← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

المعدلة نفسها، برافع لوائها، وأبّدت الدولة أنسها، بناشر برّها في الأقطار وآلائها، وافترّت ثغور الاقاليم المحروسة بمن تلهج بمصالحها ألسنة أقلامه، واخضرّت ربى آمال الأولياء بما يسفر عنه من تهلّل بهاء غرر أيامه، من هززنا منه لمصالح الإسلام سيفا يصل ما أمر الله به أن يوصل، ويفصل من مهمّات الممالك ما يقتضي الحقّ أن يفصل، ويبرز من معادن العدل والإحسان ما هو في سرّ خلائقه كامن، وينزل من استقامت سيرته في الحمى المخصب والحرم الآمن، ويصون الأموال بمهابته فلا تمتدّ إليها هواجس الأطماع، ولا تتجاسر أبصار غير الأمناء أن تقصّ نبأ رؤيتها على الأسماع، ويضاعفها بخبرته التي تهديها الأمانة إلى معادنها، وتدلّها النزاهة على مواطنها، وتبدي لها ظواهر الأعمال أسرار بواطنها، ويعمّر بيوت الأموال بعمارة البلاد، ويثمّر فروع الطّوارف من مصالحها بحفظ أصول التّلاد «١» ، ويكفّ أكفّ الظلم عن الرعايا فلا يخشى محقّ على حقه، ولا يخاف مستقيم على ما قسم له من رزقه، ولا يطمح قويّ إلى من يستضعف جانبه، ولا يطمع باغ في الحيف على أحد مخالطه في نشب «٢» كان أو مجانبه. ولما كان الجناب العالي (الفلانيّ) هو الذي أشير إلى مناقبه، واعتضد منه بمطيع لله في السرّ والعلن ومراقبه، وفوّض تدبير الممالك منه إلى من لا تأخذه في الحق لومة لائم، واعتمدت أيامنا الزاهرة منه على من طالما سرى في مصالحها على جياد العزائم، وشدّ أزر الملك من موازرته بمن يكسو دست الوزارة أبّهة وجلالا، ويلبس منصبها سنا لو ملكته الشمس مارامت عن بروج شرفها انتقالا، ويمدّ على الرعايا لواء عدل لا يقلّص له هجير الظلم كما تتقلّص الظلال ظلالا، وتطلع به شموس الأرزاق على أولياء دولتنا لكن لا ترهب

стр. 5217

كالشّموس غروبا ولا زوالا، مع مهابة تخيف الأسد في أجماتها، ومعدلة تعين الغيوث على رفع محول البلاد ودفع أزماتها، وديانة زانها التّقى، وخبرة صانها الورع وهما أفضل ما به يرتقى. وكانت الوزارة الشريفة نظام المملكة وقوامها، وذروة الدولة وسنامها، وتاج المراتب وإكليلها، وعتاد الخزائن الجامع دقيق المصالح الإسلامية وجليلها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن تزيّن هذه الرتبة بجوهر فرنده، وأن يصدر منصبها عن مناقب لا تصدر إلا عن جهته ومفاخر لا ترد إلا من عنده، وأن يطلق في مصالحها قلمه، ويمضي في قواعدها إشاراته وكلمه، ويطلع في أفقها شمس تدبيره، ويعدق به ما يراه في أمورها من صغير الأمر وكبيره، وأن نجعل مسامع الأقاليم على سعتها إلى أوامره ونواهيه مصغية، وأن نصدّ بسمعته عمن بعد عوارض الإمهال الملهية ومواقع الإهمال المطغية. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت سحائب برّه مستهلّة، وركائب المحامد إلى حرم نعمه مهلّة- أن تفوّض إليه الوزارة الشريفة بالممالك الإسلامية على أكمل القواعد، وأجمل العوائد، تفويضا يعلي مرامه، ويمضي مضاء ألسنة الأسنة أقلامه، ويبسط في مصالح الأقاليم المحروسة يده ولسانه، ويلقي إليه من مهمّات كلّ قطر أزمّته ليصرّف على ما يراه من المصالح عنانه. فليستقرّ في هذه الرّتبة السنية استقرار الدّرر في أسلاكها، والدّراريّ في أفلاكها، نافذ الأمر في مصالح شرقها وغربها، مطاع القول في بعد أماكنها منه وقربها، ناشرا كلمة العدل في أرجائها، محققا بالإحسان آمال أمم قصرت على كرمنا ممدود رجائها، معليا منار الشرع الشريف بمعاضدة حكّامه، والوقوف عند أوامره المطاعة وأحكامه، حافظا أقدار الرّتب بأكفائها، معتمدا على ذوي البيوت المحافظين على اتّباع سير أسلافهم واقتفائها، معوّلا على ذوي الخبرة التامة مع الدّيانة، مراعيا مع ظهور المعرفة جانب العفّة والنّزاهة والصّيانة، موكّلا بمصالح بيوت الأموال والخزائن المعمورة موادّ الأموال ومعينها، صارفا إلى عمارة البلاد

стр. 5218

جميل تدبير تعتضد البحار والسّحب منه بمساعدها على ريّ الأرض ومعينها، ميسّرا موادّ أرزاق خدم دولتنا القاهرة وأوليائها بجميل بشره وحسن روائه، مسهّلا مطالب أرباب الرواتب والصّدقات بطلاقة وجه لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه،: ليتوفّر أهل الوظائف على خدمهم بقلوب منبسطة الآمال، ويناضل عنها الفقراء بسهام «١» الليل التي لا تطيش إذا طاشت النّبال؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا فليكتب يمتثل، وليقل في مصالحنا بما يراه يسر كلامه سريّ الرياح ويسر قوله سير المثل، ولا يمض عقد ولا حلّ، ولا ولاية ولا عزل، ولا رفع ولا خفض، ولا إبرام ولا نقض، إلا عن رأيه وإشارته، وبنصّ خطّه وعبارته. وفي سيرته السّريّة، وديانته التي هي من أسباب الهوى عريّة، ما يغني عن وصايا تملى على فكره، وقواعد تجلى على ذكره؛ وملاكها تقوى الله: وهي من أخصّ أوصافه، ونشر العدل والإحسان وهما من نتائج إنصاته لأمور الرعايا وإنصافه؛ لكن على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين، وترفع درجات المتقين؛ فليجعلها نجيّ خاطره، وقبلة ناظره؛ والله تعالى يعلي قدره وقد فعل، ويجعله من عباده المتقين وقد جعل؛ بمنّه وكرمه. والاعتماد [على الخط الشريف أعلاه] «٢» إن شاء الله تعالى. الوظيفة الثالثة (الإشارة، وهي وظيفة قد حدثت كتابتها ولم يعهد بها كتابة في الزمن القديم) وهذه نسخة تقليد أنشأته بالإشارة للأمير جمال الدين يوسف البشاسي «٣»

стр. 5219

إستادار في الدولة الناصرية فرج، حين فوّضت إليه الإشارة مضافة إلى الإستداريّة، وكتب له به المقرّ الشمسيّ العمريّ كاتب الدّست الشريف، في شعبان سنة تسع وثمانمائة، وهي: الحمد لله الذي جدّد للديار المصريّة بالمحاسن اليوسفيّة رونق جمالها، وأعزّ جانبها بأجلّ عزيز ملأت هيبته الوافرة فسيح مجالها، وأسعد جدّها بأسعد مشير أدارت آراؤه الصائبة متقاعس الأمور ما بين يمينها وشمالها، وأكرم مآبها بأمثل كاف عاد حسن تدبيره بضروب من المصالح أنام الخلق في ظلالها، وأجاب سؤلها بأكمل لم تعدل عن خطبتها له وإن أطال في مطالها. نحمده على أن أغاث الدولة القاهرة بمن أخصب به بعد الإمحال ربعها، وطال بطوله بعد القصور فرعها، وحسن في المناظر بحسن تأتّيه لذي التأمّل ينعها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي شرع المشورة وحثّ عليها، وعدق أمور السيف والقلم بها فردّهما عند اختلاف الرأي إليها، شهادة ترفع قائلها إلى أسنى المراتب وتعليه، وتقرّب المخلص في انتحالها من مقام الاستخلاص وتدنيه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي ورد وارد الأمة من منهل شرعته المطهّرة ما عذب مشرعه وردا وصدرا، والتقطت السّيّارة أحاديث فضله فصيّرتها للرّفاق سمرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تقيّلوا مساحب أذياله في العدل فعدلوا، ولزموا منهج سننه الواضح فما حادوا عن سواء السبيل ولا عدلوا، صلاة تفوق العدّ حصرا، وترفع بركاتها عن الأمة حصرا وتبدّل العسر يسرا، فتعيد عجاف الزمان سمانا وسنبلات الوقت بعد اليبس خضرا، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإنّ للمملكة قواعد تبنى عليها، وأركانا تستند إليها، ودعائم يشدّ بالاعتضاد بها بنيانها، وعمدا يعتمد عليها في المهمّات سلطانها؛ وهذه المباني وإن اتّسع نطاقها، وامتدّ بامتداد المملكة رواقها، فإنّ بالسيف والقلم قوامها،

стр. 5220

وبالتعلّق بحبالها بقاءها ودوامها؛ إذ كانا قطبين عليهما مدار فلكها، ونقطتين عنهما ينشأ الخطّ المستقيم في تدبير ملكها، وزعيمين يترافع إليهما عند التخاصم، وحكمين يرجع إلى حكمهما عند التّحاكم؛ إلا أنهما لا يستقلّان عند التحالف، ولا يقوم أحدهما برأسه لدى التّخالف؛ بل لهما إمام يرجعان إليه، ويعوّلان عند اضطراب الأمور عليه، وهو الرأي الذي لا يقطع أمر دون حكمه، ولا يهتدي سار في مهامه المهمّات إلا بنجمه؛ إذ كان على الشجاعة مقدّما، ودليله من المعقول والمنقول مسلّما، والمتّسم به لا يزال عند الملوك مبجّلا معظّما، لا يقدّمون عليه ولدا ولا والدا، ولا يؤثرون على معاضدته عضدا ولا ساعدا، إن أشار برأي تمسك الملك منه بالحبل المتين، أو محضه كلام نصح قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ «١» ولما كان الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) يوسف الناصري: ضاعف الله تعالى نعمته، هو الذي حنّكته التّجارب و «حلب الدّهر أشطره» وعرف بتقليب الأمور على ممرّ الزمان مخبره، مع ما اشتمل عليه من الرأي الصائب، والفكر الذي إذا أبدت قريحته في الارتياء عجبا أتت فطرته السليمة بالعجائب. هذا وقد علا في الدولة القاهرة مقامه، ورشقت أغراض مقاصدها بانقضاء الآجال في الوقائع سهامه، وساس العساكر فأحسن في سياستها التدبير، وبذل في نفقاتها الأموال فمال فيها إلى الإسراف دون التقتير، واستجلب الخواطر فأخذ منها بمجامع القلوب، واقتاد النفوس الأبيّة قهرا فأطاعه من بين الشّمال والجنوب، وقام من المهمّات الشريفة بما لم يسبقه إليه سابق، وأتى من خوارق العادات في التنفيذ بما لم يلحقه فيه لاحق، وبادر إلى ترتيب المصالح فرتّبها ولم يعقه في انتهاز الفرصة عن دفع المفاسد عائق، وأخذ في حطّ الأسعار فورد منهلا من المعروف صافيا، وأمر بإبطال المعاملين فكان له عملا على توالي

стр. 5221

الأزمان باقيا، ولازم بعد رضا الله تعالى رضا ملكه ففاز بأشرف المآثر في الحديث والقديم، وتأسّى في تعريفه بنفسه بيوسف ﵇ فقال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «١» - اقتضى حسن الرأي الشريف تنويهنا بذكره، وتقديمه على غيره ممن رام هذه الرتبة فحجب دونها وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ «٢» فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزينيّ- لا زال يجمع لأوليائه شمل المعالي، ويرقّي أصفياءه في درجات العزّ على ممرّ الأيّام والليالي- أن تفوّض إلى المشار إليه الإشارة الشريفة التي هي أسنى المقامات وأعلاها، وأقصى المرامات لدينا وأغياها، مع ما انضمّ إلى ذلك من النظر في الوزارة الشريفة التي جلّ قدرها، وعلا في المناصب ذكرها، والخاصّ الذي اختص بمهمّاتنا الشريفة، والديوان المفرد «٣» الذي غمر من ممالكنا السعيدة ذا الوظيفة وغير ذي الوظيفة، وتعلقات المملكة شرقا وغربا، ولوازمها المفترقة بعدا وقربا. فليتلقّ ما فوّض إليه بيمينه التي طالما ربحت في الطاعة صفقتها، ويقابله بالقبول الذي محلّه من القلوب مهجتها، مقدّما تقوى الله تعالى فيما خفي من مقاصده وظهر، مؤثرا رضاه في كل ما يأتي ويذر، معتمدا في المصالح اعتماد ذي اليقظة الساهر، آتيا من غرائب الرّغائب بما يحقّق قول القائل: «كم ترك الأوّل للآخر» . والوصايا كثيرة ومن بحره تستخرج دررها، ومن سوابق آرائه تستوضح

стр. 5222

أوضاحها وغررها، والله تعالى يديم عليه نعم إقبالنا الباطنة والظاهرة، ويتولّاه من العناية بما يحقّق له دائم قوله: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ «١» . والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، إن شاء الله تعالى. الطبقة الثانية (ممن يكتب له من أرباب السيوف ذوات التواقيع، وفيها وظائف) الوظيفة الأولى (نظر البيمارستان لصاحب سيف) الحمد لله رافع قدر من كان في «٢» خدمتنا الشريفة كريم الخلال، ومعلي درجة من أضفى عليه الإخلاص في طاعتنا العلية مديد الظّلال، ومجدّد نعم من لم يخصّه اعتناؤنا بغاية إلا رقّته هممه فيها إلى أسنى رتب الكمال، ومفوّض النظر في قرب الملوك السالفة إلى من لم يلاحظ من خواصّنا أمرا إلا سرّنا ما نشاهد فيه من الأحوال الحوال «٣» . نحمده على نعمه التي لا تزال تسري إلى الأولياء عوارفها، ومناهله التي لا تبرح تشتمل على الأصفياء عواطفها، وآلائه التي تسدّد آراءنا في تفويض القرب إلى من إذا باشرها سرّ بسيرته السريّة مستحقّها وواقفها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة رفع الإخلاص لواءها، وأفاض الإيمان على وجوه حملتها إشراقها وضياءها، ووالى الايقان إعادة أدائها بمواقف الحق وإبداءها. ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بعموم الشفاعة العظمى،

стр. 5223

المقصوص في السّنّة ذكر حوضه الذي من شرب منه شربه فإنّه بعدها لا يظما، المنصوص على نبوّته في الصّحف المنزّلة وبشّرت به الهواتف نثرا ونظما، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من طاعته، بالرّتب الفاخرة، وحازوا بالإخلاص في محبته، سعادة الدنيا والآخرة، وأقبلوا على حظوظهم من رضا الله ورضاه فلم يلووا على خدع الدنيا الساحرة، صلاة دائمة الاتّصال آمنة شمس دولتها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى الأمور بالنظر في مصالحها، وأحقّها بتوفير الفكر على اعتباد مناهجها واعتماد مناجحها، أمر جهات البرّ التي تقرّب بها السلطان الشهيد الملك المنصور (قدّس الله روحه) إلى من أفاض نعمه عليه، وتنوّع في إنشائها فأحسن فيها كما أحسن الله إليه، ورغب بها فيما عند الله: لعلمه أنّ ذلك من أنفس الذخائر التي أعدّها بين يديه، وحلّ منها في أكرم بقعة نقله الله بها عن سريره إلى مقعد صدق عند ربّه، وعمر بها مواطن العبادة في يوم سلمه بعد أن عفّى بها معاقل الكفر في يوم حربه، وأقام بها منار العلوم فعلا منالها، وأعدّ للضّعفاء بها من موادّ البرّ والإلطاف ما لو تعاطته الأغنياء قصرت عن التطاول إليه أموالها؛ وأن نرتاد لها من إذا فوّضنا إليه أمرا تحقّقنا صلاحه، وتيقّنّا نجاحه، واعتقدنا تنمية أمواله، واعتمدنا في مضاعفة ارتفاعه وانتفاعه على أقواله وأفعاله، وعلمنا من ذلك ما لا نحتاج فيه إلى اختبار ولا اعتبار، ولا يحتاج في بيان الخيرة فيه إلى دليل إلا إذا احتاج إليه النّهار، لنكون في ذلك بمثابة من ضاعف لهذه القرب أسباب ثوابها، أو جدّد لها وقفا: لكونه أتى بيوت الإحسان في ارتياد أكفاء النّظر لها من أبوابها. ولما كان فلان هو الذي نبّهت أوصافه على أنه ما ولي أمرا إلا وكان فوق ذلك قدرا، ولا اعتمد عليه فيما تضيق عنه همم الأولياء إلا رحب به صدرا، ولا طلع في أفق رتبة هلالا إلا وتأمّلته العيون لأجلّ رتب الكمال بدرا، يدرك ما نأى من مصالح ما يليه بأدنى نظر، ويسبق في سداد ما يباشره على ما يجب سداد الآراء ومواقع الفكر. ونحن نزداد غبطة بتدبيره، ونتحقّق أنّ كل ما عدقنا به إليه

стр. 5224

من أمر جليل فقد أسندناه إلى عارفه وفوّضناه إلى خبيره- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعدق بجميل نظره هذا المهمّ المقدّم لدينا، وأن نفوّض إليه نظر هذه الأوقاف التي النظر في مصالحها من آكد الأمور المتعيّنة علينا. فرسم بالأمر الشريف- لا زال فضله عميما، وبرّه يقدّم في الرّتب من كان من خواصّ الأولياء كريما- أن يفوّض إليه كيت وكيت. فليل هذه الرتبة التي أريد بها وجه الله وما كان لله فهو أهمّ، وقصد بها النفع المتعدّي إلى العلماء والفقراء والضّعفاء ومراعاة ذلك من أخصّ المصالح وأعمّ، ولينظر في عموم مصالحها وخصوصها نظرا يسدّ خللها، ويزيح عللها، ويعمّر أصولها، ويثمّر محصولها، ويحفظ في أماكنها أموالها، ويقيم بها معالم العلوم في أرجائها، ويستنزل بها موادّ الرحمة لساكنها بألسنة قرّائها، ويستعيد صحّة من بها من الضعفاء بإعداد الذّخائر لملاطفة أسقامها ومعالجة أدوائها، ويحافظ على شروط الواقف في إقامة وظائفها، واعتبار مصارفها، وتقديم ما قدّمه مع ملاءة تدبيره باستكمال ذلك على أكمل ما يجب، وتمييز حواصلها بما يستدعي إليها من الأصناف التي يعزّ وجودها ويجتلب، وضبط تلك الحواصل التي لا خزائن لها أوثق من أيدي أمنائه وثقاته، ولا مودع لها أوفق من أمانة من يتّقي الله حقّ تقاته؛ فلذلك وكلناه في الوصايا إلى حسن معرفته واطّلاعه، ويمن نهوضه بمصالحنا واضطلاعه، إن شاء الله تعالى. الوظيفة الثانية (نظر الجامع الطولوني) «١» من إنشاء المقرّ البدريّ «٢» ابن المقرّ العلائيّ بن فضل الله صاحب ديوان

стр. 5225

الإنشاء الشريف، في الدولة الظاهرية برقوق، كتب به المقرّ الشمسيّ العمريّ كاتب الدّست الشريف لأبي يزيد الدّوادار، وهي: الحمد لله الذي أقام من أوليائنا خير ناظر، يقرّ به كل ناظر، وأدام بنا بناء المعروف الزاهر وحسنه الباهر، وأنام الأنام في مهاد الأمن بانتقاء وليّ لسان الكون حامد له ومادح وشاكر، وفتح أبواب السعادة باصطفاء صفيّ طاب بسفارته كلّ خاطر من مقيم وخاطر، ومنح أسباب السيادة بأوفى وفيّ عمر بوجوده الوجود وغمر بجوده كلّ باد وحاضر، وأبصر بالدين المتين والفضل المبين فأقمناه للنظر على بيوت الله تعالى لأولويّته بذلك: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «١» . نحمده على نعمه التي ظهرت «٢» بالمزيد فسرّت السرائر، وظهرت بنور الرّشد المديد فأشرق بها الباطن والظاهر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز القادر، شهادة صدقت في الإخلاص بها الألسنة والضمائر، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله معدن الأسرار، وبحر الجود الزاخر، ومنبع الأنوار، صاحب الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة والمفاخر، الذي يبعثه الله مقاما محمودا يحمده الأوائل والأواخر، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه النّجوم الزّواهر، الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده فكان كلّ منهم للدّين الحنيف أعظم مجتهد ومؤيّد وناصر، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن أولى من ألقيت إليه مقاليد الأمور، وصرّفناه في جميع مصالح

стр. 5226

الجمهور، وفوّضنا إليه النظر في بيوت الله تعالى ليعمرها بنظره السعيد وتضاعف له الأجور، ومكّنّا له في دولتنا الشريفة حتّى صار قطب فلكها عليه تدور، وبسطنا يده ولسانه فهو ينطق عنّا ويأمر بالقضاء والقدر في الورود والصّدور، وقيّدنا الأرزاق بقلمه، والمهمّات بكلمه، فلا فضل إلا من فيضه المنشور- من امتاز على غيره بفضيلتي السّيف والقلم، وتقدّم في الطاعة الشريفة بأثبت قدم، كان بها من السابقين الأوّلين من القدم، واتّصف بالشّجاعة والشّهامة والمعرفة التامّة والحلم والعدل والحكم؛ فهو التّرجمان عنّا الناطق بفصل الخطاب في السّرّ للتّرك والعرب والعجم، وعرف بالرأي السديد، والنظر السعيد، والتدبير الحميد، والقول المفيد، والجود والكرم؛ وطبع على الخير الجزيل، والدّين الجميل، عمره في الحقّ قائم، لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، طالما أحيا بحسن السّفارة من العدم. هو واحد في الفضل والنظر السعيد لأبي سعيد. فمن الذي يحكيه في الشّرف العتيد ... بطل الوغى أبو يزيد قد تفرّد في العفّة والدّيانه، والثّقة والأمانة، والتحف بالصّفا، وتردّى بالوفا، وشفى بالخير والجبر من كان بالفقر على شفا فحصل له الشّفا، ووفى بالعهود والمواثيق وذلك أمر ما خفى «١» ، ولحق في الجود والدّين بسميّه أبي يزيد البسطاميّ «٢» الوليّ: قالوا: الوليّ أبو يزيد قد مضى ... وهو الفريد بفضله والصادق!

стр. 5227

قلت: الأمير أبو يزيد مثله ... هذاك سابقه وهذا اللاحق! ولما كان فلان هو المشار إليه بهذه الصّفات الحسنة، والمناقب التي تنوّعت في مدائحها الألسنة، وعرف بالجود فملك حبّه الأفئدة فارتفعت الأصوات بالدعاء له معلنة، طالما أنال النّعم، وأزال النّقم، وجبر القلوب وكشف الكروب، وجلا ظلام الخطوب، ونشر المعروف، وأغاث الملهوف، وأنقذ من المهالك، وعمر بتدبيره الممالك، ووصل الأرزاق، وأجرى الأطلاق على الإطلاق- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعتمد في جميع الأشياء عليه، ونلقي مقاليد الأمور إليه، وننوط به المهمّات وغيرها: ليكون العلم بالكلّيات والجزئيّات لديه. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يتحف بالمزيد من كرمه، ويسبغ جلابيب نعمه، ويجري بحر فضله الواسع، ويعمّ بنظره المقرّبين من أوليائه كلّ جامع للخير جامع، أن يستقرّ...... «١» ... فليتلقّ هذا التفويض الجليل بقبوله، ويبلّغ الجامع المذكور ما يرتقبه من عمارته التي هي غاية مأموله. ومنه تؤخذ الوصايا لأنه لساننا الناطق، وسفير مملكتنا العالم بالحقائق والدّقائق، فلا يحتاج أن يوصى ولا أن نفتح معه في الوصية بابا، وما يصلح أن يقال لغيره لا يجوز أن يكون له خطابا: ومثلك لا يدلّ على صواب ... وأنت تعلّم الناس الصّوابا! والله تعالى يؤيده في القول والعمل، ويعمّ بوجوده وجوده الوجود وقد فعل، ويبقيه مدى الدهر، ويستخدم لسعوده الساعة واليوم والجمعة والشّهر، ويجعل بابه الطاهر مفتوحا للقاصدين على الدّوام، ويقيمه واسطة عقد الملك

стр. 5228

فإنه مبارك أينما كان ورحمة للأنام؛ والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. الوظيفة الثالثة (نقابة الأشراف) وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الدّيار المصرية في المقالة الثانية أنّ موضوعها التحدّث على الأشراف، وهم أولاد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، من فاطمة بنت رسول الله ﷺ . قلت: وقد جرت العادة أنّ الذي يتولّى هذه الوظيفة يكون من رؤوس الأشراف، وأن يكون من أرباب الأقلام، وإنما أوردته مع أرباب السّيوف لأن المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله قد ذكر في بعض دساتيره الشاميّة أنه يكتب لنقيب الأشراف «الأميريّ» ولا يكتب له «القضائيّ» ولو كان صاحب قلم. وقد رأيت له عدّة تواقيع على ذلك مكتتبة من الأبواب السلطانية وعن نائبي الشام وحلب وغيرهما، معبّرا عنه فيها ب «الأميريّ» وتوقيعه في قطع الثّلث مفتتح بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» . وهذه نسخة [توقيع] «١» بنقابة الأشراف، وهي: الحمد لله مشرّف الأنساب، وموفي الأحساب، حقوق ملاحظتهم بغير حساب، وجاعل أيّامنا الشريفة تحمد الاكتساب. نحمده بمحامد حسنة الإيجاد والإيجاب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا شكّ في مقالها ولا ارتياب، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه الذي أنزل عليه الكتاب، وشرّف به الذّراريّ من شجرته المباركة الأعقاب، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تتوارى شمسها بحجاب. وبعد، فإنّ خير ما صرفت الهمم إلى تشييد مبانيه، وتقييد مهمل رواعيه

стр. 5229

وملاحظة قاصيه ودانيه، المحافظة على كلّ ما يرفع قدر الآل ويعليه، ويردّ إليهم عنان الاعتناء ويثنيه. ولمّا كانت العترة الطاهرة النبوية ورّاث الوحي الذين آل إليهم ميزاته، وأهل البيت الذين حصل لهم من السّؤدد آياته؛ وقد سأل الله وهو المسؤول لهم القربى، وخصّهم بمزايا حقيق بمثل متصرّفهم أنه بها يحبى وأنها لهم تجبى: لما في ذلك من بركات ترضي سيّد المرسلين وتعجبه، ويسطّر الله [الأجر] «١» لفاعله ويكتبه، وكان لا بدّ لهم من رئيس ينضّد سلكهم وينظّمه، ويعظّم فخرهم ويفخّمه، ويحفظ أنسابهم، ويصقل بمكارمه أحسابهم، وينمّي بتدبيره ريعهم، ويتابع تحت ظلّ هذه الشجرة الزكيّة ما زكّى ينعهم، ويحفظهم في ودائع النّسل، ويصدّ عن شرف أرومتهم من الأدعياء المدّعين بكل بسل «٢» ، ويحرس نظامهم، ويوالي إكرامهم، ويأخذهم بمكارم الأخلاق، ويمدّهم بأنواع الإرفاد والإرفاق، ويتولّى ردع جانيهم إذا لم يسمع، ويتدبّر فيه قوله: «أنفك منك وإن كان أجدع» » . ولمّا كان فلان هو المشار إليه من بني هذه السّلالة، وله من بينهم ميزة باطنة وظاهرة وإن كانوا كلّهم شيئا واحدا في الإجلال والإعظام، فقد تميزّت من بين الأنامل السّبّابة على الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام، وكم ثمر جنيّ فضّل بعضه على بعض في الأكل وهو يسقى بماء واحد، وقد امتاز على بني هاشم سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام- اقتضى حسن الرأي المنيف، أن رسم بالأمر الشريف- لا برح يختار وينتقي، ويجتبي من يخشى

стр. 5230

الله ويتّقي- أن تفوّض إليه نقابة الأشراف الطالبيّين على عادة من تقدّمه من النّقباء السادة. فليجمع لهم من الخير ما يبهج الزهراء البتول فعله، ويفعل مع أهله وقرابته منهم ما هو أهله، وليحفظ مواليدهم، ويحرّز أسانيدهم «١» ، ويضبط أوقافهم، ويعتمد إنصافهم، ويثمّر متحصّلاتهم، ويكثّر بالتدبير غلّاتهم، ويأخذ نفسه بمساواتهم، في جميع حالاتهم، وليأخذهم بالتجمّع عن كل ما يشين، والعمل بما يزين، حتّى يضيفوا إلى السّؤدد حسن الشّيم، وإلى المفاخر فاخر القيم، وكلّ ما يفعله معهم من خير أو غيره هو له وعليه، ومنه وإليه، والله يحفظه من خلفه ومن بين يديه، بمنّه وكرمه!. وهذه نسخة وصية لنقيب الأشراف أوردها في «التعريف» فقال: ونحن نجلّك عن الوصايا إلا ما نتبرّك بذكره، ويسرّك إذا اشتملت على سرّه؛ فأهلك [أهلك؛ راقب] «٢» الله ورسوله جدّك ﷺ فيما أنت عنه من أمورهم مسؤول، وارفق بهم فهم أولاد أمّك وأبيك حيدرة والبتول، وكفّ يد من علمت أنه [قد] «٣» استطال بشرفه فمدّ إلى العناد يدا، واعلم أنّ الشريف والمشروف سواء في الإسلام إلا من اعتدى، وأنّ الأعمال محفوظة ثم معروضة بين يدي الله فقدّم في اليوم ما تفرح به غدا، وأزل البدع التي ينسب إليها أهل الغلوّ في ولائهم، والعلوّ فيما يوجب الطعن على آبائهم: لأنّه يعلم أنّ السلف الصالح ﵃ كانوا منزّهين عما يدّعيه خلف السّوء من افتراق ذات بينهم، ويتعرّض منهم أقوام إلى ما يجرّهم إلى مصارع حينهم «٤» ، فللشّيعة

стр. 5231

عثرات لا تقال، من أقوال ثقال، فسدّ هذا الباب سدّ لبيب، واعمل في حسم موادّهم عمل أريب، وقم في نهيهم والسيف في يدك قيام خطيب، وخوّفهم من قوارعك [مواقع] «١» كلّ سهم مصيب؛ فما دعي «بحيّ على خير العمل» إلى خير من الكتاب والسنة والإجماع [فانظم في نادي قومك عليها عقود الاجتماع] «٢» . ومن اعتزى إلى اعتزال، أو مال إلى الزّيديّة في زيادة مقال، أو ادّعى في الأئمة الماضين ما لم يدّعوه، أو اقتفى في طرق الإماميّة بعض ما ابتدعوه، أو كذب في قول على صادقهم، أو تكلّم بما أراد على لسان ناطقهم؛ أو قال: إنه تلقّى عنهم سرّا ضنّوا على الأمّة ببلاغه، وذادوهم عن لذّة [مساغه] «٣» ، أو روى عن يوم السّقيفة والجمل غير ما ورد أخبارا [أو تمثّل بقول من يقول: عبد شمس قد أوقدت لبني هاشم نارا] «٤» أو تمسّك من عقائد الباطن بظاهر، أو قال إنّ الذات القائمة بالمعنى تختلف في مظاهر، أو تعلّق له بأئمة السّتر «٥» رجاء، أو انتظر مقيما برضوى «٦» عنده عسل وماء، أو ربط على السّرداب فرسه لمن يقود الخيل يقدمها اللّواء؛ أو تلفّت بوجهه يظنّ عليّا كرّم الله وجهه في الغمام، أو تفلّت من عقال العقل في اشتراط العصمة في الإمام. فعرّفهم أجمعين أنّ هذا من فساد أذهانهم، وسوء عقائد أديانهم؛ فإنّهم عدلوا في التقرّب بأهل هذا البيت الشريف عن مطلوبهم، وإن قال قائل إنهم طلبوا فقل له: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ «٧» .

стр. 5232

وانظر في أمور أنسابهم نظرا لا يدع مجالا للرّيب، ولا يستطيع معه أحد أن يدخل فيهم بغير نسب، ولا يخرج منهم بغير سبب، وساوق المتصرّفين في أموالهم في كلّ حساب واحفظ لهم كلّ حسب. وأنت أولى من أحسن لمن طعن في أسانيد هذا الحديث الشريف أو تأوّل فيه على غير مراد قائله ﷺ تأديبا، وأراهم مما يوصّلهم إلى الله تعالى وإلى رسوله طريقا قريبا، ونكّل بمن علمت أنه قد مالأ على الحق أو مال إلى فريق الباطل فرقا، وطوى صدره على الغلّ وغلب من أجله على ما سبق في علم الله تعالى من تقديم من تقدّم حنقا، [وجار وقد] «١» أوضحت لهم الطريقة المثلى طرقا، واردعهم إن تعرّضوا في القدح إلى نضال نصال، وامنعهم فإن فرقهم كلّها وإن كثرت خابطة في ظلام ضلال، وقدّم تقوى الله في كل عقد وحلّ، واعمل بالشريعة الشريفة فإنها النّسب الموصول الحبل. واعلم أنّ المقرّ الشهابيّ بن فضل الله قد ذكر في «التعريف» عدّة وصايا لجماعة من أرباب السّيوف، لم يكتب لأحد منهم في زماننا، بل رفض استعمالها وأهمل. ونحن نذكرها، حفظا لذكرها، واحتياطا أن يقتضي الحال في زمن كتابة شيء منها. إحداها- وصية أتابك المجاهدين. وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الدّيار المصرية أنّ أصله أطابك «٢» بالطاء المهملة ومعناه الأب الأمير، وأنّ أوّل من لقّب بذلك زنكي أطابك صاحب الموصل، ثم غلبت فيه التاء المثناة بدل الطاء، وهي: وأنت ابن ذلك الأب حقيقة، وولد ذلك الوالد الذي لم تعمل له إلا من

стр. 5233

دماء الأعداء عقيقة؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر عليه سنان، ولم يزاحمك عدوّ إلا قال له: أيّها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد، ولا سمّي اسمك لجبّار إلا قال له: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ «١» وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة، وألّف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها حالم إلا وبات يرعد خيفة؛ فليأخذ هذا الأمر بزمامه، وليعمل لله ولإمامه، وليرم في حبّ البقاء الدائم بنفسه على المنيّة، ولينادم على معاقرة الدّماء زهور سكاكينه الحنيّة، واطبع منهم زبرا «٢» تطاول السيوف بسكاكينها، وتأخذ بها الأسود في عرينها، وتمتدّ كأنّها آمال، لما تريد، وترسل كأنّها آجال، ولهذا هي إلى كلّ عدوّ أقرب من حبل الوريد، وأذك منهم شعلا إذا دعيت بأحسابها لا تجد إلّا متحاميا، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا، وفرّج بهم عن الإسلام كلّ مضيق، واقلع عن المسلمين من العوانية كلّ حجر في الطريق، وصرّف رجالك الميامين، وتصيّد بهم فإنّهم صقور ومناسرهم السّكاكين، واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كلّ سكّينة كأنّها البرق الخاطف، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف، واعرف لهم حقّهم وضاعف لهم تكريما، وأدم لهم بنا برّا عميما، وقدّم أهل النفع منهم فقد قدّمهم الله وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً «٣» واعلم أنهم مثل الوحوش فزد في تأنيسهم، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم، ولا تسوّ بينهم فما هم سواء لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 5234

بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ «١» وأصل هذه الدعوة ما زالت تنتقل بالمواريث حتّى انتهت إلينا حقوقها، وأومضت بنا حيث خلعت هياكلها بجرعاء «٢» الحمى بروقها؛ والله تعالى يوفّقه ويرشده، ويطوّل باعه لما قصرت عنه سواعد الرّماح ووصلت إليه يده. الثانية- وصيّة أستاذ الدار «٣» وليتفقّد أحوال الحاشية على اختلاف طوائفها، وأنواع وظائفها، وليرتّبها في الخدمة على ما يجب، وينظر في أمورهم نظرا لا يخفى معه شيء مما هم عليه ولا يحتجب، وليبدأ بمهمّ السّماط المقدّم الذي يقدّم، وما يتنوّع فيه من كل مطعم، وما يمدّ منه في كل يوم بكرة والعصر، وما يستدعى معه من الطّواريء التي لا يحدّها الحدّ ولا يحصرها الحصر، وأحوال المطبخ الكريم الذي منه ظهور تلك المخافي، ووفاء ذلك الكرم الوافي، والتقدّم إلى الأمناء والمشرفين فيه بأمانة الإنفاق، وصيانة المآكل مما يعاب على الإطلاق. ثم أمر المشروب وما تغلق عليه أبواب الشراب خاناه السعيدة من لطائف مأكول ومشروب، وشيء عزيز لا يجود إلا فيها إذا عزّ المطلوب، ومراجعة الأطباء فيما تجري عليه قوانينها، وتشبّ لطبخه من حمر اليواقيت كوانينها، وإفراز ما هو للخاص الشريف منها وما هو للتفرقة، وما لا يصرف إلا بخط الطبيب ولا يسلّم إلا إلى ثقة. ثم «الطشت خاناه» «٤» السعيدة التي هي خزانة اللّباس، وموضع

стр. 5235

ما نبرز به من الزّينة للناس، وما يحتاج إليه من آلات التطبيب، وما يعيّن لها من الصابون وماء الورد والطّيب، وغير ذلك من بقيّة ما هي مستقرّه، ويؤخذ منها مستدرّه، ومن يستخدم بها ممن برأ من الرّيب، وعرف بالعفاف والأدب، وعلم أنه من أهل الصّيانة، وعلى ما سلّم إليه ومن خالطه الأمانة. ثم «الفراش خاناه» وما ينصب فيها من الخيام، وما يكون فيها من فرش سفر ومقام، وشمع يفضّض كافور كافوريّته آبنوس الظّلام. ثم غلمان الإصطبل السعيد والنّجّابة «١» وإن كان إلى سواه استخدامهم، ولدي غيره مستقرّهم ومقامهم، لكنّهم ما خرجوا من عديده، ولا يروقهم ويروعهم إلا حسن وعده وخشن وعيده. ثم المناخات السّلطانية وما بها من جمال، وما يسرح فيها من مال وجمال، ومن يستخدم فيها من سيروان ومهمرد «٢» ، وما فيها من قطار مزدوج وفرد؛ فيوفّر لهذه الجهة نصيبا من النظر يشاهد أمورها وقد غابت في الأقطار، وتفرّقت كالسّحب يلزمها القطار القطّار؛ وليكونوا على باله فإنهم يسرقون الذّرّة «٣» من العين ومعهم الذّهب العين محمّلا بالقنطار؛ فليحسن منهم الارتياد، وليتخيّر أرقّهم أفئدة فإنّهم بكثرة ملازمتهم للإبل مثلها حتّى في غلظ الأكباد. وطوائف المعاملين، والأبقار ومن عليها من العاملين، وزرائب الغنم وخولها «٤» ورعائها، وأصناف البيوت الكريمة. وما تطلبه في استدعائها، ونفقات

стр. 5236

الأمراء المماليك السلطانيّة في إهلال كلّ هلال، وما يصرف في كساهم على جاري عادتهم أو إذا دعت إليه ضرورة الحال، وما يؤخذ عليه خطّه من وصولات تكتب، واستدعاآت تحسب من لوازمه وهي للكثرة لا تحسب؛ فليكن لهذا كلّه مراعيا، ولأموره واعيا، ولما يجب فيه دون ما لا يجب مستدعيا وإليه داعيا؛ وهو كبير البيت وإليه يرجع أمر كلّ مملوك ومستخدم، وبأمره يؤخّر من يؤخّر ويقدّم من يقدّم، ومثله يتعلّم منه ولا يعلّم، وعصاه على الكلّ محمولة على الرّقاب، مبسوطة في العفو والعقاب، ومكانه بين يدينا حيث نراه ويرانا ولدينا قاب قوسين أو أدنى من قاب «١» وعليه بتقوى الله فبها تمام الوصايا وكمال الشروط، والأمر بها فعصاه محكمة وأمره مبسوط، وكلّ ما يناط بنا: من خاصّة أمورنا في بيتنا- عمره الله ببقائنا وزاد تعميره- بتدبيره منوط. الثالثة- وصيّة أمير آخور. وقد تقدّم في الكلام على الألقاب في المقالة الثالثة أنّه مركّب من لفظين: عربيّ وهو أمير ومعناه معروف، وأخور فارسيّ ومعناه العلف، والمعنى أمير العلف. وكأنه في الأصل كان هو المتولّي لعلوفة الخيل، ثم ارتفعت وظيفته حتّى صار صاحبها من أكبار الأمراء المقدّمين؛ وهو يتحدّث في الإصطبلات السلطانيّة وما حوته من خيل وبغال ودوابّ وجمال وأثاث، وغير ذلك. وهذه نسخة وصيته: وليكن على أكمل ما يكون من إزاحة الأعذار، والتأهّب لحركاتنا الشريفة في ليل كان أو نهار، مقدّما الأهمّ فالأهمّ من الأمور، والأبدأ فالأبدأ من [تقديم] «٢» مراكبنا السعيدة وتهيئة موكبنا المنصور، وترتيب ذلك كلّه على ما

стр. 5237

جرت به العوائد، وتحصيل ما تدعو الحاجة إليه على قدر الكفاية والزّوائد، والنّظر في جميع إصطبلاتنا الشريفة، والجشارات «١» السعيدة، وخيل البريد، والرّكائب المعدّة لقطع كلّ مدى بعيد، وما يجتمع في ذلك وينقسم، وما يركب منها ويجنب مما يسم الأرض بالبدور والأهلّة من كلّ حافر ومنسم، وما هو برسم الإطلاق، وما يعدّ لمماليك الطّباق «٢» ، وخيل التّلاد «٣» ، وما يجلب من قود «٤» كلّ قبيلة من القبائل ويجيء من كلّ بلد من البلاد، والمشترى مما يباع من المواريث ويستعرض من الأسواق، وما يعدّ للمواكب وللسّباق؛ وليجل رأيه في ترتيب ذلك كلّه في مراتبه على ما تقتضيه المهمّات، والاحتراز في التّلاد مما لعلّه يبدّل ويقال هو هذا أو يؤخذ بحجة أنه مات؛ وليجتهد في تحقيق ما نفق، [وليحرّره على حكم ما يتحقّق عنده لا على ما اتّفق] » ، وكذلك فليكن فحصه عمّن يستخدم عنده من الغلمان، ولا يهمل أمورهم مع معاملتهم بالإحسان، ولا يستخدم إلا من تشكر سيرته في أحواله، وتعرف خبرته فيما يراد من أمثاله؛ وكذلك الرّكّابة الذين تملك أيديهم أعنّة هذه الكرائم، والتحرّز في أمرهم ممن لعلّه يأوي إليهم من أرباب الجرائم، والأوشاقيّة «٦» الذين هم مثل مماليكه وهم في الحقيقة إخوانه، وجماعة المباشرين الذين هم في مباشرة الإصطبلات السعيدة ديوانه؛ وكلّ هؤلاء يلزمهم بما يلزم أمثالهم من السّلوك، ويعلمهم بما

стр. 5238

يجب عليهم أن يتعلّموه من خدمة الملوك، ولا يسمح لأحد منهم في أمر يفضي إلى إخلال، ولا يقتضي فرط إدلال، وليقم أودهم بالأدب فإن الأدب ما فيه إذلال؛ وكلّ هؤلاء الطوائف ممن يتجنّب العامة مخالطتهم لما طار في أيّام من تقدّم عن أمثالهم من سوء السّمعة، ويتخوّف منهم السّرعة؛ فليكن لهم منك أعظم زاجر، ومن شكي إليك منهم فسارع إلى التنكيل به وبادر، واشهر من فعلك بهم ما يوجب منهم الطّمأنينة، ولا يعود أحد بعده يكذّب يقينه؛ وأمراء أخورية الذين هم أتباعك، وبهم يمتدّ باعك، هم بحسب ما تجعلهم بصدده، وما منهم إلا من يقدر أن يتعدّى حدّه في مقام قدمه وبسط يده؛ فاجعل لكلّ منهم مقاما معلوما، وشيئا تجعل له فيه تحكيما. وتثمين الخيول المشتراة والتّقادم قوّمها بأهل الخبرة تقويم عدل، وقل الحقّ ولا يأخذك فيه لوم ولا عذل؛ وما يصرف من العليق برسم الخيول السلطانية ومن له من صدقاتنا الشريفة عليق، مر بصرفه عند الاستحقاق واضبطه بالتعليق، وتصرّف في ذلك كلّه ولا تتصرّف إلا تصرّف شفيق، وصنه بأقلام جماعة الدّيوان ولا تقنع في غير أوقات الضرورة برفيق عن رفيق؛ وكذلك البراسيم السلطانية أصلا وزيادة، ولا تصرف إلا ما نأمر به وإلا فلا تخرج فيه عن العادة؛ ونزلاؤك من أمراء العربان عاملهم بالجميل، وزد في أخذ خواطرهم ولو ببسط بساط الأنس لهم فما هو قليل، لتتضاعف رغبتهم في كلّ عام، وليستدلّوا ببشاشة وجهك لهم على ما بعده من الإنعام؛ وبغال الكؤوسات «١» السعيدة والأعلام المنصورة، وأثقال الخزانة العالية المعمورة، اجعلها من المهمّات المقدّمة، والمقدّمات لنتائج أيام النصر المعلمة، ورتّبها في مواقفها، وأتمّها أتمّ ما يكون من وظائفها؛ فبها تثبت مواقف العسكر المنصور، وإليها يأوي كلّ مستظلّ ورحى الحرب تدور، وغير ذلك من قماش الإصطبلات السعيدة من الذّهب والفضّة والحرير، وكلّ قليل

стр. 5239

وكثير، باشره مباشرة من لا يتخلّى، وأحصه خرجا ودخلا؛ وإيّاك والأخذ بالرّخص، أو إهمال الفرص، أو طلب فائت جرم أهملته حتّى نكص. الرابعة- وصية مقدّم المماليك. وقد تقدّم في الكلام على أرباب الوظائف أنه يتحدّث في أمر المماليك السّلطانية والحكم بينهم، ويركب خلفهم إذا ركب السلطان كأنّه يحفظهم. والوصية هي: وليحسن إليهم، وليعلم أنّه واحد منهم ولكنه مقدّم عليهم، وليأخذ بقلوبهم مع إقامة المهابة التي يخيّل إليهم بها أنه معهم وخلفهم وبين يديهم، وليلزم مقدّم كلّ طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم: من ترتيب الطّباق، وإجراء ساقية جارية من إحساننا إليهم ولا ينس السّوّاق؛ وليكن لأحوالهم متعهّدا، ولأمورهم متفقّدا، وليستعلم أخبارهم حتّى لا يزال منها على بصيرة، وليعرف ما هم عليه مما لا يخفى عليه فإنهم وإن لم يكونوا له أهلا فإنهم جيرة، وليأمر كلّا منهم ومن مقدّميهم والسّوّاقين لهم بما يلزمهم من الخدمة، وليرتّبهم على حكم مكانتهم منّا فإن تساووا فليقدّم من له قدمة، وليعدل في كل تفرقة، وليحسن في كل عرض ونفقة، وليفرّق فيهم ما لهم من الكساوى «١» ويسبل عليهم رداء الشّفقة، وليعدّ منهم لغابنا المحميّ سباعا تفترس العادية، وليجمل النظر في أمر الصّغار منهم والكبار أصحاب الطّبقات العالية، وليأخذهم بالرّكوب في الأيّام المعتادة، والدّخول إلى مكان الخدمة الشريفة والخروج على العادة، وليدرهم في أوقات البياكير «٢» والأسفار نطاقا دائر الدّهليز «٣» المنصور،

стр. 5240

وليأمرهم أمرا عامّا بأن لا يركب أحد منهم إلا بدستور ولا ينزل إلا بدستور، وليحترز عليهم من طوائف الغلمان «١» ، ولا يستخدم منهم إلا معروفا بالخير ويقيم عليهم الضّمّان، وليحرّر على من دخل عليهم وخرج، ولا يفتح لأحد منهم إلا من علم أنه ليس في مثله حرج، ولا يدع للرّيبة بينهم مجالا للاضطراب، وليوص مقدّميهم بتفقّد ما يدخل إليهم فإن الغشّ أكثره من الطّعام والشّراب، وليدم مراجعتنا في أمرهم فإن بها يعرف الصواب، وليعمل بما نأمره به ولا يجد جوى في جواب. الضرب الثاني (ممّن يكتب له بالولايات بالديار المصرية أرباب الوظائف الدينية، وهو على طبقتين) الطبقة الأولى (أصحاب التقاليد ممّن يكتب له بالجناب العالي) وتشتمل على عدّة وظائف: الوظيفة الأولى (القضاء) قد تقدّم في المقالة الثانية في الكلام على ترتيب الوظائف أنّ الديار المصرية كان يليها قاض واحد، إلى أن كانت الدولة الظاهرية «بيبرس» في أوائل الدّولة التّركية، وقاضي القضاة يومئذ القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن

стр. 5241

بنت الأعزّ الشافعيّ، فاضطرب الأمر لاختلاف المذاهب، فاقتضى رأي السلطان تقرير أربعة قضاة من كل مذهب قاض، وقرّر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعزّ في قضاء قضاة الشافعية على حاله، وكتب لكلّ منهم تقليد بذلك؛ ثم خصّ قاضي القضاة الشافعية بالتولية في بلاد الريف دون غيره من القضاة الثلاثة، واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. إلا أنه لما حدث بديوان الإنشاء تنويع ما يكتب لأرباب الأقلام إلى تقاليد، في قطع الثلثين، وتفاويض، وتواقيع، في قطع النصف، تقرّر الحال على أن يكتب للقضاة الأربعة تواقيع في قطع النصف ب «المجلس العالي» ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولي القاضي عماد الدين أحمد الكركيّ الأزرقيّ قضاء قضاة الشافعية «١» في أوّل سلطنة الظاهر «برقوق» الثانية، وأخوه القاضي علاء الدين عليّ كاتب السرّ، فعني بأخيه عماد الدين المذكور، فكتب له تقليدا في قطع الثلثين ب «الجناب العالي» . وبقي الثلاثة على ما كانوا عليه من كتابة التواقيع إلى أن ولي القاضي جمال الدّين محمود الحلبيّ القيسريّ المعروف بالعجميّ «٢» ﵀ قضاء قضاة الحنفيّة في الدولة الظاهريّة أيضا، مضافا إلى نظر الجيش، فكتب له تقليد في قطع الثلثين بالجناب العالي أيضا؛ وبقي المالكيّ والحنبليّ على ما كانا عليه من كتابة التواقيع في قطع النّصف. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولي قاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطيّ قضاء قضاة المالكية في الدولة الناصرية «فرج بن الظاهر برقوق» فأنشأت له تفويضا وكتبت له به، ولم يكن أحد ممن

стр. 5242

عاصرناه كتب له تفويض غيره. ثم لما ولي الشيخ جمال الدين عبد الله الأقفهسيّ «١» قضاء المالكية، كتب له توقيع في قطع النصف، إلا أنه كتب له ب «الجناب العالي» كما يكتب لأصحاب التقاليد، وجرى الأمر فيمن بعده على ذلك. ولم يبق من هو على النّمط الأوّل سوى قاضي القضاة الحنابلة، ويوشك أن يكتب لكلّ من المالكيّ والحنبليّ أيضا تقليد: لمساواتهم بغيرهم من الأربعة. وقد ذكرت ما يكتب لهم من تقاليد وتواقيع هنا جمعا للمفترق وتقريبا للمأخذ. وهأنا أذكر ما يكتب للأربعة على الترتيب. الأوّل: (قضاء القضاة الشافعية) . وهذه نسخة تقليد بقضاء القضاة الشافعية، كتب به لقاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعزّ «٢» ﵀، حين استقرّ أحد القضاة الأربعة بعد انفراده بالوظيفة على ما تقدّم، وهي من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر «٣» رحمه الله تعالى، وهي: الحمد لله مجرّد سيف الحقّ على من اعتدى، وموسّع مجاله لمن راح إليه

стр. 5243

واغتدى، وموضّح طريقه لمن اقتاد واقتدى، ومزيّن سمائه بنجوم تستمدّ الأنوار من شمس الهدى، الذي أعذب لشرعة الشريعة المحمّدية ينبوعا، وأقامها أصلا مدّ بثمار الرّشد فروعا. نحمده على نعمه التي ألزمتنا لتشييد مبانيها شروعا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا، ونصلّي على سيدنا محمد الذي أرسله الله إلى الخلائق جميعا، وقام بعبء الأمر يصنع حسنا ويحسن صنيعا، صلى الله عليه وعلى آله صلاة لا يبرح برقها ملموعا، ولا ينفكّ وترها «١» بالتسليم مشفوعا. وبعد، فإنّ أحقّ من جدّد له شرف التقريض، وخلّد له إرضاء الأحكام وإمضاء التفويض، وريش جناحه وإن لم يكن المهيض، وفسّح مجاله وإن كان الطويل العريض، ورفع قدره على الأقدار، وتقسّمت من سحائبه الأنواء ومن أشعّته الأنوار، من غزر مدّه فجرت منه في رياض الحقّ الأنهار، وغدا تخشع لتقواه القلوب وتنصت لقوله الأسماع وترنو لمحيّاه الأبصار، قد أوفد من إرشاده للأمة لطفا فلطفا، وأوقد من علمه جذوة لا تخبو وقبسا بالهوى لا يطفى، وفات النّظراء والنّظّار فلا يرسل أحد معه طرفا ولا يمدّ إليه من حيائه طرفا، واحتوى من علوم الشريعة على ما تفرّق في غيره، وغدا خير دليل إلى الحقّ فلا يقتدى في المشكلات إلا برأي اجتهاده ولا يهتدى في المذاهب إلا بسيره، وكان لفلك الشريعة المحمّدية قطبا، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا «٢» ؛ ولدليلها برهانا، ولإنسانها عينا ولعينها إنسانا؛ فكم أرضى بني الأنام عن الأيام، وكم أغضى حياء مع قدرته على الانتقام، وكم أمضى لله حكما لا انفصال لعروته ولا انفصام، وكم قضى بالجور في ماله وبالعدل في الأيتام؛ فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعدّيه، ولم يداجه لما ستره عليه من تعدّيه في دياجيه؛ فهو

стр. 5244

الصادع بما أمر الله به ولو على نفسه، والمستردّ الحقوق الذاهبة من غير محاباة حتّى لغده من يومه وليومه من أمسه. ولما كان قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب ممن هو في أحسن هذه السّمات قد تصوّر، وكادت نجوم السماء بأنواره تتكثّر، وتجوهر بالعلوم فأصبح حقيقة هو التاج المجوهر، وله مزايا السّؤدد التي لا يشك فيها ولا يرتاب، وسجايا الفضل التي إذا دخل إليه غيره من باب واحد دخل هو إليه من عدّة أبواب؛ وهو شجرة الأحكام، ومصعد كلم الحكّام، ومطلع أنجم شرائع الإسلام، ومهبط وحي المقدّمات والارتسام، ومجتمع رفاق القضايا في الحلال والحرام- خرج الأمر الشريف بتجديد هذا التقليد الشريف له بقضاء القضاة بالديار المصرية: فليستصحب من الحق ما هو مليّ باستصحابه، وليستمرّ على إقامة منار الحق الذي هو موثّق عراه ومؤكّد أسبابه، وليحتلب من أخلاف الإنصاف ما حفّله اجتهاده ليد احتلابه، عالما بأنّ كل إضاءة إنارتها من قبسه، وإن استضاء بها في دياجي المنى، وكلّ ثمرة من مغترسه، وإن مدّ إليها يد الاجتنا، وكلّ جدول هو من بحره وإن بسط إليه راحة الاغتراف، وكلّ منهج هو من جادّته وإن ثنى إلى سلوكه عنان الانصراف لا الانحراف؛ وهو بحمد الله المجتهد المصيب، والمادّة للعناصر وإن كان نصيبه منها أوفر نصيب، وسجاياه يتعلّم منها، كيف يوصّى ويعلّم، ومزاياه تقوّم الأود، كيف يقوّم، والله الموفّق بمنّه وكرمه! الثاني- قاضي القضاة الحنفيّة على ما استقرّ عليه الحال من لدن القاضي جمال الدين محمود القيسريّ وإلى آخر وقت. وموضوعها النظر في الأحكام الشرعيّة على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، ويختصّ نظره بمصر والقاهرة خاصّة. وهذه نسخة تقليد بقضاء قضاة الحنفيّة كتب به لمن لقبه شمس الدين، وهي:

стр. 5245

الحمد لله الذي أطلع في أفق الدّين الحنيف شمسا منيرة، ورفع درجة من جعله من العلم على شريعة ومن الحكم على بصيرة، وقلّد أمور الأمة لمن يعلم أنّ بين يديه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ووفّق لفصل القضاء من مشى على قدم أقدم الأئمة فسار في مذهبه المذهب أحسن سيرة، الذي أدّخر للحكم في أيّامنا الشريفة من نفائس العلماء أفضل ذخيرة، وقضى بإرجاء أمره لنختار له من تحلّى به بعد العطل «١» وكلّ قضاء خيرة، وأيقظ عنايتنا لمن رقد الدهر عن فضله فباتت عين الاستحقاق باستقرار رتبته قريرة. نحمده حمد من توافت إليه النّعم الغزيرة، وتوالت عليه المنن الكثيرة في المدد اليسيرة، وأخصبت في أيامه رياض الفضائل فهي بكلّ عالم عدم النظير نضيرة، وافتتح دولته برفع منار العدل فآمال أهل الظلم عن تعاطيه قاصرة وأيدي أهل الباطل عن الامتداد إليه قصيرة، وخصّ المناصب في ممالكه بالأكفاء فإذا تلبّست بها همم غيرهم عادت خاسئة أو امتدت إليها أبصار من دونهم رجعت حسيرة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تصلح العلن والسريرة، وتصبح بها القلوب موقنة والألسن ناطقة والأصابع مشيرة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعث الله به الرسل مخبرة وأنزل الكتب بمبعثه بشيرة، واجتباه من خير أمّة من أكرم أرومة وأشرف عشيرة، وأظهر أنوار ملّته إلا لمن أعمى الغيّ بصيرته وهل ينفع العمي شمس الظّهيرة، وخصّه بالأئمة الذين وفقهم للاستعانة بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة، وجعل علماءهم ورثة الأنبياء فلو ادّعيت لأحكامهم العصمة لكانت بذلك جديرة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتقرّب بدوامها إلى الله فيضاعفها لنا أضعافا كثيرة، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى الأمور بأن تشاد قواعده، وتتعهّد معاهده، ويعلى مناره،

стр. 5246

وتفاض بطلوع شمسه أنواره، ويحلّى به بعد العطل جيده، وينظم في سلك عقود الأمة فريده، وتكمّل به قوى الدين تكملة الاجساد بقوى الطبائع الأربع، وتعمّر به ربوع الملة التي ليس بعدها من مصيف لملّة ولا مربع، وتثبّت به قوائم الشرع التي ما للباطل في إمالة بعضها من مطمع، وتجلى به عمّن ضاق عليه المجال في بعض المذاهب الغمّة، ويستقرّ به عدد الحكّام على عدد الأئمة المستقرّ على عدد الخلفاء الراشدين من خلفاء الأمّة، ويمدّ به على الخلق جناح الرحمة وافر القوادم وارف الظّلال، ويجمع به عليهم ما جمع الله في أقوال أئمتهم من الحق وماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال،- أمر القضاء على مذهب الإمام أبي حنيفة النّعمان بن ثابت ﵁ الذي اشتقّ الله له من الملّة الحنيفيّة نسبة سرت في الآفاق، وأفاض عليه من موادّ القياس الجليّ كنوزا نمت على الإنفاق، وعضّد أيّامه بوليّي عهد قولهما حجة فيما تفرّدا به من الخلاف أو اجتمعا عليه من الوفاق؛ وعدّ من التابعين لقدم عهده، وسمّي «سراج الأمة» لإضاءة نوره بهما من بعده. ولما خلا بانتقال مباشره إلى الله تعالى، توقّف مدّة على ارتياد الأكفاء، وارتياء من هو أهل الاصطفاء، واختيار من تكمل به رفعة قدره، ويعيد لدسته بتصدّره على بساط سليمانه بهجة صدره، ويغدو لسرّ إمامه بعد إماتة هذه الفترة باعثا، ويصبح وإن كان واحد عصره لأبي يوسف ثانيا ولمحمد بن الحسن ثالثا؛ ويشبّه به البلخيّ «١» زهدا وعلما، والطّحاويّ «٢» تمسّكا بالسّنّة وفهما، ويغترف القدوريّ «٣» من بحره، ويعترف الحصريّ «٤» بالحصر عن إحصاء فضله وحصره،

стр. 5247

ويقف من مذهب ابن ثابت «١» ، على أثبت قدم وينتمي من فقه النّعمان إلى فرع زاك وأصل ثابت، وينشر من أحكامه ما إن وافق الأئمة فهو حجّة قاطعة ومحجّة ساطعة، أو خالفهم بمذهبه فهو رحمة واسعة، ونعمة وإن كانت بين الطّرق فارقة فإنها على الحق جامعة. ولما كان فلان هو المنتظر لهذه الرتبة انتظار الشمس بعد الغسق، والمرتقب لبلوغ هذه المنزلة التي تقدّمت إليها بوادر استحقاقه في السّبق، والمعطوف على من وصف من الأئمة وإن تأخّر عن زمانه عطف النّسق؛ وهو الذي ما دام يعدل دم الشهداء مداد أقلامه، وتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع من نقل خطواته في طلب العلم وسعي أقدامه، ودخل من خشية الله تعالى في زمرة من حصر بإنّما «٢» ، وهجر المضاجع في طاعة الله لتحصيل العلم فلو عدّت هجعاته لقلّما، وهجّر في إحراز الفضائل فقيّد أوابدها، وأحرز شواردها، ولجّج في بحار المعاني فغاص على جواهرها، ونظر نظرة في نجوم العلوم فاحتوى على زهرها وراد خمائل الفضائل فاستولى على أزاهرها، وانتهى إليه علم مذهبه فبرّز على من سلف، وجارى علماء عصره فوقفت أبصارهم عن رؤية غباره وما وقف، ونحا نحو إمامه فلو قابله يعقوب مع معرفته في بحث لانصرف، وتعيّن عليه القضاء وإن كان فرض كفاية لا فرض عين، وقدّمه الترجيح الذي جعل رتبته همزة استفهام ورتبة غيره بين بين- اقتضى رأينا الشريف اختصاصه بهذا التمييز، والتنبيه على فضله البسيط بهذا اللفظ الوجيز. فلذلك رسم أن يفوّض إليه كيت وكيت. فليتولّ هذه الرتبة التي أصبح فيها عن رسول الله ﷺ نائبا وبشرعه قائما، ويتقلّدها تقلّد من يعلم أنه قد أصبح على حكم الله مقدّما وعلى الله قادما، ويتثبّت تثبّت من يعتصم بالله في حكمه فإنّ أحد الخصمين قد يكون ألحن بحجّته وإن كان ظالما، ويلبس لهذا

стр. 5248

المنصب حلّة تمنع المبطل من الإقدام عليه، وتدفع الظالم عن التطاول إلى أمر نزعه الشرع من يديه، وتؤمّن الحقّ من امتداد يدي الجور والحيف إليه، وليسوّ بين الخصمين في مجلسه ولحظه، ويعدل بينهما في إنصاته ولفظه،: ليعلم ذو الجاه أنه مساو في الحق لخصمه، مكفوف باستماع حجّته عن الطمع في ظلمه، ولا ينقض حكما لم يخالف نصّا ولا سنّة ولا إجماعا، وليشارك فيما لا يجهله من القضايا غيره من العلماء ليتزيّد بذلك مع اطّلاعه اطلاعا، وليغتنم في ذلك الاستعانة بآرائهم فإنّ الله تعالى لا ينتزع هذا العلم انتزاعا، وليسدّ مسالك الهوى عن فكره، ويصرف دواعي الغضب لغير الله عن المرور بذكره «١» ؛ وليجعل العمل لوجه الله نتيجة علمه، وليحكم بما أراه الله وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ «٢» إن شاء الله تعالى. الثالث- قاضي القضاة المالكية: وهذه نسخة تقليد بقضاء قضاة المالكية، لقاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطيّ المقدّم ذكره، في العشر الأخير من رجب الفرد سنة أربع «٣» وثمانمائة، وهو: الحمد لله الذي شفع جلال الإسلام بجماله، وناط أحكامه الشرعيّة بمن اقترن بحميد مقاله جميل فعاله، وخصّ مذهب عالم المدينة بخير حاكم ما جرى حديثه الحسن يوما إلا وكان معدودا من رجاله، وعدق النظر في أحكامه بأجلّ عالم لو طلب له في الفضل مثل لعجز الزمان أن يأتي بمثاله. نحمده على أن أخلف من النّبعة الزكيّة صنوا زاكيا، وأدال من الأخ

стр. 5249

الصالح أخا للعلوم شافيا، ولمنصبه العليّ ولله الحمد وافيا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مجرّد سيف الحق على كلّ مبطل معاند، ومرهف حدّه القاضب لكل ملحد عن سواء السبيل حائد، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ فاق الأنام بفضله وعمّ البريّة بعدله، وسدّ باب التوبة على متنقّصه فلم تكن لتقبل توبة مثله، وكان إلى مالك مصيره فلا جرم قضى بإهدار دمه وتحتّم قتله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ذبّوا عن حمى الدين وذادوا، وسلكوا سبيل المعدلة إذ حكموا فما ضلّوا عن سنن الطريق ولا حادوا، صلاة تبقى ببقاء الدّهور، ولا تزول بهجة جمالها بتوالي الأعوام والشّهور، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإنّ أولى ما قصر عليه النظر، واستغرقت فيه الفكر وعرا العيون فيه السهر، وصرفت إليه الهمم، ورغبت في البراءة من تخلّفه الذّمم- النظر في أمر منصب الشرع الشريف الذي يأوي الملهوف إلى ظلّه، ويلجأ المستجير إلى عدله، ويتعلّق العفاة بوثيق عروته ومتين حبله، وبرهبته يكفّ الظالم عن ظلمه، وينتصف الخصم من خصمه، ويذعن العاصي إلى طاعته وينقاد الأبيّ إلى حكمه، ويأتمّ به الحائر في دجى الجهل فيستضيء بنوره ويهتدي بنجمه؛ لا سيما مذهب مالك الذي لم يزل للدّين من أهل الإلحاد مثّئرا، وللقصاص من أهل العناد مبتدرا، وبسلّ سيف الحقّ على الطّغاة المتمرّدين مشتهرا؛ ففاز من سطوات الإرهاب بأرفع المراتب، وعلا رقاب الملحدين بأرهف القواضب، وخصّ من سفك دماء المبطلين على البتّ بما لم يشاركه فيه غيره من المذاهب؛ فوجب أن يختار له من ينصّ الاختبار على أنه أهل للاختيار، ويقطع المنافس أنه الراجح وزنا عند الاعتبار، وتأخذ مناقبه البسيطة في البسط فلا تنفد إذا نفدت مناقب غيره المركّبة عند الاختصار، ويشهد له ضدّه بالتقدّم في الفضل وإن لم تتقدّم منه دعوى، ويعترف له بالاستحقاق خصمه فيتمسّك من عدم الدافع فيه بالسّبب الأقوى، ويحكم له بعلوّ الرّتبة مناوئه فيرتفع الخلاف وتنقطع النّجوى، ويسجّل له حاسده بثبوت المفاخر المحكوم بصحّتها فلا ينقضها حاكم وإن بلغ

стр. 5250

من تدقيق النظر الغاية القصوى، وتنفذ أحكامه في البريّة فلا يوجد لها مخالف، وتحذر شيعة الباطل سطوته فلا يرى لباطل محالف، ويشتهر عنه من نصرة الحق ما يأمن معه المستضعف الخائف، ويتحقّق فيه من قيام العدل ما يرتدع به الظالم الحائف، ويستوي عنده في لزوم الحق القويّ والضعيف، ولا يفرّق في لازمه بين المشروف والشريف، ولا يميّز في حمل الأعباء الشرعيّة بين الشّاق وغيره ولا بين الثقيل والخفيف، ولا يحابي قريبا لقرابته، ولا جليلا لجلالته، ولا ظالما خوف ظلمه ولا ذا استطالة لاستطالته، ولا يستزلّه ذو لسن للسنه ولا بليغ لبلاغته، ولا يخالف بين الصديق الملاطف وغيره إلا في منع قبول شهادته. ولما كان المجلس العاليّ القاضويّ، الكبيريّ، الإماميّ، العالميّ، الصّدريّ، الرئيسيّ، الأوحديّ، العلّاميّ، الكامليّ، الفاضليّ، المفيديّ، الفريديّ، الحجّيّ، القدويّ، الخاشعيّ، الناسكيّ، الحاكميّ، الجماليّ، جمال الإسلام، شرف الأنام، حاكم الحكّام، أوحد الأئمة، مفيد الأمّة، مؤيّد الملّة، معزّ السنّة، شمس الشريعة، سيف المناظرين، لسان المتكلمين، حكم الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين؛ أبو المحاسن «يوسف البساطيّ» المالكيّ- أدام الله تعالى نعمته- هو المراد من هذه الصّفات، التي وقعت من محلّه الكريم موقعها، والمقصود من هذه السّمات، التي ألفت من سيرته الفاضلة موضعها، وقارع صفاة هذه الذّروة التي ما كان ينبغي لغيره أن يقرعها، وشمس الفضل الحقيق بمثلها أن لا يتوارى جمالها بحجاب الغروب، وفاصل مشكلات القضايا إذا اشتد إشكالها وعظمت في فصلها الخطوب، ومتعيّن الولاية التي إذا كانت في حقّ غيره على الإباحة كانت في حقّه على الوجوب؛ وقد درّب الأحكام وخبرها، وعرف على التحقيق حالها وخبرها، وورد من مشاربها الرائقة أصفى المناهل فأحسن وردها وصدرها، ونفست جواهر فوائده ففاقت جواهر المعادن، وغطّت محاسن فضله فضائل غيره ولا تنكر المحاسن ل «يوسف» وهو «أبو المحاسن» ؛ فعلومه المدوّنة بالبيان والتحصيل كافلة، ومقدّمات تنبيهاته بنتائج النّوادر الحسنة متواصلة، وتهذيب ألفاظه المنقّحة تؤذن

стр. 5251

بالتحرير، وعيون مسائله المتواردة لا تدخل تحت حصر ولا تقدير؛ فلو رآه «مالك» لقال: ما أعظم هذه الهمّة، أو أدركه «ابن القاسم» لوفّر من الثناء عليه قسمة، أو عاصره «ابن عبد الحكم» لحكم له بأنّ سهمه قد أصاب الغرض وغيره أطاش الريح سهمه، أو عاينه «أشهب» لقال قد ركب هذا الشّهباء أنّى يلحق، أو سمع «ابن وهب» كلامه لقطع بأنه هبة ربّانيّة وبمثله لم يسبق، أو بلغ «ابن حبيب» خبره لأحبّ لقاءه. أو بصر به «سحنون» لتحقّق أنه عالم المذهب ما وراءه، أو استشعر بقدومه «ابن سيرين» لبشّر به، أو جاوره «ابن عوف» لعاف مجاورة غيره أو مجاوزة طنبه، أو جالسه «ابن يونس» لتأنّس بمجالسته، أو حاضره «أبو الحسن بن القصّار» لأشجى قلبه بحسن محاضرته، أو جاراه «القاضي عبد الوهّاب» لقضى بعلوّ مكانته، أو اتّصل ذكره «بالمازريّ» لزرى على «مازر» لبعدها عن دار إقامته، أو اطّلع «القاضي عياض» على تحقيقاته لاستحسن تلك المدارك، أو ناظره «ابن عبد السلام» لسلّم أنه ليس له في المناظرة نظير ولا في تدقيق البحث مشارك، أو مرّ به «ابن الجلّاب» لجلب فوائده إلى بلاده، أو حضره «ابن الحاجب» لتحقّق أنه جامع الأمّهات على انفراده. هذا وقد حفّ بجلال لا عهد لأحد مثله، ولا طاقة لفاضل بمقاومة فضله، ولا يسمح الزمان بنظيره من بعده كما لم يسمح به من قبله؛ فاجتمع من جمال الجلال، وجلال الجمال، ما لم يكن ليدخل تحت الإمكان، وعزّز عددهما من أعلام الأئمة بثالث ورابع فقام بناء الدّين من المذاهب الأربعة على أربعة أركان؛ ولا عبرة بما يذهب إليه الذاهبون من كراهة التربيع تبعا للمنجّمين في اعتقادهم الفاسد، فقد ورد أنّ زوايا الحوض على التربيع وذلك فيه أعظم دليل وأقوم شاهد. وكان مذهب مالك ﵀ هو المراد من هذه الولاية بالتخصيص، والمجلس الجماليّ المشار إليه هو المقصود بهذا التفويض بالتنصيص- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوفّي مرتبته السنيّة حقّها، ونبوّيء النّعم مستحقّها، ونملّك

стр. 5252

رقاب المعالي مسترقّها، ونقدّم على طائفة المالكية من أضحى لهم جمالا، ونتحفهم بمن أمسى لعزّهم كمالا، ونفوّض قضاء مذهبهم إلى من إذا جرى في ميدان حكمه قالت محاسن قضاياه: (هكذا هكذا وإلا فلا لا) ، ونسند الأحكام الشرعية إلى من هو بها أعرف، ونقفها على من عرف أنه على الحقائق ماض وعند السّنّة يتوقّف، ونعدق أمرها بمن ألف النزاهة فنكرة المطامع عنده لا تتعرّف، ونكل النظر فيها إلى من أمسى لشروط الاستيجاب جامعا، ونقدّم في ولاية هذا المنصب من شفع له استحقاقه وكفى بالاستحقاق شافعا. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يبسط لأوليائه من بساط الأنس ما كان مطويّا، وينيلهم من رغائب الآمال ما كان عنهم من سالف الأزمان مزويّا- أن يفوّض إليه قضاء قضاة مذهب عالم المدينة، وإمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحيّ: قدّس الله تعالى روحه. فليتلقّ ما فوّض إليه بأفضل تلقّ يليق بمثله، ويتقبّله تقبّلا يناسب رفعة محلّه، ويبتهج بأجلّ تفويض لم يسمح بتمنّيه لآخر من قبله. ومن أهمّ ما نوصيه به، ونوجّه القول إليه بسببه، تقوى الله تعالى التي هي ملاك الأمر كلّه، وقوام الدين من أصله، والاشتمال عليها في سرّه وجهره والعمل بها في قوله وفعله، ثم برّ الخلق والإحسان إليهم، والتجاوز عنهم إلا فيما أوجبه الشرع من الحقوق عليهم؛ ففي التقوى رضا الله وفي البرّ رضا الخلق وناهيك بجمعهما من رتبة فاخرة، إذ لا شكّ أنّ من حصّل رضا الله ورضا الخلق فقد حصل على خير الدنيا والآخرة؛ ووراء ذلك قاعدة في الوصايا جامعة، وتذكرة لذوي الذّكرى نافعة، وهي أن يتأمّل أحوال غيره تأمّل من جعلها لنفسه مثالا، ولنسجه منوالا؛ فما استحسنه منها أتى مثله، وما استقبحه تجنّب فعله؛ واقفا في ذلك عند ما وردت به الشريعة المطهرّة بنص صريح أو تأويل صحيح، معرضا عن العقليّات المحضة فلا مجال للعقل في تحسين ولا تقبيح. وأما أدب القضاء الجاري ذكر مثله في العهود، والنظر في أمر النّواب

стр. 5253

وكتّاب الحكم والشّهود، فهو به أدرب وأدرى، وبمعرفة ذلك لهم وعليهم أحقّ وأحرى؛ غير أنّا نوصيه بالتثبت في أمر الدّماء وعلاقتها، وتحقّق حكمها قبل الحكم بإراقتها؛ فإن ذلك لمادّة القلق فيها أحسم، ومن تبعاتها في الدارين أسلم؛ والوصايا كثيرة ولكنّها منه تستفاد، وعنه تؤخذ وإليه تعاد؛ والله تعالى يتولّاه، ويحوطه فيما ولّاه، ويديم عليه هذه النعمة فما فوق منصبه منصب يتمنّاه؛ والاعتماد...... «١» ... إن شاء الله تعالى. وكتب لستّ إن بقين من شهر رجب الفرد عام أربع وثمانمائة، حسب المرسوم الشريف، بمقتضى الخط الشريف. وهذه نسخة توقيع بقضاء القضاة الحنفيّة بدمشق، من إنشاء القاضي ناصر الدين ابن النّشائيّ، وهي: الحمد لله الذي جعل منار الشّرع الشريف مستمرّا على الدّوام، وشمل منصب الحكم العزيز للعالم بعد العالم على ممرّ الأيام، وأجمل انتخاب من يقوم بأعباء القضايا، ومن تدوم به مزايا السّجايا، فيتخيّر لذلك الإمام بعد الإمام، وأقبل بوجه اجتبائه على وليّ نتأكّد بإنصاته وإنصافه إحكام الأحكام، وعدل باعتنائه إلى تعيين من ترتفع به في العلوم أعلام الإعلام، ومن يتأيّد به الحقّ في كل نقض وإبرام. نحمده على نعمه الوافرة الأقسام، السافرة [اللثام] «٢» عن وجوه الزيادة الوسام، ونشكره على مننه الجسام، ومواهبه التي لا تبرح ثغور إحسانها لذوي الاستحقاق واضحة الابتسام.

стр. 5254

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة كفيلة بالمرام، منيلة للإكرام، جميلة التلفّظ والالتئام، جزيلة الكنف والاعتصام، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقام الله به شعائر الإسلام، وأظهر شرائع الدين الحنيف بحسام نصره الحسّام، وأورث من أهّله من أمّته كنوز العلوم التي لا تنفد فوائدها مع كثرة الإنفاق مدى السنين والأعوام، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هدوا المؤمنين بإلهام الكلام، وعدوا على المشركين بسهام الكلام، وأبدوا من إرشادهم إلى خفايا القضايا ما يظهر بتهذيبهم ظهور بدر التّمام، صلاة دائمة باقية تجزل لقائلها الأجر التامّ، وترسل إليه سحائب المواهب هاطلة الغمام، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى من تذهّب به مذهبه، وتحلّى به محلّ الشرع الشريف ومنصبه، وأنار بنور إرشاده ليل الشك وغيهبه، وسهل بتقريبه على فهم الطالب مطلبه، وهمى به وابل العلم وصيّبه «١» وأتيح به للمستفيد كنز الفوائد التي يدنو بها أربه، وشيم من برق شيمه بالشام ما وجد في الجود صادقه وفقد خلّبه- من علا في العلوم نسبه، وتأكّد في الدين سببه، وشيّد مبنيّ المعالي معربه، وصقل مرايا الأفهام مهذّبه، وزاحم منكب الجوزاء في ارتفاع القدر منكبه، وجمّل مواكب المباحث في الأصول والفروع موكبه، وسحّت بدقائق الحقائق سحبه، واشتاق إلى قربه موطن الحكم العزيز فما زال يرتقبه، وارتاح الزمان إلى عفافه وإنصافه فأرشد حيث نختاره لذلك وننتخبه. ولما كان المجلس العالي...... «٢» ...... أيّد الله أحكامه هو الذي أرشد الطالبين في البداية «٣» ، وأفاد المنتهين درجات النّهاية، وأفهم

стр. 5255

المستفيدين صواب الهداية، وغدا سابقا في حلبة العلماء إلى أقصى غاية. كم قرّب إلى الأذهان غامض المشكل وأوضح مفهومه، وكم أشاع فرائد فوائده التي طبّق الأرض بها علومه، وكم أباح لقط ألفاظه المشحونة بالحكم فتحلّى الناس بدررها المنثورة والمنظومة، مع ما له من دين متين، واستحقاق للتقدّم مبين، وصلاح بلغ به درجات المتّقين المرتقين، واتباع لسنن الحق في الحكم بين الخلق عن يقين- اقتضى حسن الرأي الشريف أن يقرن منصب القضاء بجماله، وأن يعوّض عن إمامه المفقود بإمامه الموجود ليستمرّ الأمر على حاله. فلذلك رسم......- لا زالت أئمة العلم الشريف في أيامه يخلف بعضهم بعضا، وأقدارهم تدوم رفعتها مدى المدد فلا تجد نقصا ولا نقضا- أن يفوّض...... «١» ...... فليباشر ذلك بعلمه المأثور، وحكمه المشهور، وإنصافه الذي يعدل فيه، واتصافه بالحق الذي ما برح يوفيه، قاضيا بين الخصوم بما أمر الله ، مراقبا لخشية الله على عادته، مذيعا للملّة الحنيفيّة أنواع إفادته، قاطعا بنصل نصّه مشكل الإلباس، جامعا في أحكامه المسدّدة بمقتضى مذهبه بين الكتاب والسّنّة والقياس. والوصايا كثيرة وملاكها التقوى وهي مادّته، وطريقه المستقيم وجادّته، وما زالت عمدته التي يعتمد عليها، وعدّته التي يستند في إسناد أمره إليها؛ والله تعالى يجمّل الأيام بأحكامه، ويبلّغه من خير الدنيا والآخرة غاية مراده ومرامه، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة المالكيّة أيضا، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين البساطيّ المذكور عند عوده إلى الوظيفة، لأربع بقين من ذي القعدة سنة سبع وثمانمائة. وقد وافق عوده عود شيخ الإسلام جلال الدين عبد
следующие страницы →