى الإفراق «٢» منه ازداد تلهّبا وحرقا، ووجوب قلب تحتّم لغيبته ووجب، ودمع عين يمحو مهما عبّر عنه لسان قلمه أو كتب، وقد أطال الهجر تألّمه وعتبه، وأطار سنته ولبّه، مذ وصل المولى غيره وقطع عنه كتبه، والمولى يعلم أنّ المملوك لفظ والمولى معناه، وسعده شخص وأنت وجهه الميمون ويمناه، فيواتر إرسال مكاتباته، ويتحف بمأثوره ولباناته، ويعطّر بذكره الجميل الأماكن ويشنّف المسامع، كما شرّف بحلوله فيها الأضالع، والله يديمه ويمدّه بالإسعاف والإسعاد، وينصره على الأضداد والحسّاد (وافر) . أقاسي من بعادك ما أقاسي ... وقلبك راحم وعليّ قاسي وأحمل من نواك بضعف نفس ... عناء يعجز الشّمّ الرّواسي وتبعدني وأمرك إن أتاني ... جعلت محلّه عيني وراسي قرّب الله أوبته، وعجّل رؤيته، وحرس نفسه من الغير والحادثات، وصان حجابه المنيع عن الملمّات المؤلمات، وجمّل الأيام بوجوده، والأنام بجوده، ولا زالت الدنيا به مجمّلة، وأعناق أبنائها لمننه متحمّلة.

стр. 4302

صدرت هذه الخدمة إلى خدمته متضمّنة إهداء سلامه، وشاكية لغيبته جور أيّامه، ومنهية شدّة أشواقه الّتي أفنت بالصّبابة قلبه، وأذهبت حشاشته ولبّه، وهي في ذلك نائبة مناب سائر الخدم، ومعبّرة عن ألسنة الأقاليم بلسان القلم، فإنّ الأعين متطلّعة إلى رؤيته، والقلوب متعطّشة إلى قفوله ورجعته، كما تتطلّع إلى السماء عيون النّرجس، وتتعطّش الرّياض إلى الوابل الغدق بعد اليوم المحرّ المشمس، فالمولى يجعل مواصلته بأخباره فرضا لازما، ويمتنع من إغفاله كما يمتنع من لذّة الطعام إذا كان صائما، فإنّ المولى هو صورة الجود ومعناه، وبيته الكريم فناء الخير ومغناه، والناس ما لم يروك أشباه؛ حرسه الله وتولّاه، وضاعف علاه، والسّلام. (رجز) . يا أجمل الناس سناء وسنا ... جفت جفوني لجفاك الوسنا ثمار آلام، إلام أجتني؟ ... يا ليتني أعلم حظّي ما جنا وأنتم يا أهل بان لعلع ... مذ بنتم لم أر شيئا حسنا أقمتم بمنحنى أضالعي ... وسرتم يا أهل وادي المنحنا في بعدكم منيّتي لا تبعدوا ... وقربكم غاية سؤلي والمنا خلّد الله سعادته، وبلّغه من العلياء إرادته، وأثّل مجده، وأدام سعده، وأعذب منهله وورده. المملوك يتشوّق إلى لقائه، ويتشوّف إلى أنبائه، ويصف شديد أشواقه وصبابته، وحنينه إلى مشاهدة المولى ومشافهته، وما يجده لذلك من ألم في جوارحه الجريحة، وسقم في جوانحه الصحيحة، ويلتمس مواصلته بكتبه آناء الليل وأطراف النهار، وأخباره السارّة ليتضاعف له مزيد الاستبشار، فإنّ القلب بنار الصّبابة قد وقد، وأما صبره على [بعده] فقد فقد، ومتى ورد كتاب المولى شفي الغليل، وأبلّ «١» العليل، ونجع طعم الحياة ونجح التأميل، فليصيّر وتر

стр. 4303

مكاتباته شفعا، ولا يجعل لوصلهنّ قطعا، والله يمنح عيشه خفضا ومكانه رفعا، والسّلام. شعر في معنى التشوّق (بسيط) قد كان لي شرف يصفو برؤيتكم ... فكدّرته يد الأيّام حين صفا غيره (طويل) . كتبت «١» للكتاب مجلّد ... على أنّه قبلي بلقياك يسعد النوع السادس (في الاستزارة) قال في «موادّ «٢» البيان» : رقاع الاستزارة إنما تشتمل على وصف حالات «٣» الأنس ومجالس اللّذّات، ومشاهد المسرّات. قال: ويجب على الكاتب أن يودعها حلو الألفاظ، ومؤنق المعاني وبارع التشبيهات، ويبالغ في تشويق المستزار إلى الحضور، ويتلطّف فيه أحسن تلطّف. وهذه نسخ من ذلك: علي بن خلف: رقعتي- أطال الله بقاء سيدي- ومجلسي بمن حلّه من خدمه، ونزله من صنائع كرمه، فلك مزيّن بأنجمه، فإن رأى أن يطلع فيه بدرا بطلوعه وينقل قدمه إليهم، ويكمّل نقصهم بتمامه، ويضيف ذلك إلى تليد إنعامه، فعل، إن شاء الله تعالى.

стр. 4304

وله في مثله: قد انتظم لنا- أطال الله بقاء سيدي- مجلس رقّت حواشيه، وتبسّمت راحه عن حبب، كلأليء على ذهب، وقامت فيه سوق السّرور، لا يكسدها إلا تخلّفه عن الحضور، فإن رأى أن يكمّل جذلنا بإطلاع طلعته علينا، ويصدّق ظنّنا بنقل قدمه إلينا، سرّ وأبهج، وتمّم من الإحسان ما أخدج، إن شاء الله تعالى. وله: هذا- أطال الله بقاء مولانا- يوم صفيق الظّلّ، رقيق غلالة الطّلّ، قد ترفّعت شمسه ببرج أنسه «١» ، وافترّ جذلا عن مضاحك برقه، وترنّم طربا بزمجرة رعده، ووشت مدارج نسيمه، بأرج شميمه، وقام على منابر السّرور يخطب ابنة الكرم لابناء الكرام، وينادي بأعلى صوته: حيّ على المدام، فقد وجب على كلّ موفّق لاجتناء ثمار السّرور، والتحاف عطاف الحبور، أن يلبّي دعوته، وينتهز فرصته، ويعوّضه من شمسه الآفلة، براح لإظهار ما اختفى من شعاعها كافلة، ويقفه على التّملّي بالكاس والنّدمان، ويجعله سلكا ينتظم فيه الإخوان. ورقعتي هذه صادرة إلى مولاي وقد تهيّأ لنا مجلس من مجالس الأنس، يبسط تجعّد النفس، فيه بغم «٢» ونغم، ومزهر وزهر، وخلّان قد تراضعوا لبان العقار، وتساهموا نقل «٣» الوقار، وشجعوا في معارك الخمّار، وأدمنوا على المماساة والابتكار، إلّا أنّ هذا المجلس مع تمامه مخدج، وعلى كماله مختلج، لبعد مولاي الحالّ منه محلّ الواسطة من النّظام، والأرواح من الأجسام، فإن رأى أن يكمّل منه ما نقص، ويميط عنه [ما نغّص] فليجمّلنا بالمصير إلينا، والطّلوع

стр. 4305

علينا، وإعفائنا من إضجار الانتظار، معتدّا بذلك في كريم الأيادي والمبارّ، إن شاء الله تعالى. وله في مثله: هذا اليوم- أطال الله سيدي- يوم أعرس فيه الجوّ بالجارية البيضاء فخدّرها، وحجبها بسجف «١» الغمام وستّرها، واختال اختيال المعرّس في معرّسه، بمصندله وممسّكه ومورّسه، واتّخذ من ذهب البوارق نثارا، واستنطق من زنّار الرّواعد أوتارا، ودعا إلى حضور وليمته، والسّرور بمسرّته، فإن رأى أن يلبّي طلب «٢» هذا اليوم الصّفيق، ويتمتّع بعيشه الرافغ «٣» الرّفيق، فليطلع علينا طلعته الّتي تبهر القمر المزهر، وتصدع الليل المعتكر، لينهض غرّة الإصباح، بغرّة الراح، ويقطف ثمار الأنس والمحاضرة، ويتملّى بالسّماع والمذاكرة، ويأخذ بحظّ من لذاذة الفيخة الشبيهة بشمائله، ويعدّ ذلك من مبارّه وفواضله، [فعل] إن شاء الله تعالى. وله في الاستزارة في بستان: كتبت- أطال الله بقاء سيّدي- وقد غدوت في هذا اليوم [إلى] بستاني والطّير في الأوكار، والأنداء «٤» تهبط كالتّيّار، والليل مشتمل على الصّباح اشتمال الأدهم على الأوضاح، عازما على مشارفته ومشارفة ما استمددت من عمارته، لا للخلوة فيه بمعاطاة المدام، ومؤانسة النّدام، فحين سرّحت الطّرف في ميادينه وجداوله، وأقبلت على تصفّح حلاه وحلله، رأيت مناظره تعتلق القلوب اعتلاق الأشراك؛ وتعتاق المستوفز عن الحراك، وتقيم قاعد المزاج والنّشاط، وتوقظ هاجد الفرح والانبساط؛ فمن أشجار كالأوانس، في ريحانيّ الملابس، حالية من موشّع الزهر والثمر، بأنصع من الياقوت والجوهر، كأنما تحفّلت لاجتلاء

стр. 4306

عروس، أو معاطاة كؤوس، ما بين نخيل قد نشرت عذب السّندس على ذراها، وأطلعت طلعا كالخناجر غشيها صداها، ونارنج يحمل أكبر العقيان، أو وجنات القيان، وأترجّ «١» قد استعار ثمرة أشواق العشّاق، إذا صالت عليهم يد الفراق. ومن ريضان «٢» زاهية بنشرها، وقضبها مختالة في ملابس زهرها، ونرجسها كعين محبّ حدّق إلى الحبيب، وثنى جيده خوف الرّقيب، إذا عبث به النّسيم جمع بين كلّ قضيب وإلفه، وسعى بالاعتناق من شوقه وكلفه، ووردها كمداهن ياقوت فيها نضار، وشقيقها كمدامات عقيق فيها صوار «٣» ، وبنفسجها فخذ تمضي فيه من القرص آثار، أو جام لجين عليه من النّدى نثار. ومن أنهار قدّت حافاتها قدّ الأديم، وحدّت على صراط مستقيم، بجرة مسجورة، كالسّيوف المشهورة أو المهارق المنشورة، إذا خمشها الهوى خلع عليها متون المبارد، أو سلوخ الأساود، يتخرّق ذلك كلّه نسيم رقيق الغلائل، حلو الشمائل، يسعى بالنّميم، في المعاطس والشّميم، انصبّت إلى مجلس فسيح البناء، ضيّق الأقناء، موشّى الجدران والسّماء، في صدره شاذروان «٤» يرمي بكسر البلّور، وفي وسطه نهر ينساب ماؤه انسياب الشّجاع المذعور، وتتوسّطه بركة منمنمة ينصبّ الماء إليها بالدّوالي إلى أربع شاذروانات، ويخرج عنها من أربع فطيمات، يحتفّها كلّ شجر مثمر، وروض مزهر، فقلت: هذا المراد الذي

стр. 4307

يحطّ به الرائد رحله، ويوفد إليه أهله، ويدعو إلى اختيار من يهبّ إلى السّرور، ويساعد على الحضور، للمشاركة في التملّي ببهجته، والتمتّع بنضرته، فكان مولاي أوّل من جرى إليه ذكري، ووقع عليه طرف فكري؛ لأنه الساكن في فؤادي، الحالّ في محلّ رقادي، فإن رأى أراه الله ما يقرّ العين أن يكمّل مسرّتي بنقل قدمه إليّ، وإطلاع سعد طلعته عليّ، ليتمّم محاسن ما وصفته، ويكمل الالتذاذ بما شرحته، فعل، إن شاء الله تعالى. أجوبة رقاع الاستزارة قال في «موادّ البيان» : لا يخلو المستزار من الإجابة إلى الحضور أو التثاقل عنه فإن حضر على الفور، فلا جواب لما نفذ إليه، وإن وعد الحضور وتلوّم ليقضي شغلا ويحضر، فينبغي أن يبني الجواب على سروره بما دعي إليه، وحسن موقعه منه، وأنّ تلوّمه للعائق الذي قطعه عن أن يكون جوابا عما ورد عليه، وأن حضوره يشفع رقعته. وإن أيس من الحضور، وجب أن يبنى الجواب على ما يمهّد عذره، ويقرّر في نفس مستزيره أنه لم يتأخّر عن المساعدة على الأنس إلّا لقواطع صدّت عنه، يعلم المعتذر إليه صحّتها لينحرس ما بينهما من المودّة، فإنّ كثيرا ما تتفاسد الخلّان من مثل هذه الأحوال. النوع السابع (في اختطاب المودّة وافتتاح المكاتبة) قال في «موادّ البيان» : الرّقاع الدائرة بين الإخوان في اختطاب المعاشرة، وانتماء المكاثرة، وطلب الخلطة والمؤانسة، يجب أن يقدّر الخطاب فيها على أن يصل المرغوب في عشرته إلى الانخراط في سلك أحبّائه، والانحياز إلى أهل ولائه، ويبعث على قصده، في الالتحاق بودّه، ويدلّ على المماحصة، والصّفاء والمخالصة، وما جرى هذا المجرى مما يتعامل به أخلّاء الصّدق، ويجعلونه مهرا لما يلتمسونه من الممازجة، ويرومونه من الاختلاط والمواشجة. قال: وينبغي أن يذهب الكاتب في هذه الرّقاع مذهبا لطيفا، ويحسن

стр. 4308

التوصّل إلى الإفصاح عن أغراضها، ليأخذ بمجامع القلوب، ويعين على نيل المطلوب. وهذه نسخ من ذلك: رقعة: وينهي أنّ المملوك لم يزل مذ وقع طرفه على صورته، وولج سمعه بعد شيمته، يناجي نفسه بافتتاح مكاتبته ومراسلته، واختطاب ممازجته ومواصلته، رغبة في الاعتقاد بإخائه، والارتشاف من مشارع صفائه، والمقادير تطوي الطّويّة على ما فيها، والعوائق تمطل النيّة بنجاز ما تنويه وتلويها، إلى أن أذن الله تعالى بإعراض الأعراض، وانقباض أسباب الانقباض، فأظهر المملوك ما في القوّة، واثقا من مولانا بحسن المروّة، وأنه يوجب القبول بإجابته، ويجيب إلى مساعدته، ويرضى المملوك أهلا لاصطفائه، ومحلّا لإخائه، عالما بإيجابه للحقّ، والمعرفة بالسّبق، وأن تلقى هذه الرغبة بالقبول، ويسلّم إليها مفتاح المأمول. رقعة: لو كانت المودّة لا تحصل إلّا عن ألفة تالدة، ومواصلة سالفة، لم يستطرف المرء صفيّا، ولم يستحدث وليّا. وما زال البعداء يتقاربون، والمتناكرون يتعارفون. ولمّا نمي إلى المملوك من أنباء مولانا ما تضوّع عطره، وطاب نشره، سافر بالأمل إليه، وقدم بالرّغبة عليه، طالبا الانخراط في سلك أوليائه، والاختلاط بخاصّته وخلصائه، ومثل مولانا من أجاب السّول، وصدّق المأمول، والمملوك يرجو أن تكشف الأيام لمولانا منه عن خلّة صادقة، ومودّة صحيحة، لا تضيع معها إجابته، ولا تخسر صفقته. رقعة: وينهي أنّ المملوك ما زال مذ وقع طرفه على صورته البدريّة، وأحاط علما بخلائقه المرضيّة، راغبا في مواشجته، باعثا نفسه على اختطاب مودّته، وإكباره يقعده، وإعظامه يبعده، فلما تطاول يراع همّته، شجعت على إنفاذ عزمته، فقدّم مكاتبته أمام مشافهته، فإن حظي بالإجابة وتنويل الطّلبة، فقد فاز قدحه، وتبلّج صبحه، ونال مناه، وبلغ رضاه، وصادف هناه، وديدا موثوقا

стр. 4309

بودّه، مسكونا إلى عقده وعهده، يحمده عند الاختبار، ويعرف به صحّة رأيه عند الاختيار، والمملوك يرجو أن يصحّ ما سأله وكفله، إن شاء الله تعالى. رقعة: وينهي أنّ من عمر الله تعالى بثنائه المحافل، وعطّر بأنبائه الفضائل، وأقام من مساعيه الكرام خطيبا يخطب بسودده وفضله، ويعرب عن شرف محتده «١» وأصله، تطلّعت الآمال للانتظام في سلك أحبّائه، وتشوّفت الهمم إلى الامتزاج بخلصائه وأوليائه، لما يضفو على المعتصم بعرى مصافاته من لباس جماله، ويحلّي المعتزي إلى ولائه من خلى جلاله، وأحقّ من أسعفه مولانا بالمودّة إذا خطبها، وأجابه إلى المصافاة إذا طلبها، من بدأه بالرّغبة، ومتّ إليه بالمحبّة، لا لمرغب ولا مرهب، واختاره لنفسه على علم بكماله، ومعرفة بشرف خلاله. وما زال المملوك مذ أطلعه الله على ما خصّ به مولانا من المحاسن المتعذّرة إلّا لديه والفصائل الممتنعة إلّا عليه، يحوم على مسارع ممازجته ولا يردها، ويروم مواقع مواشجته ولا يعتمدها، إكبارا لقدره، وإعظاما لخطره، وخوفا من تصفّحه ونقده، وإبقاء على ماء وجهه من ردّه. والمملوك وإن كان عالما بأنّ كرم مولانا يرقع الخلل، وفضله يصدّق الأمل، فإنه لا يعدم مذ رغب في قرب مولانا ما لعلّه يجده فيه، مما يخالف مذهبه وينافيه، إذ كان لا يبلغ تضاهيه في التّمام وتوافيه، إلى أن أذن الله تعالى بأن أبلغ نفسه الأمنيّة، وأظهر ما طويت عليه الطّويّة، فكتب هذه الرّقعة وجعلها فيما رامه من الاعتلاق بحبل مودّته سفيرا، وعلى ما التمسه من الانضمام إلى جملته ظهيرا، وقدم بها عليه وظنّه يترجّح عن الإعراض إلى القبول، ثقة بقرب نيل المأمول، فإن رأى أن يجيبه إلى ما سأله، ويسرّه بتنويل ما اقترحه، فعل، إن شاء الله تعالى.

стр. 4310

اختطاب المودّة ومفاتحة المكاتبة من كلام المتأخرين: الشيخ جمال الدين بن نباتة: وضاعف للممالك ببقائه الانتفاع، وبارتقائه الارتفاع، وسرّ بمحاسن نظره وخبره العيان والسّماع. ولا زال للمحبّين من ودّه عطف المتلطّف وللأعداء من بأسه خطف الشّجاع، أصدرها المملوك منطوية على ما عهد من صدق المحبّة، ووفاء العهود المستتبّة، ودرر المحامد الّتي لا تسوى «١» لديها درر العقود حبّة، مبدية لعلمه الكريم أنّ المودّات إذا صفت، والقلوب إذا تجنّدت وتعارفت، حثّت المحبّين في البعاد على المفاتحة بكتبهم ورسائلهم، والمخاطبة في ظلال الأوراق بألسنة أقلامهم من لهوات أناملهم، إيثارا لتجديد الأنس وإن صحّ الميثاق، وتذكارا لخواطر الودّ، وإن رسخت منه الأصول ونمت الأعراق، ولذلك فاتح بها مخاطبا، وارتقب لمناديها بالأخبار السارّة مجاوبا، نائبة عنه في مشاهدة الوجه الكريم، ومصافحة اليد في حديث برّها القديم، تستطلع أخباره، وتستعرض أوطاره، وتحيّي بالسلام وجهه وعهده ودياره، على يد فلان، وقد حمل من المودّات والمشافهات ما يعيده على السّمع الكريم المنعم بإصغائه، المصغي بنعمائه، المتحف بالمهمّات الّتي يحصل فوز القيام بها، والمشرّفات الّتي كلّ أسباب السّرور متصل بسببها، والله تعالى يبهج من تلقائه سمعا ونظرا، ويبقي عيش حاسده هشيما وعيش محبّيه نضرا، ويديم رياض ذكره تالية على المسامع: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً «٢» . أجوبة اختطاب المودّة قال في «موادّ الليان» : لا يخلو من يرام ذلك منه من أن يجيب أو يعتلّ،
следующие страницы →