← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

عن حقه، أو ضعيفا كلّف منه فوق طوقه، فيجير الفقير من الغنيّ، ويجري من العدل على السّنن السويّ، ويعلم الناس أن هذه المعونة وإن كانت بالنسبة إلى محلّ ضرورتها يسيرة، وأن الله يضاعفها لهم أضعافا كثيرة، ليست مما يلزم، ولا من المعاون التي بتكريرها يجزم، وينظر في عهود المتوفين فيصرفها في مصارفها المتعيّنة، وطرقها الواضحة البيّنة، ويتفقّد المساجد تفقّدا يكسو عاريها، ويتمّم منها المآرب [تتميما] «١» يرضي باريها، ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم، فذلك أصل أديانهم، ويحذّرهم المغيب عن كلّ شيء من أعشارهم فالزكاة أخت الصلاة وهما من قواعد الإسلام، وقد اخترنا لهم بأقصى الجدّ والاعتزام، ورفعنا عنهم رسم التعريف نظرا إليهم بعين الاهتمام، وقدّمنا الثّقات لهذه الأحكام، وجعلنا الخرص «٢» شرعيّا في هذا العام، وفيما بعده إن شاء الله من الأعوام. ومن أهمّ ما أسندناه إليه، وعوّلنا فيه عليه، البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء، والسائرين من السبيل على غير السّواء، ومن ينبز «٣» بفساد العقد، وتحريف القصد، والتلبّس بالصوفيّة وهو في الباطن من أهل الفساد، والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد، والمؤلّفين بين النساء والرجال، والمتتبّعين لمذاهب الضّلال؛ فمهما عثر على مطوّق بالتهمة، منبّز بشيء من ذلك من هذه الأمّة، فليشدّ وثاقه شدّا، وليسدّ عليه سبيل الخلاص سدّا، ويسترع في شأنه الموجبات، ويستوعب الشهادات، حتّى ننظر في حسم دائه، ونعالج المرض بدوائه؛ فليتولّ ما ذكرنا نائبا بأحسن المناب، ويقصد وجه الله راجيا منه جزيل الثواب، ويعمل عمل من لا يخاف في الله لومة لائم ليجد ذلك

стр. 5077

في مواقف الحساب. وعلى من يقف عليه من القوّاد والأشياخ والحكّام أن يكونوا معه يدا واحدة على ما قرّرناه في هذه الفصول: من العمل المقبول والعدل المبذول؛ ومن قصّر عن غاية من غاياته، أو خالف مقتضى من مقتضياته، فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلومنّ إلا نفسه التي غرّته وإلى مصرع النكير جرّته، والله المستعان. وهذه نسخة ظهير بالإمرة على الجهاد، وهي: هذا ظهير كريم بلغ فيه الاختيار، الذي عضّده الاختبار «١» ، الى أقصى الغاية، وجمع له الوفاق، الذي خدمه البخت والاتفاق، والأهليّة التي شهدت بها الآفاق، بين نجح الرأي ونصر الراية، وأنتجت به مقدّمات الولاء نتيجة هذه الرتبة السامية العلاء والولاية، واستظهر من المعتمد به، على قصده الكريم في سبيل الله ومذهبه، بليث من ليوث أوليائه، شديد الوطأة على أعدائه والنّكاية، وفرع من فروع الملك الأصيل معروف الأبوّة والإباية، لتتضح حجة النصر العزيز والفتح المبين ذي القوّة المتين محكمة الآية، وتدل بداية هذه الدولة الرافعة لمعالم الدين، المؤيّدة في الأقوال والأفعال بمدد الرّوح الأمين، على شرف النّهاية. أصدر حكمته وأبرز حكمه، وقرّر حدّه الماضي ورسمه، عبد الله، الغنيّ بالله [محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر] «٢» - عضّد الله كتائبه وشدّ عضده، ويسّر في الظهور على أعداء الله قصده- لوليّه المستولي على

стр. 5078

ميادين حظوته وإيثاره، الفائز بالقدح المعلّى «١» من إجلاله وإكباره، ظهير استنصاره، وسيف جهاده المعدّ لصدق ضريبته ويوم افتخاره، ويعسوب قبائل الغزاة بأصقاعه الجهاديّة وأقطاره، الأمير أبي عبد الرحمن، ابن الأمير أبي عليّ، ابن السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق- وصل الله له أسباب سعده، وأنجز للمسلمين بمظاهرته إيّاه على الكافرين سابق وعده، لمّا وفد على بابه الكريم مؤثرا على ما كان بسبيله عن جواره «٢» ، ملقيا بمحلّة الجهاد عصا تسياره، مفضّلا ما عند الله على رحب أوطانه وأقطاره، شيمة من أسرع إلى خير الآخرة ببداره، قبل اكتمال هلاله وإبداره، وعلى انبعاث أمله وترامي هممه واستقامة مداره- قابل، أيده الله، وفادته بالقبول الممدوح، والصّدر المشروح، والعناية العالية المظاهر والصّروح، وجعل له الشّرب المهنّى في مناهل الصنائع التي صنع الله لملكه والفتوح، ولم يدّخر عنه تقريبا يقف الأولياء دون مداه، وترفيعا تشهد به محافل الملك ومنتداه، إلى أن ظفرت بحقيقة الموالاة الكريمة يداه، ثم استظهر به على أعداء الله وعداه، فوفّى النّصح لله وأدّاه، وأضمره وأبداه، وتحلّى بالبسالة والجلالة والطّهارة، اللائقة بمنصب الإمارة في رواحه ومغداه، حتّى اتفقت الأهواء على فضله وعفافه، وكمال أوصافه وظهرت عليه مخايل أسلافه. ثم رأى الآن- سدّد الله رأيه، وشكر عن الإسلام والمسلمين سعيه- أن يوفد ركائب الاعتقاد الجميل على جنابه، ويفسّح ميدان الاستظهار بحسن منابه، ويصل أسبابه بأسبابه، ويضاعف بولائه الصادق اهتمامه، ويقيمه في قود عساكره لجهاد البرّ مقامه، فأضفى ملابس ودّه عليه وجعله فاتح أبواب الجنة بفضل الله بين يديه، وأجراه مجرى عضده الذي تصدق عنه الضريبة في المجال، وسيفه الذي يفرّج به مضايق الأهوال، ونصبه للقبائل الجهادية قبلة في مناصحة الله ومناصحة

стр. 5079

مشروعه، وراية سعيدة في مظاهرة متبوعه، وعقد له الولاية الجهاديّة التي لا تعدل بولاية، ولا توازن عناية المعتمد بها بعناية، يشهد بصراحة نسبها الدين، وتتحلّى بحلى غرّتها الميادين. فالجهاد في سبيل الله نحلة نبي الأمّة، ومن بعده من الأيمّة، لا سيّما في هذا القطر المتأكّد فيه ذلك لأولي الدّين والهمّة. فليتولّ ذلك تولّي مثله وإن قلّ وجود مثله، جاريا على سنن مجده وفضله، سائرا من رضا الله على أوضح سبله، معتمدا عليه في الأمر كلّه. وليعلم أن الذي يخلق ما يشاء ويختار قد هيّأ له من أمره رشدا، وسلك به طريقا سددا «١» ، واستعمله اليوم فيما يحظيه غدا، وجعل حظّه الذي عوّضه نورا وهدى، وأبعد له في الصالحات مدى- ولينظر فيما لديه من القبائل الموفورة، والجموع المؤيّدة المنصورة، نظرا يزيح العلل، ويبلّغ الأمل، ويرعى الهمل «٢» ، ويحسن القول وينجح العمل، منبّها على أهل الغناء والاستحقاق، مستدرّا للعوائد والأرزاق، معرّفا بالغرباء الواردين من الآفاق، مطبقا منهم للطباق، متغمّدا للهفوات بحسن الأخلاق، مستجيدا للأسلحة والكراع «٣» ، مبادرا هيعات «٤» الصّريخ بالإسراع، مسترعيا للمشورة التي يقع الحكم فيها عن حصول الإجماع، رفيقا بمن ضعف عن طول الباع، محتاطا على الإسلام في مواقف الدّفاع، مقدما عند اتّجاه الأطماع، صابرا في المضايق على القراع، متقدّما للأبطال بالاصطناع، مقابلا نصائح أولي الخبرة بحسن الاستماع، مستعملا في الحروب ما أجازه الشرع من وجوه الخداع حتّى يكون عمله وفق شهرته البعيدة المطار، وسيرته فيما أسند إليه مثلا في الأقطار، واستقامة التدبير على يديه ذريعة إلى إرغام أنوف الكفّار، بقوّة الله وحوله وعزّته وطوله.

стр. 5080

وعلى الغزاة بالحضرة العليّة، وسائر البلاد النّصرية، ومن بني مرين وسائر القبائل المجاهدين، أن يعرفوا قدره، ويمتثلوا في مرضاتنا أمره، ويكونوا معه روحا ويدا وجسدا، وساعدا وعضدا؛ فبذلك يشمله من الله ومن مقامنا الرضا والقبول، والعزّ الموصول، ويمضي في عدوّ الله النّصول، ويتأتّى على خير الدنيا والآخرة الحصول، إن شاء الله. ومن وقف عليه، فليعرف ما لديه، بحول الله تعالى. وهذه نسخة ظهير بالتّقدمة على الطبقة الأولى من المجاهدين، لولد السلطان، وهي: هذا ظهير كريم، فاتح بنشر الألوية والبنود، وقود العساكر والجنود، وأجال في ميدان الوجود، جياد البأس والجود، وأضفى ستر الحماية والوقاية بالتّهائم والنّجود «١» ، على الطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود- عقد للمعتمد به عقد التشريف والقدر المنيف زاكي الشّهود، وأوجب المنافسة بين مجالس السّروج ومضاجع المهود، وبشّر السيوف في الغمود، وأنشأ ريح النصر آمنة من الخمود، أمضى أحكامه، وأنهد العزّ أمامه، وفتّح عن زهر السّرور والحبور أكمامه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد فرج بن نصر- أيد الله أمره، وخلّد ذكره- لكبير ولده، وسابق أمده، وريحانة خلده، وياقوتة الملك على يده، الأمير الكبير، الطاهر الظاهر، الأعلى، واسطة السلك، وهلال سماء الملك، ومصباح الظّلم الحلك، ومظنّة العناية الإلهيّة من مدبّر الفلك ومجرى الفلك، عنوان سعده، وحسام نصره وعضده، وسميّ جدّه، وسلالة فضله ومجده، السعيد المظفّر، الهمام، الأعلى، الأمضى، العالم، العادل، العامل، الأرضى المجاهد، المؤمّل، المعظم، أبي الحجاج يوسف- ألبسه الله من رضاه عنه

стр. 5081

حللا لا تخلق جدّتها الأيام، ولا تبلغ كنهها الأفهام؛ وبلغه في خدمه المبالغ التي يسرّ بها الإسلام، وتسبح في البحار صنائعها الأقلام، وحرس معاليه الباهرة بعينه التي لا تنام، وكنفه بركنه الذي لا يضام- فهو الفرع الذي جرى بخصله على أصله، وارتسم نصره في نصله، واشتمل جدّه على فضله، وشهدت ألسن خلاله، برفعة جلاله، وظهرت دلائل سعادته، في بدء كل أمر وإعادته. ولمّا صرف وجهه إلى ترشيحه لافتراع هضاب المجد البعيد المدى، وتوشيحه بالصّبر والحلم والبأس والنّدى، وأرهف منه سيفا من سيوف الله لضرب هام العدا، وأطلعه في سماء الملك بدر هدى، لمن راح وغدا، وأخذه بالآداب التي تقيم من النفوس أودا، وتبذر في اليوم فتجنى غدا، ورقّاه في رتب المعالي طورا فطورا، ترقّي النبات ورقا ونورا؛ ليجده بحول الله يدا باطشة على أعدائه، ولسانه مجيبا عند ندائه، وطرازا على حلّة عليائه، وغماما من غمائم آلائه، وكوكبا وهّاجا بسمائه، وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده، قبل أن ينتقل من مهده، وظلّله بجناح رايته، وهو على كتد «١» دايته، واستركب جيش الإسلام ترحيبا بوفادته، وتنويها بمجادته، وأثبت في غرض الإمارة النصرية سهم سعادته- رأى أن يزيده من عنايته ضروبا وأجناسها، ويتبع أثره ناسا فناسا، قد اختلفوا لسانا ولباسا، واتفقوا ابتغاء لمرضاة الله والتماسا، ممّن كرم انتماؤه، وازّينت بالحسب الغر «٢» سماؤه، وعرف غناؤه، وتأسّس على المجادة بناؤه، حتّى لا يدع من العناية فنّا إلا جلبه إليه، ولا مقادة فخر إلا جعلها في يديه، ولا حلّة عز إلا أضفى ملابسها عليه. وكان جيش الإسلام في هذه البلاد الأندليسة- أمّن الله خلالها، وسكّن زلزالها، وصدّق في رحمة الله التي وسعت كل شيء آمالها- كلف همّته، ومرعى

стр. 5082

أذمّته، وميدان جياده، ومتعلّق أمد جهاده، ومعراج إرادته، إلى تحصيل سعادته، وسبيل خلاله، إلى بلوغ كماله؛ فلم يدع له علّة إلا أزاحها، ولا طلبة إلا أجال قداحها، ولا عزيمة إلا أورى اقتداحها، ولا رغبة إلا فسّح ساحها، آخذا مروءته بالتهذيب، ومصافّة بالترتيب، وآماله بالتقريب، وتأنيس المريب، مستنجزا له وبه وعد النصر العزيز والفتح القريب، ورفع عنه لهذا العهد نظر من حكم الأغراض في حماته، واستشعر عروق الحسائف «١» لشريف كماته، واشتغل عن حسن الوساطة لهم بمصلحة ذاته، وجلب جباته، وتثمير ماله وتوفير أقواته، ذاهبا أقصى مذاهب التعمير بأمد حياته؛ فانفرج الضّيق، وخلص إلى حسن نظره الطريق، وساغ الرّيق، ورضي الفريق. رأى- والله الكفيل بنجح رأيه، وشكر سعيه، وصلة حفظه ورعيه- أن يحمد لهم اختياره، ويحسن لديهم آثاره، ويستنيب فيما بينه وبين سيوف جهاده، وأبطال جلاده، وحماة أحوازه، وآلات اعتزازه، من يجري مجرى نفسه النفيسة في كل معنى، ومن يكون له لفظ الولاية وله- أيده الله- المعنى، فقدّمة على الجماعة الأولى كبرى الكتائب، ومقاد الجنائب «٢» ، وأجمة الأبطال، ومزنة الودق «٣» الهطّال، المشتملة من الغزاة على مشيخة آل يعقوب نسباء الملوك الكرام، وأعلام الإسلام، وسائر قبائل بني مرين، ليوث العرين، وغيرهم من أصناف القبائل، وأولي الوسائل، ليحوط جماعتهم، ويرفع بتفقّده إضاعتهم، ويستخلص لله ولأبيه- أيده الله- طاعتهم، ويشرّف بإمارته مواكبهم، ويزيّن بهلاله الناهض إلى الإبرار، على فلك سعادة الأقدار، كواكبهم، تقديما أشرق له وجه الدّين الحنيف وتهلّل، وأحسّ باقتراب ما أمّل؛ فللخيل اختيال ومراح،

стр. 5083

وللأسل «١» السّمر اهتزاز وارتياح، وللصّدور انشراح، وللأمل مغدى في فضل الله ومراح. فليتولّ ذلك- أسعده الله- تولّي مثله ممن أسرّة الملك أسرّته، وأسرة النبي ﷺ أسرته، والملك الكريم أصل لفرعه، والنسب العربيّ مفخر «٢» لطيب طبعه، آخذا أشرافهم بترفيع المجالس بنسبة أقدارهم، مقرّبا حسن اللقاء بإيثارهم، شاكرا غناءهم، مستديما ثناءهم، مستدرا لأرزاقهم، موجبا للمزيّة بحسب استحقاقهم، شافعا لديه في رغباتهم المؤمّلة، ووسائلهم المتحمّلة، مسهلا الإذن لوفودهم المتلاحقة، منفّقا لبضائعهم النافقة، مؤنسا لغربائهم، مستجليا أحوال أهليهم وآبائهم، مميزا بين أغفالهم ونبهائهم. وعلى جماعتهم- رعى الله جهادهم، ووفّر أعدادهم- أن يطيعوه في طاعة الله وطاعة أبيه، ويكونوا يدا واحدة على دفاع أعادي الله وأعاديه، ويشدّوا في المواقف الكريهة أزره، ويمتثلوا نهيه وأمره، حتّى يعظم الانتفاع، ويثمر الدّفاع، ويخلص القصد لله والمطاع؛ فلو وجد- أيده الله- غاية في تشريفهم لبلّغها، أو موهبة لسوّغها؛ لكن ما بعد ولده العزيز عليه مذهب، ولا وراء مباشرتهم بنفسه مرغب؛ والله منجح الأعمال، ومبلّغ الآمال، والكفيل بسعادة المال. فمن وقف على هذا الظّهير الكريم فليعلم مقدار ما تضمّنه من أمر مطاع، وفخر مستند إلى إجماع، ووجوب اتّباع، وليكن خير مرعيّ لخير راع، بحول الله. وأقطعه- أيده الله- ليكون بعض المدد لأزواد سفره، وسماط قفره، في جملة ما أولاه من نعمه، وسوّغه من موادّ كرمه- جميع القرية المنسوبة إلى عرب

стр. 5084

غسّان: وهي المحلة الأثيرة، والمنزلة الشهيرة، تنطلق عليها أيدي خدّامه ورجاله، جارية مجرى صالح ماله، محرّرة من كل وظيف لاستغلاله، إن شاء الله فهو المستعان سبحانه، وكتب في كذا. وهذه نسخة ظهير لمشيخة الغزاة بمدينة مالقة «١» ، وهو: هذا ظهير كريم أطلع الرّضا والقبول صباحا، وأنشأ للعناية في جوّ الوجود، من بعد الرّكود، رياحا، وأوسع العيون قرّة [وإبصارا] «٢» والصّدور انشراحا، وهيّأ للمعتمد به مغدى في السعادة ومراحا، وهزّ منه سيفا عتيقا يفوق اختيارا ويروق التماحا، وولّاه رياسة الجهاد في القطر الذي تقدّمت الولاية فيه لسلفه فنال عزّا شهيرا وازداد فخرا صراحا، وكان [له] «٣» ذلك إلى أبواب السعادة مفتاحا. أمر به وأمضاه، وأوجب العمل بحسبه ومقتضاه، الأمير عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين، والمجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحجّاج [يوسف] «٤» ابن مولانا أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر- أيد الله أمره وأعز نصره، وأسعد زمانه وعصره- لوليه في الله الذي كساه مولاه من جميل اعتقاده حللا، وأورده من عذب رضاه منهلا، وعرّفه عوارف قبوله مفصّلا خطابها ومجملا، الشيخ أبي العلا، إدريس، ابن الشيخ أبي سعيد عثمان، بن أبى العلا، وصل الله أسباب سعادته، وحرس عليّ «٥» مجادته، وأجراه من ترفيع المكانة لديه على [أحمد عادة سلفه] «٦» وعادته. ولمّا كان له القدر الجليل، والمجد الأثيل، والذكر الجميل، والفضائل

стр. 5085

التي كرم منها الإجمال والتفصيل، وأحرز قصب السّبق بذاته وسلفه إذا ذكر المجد العريض الطويل، وكان قد أعمل الرّحلة إليه يحدوه إلى خدمته التأميل، ويهوي به الحبّ الذي وضح منه السبيل، وعاق عنه الواقع الذي تبيّن فيه عذره الجميل، ثم خلّصه الله من ملكة الكفر الخلاص الذي قام به على عنايته الدليل- قابله بالقبول والإقبال، وفسّح له ميدان الرضا رحب المجال، وصرف إليه وجه الاعتداد بمضائه رائق الجمال، سافرا عن بلوغ الآمال، وآواه من خدمته إلى ربوة متّسعة الأرجاء وارفة الظّلال، وقطع عنه الأطماع بمقتضى همته البعيدة المنال؛ ثم رأى- والله ينجح رأيه، ويشكر في سبيل الله عن الجهاد سعيه- أن يستظهر بمضائه، ويرسل عليه عوارف آلائه، ويعمر به رتب آبائه، فقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر [آلاءه] «١» ونعمه- شيخ الغزاة والمجاهدين، وكبير أولي الدّفاع عن الدين؛ بمدينة (مالقة) حرسها الله أخت حضرة [دار] «٢» ملكه، وثانية الدّرّة الثمينة من سلكه، ودار سلفه وقرارة مجده، والأفق الذي تألّق منه نور سعده، راجعا إليه نظر القواعد الغربية رندة وركوان «٣» وما إليه رجوع الاستغلال والاستيراد، والعزّ الفسيح المجال البعيد الآماد، يقود جميعها إلى الجهاد، عاملا على شاكلة مجده في الإصدار والإيراد، حتّى يظهر على تلك الجهات المباركة آثار الحماية والبسالة، ويعود لها عهد المجادة والجلالة، وتتزيّن ملابس الإيالة. وهو يعمل في ذلك الأعمال التي تليق بالمجد الكريم، والحسب الصميم، حتّى ينمو عدد الحماة، ويكفّ البأس أكفّ الغزاة ويعظم أثر الأبطال الكماة؛ وتظهر ثمرة الاختيار، ويشمل الأمن جميع الأقطار، وتنحسم عنه أطماع الكفّار؛ وعلى من يقف عليه من الفرسان- وفّر الله أعدادهم، وأعزّ

стр. 5086

جهادهم- أن يكونوا ممتثلين في الجهاد لأمره، عارفين بقدره، ممضين فيما ذكر لحكمه، واقفين عند حدّه ورسمه؛ وعلى من سواهم من الرعايا والخدّام، والولاة والحكّام، أن يعرفوا قدر هذا الاعتناء الواضح الأحكام، والبرّ المشرق القسام، فيعاملوه بمقتضى الإجلال والإكرام، والترفيع والإعظام. على هذا يعتمد، وبحسبه يعمل، بحول الله وقوّته. الضرب الثاني (من ظهائر بلاد المغرب ما يكتب لأرباب الوظائف الدينية من أصحاب الأقلام) وهذه نسخة ظهير بقضاء الجماعة «١» بالحضرة، وهو: هذا ظهير كريم أنتج مطلوب الاختيار قياسه، ودلّ على ما يرضي الله التماسه، وأطلع نور العناية يجلو الظلام نبراسه، واعتمد بمثابة العدل من عرف بافتراع هضبتها باسه، وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنواعه وأجناسه، وشيّد مبنى العز الرفيع في قنّة الحسب المنيع، وكيف لا والله بانيه والمجد أساسه. أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، أمير المسلمين أبو الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر- أيد الله أمره، وخلد فخره- لقاضي

стр. 5087

حضرته العلية، وخطيب حمرائه «١» السنيّة، المخصوص لديه بترفيع المزيّة، المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النّصريّة، قاضي الجماعة، ومصرّف الأحكام الشرعية المطاعة، الشيخ أبي الحسن ابن الشيخ أبي محمد بن الحسن وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وسنّى من فضله إرادته، عصّب منه جبين المجد بتاج الولاية، وأجال قداح الاختيار حتّى بلغ الغاية وتجاوز النهاية، فألقى منه بيمين عرابة «٢» الراية، وأحلّه منه محلّ اللفظ من المعنى والإعجاز من الآية، وحشر إلى مراعاة ترفيعه وجوه البرّ وأعيان العناية، وأنطق بتبجيله، ألسن أهل جيله، بين الإفصاح والكنايه. ولما كان له الحسب الذي شهدت به ورقات الدّواوين، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين، والآباء الذين اعتزّ بمضاء قضاتهم الدّين، وطبّق «٣» مفاصل الحكم بسيوفهم الحقّ المبين، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين: فمن فارس حكم أو حكيم تدبير، أو قاض في الأمور الشرعية ووزير، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير؛ تعدّد ذلك واطّرد، ووجد مشرع المجد عذبا فورد، وقصّرت النظراء عن مداه فانفرد، وفرى الفرى في يد الشّرع فأشبه السيف الفرند «٤» ، وجاء في أعقابهم محييا لما درس، بما حقّق

стр. 5088

ودرس؛ جانيا لما بذر السلف المبارك واغترس، طاهر النّشأة وقورها، محمود السّجيّة مشكورها، متحلّيا بالسّكينة، حالّا من النّزاهة بالمكانة المكينة، ساحبا أذيال الصّون، بعيدا عن الاتصاف بالفساد من لدن الكون، فخطبته الخطط العليّة، واغتبطت به المجادة الأوّليّة، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرّتب، وتستظهر على المناصب بأبناء التّقى والحسب، والفضل والمجد والأدب، ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب؛ فكان معدودا من عدول قضاتها وصدور نبهائها، وأعيان وزرائها، وأولي آرائها. فلمّا زان الله خلافته بالتمحيص، المتجلّي عن التخصيص، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز من بعد التخليص، كان ممن صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق، وسلك في مظاهرته أوضح الطّرق، وجادل من حادّه بأمضى من الحداد الذّلق، واشتهر خبر وفائه بالغرب والشّرق، وصلّى به صلاة السفر والحضر، والأمن والحذر، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر الله عهدها، وخاطب عنه- أيده الله- المخاطبات التي حمد قصدها، حتّى استقلّ ملكه فوق سريره، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره، ونزل السّتر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره، وكان الجليس المقرّب المحلّ، والحظيّ المشاور في العقد والحلّ، والرسول المؤتمن على الأسرار، والأمين على الوظائف الكبار، مزيّن المجلس السلطانيّ بالوقار، ومتحف الملك بغريب الأخبار، وخطيب منبره العالي في الجمعات، وقاريء الحديث لديه في المجتمعات. ثم رأى- أيده الله- أن يشرك رعيته في نفعه، ويصرف عوامل الحظوة إلى مزيد رفعه، ويجلسه مجلس الشارع صلوات الله وسلامه عليه لإيضاح شرعه، وأصله الوثيق وفرعه؛ وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر آلاءه ونعمه- قاضيا في الأمور الشرعية، وفاصلا في القضايا الدينية، بحضرة غرناطة [العلية] «١» حرسها

стр. 5089

الله تقديم الاختيار والانتقاء، وأبقى له فخر السّلف على الخلف والله يمتّعه بطول البقاء. فليتولّ ذلك عادلا في الحكم، مهتديا بنور العلم، مسوّيا بين الخصوم حتّى في لحظه والتفاته، متصفا من الحلم بأفضل صفاته، مهيبا بالدّين، رؤوفا بالمؤمنين، مسجّلا للحقوق، غير مبال في رضا الخالق بسخط المخلوق، جزلا في الأحكام، مجتهدا في الفصل بأمضى حسام، مراقبا لله في النّقض والإبرام، بارّا بمشيخة أهل التوثيق، عادلا إلى سعة الأقوال عند المضيق، سائرا من مشهور المذهب «١» على أهدى طريق. وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق، والتثبت حتّى ينبلج قياس التحقيق، وصيّة أصدرها له مصدر الذّكرى التي تنفع، ويعلي الله بها الدرجات ويرفع، وإلا فهو عن الوصاة غنيّ، وقصده قصد سنيّ، والله وليّ إعانته، والكفيل بحفظه من الشّبهات وصيانته. [وأمره- أيده الله- أن ينظر في الأحباس «٢» على اختلافها، والأوقاف على شتّى أصنافها] «٣» واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على ضعافها؛ فيذود عنها طوارق الخلل، ويجري أمورها بما يتكفّل لها بالأمل. وليعلم أن الله يراه، وأن فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه، فيدّرع جنّة تقواه، فسبحان من يقول: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ «٤»

стр. 5090

فعلى من يقف عليه أن يعرف حقّ هذا الإجلال، صائنا منصبه عن الإخلال، مبادرا أمره الواجب بالامتثال، بحول الله. وكتب في الثالث من شهر الله المحرّم فاتح عام أربعة وستّين وسبعمائة؛ عرّف الله فيه هذا المقام العليّ عوارف النصر المبين والفتح القريب، بمنّه وكرمه، فهو المستعان لا رب غيره. وهذه نسخة ظهير بقضاء الجماعة بالحضرة أيضا، وهو: هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء [والاحتفال] اختيارا واختبارا، وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثارا، ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليها حقيقة واعتبارا، ورقّى في درجات العز من طاولها علاء بهر أنوارا، ودينا كرم في الصالحات آثارا، وزكا في الأصالة نجارا، وخلوصا إلى هذا المقام العليّ السعيد راق إظهارا وإضمارا، أمر به وأمضاه، وأنفذ العمل بحكمه ومقتضاه، فلان للشيخ القاضي، العدل، الأرضى، قاضي الجماعة وخطيب الحضرة العلية، المخصوص لدى المقام العليّ بالحظوة السنيّة والمكانة الحفيّه، الفاضل، الحافل، الكامل، الموقّر، المبرور أبي الحسن ابن الشيخ الفقيه، الوزير، الأجل، الأعزّ، الماجد، الأسنى، المرفّع، الأحفل، الأصلح، المبارك، الأكمل، الموقّر، المبرور، المرحوم أبي محمد بن الحسن- وصل الله عزّته، ووالى رفعته ومبرّته، ووهب له من صلة العناية الربّانية أمله وبغيته- لمّا أصبح في صدور القضاة العلماء مشارا إلى جلاله، مستندا إلى معارفه المخصوصة بكماله، مطرّزا على الإفادة العلمية والأدبيّة بمحاسنه البديعة وخصاله، محفوفا مقعد الحكم النبويّ ببركة عدالته وفضل جلاله، وحلّ في هذه الحضرة العلية المحلّ الذي لا يرقاه إلّا عين الأعيان، ولا يتبوّء مهاده إلا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان، وموالي العلم الواضح البرهان، والمبرّزين بالمآثر العليّة في الحسن والإحسان، وتصدّر لقضاء الجماعة فصدرت عنه

стр. 5091

الأحكام الراجحة الميزان، والأنظار الحسنة الأثر والعيان، والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان؛ فكم من قضيّة جلا بمعارفه مشكلها، ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها، ومسألة مهملة عرّف نكرتها وقرّر مهملها، حتّى قرّت بعدالته وجزالته العيون، وصدقت فيه الآمال الناجحة والظّنون، وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون- كان أحقّ بالتشفيع لولاياته وأولى، وأجدر بمضاعفة النّعم التي لا تزال تترادف على قدره الأعلى. فلذلك أصدر له- أيده الله- هذا الظهير الكريم مشيرا بالترفيع والتنويه، ومؤكّدا للاحتفاء الوجيه، وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه- خطيبا بالجامع الأعظم [من حضرته] «١» - عمره الله بذكره- من علية الخطباء، وكبار العلماء، وخيار الفقهاء الصّلحاء؛ فليتولّ ذلك في جمعاته، مظهرا في الخطبة أثر بركته وحسناته، عاملا على ما يقرّبه عند الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، بحول الله وقوّته. الضرب الثالث (ما يكتب لأرباب الوظائف الديوانية) وهذه نسخة ظهير بالقلم الأعلى المعبّر عنه في بلادنا بكتابه السر؛ وهي: هذا ظهير كريم نصب للمعتمد به الإنافة «٢» الكبرى ببابه فرفعه، وأفرد له متلوّ العز جمعه ووتره وشفعه، وقرّبه في بساط الملك تقريبا [أرغم به أنف عداه ووضعه] «٣» ، وفتح له باب السعادة وشرعه، وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته، من أولي صنعته، أن يتّبعه، ورعى له وسيلته السابقة عند

стр. 5092

استخلاص الملك لمّا ابتزّه الله من يد الغاصب وانتزعه؛ وحسبك من ذمام لا يحتاج إلى شيء معه. أمر به الأمير فلان لفلان- وصل الله سعادته، وحرس مجادته- أطلع له وجه العناية أبهى من الصبح الوسيم، وأقطعه جناب الإنعام الجميم، وأنشقه أرج الحظوة عاطر النسيم، ونقله من كرسيّ التدريس والتعليم، إلى مرقى التّنويه والتكريم، والرتبة الّتي لا يلقّاها إلا ذو حظّ عظيم، وجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره العليّ وخطابه السنيّ، في ميادين الأقاليم، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى، جاريا من الطريقة المثلى على النّهج القويم، واختصه بمزيّة الشّفوف على كتّاب بابه الكريم. لمّا كان ناهض الوكر في طلبة حضرته من البداية، ولم يزل تظهر عليه لأولي التمييز مخايل هذه العناية: فإن حضر حلق العلم جلّى في حلبة الحفّاظ إلى الغاية، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة، والمخاطبات المنقولة، فاشتهر في بلده وغير بلده، وصارت أزمّة العناية طوع يده، بما أوجب له المزيّة في يومه وغده. وحين ردّ الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام، وزيّن وجوه الليالي والأيّام، وأدال الضّياء من الظلام، وكان ممّن وسمه الوفاء وشهره، وعجم الملك عود خلوصه وخبره، فحمد أثره، وشكر ظاهره ومضمره، واستصحب عليّ ركابه الذي صحب اليمن سفره، وأخلصت الحقيقة نفره، وكفل الله ورده وصدره، ميمون النّقيبة، حسن الضّريبة، خالصا في الأحوال المريبة، ناطقا عن مقامه بالمخاطبات العجيبة، واصلا إلى المعاني البعيدة بالعبارات القريبة، مبرّزا بالخدم الغريبة، حتّى استقام العماد، ونطق بصدق الطاعة الحيّ والجماد، ودخلت في دين الله أفواجا العباد والبلاد، لله الحمد على نعمه الثّرّة العهاد، وآلائه المتوالية التّرداد، رعى له- أيّده الله- هذه الوسائل وهو أحقّ من يرعاها، وشكر له الخدم المشكور مسعاها، فقصر عليه الرّتبة الشّمّاء التي خطبها بوفائه، وألبسه أثواب اعتنائه، وفسّح له مجال آلائه، وقدّمه- أعلى الله قدمه، وشكر نعمه- كاتب السّرّ، وأمير النهي والأمر، تقديم الاختبار، والاغتباط بخدمته

стр. 5093

الحسنة الآثار، والتيمّن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار، وغير ذلك من موجبات الإيثار. فليتولّ ذلك عارفا بمقداره، مقتفيا لآثاره، مستعينا بالكتم لأسراره، والاضطلاع بعظام أموره وكباره، متّصفا بما يجمل من أمانته وعفافه ووقاره، معطيا هذا الرسم حقّه من الرّياسة، عارفا بأنه أكبر أركان السّياسة، حتّى يتأكّد الاغتباط بتقريبه وإدنائه،، وتتوفّر أسباب الزّيادة في إعلائه؛ وهو- إن شاء الله- غنيّ عن الوصاة فهما ثاقبا، وأدبا لعيون الكمال مراقبا، فهو يعمل في ذلك أقصى العمل، المتكفّل ببلوغ الأمل. وعلى من يقف عليه: من حملة الأقلام، والكتّاب الأعلام، وغيرهم من الكافّة والخدّام، أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام، والتقديم الراسخ الأقدام؛ ويوجبوا ما أوجب من البرّ والإكرام، والإجلال والإعظام، بحول الله وقوّته؛ وكتب في كذا. الطرف الثالث (في مصطلح كتّاب الديار المصرية فيما قبل الخلفاء الفاطميين وفيما بعدهم إلى زماننا) وفيه أربع حالات: الحالة الأولى- ما كان عليه أمر نوّاب الخلفاء بهذه المملكة إلى ابتداء الدولة الطّولونيّة «١» ولم يكن لديوان الإنشاء بالديار المصرية في هذه المدّة صرف عناية، تقاصرا عن التشبّه بديوان الخلافة، إذ كانت الخلافة يومئذ في غاية العزّ ورفعة السلطان، ونيابة مصر بل سائر النيابات مضمحلّة في جانبها، والولايات الصادرة

стр. 5094

عن النوّاب في نياباتهم متصاغرة متضائلة بالنسبة إلى ما يصدر من أبواب الخلافة من الولايات، فلذلك لم يقع مما كتب منها ما تتوفّر الدواعي على نقله ولا تنصرف الهمم لتدوينه مع تطاول الأيام وتوالي اللّيالي. الحالة الثانية- ما كان عليه أمر الدولة الطّولونيّة من حين قيام دولتهم إلى انقراض الدولة الأخشيديّة «١» وقد تقدّم أن أحمد بن طولون أوّل من أخذ في ترتيب الملك وإقامة شعار السلطنة بالديار المصرية. ولما شمخ سلطانه، وارتفع بها شانه أخذ في ترتيب ديوان الإنشاء لما يحتاج إليه في المكاتبات والولايات، فاستكتب ابن عبد كان «٢» ، فأقام منار ديوان الإنشاء ورفع مقداره؛ وكان يفتتح ما يكتبه عنه في الولايات بلفظ «إنّ أولى كذا» أو «إن أحقّ كذا» وما أشبه ذلك. وهذه نسخة عهد كتب به ابن عبد كان عن أحمد بن طولون بقضاء برقة «٣» ترشد إلى ما عداها من ذلك وهي: إنّ أحقّ من آثر الحقّ وعمل به، وراقب الله في سرّ أمره وجهره، واحترس من الزّيغ والزّلل في قوله وفعله، وعمل لمعاده ورجعته، إلى دار فاقته وفقره ومسكنته، من جعل بين المسلمين حاكما، وفي أمورهم ناظرا: [فأراق] «٤» الدماء وحقنها، وأحلّ الفروج وحرّمها، وأعطى الحقوق وأخذها، ومن علم أنّ الله ﵎ سائله عن مثقال الذّرّة من عمله، وأنه إنما يتقلّب في قبضته، أيام

стр. 5095

مدّته، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمّه، إما سعيدا بعمله وإما شقيّا بسعيه. وإنّا- لما وقفنا عليه من سديد مذهبك وقويم طريقتك، وجميل هديك وحسن سيرتك، ورجوناه فيك، وقرّرناه عندك: من سلوك الطريقة المثلى، واقتفاء آثار أئمة الهدى، والعمل بالحق لا بالهوى- رأينا تقليدك القضاء بين أهل ثغر برقة، وأمرناك بتقوى الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، وبطاعته التي من آثرها سعد، ومن عمل بها حمد، ومن لزمها نجا، ومن فارقها هوى- وأن تواصل الجلوس لمن بحضرتك من الخصوم: صابرا بنفسك على تنازعهم في الحقوق، وتدافعهم في الأمور، غير برم بالمراجعات، ولا ضجر بالمحاكمات: فإنّ من حاول إصابة فصل القضاء، وموافقة حقيقة الحكم بغير مادّة من حلم، ولا معونة من صبر، ولا سهمة من كظم، لم يكن خليقا بالظّفر بهما، ولا حقيقا بالدّرك لهما- وأن تقسم بين الخصمين إذا تقدّما إليك، وجلسا بين يديك، في لحظك ولفظك، وتوفّي كلّ واحد منهما قسمه من إنصافك وعدلك، حتّى ييأس القويّ من ميلك، ويأمن الضعيف من حيفك: فإنّ في إقبالك بنظرك وإصغائك بسمعك إلى أحد الخصمين دون صاحبه ما أضلّ الآخر عن حجّته، وأدخل الحيرة على فكره ورويّته- وأن تحضر مجلس قضائك من يستظهر برأيه، ومن يرجع إلى دين وحجا وتقى: فإن أصبت أيّدك، وإن نسيت ذكّرك- وأن تقتدي في كلّ ما تعمل فيه رويّتك، وتمضي عليه حكمك وقضيّتك، بكتاب الله الذي جعله صراطا مستقيما، ونورا مستبينا، فشرع فيه أحكامه، وبيّن حلاله وحرامه، وأوضح به مشكلات الأمور، فهو شفاء لما في الصّدور. وما لم يكن في كتاب الله- جل وعز- نصّه فإنّ فيما يؤثر عن النبي ﷺ حكمه؛ وما لم يكن في حديث رسول الله ﷺ اقتفيت فيه سبيل السّلف الصالح من أئمة الهدى ﵃ الذين لم يألوا الناس اختبارا، ولا ادّخروهم نصيحة واجتهادا، عالما أنك أسعد بالعدل ممن تعدل عليه، وأحظى بإصابة الحق ممن تصيبه فيه: لما تتعجّله من جميل أحدوثته وذكره، ويذخر لك من عظيم ثوابه

стр. 5096

وأجره، ويصرف عنك من حوب «١» ما تتقلّده ووزره- وأن يكون الذين تحكم بشهادتهم [من] «٢» أهل الثّقة في أديانهم، والمعروفين بالأمانة في معاملاتهم، والموسومين بالصدق في مقالاتهم، والمشهورين بالتقدّم في عدالاتهم: فإنك جاعلهم بين الله وبينك في [كل] «٣» كلام تصدره، وحكم تبرمه؛ وحقيق بأن لا ترضى لنفسك منهم إلا بما يرضى منك؛ وتعلم أن ذلك هو الصدق، وأنك قد أبليت عذرك في تخيّرهم، فإنه يعلم أن ذلك هو الصّدق من نيّتك، والصّحة من يقينك، تحسن عليه معونتك، ويحضرك التوفيق في جميع أقضيتك- وأن يكون من تستعين به على المسألة عن أحوال هؤلاء الشهود ومذاهبهم، وما يعرفون به وينسبون إليه في رحالهم ومساكنهم، أهل الورع والأمانة، والصّدق والصيانة- وأن تجدّد المسألة عنهم في كل مرّة، وتفحص عن خبرهم في كل قضية؛ ثم لا يمنعك وقوفك على سقوط عدالة من تقدّمت بتعديله من استقبال الواجب في مثله، واستعمال الحقّ في أمره- وأن تشرف على أعوانك وأصحابك، ومن تجري أمورك على يديه من خلفائك وأسبابك، إشرافا يمنعهم من الظلم للرعيّة، ويقبض أيديهم عن المآكل الرّديّة، ويدعوهم إلى تقويم أودهم، وإصلاح فاسدهم، ويزيد في بصيرة ذوي الثّقة والأمانة منهم؛ فمن وقفت منه على امتثال لمذهبك، وقبول لأدبك، واقتصار فيما يتقلّده لك، أقررته وأحسنت مكافأته ومثوبته، ومن شممت منه حيفا في حكمه، وتعدّيا في سيرته، وبسطا ليده إلى ما لا يجب له، تقدّمت في صرفه، وألزمته في ذلك ما يلزمه- وأن تختار لكتابتك من تعرف سداد مذهبه، واستقلاله بما يتقلّده، [وإيثاره للتأكد] «٤» من صحته، ومن تقدّر عنده تقديما في نصيحتك فيما يجري على يديه، وتوخّيا لصدقك فيما يحضره وتغيب عن مشاهدته؛ فإنك تأمنه من أمر حكمك على ما لا

стр. 5097

يؤتمن على مثله إلا الأمين، وتفوّض إليه من حجج الخصوم المرفوعين إليك ما لا يفوّض إلا لذي العفاف والدّين- وأن تتفقد مع ذلك أمره، وتتصفّح عمله، وتشرف على ما تحت يديه بما يؤدّيك إلى إحكامه وضبطه، ويؤمّنك من وقوع خلل فيه- وأن تختار لحجابتك من لا يتجهّم الخصوم، ولا يختصّ بعضها دون بعض بالوصول، وتوعز إليه في بسط الوجه؛ ولين الكنف، وحسن اللفظ، ورفع المؤونة، وكفّ الأذى. فتقلّد ما قلّدناك من ذلك عاملا بما يحقّ عليك لله جلّ وعزّ ذكره، ومستعينا به في أمرك كلّه: فإنّا قلّدناك جسيما، وحمّلناك عظيما، وتبرّأنا إليك من وزره وإصره، واعتمدنا عليك في توخّي الحقّ وإصابته، وبسط العدل وإفاضته، واقبض لأرزاقك وأرزاق كتّابك وأعوانك ومن يحجبك ولثمن قراطيسك وسائر مؤنك في كل شهر أربعين دينارا، فقد كتبنا إلى عامل الخراج بازاحة ذلك، أوقات استحقاقك إيّاه ووجوبه لك، وإلى عامل المدينة بالشّدّ على يدك، والتقوية لأمرك، وضمّ العدّة التي كانت تضم إلى القضاة من الأولياء إليك، وهما فاعلان ذلك إن شاء الله تعالى. الحالة الثالثة- ما كان عليه الأمر في زمن بني أيّوب . وكانوا يسمّون ما يكتب عن ملوكهم من الولايات لأرباب السيوف والأقلام «تقاليد» و «تواقيع» و «مراسيم» وربّما عبّروا عن بعضها ب «المناشير» وهي في الافتتاحات على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى - أن تفتتح الولاية بخطبة مبتدأة بالحمد لله تعالى ثم يؤتى بالبعديّة، ويذكر ما سنح من حال الولاية والمولّى، ويوصّى المولّى بما يليق بولايته؛ ثم يقال: «وسبيل كلّ واقف عليه من النّواب العمل به» أو نحو ذلك. وهي على ثلاثة أصناف: الصنف الأوّل- أرباب السيوف من هذه المرتبة .

стр. 5098

وهذه نسخة توقيع بولاية ناحية وإقطاع بلادها لمتولّيها، وهي: الحمد لله على عوائده الجميلة وعواطفه، وفوائده الجزيلة وعوارفه، ناصب الحقّ وناصره، وقاصم الباطل وقاصره، ومنير الدين ومديله، ومبير الكفر ومذيله، وشادّ أزر أوليائه وسادّ ثغرهم، وناصر معزّهم ومعزّ نصرهم، الذي أضفى علينا مدارع نعمه، وأصفى لدينا مشارع كرمه، وأعلق أيدينا من العدل بأوكد الأسباب والأمراس، وصرف بنا صرف العسف وكفّ بكفايتنا كفّ البؤس عن الرعيّة والباس، وجلب إلى استجلاب الشكر من الناس همّتنا، وطوى على حبّ البرّ وإبرار المحب طويّتنا، وحسم بما أولاناه من أيد «١» مادّة كلّ يد تمتدّ إلى محظور، ويسّرنا ببساط العدل المطويّ لما طوى بعدلنا بساط الظّلم المنشور، وأبى لنا أن نكفر نعمة أو نهبها لكافر، أو ندع شكر منّة أو نودعها عند غير شاكر. ولمّا كان الأمير فلان ممن سبقت لجدّه ولأبيه- تعاهد الله بالعهاد مثواهما، وخص بثرّار الرحمة ثراهما- الحرم الأكيدة، والخدم الطريفة والتّليدة، ولم يزالا مجتهدين في تعمير هذا البيت وتشييد أسّه، ملازمي الإدآب «٢» في إنمائه وتشديد غرسه، مفضيين بالموالاة إلى مواليه، مفصحين بالمعاداة لمعاديه، رأينا- لا زال الإقبال لارائنا مقابلا ومرافقا، والسعد مساعدا والتوفيق موافقا- أن نلحقه بدرجة أوّليه، ونورده من كرمنا مورد جدّه وأبيه، ونثني إليه عنان عنايتنا، ونرعاه بعين رعايتنا، ونلحفه جناح لطفنا، ونبوّئه مقعد شرف تحت ظلّنا، ونحرس حدّه من الفلول، وجدّه من الخمول، وعوده من الخور، وورده من الكدر، وأن نقرّره على ما بوّأنا فيه والده من الهبات والإنعام، والإفضال والإحسان، وجميع ما دخل تحت اسمه من المعاقل والبلدان، وسيوضّح ذلك بقلم الدّيوان.

стр. 5099

فليقابل هذا الإنعام من الشكر بمثله، ويواز هذا الإفضال من حسن القبول بعدله، وليرتبط نعم الله عنده بالشّكر الوافي الوافر، فالسعيد من اطّرح خلّة الشاكي وادّرع حلّة الشاكر؛ وليدمن التحدّث بها، فالتحدّث بالنّعم من الشكر، ويستجذب موادّها بإيضاح سبل البر، ويجعل التقوى شعاره ودثاره، ويخلص الطاعة لله إيراده وإصداره؛ وليكن العدل ربيئته «١» ورائده، والأمر بالمعروف دليله وقائده، وليقم فيما نيط به حقّ القيام، ويشمّر في حفظ ما استرعيناه عن ساق الاهتمام، ويعلم أن منزلته عندنا أسنى المنازل وأعلاها، ومرتبته لدينا أبهج المراتب وأبهاها، ومحلّه عندنا السامي الذي لا يضاهيه سامي، ومكانه المكان الذي ليس له في الممكن أن يفترع علمه سامي؛ فسبيله علم ذلك وتحقيقه، وتيقّنه وتصديقه، وسبيل كلّ واقف على هذا المثال، [أن] «٢» يقابله بالامتثال، من سائر العمّال، وأرباب الولايات والأعمال. والاعتماد على العلامة الشريفة في أعلاه، إن شاء الله تعالى. الصنف الثاني- أرباب الوظائف الدينية . وهذه نسخة توقيع بتدريس مدرسة والنظر عليها، والتحدّث على أوقافها وسائر تعلّقاتها، وهي: الحمد لله الظاهر إحسانه، الباهر برهانه، القاهر سلطانه، المتظاهر امتنانه، نحمده على إنعامه حمدا يدوم به من حلب غزارته وحلي نضارته ازدياده وازديانه، ونسأله أن يصلّي على سيدنا محمد نبيّه الشارع الشارح بيانه، وعلى آله وصحبه الذين هم أعضاد شرعه وأركانه. أما بعد، فإنّا لما نراه من تشييد بيوت ذوي البيوتات، وإمضاء حكم المروءة في أهل المروءات، وإرعاء مواتّ «٣» ذوي الحقوق الحقيقة بالمراعاة وإحياء

стр. 5100

الموات، وموالاة النّعم الشامل عمومها لأولي الخصوص والخلوص في الموالات، ما نزال نلحق درجات الأخلاف منهم في الاختصاص بالاستخلاص بالأسلاف، فنوردهم من مشارع دولتنا ومشارب نعمتنا في الاصطفاء والاصطناع أعذب النّطاف «١» ، ونجنيهم من مغارس الرجاء، ومجاري النّماء، في الإدناء والاجتباء، ثمرات النّعم الدانية القطاف، ونفيض عليهم من مدارع البهجة والبهاء، وحلل الثّناء والسّناء، في الاكرام، بالاحترام، ما يضفو على الأعطاف. ولما كان الشيخ فلان متوحّدا بالنسب الأثير الأثيل، والحسب الجليّ الجليل، والمحتد الأكيد الأصيل، والفضل الموروث والمكتسب، والزّكاء في المنتمى والمنتسب، والذّكاء الذي أنارت في أفق التوفيق ذكاؤه «٢» ، والولاء الذي بان في شرعة الإخلاص صفاؤه، والدّين الذي علا سنا سنّته، في منار التحميد، والخلوص الذي حلا جنى جنّته، في مذاق التوحيد، والرّياسة التي تضوّع ريّا رياضها المونقة، والسماحة التي تنوّح حيا حياضها المغدقة، والأمانة التي نهضت بها فضائله، والموالاة التي نجحت بها عندنا وسائله- رأينا إجراءه على عادة والده في تولّي المدرسة المعمورة التي أنشأها جدّه للشافعية بحلب، وأوقافها، وأسبابها، وتدريسها، وإعادتها، واستنابة من يراه ويختاره في ذلك كله، والنظر في جميع ما يتعلّق بها كثره وقلّه، وترتيب الفقهاء فيها، وتقرير مشاهراتهم «٣» على ما يراه من تفضيل وتقديم، وتفصيل وتقسيم، وتخصيص وتعميم، ونقص وتكميل وتتميم، وحفظ الوقوف بالاحتياط في مصارفها، والعمل فيها، بشروط محبّسيها، وإطلاقها بقيود واقفيها، بالابتداء بالعمارات، التي تؤذن بتوفير الارتفاعات، وتكثير المغلّات، وتنمية الثمرات، مستشعرا تقوى الله التي هي حلية الأعمال الصالحات، والعصمة الباقية والجنّة الواقية عند

стр. 5101

النائبات. وفوّضنا ذلك إلى أمانته، وبعده إلى من يقوم مقامه من إخوته، تشييدا لبيتهم الكريم، وتجديدا لمجدهم القديم، ورفعا لمكانتهم المكينة، وحفظا لمرتبتهم المصونة، وأمرنا بإعفاء جميع أوقاف المدرسة وسائر أوقافهم، وأملاكه وأملاك إخوته وحمايتهم من جميع المظالم والمطالب، والنّوائب والشّوائب، والعوارض والعراض واللّوازم والكلف، والمؤن والسّخر، والتّبن والحطب، والأطباق والأنزال، وسائر التوزيعات والتقسيطات والأنفال، وإعفاء فلّاحيها ومزارعيها من جميع ذلك، وإطلاق كلّ ما يصل من مغلّات الأوقاف والأملاك المذكورة إلى مدينة حلب من جميع المؤن على الإطلاق، وكذلك جميع ما لهم من البضاعات والبياعات والتّجارات معفاة مطلقة لا اعتراض عليها لأحد، ولا تمدّ إلى شيء منها يد ذي يد، وليتولّ ذلك على عادته المشكورة، وأمانته المشهورة، بنظر كاف شاف، وكرم وافر واف، وورع من الشوائب صاف، وعزوف عن الدّنيّات بالدّينيّات متجاف، وسداد لركن المصالح شائد، وتذكر لترقي موادّ المناجح رائد، ورأي في ذمّة الصواب راجح، وسعي برتبة الرّشاد ناجح، وهمّة عالية في نشر العلم بالمدرسة وإعلاء مناره، وإلزام الفقهاء والطلبة بتدريسه وإعادته وحفظه وتكراره، ومروءة تامة في الاشتمال على إخوته ومخلّفي أبيه بما يصل به الرّحم، ويظهر به الكرم، ويحيي من مفاخر آبائه الرّمم، ويقوّي لهم من معاقد مكارمه العصم. وسبيل الولاة والنوّاب وكل واقف على هذا المثال إمضاء ذلك كلّه على سبيل الاستمرار، وتصرّم الأعمار، وتصرّف الأعصار، وتقلّب الأحوال والأدوار، وحفظه فيهم وفي أعقابهم على العصور والأحقاب، ووصل أسبابه عند انقطاع الأسباب، من فسخ ينقض مبرم معاقده، أو نسخ يقوّض محكم مقاعده، أو تبديل يكدّر صافي موارده ومشارعه، أو تحويل يقلّص ضافي ملابسه ومدارعه، وليبذل لهم المساعدة في كلّ ما يعود له ولجماعته بصلاح الحال، وفراغ البال ونجاح الآمال، وإقامة الجاه في جميع الأحوال. والعمل بالأمر العالي وبمقتضاه والاعتماد على التوقيع الأشرف به إن شاء الله تعالى.

стр. 5102

الصنف الثالث- أرباب الوظائف الديوانية وهذه نسخة توقيع بوزارة، من إنشاء بعض بني الأثير «١» ، وهي: الحمد لله الذي فضّلنا على كثير من عباده، وأغنانا بمزيد عطائه عن ازدياده، وجعلنا ممن استخلفه في الأرض فشكر عواقب إصداره ومباديء إيراده. نحمده- ولسان أنعمه أفصح مقالا وأفسح مجالا، وإذا اختلفت خواطر الحامدين رويّة كاثرها ارتجالا- ونسأله أن يوفّقنا لتلقّي أوامره ونواهيه بالاتباع، وأن يصغي بقلوبنا إلى إجابة داعي العدل الذي هو خير داع، وينقذنا من تبعات ما استرعاناه يوم يسأل عن رعيّته كلّ راع. أما بعد، فإن الله قرن استخارته برشده، وجعلها نورا يهتدى به في سلوك جدده «٢» ، ويستمدّ من يمن صوابه ما يغني عن الرأي ومدده، ومن شأننا أن نتأدّب بآداب الله في جليل الأمر ودقيقه، وإذا دلّ التوفيق امرءا على عمله دلّ عملنا على توفيقه، فمن عنوان ذلك أنّا اصطفينا لوزارتنا من تحمدنا الأيام من أجله، وتحسدنا الملوك على مثله، ويعلم من أتى في عصره أنه فات السابقين من قبله، وهو الوزير الأجل السيد الصدر الكبير، جلال الدين، شرف الإسلام،

стр. 5103

مجتبى الإمام فخر الأنام؛ وليست هذه النعوت مما تزيد مكانه عرفا، ولا تستوفي من أوصافه وصفا، وإن عدّها قوم جلّ ما يدّخرونه من الأحساب، ومعظم ما يخلّفونه من التّراث للأعقاب، ولا يفخر بذلك إلا من أعدم من ثروة شرفه، ورضي من الجوهر بصدفه؛ وأنت فغير فاخر به ولا بما ورثته من مجد أبيك الذي أضحت الأيّام به شهودا، والجدود له جدودا، وغدا وكأنّ عليه من شمس الضّحى نورا ومن الصّباح عمودا، وقد علمت أنه كان إليه نسب المكارم وسيمها، وكان ما بلغه منها أعظم ما بلغه من دنياه على عظمها، لكنّك خلّفت لنفسك مجدا منك ميلاده، وعنك إيجاده، وإذا اقترن سعي الفتى بسعي أبيه فذلك هو الحسب الذي تقابل شرفاه، وتلاقى طرفاه، وغضّ الزمان عنه طرفه كما فتح بمدحه فاه؛ وإذا استطرفت سادة قوم بنيت بالسّؤدد الطريف التّليد، ولقد صدّق الله لهجة المثني عليك إذ يقول: إنّك الرجل الذي تضرب به الأمثال، والمهذّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال «١» ؛ وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها؛ فهي مزدانة منك بالفضل المبين، معانة بالقويّ الأمين، فلا تبيت إلا مستخدما ضميرك في ولائها، ولا تغدو إلا مستجديا كفايتك في تمهيدها وإعلائها. ومن صفاتك أنك الواحد في عدم النظير، والمعدود بألف في صواب التدبير، والمؤازر عند ذكر الخير على الإعانة وعند نسيانه على التذكير؛ ولم ترق إلى هذه الدرجة حتّى نكحت عقبات المعالي فقضيت أجلها، وآنست من طور السعادة نارا فهديت لها؛ ولم تبلغ من العمر أشدّه، ولا نزع عنك الشباب برده؛ بل أنت في ريعان عمرك المتجمل بريعان سؤدده، المتقمّص من سيما

стр. 5104

الخلال ما أبرز وقار المشيب في أسوده. وهذا المنصب الذي أهّلت له، وإن كان ثاني الملك محلّا، وتلوه عقدا وحلّا، فقد علا بك قدره، وتأبّل «١» بك أمره، وأصبح وشخصك في أرجائه منار، ورأيك وفضلك من حوله سور وسوار، وله من قلمك خطيب يجادل عن أحساب الدولة فينفحها فخرا، وسيف يجالد عن حوزتها فيمنحها نصرا، ولقد كان من قبلك وقبل أبيك مكرها على إجابة خاطبه، والنّزول إليه عن مراتبه، فلمّا جئتماه استقرّ في مكانه، ورضي بعلوّ شأنكما لعلوّ شانه؛ وقد علم الآن بأنك نزلته نزول الليث في أجمه، واستقللت به استقلال الرّمح باحدمه «٢» ، وما زالت المعالي تسفر بينك وبينه وأنت مشتغل بالسعي للسيادة وآدابها، عن السعي للسّعادة وطلابها، فخذ ما وصلت إليه باستحقاق فضلك ومناقبه، لا باتفاق طالعك وكواكبه. واعلم أنّ هذه النعمة وإن جاءتك في حفلها، وأناخت بك بصاحبها وأهلها؛ فلا يؤنسها بك إلا الشكر الذي يجعل دارها لك دارا، وودّها مستملكا لك لا معارا، وقد قيل: إنّ الشكر والنعمة توءمان، وإنه لا يتم إلا باجتماع سرّ القلب وحديث اللسان؛ فاجعله معروفها الذي تمسكها بإحسانه، وتقيّدها بأشطانه «٣» وقد أفردنا لك من بيت المال ما تستعين به على فرائض خدمك «٤» ونوافله، وتردّ فضله على ابتناء مجدك وفضائله، وذلك شيء عائد على الدولة طيب سمعته؛ فلها محمود ذكره ومنك موارد شرعته، وإذا حمدت مناهل الغدر كان الفضل للسحاب الذي أغدرها. والمفرد باسمك من بيت المال كذا وكذا.

стр. 5105

وكلّ ما تضمّنه تقليد غيرك من الوصايا التي قرعت له عصاها، ونبذت له حصاها «١» ، فأنت مستغن عن استماعها، مكتف باطّلاع فكرك عن اطّلاعها؛ غير أنّا نسألك كما سأل رسول الله ﷺ معاذا «٢» ، ونسأل الله أن يجعل لك من أمرك يسرا ومن عزمك نفاذا، وقد أجابنا لسان حالك بأنك تأخذ بتقوى الله التي ضمن لها العاقبة، وجعل شيعتها الغالبة، وأنك تجعلها بينك وبينه سببا ممدودا، وبينك وبين الناس خلقا معهودا، حتّى تصبح وقد أمنت من دهرك عثارا، ومن أبنائه أسماعا وأبصارا- ومن شرائطها أن يكون الرجل المسلم الذي سلم الناس من يده ولسانه، وفي هذين كفاية عن غيرهما من الشّيم، التي تحفظ بها سياسات الأمم: فإنّ العدل هو الميزان الذي جعله الله ثاني الكتاب، والإحسان الذي هو الطينة التي شاركتها القلوب في جبلّتها مشاركة الأحباب. وأمّا ما سوى ذلك من سياسة الملك في تقرير أصوله، وتدبير محصوله: كالبلاد واستعمارها، والأموال واستثمارها، وولاة الأعمال واختبارها، وتجنيد الجنود واختيارها، فكلّ ذلك لا يصدر تدبيره إلا عن نظرك، ولا يمشى فيه إلا على أثرك؛ وأنت فيه الفقيه ابن الفقيه الذي سرى إليك علمه نفسا ودرسا، وثمرة وغرسا؛ فهذا كتاب عهدنا إليك: فخذه بقوّة الأمانة التي أبت السموات والأرض حملها، وما أطاقت ثقلها، والله يسلك بك سددا، ويتحرّى بك رشدا، ويلزمك التوفيق قلبا ولسانا ويدا، إن شاء الله تعالى.

стр. 5106

ومن ذلك نسخة توقيع بإعادة النظر بثغر الإسكندرية لابن بصّاصة «١» في شهور سنة ثمان وسبعين وستمائة، وهي: الحمد لله الذي أضحك الثّغور بعد عبوسها، وردّ لها جمالها وأنار أفقها بطلوع شموسها، وأحيا معالم الخير فيها وقد كادت أن تشرف على دروسها، وأقام لمصالح الأمة من يشرق وجه الحق ببياض آرائه، وتلتذّ الاسماع بتلاوة أوصافه الجميلة وأنبائه، حمد من أسبغت عليه النّعماء، وتهادت إليه الآلاء، وخطبته لنفسها العلياء. وبعد، فأحقّ من [أماس] في أندية الرّياسة عطفا، واستجلى وجوه السعادة من حجب عزّها فأبدت له جمالا ولطفا. واصطفته الدولة القاهرة لمهمّاتها لمّا رأته خير كافل، وتنقّل في مراتبها السنية تنقّل النّيّرات في المنازل «٢» ولما كان المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الصدر، الكبير، الرئيس، الأوحد، الكامل، المجتبى، المرتضى، الفاضل، الرشيد، جمال الدين، فخر الأنام، شرف الأكابر، جمال الصّدور، قدوة الأمناء، ذخر الدولة، رضيّ الملوك والسلاطين، الحسين ابن القاضي زكيّ الدين أبي القاسم- أدام الله رفعته- ممن أشارت إليه المناقب الجليلة، وصارت له إلى كل سؤل نعم الوسيلة- رسم بالأمر العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، العادليّ، البدريّ- ضاعف الله علاءه ونفاذه- أن يفوّض إليه نظر ثغر الإسكندريّة المحروس ونظر متاجره، ونظر زكواته ونظر صادره، ونظر فوّة «٣» والمزاحمتين، فيقدّم خيرة الله تعالى

стр. 5107

ويباشر هذا المنصب المبارك، بعزماته الماضية، وهممه العالية، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك، ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا، وينتصب لتدبير أحواله على عادته، ويقرّر قواعده بعالي همّته، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره، واستخراج زكاته وتنمية متاجره، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل، الذي كانوا ألفوه منه، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه؛ فإنهم هدايا البحور، ودوالبة الثّغور، ومن ألسنتهم يطّلع على ما تجنّه الصّدور، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم وحاموا عليه كالطّيور، وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الكريمة المستقرّة الحكم إلى آخر وقت، ولا يسلك بهم حالة توجب لهم القلق والتظلّم والمقت، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور، وليملأ الخزائن السلطانيّة من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما يستغنى به عن الواصل في البرور والبحور، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي، وتجود سحائب فوائدها وتهمي، وليراع أحوال المستخدمين في مباشراتهم، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم، ليتحقّقوا أنّه مهيمن عليهم، وناظر بعين الرأفة إليهم، فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة، وتتحلّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة؛ وليتفق فيما يأتيه ويذره، ويقدّمه من المهمّات ويؤخّره، مع المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، المجاهد، المقدّم، الأوحد، النصير شمس الدين، متولّي الثغر المحروس- أدام الله نعمته- فإنه نعم المعين على تدبير المهمّات، ونعمت الشمس المشرقة في ظلم المشكلات. وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس، ليرد الجواب عليه عنها بما يشرح الصدور ويطيّب النفوس، وليتناول من الجامكية «١»

стр. 5108

والجراية عن ذلك في غرّة كلّ شهر من استقبال مباشرته ما يشهد به الديوان المعمور لمن تقدّمه من النّظّار بهذه الجهات، وهي نظر الثغر وما أضيف إليه على ما شرح أعلاه. المرتبة الثانية (أن تفتتح الولاية بلفظ «أما بعد حمد الله» أو «أما بعد فإن كذا» ويؤتى بما يناسب من ذكر الولاية والمولّى، ثم يذكر ما سنح من الوصايا ثم يقال «وسبيل كل واقف عليه» ) فمن المكتتب لأرباب السّيوف من هذه المرتبة ما كان يكتب لبعض الولاة. وهذه نسخة بولاية الشرقية «١» ، وهي: أما بعد، فإنّا لما منحنا الله إيّاه من معجزات النصر المستنطق الألسنة بالتسبيح، وآتاناه من نظر حمى ناضر عيش الأمّة من التّصويح «٢» ، وألبسناه من ثياب العظمة المخصوصة بأحسن التوشيع والتوشيح، ووفّقنا له من اصطفاء من نقبل عليه بوجه التأهيل للمهمّات والتشريح، وقوّاه من عزائمنا التي ترجّ بها أرض الكفر وتدوّخ، ووسّعه لنا من الفتوح التي أنباؤها خير ما تصدّر به السّير وتؤرّخ- لا نزال نبالغ فيما صان الحوزة وحاطها، ومدّ رواق الأمنة ومهّد بساطها، وقرّب نوازح المصالح وجمع أشتاتها، وأوجب انصرام حبال اختلال الأمور واقتضى انبتاتها. ولما كانت الأعمال الشرقية جديرة بمتابعة الاعتناء وموالاته، وإعراق كرم التعهّد فيما يحفظ نظامها بمغالاته، وأحقّها بأن تصرف إلى صونها وجوه الهمم الطّوامح، ويوقف عليها حسن الاحتفال الجامع دواعي تذليل الجامح، إذ كانت

стр. 5109

أجدر الأعمال بكلاءة الفروع من أوضاعها والأصول، والباب الذي لا يجب أن يدخله إلّا من أذن له في القدوم إليها والوصول، ويتعيّن التحرّز على الطّرقات التي منها إليها الإفضاء، ويوكّل بما دونها من المياه عيون حفظة لا يلزمها النوم والإغضاء،- وكنت أيّها الأمير أشدّ الأمراء باسا، وأوفاهم لحسن الذكر الجميل لباسا، وأكثرهم لمهج الأعداء اختلاسا، وأجمعهم للمحاسن المختلفة ضروبا وأجناسا، وقد تناصرت على قصودك الحسنة واضحات الدلائل، وتحلّت أجياد خلالك من جواهر المفاخر بقلائد غير قلائل، واستطار لك أجمل سمعة، وفطمت سيوفك أبناء الكفر عن ارتضاعها من الملّة الإسلامية ثدي طمعة، ولا استبهمت طرق السياسة إلا هديت إلى مجاهلها، ولا حلّأ «١» التقصير سواك عن شرائع النّعم إلا غدوت بكفايتك وارد مناهلها، وكم شهدت مقام جلاد، وموقف جهاد، فمزّقت ثوب ما رقّقه نسجا، وأدلت في ليل قسطله عوادي صوارمك شرجا، وقمت فيما وكل إليك من أمور الفاقوسيّة وقلعتي صدر وأيلة «٢» حرسهما الله تعالى قياما أحظاك بالثناء والصواب، واستنبت في كلّ منها من أجرى أمورها على الصواب- خرج أمر الملك الناصر بكتب هذا السجلّ بتقليدك ولاية الأعمال الشرقية المقدّم ذكرها؛ فاعتمد مباشرتها عاملا بتقوى الله التي مغنمها خير ما اقتاده مستشعروها لأنفسهم واستاقوه. قال الله تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ «٣» ، وأبسط العدل على أهل هذه الولاية، واخصص أهل السّلامة بما يسبل عليهم ستر الحياطة والحماية، وتطلّب المفسدين أتمّ تطلّب، واحظر عليهم التّنقّل، في هذه البلاد والتقلّب؛ ومن

стр. 5110

ظفرت به منهم فقابله بما يوجبه حكم جريرته، ويقتضيه موقع جريمته، ويجعله مزدجرا لسالكي طريقته، وشدّ من المستخلف على الحكم العزيز شدّا ينصر جانب الشرع ويعزّه، ويكرّ به على الباطل ترويع الحق وأزّه «١» ، وأعن المستخدمين في المال على استيفائه من وجوهه عند وجوبه، وبلّغ كلّا منهم من الإعانة على تحصيله أقصى مطلوبه، وقوّ أيديهم في تخضير البلاد وتعميرها؛ وابعث المزارعين على مباشرة أحوال الزّراعة وتقرير أمورها، وفيما يسترعونه من مصالح الأعمال، ويعود عليهم في موجبات الرجاء بمناحج الآمال، وراع أمر السّبل والطّرقات، واجعل احتراسك عليها الآن موفيا على المتقدم من سالف الأوقات، ولا تن في إنفاذ المتخبّرين «٢» إلى بلاد العدوّ، وتحدّيهم في الرّواح والغدوّ، بما يمنعهم من الهدوّ، وكشف أخبارهم، وتتّبع آثارهم، وتسيير الجواسيس إلى ديارهم، حتّى لا تخفى عنك من شؤونهم خافية، ولا يجدوا سبيل غرّة «٣» يهتبلونها- والعياذ بالله- بالجملة الكافية، وطالع بما يتجدّد لك وما يرد من الأنباء عليك، وغير ذلك مما يحتاج إلى علمه من جهتك، وما تجري عليه أحكام خدمتك؛ فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة بولاية الغربية من هذه المرتبة، وهي: أما بعد، فإنّا- لما آتانا الله من سعادة لطرق الإرادات فيها تعبيد، وأسبغه بنا من نعم لا يعدّها التحديد، ولا يحدّها التعديد، وأنهجنا به من اكتناف المطالب بنجاح لا يعقّبه تعسير ولا يعسّره تعقيد، وأمضاه من عزائمنا التي ما فتكت قطّ بالأعداء فقيد منهم فقيد، ولقّاه الأمنة بنظرنا من نضرة عيش جانب الجفاف دوحه المخضلّ، وأهداه بتبصيرنا من أنوار الهدى المتقدّمة كلّ ذي جهل ظلّ ممن ضلّ- لا نزال نستوضح أمور أمراء دولتنا متصفّحين، ونبلو أخبار

стр. 5111

المؤهّلين منهم لسياسة الرعيّة المرشّحين، ونكشف شؤونهم غير متجوّرين ولا متسمّحين، ونظهر في أحوالهم آثار الإيثار لرفع درجاتهم، وأمارات الرفع منهم مقابلة على حياطة أموال من نكون عليه وصون منجاتهم، ونبوّئهم مبوّأ صدق من تصديق آمالهم وتحقيقها، ونزفّ إليهم عقائل المنح المانع شكرهم من تسيّب سيبها وتطرّق تطليقها، ونحمل لكلّ منهم ما يؤمّله من اجتهاده ويؤثره، ولا نلغي الاهتمام بما يوطّيء لهم مهاد الطّول الجزيل ويؤثّره، عملا بآداب الله سبحانه في إجزال حظوظ المحسنين من إحسان المجازاة، وإيلائهم المزيد الحاكم بنقص اعتدادهم عن الموازنة له والموازاة، كما قال سبحانه، وقوله هدى ونور وشفاء لما في الصدور: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ «١» ولما كان الأمير (والنعوت والدعاء) من أنجحهم فالا، وأرجحهم مقالا، وأصلحهم أعمالا، وأوضحهم كمالا؛ وما زالت أغصان نهاه متتابعة في بسوقها، وضرائبه نافقة أعلاق المحامد بسوقها، وعزائمه في إذلال الفرق المبالغة في فسوقها، مشمّرة عن سوقها، وما برح في شوط الفخر راكضا، ولعقود مكروه الأمور التي تزيغ الأمانة رافضا، وبأعباء القيام بفرائض الآلاء ناهضا، وما انفكّت مناقبه تعيي بيان الواصف وبنان العادّ، ومساعيه مدركة وهي وادعة ما يعجز عن أقلّه جدّ الجادّ، ورأيه [يرتق] «٢» كلّ متفتّق ومنبثق من الأمور المهمّة بسداد الراتق السادّ، وجميل ذكره يفوح بما يفوق المسك فيثوب إليه من الثّواب بالنائي النادّ «٣» ؛ وما فتيء دأب شيمته الإعراض، عن الموبق من الأعراض، واختيار الرّفق، والإغراق فيما يديمه إلى فكّ أعناق أسرى المسلمين من سرى العتق- خرج أمر الملك الناصر بكتب هذا السجلّ له بتقليده ولاية

стр. 5112

الأعمال الغربية. فليتقلّد ما قلّده معتمدا على تقوى الله التي صرف عن معتمدها شرب التكدير، ومنحه من المكارم عنده ما يوفي على التقدير، وليجر على عادته في بسط ظل المعدلة ومدّ رواقها، وصون مساحي «١» الرّعايا عن إملاقها منها وإخفاقها، والمساواة بها بين الأقوى والأضعف، والأدنى والأشرف، والبادي والحضّار، والمناوئين والأنصار، والخاصّ والعام، والأجنبيّ وربّ الحرمة والذّمام: لينام المستورون على مهاد الأمن، ويسلم جانب سلامة أموالهم وأرواحهم من الوهن، وليعامل المستخلف على الحكم العزيز بما يستوجبه مثله من نصرة الأحكام، ووكل إليه «٢» أمر الأمراء لمن آثرها والإحكام، والإكرام الشامل لقدره، والاهتمام الشارح لصدره، وليتوخّ المستخدمين في الأموال بما يكون لعللهم مريحا، ليصل إليهم ما يرومونه نجيحا، ويلزم من جرت عادته بلزوم الحدود واجتناب تعدّيها، والتوفّر على حفظ مسالكها والمتردّدين فيها، وليطالع بما يتجدد قبله من الأحوال الطارية، وما لم تزل الرّسوم بإنهاء مثلها جارية، إن شاء الله تعالى. المرتبة الثالثة (أن تفتتح الولاية بلفظ «رسم» ثم يذكر أمر الولاية والمولّى ويوضح، ثم يقال «وسبيل كلّ واقف عليه» ) فمن المكتتب لأرباب السيوف من هذه المرتبة نسخة مرسوم بشدّ «٣»

стр. 5113

ناحية، وهي: رسم- أعلى الله المراسيم وأدام نفاذها- بالإنعام على الأمير فلان بما يفيض عليه ملابس الاصطفاء ويضفيها، ويسمي لقدمه في الثبات مدارج الارتقاء ويسنيها، ويعرب عن اختصاصه بالمنزلة التي يفضل بها على مباريه، واستخلاصه للمرتبة التي يفوت بها شأو مجاريه، ويؤهّله لثغر حارم «١» المحروس وشدّه وتولّيه أموره بكفايته ونهضته وحزامته وجدّه، وقد أمرنا بتسليم قلعة حارم وأعمالها، وسائر ما يختص بها ويضاف إليها من ضياعها ومواضعها إليه، والتعويل في ولايتها وتعميرها وتثميرها عليه، بموجب ما يفصّل من الديوان على ما كان جاريا في الإقطاع المحروس للحال، وسبيل أهل الديوان- أيدهم الله- العمل بالأمر العالي وبمقتضاه، والاعتماد على التوقيع الأشرف به، إن شاء الله تعالى. ومن ذلك نسخة مرسوم بشدّ وقف، وهي: رسم- أعلى الله المراسيم وأدام نفاذها- بالتعويل على الأمير فلان في تولية الوقوف بالجامع المعمور بحلب المحروسة، والبيمارستان، والمساجد، والمشاهد بالأماكن والمواضع، وظاهرها وباطنها وأعمالها، وتفويضها إليه، والاعتماد في جميعها عليه، سكونا إلى نهضته وكفايته، ووثوقا بخبرته ومعرفته وعلما بنزاهته، وسداده وأمانته، وذلك لاستقبال سنة سبع وثمانين وخمسمائة. فليتولّ ذلك بكفاية كافية، ونهضة وافية، وهمّة لأدواء الأحوال شافية، ونظر تامّ، لشمل المصالح ضامّ، وتدبير جميل في كل خاصّ من أسباب عمله وعامّ، وتقوى لله تقوى بها يده، ويضح بالاستقامة على سننها جدده،

стр. 5114

ناظرا في الوقوف ومصارفها، وتتّبع شروط واقفها، بكل ما يعود بتعمير أعمالها، وتثمير أموالها، وتدبير أحوالها، مطالبا بحساب من تقدّمه وتحقيق مبالغه تكميلا وإضافة، واحتسابا وسيافة، وليطلب شواهده، وليبن على الصحة قواعده وليلتمس ما يصح من بواقيه من جهاتها، وليكشف بما يوضّحه من سبل الأمانة وجوه شبهاتها، وقد أذن له في استخدام من يراه من النوّاب والمتصرفين والمشارفين «١» ، والوكلاء والمستخدمين، على ما جرت به العادة، من غير زيادة. وسبيل النواب- أيدهم الله- العمل بالأمر العالي وبمقتضاه، والاعتماد على العلامة الشريفة، إن شاء الله تعالى. المرتبة الرابعة (أن يفتتح بلفظ: «إن أحق» أو «إن أولى» أو «من كانت صفته كذا» وما أشبه ذلك) فمن ذلك نسخة منشور بنقابة الأشراف «٢» ، وهي: من كانت أوصافه شائعة بين الأنام، وصنوف فضائله منشورة لدى الخاصّ والعام، مع شرف نسب شامخ الأعلام، وتقى فخر به على الأنام، وعلم يجلى به صدأ الأفهام، وعفّة مرائرها محكمة الإبرام- كان جديرا بإفاضة سجال النّعم عليه، وقمينا بإرسال سيل المواهب إليه. ولما كان الشيخ فلان متصفا بهذه الصفات الجميلة، ومتخصّصا بمزاياها الجليلة، وضاربا فيها بالسّهم المعلّى، ونازلا منها في الشّرف الأعلى، ومتقمّصا

стр. 5115

ثوب الإخلاص والصّفاء، ومتّشحا بوشاح العفّة والولاء- اختصصناه بزيادة التقديم والاجتباء، وحبوناه بوفور الكرامة والاصطفاء، وأجريناه على مستمرّ رسمه بالرّعاية على ذرّيّة أهل العباء «١» ، حسب عادته المستقرّة إلى آخر عهد من كانت الإيالة إليه وإلى رحمة الله مضى: ليسير فيهم بكتاب الله العظيم وسنّة رسوله، ويسلك جدد الحق الذي يوصّله من الزّلفى إلى أقصى مناه وسوله، ويحضّهم على تلاوة القرآن، ومعرفة ما يصلح للأديان. وليسوّ في الحكم بين الضعيف فيهم والقويّ، ويعمّ بالإنصاف الفقير والغنيّ، وليحسن إلى محسنهم، وليجر على فضله لمسيئهم، بعد أن يقدّم إليه زجرا ووعيدا، ويوسعه إنذارا وتهديدا، فإن وعى وارعوى وإلا سلّط عليه أسباب الأذى، وتولّاه بما يستحقّه من الجزا، ويعيده إلى حالة الاستقامة والاستواء، ويكفّه عن دواعي الهوى. ومن وجب عليه حدّ أقامه فيه، وبادر إلى اعتماده وتوخّيه، حسب ما يوجبه حكم الشرع ويقتضيه. وليكن رؤوفا بهم ما استقاموا، ومنتقما منهم ما اعوجّوا ومالوا؛ وإن وجب على أحدهم حقّ لمليّ أو دنيّ، استخلصه منه ولم يمنعه تعلّقه بنسب شريف عليّ، وإن افترى منهم مفتر على أحد من الملل، قابله عليه بما يزجره عن قبيح العمل: فإنّ الناس في دار الإسلام ومن هو تحت الذّمام سواسية، وأقربهم إلى الله تعالى من كانت سيرته في الإسلام رضيّة، وطويّته في الإيمان خالصة نقيّة، ومن حكم عليه حاكم من الحكّام، بحقّ ثبت عنده بالبيّنة العادلة أو الإعلام، انتزعه منه أو سجنه عليه، إلى أن يرضي خصمه أو يردّ أمره إلى الحاكم ويفوّضه إليه. وليحرس أنسابهم بإثبات أصولها، وتحقيق فروعها، ومن رام دخولا فيه بدعوى يبطل فيها نقّب عن كشف حاله، وإظهار محاله، وجازاه بما يستحقّه أمثاله، ويرتدع فيما بعد مثاله: ليخلص هذا النسب الكريم، من دعوى
следующие страницы →