Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
وأما الرّعايا «١» بعيدهم وقريبهم، ومستوطنهم وغريبهم، فيوفّيهم من الرّعاية حظّهم، ويجزل صيانتهم وحفظهم؛ وكما يرى الحقّ له فلير الحقّ عليه، ويحسن إلى رعاياه كما أحسن الله إليه.
وأما العدل فإنّه للبلاد عمارة، وللسّعادة أمارة، وللآخرة منجاة من النّفس الأمّارة؛ فليكن له شعارا ودثارا «٢» ، وليؤكّد مراسمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة من ذلك على ما يذكر به عند الله ويشكر.
والحدود الشرعيّة فليحلّ بإقامتها لسانه وطرسه، ولا يتعدّها بنقص ولا زيادة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
«٣» . والله يخلّد له رتبة الملك التي أعلى بها مقامه، ويديمه ناصرا للدين الحنيف فأنصاره لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة؛ ويجعل سبب هذا العهد الشريف مدى الأيّام متينا، ويجدّد له في كلّ وقت نصرا قريبا وفتحا مبينا. والخطّ «٤» الحاكميّ أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى.
الحمد لله وحده؛ وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه، حسبنا الله ونعم الوكيل.
وعلى نحو من ذلك كتب القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر «٥» عن المستكفي بالله، أبي الرّبيع سليمان «٦» ، عهد الملك المظفّر ركن الدين «بيبرس
стр. 4657
المنصوري» الجاشنكير «١» . وهذه نسخته:
هذا عهد شريف انتظمت به عقود مصالح الملك والممالك، وابتسمت ثغور الثّغور ببيعته التي شهدت بصحّتها الكرام الملائك؛ وتمسّكت النّفوس بمحكم عقده النّضيد ومبرم عقده النّظيم، ووثقت بميثاقه فتركت الألسن مستفتحة بقول الله الكريم: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«٢» .
الحمد لله الذي جعل الملّة الإسلامية تأوي من سلطانها إلى ركن شديد، وتحوي من متابعة مظفّرها كلّ ما كانت ترومه من تأبيد التأييد، وتروي أحاديث النصر عن ملك لا يملّ من نصرة الدّين الحنيفّي وإن ملّ الحديد من الحديد؛ مؤتي ملكه من يشاء من عباده، وملقي مقاليده للوليّ المليّ بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه مرهوبا مرغوبا، وموليه ومولّيه من غدا محبوّا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا، ومفوّض أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطّيّه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا.
والحمد لله مجري الأقدار، ومظهر سرّ الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسيّة بحسن الاختبار من المصطفين الأخيار؛ جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار؛ ودافع لأواء «٣» الأضرار، بجميل الالتجاء إلى ركن أمسى بقوّة الله تعالى عالي المنار، وافي المبارّ، بادي الآثار الجميلة والإيثار.
والحمد لله على أن قلّد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلّها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيّد
стр. 4658
الكتائب الإيمانيّة بمن لم تزل عواليه تبلّغها من ذرى الأمانيّ معاليها.
يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تبرح الألسنة ترويها والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ ويشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكمل نبيّ وأفضل مبعوث، وأشرف مورّث لأجلّ موروث؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تنمي بركاتها وتنمّ «١» ، وتخصّ حسناتها وتعمّ؛ ورضي الله عن عمّه العباس جدّ أمير المؤمنين، وعن آبائه الأئمة المهديّين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم ذرى المنابر.
أما بعد، فإن الله لما عدق «٢» بمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور، وعقد له البيعة في أعناق أهل الإيمان فزادهم نورا على نور، وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمّة، وكشف بمصابرته من بأس العدا ظلام كلّ غمّة؛ وأنزل عليه السكينة في مواطن النصر والفتح المبين، وثبّته عند تزلزل الأقدام وثبّت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله- بايع الله تعالى على أن يختار للتّمليك على البرايا، والتحكيم في الممالك والرّعايا؛ من أسّس بنيانه على التقوى، وتمسّك من خشية الله تعالى بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف في قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالي عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المظفّريّ، الرّكنيّ، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملّة المحمدية، محيي
стр. 4659
الدولة العبّاسية؛ أبو الفتح «بيبرس» قسيم أمير المؤمنين: أعزّ الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلّغ في بقاء دولته الأمل- هو الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك إليه وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتّفاق بترقّيه إلى كرسيّ السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده، والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية آيات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره، واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزّت الممالك بمن زاده الله بسطة في علمه وجسمه؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ يجاهد في الله حقّ جهاده، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده؛ ويبدي في الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه الله ويبقيه: ليجعله ظلّه على عباده وبلاده، فيردي الأعداء في مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقي ظماء أسنّته فيرويها من مورد وريد المشركين؛ ويطلع في سماء الملك من غرر آرائه نيّرات لا تأفل ولا تغور، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به الممالك وتحصّن الثّغور؛ فما من حصن استغلقه الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه؛ ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدّد نجاحه، ولا حصل خلل في طرف من الممالك إلّا وكان بمشيئة الله تعالى وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتّفق مشهد عدوّ إلا والملائكة الكرام بمظافرته فيه أعدل شهوده، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد؛ (والجود بالنّفس أقصى غاية الجود) .
كم أسلف في غزو أعداء الدّين من يوم أغرّ محجّل، وأنفق ما له ابتغاء مرضاة الله سبحانه فحاز الفخر المعجّل والأجر المؤجّل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«١» . وهو الذي ما
стр. 4660
زالت الأولياء تتخيّل مخايل السّلطنة في أعطافه معنى وصورة، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعّة أنواره: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
«١» . طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفّلت على قربه فكان لها- رعاية لذمّة الوفاء- مجانبا؛ حتّى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع، وحكم له بالصّعود في درج الملك إلى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع.
فعند ذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، ابن الإمام الحاكم (وذكر نسبه على العادة) جعل الله الخلافة كلمة باقية في عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشرفي حسبه ونسبه؛ وعهد إلى المقام العالي السلطانيّ بكلّ ماوراء سرير خلافته، وقلّده جميع ما هو مقلّده من أحكام إمامته؛ وبسط يده في السلطنة المعظّمة، وجعل أوامره هي النافذة وأحكامه هي المحكّمة، وذلك بالديار المصرية، والممالك الشاميّة، والفراتيّة، والجبليّة، والساحليّة، والقلاع والثّغور المحروسة، والبلاد الحجازيّة، واليمانية، وكلّ ما هو إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفي أقطار إمامته محسوب، وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض، والإبرام والنّقض، والرّفع والخفض؛ وما جعله الله في يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنّة وفرض؛ وفي كلّ هبة وتمليك، وتصرّف في ولاية أمور الإسلام من غير شريك؛ وفي تولية القضاة والحكّام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفي سائر التحكّم في الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية من التأييد «٢» إلى كلّ مقام محمود؛ وفي قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة الله تعالى أن يمكّنه من نواصيهم، ويحكّم قواضبه «٣» في استنزالهم من صياصيهم «٤» ، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتّى يمحو
стр. 4661
إن شاء الله تعالى بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشّرك المدلهمّة، وتغدو سراياه في اقتلاع قلاع الكفر مستهمة؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها في اليقظة والمنام، ويدخل في أيامه أهل الإسلام «مدينة السلام» بسلام- تفويضا تامّا عامّا، منضّدا منظّما محكّما محكما؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين في ذلك مقام نفسه الشريفة، واستشهد الكرام الكاتبين في ثبوت هذه البيعة المنيفة.
فليتقلّد المقام الشريف العالي السلطاني- أعز الله نصره- عقد هذا العهد الذي لا تطمح لمثله الآمال، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انفصال؛ فقد عوّل أمير المؤمنين على يمن آرائك التي ما برحت الأمّة بها في المعضلات تستشفي، واستكفى بكفايتك وكفالتك في حياطة الملك فأضحى وهو بذلك المستكفي؛ وهو يقصّ عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص، وينصّ لديك ما أنت آخذ منه بالعزائم إذا أخذ غيرك فيه بالرّخص؛ فإن نبّهت على التقوى فطالما تمسّكت منها بأوثق عروة؛ وإن هديت إلى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروة؛ وإن استرهفنا عزمك الماضي الغرار، واستدعينا حزمك الذي أضاء به دهرك واستنار، في إقامة منار الشرع الشريف، والوقوف عند نهيه وأمره في كل حكم وتصريف، فما زلت- خلّد الله سلطانك- قائما بسنّته وفرضه، دائبا في رضا الله تعالى بإصلاح عقائد عباده في أرضه؛ وما برح سيفك المظفّر للأحكام الشرعيّة خادما، ولموادّ الباطل حاسما، ولأنوف ذوي البدع راغما؛ فكلّ ما نوصيك به من خير قد جبلت عليه طباعك، ولم يزل مشتدّا فيه ساعدك ممتدّا إليه باعك؛ غير أنّا نورد لمعة اقتضاها أمر الله تعالى في الاقتداء بالتّذكرة في كتابه المبين، وأوجبها نصّ قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«١» . ويندرج تحت أصولها فروع يستغني بدقيق ذهنه الشريف عن نصّها، وبفكره الثاقب عن قصّها؛ فأعظمها للملّة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا، الشرع الشريف: فليكن- أعز الله نصره- عاملا على تشييد قواعد إحكامه، وتنفيذ أوامر أحكامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره،
стр. 4662
ورضي فيه بحلو الحق ومرّه. والعدل فلينشر لواءه حتّى يأوي إليه الخائف، وينكفّ بردعه حيف كلّ حائف، ويتساوى في ظلّه الغنيّ والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسي الظّلم في أيّامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره.
وأهمّ ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم، وأشرعت له الأسنّة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذي جعله الله تعالى حصنا للإسلام وجنّة، واشترى فيه أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة؛ فجنّد له الجنود واجمع له الكتائب، واقض في مواقفه على الأعداء من بأسك بالقواضي «١» القواضب؛ واغزهم في عقر الدار، وأرهف سيفك البتّار: لتأخذ منهم للمسلمين بالثّار. والثّغور والحصون، فهي سرّ الملك المصون، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب الزّبون «٢» ؛ فليقلّد أمرها لكفاتها، ويخصّ حمايتها بحماتها، ويضاعف لمن بها أسباب قوّتها ومادّة أقواتها. وأمراء الإسلام وجنود الإيمان فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذين تفرق منهم قلوب العدا في المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالي السلطانيّ- أعزه الله تعالى- لأحوالهم متفقّدا، وببسط وجهه لهم متودّدا، حتّى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم، وتتجدّد لسلطانه العزيز ضراعتهم. وأما غير ذلك من المصالح، فما برح تدبيره الجميل لها ينفّذ ورأيه الأصيل بها يشير، فلا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«٣» . والله تعالى يخصّ دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجّل والفتح القريب؛ إن شاء الله تعالى.
стр. 4663
المذهب الثاني (أن يفتتح العهد بلفظ «من فلان» باسم الخليفة وكنيته ولقب الخلافة ،
«إلى فلان» باسم السلطان وكنيته ولقب السلطنة كما في المكاتبات، ثم يأتي بعد ذلك بلفظ «أما بعد» ) ثم تارة يأتي بعد البعدية بتحميد، مثل أن يقول: «أما بعد فالحمد لله» ويتخلص إلى ذكر أمر الولاية وما ينخرط في سلكها، وتارة يأتي بعد البعدية بخطاب المولى والدعاء له، ويتخلّص إلى مقاصد العهد: من الوصايا وغيرها، على اختلاف مقاصد الكتّاب، وعلى ذلك كانت العهود في دولة الفاطميين بمصر.
قلت: وقد يستحسن هذا المذهب فيما إذا كان المعهود إليه غائبا عن حضرة الخليفة: لأن العهد يصير حينئذ كالرسالة الصريحة إليه، بخلاف ما إذا كان بحضرته فإنه لا يكون في معنى الرسالة الصريحة.
وعلى هذا المذهب كتب أبو إسحاق الصابي عن الطائع لله عهد شرف الدولة شيرزيك «١» بن عضد الدولة بن بويه، وهذه نسخته «٢» :
من عبد الله «عبد الكريم الإمام الطائع لله» أمير المؤمنين، إلى شيرزيك «٣» بن عضد الدولة وتاج الملة أبي شجاع مولى أمير المؤمنين:
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد- أطال الله بقاءك، وأدام عزّك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أمير المؤمنين بك وبالموهبة فيك وعندك- فإنّ أمير المؤمنين يرى أن يحفظ على كل
стр. 4664
وليّ أحمد مذاهبه، وأرضى ضرائبه، وانصرف عن الدنيا متمسّكا بطاعته، متديّنا بمشايعته، حقوقه المتوحّدة، وحرماته المتمهّدة، فيمن يخلفه بعده من ولد أمّل أن يرث عنه محلّه، ويقوم فيه مقامه؛ وفاء لأهل الولاية، وتصرّفا على أحكام الرّعاية، وسياقة للصنيعة من سالف إلى خالف، وإمضائها من تالد إلى طارف. هذا على الأمر الجامع، والعموم الشامل؛ فإذا اتّفق أن منتهى «١» وارثة القرب إليه، والمنازل لديه، إلى النّجباء الأفاضل، والحصفاء الأماثل، الذين يستحبّون استئناف الاصطناع لهم، واستقبال التفويض إليهم بالمناقب الموجودة فيهم؛ لو انفردت عما حازوه عن آبائهم وأوليائهم، أجرى أمير المؤمنين ما يفضيه عليهم من الأيادي، ويرقّيهم إليه من هضاب «٢» المعالي، مجرى الأمر الواجب الذي كثرت الدّواعي إليه، واتّفق الرأي والهوى «٣» عليه؛ وتطابق الإيثار والاختبار فيه، واقترن الصواب والسّداد به؛ واشترك المسلمون في استثمار فائدته وعائدته، والانتفاع بتأديته وعاقبته؛ والله يخير لأمير المؤمنين فيما يمضيه من العزائم، ويبنيه من الدّعائم؛ ويعتمده من المصالح، ويتوخّاه من المناجح، إنه على ذلك قدير، وبه جدير، وهو حسب أمير المؤمنين ونعم الوكيل.
وقد علمت- أدام الله عزّك وأمتع أمير المؤمنين بك- أنّ شجرة بيتك [هي] «٤» التي تمكّنت في الخدمة أصولها والفضيلة منوطة بها، وأسباب التّمام والدوام مجتمعة فيها، فلذلك سبغت النعمة عليكم، وامتدّ ظلّها إليكم؛ ونقّلت
стр. 4665
فيها أقداحكم «١» ، وتوفّرت منها حظوظكم، فتداولتموها بينكم كابرا عن كابر بمساعيكم الصالحة، ومناهجكم الواضحة؛ وتعاضدكم على ما لمّ تشعّث «٢» الدولة الجامعة، وطرف عنها الأعين الحاسدة، وكان شيخك عضد الدولة، وتاج الملة؛ أبو شجاع رضوان الله عليه، صاحب الرتبة الزّعمى «٣» عند أمير المؤمنين وهمامها، والممتطي غاربها وسنامها؛ فعاش ما عاش مشكورا محمودا، ثم انقلب إلى لقاء ربه سعيدا رشيدا، وأوجب أمير المؤمنين لك وله منك الحلول بمكانه، وحيازة خطره وشانه، إذ كنت أظفر ولده، وأوّل المستحقّين لوراثته، وكانت فيك مع ذلك الأدوات المقتضيات لأن يفوّض الأمور إليك، ويعتمد فيها عليك: من كفاية وغناء، واستقلال ووفاء، وسياسة وتدبير، وشهامة وتشمير، وتصرّف على طاعة أمير المؤمنين، وإشبال «٤» على إخوتك أجمعين؛ وحسن أثر فيما أنفذ أمرك فيه، وإفاضة أمن فيمن أمضيت «٥» ولايتك عليه؛ وإحاطة بدلائل الحوالة «٦» ومخايل الأصالة، بمثلها تنال الغايات الأقاصي، وتفترع الذوائب والنّواصي؛ فنوّلك أمير المؤمنين تلك المأثرة «٧» ، وخوّلك تلك المفخرة «٨» وجعل أخاك صمصام الدولة، وشمس الملة، أبا كاليجار- أمتع الله [بكما] أمير المؤمنين- بك تأييده «٩» والمتقدّم بعدك على ولد أبيك، وأجراكما في التطبيق بينكما والتقرير لمنازلكما على مثل ما جرى الأمر عليه بين ركن الدولة أبي عليّ ومعزّ الدولة أبي
стр. 4666
الحسين سالفا، ثم بين عضد الدولة وتاج الملة أبي شجاع ومؤيّد الدولة أبي منصور آنفا؛ تولّاهم الله بالرحمة؛ ونفعهم بما قبضهم عليه من وثائق العصمة؛ وخصّك أمير المؤمنين بعد ذلك بما يخصّ به ذو القدر الشامخ «١» والقدم السابقة، والمحلّة السامية، فذكرك بالتكنية، ورفعك عن التسمية، ولقّبك لقبين: أحدهما «شرف الدولة» لتشريفه بك أولياءه الذين أوطأهم عقبك، وأعلقهم حبلك «٢» ، والآخر «زين الملة» لزينة أيّامه بمعاليك، وتضاعف جمالها بمساعيك، وعقد لك بيده لواءين يلويان إليك الأعناق بالطوع ممن سرّاه وأبهجاه، والكره ممن راعاه وأزعجاه؛ وأمر بأن تقام لك الدعوة على منابر مدينة السلام وما يجري معها من الأعمال بين الدّعوة لأمير المؤمنين وبين الدّعوة لصمصام الدولة وشمس الملّة، أمتع الله أمير المؤمنين بكما، وأحسن الدّفاع له عنكما: إلحاقا لك وله بعدك بأبيكما فيما كان شرّف به من هذه الحال التي لم يبلغها «٣» غيره ولا أهّل لها أحد قبله، وأن يثبت ذكرك باللقب والكنية فيما ينقش من سكك العين والورق في دور الضرب باديا وذكر صمصام الدولة- كلأكما الله- تاليا، وحباك أمير المؤمنين مع ذلك بخلع تامّة تفاض عليك، وفرسين من جياد خيله يقادان إليك؛ بمركبي ذهب من خاصّ مراكبه، وسيف ماض من خيار أسيافه، يعزّ الله منكبيك بنجاديه، ويذلّ مناكب أعدائك بغراريه، وطوق وسوارين. وأن تجرى في المكاتبة عنه إلى الغاية التي أجري أبوك ﵀ إليها، وهذا الكتاب ناطق بها ودالّ عليها. وندب لإيصال الجميع إليك عليّ بن الحسين الهاشميّ الزّينيّ «٤» ، وأحمد بن نصر العباسيّ حاجبه ووحى «٥» خادمه، فتلقّ شرف الدّولة وزين الملة وأبا الفوارس [ذلك]- أدام الله عزك- بما يحقّ عليك من تقوى الله في سرّك وجهرك، ومراقبته
стр. 4667
في قولك وعملك، وابتغاء رضاه في مختلج خطراتك وفكرك، واتباع طاعته في مخارج أمرك ونهيك، وقابل ما أنعم به عليك، وأحسن فيه إليك، بالشكر الذي موقعه من النعمة موقع القرى من الضيف، فإن وجده لم يذم، وإن فقده لم يقم، وامدد على من ولّيت عليه من الخاصّة والعامّة ظلّك، ووطّيء لهم كنفك واغمرهم بطولك؛ وسسهم سياسة يكون بها صلاحهم مضمونا، وحريمهم مصونا، وبلادهم معمورة، ومنافعهم موفورة، وحلبهم دارّا، وعيشهم رغدا، وثغورهم مسدودة، وأعاديهم مذودة، ومسالكهم محميّة، ومساكنهم مرعيّة، ومرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، وابعثهم على الحسنات، واكففهم عن السّيئات؛ وساو في الحق بين شريفهم ومشروفهم، وقويّهم وضعيفهم، وقريبهم وغريبهم؛ وملّيّهم وذمّيّهم وقوّم سفهاءهم وجهّالهم، وانف دعّارهم وخرّابهم، وأكرم صلحاءهم وعلماءهم، وشاور فضلاءهم وعقلاءهم؛ وجالس أدنياءهم وأعلياءهم، وأنلهم «١» مراتبهم، ونزّلهم منازلهم؛ وأرهم تمسّكك بالدين ليقتدوا بك فيه، ورغبتك في الخير ليتقرّبوا إليك به، وخذ الحقّ وأعطه؛ وابسط العدل وقل به، وادرإ الحدود بالشّبهات، وأقمها «٢» وأمضها بالبيّنات: لتكون الرغبة إليك في رغب، والرّهبة منك في رهب «٣» ؛ وبالجملة فاحمل الناس على كتاب الله- جلّ وعز- وآدابه، وسنة الرسول وما جاآ به «٤» .
واعلم أنّ أمير المؤمنين قد جعل كتابه هذا عهدا إليك، وحجة لك وعليك؛ وأنّ الأوامر والنواهي في العهود تكون كثيرة: وإنما قصّر فيه عن استيفائها،
стр. 4668
لارتفاع طبقتك عن الحاجة إلى استقصائها، وللخروج إلى الله من الحق في تضمينه هذه الجمل منها؛ فإذا وصل ذلك إليك مع كرامات أمير المؤمنين المقدّم ذكرها لك، فالبس خلعه، وتقلّد سيفه؛ وتحلّ بحلاه، وابرز لمن يليك على حملانه «١» ، وأظهر لهم ضروب إحسانه وامتنانه، وانصب أمامك اللّواءين، وتكنّ وتلقّب باللقبين؛ وكاتب من تكاتب من طبقات الناس متلقّبا بهما متكنّيا، إلا أمير المؤمنين فإنّ الأدب أن لا تكاتبه متلقّبا بل متسمّيا؛ وليس ذلك ناقصا لك فيما أعطيته، ولا مرتجعا شيئا مما حبيته، ولكنّه الأمر بالمعروف، والرسم المألوف، وصل ما بينك وبين أخيك صمصام الدولة وشمس الملة- أدام الله الإمتاع بكما- بالمودّة، كما وصله الله بالأخوّة؛ واتّفقا على مسالمة المسالمين، وتعاضدا في محاربة المحاربين؛ فإنّ ذلك أرأب للصّدع، وأحتم للبشر «٢» ، وانظم للشّمل، وأليق بالأهل. وأقم الدعوة لنفسك على منابر الممالك بعد إقامتها لأمير المؤمنين؛ وكاتب أمير المؤمنين بأخبارك، وطالعه بآثارك، واستدع أمره فيما استعجم من التدبير عليك، ورأيه فيما استبهم من الأمور دونك؛ واسترشده إلى الحظّ يرشدك، واستهده في الخطوب يهدك، واستمدّه من المعونة يمددك، واشكر آلاءه يزدك، إن شاء الله تعالى.
أطال الله بقاءك وأدام عزّك وتأييدك، وسعادتك ونعمتك؛ وأمتع أمير المؤمنين بك وبالرّغبة «٣» فيك وعندك؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وعلى هذا النمط كتب القاضي الفاضل عهد أسد الدين شير كوه بالوزارة عن
стр. 4669
العاضد الفاطميّ، والوزارة يومئذ قائمة مقام السلطنة على ما تقدّم ذكره، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليّه، عبد الله أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيد، الأجلّ الملك، المنصور، سلطان الجيوش، وليّ الأمة، فخر الدولة، أسد الدين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضديّ، عضّد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته.
سلام عليك: فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على سيدنا محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين؛ صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديين، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فالحمد لله القاهر فوق عباده، الظاهر على من جاهر بعناده، القادر الذي يعجز الخلق عن دفع ما أودع ضمائر الغيوب من مراده، القويّ على تقريب ما عزبت «١» الهمم باستبعاده؛ المليّ بحسن الجزاء لمن جاهد في الله حقّ جهاده، مؤتي الملك من يشاء بما أسلفه من ذخائر رشاده، ونازعه ممّن يشاء بما اقترفه من كبائر فساده، منجد أمير المؤمنين بمن أمضى في نصرته العزائم، واستقبله الأعداء بوجوه النّدم وظهور الهزائم، وفعلت له المهابة ما لا تصنع الهمم، وخلعت آثاره على الدّنيا ما تخلعه الأنوار على الظّلم، وعدمت نظراؤه بما وجد من محاسنه التي فاق بها ملوك العرب والعجم، وانتقم الله به ممّن ظلم نفسه وإن ظنّ الناس أنه ظلم، وذاد عن موارد أمير المؤمنين من هو [منه] «٢» أولى بها ويأبى الله سبحانه إلا إمضاء ما حتم، ورام إخفاء فضائله وهل يشتهر طيب المسك إلا إذا اكتتم؟ مؤيّد
стр. 4670
أمير المؤمنين بإمام أقرّ الله به عينهم، وقضى على يده من نصرة الدين دينهم:
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
«١» .
والحمد لله الذي خصّ جدّنا محمدا بشرف الاصطفاء والاجتباء، وأنهضه من الرسالة بأثقل الأعباء وذخر له من شرف المقام المحمود أشرف الأنصباء، وأقام به القسطاس، وطهّر به من الأدناس، وأيّده بالصابرين في البأساء والضّرّاء وحين الباس «٢» ، وألبس شريعته من مكارم الأفعال والأقوال أحسن لباس، وجعل النّور ساريا منه في عقبه لا ينقصه كثرة الاقتباس: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
«٣» .
والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لأن يقوم في أمّته مقامه، وهدى بمراشد نوره إلى طرق دار المقامة، وأوضح به منار الحقّ وأعلامه، وجعله شهيد عصره، وحجّة أمره، وباب رزقه، وسبيل حقّه، وشفيع أوليائه، والمستجار من الخطوب بلوائه، والمضمونة لذويه العقبى، والمسؤول له الأجر في القربى، والمفترض الطاعة على كل مكلّف، والغاية التي لا يقصّر عنها بولائه إلا من تأخّر في مضمار النّجاة وتخلّف، والمشفوع الذكر بالصلاة والتسليم، والهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم؛ لا يقبل عمل إلا بخفارة «٤» ولائه، ولا يضلّ من استضاء بأنجم هدايته اللّامعة، ولا دين إلّا به ولا دنيا إلّا معه: ليتّضح النهج القاصد»
، ولتقوم الحجة على الجاحد، وليكون لشيعته إلى الجنة نعم الشافع والرائد، وليأتي الله به بنيان الأعداء من القواعد، وليبيّن لهم الذي اختلفوا فيه
стр. 4671
وليعلموا أنّما هو إله واحد.
يحمده أمير المؤمنين على ما حباه من التأييد الذي ظهر فبهر، وانتشر فعمّ نفعه البشر، والإظهار الذي اشترك فيه جنود السماء والأرض، والإظفار الذي عقد الله منه عقدا لا تدخل عليه أحكام النّقض، والانتصار الذي أبان الله به معنى قوله:
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ*
«١» .
ويسأله أن يصلّي على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رسولا في الأمّيين، الهادي إلى دار الخلود، المستقلّ «٢» بيانه استقلال عواثر الجدود، والمعدود أفضل نعمة على أهل الوجود، والصافية بشريعته مشارع النعمة، والواضحة به الحنيفيّة البيضاء لئلّا يكون أمر الخلق عليهم غمّة؛ وعلى أبينا أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ناصر شريعته وقسيمه في النّسب والسّبب، ويد الحقّ التي حكم لها في كلّ طلب بالغلب، وعلى الأئمة من ذرّيتهما وسائط الحكم، ومصابيح الظّلم ومفاتيح النّعم، والمخفقين «٣» دعوى من باهاهم وفاخر، والباذلين جهدهم في جهاد من اتّخذ مع الله إلها آخر؛ وسلّم وردّد، ووالى وجدّد.
وإن أمير المؤمنين لما فوّضه الله تعالى إليه من إيالة «٤» الخليقة، ومنحه من كرم السّجية وكرم الخليقة «٥» وبسطه من يده على أهل الخلاف، وأنجزه من موعوده الذي ليس له إخلال ولا إخلاف، وأوضحه من براهين إمامته للبصائر، وحفظ به على الإسلام من طليعة المباديء وساقة المصاير، وأورثه من المقام الذي
стр. 4672
لا ينبغي إلّا له في عصره، واستخدم فيه السّيوف والصّروف من تأدية فرائض نصره، وأظهر له من المعجزات، التي لا يخلو منها زمن، وظاهر له من الكرامات، التي زادت على أمنيّة كل متمنّ، وأتمنه عليه من أسرار النّبوّة التي رآه الله تعالى لها أشرف مودع وعليها أكرم مؤتمن؛ وأجرى عليه دولته من تذليل الصّعاب وتسهيل الطّلاب، وتفليل أحزاب الشّرك إذا اجتمعوا كما اجتمع على جدّه ﷺ أهل الأحزاب- يواصل شكر هذه النّعم التّوامّ، ويعرف بعوارفها الفرادى والتّؤام؛ ويقدّم بين يدي كلّ عمل رغبة إليه في إيضاح المراشد، ونية لا تضلّ منها الهداية ولا سيّما وهو الناشد؛ ويستخيره عالما أنه يقدّم إليه أسباب الخير، ويناجيه فيطلعه الإلهام على ما يحلّي السّير ويجلّي الغير، ويأخذ بيد الله حقّه إذا اغتصبت حقوقه، ويستنجد بالله إذا استبيح خلافه واستجيز عقوقه، ويفزع إلى الله تعالى إذا قرع الضائر، ويثق بوعد الله تعالى إذا استهلكت الشّبه البصائر، فما اعترض ليل كربة إلا انصدع له عن فجر وضّاح، ولا انتقض عقد غادر إلا عاجله الله سبحانه بأمر فضّاح؛ ولا انقطعت سبل نصرة إلا وصلها الله تعالى بمن يرسله، ولا انصدعت عصا ألفة إلا تدارك الله تعالى بمن يجرّده تجريد الصّفاح؛ وإذا عدّد أمير المؤمنين هذه النّعم الجسيمة، والمنح الكريمة، واللطائف العظيمة، والعوارف العميمة؛ والآيات المعلومة، والكفايات المحتومة والعادات المنظومة، كنت أيّها السيد الأجلّ- أدام الله قدرتك، وأعلى كلمتك- أعظم نعم الله تعالى أثرا، وأعلاها خطرا وأقضاها للأمّة وطرا، وأحقّها بأن تسمى نعمة، وأجدرها بأن تعدّ رحمة، وأسماها أن تكشف غمّة، وأنضاها في سبيل الله سبحانه عزمة، وأمضاها على الأعداء حدّا، وأبداها في الجهاد جدّا، وأعداها على الأعداء يدا، وأحسنها فعلا لليوم وأرجاها غدا، وأفرجها للأزمة وقد كادت الأمة تصير سدى، وأحقّ الأولياء بأن يدعى للأولياء سيّدا، وأبقاهم فعلة لا ينصرم فعلها الذي بدا أبدا.
فليهنك «١» أنّك حزب الله الغالب، وشهاب الدين الثاقب، وسيف الله
стр. 4673
القاضب، وظلّ أمير المؤمنين الممدود، ومورد نعمته المورود، والمقدّم في نفسه وما نؤخّره إلّا لأجل معدود؛ نصرته حين تناصر أهل الضّلال، وهاجرت إليه هاجرا برد الزّلال وبرد الظّلال، وخضت بحار الأهوال، وفي يدك أمواج النّصال؛ وها في جيدك اليوم عقد جواهر منّه ونظم لآل، بل قد بلغت السماء وزيّنت منك بنجوم نهار لا نجوم ليال، وكشفت الغمّاء وهي مطبقة، ورفعت نواظر أهل الإيمان وهي مطرقة، وعقصت أعنّة الطّغيان وهي مطلقة، وأعدت بحنكتك على الدولة العلويّة بهجة شبابها المونقة، وأنقذت الإسلام وهو على شفى جرف هار «١» ، ونفذت حين لا تنفذ السّهام عن الأوتار، وسمعت دعوته على بعد الدار، وأبصرت حقّ الله ببصيرتك وكم من أناس لا يرونه بأبصار، وأجليت طاغية الكفر وسواك اجتذبه «٢» ، وصدقت الله سبحانه حين داهنه من لا بصيرة له وكذبه، وأقدمت على الصّليب وجمراته متوقّدة، وقاتلت أولياء الشيطان وغمراته متمرّدة؛ وما يومك في نصرة الدولة بواحد، ولا أمسك مجحود وإن رغم أنف الجاحد؛ بل أوجبت الحقّ بهجرة بعد هجرة، وأجبت دعوة الدين قائما بها في غمرة بعد غمرة، وافترعت صهوة هذا المحلّ الذي رقّاك إليه أمير المؤمنين باستحقاقك، وأمات الله العاجزين بما في صدورهم من حسرات لحاقك؛ وكنت البعيد القريب نصحه، المحجوب النافذ بحجّته المذعورة أعداء أمير المؤمنين [به] «٣» إن فوّق سهمه أو أشرع رمحه؛ وما ضرّك أن سخطك أعداء أمير المؤمنين وأمير المؤمنين قد ارتضاك، ولا أن منعك
стр. 4674
المعاند حقّك وقد قضى لك واقتضاك؛ وما كان في محاجزتك عن حظّك من خدمة أمير المؤمنين الذي أنت به منه أولى، ومدافعتك عن حقّك في قرب مقامه الذي لا يستطيع طولا، إلّا مغالبة الله فيك والله غالب على أمره، ومباعدتك وقد قرّبك الله من سرّ أمير المؤمنين وإن بعدت من جهره، استشرفتك الصّدور، وتطلّعت إليك عيون الجمهور، واستوجبت عقيلة النّعم بما قدّمت من المهور «١» ، ونصرت الإيمان بأهله، وأظهرت الدّين بمظاهرتك على الدّين كلّه، وناهضت الكفرة بالباع الأشدّ والرأي الأسدّ، ونادتهم سيوفك: «ولا قرار على زأر من الأسد «٢» - وأدال الله بك ممن قدم على ما قدّم، وندم فما أغنى عنه النّدم، حين لجّ في جهالته، وتمادى في ضلالته، واستمرّ على استطالته، وتوالت منه عثرات ما أتبعها باستقالته، فكم اجتاح للدّولة رجالا، وضيّق من أرزاقهم مجالا، وسلب من خزائنها ذخائر وأسلحة وأموالا، ونقلها من أيدي أوليائها إلى أعداء الله ﵎، واتّسعت هفواته «٣» عن التعديد، وما العهد منها ببعيد؛ وقد نسخ الله تعالى بك حوادثها فوجب أن تنسخ «٤» أحاديثها، وأتى الأئمّة منك بمن هو وليّها والأمّة بمن هو مغيثها، ودعاك إمام عصرك بقلبه ولسانه وخطّه على بعد الدار، وتحقّق أنك تتصرف معه حيث تصرّف وتدور معه حيث دار، واختارك على ثقة من أنّ الله تعالى يحمده فيك عواقب الاختيار، ورأى لك إقدامك ورقاب الشرك صاغرة، وقدومك وأفواه المخاوف فاغرة، وكرّتك في طاعته وأبى الله تعالى أن تكون خاسرة، وسطا بك
стр. 4675
حين تمالى بك المشركون، وتمثّل لرسلهم بقوله سبحانه: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«١» وأنفت عزّته هجنة «٢» الهدنة. وقال لأوليائه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ*
«٣» وازدرى بخنازيرهم انتظارا لوصولك بأسود الإسلام، وصبر على أنّك تلبّي نداءه بألسنة الأعلام قبل ألسنة الأقلام؛ فكنت حيث رجا وأفضل، ووجدت بحيث رعى وأعجل، وقدمت فكتب الله لك العلوّ، وكبت بك العدوّ، وجمع على التوفيق لك طرفي الرّواح والغدّو، ولم يلبس الكافر بسهامك جنّة «٤» إلا الفرار، وكان كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
«٥» فلله درّك حين قاتلت بخبرك، قبل عسكرك، ونصرت بأثيرك، قبل عشيرك؛ وأكرم بك من قادم خطواته مبرورة، وسطواته للأعداء مبيرة «٦» ، وكلّ يوم من أيامه يعدّ سيرة؛ وإنك لمبعوث إلى بلاد أمير المؤمنين بعث السّحاب المسخّر، ومقدّم في النّية وإن كنت في الزمان المؤخّر، وطالع بفئة الإسلام غير بعيد أن يفيء الله عليها بلاد الكفّار، ورجال جهاد عددناهم عندنا من المصطفين الأخيار، وأبناء جلاد يشترون الجنة بعزائم كالنار، وغرر نصر سكون العدّو بعدها غرور ونومه غرار «٧» .
ولما جرى من جرى ذكره على عادته في إيحاشك والإيحاش منك بكواذب الظّنون، ورام رجعتك عن الحضرة وقد قرّت بك الدار وقرّت بك العيون؛ وكان كما قال الله تعالى في كتابه المكنون: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
«٨» هنالك غضبت «٩» نفوس الإسلام
стр. 4676
ففتكت به أيديها، وكشفت له عن غطاء العواقب التي كانت منه مباديها، وأخذه من أخذه أليم شديد، وعدل فيه من قال وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
«١» : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
«٢» .
ولما نشرت لواء الإسلام وطواه، وعضّدت الحقّ وأضعف قواه، وجنيت عقبى ما نويت وجنى عقبى ما نواه، وأبيت إلا إمضاء العزم في الشّرك وما أمضاه، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
«٣» ودفعت الخطب الأشقّ، وطلعت أنوار النصر مشرقة بك وهل تطلع الأنوار إلّا من الشّرق «٤» ، وقال لسان الحق:
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُ
«٥» ، قضى الله تعالى إلى أمير المؤمنين عدّة قدّمها ثم قضاها، وولّاه كما ولّى جدّه ﷺ قبلة يرضاها وانتصر له بك انتصاره لأهل البيت بسلمانه وعمّاره «٦» ، وأنطق أمير المؤمنين باصطفائك اليوم وبالأمس كنت عقد إضماره؛ وقلّدك أمير المؤمنين أمر وزارته، وتدبير مملكته وحياطة ماوراء سرير خلافته، وصيانة ما اشتملت عليه دعوة إمامته، وكفالة «٧» قضاة المسلمين، وهداية دعاة المؤمنين، وتدبير ما
стр. 4677
عدقه «١» الله بأمير المؤمنين من أمور أوليائه أجمعين، وجنوده وعساكره المؤيّدين، المقيمين منهم والقادمين، وكافّة رعايا الحضرة بعيدها ودانيها، وسائر أعمال الدول باديها وخافيها؛ وما يفتحه الله تعالى على يديك من البلاد، وما تستعيده من حقوقه التي اغتصبها الأضداد، وألقى إليك المقاليد بهذا التقليد، وقرّب عليك كلّ غرض بعيد، وناط بك العقد والحلّ، والولاية والعزل، والمنع والبذل؛ والرّفع والخفض، والبسط والقبض، والإبرام والنّقض، والتّنبيه والغضّ، والإنعام والانتقام، وما توجب السياسة إمضاءه من الأحكام، تقليدا لا يزال به عقد فخرك نظيما، وفضل الله عليك وفيك عظيما ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً
«٢» .
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من هذه الرّتبة التي تتأخّر دونها الأقدام، والغاية التي لا غاية بعدها إلّا ما يملّيك الله به من الدّوام؛ فلقد تناولتها بيد في الطاعة غير قصيرة، ومساع في خدمة أمير المؤمنين أيّامها على الكافرين غير يسيرة، وبذلت لها ما مهّد سبلها، ووصلتها بما وصل بك حبلها، وجمعت من أدواتها ما جمع لك شملها، وقال لك لسان الحق وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
«٣» .
وتقوى الله سبحانه: فهي وإن كانت لك عادة، وسبيل لاحب «٤» إلى السعادة، فإنها أولى الوصايا بأن تتيمّن باستفتاحها، وأحقّ القضايا بأن تبتديء الأمور بصلاحها؛ فاجعل تقوى الله أمامك، وعامل بها ربّك وإمامك، واستنجح بها عواقبك ومباديك، وقاتل بها أضدادك وأعاديك، قال الله سبحانه في كتابه المكنون: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ
стр. 4678
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
«١» .
والعساكر المنصورة فهم الذين غذوا بولاء أمير المؤمنين ونعمه، وربوا في حجور فضله وكرمه؛ واجتاحهم من لم يحسن لهم النّظر، واستباحهم بأيدي من أضرّ لما أصرّ؛ وطالما شهدوا المواقف ففرّجوها، واصطلوا المخاوف وتولّجوها، وقارعوا الكفّار مسارعين للأعنّة، مقدمين مع الأسنّة، مجرين إلى غايتين: إما إلى النّصر وإمّا إلى الجنّة؛ ودبّروا الولايات فسّدّدوا وتقلّدوا الأعمال فيما تقلّدوا؛ واعتمد أحمرهم وأسودهم، وأقربهم وأبعدهم؛ وفارسهم وراجلهم، ورامحهم ونابلهم، بتوفير الإقطاع وإدرار النفقات، وتصفية موارد العيش المونقات؛ وأحسن لهم السياسة التي تجعل أيديهم على الطاعة متّفقة، وعزائمهم في مناضلة أعداء الدّين مستبقة، وأجرهم على العادات في تقليد الولايات، واستكفهم لما هم أهله من مهمّات التصرّفات؛ وميّز أكابرهم تمييز الناظر بالحقائق، واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق، وقم في الله تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق: ليقذف الله بالحق الذي نصرته على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق «٢» .
والشرع الشريف فأنت كافل قضاته، وهادي دعاته؛ وهو منار الله تعالى الأرفع، ويده التي تمنع الظّلم وتدفع، فقم في حفظ نظامه، وتنفيذ أحكامه «٣» ؛
стр. 4679
وإقامة حدوده، وإمضاء عقوده؛ وتشييد أساس الدعوة وبنائها، وتمييز آخذي عهودها وأنبائها، قيام من يعوّل في الأمانة على أهل الدّيانة، ويستمسك بحقوق الله تعالى الحقيقة بالرعاية والصّيانة.
والأموال فهي سلاح العظائم، ومواد العزائم، وعتاد المكارم، وعماد المحارب والمسالم؛ وأمير المؤمنين يؤمّل أن تعود بنظرك عهود النّضارة وأن يكون عدلك في البلاد وكيل العمارة.
والرّعايا فقد علمت ما نالهم من إجحاف الجبايات وإسراف الجنايات، وتوالى عليهم من ضروب النّكايات، فاعمر أوطانهم التي أخربها الجور والأذى، وانف عن مواردهم الكدر والقذى، وأحسن حفظ وديعة الله تعالى منهم، وخفّف الوطأة ما استطعت عنهم؛ وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وكفّ من يعترضهم في عرض هذا الأدنى.
والجهاد فهو سلطان الله تعالى على أهل العناد، وسطوة الله تعالى التي يمضيها في شرّ العباد على يد خير العباد؛ ولك من الغناء فيه مصرا وشاما، وثبات الجأش كرّا وإقداما، والمصافّ التي ضربت فكنت ضارب كماتها، والمواقف التي اشتدّت فكنت فارج هبواتها «١» ؛ والتّدريب الذي أطلق جدّك، والتجريب الذي أورى زندك، [ما] «٢» يغني عن تجديد الوصايا البسيطة، وتأكيد القضايا المحيطة؛ وما زلت تأخذ من الكفّار باليمين، وتعظم فتوحك في بلاد الشّمال فكيف تكون في بلاد اليمين، فاطلب أعداء الله برّا وبحرا، وأجلب عليهم سهلا ووعرا، وقسّم بينهم الفتكات قتلا وأسرا، وغارة وحصرا، قال الله تعالى في كتابه المكنون: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
стр. 4680
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
«١» .
وتوفيق الله تعالى يفتح لك أبواب التدبير، وخبرتك تدلّك على مراشد الأمر: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«٢» فأنت تبتدع من المحاسن ما لا تحيط به الوصايا، وتخترع من الميامن ما يتعرّف بركاته الأولياء والرّعايا؛ والله يحقّق لأمير المؤمنين فيك أفضل المخايل، ويفتح على يديك مستغلق البلاد والمعاقل؛ ويصيب بسهامك من الأعداء النّحور والمقاتل؛ ويأخذ للإسلام بك ماله عند الشرك من الثارات والطّوائل «٣» ؛ ولا يضيع لك عملك في خدمة أمير المؤمنين إنه لا يضيع عمل عامل، ويجري الأرزاق والآجال بين سيبك «٤» الفاضل وحكمك الفاصل؛ فاعلم هذا من أمر أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه؛ إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وعلى نحو منه كتب القاضي الفاضل أيضا عهد الملك الناصر، صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالوزارة عن العاضد أيضا، وهذه نسخته:
من عبد الله ووليّه عبد الله أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيّد الأجلّ (على نحو ما تقدّم «٥» في تقليد عمّه أسد الدّين شيركوه) .
أما بعد، فالحمد لله مصرّف الأقدار ومشرّف الأقدار، ومحصي الأعمال والأعمار، ومبتلي الأخيار والأبرار، وعالم سرّ الليل وجهر النهار، وجاعل دولة أمير المؤمنين فلكا تتعاقب فيه أحوال الأقمار: بين انقضاء سرار «٦» واستقبال
стр. 4681
إبدار، وروضا إذا هوت فيه الدّوحات أينعت الفروع سابقة النّوّار باسقة الثّمار؛ ومنجد دعوته بالفروع الشاهدة بفضل أصولها، والجواهر المستخرجة من أمضى نصولها، والقائم بنصرة دولته فلا تزال حتّى يرث الله الأرض ومن عليها قائمة على أصولها.
والحمد لله الذي اختار لأمير المؤمنين ودلّه على مكان الاختيار، وأغناه باقتضاب الإلهام عن رويّة الاختبار، وعضّد به الدين الذي ارتضاه وعضّده بمن ارتضاه، وأنجز له من وعد السّعد ما قضاه قبل أن اقتضاه، ورفع محلّه عن الخلق فكلّهم من مضاف إليه غير مضاه؛ وجعل مملكته عرينا لاعتزازها بالأسد وشبله، ونعمته ميراثا أولى بها ذوي الأرحام من بني الولاء وأهله، وأظهر في هذه القضيّة ما أظهره في كلّ القضايا من فضل أمير المؤمنين وعدله؛ فأولياؤه كالآيات التي تتّسق دراريّ أفقها المنير، وتنتسق درر عقدها النظيم النّضير: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
«١» .
والحمد لله الذي أتمّ بأمير المؤمنين نعمة الإرشاد، وجعله أولى من للخلق ساد وللحقّ شاد، وآثره بالمقام الذي لا ينبغي إلّا له في عصره، وأظهر له من معجزات نصره ما لا يستقلّ العدد بحصره، وجمع لمن والاه بين رفع قدره ووضع إصره «٢» ، وجعل الإمامة محفوظة في عقبه والمعقّبات تحفظه بأمره، وأودعه الحكم التي رآه لها أحوط من أودعه، وأطلع من أنوار وجهه الفجر الذي جهل من ظنّ
стр. 4682
غير نوره مطلعه، وآتاه ما لم يؤت أحدا، وأمات به غيّا وأحيا رشدا، وأقامه للدّين عاضدا فأصبح به معتضدا، وحفظ به مقام جدّه وإن رغم المستكبرون، وأنعم به على أمّته أمانا لولاه ما كانوا ينظرون ولا يبصرون، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
«١» .
يحمده أمير المؤمنين على ما آتاه من توفيق يذلّل له الصّعب الجامح، ويدني منه البعيد النّازح، ويخلف على الدّين من صلاحه الخلف الصالح، ويلزم آراءه جدد السّعود الواضح، ويريه آيات الإرشاد فإنّه نازح «٢» قدح القادح، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي أنجى أهل الإيمان ببعثه، وطهّر بهديه من رجس الكفر وخبثه، وأجار باتّباعه من عنت الشيطان وعبثه، وأوضح جادّة التوحيد لكلّ مشرك الاعتقاد مثلّثه، وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي جادلت يده بلسان ذي الفقار، وقسّم ولاؤه وعداوته بين الأتقياء والأشقياء الجنّة والنار؛ وعلى الأئمة من ذرّيتهما الذي أذلّ الله بعزّتهم أهل الإلحاد، وأصفى بما سفكوه من دمائهم موارد الرشاد، وجرت أيديهم وألسنتهم بأقوات القلوب وأرزاق العباد، وسلّم ومجّد، ووالى وجدّد.
وإن الله سبحانه ما أخلى قطّ دولة أمير المؤمنين التي هي مهبط الهدى ومحطّ النّدى، ومورد الحياة للولّي والرّدى للعدا، من لطف يتلافى الحادثة ويشعبها ويرأبها، ونعمة تبلغ بها النفوس أربها؛ وموهبة تشدّ موضع الكلم، وتسدّ موضع الثّلم، وتجلّي غمائم الغمم، وتحلّي مغانم النّعم، وتستوفي شرائط المناجح، وتستدني فوارط المصالح؛ ولم يكن ينسى الحادثة في السيد الأجلّ الملك المنصور «٣» ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه، التي كادت لها
стр. 4683
أواخي «١» الملك تتزعزع، ومباني التدبير تتضعضع؛ إلّا ما نظر فيه أمير المؤمنين بنور الله من اصطفائك أيّها السيد الأجل الملك الناصر:- أدام الله قدرتك- لأن تقوم بخدمته بعده، وتسدّ في تقدمة جيوشه مسدّه، وتقفو في ولائه أثره، ولا تفقد منه إلا أثره؛ فوازت الفادحة فيه النعمة فيك، حتّى تستوفي حظّه من أمير المؤمنين بأجر لا يضيع الله فيه عمله، فاستوجب مقعد صدق بما اعتقده من تأدية الأمانة له وحمله، واستحقّ أن ينضرّ الله وجهه بما أخلقه الله من جسمه في مواقف الجهاد وبدّله؛ ومضى في ذمام رضا أمير المؤمنين: وهو الذّمام الذي لا يقطع الله منه ما أمره أن يصله، وأتبع من دعائه بتحف أوّل ما تلقاه بالرّوح «٢» والرّيحان، وذخرت له من شفاعته ما عليه معوّل أهل الإيمان في الأمان؛ فرعى الله له قطعه البيداء إلى أمير المؤمنين وتجشّمه الأسفار، ووطأه المواطيء التي تغيظ الكفّار، وطلوعه على أبواب أمير المؤمنين طلوع أنوار النهار، وهجرته التي جمعت له أجرين: أجر المهاجرين وأجر الأنصار، وشكر له ذلك المسعى الذي بلغ من الشّرك الثار، وبلّغ الإسلام الإيثار. وما لقي ربّه حتّى تعرّض للشّهادة بين مختلف الصّفاح، ومشتجر الرّماح، ومفترق الأجسام من الأرواح؛ وكانت مشاهدته لأمير المؤمنين أجرا فوق الشّهادة، ومنّة لله تعالى عليه له بها ما للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة؛ وحتى رآك أيّها السيد الأجلّ الملك الناصر- أدام الله قدرتك- قد أقررت ناظره، وأرغمت مناظره، وشددت سلطانه، وسددت مكانه؛ ورمى بك فأصاب، وسقى بك فصاب «٣» ، وجمعت ما فيه من أبّهة المشيب إلى ما فيك من مضاء الشّباب، ولقنت ما أفادته التّجارب جملة، وأعانتك المحاسن التي هي فيك جلّة، وقلّب عليك إسناد الفتكات فتقلّبت، وأوضح لك منهاج البركات فتقبّلت، وسدّدك سهما، وجرّدك شهما، وانتضاك فارتضاك غربا «٤» ، وآثرك على آثر ولده إمامة في
стр. 4684
التدبير وحربا؛ وكنت في السلم لسانه الآخذ بمجامع القلوب، وفي الحرب سنانه النافذ في مضايق الخطوب، وساقته إذا طلب، وطليعته إذا طلب، وقلب جيشه إذا ثبت وجناحه إذا وثب؛ ولا عذر لشبل نشأ في حجر أسد، ولا لهلال استملى النّور من شمس واستمدّ.
هذا ولو لم يكن لك هذا الإسناد في هذا الحديث، وهذا المسند الجامع من قديم الفخر وحديث، لأغنتك غريزة عزيزة وسجيّة سجيّة وشيمة وسيمة، وخلائق، فيها ما تحبّ الخلائق، ونحائز «١» ، مثلها حائز، ومحاسن، ماؤها غير آسن، ومآثر، جدّ غير عاثر، ومفاخر، غفل عنها الأوّل، ليستأثر بها الآخر، وبراعة لسان، ينسجم قطارها، وشجاعة جنان، تضطرم نارها، وخلال جلال عليك شواهد أنوارها تتوضّح، ومساعي مساعد لديك كمائم نورها تتفتّح؛ فكيف وقد جمعت لك في المجد بين نفس وأب وعمّ، ووجب أن سألك من اصطفاء أمير المؤمنين ماذا حصل ثم على الخلق عمّ؛ فيومك واسطة في المجد بين غدك وأمسك، وكلّ ناد من أندية الفخار لك أن تقول فيه وعلى غيرك أن يمسك؛ فبشراك أنّ أنعم أمير المؤمنين موصولة منكم بوالد وولد، وأن شمس ملكه بكم كالشمس أقوى ما كانت في بيت الأسد.
ولما رأى الله تقلّب وجه أمير المؤمنين في سمائه ولّاه من اختيارك قبلة، وقامت حجّته عند الله باستكفائك وزيرا له ووزرا للملّة؛ فناجته مراشد الإلهام، وأضاءت له مقاصد لا تعقلها كلّ الأفهام؛ وعزم له على أن قلّدك تدبير مملكته الذي أعرقت في إرثه وأغرقت في كسبه، ومهّد لك أبعد غاية في الفخر بما يسّر لك من قربه؛ ولقد سبق أمير المؤمنين إلى اختيارك قبل قول لسانه بضمير قلبه، وذكر فيك قول ربه: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
«٢» . وقلّدك لأنك سيف من
стр. 4685
سيوف الله تعالى يحقّ به التقلّد وله التّقليد، واصطفاك على علم بأنك واحد منتظم في معنى العديد؛ وأحيا في سلطان جيوشه سنّة جدّه الإمام المستنصر بالله «١» في أمير جيوشه الأوّل «٢» ، وأقامك بعده كما أقام بعده ولده وإنه ليرجو أن تكون أفضل من الأفضل «٣» ؛ وخرج أمره إليك بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ لك بتقليدك وزارته التي أحلّك ربوتها، وأحلّ لك صهوتها؛ وحلّاك نعمتها، و «٤» لك نغمتها؛ فتقلّد وزارة أمير المؤمنين من رتبتها التي تناهت في الإنافة، إلى أن لا رتبة فوقها إلّا ما جعله الله تعالى للخلافة، وتبوّأ منها صدرا لا تتطلّع إليه عيون الصّدور، واعتقل منها في درجة على مثلها تدور البدور:
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
«٥» : وقل الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
«٦» . وباشر مستبشرا، واستوطن متديّرا «٧» ؛ وابسط يدك فقد فوّض إليك أمير المؤمنين بسطا وقبضا، وارفع ناظرك فقد أباح لك رفعا وخفضا؛ وأثبت على درجات السعادة فقد جعل لحكمك تثبيتا ودحضا، واعقد حبى العزمات للمصالح فقد أطلق بأمرك عقدا ونقضا؛ وانفذ فيما أهّلك له فقد أدّى بك نافلة من السّياسة وفرضا؛ وصرّف أمور المملكة فإليك الصّرف والتصريف، وثقّف أود الأيام فعليك أمانة التهذيب والتثقيف، واسحب ذيول الفخار حيث لا تصل التّيجان، واملأ لحظا من نور الله تعالى حيث تتّقي
стр. 4686
الأبصار لجين الأجفان؛ إنّ هذا لهو الفضل المبين فارتبطه بالتقوى التي هي عروة النّجاة وذخيرة الحياة والممات، وصفوة ما تلقّى آدم من ربّه من الكلمات؛ وخير ما قدّمته النفوس لغدها في أمسها، وجادلت [به] «١» يوم تجادل كلّ نفس عن نفسها؛ قال الله سبحانه ومن أصدق من الله قيلا: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
«٢» . واستتمّ بالعدل نعم الله تعالى عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك، وأمر بالمعروف فإنّك من أهله، وانه عن المنكر كما كنت تنزّهت عن فعله. وأولياء أمير المؤمنين، وأنصاره الميامين، ومن يحفّ بمقام ملكه من الأمراء المطوّقين «٣» ، والأعيان المعصّبين، والأماثل والأجناد أجمعين؛ فهم أولياؤه حقّا، ومماليكه رقّا، والذين تبوّءوا الدار والإيمان سبقا، وأنصاره غربا كما أنّ عسكرك أنصاره شرقا؛ فهم وهم يد في الطاعة على من ناواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم؛ وتحكّم فيهم وأنت عند أمير المؤمنين أعلاهم.
هذا وقد كان السيد الأجلّ الملك المنصور- ﵁ استمطر لهم [من] «٤» إنعام أمير المؤمنين المسامحة بعلقهم، وواسى «٥» في هذه المنقبة التي استحقّ بها حسن الذكر بين طوائفهم وفرقهم، فصنهم من جائحات «٦» الاعتراض، وابذل لهم صالحات الأغراض؛ وارفع دونهم الحجاب، ويسّر لهم الأسباب، واستوف منهم عند الحضور إليك غايات الخطاب؛ وصرّفهم في بلاد أمير المؤمنين ولاة وحماة، كما تصرّفهم في أوقات الحرب لماة «٧» وكماة؛ وعرّفهم بركة
стр. 4687
سلطانك، واقتد قلوبهم بزمام إحسانك.
وأما القضاة والدّعاة فهم بين كفالتك وهديك، والتصريف على أمرك ونهيك؛ فاستعمل منهم من أحسن عملا، فأمّا بالعنايات فلا.
والجهاد فأنت راضع درّه، وناشئة حجره؛ وظهور الخيل مواطنك، وظلال الجبل مساكنك؛ وفي ظلمات مشاكله، تجلى محاسنك، وفي أعقاب نوازله، تتلى ميامنك؛ فشمّر له عن ساق من القنا، وخض فيه بحرا من الظّبا «١» ؛ واحلل فيه عقدة كلمات الله سبحانه وثيقات الحبى «٢» ؛ وأسل الوهاد بدماء العدا وارفع برؤوسهم الرّبا؛ حتّى يأتي الله بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيّامك، ومشهودا به يوم مقامك بين يديه من لسان إمامك.
والأموال فهي زبدة حلب اللّطف لا العنف، وجمّة يمتريها «٣» الرّفق لا العسف، وما برحت أجدّ ذخائر الدّول للصّفوف، وأحدّ أسلحتها التي تمضي وقد تنبو السّيوف؛ فقدّم للبلاد الاستعمار «٤» ، تقدّم لك الاستثمار، وقطرة من عدل تزخر بها من مال بحار.
والرّعايا فهم ودائع الله لأمير المؤمنين وودائعه لديك، فاقبض عنهم الأيدي وابسط بالعدل فيهم يديك، وكن بهم رؤوفا، وعليهم عطوفا، واجعل الضعيف
стр. 4688
منهم في الحقّ قويّا والقويّ في الباطل ضعيفا، ووكّل برعايتهم ناظر اجتهادك، واجعل ألسنتهم بالدّعاء من سلاحك وقلوبهم بالمحبّة من أجنادك؛ ولو جاز أن يستغني عن الوصيّة قائم بأمر، أو جالس في صدر، لا ستغنيت عنها بفطنتك الزّكيّة، وفطرتك الذّكيّة؛ ولكنّها من أمير المؤمنين ذكرى لك وأنت من المؤمنين، وعرابة بركة فتلقّ رايتها باليمين؛ والله تعالى يؤيّدك أيّها السيد الأجل- أدام الله قدرتك- بالنصر العزيز، ويقضي لدولة أمير المؤمنين على يديك بالفتح الوجيز، ولأهلها في نظرك بالأمر الحريز، ويمتّع دست الملك بحلى مجدك الإبريز، ويقرّ عيون الأعيان بما يظهر لك في ميدان السعادة من السّبق والتّبريز، ويملّيك من نحلة أنعم أمير المؤمنين بما ملّكك إيّاه ملك التحويز؛ ويلحق بك في المجد أوّلك، ويحمد فيك العواقب ولك؛ فاعلم ذلك من أمر أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه، إن شاء الله تعالى.
المذهب الثالث «١» (أن يفتتح العهد بخطبة)
وهو ما حكاه في «التعريف» عن الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان «٢» فيما كتب به للظاهر بيبرس، وذكر أن ابن لقمان ليس بحجّة. ثم قال:
على أن الفاضل «٣» محيي الدين بن عبد الظاهر «٤» قد تبعه فيما كتب به للمنصور قلاوون.
стр. 4689
قلت: ليس ابن لقمان هو المبتكر لهذا المذهب، بل كان موجودا معمولا به. استعمله كتّاب الإنشاء بديوان الخلافة ببغداد قبل ذلك بزمن طويل، وهو منبع الكتابة الذي عنه يصدر الترتيب، وقاعدتها التي يبنى عليها المصطلح. وعليه كتب عهد العادل «١» أبي بكر بن أيّوب أخي السلطان صلاح الدين يوسف «من بغداد» . وإليه مال ابن الأثير في «المثل السائر» «٢» . وذكر أن الافتتاح ب «هذا ما عهد» قد ابتذل بكثرة الاستعمال، وابن لقمان تابع لا متبوع. على أن إنشاءه يدلّ على تقدّمه في الكتابة، وهو وإن كان ليس بحجة فابن الأثير حجة في هذا الشأن، يرجع إليه ويعمل بقوله، ويؤيّده حديث: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» ولذلك مال أهل العصر إلى اختياره والعمل عليه؛ إلا أنّ فيه مخالفة لما وقع في عهد النبي ﷺ لعمرو بن حزم وغيره من عهود الصحابة على ما تقدّم ذكره.
وبكلّ حال فأهل هذا المذهب لا يخرجون فيه عن ضربين: ضرب يعبّرون عن الأوامر الواردة في العهد عن الخليفة بقوله: «أمره بكذا وأمره بكذا» وهي طريقة المتقدّمين منهم، وعليها كتب عهد العادل أبي بكر «٣» المشار إليه. وضرب يعبّرون بقولهم «أن يفعل كذا وكذا» وما يجري هذا المجرى، وهي طريقة أهل زماننا.
وهذه نسخة العهد المكتوب به من ديوان الخلافة ببغداد على هذه الطريقة،
стр. 4690
للعادل أبي بكر بن أيّوب أخي «١» السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» «٢» وهي:
الحمد لله الذي اطمأنّت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كلّ شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودلّ على وحدانيّته بعجائب ما أحكمه صنعا وتدبيرا، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا، ممدّ الشاكرين بنعمه «٣» التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا، لا معقّب لحكمه في الإبرام والنّقض، ولا يؤوده حفظ السموات والأرض، تعالى أن يحيط بحكمه الضمير «٤» ، وجلّ أن يبلغ وصفه البيان والتفسير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«٥» .
والحمد لله الذي أرسل محمدا ﷺ بالحقّ بشيرا ونذيرا، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
«٦» . وابتعثه هاديا للخلق، وأوضح به مناهج الرّشد وسبل الحق، واصطفاه من أشرف الأنساب وأعزّ القبائل، واجتباه لإيضاح البراهين والدّلائل، وجعله لديه أعظم الشّفعاء وأقرب الوسائل، فقذف ﷺ بالحقّ على الباطل؛ وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجّة البيضاء والسّنن العادل، حتّى استقام اعوجاج كلّ زائغ ورجع إلى الحقّ كلّ حائد «٧» عنه ومائل، وسجد لله كلّ
стр. 4691
شيء تتفيّا ظلاله عن اليمين والشّمائل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الأفاضل، صلاة مستمرّة بالغدوات والأصائل، خصوصا على عمّه وصنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب الذي اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل، ودرّت ببركة الاستسقاء به أخلاف السّحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول على عقبه في الخلافة بما لم يفز به أحد من الأوائل.
والحمد لله الذي حاز مواريث النبوّة والإمامة، ووفّر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيّه ومحيي شريعته، الذي أحلّه الله من معارج الشرف والجلال في أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهيّ بأمتن عصمة وأوثق عروة؛ واستخرجه من أشرف نجار «١» وعنصر، واختصّه بأزكى منحة وأعظم مفخر، ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماما وحكما، وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القويّ والضّعيف، إمام المسلمين، وخليفة ربّ العالمين؛ أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين؛ ابن الإمام السعيد التقيّ، أبي نصر محمد الظاهر بأمر الله، ابن الإمام السعيد الوفيّ «٢» ، أبي العبّاس أحمد الناصر لدين الله، ابن الإمام السعيد «٣» أبي محمد «٤» المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، صلوات الله «٥» عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض وهم عنه راضون.
وبعد، فبحسب ما أفاضه الله على أمير المؤمنين- صلوات الله «٦» عليه وسلامه- من خلافته في الأرض، وفوّضه إلى نظره المقدّس في الأمور من
стр. 4692
الإبرام والنّقض، وما استخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدّس اجتهاده، لا يزال- صلوات الله عليه- يكلأ العباد بعين الرّعاية، ويسلك بهم في المصالح العامّة والخاصّة مذاهب الرّشد وسبل الهداية، وينشر عليهم جناحي عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر في ارتياد «١» الأمناء والصّلحاء من خلصاء أكفائه وأعوانه، متخيّرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعي، وتعرّف إليه في سياسة الرّعايا بجميل الأسباب والدّواعي، وسلك في مفترض «٢» الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل، وعلم منه حسن الاضطلاع في مصالح المسلمين بالعبء الثّقيل؛ والله يؤيّد آراء أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بالتأييد والتّسديد، ويمدّه أبدا من أقسام التوفيق الإلهيّ بالموفور والمزيد، ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنّجاح، ويسنّي له فيما يأتي ويذر أسباب الخير والصّلاح؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل وإليه ينيب.
ولما وفّق الله تعالى نصير «٣» الدين محمد بن سيف الدّين أبي بكر بن أيوب من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والحظوة في جهاد أعداء الدين بالمساعي الصالحة، والفوز من المراضي الشريفة الإماميّة- أجلها الله تعالى- بالمغانم الجزيلة والصّفقة الرابحة، لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه، وشفع تالده في تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه، واستوجب بسلوكه في الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع في الإنعام عليه بمنشور شريف إماميّ يسلك في اتّباعه هداه والعمل بمراشده سواء الصّراط وقصد السبيل- اقتضت الآراء الشريفة المقدّسة- زادها الله تعالى جلالا متألّق الأنوار، وقدسا يتساوى في تعظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار- الإيعاز بإجابته إلى ما
стр. 4693
وجّه أمله إلى الإنافة فيه به إليه، والجذب بضبعيه «١» إلى ذروة الاجتباء الذي تظهر أشعّة أنواره الباهرة عليه؛ فقلّده- على خيرة الله تعالى- الزّعامة والغلّات «٢» ، وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والضّياع والصّدقات، والجوالي وسائر وجوه الجبايات، والعرض والعطاء، والنّفقة في الأولياء، والمظالم والحسبة في بلاده، وما يفتتحه ويستولي عليه من بلاد الفرنج الملاحين «٣» ، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده من الشاذّين «٤» عن الإجماع المنعقد من المسلمين؛ و [من] «٥» يتعدّى حدود الله تعالى بمخالفة من يصل «٦» من الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته ضاعف الله جلاله بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ موصولة؛ حيث قال عز من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«٧» . واعتمد- صلوات الله عليه وسلامه- في ذلك على حسن نظره ومدد رعايته، وألقى مقاليد التفويض إلى وفور اجتهاده وكمال سياسته، وخصّه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلّد له على ممرّ الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره؛ وحباه بتقليد يوطّد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده «٨» رتاج الأبواب والمسالك، ويفيد قاعدته في بلاده زيادة تقرير وتمهيد، ويطير به صيته في كلّ قريب وبعيد، ووسمه بالملك الأجلّ، السيد، الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، أثير الأنام، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر
стр. 4694
الخوارج والمتمرّدين «١» غازي بك محمد، بن أبي بكر، بن أيوب، معين أمير المؤمنين، رعاية لسوابق خدمه وخدم أسلافه وآبائه، عن وفور اجتبائه، وكمال ازدلافه، وإنافة من ذروة القرب إلى محلّ كريم، واختصاصا له بالإحسان الذي لا يلقّاه إلّا من هو كما قال تعالى: لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*
«٢» ، وثوقا بصحّة ديانته التي يسلك فيها سواء سبيله، واستنامة إلى أمانته في الخدمة التي ينصح فيها لله تعالى ولرسوله، وركونا إلى [كون] «٣» الإنعام عليه موضوعا بحمد الله تعالى في أحسن موضع، واقعا به لديه في خير مستقرّ ومستودع.
وأمير المؤمنين- صلوات الله عليه (لا زالت الخيرة موصولة بآرائه، والتأييد الإلهيّ مقرونا بإنفاذه وإمضائه) يستمدّ من الله حسن الإعانة في اصطفائه الذي اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدّى إليه ارتياده المقدّس الإماميّ واجتهاده، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله تعالى التي هي الجنّة الواقية، والنّعمة الباقية، والملجأ المنيع، والعماد الرفيع؛ والذخيرة النافعة في السّرّ والنّجوى، والجذوة المقتبسة من قوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«٤» وأن يدّرع بشعارها، في جميع الأقوال والأفعال، ويهتدي بأنوارها، في مشكلات الأمور والأحوال، وأن يعمل بها سرّا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجبة صدرا؛ قال الله تعالى:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«٥» .
وأمره بتلاوة كتاب الله متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل «٦» الرّشاد
стр. 4695
والهداية في العمل به؛ وأن يجعله مثالا يتّبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدي بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه؛ فإنّه الثّقل «١» الأعظم، وسبب الله المحكم، والنور «٢» الذي يهدي به إلى التي هي أقوم؛ ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبيّن لهم بهداه الرّشد والضّلال، وفرّق بدلائله الواضحة بين الحرام والحلال؛ فقال عز من قائل: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
«٣» . وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
«٤» .
وأمره بالمحافظة على مفروض الصلوات، والدّخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات «٥» ؛ وأن يكون نظره في موضع سجوده «٦» من الأرض، وأن يمثّل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي الله تعالى يوم العرض؛ قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
«٧» ، وقال تعالى:
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«٨» . وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسبب عن إقامة سننها الراتبة، فإنها عماد الدين الذي نمت أعاليه، ومهاد الشرع الذي تمّت «٩» قواعده ومبانيه؛ قال الله تعالى:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
«١٠» ، وقال سبحانه: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«١١»
следующие страницы →