← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

ووساوس القلب العون منها والأبكار؛ ما يقف فيه موقف المقصّر الغالط، وينزل فيه منزلة الجاحد للنّعم الغامط؛ وقد أمر الله تعالى بها وفرضها على المؤمنين وأوجبها وحثّ من إقامتها، على ما يفضي إلى صلاح المقاصد واستقامتها؛ فقال عزّ من قائل: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً «١» . وأمره بالسّعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضاحية؛ بعد أن يتقدّم في عمارتها، وإعداد الكسوة لها؛ بما يؤدّي إلى كمال حلاها، ويحظي من حسن الذكر بأعذب الموارد وأحلاها؛ ويوعز بالاستكثار من المكبّرين فيها والقوّام، وترتيب المصابيح العائدة على شمل جمالها بالاتّساق والانتظام: فإنها بيوت الله تعالى التي تتلى بها آياته، وتعلى فيها أعلام الشّرع وراياته. وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين، ولوليّ عهده العدّة للدّين؛ أبي القاسم عبد الله بن محمد ابن أمير المؤمنين «٢» ، أدام الله تعالى به الإمتاع، وأحسن عن ساحته الدّفاع؛ ثم لنفسه جاريا في ذلك على ما ألف من مثله، وسالكا منه أقوم مسالك الاهتداء وسبله؛ وقد بيّن الله تعالى ما في عمارتها من دلائل الإيمان، والفوز بما يعطي من سخط الله تعالى أوثق الأمان، في قوله سبحانه: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ «٣» . وقال في الحثّ على السعي إلى الجوامع التي يذكر فيها اسمه، ويظهر عليها منار الإسلام ورسمه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٤» .

стр. 4622

وأمره أن يعتمد في إخراج الزكاة ما أمر الله تعالى به، وهدى منه إلى أرشد فعل وأصوبه؛ ويقوم بذلك القيام الذي يحظيه بجميل الذّكر، وجزيل الأجر، ويشهد له بزكاء المغرس وطيب النّجر «١» ؛ ويقصد في أداء الواجب منه ما يصل أمسه في التوفيق بيومه، ويطلق الألسنة بحمده ويكفّها عن لومه، متجنّبا من إخلال بما نصّ عليه في هذا الباب، أو إهمال فيه لما يليق بذوي الدّيانة وأولي الألباب؛ ومتوخّيا في المسارعة إليه ما يتطهّر به من الأدناس، ويتوفّر به حسن الأحدوثة عنه بين الناس؛ فقد جعل الله تعالى الزكاة من الفروض التي لا سبيل إلى المحيد عنها، ولا دليل في الفوز أوفى منها؛ وأمر رسوله ﷺ بأخذها من أمّته، وأبان عن كونها مما يجتنى كلّ مرغوب فيه من ثمرته؛ ووصل الأمر له في ذلك بما يوجب فضل المسابقة إلى قبوله: لما فيه من الحظّ الكامل في استنارة غرره وحجوله، في قوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٢» . وأمره أن يهذّب من الدّنس خلاله، ويصل بأقواله في الخير أفعاله؛ ويمتنع من تلبية داعي الهوى المضلّ، ويتّبع سنن المتفيّء بالهدى المستظلّ؛ ويقبض يده عن كل محرّم توثق أشراكه وتوبق غوائله، وتؤذن بسوء المنقلب شواهده ودلائله، ويجعل له من نهاره رقيبا على نفسه يصونها عن مراتع الغيّ ومطارحه، وأمينا يصدّ عن مسارب الإثم ومسارحه؛ فإنّها لا تزال أمّارة بالسّوء إن لم تقد إلى جدد الرّشد، وتقم لها سوق من الوعظ يبلغ فيها أقصى الغاية والأمد؛ فالسعيد من أضحى لها عند سورة الغضب وازعا، وأنحى عليها بلوم يغدو معه عن كلّ ما يسخط الله تعالى نازعا، وأن يتنزّه عن النّهي عمّا هو له مرتكب، والأمر بما هو له مجتنب: إذ كان ذلك بالهجنة حاليا، وبين المرء وبين مقاصد هديه حائلا، قال الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ

стр. 4623

النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ «١» . وأمره أن يضفي على من قبله من أولياء أمير المؤمنين وجنوده، أصناف جلابيب الإحسان، وبروده؛ ويخصّهم من جزيل حبائه بما يصلون منه إلى أبعد المدى، ويملكون به نواصي الآمال ويدركون قواصي المنى؛ ويميّز من أدّى واجبه في الطاعة وفرضه وأبدى صفحته في الغناء بين يديه بمزيد من الاشتمال يرهف بصيرة كلّ منهم في التوفّر على ما وافقه، ووصل بأنفه في التقرّب إليه سابقه، ويدعو المقصّر إلى الاستبصار في اعتماد ما يلحق فيه رتبة من فازت في الحظوة قداحه، وفاتت الوصف غرره في الزّلفة وأوضاحه: ليمرح به في الاغتذاء بلبان النّعمة، كما انتهج جدده في إحسان الخدمة، وأن يرجع إلى آراء ذوي الحنكة منهم مستضيئا بها مسترشدا، وطالبا ضوالّ الرأي الثاقب ومنشدا؛ وقد بيّن الله فضل المشورة التي جعلها للألباب لقاحا، وفي حنادس «٢» الشّكوك مصباحا؛ حيث أمر رسوله ﷺ بها، وبعثه منها على أسدّ الأفعال وأصوبها؛ فقال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ «٣» . وأمره أن يعدل في الرّعايا قبله، ويحلّهم من الأمن هضابه وقلله، ويمنحهم من الاشتمال، ما يحمي به أمورهم من الاختلال، ويحوي به من طيب الذّكر بحسب ما اكتسب من رضيّ الأنحاء والخلال؛ ويضفي على المسلم منهم والمعاهد من ظلّ رعايته ما يساوي فيه بين القويّ والضّعيف، ويلحق التليد منهم بالطّريف: ليكون الكلّ وادعين في كنف الصّون، راجعين إلى الله تعالى في إمدادهم بالتوفيق وحسن الطاعة والعون. وأن ينظر في مظالمهم نظرا ينصر الحقّ فيه، وينشر علم العدل في مطاويه، وينصف معه بعضهم من بعض، وينصب «٤» به

стр. 4624

لهم من اهتمامه أسنى قسم وحظّ؛ ملينا لهم في ذلك جانبه، ومبينا ما يظلّ به كاسب الأجر وجالبه؛ ويزيل عنهم ما شرعه ظلمة الغلمان بتلك الأعمال، ويديل من تلك الحال باستئناف ما يوطؤهم كواهل الآمال؛ جامعا لهم بين العدل والإحسان، وجاعلا أمر الله تعالى في ذلك متلقّى بالطاعة الواضحة الدليل والبرهان؛ قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «١» . وأمره بأن يكون بالمعروف آمرا، وعن المنكر زاجرا، ولله تعالى في إحياء الحقّ وإماتة الباطل متاجرا، وأن يشدّ من الساعين في ذلك والدّاعين إليه، ويعدّ القيام بهذه الحال من أفضل ما يتقرّب به إلى الله تعالى يوم العرض عليه. ويتقدّم بتعطيل ما في أعماله من المواخير ودحضها، وإزالة آثارها ومحوها، فإنها مواطن بالمخازي آهلة، ومن مشارب المعاصي ناهلة؛ قد أسّست على غير التّقوى مبانيها، وأخليت من كل ما يرضي الله تعالى مغانيها؛ وقد أبان الله تعالى عن فضل الطائفة التي ظلّت بالمعروف آمرة وعن المنكر ناهية، وضنّت بما ترى فيه عن مقاصد الخير ذاهلة لاهية، فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٢» . وأمره أن يرتّب لحماية الطّرقات من يجمع إلى الصّرامة والشّهامة، سلوك محاجّ الرّشاد والاستقامة، ويجعل التعفّف عن ذميم المراتع شاهدا بتوفيق الله إيّاه، وعائدا عليه بما تحمد مغبّته وعقباه، ويأمر بحفظ السابلة، واختصاصهم بالحراسة السابغة الشاملة، وحماية القوافل واردة وصادرة، واعتمادها بما تغدو به إلى السلامة مفضية صائرة: لتحرس الدماء مما يبيحها ويريقها، والأموال مما يقصد فيه سبيل الإضاعة وطريقها؛ وأن يخوّفهم نتائج التقصير، ويعرّفهم مناهج التّبصير؛ وأنّ عليهم رقباء يلاحظون أمورهم ويوضّحونها، ليكون ذلك داعيا إلى

стр. 4625

التحوّط والتحرّز، واعتماد الميل إلى جانب الصّحّة والتحيّز؛ ويوجب لهم من بعد ما يكفي أمثالهم مثله، ويكفّ أيديهم عن الامتداد إلى ما تذمّ سبله؛ فإن أخلّ أحدهم بما حدّ له، أو مزج بالسّوء عمله، جزاه بحسب ذلك وموجبه، قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ «١» . وأمره أن يتقدّم إلى نوّابه في الأعمال بوضع الرّصد على من يجتاز بها من العبيد الأبّاق، والاستظهار عليهم بحسب العدل والاستحقاق؛ واستعلام أماكنهم التي فصلوا عنها، ومواطنهم التي بعدوا منها؛ فإذا وضحت أحوالهم وبانت، وانحسمت الشّكوك في بابهم وزالت، أعادوهم إلى مواليهم أبوا أم شاءوا، وأصفوا نيّاتهم في الرجوع إليهم أم شابوا. وأن يقصدوا إنشاد الضّوالّ، ويجتهدوا من إظهار أمرها بما يغدو جمال الذّكر به في الظّلال، ويتجنّبوا أن يمتطوا ظهورها بحال، أو يمدّوا أيديهم إلى منافعها في إسرار وإعلان؛ حتّى إذا حضر أربابها سلّمت إليهم بالنّعوت والأوصاف، وأجري الأمر في ذلك على ما يضحى به علم العدل عالي المنار حالي الأعطاف؛ فقد أمر الله تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها، وهدى من ذلك إلى أوضح محاجّ الصّحّة وسبلها، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «٢» . وأمره أن يختار للنظر في المعاون والأجلاب من يرجع إلى دين يحميه من مهاوي الزّلل وصلف «٣» عن مدّ اليد إلى أسباب المطامع، وكلف بما يعود على ما كلّف إيّاه بصلاح مشرق المطالع، ومعرفة بما وكل إليه كافية وافية، ولما يوجب الاستزادة «٤» له ماحية نافية، ويوعز إليهم بالتشمير في طلب الدّعّار، من جميع الأماكن والأقطار، وحسم موادّ العار في بابهم والمضار. وأن يمضوا فيهم حكم

стр. 4626

الله بحسب مقاصدهم في الضّلال، وتجرى أمورهم على قانون الشرع المنير في حنادس الظلام، ممتنعين أن يراقبوا من لم يراقب الله تعالى في فعله، ويجانبوا الصواب بقبول الشّفاعة فيمن شهدت آثاره بذميم سبله، وإذا وقع الظّفر بجان قد كشف في الغيّ قناعه، وأظهرت مساعيه إباه من إجابة داعي الرّشد وامتناعه؛ أقيم حدّ الله تعالى فيه من غير تعدّ للواجب، ولا تعرّ من ملابس السالكين للجدد اللّاحب، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» . وأمره أن يوعز إلى أصحاب المعاون، بأن يشدّوا من القضاة والحكّام، ويجدّوا في إجراء أمورهم على أوفى شروط الضبّط والإقدام، ويأمرهم بحضور مجالسهم لتنفيذ أحكامهم وإمضائها، والمسارعة إلى حثّ مطايا التشمير في ذلك وإنضائها، والتصرّف على أمثلتهم في إحضار الخصوم إذا ما امتنعوا، وسوقهم إلى الواجب إذا زاغوا عنه وانحرفوا، وأن يتقدّم بإمداد عمّال الخراج بما يؤدّي إلى قوّة أيديهم في استيفاء مال الفيء واجتبائه، واعتماد ما ينصر الحقوق في مطاويه وأثنائه، إذ كان في ذلك من الصّلاح الجامع، وكفّ المضارّ وحسم المطامع، ما المعونة عليه واجبة، وللتوفيق مقارنة مصاحبة، قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٢» . وأمره بعرض من تضمّه الحبوس من أهل الجرائم والجرائر، وتأمّل أحوالهم في الموارد والمصادر؛ والرّجوع إلى متولّي الشّرطة في ذكر صورة كلّ منهم والسبب في حبسه، والتعيين من ذلك على ما يعرف به صحّة الأمر من لبسه؛ فمن ألفي منهم للذّنوب آلفا، وعن سنن الصّواب منحرفا، ترك بحاله، وكفّ بإطالة اعتقاله عن مجاله في ميادين ضلاله؛ وإن وجد منهم من وجب عليه الحدّ، أقيم فيه بحسب ما يقتضيه الحقّ، ومن اعترضت في بابه شبهة تجوّز إسقاط الحدّ عنه

стр. 4627

ودرأه، اعتمد إلحاقه في ذلك بمن اتّصل إليه صوب الإحسان ودرّه، ومن لم يكن له جرم وتظهر صحّة شاهده ودليله، قدّم الأمر في إطلاقه وتخلية سبيله، وإن غدا لأحدهم سعي في الفساد واضح وبان، وغوى به في محاربة الحقّ وخان، قوبل بما أمر الله تعالى به في كتابه حيث يقول: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» . وأمره باختيار المرتّب للعرض والعطاء، والنّفقة في الأولياء؛ من ذوي المعرفة والبصيرة، والمشهورين في العفّة بتساوي العلانية والسّريرة؛ وممن تحلّى بالأمانة جيده، واعتضد بطرفيه في الرّشاد تليده؛ وكان بما يسند إليه قيّما، وفي مقرّ الكفاية ثاويا مخيّما. وأن يتقدّم إليه بضبط حلى الرّجال وشيات الخيول، وأن يقصد في كل وقت من تجديد العرض ما يشهد بالاحتياط السابغ الأهداب والذّيول، فإذا وضح وجه الإطلاق، وسلم مال الاستحقاق؛ كانت التفرقة على قدر المنازل في التقديم والتأخير وبحسب الجرائد «٢» التي تدلّ على الصغير من ذلك والكبير، ومتى طرق أحدهم ما هو محتوم على خلقه، أعاد على بيت المال من رزقه بقدر قسطه وحقّه. وأن يلزمهم إحضار جياد الخيول وخيار الشّكك «٣» ، ويأخذهم من ذلك بأوضح ما نهج المرء الطريق فيه وسلك؛ فإن أخلّ أحدهم بما يلزمه البروز فيه يوم العرض، أو قصّر في القيام بالواجب عليه الفرض، حاسبه بذلك من الثابت باسمه والمطلق برسمه؛ تنبيها له على تلافي الفارط، وتبصيرا لغيره في البعد، عن مقام المخطيء الغالط؛ إذ كان في قوّتهم وكمال عدّتهم إرهاب للأعداء والأضداد، وإرهاف للبصائر فيما يؤدّي إلى المصالح الوافية

стр. 4628

الأعداد والأمداد، قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ «١» . وأمره باختيار عمّال الخراج، والضيّاع، والأعشار، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، وأن يكونوا محتضنين من الأمانة والكفاية بما يقع الاشتراك في علمه، ومتقمّصين من ملابس العفّة والدّراية ما تحمد العواقب في ضمنه، ومتميّزين بما يغنيهم عن الأفكار بنتائج الاتّعاظ والاعتبار ويغريهم بالاستمرار على السّنن المنجي لهم من مواقف التنصّل والاعتذار، وأن يأمر عمّال الخراج بجباية الأموال، على أجمل الوجوه والأحوال؛ سالكين في ذلك جددا وسطا، يحمي من مقام من ضعف في الاستخراج أوسطا. و [أن يتقدّم] إلى الناظرين في الضّياع بتوفية العمارة حقّها والزراعة حدّها، والتوفير من حفظ الغلّات الحاصلة على ما يقتفى فيه أرشد المذاهب وأسدّها، متحرّزين من أمر ينسبون فيه إلى العجز والخيانة، فكلّ من الحالين مجز في وضوح أدلّة الفساد ومخز. وإلى الجهابذة بقصد الصحّة في القبض والتقبيض، وحفظ النّقد من التدليس والتلبيس؛ أداء للأمانة في ذلك، واهتداء فيه إلى أقوم المسالك. وإلى سعاة الصدقات بأخذ الفرائض من مواشي المسلمين السائمة دون العاملة، والجري في ذلك على السّنّة الكاسبة للمحمدة الوافية الكاملة؛ متجنّبين من أخذ فحل الإبل وأكولة الراعي، وعقائل الأموال المحظورة على سائر الأسباب والدّواعي؛ فإذا استوفيت على المحدود من حقّها، أخرجت في المنصوص عليه من وجوهها وسبلها. وإلى جباة جماجم أهل الذّمّة بأخذ الجزية منهم في كلّ سنة، على قدر ذات أيديهم في الضّيق والسّعة، وبحسب العادة المألوفة المتّبعة، ممتنعين من مطالبة النّسوان، ومن لم يبلغ الحلم من الرجال ومن علت سنّه عن الاكتساب وتبتّل من الرّهبان ومن غدا فقره واضح الدليل والبرهان، وفاء بالعهد المسؤول، وتلقّيا لأمر الله تعالى بالقبول حيث

стр. 4629

يقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا «١» . وأمره أن يردّ أمر المظالم وأسواق الرقيق ودور الضّرب والطّرز والحسبة إلى من عضّد بالظّلف «٢» الورع، وانتظم له شمل الهدى واجتمع، فكان ذا معرفة بما يحرم ويحلّ، وبصيرة يتفيّأ «٣» بها من عوارض الشّبه ويستظلّ؛ وأن يكون النظر في ذلك مضاهيا للحكم ملائما، ولن يقوم به إلّا من لا يرى عاذلا له في فعله لائما، وأن يتقدّم إلى من يلي المظالم بتسهيل الإذن للخصوم في الدّخول عليه، وتمكين كلّ منهم من استيفاء الحجّة بين يديه، والتوصّل إلى فصل ما بينهم بحسب ما يقود الحقّ إليه، وأن يقصد فيما وقع الخلف معهم فيه، الكشف الذي يقوم به ويستوفيه؛ فإن وضح له الحقّ أنفذه وقطع به، وإلا ردّهم إلى مجالس القضاء لإمضاء ذلك على مقتضى الشّرع وموجبه، وإلى المرتّبين في أسواق الرقيق بالتحفّظ فيما يبتاع ويباع، وأن يستعمل في ذلك الاقتفاء للسّنن الجميل والاتّباع: ليؤمن اختلاط الحرّ بالعبد، وتحرس الأنساب من القدح والفروج من الغصب؛ في ضمن حفظ الأموال، والمنع من مزج الحرام بالحلال. وإلى ولاة العيار بتصفية عين الدّرهم والدّينار من الغشّ والإدغال «٤» ؛ وصون السّكك من تداول الأيدي الغربية لها بحال من الأحوال، متحذّرين من الاغترار بما ربّما وضح الفساد فيه عند الاعتبار، ومانعين التّجّار المخصوصين بالإيراد، من كل قول مخالف للإيثار في الصحّة والمراد، ومعتمدين إجراء الأمر فيما يطبع على القانون بمدينة السلام، من غير خلاف لمستقرّ القاعدة في ذلك ومتّسق النظام؛ وأن يثبت ذكر أمير المؤمنين، ووليّ عهده في المسلمين؛ على ما يضرب من الصّنفين «٥» معا، والمسارعة في ذلك إلى أفضل ما بادر إليه المرء وسعى. وإلى المستخدمين في الطّرز بملاحظة

стр. 4630

أحوال المناسج والإشراف عليها، وأخذ الصّنّاع بالتجويد على العادة التي يجب الانتهاء إليها؛ وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما ينسج من الكسا والفروش والأعلام والبنود، جريا في ذلك على السّنن المرضيّ والمنهاج المحمود. وإلى من يراعي الحسبة الشريفة بالكشف عن أحوال العوامّ في الأسواق، والانتهاء في ذلك إلى ما ينتهي به شمل الصّلاح إلى الانتظام والاتّساق، وأن يتقدّم [إليهم] بما يجب من تعبير ما يختصّ بهم من المكاييل والموازين، وحملها على قانون الصّحّة الواضحة الدلائل والبراهين؛ وأن يقصد تبصيرهم مواضع الحظّ في الاستقامة، ويحذّرهم مواقع الانتقام الذي لا تفيد فيه أسباب الاستفصاح والاستقالة، فإن عرف من أحد منهم إقداما على إدغال فيما يزن أو يكيل، قوبل من التأديب بما هو الطريق إلى ارتداعه والسّبيل قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ » . وأمره أن يعرف قدر النعمة التي ضفت «٢» عليه برودها، وحلّت جيده عقودها، وزفّت منه إلى أوفى أكفائها، وحفّت بجزيل القسم من جميع أكنافها وأرجائها؛ وأن يقابلها بإخلاص في الطاعة يساوي فيه بين ما يبدي ويسرّ وسعي في الخدمة يوفي على كل مجاز ومبرّ، ويبدأ أمام ما يتوخّاه بأخذ البيعة لأمير المؤمنين ووليّ عهده على نفسه وولده، وكافّة الاجناد والرّعايا في بلده، عن نيّة صفت من الكدر والقذى، ووفت للتوفيق بما ضمنت من خذلان البغي ونصرة الهدى، ويتبع ذلك بالحقوق في كل خدمة ترضي، والوقوف عند الأوامر الإماميّة في كلّ ما يؤدّي إلى الوفاق ويفضي؛ وأن يحمل إلى حضرة أمير المؤمنين من الفيء والغنائم ما أوجبه الله تعالى وفرضه، من غير تأخير لما يجب تقديمه من ذلك ولا تقصير منه فيما يقتضي التّلافي والاستدراك ليأمر أمير المؤمنين بصرفه في سبيله المشار إليها، ووجوهه المنصوص عليها، قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ

стр. 4631

خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ «١» . ثم إنّ أمير المؤمنين آثر أن يضاعف له من الإحسان، ما يقتضيه مقامه لديه من وجيه الرتبة والمكان، وشرّفه بما يرفل من حلاه في حلل الجمال، وتكفّل له علاه ببلوغ منتهى الآمال؛ وبوّأه بما أولاه محلّا تقصر عن الوصول إليه الأقدام، وتعجز عن حلّ عراه الأيّام، ولقّبه بكذا، وأذن له في تكنيته عن حضرته، وتأهيله من ذلك لما يتجاوز قدر أمنيّته إنافة به على من هو في مساجلته من الأقران طالع، وإضافة للنّعمة في ذاك إلى ما اقترن بها فيما هو لشمل الفخر عنده جامع، وأنفذ لواء يلوي به إلى الطاعة أبيّ الأعناق، ويحوي به من العزّ ما أنواره وافية الإشراق. فتلقّ يا فلان هذه الصّنيعة الغرّاء، والمنحة التي أكسبت زنادك الإيراء «٢» ؛ بالاستبشار التّام، والاعتراف فيها بسابغ الطّول والإنعام؛ وأشع ذكر ذلك عند كلّ أحد، وانته في الإبانة عنه إلى أبعد أمد؛ واعتمد مكاتبة حضرة أمير المؤمنين متسمّيا، ومن عداه متلقّبا متكنّيا وتوفّر على شكر تستدرّ به صوب المزيد، وتستحقّ به إلحاق الطّريف من الإحسان بالتّليد، والله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٣» . هذا عهد أمير المؤمنين إليك، والحّجة لك وعليك؛ قد أوضح لك [فيه] الصّواب، وأذلّ به الجوامح الصّعاب؛ وحباك منه بموهبة كفيلة بخيري البدء والمعاد، وفيّة فيها المنى بسابق الضّمان والميعاد؛ وضمّنه من مواعظه ما هدى به إلى كلّ ما الجنيّ ثمره، وغدا محظيّا بما تروق أوضاحه في المجد وغرره؛ ولم يألك فيه تجمّلا يكسبك الفخر النامي، ويجعل ذكرك زينة المحفل والنادي؛ وتقديما ينبيء عمّا خصصت به

стр. 4632

من المنح المشرقة الّلآلي، وإكراما يبقى صيته على تقضّي الأيّام والليالي؛ وتبصيرا يقي من فلتات القول والعمل، ويرتقي المستضيء بأنواره إلى ذرى الأمن من دواعي العثار والزّلل؛ فأصغ إلى ما حواه، إصغاء الفائز بأوفى الحظ، وتدبّر فحواه، الناطق بفضل الحثّ على الهدى والحضّ؛ وكن لأوامر أمير المؤمنين فيه محتذيا، ومن تجاوز محدوده في مطاويه محتميا؛ وبمواعظه الصادقة معتبرا، وفي العمل بما قارن الحق مستبصرا، تفز بالغنم الأكبر، وبالسلامة في المورد والمصدر؛ وإيّاك واعتماد ما تذمّ فيه مكاسبك، فإنّ لك بين يدي الله تعالى موقفا يناقشك فيه ويحاسبك. واعلم أنّ أمير المؤمنين قد قلّدك جسيما، وخوّلك جزيلا عظيما؛ فلا تنس نصيبك من الله تعالى غدا، ولا تجعل لسلطان الهوى المضلّ عليك يدا؛ وإن خفي عليك الصواب في بعض ما أنت بصدده، أو اعتراض فيه من الشّبه ما يحول بينك وبين طريق الرشاد وجدده «١» ؛ فطالع حضرة أمير المؤمنين به، واستنجد الله في ذلك بأسدّ رأي وأصوبه؛ يبدّلك من الشكّ يقينا، ويبدلك ما يغدو لكلّ خير ضمينا؛ إن شاء الله تعالى. الطريقة الثانية (طريقة محقّقي المتأخّرين ممّن جرى على هذا المذهب: كالشيخ شهاب الدين محمود الحلبي «٢» ، والمقرّ الشهابيّ بن فضل الله «٣» ، ومن والاهم) وهي أن يأتي في أثناء العهد بخطبة أو تحميد على عادة المكاتبات، وأن يذكر بعد صدر العهد حميد أوصاف المعهود إليه، ويطنب فيها ويثني عليه بما يليق بمقامه. قال في «التعريف» : على نحو ما تقدّم في عهود الخلفاء عن الخلفاء.

стр. 4633

قال في «التثقيف» «١» : وصورته أن يكتب: «هذا ما عهد به عبد الله ووليّه أمير المؤمنين المتوكل على الله (مثلا) أبو فلان فلان بن فلان، إلى السيّد الأجلّ الملك العالم العادل المؤيّد المظفّر المنصور المجاهد» ويذكر اللّقب هنا، مثل الناصر أو الكامل أو غيره «فلان الدنيا والدين، فلان، ابن السلطان السعيد الشهيد الملك الفلاني خلّد الله تعالى ملكه. أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويصلّي على ابن عمّه سيدنا محمد ﷺ » ويكمل الخطبة بما أمكنه. ثم يقال: «عهد إليه وقلّده جميع ما هو مقلّده من مصالح الأمّة وصلاح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدّة يتدبّر هذا الأمر ويروّي فكره فيه وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أوفق منه لأمور الأمّة ومصالح الدنيا والدّين» . ومن هذا وشبهه. ثم يقال: «وإن المعهود له قبل ذلك منه» ويأتي فيه بما يليق من محاسن العبارة وأجناس الكلام. قلت: وقد يؤتى بعد «أما بعد» بخطبة، مثل أن يقال: «أما بعد فالحمد لله» ونحو ذلك، ويكمّل الخطبة بما يليق بالمقام. ثم قد يقتصر على تحميدة واحدة، وقد يكرره إلى ثلاث، وإن شاء بلغ به سبعا. فقد قال في «التعريف» في الكلام على عهود الملوك للملوك: إنه كلّما كثر التحميد، كان أدلّ على عظم النعمة. وقد يقال في آخره: «والاعتماد على الخطّ الفلاني (بلقب الخلافة) أعلاه حجّة بمقتضاه أو «والخطّ الفلاني أعلاه حجّة فيه» ونحو ذلك. وعلى هذه الطريقة كتب الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ عهد الملك

стр. 4634

العادل «كتبغا» «١» عن الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد «٢» ، ابن الإمام الذي استحضره الملك الظاهر بيبرس من بغداد وبايعه، وهذه نسخته «٣» : هذا عهد شريف في كتاب مرقوم يشهده المقرّبون، ويفوّضه آل رسول الله ﷺ الأئمة الأقربون. من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد أمير المؤمنين، وسليل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديّين، رضوان الله عليهم أجمعين، إلى السلطان الملك العادل زين الدنيا والدين «كتبغا المنصوريّ» أعزّ الله سلطانه. أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي جعل له منك سلطانا نصيرا، وأقام له بملكك على ما ولّاه من أمور خلقه عضدا وظهيرا؛ وآتاك بما نهضت به من طاعته نعما «٤» وملكا كبيرا، وخوّلك بإقامة ما وراء سريره من مصالح الإسلام بكلّ أرض منبرا وسريرا، وجاء بك لإعانته على ما استخلفه الله فيه من أمور عباده على قدر وكان ربّك قديرا؛ وجمع بك الأمة بعد أن كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعضّدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين ﵃؛ وخصّك بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم نازهون «٥» وأظهرك على الذين ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ

стр. 4635

كارِهُونَ «١» واصطفاك لإقامة الدّين وقد اختلفت الأهواء في تلك المدّة، ولمّ بك شعث الأمّة بعد الاضطراب فكان موقفك ثمّ موقف الصّدّيق يوم الرّدّة. ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حاكم بأمره، مستنزل لك بالإخلاص ملائكة تأييده وأعوان نصره؛ مسترهف بها سيف عزمك على من جاهر «٢» بشركه وحاربه بكفره، معتصم بتوفيقه في تفويضه إليك أمر سرّه الذي استودعه في الأمّة وجهره؛ ويصلّي على سيدنا محمد رسول الله الذي استخرجه الله من عنصره وذويه، وشرّف به قدر جدّه بقوله فيه: «عمّ الرّجل صنو أبيه» وأسرّ إليه بأنّ هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه؛ وعلى آله وصحبه والخلفاء الراشدين من بعده، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وجاهدوا أئمة الكفر الذين لا أيمان لهم والذين هم بربّهم يعدلون؛ وسلّم تسليما كثيرا. وإنّ أمير المؤمنين لما آتاه الله من سرّ النبوة، واستودعه من أحكام الإمامة الموروثة عن شرف الأبوّة؛ واختصّه من الطاعة المفروضة على الأمم، وفرض عليه من النظر في الأخصّ من مصالح المسلمين والأعمّ؛ وعصم آراءه ببركة آبائه من الخلل، وجعل سهم اجتهاده هو المصيب أبدا في القول والعمل؛ وكان السلطان فلان هو الذي جمع الله به كلمة الإسلام وقد كادت، وثبت به الأرض وقد اضطربت بالأهواء ومادت؛ ورفع به منار الدين بعد أن شمخ الكفر بأنفه، وألّف به شمل المسلمين وقد طمح العدوّ إلى افتراقه وطمع في خلفه، وحفظ به في الجهاد حكم الكتاب الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٣» ؛ وحمى به الممالك الإسلاميّة فما شام الكفر منها برق ثغر إلّا رمي من وباله بوابل، ولا أطلق عنان طرفه إلى الأطراف إلا وقع من سطوات جنوده في كفّة حابل؛ ولا اطمأنّوا في بلادهم إلا أتتهم سراياه من حيث لم يرتقبوا، ولا ظنّوا أنهم ما نعتهم حصونهم من

стр. 4636

الله إلا وأتاهم بجنوده «١» من حيث لم يحتسبوا؛ وألّف جيوش الإسلام فأصبحت على الأعداء بيمنه يدا واحدة، وقام بأمور الأمّة فأمست عيون الرّعايا باستيقاظ سيوفه في مهاد الأمن راقدة؛ وأقام منار الشريعة المطهّرة فهي حاكمة له وعليه، نافذ أمرها على أمره فيما وضع الله مقاليده في يديه؛ ونصره الله في مواطن كثيرة، وأعانه على من أضمر له الشّقاق والصّلاة وإنّها لكبيرة «٢» ؛ وأظهره «٣» بمن بغى عليه في يومه بعد حلمه عنه في أمسه، وأيّده على الذين خانوا عهده ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «٤» ؛ وتعيّن لملك الاسلام فلم يك يصلح إلّا له، واختاره الله لذلك فبلغ به الدّين آماله؛ وضعضع بملكه عمود الشّرك وأماله، وأعاد بسلطانه على الممالك بهجتها وعلى الملك رونقه وجلاله؛ وأخدمه النّصر فما أضمر له أحد سوءا إلا وزلزل أقدامه وعجّل وباله، وردّه إليه وقد جعل من الرّعب قيوده ومن الذّعر أغلاله، وأوطأ جواده هام أعدائه وإن أنف أن تكون نعاله. عهد إليه حينئذ مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين في كلّ ما وراء خلافته المقدّسة، وجميع ما اقتضته أحكام إمامته التي هي على التّقوى مؤسّسة: من إقامة شعار الملك الذي جمع الله الاسلام عليه، وظهور «٥» أبّهة السلطنة التي ألقى الله وأمير المؤمنين مقاليدها إليه؛ ومن الحكم الخاصّ والعامّ، في سائر ممالك الإسلام، وفي كل ما تقتضيه أحكام شريعة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي خزائن الأموال وإنفاقها، وملك الرّقاب وإعتاقها، واعتقال الجناة وإطلاقها؛ وفي كل ما هو في يد الملّة الاسلامية التي سيرجعها الله بجهاده إليها؛ وفي

стр. 4637

تقليد الملوك والوزراء، وتقدمة الجيوش وتأمير الأمراء؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود، ويبعث إليها ومنها ما شاء من البعوث والحشود؛ ويحكم في أمرها بما أمر «١» الله من الذّبّ عن حريمها، ويتحكّم بالعدل الذي رسم «٢» الله به لظاعنها ومقيمها؛ وفي تقديم حديثها واستحداث قديمها، وتشييد ثغورها، وإمضاء ما عرّفه الله به وجهله سواه من أمورها؛ وإقرار من شاء من حكّامها، وإمضاء ما شاء من إتقان القواعد بالعدل وإحكامها؛ وفي إقطاع خواصّها، واقتلاع ما اقتضته المصلحة من عمائرها وعمارة ما شاء من قلاعها؛ وفي إقامة الجهاد بنفسه الشريفة وكتائبه، ولقاء الأعداء كيف شاء من [تسيير] سراياه وبعث مواكبه؛ وفي مضايقة «٣» العدوّ وحصاره، ومصابرته وإنظاره «٤» ، وغزوه كيف أراه الله في أطراف بلاده وفي عقر داره؛ وفي المنّ والفداء والإرقاق، وضرب الهدن التي تسألها العدا وهي خاضعة الأعناق؛ وأخذ مجاوري العدوّ المخذول بما أراه الله من النّكاية إذا أمكن من نواصيهم، وحكم عفوه في طائعهم وبأسه في عاصيهم، وإنزال الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ «٥» . وفي الجيوش التي ألف الأعداء فتكات ألوفها، وعرفوا أنّ أرواحهم ودائع سيوفها؛ وصبّحتهم سرايا رعبها المبثوثة إليهم، وتركهم خوفها كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ «٦» وهم الذين ضاقت بمواكبهم إلى العدا سعة الفجاج، وقاسمت رماحهم الأعداء شرّ قسمة ففي أيديهم كعوبها وفي صدور أولئك الزّجاج «٧» ، وأذهبت عن الثّغور الإسلامية رجس الكفر وطهّرت من ذلك ما جاور العذب الفرات والملح الأجاج؛

стр. 4638

وعرفوا في الحروب بتسرّع الإقدام، وثبات الأقدام، وأدّخر الله لأيّامه الشريفة أن تردّنها بهم «١» دار السلام إلى ملك الإسلام: فيدرّ عليهم ما شاء من إنعامه الذي يؤكّد طاعتهم، ويجدّد استطاعتهم؛ ويضاعف أعدادهم، ويجعل بصفاء النيّات ملائكة الله أمدادهم؛ ويحملهم على الثّبات إذا لقوا الذين كفروا زحفا، ويجعلهم في التعاضد على اللّقاء كالبنيان المرصوص فإنّ الله يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله صفّا. وفي أمر الشرع وتولية قضاته وحكّامه، وإمضاء ما فرض الله عليه وعلى الأمة من الوقوف عند حدوده وا «٢» مع أحكامه؛ فإنّه لواء الله الممدود في أرضه، وحبله المتين الذي لا نقض لإبرامه ولا إبرام لنقضه، وسنن نبيّه الذي لا حظّ عند الله في الإسلام لغير متمسّك بسنّته وفرضه؛ وهو- أعزّ الله سلطانه- سيف الله المشهور على الذين غدوا وهم من أحكام الله مارقون، ويده المبسوطة في إمضاء الحكم بما أنزل الله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٣» . وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشدّ أيضا إليه الرّحال. وإقامة سبيل الحجيج الذين يفدون على الله بما منحهم «٤» من برّه وعنايته في الإقامة والارتحال. وفي عمارة البيوت التي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ «٥» وفي إقامة الخطب على المنابر، واقتران اسمه الشريف مع اسمه بين كلّ باد وحاضر، والاقتصار على هذه التثنية في أقطار الأرض فإنّ القائل بالتثليث كافر؛ وفي سائر ما تشمله الممالك الإسلامية ومن تشتمل عليه شرقا وغربا، وبعدا وقربا؛ وبرّا وبحرا، وشاما ومصرا؛ وحجازا ويمنا، ومن يستقرّ بذلك إقامة وظعنا. وفوّض إليه ذلك جميعه وكلّ ما هو من لوازم خلافته لله في أرضه، ما ذكر وما لم يذكر تفويضا لازما، وإمضاء جازما، وعهدا محكما، وعقدا

стр. 4639

في مصالح ملك الاسلام محكّما؛ وتقليدا مؤبّدا، وتقريرا على كرّ الجديدين مجدّدا؛ وأثبت ذلك وهو الحاكم حقيقة بما علمه من استحقاقه والحاكم بعلمه، وأشهد الله وملائكته على نفوذ حكمه بذلك: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ «١» . وذلك لما صحّ عنده من نهوض ملكه بأعباء ما حمّله الله من الخلافة، وأدائه الأمانة عنه فيما كتب الله عليه من الرحمة اللّازمة والرافة؛ واستقلاله بأمور الجهاد الذي أقام الله به الدين، واختصاصه وجنوده بعموم ما أمر الله به الأمة في قوله تعالى: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ «٢» . وأنّه في الجهاد سهمه المصيب وله به أجر الرامي المسدّد، وسيفه الذي جرّده على أعداء الدين وله من فتكاته حظّ المرهف المجرّد؛ وظلّ الله في الأرض الذي مدّه بيمن يمينه، وآية نصره الذي اختاره الله لمصالح دنياه وصلاح دينه؛ الناهض بفرض الجهاد وهو في مستقرّ خلافته وادع، والراكض عنه بخيله وخياله إلى العدوّ الذي ليس لفتكات سيوفه رادع «٣» ؛ والمؤدّي عنه فرض النّفير في سبيل الله كلّما تعيّن، والمنتقم له من أهل الشّقاق الذين يجادلون في الحقّ بعد ما تبيّن، والقائم بأمر الفتوح التي تردّ بيع الكفر مساجد يذكر فيها اسم الله واسمه، ويرفع على منابرها شعاره الشريف ورسمه؛ وتمثّل له بإقامة دعوته صورة الفتح كأنه ينظر إليها؛ والناظر عنه في عموم مصالح الإسلام وخصوصها تعظيما لقدره، وترفيها لسرّه؛ وتفخيما لشرفه، وتكريما لجلالة بيته النبويّ وسلفه؛ وقياما له بما عهد إليه، ووفاء من أمور الدّين والدنيا بما وضع مقاليده في يديه. وليدلّ على عظم سيرته بكرم سيره، وينبّه على كمال سعادته إذ قد كفي به في أمور خلق الله تعالى والسعيد من كفي بغيره، لم يجعل أمير المؤمنين على يده يدا في ذلك، ولا فسّح لأحد غيره في أقطار الأرض أن يدعى بملك ولا مالك، بل بسط

стр. 4640

حكمه وتحكمه في شرق الأرض «١» وغربها وما بين ذلك؛ وقد فرض طاعته على سائر الأمم، وحكم بوجوبها على الخاصّ والعامّ ومن ينقض حكم الحاكم إذا حكم؛ وهو يعلم أنّ الله تعالى قد أودع مولانا السلطان سرّا يستضاء بأنواره، ويهتدى في مصالح الملك والممالك بمناره، فجعل له أن يفعل في ذلك كلّ ما هدى الله قلبه إليه، وبعثه بالتأييد الإلهيّ عليه؛ واكتفى عن الوصايا بأنّ الله تعالى تكفّل له بالتأييد، وخصّه من كلّ خير بالمزيد؛ وجعل خلقه التقوى وكلّ خير فرع عليها، ونوّر بصيرته بالهدى فما يدلّ على حسنة من أمور الدنيا والآخرة إلّا وهو السابق إليها؛ والله تعالى يجعل أيّامه مؤرّخة بالفتوح، ويؤيّده بالملائكة والرّوح، على من يدّعي الأب والابن والرّوح؛ ويجعل أسباب النصر معقودة بسببه، والملك كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ «٢» . ويشهد بهذا العهد الشريف مع من شهده من الملائكة المقرّبين «٣» ، كلّ من حضر تلاوته من سائر الناس أجمعين: لتكون حجّة الله على خلقه أسبق، وعهد أمير المؤمنين بثبوته أوثق؛ وطاعة سلطان الأرض قد زادها الله على خلقه بذلك توكيدا، وشهد [الله] وملائكته على الخلق بذلك وكفى بالله شهيدا. والاعتماد على الخط الحاكميّ أعلاه حجّة به، إن شاء الله تعالى. وعلى نحو ذلك كتب الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ عهد الملك المنصور «حسام الدّين لاچين» «٤» عن الخليفة الحاكم بأمر الله بن أبي الربيع

стр. 4641

سليمان المتقدّم ذكره «١» . وهذه نسخته «٢» : هذا عهد شريف تشهد به الأملاك لأشرف الملوك، وتسلك فيه من قواعد العهود المقدّسة أحسن السّلوك؛ من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، للسلطان الملك المنصور حسام الدنيا والدين؛ أبي الفتح لاچين المنصوريّ، أعزّ الله سلطانه. أما بعد، فالحمد لله مؤتي الملك من يشاء من عباده، ومعطي النصر من يجاهد فيه حقّ جهاده؛ ومرهف حسام انتقامه على من جاهر بعناده، ومفوّض أمر هذا الخلق إلى من أودعه سرّ رأفته في محبّته ومراد نقمته في مراده؛ وجامع كلمة الإيمان بمن اجتباه لإقامة دينه وارتضاه لرفع «٣» عماده، ومقرّ الحق في يد من منع سيفه المجرّد في سبيل الله أن يقرّ في أغماده، وناصر من لم تزل كلمة الفتوح مستكنّة في صدور سيوفه جارية على ألسنة صعاده، وجاعل ملك الإسلام من حقوق من إذا عدّ أهل الأرض على اجتماعهم كان هو المتعيّن على انفراده، الذي شرّف أسرّة ملك الإسلام باستيلاء حسام دينه عليها، وزلزل ممالك أعدائه بما بعث من سرايا رعبه إليها؛ وثبّت به أركان الأرض التي ستحتوي ملكه في طرفيها، وضعضع بسلطانه قواعد ملوك الكفر فودّعت ما كان مودعا لأيّامه من ممالك الإسلام في يديها؛ وأقامه وليّه بأمره فلم يختلف عليه اثنان من خلقه، وقلّده أمر بريّته لما أقدره عليه من النّهوض بحقّهم وحقّه؛ وأظهره على من نصب له الغوائل وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ «٤» ونصره في مواطن كثيرة لما قدّره في القدم من رفعة

стр. 4642

شأنه واعتلاء قدره؛ وجعل عدوّه وإن أعرض عن طلبه بجيوش الرّعب محصورا، وكفاه بنصره على الأعداء التوغّل في سفك الدّماء فلم يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً «١» ؛ ونقل إليه الملك بسيفه والدّماء مصونة، وحكّمه فيما كان بيد غيره من الأرض والبلاد آمنة والفتن مأمونة؛ فكان أمر من ذهب سحابة صيف، أو جلسة ضيف «٢» ؛ لم تحلّ له روعة في القلوب، ولم يذعرها- وقد ألبسه الله ما نزع عن سواه- سالب ولا مسلوب، إجراء لهذه الأمة على عوائد فضله العميم، واختصاصا بما آتاه من ملكه وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ «٣» . يحمده أمير المؤمنين على ما منح في أيّامه الدّين من اعتضاده بحسامه، والاعتماد في ملك المسلمين على من يجعل جباه ملوك الشّرك تحت أقدامه، والاعتداد بمساعي من حصونه في الجهاد ظهور جياده وقصوره أطراف حسامه. ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حاكم بما أراه، حامد له في ملك الإسلام على تيسّر ما وطّده ورفع ما عراه «٤» ، معتصم به في كلّ ما أثبته بالحق من قواعد الدّين «٥» في جهاد أعداء الدّين عن سيره في ذلك وسراه؛ وأن محمدا عبده ورسوله الذي جعله «٦» من عصبته الشريفة وعصبته، وشرّفه بوراثة خلافته في أمّته [ورفع] قدر رتبته، وقصره على إقامة من يرهب العدا بنشر دعوته في الآفاق مع مواقع رغبته؛ ويسأله أن يصلّي عليه صلاة تفتح له في الدنيا إلى العصمة طريقا، وتجعله في الأخرى معه ومع الّذين أنعم الله عليهم من آبائه الشّهداء

стр. 4643

والصالحين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «١» ؛ وسلّم تسليما كثيرا. وإنّ أمير المؤمنين لما اختصّه الله به من البرّ «٢» المودع في قلبه، والنّور الذي أصبح فيه على بيّنة من ربّه؛ والتأييد المنتقل إليه عمّن شرف بقربه، والنصّ الذي أسرّه رسول الله ﷺ إلى جدّه العبّاس من بقاء هذا الأمر في ورثته دون أقاربه وصحبه؛ لم يزل يرغب إلى الله سبحانه «٣» ويستخيره في إقامة من ينهض في ملك الإسلام حقّ النّهوض، ويفوّض إليه الأمانة إلى من يرى «٤» أداء الأمانة فيهم من آكد الفروض؛ ومن إذا قال النفير يا خيل الله اركبي سابقت خيله خياله، وجازت عزائمه نصاله؛ وأخذ عدوّ الدّين من مأمنه، وغالب سيفه «٥» الأجل على انتزاع روحه من بدنه؛ وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجاهد لإقامة منار الإسلام لا للتعرّض إلى عرض الدنيا؛ وقدّمت له ملوك الدنيا حصونها، وبذلت له مع الطاعة مصونها؛ وأقيم له بكلّ قطر منبر وسرير، وجمع ملوك العدا في رقّ طاعته وهو «٦» على جمعهم إذا يشاء قدير؛ ومن يقيم العدل على ما شرع، والشرع على ما أخذ عن رسول الله ﷺ وسمع؛ ويميت البدع بإحياء السّنن، ويعلم أنّ الله جعل لخلقه على لسان نبيّه محمد ﷺ سننا ولا يعدل بهم عن ذلك السّنن. ولما كان السّلطان الملك المنصور حسام الدنيا والدّين أبو الفتح «لاچين المنصوري» - خلّد الله سلطانه- هو الذي جعل [الله] صلاح الأمة على يديه، واختاره لإقامة دينه فساق ملك الإسلام عنوة إليه؛ وأنهضه بذلك وقد أمدّه بجنود نصره، وأنزل سكينته عليه وجمع قلوب أهل الإسلام على حبّه؛ وفرّق أعداء الدّين

стр. 4644

خوف حربه، وجعل النصر حيث توجه من أشياخه «١» وحزبه؛ وعضّده لنصرة الإسلام بملائكة سمائه، وأقام به عمود الدين الذي بالسّيف قام ولا غرو فإن الحسام من أسمائه؛ وأقبلت إليه طوائف جيوش الإسلام مذعنين، وأدّى في كرامتهم حقوق طاعة الله الذي أيده بنصره وبالمؤمنين، وتلقّاهم بشير كرامته ونعمه وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين؛ فطارت مخلّقات البشائر بملكه في الآفاق، وأغصّ العدا سلطانه «٢» فما توهّموا في أمر الإسلام الاختلاف حتّى تحقّقوا بحمد الله ويمن أيّامه الوفاق؛ واختالت المنابر الإسلاميّة بذكر أمير المؤمنين وذكره، وأعلنت الأمة المحمديّة بحمد الله الذي أقرّبه الحقّ في مركزه وردّ به شارد الملك إلى وكره؛ وتحقّق أمير المؤمنين أنه المكنون في طويّته والمستكنّ في صدره «٣» ؛ والقائم في عمارة بيته النبويّ وسلامته مقام سلمانه وعمّاره «٤» ، فعهد إليه حينئذ في كلّ ما تقتضيه أحكام إمامته في أمّة نبيّه، وجعله في التصرّف المطلق عنه قائما مقام وصيّه في الملّة ووليّه؛ وقلّده أمر ملك الإسلام تقليدا عامّا، وفوّض إليه حكم السلطنة الشريفة تفويضا تامّا؛ وألبسه من ذلك ما خلعه عن سواه، ونشر عليه لواء الملك الذي زوى ظلّه عن غيره وطواه؛ وحكّمه في كل ما تقتضيه خلافته المقدّسة، وتمضيه إمامته التي هي على التقوى مؤسّسة: من إقامة منار الإسلام، والحكم العام في أمّة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي تقليد الملوك والوزراء، وتقدمة الجيوش وتأمير الأمراء؛ وفي تجهيز العساكر والسّرايا، وإرسال الطّلائع والرءايا «٥» ، وتجريد الجنود الذين ما ندبهم إلى الأعداء «٦» إلا آبوا» بالنّهاب وبالسّبايا؛ وفي غزو العدوّ كيف أراه الله إن بنفسه أو جنده، وفي

стр. 4645

استرسال «١» النصر بالثبات والصبر فإنّ الله يجزي الصابرين وما النّصر إلا من عنده؛ وفي محاصرة العدوّ ومصابرته، وإنظاره ومناظرته، وإنزالهم على ما شرع الله فيهم من الأحكام، والتوخّي في ذلك ما حكم به سعد بن معاذ «٢» في زمن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي ضرب الهدن وإمضائها، والوفاء بالعقود المشروعة إلى انتهاء مددها وانقضائها، وفي إرضاء السيوف ممن نكث ولم يتمّ عهده إلى مدّته فإنّ إسخاط الكفر في إرضائها؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود، ويبعث إليها من شاء من البعوث والحشود؛ وفي سداد الثغور بالرجال الذين تفترّ بهم عن شنب النصر، وتأمن بهم أعدادها من غوائل الحصر، وتوفير سهامها من سهام القوّة التي ترمي «٣» بشرر كالقصر؛ وإمداد بحرها بالشّواني «٤» المجرّبة المجدّدة «٥» ، والسّفن التي كأنها القصور الممهّدة على الصّروح الممرّدة؛ فلا تزال تدبّ إليهم من ذوات الأرجل عقاربها، وتخطف غربانهم الطائرة بأجنحة القلوع مخالبها؛ وفي تقدمة «٦» وتنفيذ السّرايا التي لا تزال أسنّتها إلى نحور الأعداء مقوّمة، وإنفاق ما يراه في مصالح الإسلام من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة؛ وفي إعلاء منار الشرع الشريف والانقياد إليه، والمسارعة إلى نفوذ حكمه فيما له وعليه، وتقوية يد حكّامه على كلّ أمير ومأمور أقرّ الشرع في يده شيئا أو انتزعه من يديه، وتفويض الحكم إلى كلّ من يتعيّن لذلك من أئمة الأمّة، وإقامة الشرع الشريف على قواعده الأربعة «٧» فإن اتفاق

стр. 4646

العلماء حجّة واختلافهم رحمة؛ وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشدّ الرحال أيضا إليه، وفي إقامة سبل الحجيج الذين «١» دعاهم الله فلبّوه واستدعاهم فقدموا عليه؛ وفوّض إليه كلّ ما هو من لوازم خلافته لله في أرضه: ما ذكر وما لم يذكر، تفويضا لازما، وتقليدا جازما، وعقدا محكما، وعهدا في مصالح الإسلام والمسلمين محكّما، واكتفى عن الوصايا بما جبل عليه خلقه الشريف من التقوى، وهدى نفسه النفيسة إليه من التمسك بالسند «٢» الأقوم والسبب الأقوى؛ فما ينبّه على حسنة إلّا وهو أسبق إليها، ولا يدلّ على خلّة «٣» إلا وفكره الشريف أسرع من فكر الدالّ عليها؛ وقد وثق ببراءة الذّمّة من حقّ قوم أضحوا لفضل مثله راجين، وتحقّق حلول النعمة على أمّة أمسوا إلى «لاچين» لاجين «٤» ؛ وقد استخار أمير المؤمنين الله في ذلك كثيرا، ولجأ إلى الله في توفيقه وتوقيفه على الصواب مما يجده في الحكم بذلك هاديا ونصيرا؛ وسارع إلى التسليم بأمر الله تعالى فيما فوّض إليه من أمور عباده إنّه كان بعباده خبيرا بصيرا. وأشهد الله وملائكته ومن حضره من المؤمنين على نفسه بما تضمّنه هذا العهد الكريم، وحكم على الأمّة بمقتضاه فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٥» . والخطّ الشريف الإماميّ الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى. وعلى قريب منه كتب القاضي شمس الدين إبراهيم بن القيسرانيّ عهد

стр. 4647

الملك الناصر «محمد بن قلاوون» عن الحاكم بأمر الله أحمد بن أبي الربيع سليمان «١» . وهذه نسخته «٢» : هذا عهد يعمر بك للإسلام المعاهد، وينصر منك الاعتزام فتغنى عن الموالي والمعاضد «٣» ؛ ويلقي إليك مقاليد الأمور: لتجتهد في مراضي الله وتجاهد، ويبعثك على العمل بالكتاب والسنّة: ليكونا شاهدين لك عند الله في أعظم المشاهد؛ فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة تبرّكا بأخذ يحيى ﵇ للكتاب، وحاسب نفسك محاسبة تجد نفعها يوم يقوم الحساب، واعمل صالحا فالّذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب. من عبد الله ووليّه الإمام الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد أمير المؤمنين: إلى السلطان الأجلّ، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المظفّر، الملك، الناصر؛ ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين؛ فاتح الأمصار، مبيد الأرمن والفرنج والتّتار؛ وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك؛ خادم الحرمين، صاحب القبلتين؛ أبي الفتح محمد قسيم أمير المؤمنين أعز الله سلطانه، ولد السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاوون، قدّس الله روحه. أما بعد، فالحمد لله الذي أقام ناصر الإسلام وأهله بخير ناصر، وأحلّ في السلطنة المعظّمة من استحقّها بذاته الشريفة وشرف العناصر؛ ووضع الإصر «٤»

стр. 4648

بمن كثرت منه ومن سلفه الكريم على الرّعايا الأواصر «١» ، وعقد لواء الملك لمن هو واحد في الجود ألف في الوغى ففي حاليه تعقد عليه الخناصر؛ وجمع كلمة الأمّة بمتفرّد في المعالي متوحّد في المفاخر، متّصف بمناقب أربى بها على أربابها من الملوك الأوائل والأواخر؛ وأقرّ النواظر والخواطر بمن أشرق عليهما نوره الباهر، وظهرت آثار وجوده وجوده على البواطن والظّواهر؛ وأعاد شبيبة الأيّام في اقتبال سرّ السرائر، وسارت بشائر مقدمه في الآفاق سير المثل وما ظنّك بالمثل السائر؛ وفعلت مهابته في التمهيد والتشييد فعل القنا المتشاجر، وشفت الصّدور بوجود الاتّفاق وعدم الشقاق بعد أن بلغت القلوب الحناجر؛ وأورث البلاد والعباد صفوة ذرّية ورثوا السيادة كابرا عن كابر، وسرى سرّه إذا ولد المولود منهم تهلّلت له الأرض واهتزّت إليه المنابر. والحمد لله الذي اجتبى سيدنا محمدا ﷺ من أشرف بيت وقبيلة، ومنح الأمّة برسالته من خيري الدنيا والآخرة الوسيلة، وأوجب الشفاعة لمن سأل الله له أعلى درجة لا ينالها إلا رجل واحد وهي الوسيلة؛ وجعل شملهم بمبايعته ومتابعته في الهداية نظيما، وحضّ على ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «٢» . وبلّغهم به من السعادة غاية مطلوبهم، وأيده بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم؛ وزان شريعته المطهّرة بمحاسن أبهى منظرا ومخبرا من العقود، وفرض على المؤمنين أن يوفوا بالعهود وبالعقود؛ وأقدرهم على حمل الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال من حملها، وأنزل في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «٣» .

стр. 4649

والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين من سلالة عمّ نبيّه العباس، واصطفى بيته المبارك من خير أمّة أخرجت للناس؛ وقوّى به جأش المسلمين وجيوش الموحّدين على الملحدين، وآتاه بسيادة جدّه وسعادة جدّه ما لم يؤت أحدا من العالمين؛ وحفظ به للمؤمنين ذماما، وجعله للمتّقين إماما؛ وخصّه بمزيد الشرفين: نسبه ومنصبه، وجعل مزيّة الرتبتين كلمة باقية في عقبه، وصان به حوزة الدّين صيانة العرين بالأسود، وصيّر الأيدي البيض مشكورة لحاملي راياته السّود. يحمده أمير المؤمنين حمد من اختاره من السّماء فاستخلفه في الأرض، وجعل إمرته على المؤمنين فرضا لتقام به السّنّة والفرض؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «١» «٢» ؛ ويشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي كشف بمبعثه عن القلوب حجب الغيّ، وأشرقت أنوار نبوّته فأضاء لها يوم دخوله المدينة كلّ شيّ؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أقامه في الإمامة مقامه وأشار إلى الاقتداء به من بعده، ومنهم من أعزّ الله به الإسلام في كلّ قطر مع قربه وبعده؛ ومنهم من كانت اليد الشريفة النبويّة في بيعة الرّضوان خيرا له من يده، ومنهم من أمر الله تعالى بالمباهلة «٣» بالأبناء والنّفوس فباهل «٤» خاتم الأنبياء ﷺ به وبزوجه وولده؛ وعلى بقيّة العشرة، الذين غدت بهم دعوة الحقّ مشتهرة منتشرة؛ وعلى عمّيه «٥» أسد الله وأسد رسوله ﵇، وجدّ الأئمة المهديّين أمراء المؤمنين وخلفاء الإسلام، وسلم تسليما كثيرا. وإنّ الله تعالى جعل سجيّة الأيّام الشريفة الإماميّة الحاكميّة أدام الله إشراقها، وقسم بها بين الأولياء والأعداء آجالها وأرزاقها؛ ردّ الحقوق إلى نصابها، وإعادتها

стр. 4650

إلى مستحقّيها ولو تمادت الأيّام على اغتصابها، وإقرارها عند من هو دون الورى أولى بها: ليحقّق أنّ نسبه الشريف أظهر على أوامره دلائل الإعجاز، وحلّى كلماتها بالإيجاز وهباتها بالإنجاز؛ وإنّ الله جعل الاسم الشريف الحاكميّ في الحكم بأمره على خير مسمّى، وقوّى منه في تأييد كلمة الحقّ جنانا وعزما، ولم يخرج من أحكامه عن اتّباع أمر الله قضيّة ولا حكما؛ وكنت أيّها السيد، العالم العادل، السلطان، الملك، الناصر؛ ناصر الدنيا والدين، أبو الفتح محمد ابن السلطان الشهيد الملك المنصور، سيف الدين قلاوون- قدّس الله روحه- أولى الأولياء بالملك الشريف: لما لسلفك من الحقوق، وما أسلفوه من فضل لا يحسن له التناسي ولا العقوق؛ ولما أوجب لك على العساكر الإسلامية سابق الأيمان، وصادق الإيمان: ولأنك جمعت في المجد بين طارف وتالد، وفقت بزكيّ نفس وأخ ووالد؛ وجلالة، ما ورثتها عن كلالة؛ وخلال، مالها بالسّيادة إخلال؛ ومفاخر، تكاثر البحر الزاخر؛ ومآثر، أعجز وصفها الناظم والناثر؛ وكان ركابك العالي قد سار إلى الكرك المحروس، وقعدت عنك الأجسام وسافرت معك النّفوس؛ ووثقت الخواطر بأنّك إلى السلطنة تعود؛ وأنّ الله تعالى يجدّد لك صعودا إلى مراتب السّعود؛ وأقمت بها وذكرك في الآفاق سائر، والآمال مبشّرة بأنك إلى كرسيّ مملكتك صائر. فلمّا احتاج الملك الشريف في هذه المدّة إلى ملك يسرّ سريره، وسلطان تغدو باستقراره عيون الأنام والأيّام قريرة: لما للمسلمين في ذلك من تيسير أوطار وتعمير أوطان، ولأنهم لا ينفذون في المصالح الإسلاميّة إلا بسلطان؛ لم يدر في الأذهان، ولا خطر لقاص ولا دان؛ إلّا أنك أحقّ الناس بالسلطنة الشريفة، وأولاهم برتبتها المنيفة، ولا ذكر أحد إلّا حقوق بيتك وفضلها، ولا قال عنكم إلّا بقول الله: وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها «١» : لأنّ البلاد فتوحات سيوفكم، ورعاياها فيما هم فيه من الأمن والخير بمنزلة ضيوفكم؛ ولأنّ العساكر الإسلاميّة استرقّهم ولاؤك، ووالوك لأنهم أرقّاؤك؛ فلم يقل أحد: أنّى له الملك علينا؟ بل أقرّ كلّ منهم لك باليد وقرّ بولايتك عينا؛ وأخلصوا في

стр. 4651

موالاتك العقائد، واستبشروا منك بمبارك الوجه ماجد جائد؛ ولم يغب غائب خليفته جيش أبيه وجدّه الصاعد؛ ورفعت الممالك يد الضّراعة سائلة وراغبة، وخطبتك لعقائلها ومعاقلها والخطباء على المنابر لك خاطبة وبدعائك مخاطبة؛ وقصدت لذلك أبوابك التي لا تزال تقصد، ودعيت للعود المبارك وعود محمّد للأمّة المحمديّة أحمد؛ وفعلت الجيوش المنصورة من طاعتك كلّ ما سرّ، وأربت في صدق النيّات وبرّها على كل من برّ: ولو انّ مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر! فما ضرّ بحمد الله بعد الدار والآمال بساكنها مطيفة، بل كان لك الذّكر «١» في قلب الخليفة نعم الخليفة؛ وكنت لديه- وإن غبت- حاضرا بجميل الذّكر، ونأيت دارا فقرّ بك إليه حسن التصوير في الفكر. وكان أمير المؤمنين قد شاهدك يافعا، وشهد خاطره أن ستصير للمسلمين نافعا؛ وتأمّل منك أمائر أضحى لها لترقّيك آملا، وهلالا دلّته كرامته- ولا تنكر الكرامة- على أن سيكون بدرا كاملا؛ وبلغه عنك من العدل والإحسان، ما أعجز وصفه بلاغتي القلم واللّسان؛ فناداك نداءه «٢» على بعد المزار، ولم يجد لك نظير أفأطال وأطاب لمقدمك السعيد الانتظار؛ إلى أن أقدمت إقدام اللّيث، وقدمت إلى البلاد المتعطّشة إلى نظرك الشريف قدوم الغيث؛ فلاح بك على الوجود دليل الفلاح، وحمد الرعايا سراك عند الصبّاح والاستصباح وشاهدوا منك أسدا فاق بوثباته وثباته الأول، وشخصا لا يصلح إلّا لإدالة دول ولا تصلح إلا لمثله الدّول؛ وقامت باختبارك على اختيارك الدّلائل، وعرفك سرير الملك وعرف فيك من أبيك شمائل؛ ورأى أمير المؤمنين من نجابتك فوق ما أخبرت به مساءلة الرّكبان، ومن مهابتك ما دلّ على خفض الشانيء ورفع الشان؛ ومن محامدك كلّ ما صغّر الخبر عنها الخبر، وأعلنت ألسنة الأقدار

стр. 4652

بأنه لم يبق عن تقليدك الممالك الإسلاميّة بحمد الله تعالى عذر؛ فاختارك على علم العالمين، واجتباك للذّبّ عن الإسلام والمسلمين؛ واستخار الله تعالى في ذلك فخار؛ وأفاض عليك من بيعته المباركة مع فخرك المشتهر حلل الفخار؛ وعهد إليك في كلّ ما اشتملت عليه دعوة إمامته المعظّمة، وأحكام خلافته التي لم تزل بها عقود الممالك في الطاعة منظّمة؛ وفوّض إليك سلطنة الممالك الإسلاميّة برّا وبحرا، شاما ومصرا؛ قربا وبعدا، غورا ونجدا؛ وما سيفتحه الله عليك من البلاد، وتستنقذه من أيدي ذوي الإلحاد؛ وتقليد الملوك والوزراء، وقضاة الحكم العزيز وتأمير الأمراء؛ وتجهيز العساكر والبعوث للجهاد في سبيل الله ومحاربة من ترى محاربته من الأعداء، ومهادنة من ترى مهادنته منهم؛ وجعل إليك في ذلك كله العقد والحلّ، والإبرام والنقض والولاية والعزل؛ وقلّدك ذلك كلّه تقليدا يقوم في تسليم الممالك إليك مقام الإقليد «١» ، ويقضي لقريبها وبعيدها بمشيئة الله تعالى بمزيد التمهيد والتّشييد: لتعلم أنّ الله قد جعل الأيام الشريفة الحاكمية- أدامها الله تعالى- فلكا أبدى سالفا من البيت الشريف المنصوري أقمارا، وأطلع منهم آنفا بدرا ملأ الخافقين أنوارا؛ فكلّما ظهرت لسلفه مآثر بدت مآثر خلفه أظهر، ومن شاهدهم وشاهد شمس سعادته المنزّهة عن الأفول قال هذا أكبر؛ وكلّما ذكر لأحدهم فضل علم أنه في أيامه متزيّد، وأنه إن مضى منهم سيّد في سبيله، فقد قام بأطراف الأسنّة منهم سيّد؛ وصيّر الدولة الشريفة الخليفيّة غابا إن غاب منهم أسود، خلفهم شبل بشّرت مخايله أنّه عليها يسود. فليتقلّد السلطان الملك الناصر ما قلّده أمير المؤمنين، وليكن لدعوته الهادية من الملبّين وعليها من المؤمّنين؛ وليترقّ إلى هذه الرّتبة التي استحقّها بحسبه، واسترقّها بنسبه؛ وليباشرها مستبشرا، ويظهر من شكر الله تعالى عليها ما يغدو به مستظهرا؛ فقد أراد أمير المؤمنين القيام في نصرة الدين الحنيف فأقامك

стр. 4653

أنت مقامه، وصرّف بك بين أهل الطاعة والعصيان إكرامه وانتقامه؛ رعيا لعهد سلفك الكريم، ولما استوجبته نفسك النفيسة من وفور التعظيم والتكريم؛ وعناية بالعساكر المؤيّدة الذين وجّهوا وجوه آمالهم إليك، وأبت كلمتهم التي صانها الله عن التفرّق أن تجتمع في الطاعة والخدمة إلّا عليك ولديك؛ ومنّة عليهم بسلطان ما برحوا من الله تعالى يطلبونه، وملك نشأوا بأبوابه العالية فلهذا يحبّهم ويحبّونه. فاحمد الله تعالى الذي جعل لك في إعادة الملك أسوة بسليمان ﵇، وردّه إليك ردّا لا انفصال لعروته ولا انفصام؛ فأضحيت لأمور عباده سدادا، ولثغور بلاده سدادا، وللخليفة عضدا في الخليقة، وفي الدهر سامي الحقيقة حامي الحقيقة، وللملك وارثا، ورقّاك رقيّا أصبحت به في السلطنة واحدا وللخلافة المعظمة ثانيا وللقمرين ثالثا. وبشراك! أنّ الله أبرم سبب تأييدك إبراما لا تصل الأيدي إلى نقضه، وأنك سئلت عن أمر طالما أتعب غيرك سؤاله في بعضه؛ وأن الله يحسن لك العون وبك الصّون، فقد قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الرّحمن بن سمرة! «١» لا تسأل الإمارة فإنّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» . وبشراك! أن أمير المؤمنين خصّك بمزيد الاعتناء، وأقامك مقامه في حسن الغناء، وحقّق أنّ السعادة في أيامه موصولة منكم بالآباء والأبناء؛ وبلّغك بهذا التقليد الشريف الأماني، وتوّجه بيمين قريبة عهد باستلام الرّكن اليماني؛ واصطفاك بقلب أظهر له الكشوف إشراق تلك السّتور، وغدا مغمورا بالهداية ببركة البيت المعمور، ونظر زادته مشاهدة الحرم الشريف النبويّ نورا على نور؛ فقابل «٢» ذلك بالقيام في مهمات الإسلام، وتدقيق النظر في مصالح الخاصّ والعام؛

стр. 4654

واجتهد في صيانة الممالك اجتهادا يحرس منها الأوساط والأطراف، وتنتظم به أحوالها أجلّ انتظام وتأتلف أجمل ائتلاف. والوصايا كثيرة وأولاها تقوى الله: فليجعلها حلية لأوقاته، ويحافظ عليها محافظة من يتّقيه حقّ تقاته؛ ويتّخذها نجيّ فكره وأنيس قلبه، ويعظّم حرمات الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ «١» . والشرع الشريف فهو لعقد الإسلام نظام، وللدّين القيّم قوام؛ فتجتهد في اقتفاء سننه، والعمل بمفروضه» وسننه؛ وتكريم أهله وقضاته، والتوسل بذلك إلى الله في ابتغاء مرضاته. وأمراء دولتك فهم أنصار سلفك الصالح، وذو والنصائح فيما آثروه من المصالح؛ وخلصاء طاعتهم في السّرّ والنّجوى، وأعوانهم على البرّ والتقوى؛ وهم الذين أحلّهم والدك من العناية المحلّ الأسنى، والذين سبقت لهم بحسن الطاعة من الله الحسنى؛ ولو لم يكن لهم إلّا حسن الوفاء، لكفاهم عندك في مزيد الاعتماد والاستكفاء؛ فإنهم جادلوا في إقامة دولتك وجالدوا، وأوفوا بالعهد فهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا؛ وهم للوصايا بخدمتك واعون، وفيما ائتمنتهم عليه لأماناتهم وعهدهم راعون؛ قد أصفوا لك النّيّات بظهر الغيب، وأخلصوا الطويّات إخلاصا لا شكّ معه ولا ريب؛ ونابوا عنك أحسن مناب، وكفّوا كفّ العدوّ فما طال له لا فتراس ولا اختلاس ظفر ولا ناب؛ واتخذوا لهم بذلك عند الله وعندك يدا، وأثّلوا لهم به مجدا يبقى حديثه الحسن الصحيح عنهم مسندا. فاستوص بهم وبسائر عساكرك المنصورة خيرا، وأجمل لهم سريرة وفيهم سيرا؛ وأحمدهم عقبى هذه الخدمة، وأوردهم منهل إحسان يضاعف لهم النّعمة

стр. 4655

والنّعمة: لتؤكّد طاعتك على كل إنسان، ويثقوا بحسن المكافأة: وهَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ «١» . ولتزداد أوامرك ونواهيك امتثالا، ولا يجدوا عن محبّة أيّامك الشريفة انتقالا، وليقال في حسن خدمهم وإحسانك: هكذا هكذا وإلّا فلا لا. وأما الغزو والجهاد في سبيل الله تعالى، وما أوجبه فيهما قوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «٢» ، فأقلّ ما يجزيء فرض الكفاية منه مرّة في كل عام، وأما فرض العين فوجوبه على ذوي الاستطاعة من المسلمين عامّ؛ وقد عرفت سنن السلطانين الشهيدين: والدك وأخيك «٣» - قدّس الله روحهما «٤» - في الاعتناء بجهاد الكفار، وغزوهم في عقر الدار؛ وموقف أحدهما في موطن زلّت فيه الأقدام عن الإقدام، واجتمع فيه الكفر على الإسلام؛ وشاب من هوله الوليد، ومصابرته تجاه سيف من سيوف الله تعالى الإمام خالد بن الوليد؛ واستنقاذا لآخر البلاد الساحليّة التي أنقذها الله من أيدي المشركين على يد الصّلاحين «٥» ، وفتح لهما أبواب الجنة ببركة الافتتاحين؛ وأنّ والدك وأخاك سدّا على المشركين الفجاج، وطهّرا من أرجاسهم العذب الفرات والملح الأجاج؛ فالكتائب المنصوريّة «٦» ، أبادت «٧» التّتار بالسّيوف المشرفيّة؛ والممالك الإسلامية، زهت نظاما بالفتوحات الأشرفيّة «٨» ؛ فاجتهد في إعلاء كلمة الدين أتمّ اجتهاد، وعزّزهما بثالث في الغزو والجهاد.

стр. 4656

وأما الرّعايا «١» بعيدهم وقريبهم، ومستوطنهم وغريبهم، فيوفّيهم من الرّعاية حظّهم، ويجزل صيانتهم وحفظهم؛ وكما يرى الحقّ له فلير الحقّ عليه، ويحسن إلى رعاياه كما أحسن الله إليه. وأما العدل فإنّه للبلاد عمارة، وللسّعادة أمارة، وللآخرة منجاة من النّفس الأمّارة؛ فليكن له شعارا ودثارا «٢» ، وليؤكّد مراسمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة من ذلك على ما يذكر به عند الله ويشكر. والحدود الشرعيّة فليحلّ بإقامتها لسانه وطرسه، ولا يتعدّها بنقص ولا زيادة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ «٣» . والله يخلّد له رتبة الملك التي أعلى بها مقامه، ويديمه ناصرا للدين الحنيف فأنصاره لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة؛ ويجعل سبب هذا العهد الشريف مدى الأيّام متينا، ويجدّد له في كلّ وقت نصرا قريبا وفتحا مبينا. والخطّ «٤» الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى. الحمد لله وحده؛ وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه، حسبنا الله ونعم الوكيل. وعلى نحو من ذلك كتب القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر «٥» عن المستكفي بالله، أبي الرّبيع سليمان «٦» ، عهد الملك المظفّر ركن الدين «بيبرس

стр. 4657

المنصوري» الجاشنكير «١» . وهذه نسخته: هذا عهد شريف انتظمت به عقود مصالح الملك والممالك، وابتسمت ثغور الثّغور ببيعته التي شهدت بصحّتها الكرام الملائك؛ وتمسّكت النّفوس بمحكم عقده النّضيد ومبرم عقده النّظيم، ووثقت بميثاقه فتركت الألسن مستفتحة بقول الله الكريم: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٢» . الحمد لله الذي جعل الملّة الإسلامية تأوي من سلطانها إلى ركن شديد، وتحوي من متابعة مظفّرها كلّ ما كانت ترومه من تأبيد التأييد، وتروي أحاديث النصر عن ملك لا يملّ من نصرة الدّين الحنيفّي وإن ملّ الحديد من الحديد؛ مؤتي ملكه من يشاء من عباده، وملقي مقاليده للوليّ المليّ بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه مرهوبا مرغوبا، وموليه ومولّيه من غدا محبوّا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا، ومفوّض أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطّيّه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا. والحمد لله مجري الأقدار، ومظهر سرّ الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسيّة بحسن الاختبار من المصطفين الأخيار؛ جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار؛ ودافع لأواء «٣» الأضرار، بجميل الالتجاء إلى ركن أمسى بقوّة الله تعالى عالي المنار، وافي المبارّ، بادي الآثار الجميلة والإيثار. والحمد لله على أن قلّد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلّها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيّد

стр. 4658

الكتائب الإيمانيّة بمن لم تزل عواليه تبلّغها من ذرى الأمانيّ معاليها. يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تبرح الألسنة ترويها والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ ويشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكمل نبيّ وأفضل مبعوث، وأشرف مورّث لأجلّ موروث؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تنمي بركاتها وتنمّ «١» ، وتخصّ حسناتها وتعمّ؛ ورضي الله عن عمّه العباس جدّ أمير المؤمنين، وعن آبائه الأئمة المهديّين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم ذرى المنابر. أما بعد، فإن الله لما عدق «٢» بمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور، وعقد له البيعة في أعناق أهل الإيمان فزادهم نورا على نور، وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمّة، وكشف بمصابرته من بأس العدا ظلام كلّ غمّة؛ وأنزل عليه السكينة في مواطن النصر والفتح المبين، وثبّته عند تزلزل الأقدام وثبّت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله- بايع الله تعالى على أن يختار للتّمليك على البرايا، والتحكيم في الممالك والرّعايا؛ من أسّس بنيانه على التقوى، وتمسّك من خشية الله تعالى بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف في قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالي عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المظفّريّ، الرّكنيّ، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملّة المحمدية، محيي

стр. 4659

الدولة العبّاسية؛ أبو الفتح «بيبرس» قسيم أمير المؤمنين: أعزّ الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلّغ في بقاء دولته الأمل- هو الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك إليه وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتّفاق بترقّيه إلى كرسيّ السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده، والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية آيات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره، واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزّت الممالك بمن زاده الله بسطة في علمه وجسمه؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ يجاهد في الله حقّ جهاده، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده؛ ويبدي في الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه الله ويبقيه: ليجعله ظلّه على عباده وبلاده، فيردي الأعداء في مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقي ظماء أسنّته فيرويها من مورد وريد المشركين؛ ويطلع في سماء الملك من غرر آرائه نيّرات لا تأفل ولا تغور، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به الممالك وتحصّن الثّغور؛ فما من حصن استغلقه الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه؛ ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدّد نجاحه، ولا حصل خلل في طرف من الممالك إلّا وكان بمشيئة الله تعالى وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتّفق مشهد عدوّ إلا والملائكة الكرام بمظافرته فيه أعدل شهوده، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد؛ (والجود بالنّفس أقصى غاية الجود) . كم أسلف في غزو أعداء الدّين من يوم أغرّ محجّل، وأنفق ما له ابتغاء مرضاة الله سبحانه فحاز الفخر المعجّل والأجر المؤجّل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «١» . وهو الذي ما

стр. 4660

زالت الأولياء تتخيّل مخايل السّلطنة في أعطافه معنى وصورة، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعّة أنواره: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ «١» . طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفّلت على قربه فكان لها- رعاية لذمّة الوفاء- مجانبا؛ حتّى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع، وحكم له بالصّعود في درج الملك إلى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع. فعند ذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ابن الإمام الحاكم (وذكر نسبه على العادة) جعل الله الخلافة كلمة باقية في عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشرفي حسبه ونسبه؛ وعهد إلى المقام العالي السلطانيّ بكلّ ماوراء سرير خلافته، وقلّده جميع ما هو مقلّده من أحكام إمامته؛ وبسط يده في السلطنة المعظّمة، وجعل أوامره هي النافذة وأحكامه هي المحكّمة، وذلك بالديار المصرية، والممالك الشاميّة، والفراتيّة، والجبليّة، والساحليّة، والقلاع والثّغور المحروسة، والبلاد الحجازيّة، واليمانية، وكلّ ما هو إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفي أقطار إمامته محسوب، وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض، والإبرام والنّقض، والرّفع والخفض؛ وما جعله الله في يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنّة وفرض؛ وفي كلّ هبة وتمليك، وتصرّف في ولاية أمور الإسلام من غير شريك؛ وفي تولية القضاة والحكّام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفي سائر التحكّم في الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية من التأييد «٢» إلى كلّ مقام محمود؛ وفي قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة الله تعالى أن يمكّنه من نواصيهم، ويحكّم قواضبه «٣» في استنزالهم من صياصيهم «٤» ، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتّى يمحو
следующие страницы →