Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
على أدراجه، فالقليل بالغفلة يستدعي كثرة الاهتمام، وربّما لم تصب فيه المرمى ولم ينجع المرام.
ومراكب الأسطول المنصورة فولّها من ترتضي نهوضه، ومن يقوم بشرائط الجهاد المفروضة؛ وإذا آنس فرصة لم يعترضها التفويت، وإذا نزل به القرن «١» ناداه بعزم المستميت، وإذا عرا المجتمع عرّض جمعه للتشتيت، واحتط على حواصل هذه المراكب فبها قوّة الإسلام على عدوّه، ومدد استظهاره وعلوّه، وأقم من الرؤساء من له حيلة في الأسفار، وخبرة بمكايد الغارات والحصار، ومثابرة يقتدر بها على فتح أبواب المنافع وسدّ أبواب المضارّ؛ ولك من البصيرة الجامعة، والألمعيّة اللّامعة، ما أنت به جدير أن تكون لك الذّكرى نافعة؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني (مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير)
وقد علمت في الكلام على «المسالك والممالك» أنّ الوزير إذ ذاك كان في منزلة السلطان الآن؛ وكان الشأن فيما يكتب فيه أن يفتتح بما يفتتح به المذهب الثالث «٢» مما كان يكتب عن الخليفة، وهو أن يفتتح ما يكتب بلفظ: «إنّ أولى» أو «إنّ أحقّ» أو «إنّ أجدر» أو «إنّ أقمن» أو «من حسنت طريقته» أو «من كان متّصفا بكذا كان خليقا بكذا» و «بلمّا كان فلان» أو «لمّا كنت» على نحو ما تقدّم.
ثم ما يكتب عن الوزير: تارة يكتب بأمر الخليفة، وتارة يصدر عن الوزير استقلالا، فيبيّنه الكاتب في كتابته، وهي: إما لصاحب سيف، أو قلم.
стр. 5042
فمن المكتتب عن الوزير في الدولة الفاطمية لأصحاب السّيوف نسخة سجل بولاية الإسكندرية من إنشاء القاضي الفاضل ﵀، وهي:
من عدّ من الأولياء الأماثل، ووجد عند الانتقاد قليل المماثل، وتوسّل بالحسنات التي يقبل عنده منها تشفيع الوسائل، وتقبل السفارة له الشاملة الاستحقاق الذي يغني عن المسائل، ولطف فكره لاقتناء الشّيم الموجبة لارتقاء الدرجات الجلائل، وألقت الرّتب قناعها له عند الكفء الذي يقدّم لها أفضل مهور الحلائل، وأسفرت مواقف الغناء منه عن الهزبر الشهم واللّوذعيّ الحلاحل «١» ، وأفرج له الكفاة عن صدور المنازل الرفيعة فلم يكن بينه وبينها حائل، واستقلّ بعظيم ما يفوّض إليه فلم تحمل الأقوام ما هو حامل، واتّسع مجال كفايته في كلّ أمر يضيق بالمباشر ضيق كفّة الحابل «٢» ، وتتبّع آثار الخلل بعزماته تتبّع الغيث آثار الدّيار المواحل- كانت الولايات الجليلات له من المعدّ المدّخر، وقرّبت عليه منازل الآثار التي يتجمّل بها ويفتخر.
ولمّا كان الأمير جامعا لما أفيض فيه من هذه الصّفة، وموصوفا بها من كلّ لسان صادق ونية منصفة، جارية على غيره مجرى النكرة ومستندة إليه استناد المعرفة، مشتملا على خلال كغرائب المكارم مستوفية متألّفة، كلفا بالشّيم الحميدة إذا افتضحت بها الشّيم المتكلّفة، قمنا أن يوفّي فيقرض سعيه إذا اقترضت المساعي المتسلّفة، نهّاضا بالمصاعب عند ما تختلف في إعطائها العزائم المتخلّفة، آويا من رجاحته إلى المعقل الحريز والحصن الحصين، حاويا لفضائل حسنة منها الفتك الجريّ والرأي الرّصين، مقدما على الأهوال إذا تغلّقت وجوهها غبرا، مصرّا على الخطرات حتى يظنّه الغمر غمرا، مصافحا للرماح، إذا
стр. 5043
بدت أنامل الأسنّة، مباشرا للصّفاح، إذا ذعرت لها النفس المطمئنّة، جديرا أن يردّ الخيل المغيرة تدمى نحورها، وتمدحك وتذمّها الجراح التي اشتملت عليها ظهورها، وسما للأعداء سيوفك فعندك غمودها وفيهم صدورها- رأينا بما آتاه الله من رأي لا يستأخر أن يستخير، ونظر يستمرّ أن يمتاح من موارد الرّشاد ويستنير، ما خرج به أمرنا من ولايتك لثغر الإسكندرية بعد أن طالعنا مولانا صلوات الله عليه بما رأينا، واسترشدنا بميامن إمضائه ما أمضينا، وفاوضناه فيما فوّضناه إليك وأفضينا، وقضينا حقّ الخدمة فيما استمطرنا من صوب واقتضينا، إذ كان الله قد خصّ خلاله بمواتاة الأقدار، ووقف الميامن على ما يمضيه ويوقفه من أعنّة الإيراد والإصدار، وجعل الخيرة فيما يختار، والحقّ دائرا حيث دار، وأخلص للأولياء المستشعرين بولائه بخالصة ذكرى الدار، وجعل رأيه قطبا في سماء الخلافة عليه في مصالح خلق الله المدار، فصحّح ما عرضناه على مقام خلافته وصوّبه، وناجته بديهة الإلهام بما أغنته عمّا صعّد فيه المستشير وصوّبه، وخرج إلينا بأن يمضى لك هذا الأمر، ويفوّض إليك هذا الثغر؛ فلتقابل هذه النعمة بشكر يوجب استيفاء باقيها، واعتداد يمهّد درجات مراقيها، متنجّزا وعد الله لمستوفيه بإيلاء المزيد، الجدير بإحالته من حالة التقليد إلى حالة التّخليد، جاعلا تقوى الله حجته فيما يقطعه ويصله، وعمدته فيما يمنعه ويبذله، قال الله سبحانه في كتابه الذي فضّله على كل كتاب: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
«١» ؛ ولا تجعل في حكمك بين الخصماء فرقا وإن عدل أحدهما، وليكن على الحق الذي لا مفاضلة فيه مقعدهما عندك وموردهما، وانتصف للمظلوم من الظالم، واعمل في ذلك عمل من لا تأخذه في الله لومة لائم، وأقم الحدود متحرّيا، وأمضها إمضاء من لا يزال بعين طاعة الله متحلّيا، ونفّذها غير مكثر ولا مقلّ، فإن المكثر متعدّ والمقلّ مخل. وقد علمت ما للقاضي من التّقدمة الشهيرة، والرّتبة الأثيرة، والمساعي التي هي بألسنة الحمد مأثورة، والأقوال التي هي في صحائف حسن
стр. 5044
الذكر مسطورة، والحرمات التي شهدت بها الأيام والليالي، والمواتّ التي انتظمت في سلوك التصرّفات إنتظام اللآلي، والصّفات التي زهت بها أجياد المحامد الحوالي؛ وله الخبرة بقوانين هذا الثغر وأحكامه، والعادة التي لا خلاف أنها لمصالح ما يباشره وإحكامه، وأنت مقدّم أرباب السيوف في الثّغر وهو مقدّم أرباب أقلامه، فاعرف له منزلته في الخدم المنوطة بكفالته، والأمور المحوطة بإيالته، ووفّه من أثر الإكبار حقّه، ويسّر فيما اشتدّ عليه من معونتك طرقه، وأعن الداعي على ما هو بسبيله من الإرشاد، وقم في إعلاء مناره قيام المغرم الشاد.
والأموال أولى ما صرفت إليها همّك، ووقفت عليها عزمك، فاستنهض المستخدمين فيما يستادى، ولا تمكّنهم أن يحدثوا رسما ولا يسقطوا معتادا؛ ولا بدّ من المقام بظاهر البحر مدّة انفتاحه، وتفقّد الأسطول المقيم بالميناء تفقّدا يستوعب أسباب إصلاحه، وأذك العيون على سواحله فلم يخل أمر العدوّ من طارق ليل وخاطف نهار، وذدهم عن بغتات هجومهم بما يبلغهم عنك من دوام التيقّظ والاستظهار، واستنهض الرجال في نوائب الخدم وحوادثها، وصرّفهم على موجبات المتجدّدات وبواعثها.
وهذا الثغر ففيه من أرباب الزّوايا العاكفين على العبادات، والعلماء الداعين الناس إلى الإفادات، من لا يدّخر الإكرام إلا لأن يؤدّى إلى استحقاقهم، ولا يصان المال إلا لأن يبذل لاستحقاقهم «١» ؛ فأوصل إليهم ما هو مقرر لهم إيصالا هنيّا، وأعفهم من مؤونة الهزّ «٢» وساقط عليهم رطبا جنيّا، واستنهض لنا دعواتهم فإنها أسهم الأسحار، واستخلص لنا نيّاتهم فهم لنا جند الليل وغيرهم لنا جند النهار؛ والسلام.
стр. 5045
ومن ذلك نسخة سجلّ بحماية الرّباع «١» ، وهي:
من كان فيما يتولّاه مشكور السعي محمود الأثر، مستعملا من النصح وبذل الجهد ما يزيد الخبر فيه على طيّب الخبر، معتمدا ما يدلّ على دراية وخبرة ودربة، متوخّيا ما يجعل الخدم إذا ما ردّت إليه لم تحلّ في دار غربة- استحق أن يورى زنده، ويرهف حدّه، وتقوّى منّته «٢» ، وتشحذ قريحته.
ولما كنت أيّها الأمير ممن عرف نفاذه وأحمدت خلاله، وشكرت طرائقه وارتضيت أفعاله، وظهر فيما يباشره غناؤه واستقلاله، وجمع إلى الكفاية نزاهة، وإلى الأمانة نباهة، وإلى اليقظة عفافا وسدادا، وإلى النهضة حزامة لا يجد الطالب عليها مستزادا، تقدّم فتى مولانا وسيدنا باستخدامك في حماية الرّباع السلطانية بالمعزّيّة القاهرة المحروسة: سكونا إلى جدّك وتشميرك، وتعويلا على تأتّيك وتدبيرك؛ فاستخر الله وباشر ما ردّ إليك من هذه الحماية بعزم لا يمازجه فتور، وحزم لا يصاحبه قصور، واكشف أحوال هذه الرّباع كشفا يعرف به حالها، ويعلم منه استقامتها واختلالها، وانتصب لاستخراج مالها من السّكّان، واستعمل في استيدائه غاية الاستطاعة والإمكان.
وملاك الأمر فيها أن تتعهّدها بالطّواف فيها، وأن تحافظ على حراسة غيرها، وتناول أجرها، ورمّ ما لعله يسترمّ منها ويتشعّث، والعكوف على ذلك بحيث لا يتوقّف فيه أمر ولا يتريّث، وحمل مال ارتفاعها إلى بيت المال المعمور بعد ما يصرف في مصالحها، ويطلق فيما يتثبّت به عليها؛ ولك من الأمير من يعينك
стр. 5046
وينجدك، ويلبّي دعوتك ويعضّدك، ويظافرك على انتظام شؤونك ومقصدك: من الاشتمال بما يزيد على تأميلك؛ فاجعل عليه اعتمادك، وبه في الحلّ والعقد استرشادك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
ومن الوظائف المكتتبة عن الوزير لأرباب الوظائف الدينية نسخة سجل بالحكم بقوص «١» ومشارفة أعمال الصعيد، وهي:
من تقدّمت لأسلافه خدم ومناصحات، وكانوا مشهورين بأنّ طرائقهم في السّداد مستقيمات واضحات، وعرف جميعهم بالصّيانة والدّيانة، والثّقة والأمانة، والمحافظة على ما يحظيهم عند وليّ نعمتهم، والعمل بما يقضي بطيب ذكرهم وحسن سمعتهم، كان ذلك ذريعة له ووسيلة، وماتّة ينال بها المواهب الجزيلة.
ولما كنت أيها القاضي على القضيّة المرضيّة من ولاء الدولة وطاعتها، والحرص على الإخلاص لها ومشايعتها، والتحلّي بالعلم والتمييز في أربابه، والتعلّق بفعل الخير والتمسّك بأسبابه، والعمل بما ينفعك في عاجلتك وآجلتك، والاجتهاد فيما يبعث على وفور حظّك من الإنعام وزيادتك، وكانت لك دربة فيما تعانيه ودراية، وصولة في حسن التأتّي إلى أمد بعيد وغاية؛ وقد تقدّمت لأخيك القاضي الرشيد- ﵀ خدمة أبانت عن حرصه ومناصحته، وأعربت عن وفور نصيبه من النّهى ورجاحته، فأدّى ذلك إلى بلوغه من رتب أمثاله أقصاها، وإلى أن استقرّت خدمه عليه وألقت عنده عصاها؛ وهذه نصيبك إذا اقتفيتها فقد عرفت مفضاها، وإذا عكفت عليها نالك من الإحسان على حسبها ومقتضاها- تقدّم فتى مولانا وسيدنا باستخدامك في النّيابة في الحكم بمدينة قوص والمشارفة بأعمال الصعيد الأعلى: تنويها بك وتكريما لك، وتمهيدا لمكان الاصطناع الذي رتّبك فيه وأحلّك؛ فاعرف قدر هذه النعمة، وقابلها ببذل الطاقة في النّصح في
стр. 5047
الخدمة، وبالغ في الشكر الذي يثبّتها عندك ويديمها لك، واحرص على القيام بحقّها حرصا تبذّ به نظراءك وأمثالك، واعمل في ذلك بما تضمّنه التقليد المكتتب لك من مجلس القاضي الأعز الماجد أدام الله تمكينه، وما أودعه من وصايا مرشدة، وهدايات إلى الصواب مقرّبة وعن الخطإ مبعدة، وافعل في أمر المشارفة ما اشتملت عليه التذكرة المعمولة من الدّيوان فإنه يوضّح لك منهج الصّلاح، ويأتيك منه بما يزيد على البغية والاقتراح، وانتصب للعمارة والاستكثار من الزراعة بالمعدلة على المعاملين، والاستخراج لحقوق بيت المال على أحسن القوانين، وواصل من الحمول، ما يكون محقّقا للمظنون فيك والمأمول؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله .
ومن ذلك نسخة سجل بالنيابة في الحكم والأحباس «١» والجوالي «٢» بثغر دمياط «٣» ، وهي:
أحقّ من كانت المواهب عنده مخلّدة، والمنائح إليه متواصلة متجدّدة، والعوارف تفد عليه فتخيّم في مغناه وتقيم، والفواضل تأتي نحوه فتستقرّ في مثواه ولا تريم، والنّعم الشّتّى لا تشكو في مواطنه استيحاشا ولا اغترابا، والمنن إذا حبي بها كان نيله لها استحقاقا منه لها واستيجابا- من كرمت أعراقه ومحاتده، وشهرت أوصافه ومحامده، وصفت في المخالصة مصادره وموارده، وكثرت في تقريظه غرائب الثّناء وشوارده، وشيّد منار أسلافه بالتخلّق بخلائقهم، وأبقى الحديث عنهم بانتهاج سبلهم وطرائقهم، وأحسن برّهم، في الاقتفاء لأثرهم والاقتداء بهديهم، وإحياء ذكرهم، بالعمل بما كانوا عليه في عودهم وبدئهم.
стр. 5048
ولما كنت أيّها القاضي لهذه الخلال جامعا، وإلى المراشد مصغيا سامعا، ولبلوغ ما ناله أسلافك بالمناصحات راجيا طامعا؛ ولك فيما يسند إليك نظر يدلّ على صواب آرائك، وفيما يردّ إلى تولّيك كفاية تميّزك على نظرائك؛ ولمّا ندبت للأحكام الشرعية، أبنت عن الديانة والألمعيّة، وحين باشرت الأعمال الدّيوانيّة، نصحت واجتهدت وأخلصت النّية؛ والذي بيدك يتمسّك بك، ويتعلّق بسببك، لأنك لما استكفيته نهضت وأحسنت، فلذلك يأبى أن يكلّفه غيرك وأن لا يتكفّله إلا أنت- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بكتب هذا المنشور بتجديد نظرك فيما هو بيدك من النيابة في الحكم العزيز بثغر دمياط- حماه الله تعالى- والمشارفة على الأحباس به، وعلى مستخرج الجوالي فيه، تقوية لعزمك، وإمضاء لحكمك، وشدّا لأزرك، وتأكيدا لأمرك، وإنفاذا لقولك، وبسطا ليدك، وإيضاحا لميزتك، وإظهارا لتكرمتك، وإبانة عن حسن النّية وإعرابا عن جميل الرأي فيك؛ فاجر على رسمك وعادتك، واستغن بما أودعته تقاليدك من الوصايا، واستمرّ على نهجك الذي أفضى بك إلى أحمد الأفعال وأجمل القضايا، وارتبط النعمة عندك بتماديك على عادتك، وتوسّل بمشكور السعي إلى نموّ حظّك ووفور زيادتك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله .
ومن ذلك نسخة سجل بالحكم بالأعمال الغربية، وهي:
من كان بالعلوم الدينيّة قؤوما، وفي الأمور الشرعيّة ممّن يشار إليه ويومى، وظلّ من يجاريه من طبقته قليلا إذا لم يكن معدوما، وعلم نفاذه الذي سلم من المناقضة فيه والاختلاف، وعرف اعتماده الواجب من غير ميل عنه ولا انحراف، وكان لشمل الديانة والأمانة مؤلّفا جامعا، وغدا الوصف بجميل الخلال وحميد الأفعال عنه مسموعا ذائعا؛ وآثاره في كل ما يتولّاه مدّاحه وخطباؤه، وسفراؤه في الرّتب الجليلة نزاهته وظلف نفسه وإباؤه- صارت الأحكام بنظره مزهوّة، وأضحت الخدم الخطيرة تتوقّع بإسنادها إليه استظهارا وقوّة؛ فهي تتشوّف إلى أن يوليها حظّا
стр. 5049
من محاسنه يكسبها نضرة وبهاء، وتتصدّى من نظره فيها لما يضمن لها إدراكا للإرادة وبلوغا إليها وانتهاء.
ولما كنت أيّها القاضي حائزا لهذه الصفات، محيطا بما اشتملت عليه من الأدوات، سالكا أعدل طريق في الأمور إذا أشكلت، عاملا بقضايا الواجب إذا اعتمدت الإقبال عليك واتّكلت؛ ولك الخدمة السنية، التي لا تطمح إليها كل أمنيّة، والرتب الرفيعة التي لا ينالها إلّا من كان عمله موافقا لصادق النيّة؛ وكلّ ما تباشره يغتبط بك ويأسى على فراقك، وكلّ ما حظر على غيرك مباح لك لاستيجابك له واستحقاقك؛ فمن العدل أن تكون كفايتك على الأعمال مقسّمة، وأن تكون آثارك في كل ما تعانيه من أمور المملكة علامة لك عليها وسمة؛ وكانت الخدمة في الحكم بالغربية من التصرفات الوافية المقدار، السامية الأخطار، التي لا يسمو كلّ آمل إليها، ولا يحدث كل أحد نفسه بتولّيها؛ وقد اشتهرت خبرتك بالأحكام، وحفظك فيها للنّظام، وبتّك للقصص المشكلة، ورفعك للنّوب المعضلة- فرأينا استخدامك نائبا عن القاضي الأعزّ الماجد في الصّلاة والخطابة والقضاء بالأعمال الغربية المقدّم ذكرها: إذ كنت تعدل في أحكامك، ولا تخرج عن قضايا الصواب في نقضك وإبرامك، ولا تحابي في الحق ذا منزلة، ولا تنفكّ معتمدا ما يقضي لك بالميزة المتأكّدة والرتبة المتأثّلة، وأمرنا بكتب هذا المسطور شدّا لأزرك، وتشييدا لأمرك، وإيراء «١» لزندك وتقوية لعزمك، وضمّنّاه ما تقدّم ذكره من وصفك وشكرك، وتقريظك وإجمال ذكرك، والثناء على علمك، والأبانة عن قضيّتك في قضائك وحكمك؛ فاعمل بما اشتمل عليه التقليد المكتتب لك من مجلس الحكم العزيز وانته إلى ما أودع من فصوله، وكن عاملا بمضمونه متّبعا لدليله؛ والله يوفّقك ويرشدك، ويعينك ويسدّدك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله .
стр. 5050
ومن ذلك نسخة سجل بالحكم والمشارفة «١» بثغر عسقلان من سواحل الشام، وهي:
الذي منحنا الله من المفاخر الدالّة على محلّنا عنده، والمآثر التي أوصلنا بها من الشرف إلى أمد لا غاية بعده، والقضايا العادلة التي أبانت عما أجراه الله لنا من اللطائف، والسياسة الفاضلة التي تشهد لنا ببياض الصحائف، قد ضاعف حظّنا من التأييد فيما نراه ونمضيه، وضمن لنا الهداية في حق الله تعالى إلى ما يرضيه، وأجزل قسطنا من التوفيق في اجتباء من نجتبيه، وحبّب لنا إسناء المواهب لمن كان قليل النظير والشّبيه، ووقف اهتمامنا على التنبيه على كلّ مشكور المساعي، وصرف اعتزامنا إلى التفقّد للمقاصد التي هي على الاصطفاء من أقوى الدّواعي، ووفّر التفاتنا إلى تأمّل الإخلاص الذي صفت موارده، وصحّت سرائره، وأحكمت معاقده، وأحصدت مرائره، وتوكّل لصاحبه في بلوغ المطالب البعيدة المطارح، وتبتّل لمن وفّق له في سبوغ العوارف المخصبة المسارح، وجعلنا لا نغفل عمن بذل في الطاعة مهجته، وأظهر بدؤوبه وانتصابه دليله على الولاء المحض وحجّته، وأبان عن تقواه وحسن إيمانه، وتقرّب باستفراغ وسعه إلى الله تعالى وإلى سلطانه، وعمل فيما ائتمن عليه ما استوجب به جزيل الأجر، وكان له من رأيه في أعداء الملّة ما يقوم مقام العسكر الجرّ، وعلم أنّ تجارته في المخالصة نافقة مربحة، وأن مراميه في المناصحة صائبة منجحة، وتيقّن أنا بحمد الله لا نخيّب أملا، ولا نضيع أجر من أحسن عملا.
ولما كنت أيّها القاضي المكين المرتضى ثقة الإمام جلال الملك وعماده ذو المعالي صفي أمير المؤمنين، مستوليا على هذه الخلال، التي تكفّلت لك بإعلاء القدر، ومحتويا على هذه الخصال، التي رتّبتك على نظرائك في الصّدر، ولك من الحرمات سوابق لا يطمع فيها بلحاقك، ومن المواتّ شوافع تجعل جسائم النعم
стр. 5051
وقفا لاستحقاقك؛ وقد عرفت بالجدّ والتشمير، واشتهرت بصادق العزم وصائب التدبير، وجعلت مؤهّلا لكل أمر خطير ومهمّ كبير، واستقرّ أنك إذا استكفيت جسيما فقد وكل منك إلى الأمين الخبير: لأنّ لك الرياسة التي لا تجارى فيها ولا تبارى، والكفاية التي لا يختلف فيها ولا يتمارى، والفضائل التي تشهد بها أعداؤك وحسّادك اضطرارا؛ وما زالت أفعالك في كل ما تتولّاه من الخدم الجليلة دالة على كرم طباعك، وآثارك معربة عن سعة ذرعك في الخير وامتداد باعك، وأخبارك ناطقة بإبائك عن الباطل واقتفائك للحقّ واتّباعك؛ ولما نظرت في القضاء تهلّل بنظرك وجه الشرع، وأبنت عن اضطلاعك من علمه بالأصل والفرع، وعدلت في أحكامك، ولم تعدل عن الواجب في نقضك وإبرامك، وفعلت ما أقرّ عين الملّة، وأربيت على من تقدّمك من القضاة الجلّة، واعتمدت من الإنصاف ما برّدت به الغلّة وأزحت به كلّ علّة، ووفّيت هذه الخدمة جميع شروطها، وفسّحت في تولّيك أمانيّ المظلومين بعد ضيقها وقنوطها، وقمت في ذلك المقام الذي يقضي بثبوت النعمة عندك وخلودها، وبالغت في ارتباطها بالشّكر لعلمك أن شرودها بكنودها.
فأما الإشراف فإنك أتيت فيه ما دلّ على حسن المعرفة، واستقبلت في وجهه كل صفة، وأوضح أنّ كلّ من باشره لم يبلغ مداك، ولا جرى مجراك، ولا وصل إلى غايتك، بل ما طمع بمداناتك ولا مقاربتك؛ وكلّ ما عدق بكفايتك فقد أتيت بحمد الله فيه على الأغراض، لا جرم أنه مستدع لزيادتك ومطالب ومتقاض؛ فحين اجتمعت لك هذه الأسباب استوجبت من إنعامنا ما يتنزّه كرمنا عن تعويقه، ومن جزيل إحساننا ما يكون تعجيله حقّا من حقوقه؛ فشرّ فناك بتجديد ما هو بيدك من الحكم العزيز والمشارفة بثغر عسقلان حماه الله تعالى، وجعلنا النيابة في الحكم عنا تنويها بك ورفعا لشانك، وتبيينا لموضعك عندنا ومكين مكانك؛ فاعمل بتقوى الله التي أمر بها في كتابه الذي به يهتدي المؤمنون فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
«١» ، واجر على عادتك فيما حسّن أثرك، وأطاب خبرك،
стр. 5052
معتمدا على ما تضمّنته عهودك، واشتملت عليه تقاليدك: من المساواة بين القويّ والضعيف في الحقّ، وإجراء الشريف والمشروف في المحاكمة مجرى واحدا من غير فرق، والنظر فيمن قبلك من الشّهود، وحملهم على القانون المألوف المعهود: من إقرار من ترتضيه، والمطالعة بحال من تأباه لما توجبه طريقته وتقتضيه، والمحافظة على أن لا يتعلّق بشيء من أمور الحكم إلا من أحمد فعله، وحصل له من التزكية ما يزكّى به مثله، إلى غير ذلك مما أودع فيها، وأحاطت بها الوصايا التي لم يزل يستوعبها ويستوفيها. واستقم على سبيلك في ضبط المال وحفظه وصونه، واستعن على بلوغ المراد في ذلك بتأييد الله وتوفيقه وعونه، وتماد على سنّتك في النظر في أحوال الثغر المحروس والانتصاب لمصالحه، والتوفّر على منافعه، والاجتهاد في الجهاد بآرائك، والاستمرار في ذلك على سديد أنحائك؛ والله وليّ عونك وإرشادك، والمانّ بتبليغك فيما أنت فيه أقصى مرادك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك نسخة سجل بتدريس، وهي:
أمير المؤمنين لما منحه الله من الخصائص التي جعلته لدينه حافظا، ولمصالح أمور المسلمين ملاحظا، ولما عاد بشمول المنافع لهم مواترا، وبما أحظاهم عنده ﵎ معينا وعليه مثابرا، لا يزال يوليهم إحسانا وفضلا ومنّا، ويسبغ عليهم إنعاما لم يزل تسم «١» هممهم إلى أن تتمنّى؛ وقد يسّر الله تعالى لخلافته ودولته، ووهب لإمامته ومملكته، من السيد الأجل الأفضل، أكرم وليّ ضاعف تقواه وإيمانه، وأكمل صفيّ وقف اهتمامه واعتزامه على ما يرضيه سبحانه، وأعدل وزير لم يرض في تدبير الكافّة بدون الرتبة العليا، وأفضل ظهير ابتغى فيما أتاه الله الدار الآخرة ولم ينس نصيبه من الدّنيا؛ فهو يظافر أمير المؤمنين
стр. 5053
على ما عمّ صلاحه عموم الهواء، ويفاوض حضرته فيما يستخلص الضمائر بما يرفع فيه من صالح الدعاء.
ولمّا انتهى إلى أمير المؤمنين ميزة ثغر الإسكندرية- حماه الله تعالى- على غيره من الثّغور، فإنه خليق بعناية تامة لا تزال تنجد عنده وتغور: لأنه من أوقى الحصون والمعاقل، والحديث عن فضله وخطير محلّه لا تهمة فيه للراوي والناقل، وهو يشتمل على القرّاء والفقهاء، والمرابطين والصّلحاء، وأن طالبي العلم من أهله ومن الواردين إليه، والطارئين عليه، متشتّتو الشّمل، متفرّقو الجمع- أبى أمير المؤمنين أن يكونوا حائرين متلدّدين «١» ، ولم يرض لهم أن يبقوا مذبذبين متبدّدين؛ وخرجت أوامره بإنشاء المدرسة الحافظيّة بهذا الثغر المحروس بشارع المحجّة منّا عليهم وإنعاما، ومستقرّا لهم ومقاما، ومثوى لجميعهم ووطنا، ومحلّا لكافّتهم وسكنا؛ فجدّد السيد الأجل الأفضل أدام الله قدرته الرغبة إلى أمير المؤمنين في أن يكون ما ينصرف إلى مؤونة كل منهم والقيام بأوده، وإعانته على ما هو بسبيله وبصدده: من عين وغلة، مطلقا من ديوانه، واسترفد أمير المؤمنين المثوبة في ذلك فأجابه جريا على عادة إحسانه، واستقرّت التقدمة في هذه المدرسة لك أيها الفقيه الرشيد جمال الفقهاء أبو الطاهر: لنفاذك واطلاعك، وقوّتك في الفقه واستضلاعك، ولأنك الصدر في علوم الشريعة، والحالّ منها في المنزلة الرفيعة، والمشتغل الذي اجتمع له الأصول والفروع، ومن إذا اختلف في المسائل والنوازل كان إليه فيها الرّجوع؛ هذا مع ما أنت عليه من الورع والتّقى، وأنّ مجاريك لا يكون إلا ناكصا على عقبه مخفقا؛ وأمر أمير المؤمنين أن تدرّس علوم الشريعة للراغبين، وتعلّم ما علّمك الله إيّاه لمن يريد ذلك من المؤثرين والطالبين؛ وخرج أمره بكتب هذا المنشور بذلك شدّا لأزرك، وتقوية لأمرك ورفعا لذكرك؛ فأخلص في طاعة الله سرّا وجهرا، فإنه تعالى يقول في كتابه: وَمَنْ يَتَّقِ
стр. 5054
اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«١» ، واعتمد توزيع المطلق عليهم، وتقسيمه فيهم على حسب ما يؤدّي اجتهادك إليه، ويوقفك نظرك عليه، وقرّب من ارتضيت طريقته، وأبعد من أنكرت قضيّته؛ فقد وكل ذلك إليك، وعدق بك من غير اعتراض فيه عليك؛ فمن قرأه أو قريء عليه من الأمير المظفّر والقاضي المكين- أدام الله تأييدهما- وكافّة الحماة والمتصرفين، والعمّال والمستخدمين، فليعتمد رعاية المدرسة المذكورة ومن احتوت عليه من الطلبة وإعزازهم، والاشتمال عليهم، والاهتمام بمصالحهم، والتوخي على منافعهم، وليتل هذا المنشور على الكافّة بالمسجد الجامع، وليخلّد بهذه المدرسة حجّة بما تضمّنه، إن شاء الله .
ومن ذلك سجل بولاية الحسبة من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:
من شكرت خلائقه، وتهذّبت طرائقه، وأمنت فيما يتولاه بوائقه، ونيطت بعرى الصواب علائقه، وفرجت بسداده مسالك الإشكال ومضايقه، واستحوى من الأمانة قرينا في التصرّفات يرافقه ولا يفارقه، ونهض إلى الاستحقاق ولم تعقه دونه عوائقه، وأثنى عليه لسان الاختبار وهو صحيح القول صادقه- استوجب أن يخصّ من كل قول بأجمله، وأن يعان على نيل رجائه وبلوغ أمله، وأن يقتدح زند نيّته ليرى نور عمله، وتيسّر إلى النجاح متوعّرات طرقه ومشكلات سبله، وأن يقابل جريانه في الولاية قبله فيظهر عليه أثر الإحسان فيكون الشكر من قبل الإحسان لا من قبله، ويورد من موارد النجح ما يتكفّل له بالريّ من غلله، ويوسم من مياسم الاصطناع ما يكون حلية أوصاله ويشفع سداد خلاله في سدّ خلله.
ولما كنت أيها الشيخ المشتمل على ما تقدّم ذكره، المستكمل من الوصف ما يجب شكره، الآوي إلى حرز من الصيانة حريز، المستغني بغنائه عن
стр. 5055
الاستظهار بعزوة «١» العزيز، المستوجب إلى أن يعدّ من أهل التمييز لأنه من أهل التمييز، المستوعب من الخلال الجميلة ما لا يقتضيه القول الوجيز، المخرج من قضايا الدّنايا فما يستبيح محرّمها ولا يستجيز، الممدّح في خدم كلّها أخلصته خلاص الذهب الإبريز، وكانت له مضمارا تشهد له أفعاله [فيها] «٢» بالسبق والتبريز، المتوسل بأمانة عزّبها جنابه عن الشّبهة ووجدانها في الناس عزيز- تقدّم فتى مولانا السيد الأجل باستخدامك على الحسبة بمدينة كذا: فباشر أمرها مباشرة من يبذل في التقوى جهدا، فلا يرى غيرها على ظمإوردا، ولا يراه الله حيث نهاه، ولا يأمره أبدا وينهاه إلا نهاه، ولا يرى ما كشفته إلا وهو عالم أنّ الله يراه، وانته فيها إلى ما ينتهي إليه من بذل غاية وسعه، ومن لا يرتدّ عن جرركيه «٣» من عموم نفعه، ومن يدلّ بتهذيب طباع الناس على طهارة طبعه، ومن يستجزل حسن صنيع الله لديه بحسن صنعه، ومن يستدعي منه بذل فضله بحظر ما أمر بحظره ومنعه، واسلك فيما تستعمله من أمرها المذهب القصد والمنهج الأقوم، واجتهد فيها اجتهاد معتصم بحبل التقوى المتين وسببها المبرم، وامنع أن يخلو رجل بامرأة ليست بذات محرم، واستوضح أحوال المطاعم والمشارب، وقوّم كلّ من يخرج في شيء منها عن السّنن الواجب، وعيّر المكاييل والموازين فهي آلات معاملات الناس، واجتهد في سلامتك من الآثام بسلامتها من الإلباس والأدناس، وحذّر أن تحمّل دابة ما لا تطيق حمله، وأدّب من يجري إلى ذلك يتوخّى فعله، وأوعز بتنظيف الجوامع والمساجد لتنير بالنّظافة مسالكها، كما تنير بالإضاءة حوالكها؛ ففي ذلك إظهار لبهجتها وجمالها، وإيثار لصيانتها عن إخلاق نضرتها وابتذالها؛ ولا تمكّن أحدا أن يحضرها إلا لصلاة أو ذكر، قاطعا للسان الخصام وموقظا لعين الفكر؛ فأما من يجعلها سوقا للتّجارة، فقد حصل بهذه الجسارة على الخسارة،
стр. 5056
فهي ميادين الضّمّر، وموازين الرّجح في الظاهر من أعمالهم والمضمر، وما أحقّ لياليها أن تقوم بها الهجّد «١» لا السّمّر، وهل أذن الله أن ترفع لغير اسمه أو تعمّر؛ واحظر أن يحضر الطّرقات ما يمنع السلوك أو يوعره، وافعل في هذا الأمر ما يردع العابث ويزجره، وخذ النصارى واليهود والمخالفين بلبس الغيار «٢» وشدّ الزّنّار، ففي ذلك إظهار لما في الإسلام من العزّة وفي المخالفة من الصّغار، وإبانة بالشدّ للتأهّب للمسير إلى النار، وتفريق بين المؤمنين والكفّار، وأدّب من يكيل مطفّفا، أو يزن متحيّفا، أدبا يكون لمعاملته مزيّفا «٣» ، وله من معاودة على فعله زاجرا ومخوّفا؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.
ومن المكتتب عن الوزير لأرباب الوظائف الديوانية سجلّ بمشارفة الجوالي بالصعيد الأدنى والأشمونين «٤» ، وهي:
من حسنت آثاره فيما يتولّاه، واستعمل من الاجتهاد ما يدلّ على معرفته بقدر ما تولّاه، كان اعتماده بما يؤكّد سببه وينجح قصده ويبسط يده، ويرهف حدّه فيما يضمن مصالح خدمته، وينظم أمرها في سلك إيثاره وبغيته.
ولما كنت [أيها الأمير] «٥» لمّا ندبت إلى مشارفة الجوالي بالصعيد الأدنى والأشمونين قد أبنت عن الخبرة والدّراية، والأمانة والكفاية، والانتصاب
стр. 5057
للاستخراج والجباية، والاجتهاد في الوفاء بما كتبت به خطّك، والحرص على ما يجزل نصيبك من جميل الرأي وقسطك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بكتب هذا المنشور مضمّنا شكرك وإحمادك؛ ومودعا ما يبلّغك في الخدمة بغيتك ومرادك، وتجديد نظرك وتقوية يدك، وإعزاز جانبك، وتوخّيك بما يشرح صدرك، ويشدّ أزرك، ويرفع موضعك ويزيح عللك، ويقيم هيبتك ويفسح مجالك، ويبلّغك آمالك؛ فاجر على رسمك في هذه المشارفة واستمرّ على عادة دؤ وبك، واجعل التقرّب بالنصيحة غاية مطلوبك، وواصل الانتصاب لاستخراج مال هذه الجوالي واستنضاضه «١» واستيفائه واستنظافه، وتماد في ذلك على سنّتك الحميدة، وطريقتك السّديدة، وثق بأن ذلك يسفر لك عن بلوغ أراجيك، ويضاعف سهمك من حسن الرأي فيك؛ فليعتمد الأميران معاضدة المذكور ومؤازرته، وإعانته ومظافرته، وإجابة ندائه، وتلبية دعائه، والشدّ منه في استخراج البواقي مع المال الحاضر:
ليجد السبيل إلى الوفاء بما شرطه على نفسه، وكتب خطّه به؛ والمبالغة في ذلك مبالغة يعود نفعها على الديوان، ويشهد لهما ببذل الطاقة والإمكان؛ فليعلم ذلك وليعمل به، إن شاء الله .
ومن ذلك سجل باستيفاء الأعمال القبلية، وهو:
من كرم أصله ومحتده، وحسن في الولاء ظاهره ومعتقده، ولقّن المخالصة عن الماضين من أسلافه، ولزم في المناصحة منهجا لم يعدل عنه إلى خلافه، وتنقّل في جلائل الخدم بكثرة الثناء عليه والتعديد لأوصافه، وكان في كلّ ما يباشره على قضية تشهد بفضله، وتدلّ من محاسن الخلال على ما لا يجتمع إلا في مثله؛ على أنه قليل النظراء والأكفاء، كلف بالاقتداء بمكارم الأفعال والاتباع لها والاقتفاء- استوجب أن يرفع مكانه ومحلّه، واستحق أن يحمّل من أعباء المهمّات
стр. 5058
ما لا ينهض به [إلا] «١» مثله، وصلح أن يجعل لما يراعي أمره سهما من نظره فيه، وأن يبرز من توليته إيّاه في ملبس جمال يسبغه حسن التدبير عليه ويضفيه.
ولما كنت أيها الشريف، تاج الخلافة، عضد الملك، صنيعة أمير المؤمنين، من جلّة آل أبي طالب، والموفوري الحظّ من المآثر والمناقب، ولك مع نسبك الشريف ميزة بيتك في الدولة العلوية- خلد الله ملكها- وتقدّمه، واستقرارك بنجوة «٢» من السناء لا يضايقه أحد من طبقتك فيها ولا يزحمه؛ وقد توليت أمورا جليلة فكنت عليها القويّ الأمين، وأهّلت لمنازل سنيّة فأوضحت لك الأثر الحسن وأظهرت منك الجوهر الثمين؛ ولم تنتقل قطّ من شيء تتولّاه، إلى غيره مما تستحفظه وتستكفاه، إلا كان الأوّل عليك يتلهّف، والثاني إليك يتطلّع ونحوك يتشوّف؛ وما برحت ملتمسا من الرتب الخطيرة مخطوبا: لأن الأسباب التي غدت في غيرك متشتّتة متفرّقة، قد ألفيت عندك مجتمعة متألّفة متّسقة؛ فلك النزاهة السابقة بك كلّ من يجاريك، والوجاهة الرافعة قدرك على من يناويك؛ والأمانة التي يشهد لك بها من لا يحابيك، والديانة التي حزتها عن الشريف عضد الدولة أبيك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بالتعويل عليك في تولّي ديوان الاستيفاء «٣» على الأعمال القبلية وما جمع إليه، الذي هو من أجلّ الدّواوين قدرا، وأنبهها ذكرا، وأرفعها شانا، وأشمخها مكانا؛ وخرج أمره بكتب هذا التقليد لك؛ فباشر ذلك متقيا لله تعالى فيه، جاريا على مراقبة عادتك التي تزلف فاعلها وتحظيه؛ فالله تعالى يقول إرشادا لعباده وتفهيما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً
«٤» .
стр. 5059
وتبتّل إلى عمارة الأعمال، وتزجية الارتفاع واستخراج الأموال، واعتمد مواصلة الجدّ والتشمير، واعكف على الاجتهاد الذي يشهد لك بقلّة الشبيه وعدم النظير، واستنظف البواقي من كل الجهات والأماكن، وكن على ضبط ما تستخرج وصونه أحفظ له من الخزائن، وانظر في أمر الكتّاب نظر من يكشف عن جميع أسبابهم، ويعلم أنه المخاطب على خطئهم وصوابهم، وخذهم بملازمة الاشغال، والمواظبة على التنفيذ وعلى استيفاء الأعمال، ولا تسوّغ لضامن ولا عامل أن يضجّع «١» في العمارة، ولا أن يماطل بها من ساعة إلى ساعة فإن فائت ذلك لا يلحق، وفارطه لا يدرك؛ وقد أزيحت علّتك ببسط يدك وإنفاذ قولك وإمضاء حكمك؛ فتماد على سنّتك واستمرّ على رسمك، واعلم هذا واعمل به، وطالع بما تحتاج إلى المطالعة بمثله، إن شاء الله تعالى.
سجل بمباشرة الأغنام والمطابخ.
لما كانت الأمانة كافلة بالتنويه لأربابها، والكفاية سافرة في التمييز لمن يتعلق بأسبابها، والخبرة خلّة لا يليق التصرّف ولا يحسن إلا بها؛ وكنت أيها القاضي مشهور النّفاذ والمعرفة، خليقا إذا ذكر المرشّحون للمهمات بأجمل صفة؛ وقد علمت نباهتك، واستقرّت نزاهتك، وحسن فيما تتولاه أثرك، وطاب فيما تباشره خبرك. وحين عدقت بك الخدم فيما يستدعى ويبتاع من الأغنام برسم المطابخ السعيدة وما ينفق ويطلق منها، متصرّفا في ذلك بين يدي المخلص السديد صفيّ الملك مأمون الدولة أبي الحسن: فرج الحافظي أدام الله تأييده، فشكر سعيك، وأحمد قصدك، ورضي اجتهادك، واستوفق اعتمادك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا فلان بكتب هذا المنشور لك، مضمّنا ما يقضي بشدّ أزرك، وشرح صدرك، وتقوية منّتك، وإرهاف عزمك في خدمتك، واعتمادك بما يؤدّي إلى
стр. 5060
استقامة الأمر فيما عدق بك، ومساعدتك ومعاضدتك ومعونتك في أسبابك، وتبليغك أقصى طلابك؛ والأميران يعتمدان رعايتك، والشدّ منك وإعانتك، والمحافظة على مصالح أمرك والتلبية لدعوتك، وتوفير حظك من الملاحظة لشؤونك. فلتعلم هذا ولتعمل به، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك نسخة منشور بمشارفة المواريث الحشرية «١» ، والفروض الحكمية «٢» ، وهي:
منشور تقدّم بكتبه فتى مولانا وسيدنا السيد الأجل الأفضل لك أيها القاضي الرشيد، سديد الدولة، أبو الفتوح محمد بن القاضي السعيد عين الدولة أبي محمد عبد الله بن أبي عقيل- أدام الله عزك- لما اشتهرت كفايتك اشتهار الشمس، وأمنت أمانتك دخول الشبهة واللبس، وسلكت مذهب أسلافك في العفاف والنزاهة وظلف النفس، وظلّت آثارك فيما تتولاه شاهدة بديانتك، وأفعالك فيما تستكفاه معربة عن نباهتك، وسيرتك فيما تتكلّفه منتهية بك إلى أقصى أمد الاحتياط مفضية، وقد أضحى سبيل تقديمك معبّدا مذلّلا، وغدوت لما يناسب كريم بيتك مرشّحا مؤهّلا؛ وإنما إبقاؤك على ما بيدك لتكمّل إصلاحه وتهذيبه، وتتمّم تثقيفه وترتيبه؛ ولذلك كتب هذا المنشور مقصورا على إقرارك على ما أنت متولّيه من الخدمة في مشارفة المواريث الحشرية، وتقرير الفروض الحكمية؛ فاجر على رسمك وعادتك، واستمرّ على منهجك في بذل استطاعتك، والزم
стр. 5061
المعهود منك فإنه مغن عن الاستزادة، وتماد على ما أتيت فيه على البغية والإرادة، واكتف بما تضمّنته التذكرة الديوانية المعمولة لهذه الخدمة، وحافظ من الاجتهاد على ما يجدّد لك كلّ وقت ملبس نعمة؛ فاعلم هذا واعمل به، ولينسخ هذا المنشور بحيث ينسخ مثله، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك نسخة منشور بعمالة، وهي:
عند ما وصفت به من اجتهاد ومناصحة، وأمانة ليس فيها مساهلة ولا مسامحة، ومخالصة استمررت فيها القضية المستقيمة الواضحة، وكفاية تمسّكت منها بالسبب الوثيق وحصلت على الصّفقة الرابحة، ومعاملة تحرّيت فيها نهج من حبّب إليه الأعمال الصالحة، وكفاية إذا باشرت الدّهمة الكالحة أبدلتها بالغرّة الواضحة، وسمعة ما برحت الألسن لذخائر ثنائها مبيحة ولسرائر أسبابها بائحة؛ وإنك إذا أهّلت لخدمة جعلتها لشكرك لسانا، ولكتاب كفايتك عنوانا؛ ومن كان بها ملما «١» إذا رأتك دواءه كان مستعارا بك أحيانا؛ فاعتمد في هذه الخدمة ما يحقّق بك ظنّا، ويقيم لك وزنا، ويشدّ بك ركنا، ويضاعف لديك منّا، وينيلك من الإحسان ما تتمنّى، ويسني لك من الزيادة والحسنى، ويتوكّل في اقتضاء الحظّ الجزيل الأسنى، واسترفع (؟) الحسبانات التي ما يلزم رفعها، ويحفظ به شرط الكفاية ووضعها، واكشف ولا تبق ممكنا حتى تكشفه ثم استنطقه، وحاصل به أصله ثم تجمله، وحاقق الجهابذ على ما خرجت به البراآت، ورفعت به الختمات، ولا تخل وصولا، من أن تكون بخطّك موصولا، واستخرج حقوق الديوان على ما مضت به مواضي سننه، وخذ من كل شيء في خدمتك بأحسنه، وأنزل نفسك من شؤون السنة بأمنع ظل وأحصنه، واحمل التّجّار والسّفّار على عوائد العدل وشرائطه، وقضايا الصون وحوائطه، وشواهد الدّيوان وضرائبه، ولا
стр. 5062
تتعدّ فيهم مألوف مطالبه، وانظر في الأملاك السلطانية نظرا يصلح معتلّها، ويصحّح مختلّها، ويوفّر أجرها، ويزجي غيرها؛ وكذلك الأحباس والأحكار والمواريث: فحافظ على حفظ استغلالها، وكفّ كفّ من يرى باستباحة أمر الحرمة واستحلالها؛ وقد وردت لك من الديوان تذكرة فاهتد بمنظومها، واقتد بمرسومها؛ ولك من الآراء ما يشحذ عزمك، وينفّذ حكمك، ويسني موردك، ويعلي يدك، ويمثّل الرعاية فيك، ويقيم على أن تكفي الديوان بما يكفيك؛ والسلام.
تم الجزء العاشر. يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر وأوّله الفصل الثالث «١» (من الباب الرابع من المقالة الخامسة) والحمد لله ربّ العالمين. وصلاته على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه والتابعين، وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل
стр. 5063
المصادر والمراجع المستعملة في حواشي الجزء العاشر من كتاب «صبح الأعشى»
١ ١- الأعلام (معجم تراجم) تأليف خير الدين الزركلي دار العلم للملايين- بيروت ٢- الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار تأليف حسن الباشا القاهرة ١٩٥٧ ٣- الانتصار لواسطة عقد الأمصار تأليف ابن دقماق دار الآفاق الجديدة- بيروت ٤- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب تأليف محمود شكري الآلوسي دار الكتب العلمية- بيروت ٥- البيان والتبيين تأليف الجاحظ تحقيق عبد السلام هارون القاهرة ١٩٦١ ٦- تاريخ الإسلام تأليف حسن إبراهيم حسن مكتبة النهضة المصرية- القاهرة ٧- تاريخ الإسلام في الهند تأليف عبد المنعم النمر مكتبة دار العروبة- القاهرة ٨- تاريخ الطبري ٢ تأليف ابن جرير الطبري تحقيق أبي الفضل ابراهيم دار المعارف- القاهرة ٩- تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور تأليف القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر تحقيق مراد كامل ومحمد علي النجار وزارة الثقافة والإرشاد القومي بالجمهورية العربية المتحدة ١٠- تفسير الطبري تأليف ابن جرير الطبري تحقيق محمود وأحمد شاكر دار المعارف- القاهرة ١١- تهذيب الأسماء واللغات تأليف محيي الدين بن شرف النووي دار الكتب المعلمية- بيروت ١٢- جمهرة الامثال تأليف أبي هلال العسكري تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش المؤسسة العربية الحديثة- القاهرة ١٣- جمهرة رسائل العرب تأليف أحمد زكي صفوت المكتبة العليمة- بيروت
стр. 5064
١ ١٤- الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين تأليف ابن دقماق تحقيق محمد كمال الدين عز الدين علي عالم الكتب- بيروت ١٥- الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة تأليف علي باشا مبارك الهيئة المصرية العامة- القاهرة ١٦- الخطط المقريزية تأليف أحمد بن علي المقريزي دار صادر- بيروت ١٧- دائرة المعارف الإسلامية تأليف مجموعة من المستشرقين الطبعة العربية دار الشعب- القاهرة ١٨- سيرة ابن هشام تحيق أحمد محمد عبد الحميد القاهرة ١٩- شرح ديوان الحماسة تأليف الخطيب التبريزي عالم الكتب- بيروت ٢٠- طبقات سلاطين الإسلام تأليف استانلي لين بول ترجمه للفارسية عباس إقبال ترجمه عن الفارسية مكي طاهر الكعبي منشورات البصري- بغداد ٢١- العقد الفريد تأليف ابن عبد ربّه تحقيق عبد المجيد ترحيني دار الكتب العلمية- بيروت ٢٢- عيون الأخبار تأليف ابن قتبية الدينوري تحقيق يوسف الطويل ومفيد قميحة ٢ دار الكتب العلمية- بيروت ٢٣- فوات الوفيات تأليف محمد بن شاكر الكتبي تحقيق احسان عباس دار صادر- بيروت ٢٤- القاموس المحيط تأليف فيروز ابادي المؤسسة العربية للطباعة والنشر- بيروت ٢٥- قوانين الدواوين تأليف ابن مماتي جمعه وحققه عزيز سوريال عطية مطبعة مصر- القاهرة ٢٦- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون تأليف حاجى خليفة دار الفكر- بيروت ٢٧- الكليات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية) تأليف أبي البقاء الكفوي تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري وزارة الثقافة- دمشق ٢٨- لسان العرب تأليف ابن منظور دار صادر- بيروت ٢٩- مجموعد الوثائق السياسة للعهد النبوي والخلافة الراشدة جمع وتحقيق محمد حميد الله دار النفائس- بيروت ٣٠- مآثر الإنافة في معالم الخلاقة تأليف القلقشندي تحقيق عبد الستار أحمد فراج عالم الكتب- بيروت ٣١- مقدمة ابن خلدون
стр. 5065
١ تأليف عبد الرحمن بن خلدون مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني- بيروت ٣٢- معجم الألفاظ والأعلام القرآنية تأليف محمد إسماعيل ابراهيم دار الفكر العربي- القاهرة ٣٣- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية- القاهرة ٣٤- معجم المؤلفين تأليف عمر رضا كحالة مكتبة المثنى ودار إحياء التراث العربي ٣٥- معجم البلدان تأليف ياقوت الحموي دار الكتاب العربي- بيروت ٣٦- معجم ما استعجم تأليف عبد الله بن عبد العزيز البكري تحقيق مصطفى السقّا عالم الكتب- بيروت ٣٧- مجمع الأمثال تأليف الميداني تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد مطبعة السنة المحمدية ٣٨- مفتاح الأفكار تأليف الشيخ أحمد مفتاح القاهرة ٣٩- الموسوعة العربية الميسرة بإشراف محمد غربال ٢ دار الشعب ومؤسسة فرنكلين- القاهرة ٤٠- نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان تأليف الخطيب الصيرفي تحقيق حسن حبشي مطبعة دار الكتب- القاهرة ٤١- نثر الدرّ تأليف منصور بن الحسين الآبي دار الشعب ومؤسسة فرنكلين- القاهرة ٤٢- نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب تحقيق وشرح محمد أبي الفضل إبراهيم منشورات عيسى البابي الحلبي ٤٣- وفيات الأعيان تأليف ابن خلكان تحقيق احسان عباس دار الثقافة- بيروت ٤٤- الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي تأليف محمد حمدي المناوي دار المعارف- القاهرة ٤٥- صبح الأعشى في صناعة الانشا تأليف القلقشندي الطبعة الأميرية- القاهرة ٤٦- التعريف بمصطلحات صبح الأعشى تأليف محمد قنديل البقلي الهيئة المصرية العامة- القاهرة ٤٧- القرآن الكريم.
стр. 5066
فهرس الجزء العاشر من صبح الأعشى
الموضوع الصفحة الوجه الخامس- فيما يكتب في ألقاب الملوك عن الخلفاء، وهو نمطان ٣ النمط الأول- ما كان يكتب في قديم الزمن ٣ النمط الثاني- ما يكتب به لملوك الزمان ٤ الوجه السادس- فيما يكتب في متن العهود، وفيه ثلاثة مذاهب ٦ المذهب الأول- وعليه عامّة الكتاب من المتقدمين وأكثر المتأخرين، وفيه طريقتان ٦ الطريقة الأولى- طريقة المتقدّمين ٧ الطريقة الثانية- طريقة محقّقي المتأخرين ممن جرى على هذا المذهب ٤٤ المذهب الثاني- أن يفتتح العهد بلفظ «من فلان» باسم الخليفة وكنيته ولقب الخلافة، «إلى فلان» باسم السلطان وكنيته ولقب السلطنة كما في المكاتبات، ثم يأتي بعد ذلك بلفظ «أما بعد» ٧٥ المذهب الثالث- أن يفتتح العهد بخطبة ١٠٠ المذهب الرابع- أن يفتتح العهد بقوله: «أما بعد فالحمد لله» أو «أما بعد فإن أمير المؤمنين» أو «أما بعد فإن كذا» ونحو ذلك ١٤٠ المذهب الخامس- أن يفتتح العهد ب «إن أولى ما كان كذا» ونحوه ١٥٠ الوجه السابع- فيما يكتب في مستند عهد السلطان عن الخليفة.. الخ ١٥٨ الوجه الثامن- في قطع الورق الذي تكتب فيه عهود الملوك عن الخلفاء، والقلم الذي يكتب به.. الخ ١٥٩
стр. 5067
الموضوع الصفحة النوع الثالث- من العهود عهود الملوك لولاة العهد بالملك، ويتعلق النظر به من سبعة أوجه ١٦٢ الوجه الأول- في بيان صحّة ذلك ١٦٣ الوجه الثاني- فيما يكتب في الطرّة ١٦٣ الوجه الثالث- في الألقاب التي تكتب في أثناء العهد ١٦٤ الوجه الرابع- ما يكتب في المستند ١٦٤ الوجه الخامس- ما يكتب في متن العهد ١٦٥ الوجه السادس- فيما يكتب في مستند عهد وليّ العهد بالسلطنة، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة، وما يكتب في ذيل العهد ١٨٢ الوجه السابع- في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به.. الخ ١٨٢ النوع الرابع- من العهود عهود الملوك بالسلطنة للملوك المنفردين بصغار البلدان، ويتعلق النظر به من أربعة أوجه ١٨٤ الوجه الأوّل- في بيان أصل ذلك وأوّل حدوثه في هذه المملكة إلى حين زواله عنها ١٨٤ الوجه الثاني- في بيان ما يكتب في العهد، وهو على ضربين ١٨٧ الضرب الأوّل- ما يكتب في الطرّة، وهو تلخيص ما يشتمل عليه العهد [ولم يذكر الضرب الثاني] ١٨٧ الوجه الثالث- فيما يكتب في المستند عن السلطان في هذا العهد، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة ١٩١ الوجه الرابع- في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به.. الخ ١٩٢ الباب الرابع، من المقالة الخامسة- في الولايات الصادرة عن الخلفاء لأرباب المناصب من أصحاب السيوف والأقلام، وفيه ثلاثة فصول ١٩٥ الفصل الأول- فيما كان يكتب من ذلك عن الخلفاء، وفيه خمسة أطراف ١٩٥ الطرف الأوّل- فيما كان يكتب عن الخلفاء الراشدين من الصحابة رضوان الله عليهم ١٩٥
стр. 5068
الموضوع الصفحة الطرف الثاني- فيما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة ١٩٨ الطرف الثالث- فيما كان يكتب عن خلفاء بني العباس ببغداد إلى حين انقراض الخلافة العباسية من بغداد، وهو على أربعة أنواع ٢٤١ النوع الأوّل- ما كان يكتب لوزراء الخلافة ٢٤١ النوع الثاني- مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف من أصحاب السيوف، وهو على ضربين ٢٥١ الضرب الأوّل- العهود، وهي أعلاها رتبة ٢٥١ الضرب الثاني- مما يكتب من ديوان الخلافة لأرباب السيوف التقاليد، وهي لمن دون أرباب العهود في الرتبة ٢٧٢ النوع الثالث- مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف ببغداد من أصحاب الأقلام، وهي على ضربين ٢٧٣ الضرب الأوّل- العهود ٢٧٣ الضرب الثاني- مما كان يكتب بديوان الخلافة ببغداد لأرباب الوظائف من أصحاب الأقلام التواقيع ٣٠١ النوع الرابع- مما كان يكتب من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لزعماء أهل الذمّة ٣٠٣ الطرف الرابع- فيما كان يكتب عن مدّعي الخلافة ببلاد المغرب والأندلس، وله حالتان ٣٠٩ الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه في الزمن القديم [ولم يذكر الحالة الثانية] ٣٠٩ الطرف الخامس- فيما كان عليه الأمر في الدولة الفاطمية بالديار المصرية، وكانت كتابة ما يكتب لديهم لأرباب الولايات على نوعين ٣١٧ النوع الأول- ما كان يكتب به عن الخليفة نفسه، ولهم فيها أربعة مذاهب ٣١٨ المذهب الأوّل- أن يفتتح ما يكتب في الولاية بالتصدير، وهو على ثلاث مراتب ٣١٨ المرتبة الأولى- أن يقال بعد التصدير المقدّم «أما بعد فالحمد لله» ، وهي على
стр. 5069
لموضوع الصفحة ضربين ٣١٨ الضرب الأوّل- سجلّات أرباب السيوف [ولم يترجم للضرب الثاني، وهو:
سجلّات أرباب الأقلام] ٣١٩ المرتبة الثانية- من المذهب الأوّل من سجلّات ولايات الفاطميين أن يفتتح السجلّ بالتصدير، فيقال «من عبد الله ووليه» ... الخ ٣٤٦ المرتبة الثالثة- من المذهب الأوّل من سجلّات ولايات الفاطميين أن تفتتح بالتصدير أيضا، وهو «من عبد الله ووليّه» إلى آخر التصلية على النبي ﷺ وأمير المؤمنين عليّ ﵁ ... الخ ٣٦٨ المذهب الثاني- أن يفتتح ما يكتب في الولاية بلفظ «هذا ما عهد عبد الله ووليّه فلان أبو فلان.. الخ» ٣٩٢ المذهب الثالث- أن يفتتح ما يكتب في الولايات بخطبة مبتدأة بالحمد لله كما يكتب في أعلى الولايات في زماننا، ويقال «يحمده أمير المؤمنين على كذا وكذا.. الخ» ٣٩٧ المذهب الرابع- مما كان يكتب لأرباب الولايات بالدولة الفاطمية مرتبة الأصاغر من أرباب السيوف والأقلام ٤٤٧ النوع الثاني- مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير ٤٥٣ تم بإذن الله فهرس الجزء العاشر من صبح الأعشى
стр. 5070
[الجزء الحاديعشر]
[تتمة الباب الرابع من المقالة الخامسة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه
الفصل الثاني من الباب الرابع من المقالة الخامسة (فيما يكتب من الولايات عن الملوك، وفيه [ثلاثة] «١» أطراف)
الطّرف الأوّل (في مصطلح كتّاب الشرق)
قد تقدّم في الكلام على ما كان يكتب عن الخلفاء أنّ الولايات في الخلافة العبّاسيّة ببغداد كانت تصدر عن الخلفاء دون الملوك المساهمين لهم في الأمر، لا يشاركونهم في شيء من الولايات أصلا. وقد تقدّم ذكر ما كان يكتب عن خلفائهم من الولايات هناك.
والمقصود هنا ما كان يكتب عن ملوك بني جنكزخان من البيت الهولاكوهي فمن بعدهم. ولم أقف على شيء من مصطلحهم في ذلك فأورده هنا.
الطّرف الثاني (في مصطلح كتّاب الغرب والأندلس فيما يكتب من الولايات عن الملوك)
واعلم أنهم يعبّرون عما يكتب في جميع ولاياتهم بالظّهائر: جمع
стр. 5071
ظهير «١» ، يفتتحونه بلفظ «هذا ظهير» كما تقدّم بيانه في الكلام على ما كان يكتب عن خلفاء المغرب.
ثم هي على ثلاثة أضرب:
الضرب الأوّل (ما يكتب لأرباب الوظائف من أصحاب السّيوف)
وهذه نسخة ظهير بنيابة السلطنة بالحضرة من إنشاء أبي عبد الله بن الخطيب «٢» ، وهي:
هذا ظهير كريم، منزلته في الظهائر منزلة المعتمد به من الظّهراء، ومحلّه من الصّكوك، الصادرة عن أعاظم الملوك، محلّ أولي الرايات، الخافقة العذبات، والآراء، فتح على الإسلام، من بعد الإبهام، أبواب السّرّاء، وراق طرازا مذهبا على عاتق الدّولة الغرّاء، وأعمل عوامل الجهاد في طاعة ربّ العباد، شارعة لأهل الكفر والعناد، من باب الإعمال والإغراء- أمر به فلان لصدر صدور أودّائه «٣» ، وحسامه المشهور على أعدائه، ووليّه الذي خبر صدق وفائه، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّرا في وجوه أكفائه، شيخ شيوخ المجاهدين، وقائد كتائبه المنصورة لغزو الكافرين والمعتدين، وعدّته التي يدافع بها عن الدّين، وسائق ورده المبرّز في الميادين، الشيخ الأجلّ الأعزّ الأسنى، الأمجد، الأسعد، الأصعد، الأعنى، الأحمى، الأحبّ، الأوصل،
стр. 5072
الأفضل، المجاهد، الأقضى، الأرضى، الأمضى، الشهيد المقدّس، المرحوم أبي عبد الله بدر الدين ابن شيخ الشّيوخ وعلم الأعلام، المدافع عن حوزة الإسلام، البعيد الغارة في تخوم عبدة الأصنام، الشيخ الكبير، الجليل الخطير، الرفيع، الصّدر، المعظّم، الموقّر، صاحب الجهاد الأرضى، والعزم الأمضى، المقدّس، المرحوم أبي عمران (موسى) بن أبي زيد رحوبن محيو بن عبد الحق بن محيو، وصل الله سعده، وحرس مجده، وبلّغه من مظاهرة دولته وموازرة خلافته قصده. رفع قبّة العناية والاختيار على عماد، وأشاد بدعوة التعظيم [مسمعا] «١» كلّ حيّ وجماد، وقابل السعي الكريم بإحماد، وأورد من البرّ غير ثماد «٢» ، واستظهر بالوفاء الذي لم تستتر ناره برماد، ولا قصّرت جياده عن بلوغ آماد، وقلّد سيف الجهاد عاتق الحسب اللّباب «٣» ، وأعلق يدي الاستظهار بأوثق الأسباب، واستغلظ على الأعداء بأحبّ الأحباب. لمّا قامت له البراهين الصادقة على كرم شيمه، ورسوخ قدمه، وجنى منه عند الشّدّة والتمحيص ثمرة ما أولاه من نعمه، قابل بالرّعي كرائم ذممه، وعظائم خدمه، وشدّ اليد على عهده الذي عرفه حين انتكثت العقد وأخلق المعتقد، واستأسد النّقد «٤» ، وتنكّر الصديق، وفرق الفريق، وسدّت على النّظرة الطّريق، وتميز المغرق والغريق، فأثقل له ميزان المكافات، وسجّل له رسم المصافات، وجعله يمين الملك الذي به يناضل، ويقاطع ويواصل، وسيف الجهاد، الذي يحمي بمضائه حوزة البلاد، ومرآة النّصح التي تتجلّى بها وجوه الرّشاد، فقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه، وأسعده فيما يمّمه، ونشر بالنصر علمه- شيخ الغزاة بحضرته العليّة، وسائر بلاده النصرية: ترجع القبائل والأشياخ إلى نظره
стр. 5073
في السّكنات، وتستدرّ على يده من مقامه الكريم غيوم البركات، وتقرّر وسائلها بوساطة حظوته، وتقصّر خطاها اعترافا بحقّه الواجب عن خطوته؛ فعليه تدور أفلاك جماعاتهم كلّما اجتمعوا وأتلفوا، وبحجة فضله يزول إشكالهم مهما اختلفوا، وبلسانه المبين يقرّر لهم ما أسلفوا، وفي كنف رعيه ينشأ من أعقبوا من النّشأة وخلّفوا، وبإقدامه تنهض أقدامهم مهما توقّفوا، فهو يعسوب «١» كتائبهم الملتفّة، وفرزان «٢» قطعهم المصطفّة، وشهم «٣» جوارحهم الفارهة، وعين عيونهم النّابهة، وتأويل أمورهم المتشابهة، عن نظره يردون ويصدرون، وبإشارته يريشون «٤» ويبرون وآثاره يقتفون، وبتلعة «٥» دوّاره المرينيّ «٦» في خدمة مقامه النصريّ يقفون، فهو الذي لا تأنف أشراف القبائل من اقتفاء آثاره، ولا تجهل رفعة مقداره، فلبيته المزيّة بالحق، المستوجبة للفخر بسابقة السعادة لعبد الحقّ «٧» ، ولذاته قصب السبق، ولوفائه الشّهرة في الغرب والشّرق. فليتولّ ذلك- تولّاه الله- منشرحا بالعز صدره، مستمدّا «٨» من شمس سعادته بدره، معروفا حقّه معظّما قدره؛ فهي خطّة قومه، وفريسة حومه، وطيّة أمسه ويومه، وكفء خطبته، ومرمى رتبته، وحلي جيده، ومظهر توفيقه وتسديده- مطلقا من عنان الثناء، على أهل الغناء، معاملا بصادق الإطراء، لذوي الآراء، متغمّدا بالإغضاء، هفوات أهل المضاء، معرّفا بالقبائل، والعشائر والفصائل، كلّما
стр. 5074
وفدوا من الآفاق للاستلحاق، منبّها على مظانّ الاستحقاق، مطبّقا للطباق، مميّزا لجيادها يوم السّباق، حريصا على إنماء الأعداد، مطبّقا مفاصل الشّراد، محتاطا على الأموال التي تمتري «١» بها أكفّ الجباية ضروع العباد، واضعا مال الله حيث وضعه الحق من الورع والاستداد، [لا] «٢» سيّما في هذه البلاد، حتّى تعظم المزايا والمزاين، وتتوفّر الكتائب والخزائن، ويبتهج السامع ويسرّ المعاين، ويظهر الفضل على من تقدّم، وأنّ الظّهراءكم غادرت من متردّم «٣» ، ويتحسّر من قصّر ويتندم، وعند الله يجد كلّ ما قدّم. فهي قلادة الله التي يضيع من أضاعها «٤» ، ويرضى عمن أعمل فيها أوامره وأطاعها. وهو- وصل الله سعادته! وحرس مجادته «٥» - أولى من لاحظ ضرائرها، واستطلع من ثنايا التوكل على الله بشائرها: نسبا وحسبا، وجدّا وأبا؛ وحدّا وشبا، ونجدة وضحت مذهبا.
وعلى الغزاة «٦» - وفّر الله جموعهم! وأنجد تابعهم ومتبوعهم! - أن يعرفوا قدر هذا التعظيم الذي خفقت أعلامه، ووضحت أحكامه، والاختصاص الذي لطف محلّه، والاعتناء الكريم الذي ضفا ظلّه، فيكونوا من إيجاب حقّه حيث حدّ ورسم، وميّز ووسم؛ لا يتخلّف أحد منهم [في خدمته] «٧» أيده الله عن إشارته الموفّقة، ولا يشذّ عن رياسته المطلقة، بحول الله تعالى وقوّته.
وهذا نسخة ظهير بنيابة السلطنة ببعض الأعمال، وهي:
هذا ظهير كريم، مضمّنه استجلاء لأمور الرّعايا واستطلاع ورعاية كرمت
стр. 5075
منها أجناس وأنواع، وعدل بهر منه شعاع، ووصايا يجب لها إهطاع «١» ، أصدرناه للفقيه أبي فلان، لمّا تقرّر لدينا دينه وعدله وفضله رأينا أنّه أحقّ من نقلّده المهمّ الأكيد، ونرمي [به] من أغراض البرّ الغرض البعيد، ونستكشف به أحوال الرّعايا حتّى لا يغيب عنا شيء من أحوالها، ولا يتطرّق إليها طارق من إهمالها، وينهي إلينا الحوادث التي تنشأ فيها إنهاء يتكفل بحياطة أبشارها وأموالها. وأمرناه أن يتوجه إلى جهة كذا- حاطها الله- فيجمع الناس في مساجدهم، ويندبهم من مشاهدهم، ويبدأ بتقرير غرضنا في صلاح أحوالهم، وإحساب «٢» آمالهم، ومكابدتنا المشقّة في مداراة عدوّهم الذي يعلم من أحوالهم ما غاب عنهم- دفعه الله بقدرته، ووقى نفوسهم وحريمهم من معرّته- وبما رأينا من انبتات الأسباب التي فيك تؤمّل، وعجز الحيل التي كانت تعمل، ويستدعي إنجادهم بالدعاء، وإخلاصهم فيه إلى ربّ السماء، ويسأل عن سيرة القوّاد، وولاة الأحكام بالبلاد: فمن نالته مظلمة فليرفعها إليه، ويقصّها عليه:
ليبلّغها إلينا، ويوفدها مقرّرة الموجبات علينا، ويختبر ما افترض صدقة للجبل، وما فضل عن كريم ذلك العمل: ليعيّن لبناء الحصن بجبل قارة «٣» يسّر الله لهم في إتمامه، وجعل صدقتهم تلك مسك ختامه، وغيره مما افترض إعانة للمسافرين، وإنجادا لجهاد الكافرين، فيعلم مقداره، ويتولّى اختباره، حتّى لا يجعل منه شيء على ضعيف، ولا يعدل به لمشروف عن شريف، ولا تقع فيه مضايقة ذي الجاه، ولا مخادعة غير المراقب لله. ومتى تحقّق أن غنيّا قصّر به فيه
стр. 5076
عن حقه، أو ضعيفا كلّف منه فوق طوقه، فيجير الفقير من الغنيّ، ويجري من العدل على السّنن السويّ، ويعلم الناس أن هذه المعونة وإن كانت بالنسبة إلى محلّ ضرورتها يسيرة، وأن الله يضاعفها لهم أضعافا كثيرة، ليست مما يلزم، ولا من المعاون التي بتكريرها يجزم، وينظر في عهود المتوفين فيصرفها في مصارفها المتعيّنة، وطرقها الواضحة البيّنة، ويتفقّد المساجد تفقّدا يكسو عاريها، ويتمّم منها المآرب [تتميما] «١» يرضي باريها، ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم، فذلك أصل أديانهم، ويحذّرهم المغيب عن كلّ شيء من أعشارهم فالزكاة أخت الصلاة وهما من قواعد الإسلام، وقد اخترنا لهم بأقصى الجدّ والاعتزام، ورفعنا عنهم رسم التعريف نظرا إليهم بعين الاهتمام، وقدّمنا الثّقات لهذه الأحكام، وجعلنا الخرص «٢» شرعيّا في هذا العام، وفيما بعده إن شاء الله من الأعوام.
ومن أهمّ ما أسندناه إليه، وعوّلنا فيه عليه، البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء، والسائرين من السبيل على غير السّواء، ومن ينبز «٣» بفساد العقد، وتحريف القصد، والتلبّس بالصوفيّة وهو في الباطن من أهل الفساد، والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد، والمؤلّفين بين النساء والرجال، والمتتبّعين لمذاهب الضّلال؛ فمهما عثر على مطوّق بالتهمة، منبّز بشيء من ذلك من هذه الأمّة، فليشدّ وثاقه شدّا، وليسدّ عليه سبيل الخلاص سدّا، ويسترع في شأنه الموجبات، ويستوعب الشهادات، حتّى ننظر في حسم دائه، ونعالج المرض بدوائه؛ فليتولّ ما ذكرنا نائبا بأحسن المناب، ويقصد وجه الله راجيا منه جزيل الثواب، ويعمل عمل من لا يخاف في الله لومة لائم ليجد ذلك
стр. 5077
في مواقف الحساب.
وعلى من يقف عليه من القوّاد والأشياخ والحكّام أن يكونوا معه يدا واحدة على ما قرّرناه في هذه الفصول: من العمل المقبول والعدل المبذول؛ ومن قصّر عن غاية من غاياته، أو خالف مقتضى من مقتضياته، فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلومنّ إلا نفسه التي غرّته وإلى مصرع النكير جرّته، والله المستعان.
وهذه نسخة ظهير بالإمرة على الجهاد، وهي:
هذا ظهير كريم بلغ فيه الاختيار، الذي عضّده الاختبار «١» ، الى أقصى الغاية، وجمع له الوفاق، الذي خدمه البخت والاتفاق، والأهليّة التي شهدت بها الآفاق، بين نجح الرأي ونصر الراية، وأنتجت به مقدّمات الولاء نتيجة هذه الرتبة السامية العلاء والولاية، واستظهر من المعتمد به، على قصده الكريم في سبيل الله ومذهبه، بليث من ليوث أوليائه، شديد الوطأة على أعدائه والنّكاية، وفرع من فروع الملك الأصيل معروف الأبوّة والإباية، لتتضح حجة النصر العزيز والفتح المبين ذي القوّة المتين محكمة الآية، وتدل بداية هذه الدولة الرافعة لمعالم الدين، المؤيّدة في الأقوال والأفعال بمدد الرّوح الأمين، على شرف النّهاية.
أصدر حكمته وأبرز حكمه، وقرّر حدّه الماضي ورسمه، عبد الله، الغنيّ بالله [محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر] «٢» - عضّد الله كتائبه وشدّ عضده، ويسّر في الظهور على أعداء الله قصده- لوليّه المستولي على
стр. 5078
ميادين حظوته وإيثاره، الفائز بالقدح المعلّى «١» من إجلاله وإكباره، ظهير استنصاره، وسيف جهاده المعدّ لصدق ضريبته ويوم افتخاره، ويعسوب قبائل الغزاة بأصقاعه الجهاديّة وأقطاره، الأمير أبي عبد الرحمن، ابن الأمير أبي عليّ، ابن السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق- وصل الله له أسباب سعده، وأنجز للمسلمين بمظاهرته إيّاه على الكافرين سابق وعده، لمّا وفد على بابه الكريم مؤثرا على ما كان بسبيله عن جواره «٢» ، ملقيا بمحلّة الجهاد عصا تسياره، مفضّلا ما عند الله على رحب أوطانه وأقطاره، شيمة من أسرع إلى خير الآخرة ببداره، قبل اكتمال هلاله وإبداره، وعلى انبعاث أمله وترامي هممه واستقامة مداره- قابل، أيده الله، وفادته بالقبول الممدوح، والصّدر المشروح، والعناية العالية المظاهر والصّروح، وجعل له الشّرب المهنّى في مناهل الصنائع التي صنع الله لملكه والفتوح، ولم يدّخر عنه تقريبا يقف الأولياء دون مداه، وترفيعا تشهد به محافل الملك ومنتداه، إلى أن ظفرت بحقيقة الموالاة الكريمة يداه، ثم استظهر به على أعداء الله وعداه، فوفّى النّصح لله وأدّاه، وأضمره وأبداه، وتحلّى بالبسالة والجلالة والطّهارة، اللائقة بمنصب الإمارة في رواحه ومغداه، حتّى اتفقت الأهواء على فضله وعفافه، وكمال أوصافه وظهرت عليه مخايل أسلافه. ثم رأى الآن- سدّد الله رأيه، وشكر عن الإسلام والمسلمين سعيه- أن يوفد ركائب الاعتقاد الجميل على جنابه، ويفسّح ميدان الاستظهار بحسن منابه، ويصل أسبابه بأسبابه، ويضاعف بولائه الصادق اهتمامه، ويقيمه في قود عساكره لجهاد البرّ مقامه، فأضفى ملابس ودّه عليه وجعله فاتح أبواب الجنة بفضل الله بين يديه، وأجراه مجرى عضده الذي تصدق عنه الضريبة في المجال، وسيفه الذي يفرّج به مضايق الأهوال، ونصبه للقبائل الجهادية قبلة في مناصحة الله ومناصحة
стр. 5079
مشروعه، وراية سعيدة في مظاهرة متبوعه، وعقد له الولاية الجهاديّة التي لا تعدل بولاية، ولا توازن عناية المعتمد بها بعناية، يشهد بصراحة نسبها الدين، وتتحلّى بحلى غرّتها الميادين. فالجهاد في سبيل الله نحلة نبي الأمّة، ومن بعده من الأيمّة، لا سيّما في هذا القطر المتأكّد فيه ذلك لأولي الدّين والهمّة.
فليتولّ ذلك تولّي مثله وإن قلّ وجود مثله، جاريا على سنن مجده وفضله، سائرا من رضا الله على أوضح سبله، معتمدا عليه في الأمر كلّه.
وليعلم أن الذي يخلق ما يشاء ويختار قد هيّأ له من أمره رشدا، وسلك به طريقا سددا «١» ، واستعمله اليوم فيما يحظيه غدا، وجعل حظّه الذي عوّضه نورا وهدى، وأبعد له في الصالحات مدى- ولينظر فيما لديه من القبائل الموفورة، والجموع المؤيّدة المنصورة، نظرا يزيح العلل، ويبلّغ الأمل، ويرعى الهمل «٢» ، ويحسن القول وينجح العمل، منبّها على أهل الغناء والاستحقاق، مستدرّا للعوائد والأرزاق، معرّفا بالغرباء الواردين من الآفاق، مطبقا منهم للطباق، متغمّدا للهفوات بحسن الأخلاق، مستجيدا للأسلحة والكراع «٣» ، مبادرا هيعات «٤» الصّريخ بالإسراع، مسترعيا للمشورة التي يقع الحكم فيها عن حصول الإجماع، رفيقا بمن ضعف عن طول الباع، محتاطا على الإسلام في مواقف الدّفاع، مقدما عند اتّجاه الأطماع، صابرا في المضايق على القراع، متقدّما للأبطال بالاصطناع، مقابلا نصائح أولي الخبرة بحسن الاستماع، مستعملا في الحروب ما أجازه الشرع من وجوه الخداع حتّى يكون عمله وفق شهرته البعيدة المطار، وسيرته فيما أسند إليه مثلا في الأقطار، واستقامة التدبير على يديه ذريعة إلى إرغام أنوف الكفّار، بقوّة الله وحوله وعزّته وطوله.
стр. 5080
وعلى الغزاة بالحضرة العليّة، وسائر البلاد النّصرية، ومن بني مرين وسائر القبائل المجاهدين، أن يعرفوا قدره، ويمتثلوا في مرضاتنا أمره، ويكونوا معه روحا ويدا وجسدا، وساعدا وعضدا؛ فبذلك يشمله من الله ومن مقامنا الرضا والقبول، والعزّ الموصول، ويمضي في عدوّ الله النّصول، ويتأتّى على خير الدنيا والآخرة الحصول، إن شاء الله. ومن وقف عليه، فليعرف ما لديه، بحول الله تعالى.
وهذه نسخة ظهير بالتّقدمة على الطبقة الأولى من المجاهدين، لولد السلطان، وهي:
هذا ظهير كريم، فاتح بنشر الألوية والبنود، وقود العساكر والجنود، وأجال في ميدان الوجود، جياد البأس والجود، وأضفى ستر الحماية والوقاية بالتّهائم والنّجود «١» ، على الطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود- عقد للمعتمد به عقد التشريف والقدر المنيف زاكي الشّهود، وأوجب المنافسة بين مجالس السّروج ومضاجع المهود، وبشّر السيوف في الغمود، وأنشأ ريح النصر آمنة من الخمود، أمضى أحكامه، وأنهد العزّ أمامه، وفتّح عن زهر السّرور والحبور أكمامه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد فرج بن نصر- أيد الله أمره، وخلّد ذكره- لكبير ولده، وسابق أمده، وريحانة خلده، وياقوتة الملك على يده، الأمير الكبير، الطاهر الظاهر، الأعلى، واسطة السلك، وهلال سماء الملك، ومصباح الظّلم الحلك، ومظنّة العناية الإلهيّة من مدبّر الفلك ومجرى الفلك، عنوان سعده، وحسام نصره وعضده، وسميّ جدّه، وسلالة فضله ومجده، السعيد المظفّر، الهمام، الأعلى، الأمضى، العالم، العادل، العامل، الأرضى المجاهد، المؤمّل، المعظم، أبي الحجاج يوسف- ألبسه الله من رضاه عنه
следующие страницы →