Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
الكتّاب» «١» : أنّ التوقيع معناه في اللغة التأثير الخفيف، ومنه قولهم: ناقة موقّعة الجنبة «٢» إذا أثّر فيها الرّحل تأثيرا خفيفا، وأنه يحتمل غير ذلك. وفي اصطلاح الأقدمين من الكتّاب أنه اسم لما يكتب في حواشي القصص كخطّ الخليفة أو الوزير في الزمن المتقدّم، وخط كاتب السّرّ الآن؛ ثم غلب حتّى صار علما على نوع خاصّ مما يكتب في الولايات وغيرها. قال في «التعريف» : وهي على أنموذج التفاويض. قال: وقد يقال: أن يرتّب، وأن يقدّم، ثم قال: وعنوانها «توقيع شريف لفلان بكذا» ولا يقال فيها على اختلافها: «وسبيل كلّ واقف عليه» كما في التقاليد، بل يقال: «فليعتمد ما رسم به فيه بعد الخطّ الشريف أعلاه» . وقد ذكر في «التعريف» أنها تكون لعامّة أرباب الوظائف جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها، حتّى الطبلخانات اللاحقين بشأو الكبار فمن دونهم. وقال في «التثقيف» : إنها مختصّة بالمتعمّمين من أرباب الوظائف الدينيّة والدّيوانية، ولا يكتب لأرباب السيوف منها إلا القليل: مثل نظر البيمارستان «٣» ، ونظر الجامع الجديد «٤» ، ونظر الحرمين الشريفين، يعني حرم القدس وحرم الخليل ﵇.
قلت: والجامع بين كلاميهما أنه في زمن صاحب «التعريف» كانت
стр. 5182
التواقيع تكتب بالوظائف لأرباب السّيوف من النّيابات وغيرها قبل أن تحدث المراسيم المكبّرة المقدّمة الذكر؛ ثم خصّت التواقيع بعد ذلك بالمتعمّمين دون أرباب السيوف. ومضى الأمر على ذلك في زمن صاحب «التثقيف» فجرى على حكمه ولم يبق ممن يكتب له توقيع من أرباب السيوف سوى نظّار الجهات الثلاث المتقدّمة الذّكر: من البيمارستان المنصوري، والجامع الجديد الناصريّ بمصر، ونظر الحرمين: حرم القدس الشريف، وحرم الخليل ﵇.
والحكم باق على ذلك إلى الآن.
ثم التواقيع على اختلافها لا تخرج عن أربع طبقات:
الطبقة الأولى (ما يفتتح بخطبة مفتتحة بالحمد لله، وفيها مرتبتان)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع النصف بقلم خفيف الثّلث
. قال في «التثقيف» : وصورته يعني ما يكتب به لأرباب الأقلام أن يكتب في الطرّة:
«توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ (ويدعى له دعوة واحدة) [نظر الجامع الجديد الناصريّ] «١» بما جرت به عادته، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت على ما شرح فيه» .
قال: فإن كان حاكما، كتب له بعد الكبيريّ، الحاكميّ. وإن كان كاتب السرّ، كتب له بعد الكبيريّ، اليمينيّ، لا غير. ثم يكتب في الصدر خطبة مفتتحة بالحمد لله ثم يقال: أما بعد، والتّتمة على نظير ما ذكر في التقاليد إلا فيما يليق بالوظيفة والمتولّي لها مما يناسب الحال. وقد ذكر في «التثقيف» أنه كان يكتب بذلك للقضاة الأربعة بالديار المصرية، والقضاة الأربعة بالشام،
стр. 5183
وكاتب السرّ بمصر والشام، وناظر الجيش بهما، وناظر الدواوين المعمورة والصّحبة الشريفة، وهو ناظر الدولة.
وحينئذ فإن كتب بذلك لقاضي القضاة الشافعيّة بالديار المصرية على ما كان الأمر عليه أوّلا، كتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان: أعزّ الله تعالى أحكامه، في قضاء قضاة الشافعيّة بالديار المصرية، على أجمل العوائد وأتمّها، وأكمل القواعد وأعمّها، بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لقاضي القضاة الحنفيّة، على ما كان الأمر عليه أوّلا أيضا، كتب له نظير قاضي القضاة الشافعية إلا أنه يبدل لفظ الشافعية ب «الحنفيّة» .
وإن كتب لقاضي القضاة المالكية، على ما الأمر مستقرّ عليه الآن، كتب له كذلك، وأبدل لفظ الشافعية والحنيفة ب «المالكيّة» .
وإن كتب لقاضي القضاة الحنابلة فكذلك، ويقال فيه «الحنابلة» .
وإن كتب به لأحد من القضاة الأربعة بالشام، فكذلك، إلا أنه يقال قضاء قضاة الشافعيّة أو الحنفية أو المالكية أو الحنابلة بالشّام المحروس.
وإن كتب به لكاتب السرّ على ما كان الأمر عليه أوّلا، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، اليمينيّ «١» فلان، ضاعف الله تعالى نعمته، صحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية أعلاها الله تعالى، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور، على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لكاتب السرّ بالشام، أبدل لفظ الممالك الإسلامية ب «الشأم المحروس» .
стр. 5184
وإن كتب به لناظر الجيش بالديار المصريّة، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ: ضاعف الله تعالى نعمته، نظر الجيوش المنصورة بالممالك الإسلامية، أعلاها الله تعالى على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لناظر الجيش بالشام، أبدل لفظ الممالك الإسلامية ب «الشام المحروس» .
وإن كتب به لناظر الدولة «١» ، كتب: «توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العالي، القاضويّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان، ضاعف الله تعالى نعمته، نظر الدواوين المعمورة والصّحبة الشريفة «٢» ، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور على ما شرح فيه» .
وإن كتب به لناظر البيمارستان [وكان صاحب] «٣» سيف، كتب: «توقيع شريف أن يفوّض إلى المقرّ الكريم، أو الجناب الكريم، أو العالي (على قدر رتبته) الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ، فلان الناصريّ مثلا: أعزّ الله أنصاره، أو نصرته، أو ضاعف الله تعالى نعمته (بحسب ما يليق به) نظر البيمارستان المعمور المنصوريّ، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور على ما شرح فيه» . وكذلك نظر الجامع الجديد ونظر الحرمين الشريفين كلّ بما يناسب الألقاب. وعلى ذلك.
المرتبة الثانية من التواقيع- ما يكتب في قطع الثلث بقلم التوقيعات
، وهو لمن مرتبته الساميّ بالياء. قال في «التثقيف» : وصورته في الطّرّة والصدر على ما تقدّم شرحه لكن بأخصر مما تقدّم. قال: وبذلك يكتب لنقيب الأشراف
стр. 5185
ولقضاة القضاة بحلب وطرابلس وحماة وصفد والكرك، وكذلك لقضاة العسكر بالممالك المذكورة والمفتين بدار العدل بها، ووكلاء بيت المال بها، والمحتسبين، ونظّار الجيش بها، وكتّاب الدّست «١» بمصر والشام، وناظر البيوت «٢» بالديار المصرية. وكذلك ناظر خزائن السّلاح، ومستوفي الصّحبة، وناظر بيت المال، وناظر الخزانة الكبرى «٣» وخزانة الخاصّ، وناظر الأحباس «٤» ، ومشايخ الخوانق الكبار: كسعيد السعداء «٥» ، وبيبرس بالقاهرة «٦» ، والشّميصاتيّة «٧» بدمشق، وكذلك تقدمة التّركمان بالشام، وتقدمة الأكراد به، ومشيخة العائد.
فإن كتب بذلك لنقيب الأشراف، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، الأميريّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى علوّه، في نقابة الأشراف بالديار المصرية، على عادة من تقدمه وقاعدته، على ما شرح فيه» .
وإن كتب لقاضي قضاة الشافعية بحلب، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أيّد الله تعالى أحكامه، في قضاء
стр. 5186
قضاة الشافعية بحلب المحروسة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته على ما شرح فيه.
وإن كتب للحنفيّ بها كتب كذلك، وأبدل لفظ الشافعية ب «الحنفيّة» وكذا في المالكية والحنابلة.
وإن كتب لأحد قضاة القضاة بغيرها: كطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك، أبدل لفظ حلب بلفظ تلك المدينة، والباقي على حكمه.
وإن كتب لأحد من قضاة العسكر بالممالك المذكورة، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، فلان الشافعيّ، مثلا أو نحو ذلك: أيّد الله تعالى أحكامه، في قضاء العسكر المنصور بالمكان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بإفتاء دار العدل بشيء من هذه الممالك، أبدل لفظ «قضاء العسكر» بلفظ «إفتاء دار العدل» والباقي على حكمه.
وإن كتب لأحد من وكلاء بيت المال بها، كتب: «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في وكالة بيت المال المعمور بالمكان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من المحتسبين بهذه الممالك، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الحسبة الشريفة بالمكان الفلانيّ على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من نظّار الجيش بها، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الجيوش المنصورة بالمملكة الفلانية، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب لأحد من كتّاب الدّست بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته،
стр. 5187
في كتابة الدّست الشريف بالأبواب الشريفة» . ثم إن كان عن وفاة عيّنه أو بنزول عيّنه.
وإن كان بالشام، أبدل لفظ «بالأبواب الشريفة» بلفظ «بالشام المحروس» .
وإن كتب بذلك في نظر البيوت بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر البيوت المعمورة» .
وإن كتب لأحد بنظر خزائن السّلاح بالديار المصرية، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في خزائن السّلاح المنصورة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب باستيفاء الصّحبة «١» ، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في استيفاء الصّحبة الشريفة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بنظر بيت المال، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر بيت المال المعمور، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بنظر الخزانة الكبرى، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ الملجس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ: أدام الله رفعته، في نظر الخزانة العالية الكبرى، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بنظر خزانة الخاصّ، أبدل لفظ الخزانة العالية الكبرى بلفظ
стр. 5188
خزانة الخاصّ الشريف، والباقي على ما تقدّم.
وإن كتب بنظر الأحباس، كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، الفلانيّ، فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر الأحباس المبرورة، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بمشيخة الخانقاه الصّلاحية (سعيد السعداء) كتب «توقيع شريف أن يستقرّ المجلس الساميّ، الشّيخيّ، الفلانيّ: أعاد الله تعالى من بركاته، في مشيخة الخانقاه الصّلاحيّة، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بمشيخة خانقاه بيبرس، أبدل لفظ «الخانقاه الصّلاحيّة» بلفظ «الخانقاه الرّكنيّة بيبرس» والباقي على ما تقدّم.
وإن كتب بمشيخة الشّميصاتية بدمشق، أبدل ذلك بلفظ «الخانقاه الشّميصاتيّة بالشام المحروس» .
وإن كتب بتقدمة التّركمان بالشام، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، الفلانيّ: أعزّه الله تعالى، في تقدمة التّركمان بالشام المحروس، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بتقدمة الأكراد، أبدل لفظ «التّركمان» بلفظ «الأكراد» .
وإن كتب بمشيخة العائد، كتب «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ الفلانيّ: أعزّه الله تعالى، في مشيخة العائد، على عادة من تقدّمه وقاعدته» . وعلى ذلك.
الطبقة الثانية (من التواقيع ما يفتتح بلفظ «أما بعد حمد الله» وهو لمن رتبته السامي بغير ياء، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع الثلث
، وهو الأصل فيما يكتب في الثلث ثم ترقّي عنه إلى رتبة الافتتاح بالحمد. ألا ترى أن المناشير التي تكتب
стр. 5189
في قطع الثّلث بقلم التوقيعات تفتتح كلّها بلفظ «أما بعد» على ما سيأتي بيانه في المقالة السادسة، في الكلام على المناشير، إن شاء الله تعالى.
وصورته أن يكتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس الساميّ، القضائيّ، فلان الدين أو الشيخ فلان الدين في كذا، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، على ما شرح فيه» ثم يكتب في الصدر «أما بعد حمد الله» ويصلّي على النبيّ ﷺ ؛ ثم يقول: «فإنّ أولى الأمور بكذا من هو بصفة كذا» أو «إنّ أولى الناس بالتقديم من هو متّصف بكذا» ونحو ذلك؛ ثم يقال: «ولمّا كان المجلس» ويؤتى بنحو ما تقدّم من المفتتح بالحمد لله.
قلت: وقد قلّ استعمال هذا الضّرب بديوان الإنشاء الشريف وإن كان هو الأصل فيما يكتب في هذا القطع، حتّى لا يكاد يكتب به إلا في النادر، تغاليا في رفعة المكتوب لهم، مع المسامحة لهم في مثل ذلك.
المرتبة الثانية- ما يكتب من هذه الطبقة في قطع الثلث
. قال في «التثقيف» : وهو قليل جدّا لا يكون إلا في تدريس كبير، أو نظر وقف كبير، أو مشيخة الحرم الشريف بالقدس الشريف، إن لم يكن في قطع الثلث، أو لرجل كبير قديم الهجرة في الخدمة الشريفة، إلا أنّ الوظيفة صغيرة لا تقتضي أن تكون في قطع الثلث.
الطبقة الثالثة (من التواقيع ما يفتتح بلفظ «رسم بالأمر الشريف» وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى- ما يكتب في قطع العادة المنصوريّ بقلم الرّقاع
«١» ، وهو لمن رتبته السامي بغير ياء ممن لم تبلغ رتبته قطع الثلث. قال في «التثقيف» :
وصورته أن يكتب في الطرّة «توقيع شريف بأن يستقرّ المجلس السامي القاضي
стр. 5190
فلان الدين: أعزه الله تعالى في كذا، أو أن يرتّب، أو أن يقدّم» ويذكر ما تضمّنه الشاهد من قصة أو قائمة من ديوان الوزارة أو الخاصّ أو غير ذلك «على ما شرح فيه» . قال: ثم يكتب في الصدر بعد البسملة «رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلاني، باللقب الخاص، ولقب السلطنة» : مثل الناصريّ، الزّينيّ، ونحو ذلك (ويدعى للسلطان بأدعية تناسب الوظيفة والمتولّي لها، وأقلّها ثلاث فقرات فما زاد) «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان، أو مجلس القاضي فلان الدين فلان:
أعزّه الله تعالى في كذا، لما له من صفات هي كذا وكذا (ويأتي من صفات المدح بما يناسب المقام) ثم يقال: فليباشر ذلك، أو فليتلقّ هذا الإحسان، أو فليقابل صدقاتنا الشريفة» ونحو ذلك؛ ثم يوصى بما يليق بتلك الرتبة، ويدعى له بسجعتين فقط. ثم يقال: «بعد الخطّ الشريف أعلاه» . ثم قال: وبذلك يكتب لكتّاب الدّرج «١» ، ومستوفي الدولة «٢» ، وناظر الأهراء «٣» وناظر المطابخ، ومشايخ الخوانق الصّغار، والتّداريس «٤» الصّغار، وأنظار الأوقاف الصّغار، ونحو ذلك مما لا يأخذه حصر.
وحينئذ فإن كتب بذلك لكاتب درج، كتب في الطرّة «توقيع شريف أن
стр. 5191
يستقرّ مجلس القاضي فلان الدين فلان: أعزّه الله تعالى في كتابة الدّرج الشريف» .
وإن كتب به لمستوف من مستوفي الدولة، كتب «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله نعمته، في استيفاء الدولة الشريفة على عادة من تقدّمه» .
وإن كتب لناظر الأهراء، كتب «أن يستقر المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله رفعته، في نظر الأهراء السعيدة» .
وإن كتب بنظر مطابخ السّكّر، كتب «أن يستقرّ المجلس السامي، القاضي، فلان الدين فلان: أدام الله تعالى رفعته، في نظر المطابخ السعيدة» .
وإن كتب بمشيخة خانقاه صغيرة، كتب «أن يستقر المجلس السامي، الشّيخيّ، فلان الدين فلان، أو مجلس الشيخ فلان الدين فلان: نفع الله تعالى ببركته، في مشيخة الخانقاه الفلانية، على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته» .
وإن كتب بتدريس صغير، كتب «أن يستقرّ في تدريس المدرسة الفلانية، على عادة من تقدّمه وقاعدته» .
وإن كتب بنظر وقف، كتب «أن يستقرّ في نظر الوقف الفلانيّ» ونحو ذلك.
ثم إن كان لشيء من ذلك معلوم يشهد به الديوان السلطانيّ ككتابة الدّرج واستيفاء الدولة، كتب بعد قوله وقاعدته: «بما لذلك من المعلوم الشاهد به الديوان المعمور» .
وإن كان الشاهد بالمعلوم كتاب وقف، كتب «بما لذلك من المعلوم الشاهد به كتاب الوقف المبرور» . ويقول في آخر طرّة كل ولاية من التقاليد، والتفاويض، والمراسيم، والتواقيع على اختلافها: «على ما شرح فيه» .
стр. 5192
الطبقة الرابعة (التواقيع الصّغار؛ وهي لأصغر ما يكون من الولايات: من نظر وقف صغير ونحو ذلك، وتكون في ثلاثة أوصال ونحوها)
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل- ما يكتب على مثال أوراق الطّريق .
وصورتها أن يكتب في أعلى الدّرج: «توقيع شريف بأن يستقرّ فلان في كذا، على ما شرح فيه» . ويكون ذلك في سطرين؛ ثم يكتب في آخر ذلك الوصل: «رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ السلطانيّ» إلى آخر ما تقدّم في الطبقة الثالثة، ويقال في الدعاء: «أعلاه الله وشرّفه، وأنفذه وصرّفه» ونحو ذلك، ثم يقال: «أن يستقر فلان في كذا» ويشرح ما تضمّنه الجواب في هامش القصّة، ثم يقال: «فليعتمد هذا المرسوم الشريف كلّ واقف عليه، ويعمل بحسبه ومقتضاه، من غير عدول عنه ولا خروج عن معناه، بعد الخط الشريف أعلاه» .
الضرب الثاني- ما يكتب على ظهور القصص .
وكيفيّته أن تلصق القصّة التي شملها جواب كاتب السرّ أو غيره على وصلين من ورق العادة الصغير. قال في «التثقيف» : وصورتها أن يكتب في ظاهر القصّة بغير بسملة قبل الوصل الذي وصله بنحو أربعة أصابع ما صورته:
«رسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ السلطانيّ» على نحو ما تقدّم. ويدعى له: «أعلاه الله وشرّفه، وأنفذه وصرّفه» على ما تقدّم في الضرب الأوّل، ثم يقال: «أن يتأمّل ما أنهاه رافعها باطنا، وليتقدّم بكذا وكذا» ويشرح ما تضمّنه الجواب في هامش القصّة، ثم يقال: «فليعتمد هذا المرسوم الشريف كلّ واقف عليه، ويعمل بحسبه ومقتضاه، بعد الخطّ الشريف أعلاه» . قال: وإن كان رافع القصّة ممن هو متميّز بعض التميّز قيل: «مترجمها» بدل «رافعها» ؛ فإن زيد في قدره، قيل: «ما ذكره مجلس القاضي أو المجلس السامي القاضي» إن كان
стр. 5193
من هذه الرتبة، وتذكر بعض ألقابه، ثم يقال: «أدام الله علوّه» أو «أعزه الله، فليتقدّم» ويكمل إلى آخره.
واعلم أنّ المقرّ الشّهابيّ ابن فضل الله ﵀ قد ذكر في «التعريف» افتتاحات أخرى للتواقيع بين رتبة «أما بعد حمد الله» ورتبة «رسم بالأمر الشريف» فقال: بعد الافتتاح بأما بعد حمد الله: وقد تستفتح بقول: «أما بعد فإنّ أولى ما كان كذا» أو ما هذا معناه، وقد تستفتح بقول: «من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه» أو ما هذا معناه، وجعلها رتبة بعد رتبة.
قلت: وهذه الافتتاحات كانت مستعملة في الدولة العباسية ببغداد، وفي الدولة الفاطميّة بالديار المصريّة والبلاد الشاميّة، ثم في الدولة التّركيّة إلى زمن المقرّ الشّهابيّ المشار إليه في الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون؛ ثم رفضت بعد ذلك، وترك استعمالها بالديار المصرية البتّة، فلم يكن أحد من كتّاب ديوان الإنشاء يستعمل شيئا منها.
المقصد الثالث (في بيان كيفيّة وضع ما يكتب في هذه الولايات في الورق، ويتعلّق به عشرة أمور)
الأمر الأوّل- الطّرة
، وهي في اصطلاحهم عبارة عن طرف الدّرج من أعلاه، ثم أطلقوه على ما يكتب في رأس الدّرج مجازا، تسمية للشيء باسم محلّه.
قلت: وليس صحيحا من حيث اللغة، فإنّه في الأصل مأخوذ من طرّة الثوب. وقد ذكر الجوهريّ وغيره أن طرّة الثوب هي طرفه الذي لا هدب فيه، والذي لا هدب فيه من الثوب هو حاشيتاه، بخلاف أعلاه وأسفله. نعم يجوز أن تكون مأخوذة من الطّرّ بمعنى القطع، لأن الطّرّة مقتطعة عن كتابة المتن، يفصل بينهما بياض، ومنه سمّي الشّعر المرسل على الصّدغ طرّة. وقد جرت العادة في كل ما يكتب له طرّة أن يكتب في أعلى الدّرج في الوسط بقلم الرّقاع بكل حال
стр. 5194
ما صورته «الاسم الشريف» ثم تكتب الطرّة تلو ذلك من أوّل عرض الدّرج إلى آخره، دون هامش عن يمين ولا شمال: بحيث تكون أطراف المنتصبات من أوّل السطر الأوّل ملاصقة لأسفل ما كتب في أعلى الدّرج مما تقدّم ذكره. ويأتي بالطرّة المناسبة: من تقليد، أو مرسوم، أو تفويض، أو توقيع، بالقلم المناسب لمقدار قطع ذلك الورق على ما تقدّم بيانه، ويأتي على ما يكتب في الطرّة على ما تقتضيه الحال، على ما سبق ذكره إلى أن ينتهي إلى آخره؛ فإن انتهى في أثناء سطر، ترك باقيه بياضا، وكتب في آخره «على ما شرح فيه» بحيث يوافي آخر ذلك آخر السطر، وإن انتهى ما يكتب في الطرّة في آخر السطر، كتب تحت ذلك السطر على حيال آخره «على ما شرح فيه» كما تقدّم، لا يختلف الحال في ذلك في مكتوب ولاية، إلا فيما يكتب على ظهور القصص، فإنّ العادة جرت فيه أن لا يكون له طرّة، ولا يكتب في أعلاه الاسم الشريف: لأنه قد علم أنه لا يكتب فيه إلا الاسم الشريف، فلم يحتج إلى تنبيه على ذلك.
الأمر الثاني- البسملة الشريفة
. ومن شأنها أن تكتب في أوّل كلّ ولاية لها شأن، عملا بقوله ﷺ : «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» يعني ناقص البركة، ومحلّها من كتب الولايات في أوّل الوصل الرابع بعد أوصال البياض. أما ما لا بال له من كتب الولايات: كالتواقيع التي على ظهور القصص وما هو منها على صورة أوراق الطريق، فقد جرى الاصطلاح على أنه لا يكتب في أوّلها بسملة أصلا، بل تفتتح ب «رسم بالأمر الشريف» .
قلت: وقد كان القاضي علاء الدين عليّ الكركيّ حين ولّي كتابة السرّ الشريف بالديار المصرية في أوّل سلطنة الظاهر برقوق الثانية أمر أن تكتب في أوّل هذه التواقيع بسملة لطيفة المقدار، طلبا للتبرك؛ ثم ترك ذلك بعد موته وانتقال الوظيفة إلى غيره. ولا يخفى أنّ ما عليه الاصطلاح هو الوجه: فإنّ النبيّ ﷺ قد قيّد ما يبدأ بالبسملة بما يكون له بال من الأمور، ومقتضاه أنّ ما لا بال له لا يبدأ فيه ببسملة. على أنه قد كان أمر أن تجعل البسملة قبل قوله «رسم بالأمر الشريف» ومقتضى ذلك أن تقع العلامة فوق البسملة، وفيه ما لا
стр. 5195
يخفى، بخلاف غيره من الولايات الكبار فإنّ العلامة تكون فيها تحت السطر الثاني من البسملة، على ما سيأتي بيانه.
الأمر الثالث- الافتتاح الذي يلي البسملة
. وقد علمت مما تقدّم أنّ الذي استقرّ عليه افتتاح كتب الولايات على اختلافها من أعلى وأدنى لا يخرج عن ثلاثة أصناف:
أحدها- الافتتاح بالحمد لله، وهو أعلاها. ثم تختلف رتبته بعد ذلك باختلاف ما يكتب فيه من مقادير قطع الورق: إذ هو تارة تفتتح به التقاليد، وتارة تفتتح به المراسيم المكبّرة، وتارة تفتتح به التفاويض، وتارة تفتتح به كبار التواقيع.
الثاني- الافتتاح بأما بعد حمد الله؛ وهو المرتبة الثانية من المراسيم المكبّرة، والتواقيع الكبار؛ وتكون في قطع الثلث تارة، وفي قطع العادة المنصوريّ أخرى.
الثالث- الافتتاح برسم بالأمر الشريف؛ وهو المرتبة الثالثة من المراسيم والتواقيع، وهي أدنى رتبها. وتكون في قطع العادة الصغير، وربما كتب بها في قطع العادة المنصوريّ.
الأمر الرابع- البعدية فيما يفتتح فيه بالحمد لله
، وهو على ضربين:
الأوّل
- أن يقال بعد التحميد والتشهّد والصلاة على النبيّ ﷺ : أما بعد، وهو الأعلى. وتكون في التقاليد خاصّة.
الثاني
- وبعد، وهي دون أما بعد. وتكون في التفاويض وكبار المراسيم والتواقيع. وقد مرّ القول على ذلك مستوفى في الكلام على الفواتح في المقالة الثالثة.
الأمر الخامس- وصف المتولّي بما يناسب مقامه ومقام الولاية من المدح والتفريظ
. وقد مرّ القول على ذلك في المقصد الأوّل من هذا الطّرف، في
стр. 5196
الكلام على مقدّمات الولايات.
الأمر السادس- الألقاب المختصّة بصاحب الولاية
. قد تقدّم أنه يذكر في الطّرّة بعض الألقاب التابعة للّقب الأصليّ: من المقرّ والجناب وغيرهما، مع التصريح باسم المولّى والدعاء له بما يناسبه، على ما تقدّم بيانه هناك. أما في أثناء الولاية، فإنه يستوعب جميع ألقابه ويعاد ذكر الاسم والدعاء المذكور في الطّرّة. وقد تقدّم ذكر الألقاب مستوفى في المقصد الأوّل من هذا الفصل في الكلام على مقدّمات الولايات.
الأمر السابع- وصيّة صاحب الولاية بما يناسب ولايته
. وقد تقدّم التنبيه على ذلك في الكلام على مقدّمات الولايات أيضا.
الأمر الثامن- الدعاء لصاحب الولاية بما يناسبه إذا كان مستحقّا لذلك .
وقد ذكر في «التعريف» أن من استصغر من المولّين لا يدعى له في أوّل ولاية ولا آخرها، وربما قيل بدل الدعاء أو بعده: «والخير يكون» .
الأمر التاسع- الخواتم
: من كتابة «إن شاء الله تعالى» والتاريخ، والمستند، والحمدلة، والتصلية، على نحو ما تقدّم في المكاتبات.
فأما المشيئة، فإنه يكتب في آخر مكتوب كلّ ولاية: «إن شاء الله تعالى» في سطر منفرد.
وأما التاريخ، فإنه يكتب في سطرين كما تقدّم في المكاتبات، فيكتب «كتب في يوم كذا من شهر كذا» في سطر، ويكتب «سنة كذا وكذا» في سطر تحته.
وأما المستند، فإنّه يكتب تحت التاريخ، كما تقدّم في المكاتبات، فإن كان بتلقّي كاتب السرّ، كتب في سطر واحد «حسب المرسوم الشريف» ، وإن كان برسالة الدّوادار، كتب «حسب المرسوم الشريف» في سطر، ثم كتب في سطر تحته «برسالة الجناب العاليّ الأميريّ، الكبيريّ، الفلانيّ الدّوادار،
стр. 5197
الناصريّ» مثلا؛ وإن كان بخط السلطان، كتب «حسب الخطّ الشريف» ؛ وإن كان بإشارة النائب الكافل، كتب «بالإشارة العالية الأميريّة الكبيريّة الفلانية» في سطر، وكتب «كافل الممالك الشريفة الإسلاميّة أعلاها الله تعالى» في سطر تحته؛ وإن كان بإشارة الوزير، كتب «بالإشارة العالية الصاحبيّة الوزيريّة الفلانية» في سطر، ثم كتب في السطر الثاني «مدبّر الممالك الشريفة الإسلامية أعلاها الله تعالى» ؛ وإن كان الوزير صاحب سيف، أسقط منها «الصاحبيّة» . أللهم إلا أن يكون مرسوما صغيرا أو توقيعا صغيرا مما كتب في هيئة ورقة الطريق أو على ظهر القصّة، فإنه إن كان بتلقّي كاتب السرّ، كتب المستند على حاشية التوقيع على سمت ما بين السطر الأوّل والثاني؛ وإن كان بإشارة النائب الكافل كتب هناك «بالإشارة العالية» سطرين، على نحو ما تقدّم فيما يكتب تحت التاريخ؛ وإن كان بإشارة الوزير، فالأمر كذلك؛ وإن كان برسالة الدّوادار، كتب على الحاشية هناك «حسب المرسوم الشريف» ، ثم كتب تحت التاريخ «برسالة الجناب العالي» إلى آخر المستند.
وأما الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ ، ففي سطر تحت المستند، كما في المكاتبات، يكتب فيها «الحمد لله وحده» ثم يخلّي بياضا، ثم يكتب «وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه» .
وأما الحسبلة، ففي سطر تحت ذلك يكتب فيه «حسبنا الله ونعم الوكيل» على ما تقدّم في المكاتبات.
الأمر العاشر- البياض الواقع في كتب الولايات
، وله ستّة مواضع:
الأوّل- فيما بين الطّرّة والبسملة
، وهي ثلاثة أوصال بالوصل الذي فيه الطرّة، لا يتجاوز ذلك في مقدار قطع كبير ولا صغير. إلا أنه ربما اقتصر على وصلين فيما استصغر شأنه من الرتبة الثالثة من التواقيع.
الثاني- الحاشية فيما على يمين البسملة وما بعدها
. وأهل زماننا يعبّرون عن ذلك بالهامش، ولم أجد له أصلا في اللغة. وقد تقدّم القول عليها في
стр. 5198
المقالة الثالثة، في الكلام على متعلّقات قطع الورق وما ينخرط في سلكه. أما آخر الأسطر فإنه لا بياض فيه؛ على أنّ ملوك الروم يجعلون لكتبهم حاشية من أوّل الأسطر وحاشية من آخرها، على ما تقدّم القول عليها في الكتب الواردة عن صاحب القسطنطينيّة.
الثالث- بيت العلامة
؛ وهو فيما بين السطر الأوّل: وهو الذي يلي البسملة، وبين السطر الثاني: وهو الذي يكون في آخر وصل البسملة. وقد تقدّم في الكلام على مقادير الورق في المقالة الثالثة أن مقداره في الزمن القديم كان قدر شبر، وقد شاهدناه دون ذلك بقليل فيما كتب به في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» على ما يشهد به الموجود من تواقيعهم، ثم تناقص قليلا؛ فلمّا غلا الورق وقصّرت الأوصال نقص مقداره حتّى صار [نحو نصف شبر] «١» ، وهو على ذلك إلى الآن. ويزيد ذلك وينقص باعتبار قطع الورق فإنه في القطع الكبير يكون الوصل أطول منه في القطع الصغير.
الرابع- ما بين الأسطر في متن الولاية
؛ وهو على مقدار النّصف من بيت العلامة في القطع الكبير والقطع الصغير، لا يكاد ذلك يختلف إلا في التّواقيع والمراسيم التي هي على هيئة أوراق الطريق، والتي على ظهور القصص، فإنّ ما بين السطرين منها يكون متضايقا حتّى يكون بقدر ثلاثة أصابع مطبوقة.
الخامس- ما بين أسطر اللّواحق
فيما بعد «إن شاء الله تعالى» فإنه يكون ما بين كلّ سطرين من ذلك قدر نصف ما بين السطرين في متن الولاية، إلا في المستند إذا كان سطرين، مثل أن يكون برسالة الدّوادار ونحوها، فإنّ السطرين يكونان متلاصقين.
السادس- ما بعد اللّواحق في آخر الكتاب
، وهو قدر يسير يكون قدر إصبعين مطبوقين أو ثلاثة أصابع مطبوقات وما قارب ذلك.
стр. 5199
المهيع الثاني (في ذكر نسخ مما يكتب في متن الولايات من التقاليد والمراسيم المكبّرة والتفاويض والتّواقيع)
قلت: وقد كنت هممت أن أجعل ابتداآت التقاليد، والتفاويض، والمراسيم، والتواقيع: من الافتتاح ب «الحمد لله» أو ب «رسم بالأمر الشريف» في فصل مستقلّ، ومقاصدها المتعلقة بالوظيفة [في فصل على حدة ليختار] «١» الكاتب الذي لا يحسن الإنشاء ما أحب من الابتداآت المناسبة للاسم أو اللّقب ونحوهما ثم يبيّن القصد المتعلق بالوصف.
ثم أضربت عن ذلك وأتيت بالنسخ على صورتها لأمور: منها- أن في تضييع النسخة إفسادا لصورتها وضياع فضيلة المنشئين وإشاعة ذكرهم. ومنها- أن يعرف أنّ الصورة التي تورد مما كتب به في الزمن السابق، وأنها مصطلح قد اصطلح عليه أهل ذلك الزمان. ومنها- أن يعرف المنشيء ترتيب من تقدّم لينسج على منواله. وإذا أراد من لا دربة له بالإنشاء أخذ تحميدة من تقليد أو توقيع وغيرهما ونقلها إلى مقصد من مقاصد الولاية لم يعجزه ذلك.
ثم قسمته على ثلاثة أقسام:
стр. 5200
القسم الأوّل (ولايات وظائف الديار المصرية؛ وهي على نوعين)
النوع الأوّل (الولايات بالحضرة؛ وهي على ستة أضرب)
الضرب الأوّل (ولايات أرباب السيوف؛ وهي على طبقتين)
الطبقة الأولى (ذوات التقاليد؛ وهي ثلاث وظائف)
الوظيفة الأولى (الكفالة، وهي نيابة السلطنة بالحضرة)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف المملكة في المقالة الثانية أن الكفالة هي أعلى رتب نيابة السلطنة، وأنّ النائب الكافل يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويعلّم في التقاليد والتواقيع والمناشير وغير ذلك، بخلاف غيره من النوّاب، فإنّ كل نائب لا يعلّم إلا على ما يختصّ بخاصّة نيابته. وقد تقدّم في مقدّمة الولايات أنّ لقبه «المقرّ الكريم» على ما استقرّ عليه الحال.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة، كتب بها من إنشاء الشّهاب محمود الحلبيّ «١» ﵀، وهي:
الحمد لله الذي جعل ركن الدولة في دولتنا القاهرة ثابت القواعد، على فرقد الفراقد، راقيا في رتب العلوّ الآخذة من أفق التأييد بالمطالع ومن نطق العزّ بالمعاقد، حاليا بعقود المهابة التي لا تزال لرعبها على الأعداء طلائع خيل في
стр. 5201
المراقب وروائع «١» خيال في المراقد، حاويا من أنواع المفاخر ما لو كاثرته الدّراريّ غدت وهي لمجموعه فراقد، أو فاخرته الدّرر ثقّبتها الأفكار النواقد، مقلّدا من سيوف الظّفر ما لا تنبو في نصرة الإسلام مضاربه؛ وكيف تنبو وأوامرنا لعقود حمائلها على عواتق مجده عواقد.
نحمده على نعمه التي عدقت أمور دولتنا بمن يرفع بأسه منارها، وعقدت قواعد مملكتنا بمن يوالي فضله أنوارها، وعضدت همم أوليائنا بمن إذا تخيّلت أعداء الدين مواقع صوارمه كان أمنع صونها إسارها وأنفع سلاحها فرارها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرق الهمم بلوامعها، وتشرف الكلم بجوامعها، وتزكو الأمم بما تنقل الألسنة منها عن القلوب إلى مسامعها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أقامنا الله لنصر دينه، وألهمنا تفويض مصالح أمته إلى كلّ وليّ ما رفعت راية نصر إلا تلقّاها عرابة «٢» مجده بيمينه، وعضّدنا في جهاد أعدائه بأعزّ صفيّ ينوب بأسه للجيش عن طليعته ويقوم رأيه في الحرب مقام كمينه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اختارهم لصحبته وارتضاهم، وأرهفهم لإقامة ملّته وانتضاهم، فمنهم من فاز بمزيّتي سبقه وتصديقه، ومنهم من كان الشيطان ينكّب عن طريقه، ومنهم من اختار الشهادة على الانتصار بفريقه ورفيقه، ومنهم من أقامه بشرف الأخوّة معه مقام شقيقه، صلاة يبلغه إخلاص مقيمها، ويعرض عليه إيمان مديمها، وسلم.
أما بعد، فإنا- من حين أورثنا الله ملك الإسلام لا عن كلالة، وألبسنا في مواقف الذّبّ عن دينه حلل العزّ المعلمة بالجلالة، ومكّن لنا في أرضه، وأنهضنا بمسنون الجهاد وفرضه، ونشر دعوة ملكنا في طول الوجود وعرضه- لم نزل نرتاد لكفالة الممالك الإسلاميّة من تأوي
стр. 5202
منه إلى ركن شديد، ورأي سديد؛ وحزم يقرّب من مواهب النصر كلّ بعيد، وعزم إذا أرهف صوارمه من أدنى الصعيد، وجف لهول مواقعها باب الحديد «١» ؛ فهو المطويّ في أثناء ضمائرنا وإن تقلّدنا قبله سواه، والمنويّ في أحناء سرائرنا وإنّما لا مريء ما نواه؛ قد حلب قدم هجرته الدّهر أشطره، وكتب حسن خبرته من عنوان السّير أسطره، وتمثّلت مرآة الزمان لفكره فاجتلى صور الوقائع في صفائها، وترددت تجارب الأمم على سمعه فعلم ما يأتي وما يذر في تركها واقتفائها، واستقبل دولة أسلافنا الشريفة من فواتحها، فكان لسان محاسنها، وبنان ميامنها، وخزانة سرّها، وكنانة نهيها وأمرها، وطليعة تأييدها، وذريعة أوليائها إلى عوارفها وجودها، وعنوان أخبارها، وعنان سوابقها التي لا تدرك مآثر من سلف شقّ غبارها، ويمين قبضتها المصرّفة بين البأس والنّدى، وأمين آرائها المؤيّدة بالتوفيق اللّدنيّ على العدا، وركنها المشيّد بالأسل وهو ما تبنى عليه الممالك، وحصنها المصفّح بالصّفاح فلا تستطيع الأهواء أن تتوقّل «٢» إليه تلك المسالك، وزعيم جيوشها التي اجتنت من قصب قواضبه ثمر النّصر غير مرّة، ومتقدّم عساكرها التي اجتلت به وجوه الظّفر الحلوة في أيّام الكريهة المرّة.
ولما كان المقرّ الكريم (الفلانيّ) هو معنى هذه الصفات المبهمة، ومبنى هذه القواعد المحكمة، وطراز حلل هذه الأحوال المعلمة، وسرّ المقاصد
стр. 5203
الظاهرة، وسلك هذه [النجوم] «١» الزاهية بل فلك هذه الدّراريّ الزاهرة: تحلّق صوادح البراعة، فتقع دون أوصافه بمراحل، وتغوص سوابح اليراعة، فيلقيها العجز عن استخراج درر نعوته بالسّواحل؛ فأوصافه تذكر على وجه الإجمال لضيق نطاق الفصاحة عن تفصيلها، ومناقبه تشكر بلسان الإجماع لعجز ألسنة الأقلام عن بلوغها إلى غايتها ووصولها؛ فلذلك اقتضت آراؤنا الشريفة أن نفسح مجال الهدى، بتفويض إيالة الممالك إليه، وأن نقطع آمال العدا، بالاعتماد في زعامة الجيوش الإسلاميّة عليه، وأن نقرّ عيون الرّعايا بإلقاء مقاليد العدل والإحسان إلى يديه، وأن نصون عقائل الممالك من مهابته بما يغدو سورا لعواصمها، وسوارا لمعاصمها، وشنبا «٢» تفترّ ثغورها عن بروقه، أو لهبا «٣» يقطع طريق أمل العدا عن تخيّل خيالها في طروقه،: ليعتضد الدّين منه بركنه، ويتغلّب [على] «٤» الشّرك في حالتي حربه ووهنه، ويتقلّب كلّ من رعايانا بين وهاد يمنه ومهاد أمنه- رسم بالأمر الشريف- لا زال ملكه عليّ الأركان، راقيا من أفق النصر إلى أعلى مكانة وأرفع مكان- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالديار المصرية، والممالك الإسلامية، على أكمل العوائد، وأجمل القواعد، تفويضا تمضي أحكامه في الممالك الإسلامية شرقا وغربا، وبعدا وقربا؛ فلا يخرج منها شيء عن أوامره وأحكامه، ولا يعدل في سلمها وحربها عن حكمي سيوفه وأقلامه.
فليستقرّ في هذه الرّتبة العالية استقرار الأركان المواكث، والأطواد اللّوابث، والأصول النّوابت، والنجوم الثوابت، مؤثّلا قواعدها برأيه السديد ورايته، معوّذا كمالها بسيف النصر وآيته، مبتدئا في إعلاء منارها من العدل بأقصاه ومن الإحسان بغايته، مكثّرا أعداد الجيوش الإسلامية برأيه السعيد، مقرّبا
стр. 5204
من مطامح النّصر النائية كلّ بعيد، موكّلا بحركات العدوّ وسكناته جفنا لا يألف الغرار «١» ، وسيفا لا يعرف القرار، وعزما لا يرضى من عدوّه دون اصطلامه «٢» الفرار؛ فلا تزال جيوش الإسلام بجميل تعاهده مزاحة العوائق، مزالة العلائق، لا مانع لها عن الركوب، ولا قاطع عن الوثوب، قد أعدّتها عزائمه، فكلّ زمانها بالتأهّب للّقاء وقت إمكانه، وأمدّت بأسها صوارمه، فهي لا تسأل عن عدد عدوّها بل عن مكانه، مقيما منار العدل الذي هو أساس الملك ودعامته، ورأس الحكم بأمر الله في خلقه وهامته، ونور الخصب الكافل بمصالح العباد والبلاد وعامته «٣» ، ناشرا له في أقطار الممالك، ماحيا بنور إقامته آية ليل الظّلم الحالك، معاضدا أحكام الشريعة المطهّرة بالانقياد إليها، والاعتماد في الحلّ والعقد عليها، والاحتفال برفع منارها: فإنّ ذلك من أفضل ما قدّمته الدول الصالحة بين يديها، مقدّما عمارة البلاد على كلّ مهمّ: فإنها الأصل الذي تتفرّع عنه المصالح على افتراقها، والمادّة التي تستطيل الجيوش الإسلاميّة على العدا بتوسعها في إنقادها وإنفاقها، والأسباب التي تعين الغيوث على نماء ما بسط الله لعباده من أرزاقها؛ وآكد مصالحها الرّفق الذي ما كان في شيء إلا زانه، والعدل الذي ما اتّصف به ملك إلا حفظه وصانه؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا المطاع، واقتصرنا عن ذكر الوصايا بما في خصائصه الكريمة من حسن الاضطلاع وجميل الاطّلاع، واكتفينا بما في خلائقه الجميلة من محاسن لو تخيّر نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطّباع؛ والله تعالى يؤيّده وقد فعل، ويجعل ركنه من أثبت قواعد الدّين وقد جعل، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة أيضا، وهي:
стр. 5205
الحمد لله الذي زان دولتنا القاهرة من حسامها بتقليده، وصان حمى ممالكنا الشريفة من أوليائنا بمن تغدو مواقع سيوفه من كل عدوّ قلائد جيده، وزاد جلالة الملك بمن إذا ركب في مواكب نيابته أورد جياد رعبه من كل متوّج من ملوك العدا مناهل وريده، وفوّض تقدمة جيوشنا المنصورة إلى من تضاعف مهابته في عيون العدا عدد جنوده، وتغزوه سرايا خيله في يقظته وتطلع عليه طلائع خياله في هجوده، وإذا صلّت سيوفه في موقف وغى أغرت رأس كلّ مستكبر لم يعرف الله قبل ركوعه بسجوده، مشرّف أقدار أوليائنا من المراتب بما تشرف به أقدار المراتب في نفسها، ومفضّل أيام دولتنا على الدّول بما ألفته من جلالة ملكنا في أمسها، ومجمّل سير أصفيائنا من المعدلة بما إذا غرسته في قلوب الرعايا كان الدعاء الصالح ثمرة غرسها، ومقلّد خواصّنا من إيالة الملك ما إذا خطبت به الأقلام على منابر الأنامل نقلت البلاغة في تلك الأوصاف عن قسّها «١» ، ومفيض حلل الأنباء المرقومة بأسنى الرّتب على من إذا زانت حبرها «٢» اللابس زانها بلبسها، وإذا أشرقت به هالة المواكب لوغى سقطت فوارس ملوك العدا عن مراكبها واضطربت الأسرّة بملوك فرسها، وإذا كتمته الأعداء أنباءها نطقت ألسنة رياحه بأسرار أهل الشرك ولا يرى أسمع من صمّها ولا أفصح من خرسها، وإذا تطاولت أبطال الوقائع للقائه افترّت ثغور سيوفه عن شنب النصر لإلفها بمعانقة الأعناق وأنسها.
نحمده على نعمه التي جادت شرف أسمائنا إلى أسماع المنابر، وأنطقت بمضاعفة الأنباء لأوليائنا ألسنة الأقلام في أفواه المحابر، وأعادت بسيف النصر حقوق ملكنا الذي تلقّيناه مع الأوّلية والأولوية من أسلافنا الكرام كابرا عن كابر.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال سيوفنا بإعلاء منارها
стр. 5206
ناهضة، وجياد جهادنا لنشر دعوتها في الآفاق راكضة، وموادّ نعمنا ونقمنا لآمال حامليها باسطة ولأرواح جاحديها قابضة، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أيّده الله تعالى بنصره، وآتاه من معجزاته ما يحول البصر دون حصره، وجعله أمام الأنبياء وإمامهم مع تأخّر عصره، ونصره بالرّعب الذي زحزج كلّ ملك عن سريره وأنزل كلّ متوّج من قصره، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هجروا في نصرته مألوف الأوطان والأوطار، وركبوا في إقامة ملّته مخوف الأهوال والأخطار، وفتحوا بيمن دعوته ما اشتملت عليه المشارق والمغارب من الأرجاء الممتدّة والاقطار، صلاة لا يزال سيف جهادنا لدوامها مقيما، وحكم جلادنا لإقامتها مديما، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من سمت التقاليد بأوصافه، وصرّفت أمور الممالك بين بأسه وإنصافه، وحلّيت مواقف الخدمة الشريفة من جواهر مهابته بما هو جدير بحلى السيف، وزيّنت مجالس العدل من إيالته بما هو مبرّأ من الميل والهوى منزّه عن الظلم والحيف، وملئت القلوب من مخافته بما يمنع ذا القوّة في الباطل من توهّم البطش وذا الصّبوة في الهوى من استزاره «١» ويحسّن لها الفرار، ويهوّن عليها في جنب ما تتوقّعه من مواقع سيوفه السّبي والإسار، وعدق به من مصالح الأقاليم ما يصرّفه بيمين دأبها اليمن ويسار شأنها اليسار، وفوّضت زعامة الجيوش منه إلى همام يقوم بأمرها على ما يجب، وليث لو لم ينهض بألوفها المؤلّفة في الوقائع لكان من نفسه وحدها في جحفل لجب، ومقدام آلاف العدا في شجاعته آحاد، وضرغام قسور «٢» أهل الكفر بين يدي وثباته وثباته وأسودهم تقاد؛ من لم نزل نعدّه في
стр. 5207
أركان البيت الشريف المنصوريّ بالخناصر، ونعدّه للمواقف التي ليس للدين فيها غير تأييد الله وحدّ السيف ناصر، وندّخره من معادن أوليائنا الذين تمسّكوا من الانتماء إلينا بأمكن الأسباب وأقوى الأواصر، ونقلّد أعطاف الأواصر منه سيفا يرمى منه بيت العدا ومعاقلهم بأفتك حاصد وأفلل حاصر؛ فكم من مواقف شفع فيها الشجاعة بالخضوع لربّه، ومواطن لبس فيها قلبه على الدّرع إذا لبس غيره الدّرع على قلبه، ومسالك سلكها في طاعة الله وطاعتنا والسيوف تنفر من قربها، ومشاهد شهدها في طاعة الله وطاعتنا والقلوب تفرّ من حجبها، وليال قطعها في خدمتنا لم يصحب غير ألسنة أسنّته وأعين شهبها، ومقاصد للدّين بلغها والسّهام لا تحملها من الفرق قوادم النّسور، وسرايا وقف بينها وبين العدا فضرب بينهم من شجاعته بسور، وبحار حرب لم تتجاسر السوابح على قطعها حتّى مدّ عليها من معوجّات سيوفه قناطر ومن مقوّمات ذوابله جسور، وكم أنام الرعايا في مهاد عدله فلم يطرقهم طيف ظالم في الكرا، ولا روّع سربهم خيال مغير أوهمهم السّرى، بل كانوا محفوظين بمهابته محفوفين بمواهبه وادعين في ظلّه الذي ما دجا عليهم ليل خطب إلا أطلع لهم بدور الأمن في غياهبه.
ولما كان (فلان) هو الذي سار بذكر مهابته المثل، وصار له في قلوب الأعداء من الرّعب ما تشابه فيه القاتلان الوجل والخجل، وجمع محاسن الصفات فما أخذ عنه أو نطق به أو نظر إليه إلا وجد ملء المسامع والأفواه والمقل، ولا جرّد على العدا سيفا إلا وودّعت أرواحهم الأجساد، ولا أرهف في مجالس العدل والإحسان قلما إلّا وضمنت له الآجام التي نشأ بها كرم السّيول وسطوة الآساد، ولا طلع في أفق مواكب إلا وهالت العدا هالة بدره، ودلّت على عظم سلطاننا رفعة قدره، وشهدت له بحسن طاعتنا طاعة أمرائنا لأمره، وأسلف من خدمة والدنا السلطان الشهيد ما لم تزل له به عندنا حقوق مرعيّة، وسوابق مرضيّة، ورتبة تقديم سنيّة، ومزية تقريب جعلته مشاهدا بالعيان مقدّما في النيّة- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نروّع العدا بسيفه، ونريهم من تقدمته على الجيوش
стр. 5208
يقظة ما كانوا يرونه حلما من طيفه، وليعلم الأعداء معاجلة أخذهم بالعنف والحيف، وأننا لا تأخذنا في الله لومة لائم فليس بيننا وبين أعداء الله ورسوله ﷺ إلا السّيف.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت ممالك الإسلام به مفترّة المباسم، عالية مدى المهابة إذا طرقتها عواصف رياح العدا وقفت دون بلوغها دامية المناسم- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية على العادة في ذلك والقاعدة تفويضا يفيض على الممالك حلل المهابة، ويسلب أعداء الدين رداء الأمن فلا ينفعهم الخضوع ولا الإنابة، ويضاعف لنا أدعية الرعايا الصالحة بإجرائهم على ما ألفوه من العدل والإحسان فمنهم الدعاء الصالح ومن كرم الله الإجابة.
فليتقلّد هذه الرّتبة الدّالة على ارتفاع قدره لدينا، الشاهدة له باحتفالنا بما أوجبه إخلاصه من حقوق الطاعة والولاء علينا، المنبّهة على أنه سيفنا الذي نصون الممالك بحدّه، ونصول على العدا بمضائه الذي تهلّل وجوه النصر كلّما أسفر من غمده، وليستقرّ في ذلك نافذا في المصالح الإسلامية أمره، مغيرا على جيوش الأعداء ذكره، معملة في حماية الدّين بيضه المرهفة وسمره، مجمّلة بإشراق طلعته مطالع المواكب، مسيّرة نجوم أسنّته إلى قلوب أعداء الدّين مسير الكواكب، مخفقة بخفوق رايته مساعي الكفر الصادرة عن آمالهم الكواذب، ليعلم عدوّ الله أنه أشدّ طلبا له من أجله، وألزم لعنقه من عمله، وأسبق إليه من رجع صوته، وأنزل عليه من مفاجأة موته، وليجمل النظر في مصالح الجيوش الإسلامية بما يضاعف عدّتها، ويبقي على توالي الأحقاب حدّتها وجدّتها، ويأخذهم بإدامة التمرّن في الحروب، وإطالة عنان التأهّب للرّكوب، ويعين كلّا منهم بملاحظة حاله على استدامة قوّته وإمكانه، ويجعلهم بالاقتباس من شجاعته من القوم الذين لا يسألون عن عدد عدوّهم بل عن مكانه، وليكن لكلمة الشريعة الشريفة رافعا، ولشبه من يمتنع عن الانقياد إلى الأحكام دافعا، وعلى يد من يتطرّق إلى الخروج عن أحكامه آخذا، ولمن لم يسلك
стр. 5209
الأدب بين يدي حكّامه بما يقتضيه تعظيم الحكم العزيز مؤاخذا، وليأمر النوّاب بإقامة منار العدل الذي يوم منه خير للأرض من أن تمطر أربعين يوما، ويصرف إلى مصالح الثّغور الإسلامية وحمايتها فكرا لم يختر دعة، ونظرا يأنف أن يألف نوما، وملاك الوصايا تقوى الله وهي من خصائص نفسه الكريمة، وراحة روحه التي هي للفكر في مصالح الإسلام مديمة؛ فليجتهد في المحافظة عليها ما استطاع، ويمض بها في مصالح الإسلام أمره الذي جعلناه من أمرنا مطاع.
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة أيضا، كتب به عن السلطان الملك أبي بكر ابن الناصر محمد بن قلاوون للأمير طقزدمر أمير مجلس «١» ، في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، بعد أن بطلت النيابة في دولة أبيه الملك الناصر عدّة سنين وهي:
الحمد لله الذي اصطفى لسلطاننا المنصور من ينوب عنّا في رعاية الجمهور أحسن مناب، وأضفى على ملكنا المعمور من رياسته أسرّ سربال ومن حراسته أجلّ جلباب «٢» ، وكفى دولتنا الشريفة بسياسته مهمّات الأمور: فلتأييدها بقيامه دوام ولتشييدها باهتمامه استصحاب، وشفى الصّدور بصدور إشارته المباركة التي لها بأوامرنا العالية اقتران ومن ضمائرنا الصافية اقتراب، وأوفى له من برّنا العميم بحقه الذي [له] «٣» بعهده استحقاق للتقديم وإيجاب، وسبقه القديم الذي له من سعيد المصاهرة أكرم اتّشاج ومن حميد المظاهرة ألزم انتساب.
стр. 5210
نحمده على أن بصّر آراءنا بطرق الوفاق وسبل الصواب، ونشكره على أن نضّر راياتنا في الآفاق: فلقلوب العدا من خوفها إرهاق وإرهاب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منزّهة عن الشّكّ والارتياب، موجّهة إلى قبلتها التي ترضاها الألباب، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أظفر عزمه بالثّبات وقهر خصمه بالتّباب «١» ، ووفّر قسمه من الإنجاد ويسّر حزبه للإنجاب، وأظهر اسمه بعد اسمه فحلا في الأفواه ذكره وطاب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا من بعده في رعاية عهده أحسن الآداب، صلاة متصلة الأسباب، موصّلة إلى خير مال متكفّلة بنعم باب «٢» لا يزال لسحب جودها في الوجود انصباب، ولمقترب وفودها ورود إلى مظانّ الرّضوان من غير إغباب «٣» ، ما جرّد انتقامنا على الأعداء سيف سطا يقدّ الرّقاب، وأورد إنعامنا الأولياء بحر ندى زاخر العباب، وجدّد قيامنا بعلم هدى مرّت عليه الأعوام وما لمح له أثر ولا فتح له باب، واعتمد مقامنا الشريف، في الجمع للقلوب والتأليف، على أعلى وليّ وأعلى جناب، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ أولى من اعتمدنا في الإنجاب والإنجاح على ديانته، وانتجدنا فيما أردنا من الاستصحاب للصّلاح بإعانته، واعتضدنا في تقطين الممالك وتأمين المسالك بصيالته وصيانته، ورعينا عند والدنا الشهيد- سقى الله عهده صوب «٤» الرّضوان- على علوّ مكانه ودنوّ مكانته، فاكتفينا في كفالة الأمّة وإيالة النّعمة بخشيته من ربّه واستكانته- من حمدت سجاياه، وتعدّدت مزاياه واستندت إلى ما أمر الله تعالى به من العدل والإحسان في الأحكام قضاياه، ووجدت منه الزّهد والرّفق رعاة الإسلام ورعاياه، فهو الممدوح فعله، من جميع
стр. 5211
الألسنة، الممنوح فضله، في سائر الأزمنة، الملموح عليه آثار القبول الظاهر من عناية الله لما نواه من الخير لخلق الله وأبطنه، فهو عاضد السلطنة الذي حلّ من العلياء موطنه، وكافل المملكة الذي سبق إلى كلّ مجد فأدركه، وسيف الدولة الحامي الحوزة البادي الصّولة، ومن له اشتمال على العليا، ومن يقارن التحقيق له رأيا، ولا يباين التوفيق له سعيا، ويعاون الهدى والنهى على طول المدى له أمرا ونهيا، ويعاين الورى لسلطاننا المنصور منه مهديّا يجمل لدولتنا حفظا ويحسن لملكنا رعيا.
وكان فلان هو الذي لم يزل متعيّن المحاسن، متبيّن الميامن، متمكّن الرّياسة في كل الأماكن؛ فحلمه إذا اضطربت الجبال الرّواسي ثابت ساكن، وعلمه الزائد بأوضاع السّياسة وأنواع النّفاسة للوجود من بهجته زائن، ورأيه الصائب للبلاد والعباد صائن، ورعيه للخلق بالحق: القويّ منه خائف والضعيف إليه راكن، وبشره هاد للرائي وباد للمعاين، وذكره الجميل سائر في الآفاق والأقطار والمدائن، حتّى أظهر الله تعالى بإمداد نيّرنا الأعظم من إشراق بدره الكامل ما هو في سرّ الغيب كامن، وشهر سيفه الذي يغدو الإيمان من مهابته في كنف منيع وحرم آمن.
ولما مضت على منصب النيابة الشريفة في أيّام والدنا الشهيد بضع سنين، وانقضت الأيام والليالي والدهر بموهبتها ضنين، ولا وطيت لها ربوة، ولا امتطيت لها صهوة، وكانت في سلك ملكه مندرجة، وبصفو سلطنته ممتزجة، إلى أن قضى عليه الرّضوان النّحب، وأفضى من الجنان إلى المحلّ الرّحب، رأينا بعده بمن كان يتحقّق ودّه أن نستأنس، وأمضينا وصيّته المباركة في اختيار ثمرة الإخلاص بمن كان له الاختصاص يغرس، وأفضينا إليه بالمناب عنّا لما كان من أنوار والدنا الشهيد في كل تسديد يقتبس، ومن الاستئثار بمجالسته يفوز فيحوز حكم الحكم لأنه كان أمير ذلك الملجس، وقضينا باعتماد أمره الكريم بعد أمرنا الشريف: لأنه الخبير الذي لا ينبهم عليه شيء من خفايا القضايا ولا يلتبس- اقتضى حسن الرأي الشريف إلقاء ما في أيدينا من مقاليد الممالك إلى
стр. 5212
يده، وإبقاء وديعة هذا الأمر العظيم إلى صونه وعونه وتشدّده، وإيفاء جنابه إلى حميد هذه الغاية التي هي للمناسبة مناسبة لسؤدده.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع شمل الإسلام بتعيّنه وتفرّده، ويرجع أمر الأنام منه إلى مأمون الرأي رشيده سفّاح السّيف مهنّده، منصور العزم مؤيّده، ويوسع الخليفة إذا وليهم بالرأفة والرحمة ومن أولى من أبي بكر بأن يخصّ أصحاب محمد عند الخلافة بإعذاب منهل الجود ومورده- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية- أعلاها الله تعالى- نيابة شاملة محيطة، كاملة بسيطة، تعني كلّ أمير ومأمور، وتدني أمرها الذي يعامل بالإجلال ويقابل بالسّرور، برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، غورا ونجدا، بعدا وقربا، شرقا وغربا، وما منحه الله تعالى لوالدنا الناصر من الممالك ويدّخر لسلطاننا المنصور ويخبى: تستوعب أمر ما نأى من هذه الأقاليم ودنا، وتجب طاعته فيها على كلّ من كان مؤمنا، ويمتثل في ذلك كلّه أمره، وتعمل فيه الرويّة فيجمل فكره، ويؤمّل فيه فتحه ونصره، وينقل به مدحه وشكره، ولا ينفصل منحه وبرّه ناظرا في هذه النيابة الشريفة بفكره التامّ، سائرا فيها السير الجميل من الدّربة والإلهام، ناشرا ظلال المعدلة على من سار أو أقام، مظاهرا بجنابه منّا أجلّ مقام. ونحن وإن كنا نتحقّق من خلاله الحسنى كلّ وصف يسنى، ونثق منه بذي الصدر السليم الذي هو على المقاصد يعان وبالمحامد يعنى، فلسنا نخلّ بالوصية التي نعلم أنّ له عنها استغنا، ولكننا لا نترك بها التبرّك ولا ندع ما سنّ الله تعالى منها وشرع، ولا نغفل ما يجب به أن يحتفل؛ فقد وصّى رسول الله ﷺ أصحابه، وأمضى أمره المسموع كلّ ذي رجوع إلى الله تعالى منهم وإنابة، فقد أولاه الله تعالى كلّ جميل قبل أن ولّاه، وحلّاه بالسّمات والمكرمات قبل أن رفع علاه، وأعطاه ما أرهب العدا من سطاه، وهداه إلى كلّ رشد تأتمّ به الهداة.
فأهمّ ذلك تقوى الله تعالى وهو عليها مجبول، وأمرها عنده متلقّى بالقبول، والعدل فهو منه مأمول، والاتّصاف بالإنصاف فهو دأبه فيما يفعل
стр. 5213
ويقول، والجهاد: فعزائمه في ميدانه تجول، وصوارمه بها من قراع فرسانه فلول، والزّعماء والأكابر: فلهم من محافظته اعتناء وبملاحظته شمول، والعساكر الإسلاميّة: فبتأييده تبطش أيديهم بالعدا وتصول، وزعماء البلاد فلهم إلى ظلّ رحمته إيواء وبكنف نعمته ظلول، وممالك الإسلام فما منها إلا معمور بما أوته كفالته مأهول، وثغوره فكلّها بسّام بفتكاته التي ألقى رعبها في البحر فهو بين كلّ فاجر وبين البحر يحول، وما هو بذلك من حميد المسالك موصول، ومحلّه المقدّم لأنه أهمّ الأصول: من إكرام الحكّام، وإبرام الأحكام، واستيفاء الحدود، واقتفاء السّنن المعهود: من إنجاز الوعود، وإحراز السّعود، والإجهاز على كلّ كفور وجحود، والاحتراز من فظاظة الناس بإفاضة الجود؛ فكلّ ذلك على خاطره مسرود، ولما آثره مورود، وفي ذخائره موجود، ومن خبرته معلوم معهود، وعن فكرته مشهور، ومن فطرته مشهود؛ فليسع أمرنا هذا جميع الأمراء والجنود، وليرجع إليه كلّ من هو من جملة الملّة معدود، وليقابل مرسومنا بالسمع والطاعة، أهل السنة والجماعة، ساعة الوقوف عليه وحالة الورود، والله تعالى يصلح ببقائه الوجود، ويمنح باهتمامه المقصود، ويفتح المعاقل باعتزامه الذي ليس بمردود عن مراده ولا مصدود، بل يصبح الكفر من خوفه محصورا ويمسي وهو بسيفه محصود؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه؛ إن شاء الله تعالى.
وهذه وصيّة لنائب سلطنة، أوردها في «التعريف» قال:
يوصى بتقوى الله تعالى وتنفيذ الأحكام الشرعيّة، ومعاضدة حكّامها، واستخدام السّيوف لمساعدة أقلامها، وتفقّد العساكر المنصورة وعرضها، وإنهاضهم لنوافل الخدمة وفرضها، والتخيّر للوظائف، وإجراء الأوقاف على شرط كلّ واقف، والملاحظة الحسنى للبلاد وعمارة أوطانها، وإطابة قلوب سكّانها، ومعاضدة مباشري الأموال مع عدم الخروج عما ألف من عدل هذه الأيام الشريفة وإحسانها، وتحصين ما لديه، وتحسين كلّ ما أمره إليه،
стр. 5214
واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم المطاعة والتمسك بسببها؛ وأنه مهما أشكل عليه يستضيء فيه بنور آرائنا العالية فهو يكفيه، ومن قتل من الجند أو مات وخلّف ولدا يصلح لإقطاعه يعيّن له ليقوم بمخلّفيه، ويقال من هذا ما يقوم بتمام الغرض ويوفّيه.
الوظيفة الثانية (الوزارة لصاحب سيف)
واعلم أنّ أوّل من أطلق عليه لقب الوزارة في الإسلام «أبو حفص الخلّال» وزير أبي العبّاس السّفّاح أوّل خلفائهم «١» كما ذكره القضاعيّ في «عيون المعارف «٢» في أخبار الخلائف» ثم صارت الوزارة بعد ذلك للخلفاء والملوك دائرة بين أرباب السّيوف والأقلام، تارة يليها صاحب سيف وتارة يليها صاحب قلم؛ إلا أنها في أرباب الأقلام أكثر،، وعلى ذلك جرى عرف الديار المصرية من ابتداء الأمر وإلى الآن.
ومما ينبّه عليه أنّ الوزير إذا كان صاحب سيف، كان في مجلس السلطان قائما في جملة الأمراء القائمين، وإذا كان صاحب قلم، كان جالسا كما يجلس أرباب الأقلام: من كاتب السرّ وغيره.
وهذه نسخة تقليد بالوزارة، كتب به للأمير سيف الدين بكتمر «٣» وهي:
الحمد لله الذي شدّ أزر دولتنا القاهرة، من أوليائنا بأمضى سيف، وعضّد أيامنا الزاهرة، من أصفيائنا بأعدل وليّ لا يوجد في حكمه حيف، وعدق تدبير
стр. 5215
أمور ممالكنا الشريفة بمن تحجب مهابته ذوي الأطماع الطامحة عمّا لا يحب، فلا يلم بهم فيها خاطر [ولا] «١» يطرقهم بها طيف، جاعل التأييد لآرائنا مصاحبا، والتوفيق موافقا لأوامرنا التي لا تهمل من مصالح الإسلام مندوبا ولا تدع من مهمّات الملك واجبا، والإقبال تاليا لمراسيمنا في ارتياد من يغدو قلب المحقّ من حيفه ساكنا وقلب المبطل من خوفه واجبا، واليمن تابعا لاستخارتنا في انتخاب من لم يزل في خدمتنا الشريفة للأدعية الصالحة جالبا، ولمنافع الإسلام والملك طالبا، ولمضارّهما حاجبا.
نحمده على نعمه التي عضّدت أيامنا بمن جمعت أدواته، رتبتي السيف والقلم، وعدقت تدبير ممالكنا بمن أحرزت [صفاته] «٢» ، مزيّتي العلم والعلم، وشدّ أزر دولتنا بمن يبيّض بمعدلته من صحائف أيّامنا ما هو أحبّ إليها من حمر النّعم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعدّها للقائه، ونتيمّن بها في افتقاد من نعتضد به في مصالح أهلها وانتقائه، ونقدّمها أمام كل أمر ندّخره لاعتلاء وليّنا بالتقى وارتقائه، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أرسله إلى الأمم طرّا، وخصّه بالأمّة التي جعل أمارة سبقها إلى الخيرات أن غدت محجّلة غرّا، وأيّده بنصره وبالمؤمنين الذين ما منهم إلا من أعرض عن زخرف الدنيا وإن كان حلوا وقال الحقّ وإن كان مرّا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ولوا أمته فعدلوا، والذين تمسّكوا بسنن سنّته فما حادوا عنها ولا عدلوا، صلاة لا تزال الألسن لإقامتها مديمة، والقلوب لإدامتها مقيمة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من أبرزت الضمائر، في الاعتضاد به مكنون طويّتها، واعتمدت الخواطر، في تصريح علانيتها بأولويّته لمصالح الإسلام على نيّتها، وتشوّفت البلاغة لرقم مفاخره، وتنافست المعاني في تخليد مآثره، وهنّأت
стр. 5216
المعدلة نفسها، برافع لوائها، وأبّدت الدولة أنسها، بناشر برّها في الأقطار وآلائها، وافترّت ثغور الاقاليم المحروسة بمن تلهج بمصالحها ألسنة أقلامه، واخضرّت ربى آمال الأولياء بما يسفر عنه من تهلّل بهاء غرر أيامه، من هززنا منه لمصالح الإسلام سيفا يصل ما أمر الله به أن يوصل، ويفصل من مهمّات الممالك ما يقتضي الحقّ أن يفصل، ويبرز من معادن العدل والإحسان ما هو في سرّ خلائقه كامن، وينزل من استقامت سيرته في الحمى المخصب والحرم الآمن، ويصون الأموال بمهابته فلا تمتدّ إليها هواجس الأطماع، ولا تتجاسر أبصار غير الأمناء أن تقصّ نبأ رؤيتها على الأسماع، ويضاعفها بخبرته التي تهديها الأمانة إلى معادنها، وتدلّها النزاهة على مواطنها، وتبدي لها ظواهر الأعمال أسرار بواطنها، ويعمّر بيوت الأموال بعمارة البلاد، ويثمّر فروع الطّوارف من مصالحها بحفظ أصول التّلاد «١» ، ويكفّ أكفّ الظلم عن الرعايا فلا يخشى محقّ على حقه، ولا يخاف مستقيم على ما قسم له من رزقه، ولا يطمح قويّ إلى من يستضعف جانبه، ولا يطمع باغ في الحيف على أحد مخالطه في نشب «٢» كان أو مجانبه.
ولما كان الجناب العالي (الفلانيّ) هو الذي أشير إلى مناقبه، واعتضد منه بمطيع لله في السرّ والعلن ومراقبه، وفوّض تدبير الممالك منه إلى من لا تأخذه في الحق لومة لائم، واعتمدت أيامنا الزاهرة منه على من طالما سرى في مصالحها على جياد العزائم، وشدّ أزر الملك من موازرته بمن يكسو دست الوزارة أبّهة وجلالا، ويلبس منصبها سنا لو ملكته الشمس مارامت عن بروج شرفها انتقالا، ويمدّ على الرعايا لواء عدل لا يقلّص له هجير الظلم كما تتقلّص الظلال ظلالا، وتطلع به شموس الأرزاق على أولياء دولتنا لكن لا ترهب
стр. 5217
كالشّموس غروبا ولا زوالا، مع مهابة تخيف الأسد في أجماتها، ومعدلة تعين الغيوث على رفع محول البلاد ودفع أزماتها، وديانة زانها التّقى، وخبرة صانها الورع وهما أفضل ما به يرتقى.
وكانت الوزارة الشريفة نظام المملكة وقوامها، وذروة الدولة وسنامها، وتاج المراتب وإكليلها، وعتاد الخزائن الجامع دقيق المصالح الإسلامية وجليلها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن تزيّن هذه الرتبة بجوهر فرنده، وأن يصدر منصبها عن مناقب لا تصدر إلا عن جهته ومفاخر لا ترد إلا من عنده، وأن يطلق في مصالحها قلمه، ويمضي في قواعدها إشاراته وكلمه، ويطلع في أفقها شمس تدبيره، ويعدق به ما يراه في أمورها من صغير الأمر وكبيره، وأن نجعل مسامع الأقاليم على سعتها إلى أوامره ونواهيه مصغية، وأن نصدّ بسمعته عمن بعد عوارض الإمهال الملهية ومواقع الإهمال المطغية.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت سحائب برّه مستهلّة، وركائب المحامد إلى حرم نعمه مهلّة- أن تفوّض إليه الوزارة الشريفة بالممالك الإسلامية على أكمل القواعد، وأجمل العوائد، تفويضا يعلي مرامه، ويمضي مضاء ألسنة الأسنة أقلامه، ويبسط في مصالح الأقاليم المحروسة يده ولسانه، ويلقي إليه من مهمّات كلّ قطر أزمّته ليصرّف على ما يراه من المصالح عنانه.
فليستقرّ في هذه الرّتبة السنية استقرار الدّرر في أسلاكها، والدّراريّ في أفلاكها، نافذ الأمر في مصالح شرقها وغربها، مطاع القول في بعد أماكنها منه وقربها، ناشرا كلمة العدل في أرجائها، محققا بالإحسان آمال أمم قصرت على كرمنا ممدود رجائها، معليا منار الشرع الشريف بمعاضدة حكّامه، والوقوف عند أوامره المطاعة وأحكامه، حافظا أقدار الرّتب بأكفائها، معتمدا على ذوي البيوت المحافظين على اتّباع سير أسلافهم واقتفائها، معوّلا على ذوي الخبرة التامة مع الدّيانة، مراعيا مع ظهور المعرفة جانب العفّة والنّزاهة والصّيانة، موكّلا بمصالح بيوت الأموال والخزائن المعمورة موادّ الأموال ومعينها، صارفا إلى عمارة البلاد
стр. 5218
جميل تدبير تعتضد البحار والسّحب منه بمساعدها على ريّ الأرض ومعينها، ميسّرا موادّ أرزاق خدم دولتنا القاهرة وأوليائها بجميل بشره وحسن روائه، مسهّلا مطالب أرباب الرواتب والصّدقات بطلاقة وجه لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه،: ليتوفّر أهل الوظائف على خدمهم بقلوب منبسطة الآمال، ويناضل عنها الفقراء بسهام «١» الليل التي لا تطيش إذا طاشت النّبال؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا فليكتب يمتثل، وليقل في مصالحنا بما يراه يسر كلامه سريّ الرياح ويسر قوله سير المثل، ولا يمض عقد ولا حلّ، ولا ولاية ولا عزل، ولا رفع ولا خفض، ولا إبرام ولا نقض، إلا عن رأيه وإشارته، وبنصّ خطّه وعبارته.
وفي سيرته السّريّة، وديانته التي هي من أسباب الهوى عريّة، ما يغني عن وصايا تملى على فكره، وقواعد تجلى على ذكره؛ وملاكها تقوى الله: وهي من أخصّ أوصافه، ونشر العدل والإحسان وهما من نتائج إنصاته لأمور الرعايا وإنصافه؛ لكن على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين، وترفع درجات المتقين؛ فليجعلها نجيّ خاطره، وقبلة ناظره؛ والله تعالى يعلي قدره وقد فعل، ويجعله من عباده المتقين وقد جعل؛ بمنّه وكرمه. والاعتماد [على الخط الشريف أعلاه] «٢» إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة (الإشارة، وهي وظيفة قد حدثت كتابتها ولم يعهد بها كتابة في الزمن القديم)
وهذه نسخة تقليد أنشأته بالإشارة للأمير جمال الدين يوسف البشاسي «٣»
стр. 5219
إستادار في الدولة الناصرية فرج، حين فوّضت إليه الإشارة مضافة إلى الإستداريّة، وكتب له به المقرّ الشمسيّ العمريّ كاتب الدّست الشريف، في شعبان سنة تسع وثمانمائة، وهي:
الحمد لله الذي جدّد للديار المصريّة بالمحاسن اليوسفيّة رونق جمالها، وأعزّ جانبها بأجلّ عزيز ملأت هيبته الوافرة فسيح مجالها، وأسعد جدّها بأسعد مشير أدارت آراؤه الصائبة متقاعس الأمور ما بين يمينها وشمالها، وأكرم مآبها بأمثل كاف عاد حسن تدبيره بضروب من المصالح أنام الخلق في ظلالها، وأجاب سؤلها بأكمل لم تعدل عن خطبتها له وإن أطال في مطالها.
نحمده على أن أغاث الدولة القاهرة بمن أخصب به بعد الإمحال ربعها، وطال بطوله بعد القصور فرعها، وحسن في المناظر بحسن تأتّيه لذي التأمّل ينعها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي شرع المشورة وحثّ عليها، وعدق أمور السيف والقلم بها فردّهما عند اختلاف الرأي إليها، شهادة ترفع قائلها إلى أسنى المراتب وتعليه، وتقرّب المخلص في انتحالها من مقام الاستخلاص وتدنيه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي ورد وارد الأمة من منهل شرعته المطهّرة ما عذب مشرعه وردا وصدرا، والتقطت السّيّارة أحاديث فضله فصيّرتها للرّفاق سمرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تقيّلوا مساحب أذياله في العدل فعدلوا، ولزموا منهج سننه الواضح فما حادوا عن سواء السبيل ولا عدلوا، صلاة تفوق العدّ حصرا، وترفع بركاتها عن الأمة حصرا وتبدّل العسر يسرا، فتعيد عجاف الزمان سمانا وسنبلات الوقت بعد اليبس خضرا، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإنّ للمملكة قواعد تبنى عليها، وأركانا تستند إليها، ودعائم يشدّ بالاعتضاد بها بنيانها، وعمدا يعتمد عليها في المهمّات سلطانها؛ وهذه المباني وإن اتّسع نطاقها، وامتدّ بامتداد المملكة رواقها، فإنّ بالسيف والقلم قوامها،
стр. 5220
وبالتعلّق بحبالها بقاءها ودوامها؛ إذ كانا قطبين عليهما مدار فلكها، ونقطتين عنهما ينشأ الخطّ المستقيم في تدبير ملكها، وزعيمين يترافع إليهما عند التخاصم، وحكمين يرجع إلى حكمهما عند التّحاكم؛ إلا أنهما لا يستقلّان عند التحالف، ولا يقوم أحدهما برأسه لدى التّخالف؛ بل لهما إمام يرجعان إليه، ويعوّلان عند اضطراب الأمور عليه، وهو الرأي الذي لا يقطع أمر دون حكمه، ولا يهتدي سار في مهامه المهمّات إلا بنجمه؛ إذ كان على الشجاعة مقدّما، ودليله من المعقول والمنقول مسلّما، والمتّسم به لا يزال عند الملوك مبجّلا معظّما، لا يقدّمون عليه ولدا ولا والدا، ولا يؤثرون على معاضدته عضدا ولا ساعدا، إن أشار برأي تمسك الملك منه بالحبل المتين، أو محضه كلام نصح قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
«١» ولما كان الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) يوسف الناصري: ضاعف الله تعالى نعمته، هو الذي حنّكته التّجارب و «حلب الدّهر أشطره» وعرف بتقليب الأمور على ممرّ الزمان مخبره، مع ما اشتمل عليه من الرأي الصائب، والفكر الذي إذا أبدت قريحته في الارتياء عجبا أتت فطرته السليمة بالعجائب.
هذا وقد علا في الدولة القاهرة مقامه، ورشقت أغراض مقاصدها بانقضاء الآجال في الوقائع سهامه، وساس العساكر فأحسن في سياستها التدبير، وبذل في نفقاتها الأموال فمال فيها إلى الإسراف دون التقتير، واستجلب الخواطر فأخذ منها بمجامع القلوب، واقتاد النفوس الأبيّة قهرا فأطاعه من بين الشّمال والجنوب، وقام من المهمّات الشريفة بما لم يسبقه إليه سابق، وأتى من خوارق العادات في التنفيذ بما لم يلحقه فيه لاحق، وبادر إلى ترتيب المصالح فرتّبها ولم يعقه في انتهاز الفرصة عن دفع المفاسد عائق، وأخذ في حطّ الأسعار فورد منهلا من المعروف صافيا، وأمر بإبطال المعاملين فكان له عملا على توالي
следующие страницы →