Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
الوظيفة الرابعة (نظر الصّحبة)
[وموضوعها أن صاحبها يتحدث مع الوزير في كل ما يتحدّث ويشاركه في الكتابة في كل ما يكتب فيه ويوقع في كل ما يكتب فيه الوزير.] «١» .
[وهذه نسخة توقيع بنظر الصحبة] «٢» كتب به للشريف شهاب الدين ناظر الصّحبة، من إنشاء الشهاب محمود الحلبيّ، وهو:
الحمد لله الذي جعل الشرف حيث حلّ ركابنا مصاحبا، وأطلع للفضل في أفق خدمتنا من أولياء دولتنا شهابا ثاقبا، وعدق النظر في صحبتنا بمن لم يزل لمصالحنا ملاحظا ولأوامرنا مراقبا، وفوّض أمور مباشرة حال من اجتهد أو قصّر في خدمتنا إلى من لم يزل بنفسه في واجب الطاعة منافسا وعلى فرض الموالاة محاسبا.
نحمده حمد من أجمل في أوليائنا نظرا، وخصّ بالنظر في صحبتنا من اختبرت خدمته فتساوت في الطاعة والمناصحة سفرا وحضرا، واعتمد في ملاحظة مباشري ما يمرّ عليه من ممالكه على من لا يهمل له حقّا ولا يحدث له ضررا.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال جيوشنا لإعلاء منارها مجهّزة، وسرايانا إلى مقاتل جاحديها البارزة مبرّزة، ووعود النصر على من ألحد فيها لنا معجّلة وعلى أيدينا منجّزة، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنهضنا الله من جهاد أعداء دينه بما فرض، وأيقظنا لرفع أقدار أهل بيته فلم يقصّر بأحد منهم في أيّامنا أمل ولا بعد عليه غرض، وخصّنا منهم بمن تسمّك بجوهره الأعلى فلم يتعرّض من هذا الأدنى إلى عرض، صلّى الله عليه وعلى آله
стр. 5392
وصحبه الذين ما منهم إلا من (يكاد يمسكه عرفان راحته) ، وإلّا المؤثر طاعة الله ورسوله وأولي الأمر على راحته، صلاة دائمة الاتّصال، آمنة شمس خلودها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من اخترناه لصحبتنا الشريفة على علم، وأعددناه لمهمّاتنا الكريمة لما فيه من تسرّع إدراك وتثبّت في حكم، وبسطنا له فيما عدقناه به من ذلك لسانا ويدا، وحفظنا به الأحوال من [وصول] «١» مسترق السّمع إليها فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
«٢» وادّخرنا أقلامه لمصالح كلّ إقليم يمر ركابنا الشريف عليه، وفوّضنا مناقشة مباشريه على ما أهملوه من حقوق الله تعالى وحقوق الرّعايا إليه، وأقمناه لتصفّح ذلك بنفسه، وتلمّح زيادة كلّ يوم على أمسه، وانتزاع الحقّ ممن مدّ يده إلى ظلم بكفّ كفّه عنه ورفع يده، وارتجاع الواجب ممّن أقدم عليه بالباطل في يومه واطّرح المؤاخذة به في غده، وغير ذلك مما أحصاه الله ونسوه، واعتمدوا فيه على المصلحة فاجتنوا ثمرة ما غرسوه- من كان له في المناصحة قدم صدق عند ربّه، وفي خدمة الدولة القاهرة قدم هجرة تقتضي مزيد قربه؛ فكان أبدا بمرأى من عنايتنا ومسمع، ومن إحساننا بالمكان الذي ليس لأحد من الأكفاء في بلوغ غايته أمل ولا مطمع، وتفرّد باجتماع الدّين والمنصب والأصالة والعلم والكرم وهذه خلال الشرف أجمع.
ولمّا كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى، وانتمى من أدوات نفسه ونسبه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرّتب الجليلة وأنفس ما يقتنى، وعني من أسباب استحقاقه المناصب والرتب بما
стр. 5393
اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى. فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إليه نظر [الصحبة الشريفة] «١» .
فليباشر ذلك محلّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل، ومجلّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته التي لا تحتاج إلى دليل، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار، ومن كوامن اطّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار؛ فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا، ولسان قلمه لما دقّ وجلّ من أمور الأقاليم محقّقا، ورسم خطّه لما يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا، ولدرّ أخلاف الأعمال بحسن الاطلاع محتلبا، ولوجوه الأموال بإنفاق التوجّه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا، فإنّ الأمور معادن يستثيرها التصرّف الجميل، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والاتقان الجليل؛ وملاك كل أمر تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخّيلها في كل حال أمامه؛ والله تعالى يسدّده ويوفّقه بمنّه وكرمه!؛ إن شاء الله تعالى.
قلت: وربّما أضيف إلى نظر الصّحبة نظر الدواوين الشريفة، وحينئذ فيحتاج الكاتب أن يأتي في براعة الاستهلال بما يقتضي الجمع بينهما، ويورد من الوصايا ما يختصّ بكل منهما. والكاتب البليغ يتصرّف في ذلك على وفق ما يحدث له من المعاني ويسنح له من الألفاظ.
стр. 5394
الدرجة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الدّيوانية بالحضرة بالديار المصرية
ما يكتب في قطع الثلث: ب «المجلس الساميّ» بالياء، مفتتحا ب «الحمد لله» إن قصد تعظيم المكتوب له على ما هو الأكثر، أو ب «أمّا بعد حمد لله» جريا على الأصل لما يكتب في قطع الثلث، على ما تقف عليه في النّسخ) وتشتمل على وظائف:
الوظيفة الأولى (كتابة الدّست)
والمراد دست السلطنة. وقد تقدّم الكلام عليها في مقدّمة الكتاب في الكلام على ديوان الإنشاء، وتقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصرية أنّ موضوعها أن يجلس أصحابها بدار العدل أيّام المواكب خلف كاتب السرّ، ويقرأون القصص على السلطان بعد قراءة كاتب السرّ، ويكتبون عليها بما تقتضيه الحال، بعد إشارة السلطان بالكتابة؛ ثم يحمل ما يكتبون عليه من القصص إلى كاتب السرّ فيعيّنها. وأنّ هذه الوظيفة كانت من أجلّ الوظائف وأرفعها قدرا، منحصرة في عدد قليل نحو الثلاثة «١» فما حولها، ثم وقع التساهل في أمرنا، ودخل فيها العدد الكثير حتّى جاوز عددهم العشرين، وبقيت الرياسة فيهم لعدد مخصوص منهم، وقنع الباقون بالاسم. وقد تقدّم ذكر طرّة توقيعه في الكلام على التواقيع.
وهذه نسخة توقيع بكتابة الدّست، وهي:
الحمد لله الذي فضّل الكرام الكاتبين، وأحيا بفضائل الآخرين الأوّلين
стр. 5395
الذاهبين، وأنزل في القصص لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
«١» نحمده وهو المحمود المعين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قوم مخلصين، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، ورسول ربّ العالمين، والشافع في المذنبين من المؤمنين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة باقية إلى يوم الدّين، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ العدل الشريف دار جدرانها الأمر المطاع، وأبوابها الخير الذي لا يضاع، وسقفها الرحمة والاتّضاع، وصدرها الإحسان المديد الباع، وصحنها الأمن والسّرور فلا يخاف أحد فيه ولا يراع، وجلساؤها الكاتبون عارضو الرّقاع؛ وهم معدن الصّدارة، وموطن الكتابة والكناية والإشارة، وأقلامهم تأتي بحسن التشبيه والاستعارة، وتطرّز حواشي الرّقاع بوشي بادي الإنارة؛ ما اختير أحدهم للجلوس في دسته إلا وقد أرضى من اختاره، وتميّز بحسن السّمت والوفاء والوقار والشّارة.
ولما كان فلان هو الذي له في السّؤدد أصل عريق، وفي الفضائل له قلم مطيق، وفي البلاغة له لسان منطيق، وإذا دبّج قرطاسه فهو للروض شقيق، ونباته الجوهر لا الآس والشّقيق، وأصبح للجلوس في الدّست الشريف أهلا على التحقيق.
فلذلك رسم أن يستقر [في كتابة الدست ... الخ] «٢» فليحلّ هذا الدّست الشريف مبهجا ببيانه، مثلجا للصّدور بعرفانه، متبلّجا بنور يده ولسانه، قارئا من قصص الناس وظلاماتهم في إيوانه كلّ شيء في أوانه، لا يكتم ظلامة مكتوبة في رقعة، بل يعرّف ملكه بها ويبلّغها سمعه، فإنه في هذا المحلّ أمين والأمين محلّ النّصح والخير والرّفعة؛ وإذا وقّع فهو مأمور، فليأت بما يبهج الصّدور،
стр. 5396
ويشفي غليل الشاكي، بلفظه الزاكي، والوصايا كثيرة لكن [سنلمّ ببعضها الحاكي وهو تقوى] «١» الله فهي تاجها المجوهر، وبدرها المنوّر، وكوكبها الأزهر، والله تعالى يمتّعه بالفضل الذي لا يحوّل ولا يتغيّر؛ بمنّه وكرمه! إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع من ذلك أيضا، وهي:
الحمد لله الذي أفاض على الأولياء من فضله، وأهمى عليهم من مواهبه ما يقصر عنه الغمام في وبله وطلّه، ومنح دست الملك الشريف من الألفاظ المجيدة، والفضائل المفيدة.
نحمده على نعمه التي أجزلت إحسانها، وأجملت امتنانها، وبزغت مزهرة فقدّمت من الدولة أعيانها، ونشكره على عوارفه التي ألقي لأهل الثناء عنانها، ورحب لذوي البيوت صدرها وفضّ عنوانها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشهد القلوب إيمانها ويدّخر القائل لها ليوم المخاف أمانها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أظهر الله به الشريعة المطهّرة وأبانها، وشرّف به هذه الأمّة ورفع على جميع الأمم شانها، وبعثه رحمة إلى كافة الخلق فأقام بمعجزاته دليل الهداية وبرهانها، وأطفأ بنور إرشاده شرر الضّلالة ونيرانها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من نزّه نفسه النفيسة وصانها، وسلك في خدمته وصحبته الطريقة المثلى فأحسن إسرار أموره وإعلانها، صلاة دائمة باقية تجمّل بالأجور اقترانها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنه لمّا كانت وظيفة توقيع الدّست الشريف من أجلّ الوظائف وأسناها، وأنفسها وأعلاها، وأجملها وأبهاها؛ القائم بها سفير الرعيّة إلى الملك
стр. 5397
في حاجتهم، وترجمان معرب عن شكايتهم، وكاشف أحسن ناشر عن ظلامتهم، جالس على بساط الأنس بقرب الحضرة، منفّذ نهي مليكه وأمره، مبلّغ ذا الحاجة من إنعامه جوده وبرّه- تعين أن يندب رئيس وابن رئيس، وجوهر بحر نفيس، ذو أصل في السّؤدد عريق، ولسان في الفضائل طليق، وقلم حلّى الطّروس بما يفوق زهر الرياض وهو لها شقيق، وفاضل لا يقاس بغيره لأنه الفاضل على التحقيق؛ وكان المقرّ العالي الفلانيّ هو المشار إليه بهذه الأولويّه، والمراد من سطور هذه المحامد اللّؤلؤيّة؛ فلذلك رسم بالأمر العالي أن يستقرّ المشار إليه في وظيفة توقيع الدّست الشريف عوضا عن فلان بحكم وفاته.
فليباشر ذلك مباشرة تشكر مدى الزمان، وتحمد في كلّ وقت وأوان، وليدبّج المهارق بوشي يفوق قلائد العقيان «١» ، وليملأ بالأجور لنا صحفا بما يوحيه عنا من خيرات حسان، ونحن فلا نطيل له الوصايا، ولا نحلّيه بها فهي له سجايا؛ مع ما أدّبه به علمه الجمّ، وعمله الذي ما انصرف إلى شيء إلا تمّ، ويجمعها تقوى الله تعالى وهي عقد ضميره، وملاك أموره؛ وما برح هو وبيته الكريم مصابيح أفقها ومفاتيح مغلقها، ولهم جدد ملابسها وللناس فواضل مخلقها؛ والله تعالى يزيده من إحسانه الجزيل، ونعمه التي يرتدي منها كلّ رداء جميل، ويمتّعه بإمارته التي ما شكر بها إلا قال أدبا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ والاعتماد في مسعاه، على الخط الكريم أعلاه.
الوظيفة الثانية (نظر الخزانة الكبرى)
وقد تقدّم في الكلام على ترتيب وظائف الديار المصريّة أنّ هذه الوظيفة كانت كبيرة الموضع من حيث إنها مستودع أموال المملكة، إلى أن حدثت عليها خزانة الخاصّ فانحطّت رتبتها حينئذ، وسمّيت الخزانة الكبرى باسم هو أعلى
стр. 5398
منها، وأنه لم يبق فيها سوى خلع تخلع وتصرف أوّلا فأوّلا. وقد تقدّم ما يكتب في طرة توقيع ناظرها.
وهذه نسخة توقيع بنظر الخزانة:
الحمد لله الذي جعل الخزائن لذخائرنا كهوفا، وملابس إقبالنا شنوفا «١» ومواهبنا تجزل عطاء ومعروفا، وإقبالنا على محسن التدبير ومجمل التأثير عطوفا، وأيادينا في إسكان جنّتها قطوفا.
نحمده حمدا مألوفا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أوضحت معروفا، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أزال مخوفا، وأقام الصلاة والجهاد صفوفا، وشهر على العدا عند تأييد الهدى سيوفا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما سدل الليل سجوفا، وسلّم تسليما.
وبعد، فإن الملك الشريف له تحف مصونة، وذخائر مكنونة، وأصناف حسان في خزائننا مخزونة، وجواهر عالية القيمة ثمينة [لا يقوم عليها إلا من] «٢» لا يمدّ عين عفافه إلى المال وإن كثرت آلافه، وولج لجّة هذه الذخائر ولم تلمّ بالبلل أطرافه؛ وهو فلان: العريق في انتسابه، الوثيق انتماؤه إلى فضل الله وجنابه؛ النقيّ ثوب عرضه، التّقيّ بتمسّكه بسنّته وفرضه، الوفيّ نظره بغضّه، المستمسك بجميع الخير دون بعضه، من بيت السيادة ومن هو من بيت السّيادة فالسّؤدد نجم سمائه وطود أرضه. فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ.....
فليباشر هذه الوظيفة بعمل ونيّة، متسلّما ذخائر هذا الخزانة العليّة، وأمورها وأحوالها، وتفصيلها وإجمالها، وحمولها وأحمالها وحللها المرقومة، وذخائرها المعلومة، وجواهرها المنظومة، وأكياسها المختومة،
стр. 5399
وصناديقها المركومة، ما عن علمه فيها شيء خاف، وصونه لها كاف، وأمر الله بين النّون والكاف «١» .
وليعلم أن خزائننا تصبّ فيها سحائب التّحف والأموال والأصناف، من سائر الممالك والمدن والثّغور والأطراف، ومنها يخرج بجهاز مواهبنا وإنعامنا للأولياء الأشراف، وإنما هي لمصالح المسلمين في الجمع والائتلاف، وتقوية أهل الطاعة على أهل الاختلاف؛ فليضبط ما تطلقه وإن كانت الأقلام لا تستطيع ذلك لكثرة الإسعاف، ولتكن التشاريف «٢» المثمنة الكاملة، حاصلة بمناطقها «٣» المجوهرة الهائلة، وطرزها الطائلة، وتعابيها الفاضلة، حتّى إذا أنعمنا منها على أحد بشيء يأتي بحموله وقد حمد فاعله. والوصايا كثيرة وتقوى الله نظام عقدها، وغمام رفدها، وزمام مجدها، وتمام سعدها؛ فليكن متلفّعا ببردها، متضوّعا بندّها «٤» ، وهو غنيّ عن الوصايا ومدّها، والله تعالى يؤيّد حركاته في قصدها؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية لناظر الخزانة، أوردها في «التعريف» .
وليملأ بنظره صدور الخزائن، وليجمع فيها أشتات المحاسن، وليعدّ فيها كلّ ما يدّخر للإنفاق، ويحتفظ به للإطلاق، ويحصّل ما يضاهي البحر بالتفريع والتأصيل، والجمل والتّفاصيل، وما لا يوزن إلا بالقناطير، ولا يحصي منّه ملء
стр. 5400
الأساطير، وما يهيّأ من التشاريف الشريفة التي تباهي أشعّة الشّموس بلمعها، وتحاسن وشائع «١» الروض بخلعها، وما فيها من مخلّقات ألوان لا تماثل بتصوير، ولا يظنّها الأولياء إلا الجنة ولباسهم فيها حرير، وما تحتوي عليه من عتّابيّ وأطلس، ومشربش ومقندس «٢» ؛ وكلّ طراز مذهب وباهي، وما هو من ذهب أو له يضاهي، وكلّ ما يتشرّف به صاحب سيف وقلم، ويعطى إنعاما أو عند أوّل استخدام في خدم، وما هو مع هذا من أنواع المستعملات، والنواقص والمكمّلات، وما يحمل من دار الطّراز «٣» ، ويحمد مما يأتي من المبتاع من بزّ وبزاز، وما هو مرصد للخزانة العالية من الجهات، التي يحمل إليها متحصّلها لينفق في أثمان المبيعات، وما يستعمل، وما يعلّم منه بالطّرز ويعمل، وبقية ما يدّخر في حواصلها من مال بيت المال الذي يحمل؛ وذلك كلّه فهو الناظر عليه، والمناظر عنه مما خرج من عنده ووصل إليه، والمحاجج عنه بالمراسيم التي تشك للحفظ وتنزل لديه؛ فليراع ذلك جميعه حقّ المراعاة، وليحرّر قدر ما ينفق من الأثمان وقيمة المبيعات، وليحترز فيما يزكّي بعضه بعضا من شهادة الرسائل المكتتبة إليه بالحمول وما يكتب بها من الرّجعات، وليعر المعاملين من نظره ما لا يجدون معه سبيلا، ولا يقدرون معه على أن يأخذوا فوق قدر استحقاقهم كثيرا ولا قليلا، وليقدّم تحصيل كل شيء قبل الاحتياج إليه ويدعه لوقته، ولا يمثل لديه إلا سرعة الطلب الذي متى تأخرّ أخّر لوقته؛ والأمانة الأمانة والعفاف العفاف فما كان منهما واحد رداء امريء إلّا زانه، ولولا هما لما قال
стр. 5401
له الملك إنّك اليوم لدينا مكين أمين وسلّم إليه الخزانة.
الوظيفة الثالثة (نظر خزانة الخاصّ)
وهي الخزانة التي استحدثت في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» عند استحداث وظيفة «نظر الخاصّ» وقد انتقل ما كان يحمل إلى الخزانة الكبرى ويصرف منها إلى هذه الخزانة، سوى الخلع، كما تقدّمت الإشارة إليه في الكلام على توقيع ناظر الخزانة الكبرى.
وهذه نسخة توقيع بنظر خزانة الخاص، كتب به للقاضي شرف الدين محمد بن علاء الدين الجوجريّ «١» ، في مستهلّ شهر رجب الفرد، سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وهي:
الحمد لله الذي زاد بنظرنا الشريف شرف من لمحه من أوليائنا ولحظه، وأفاد المستأنف من برّنا من عهدنا له الفطرة السليمة وتيقّنّا منه الفكرة واليقظة، وأعاد للخلف الكريم، من المشايخ ما كان للسّلف القديم الصالح من التقديم، الذي شملهم بالتكريم، وجعلهم على خزائن جودنا العميم: لأنهم العلماء الحفظة، وجاد بالطّرف من خاصّ إنعامنا العامّ لمن لقلمه عند الإدناء من سرير الملك إنجاز عدة وللسانه عند ارتقاء منبر النّسك إبراز عظة.
نحمده على أن أجزل لمن عوّل على شامل كرمنا جزاءه وعوضه، ونشكره على أن تطوّل بنوافل نعمنا لمن قام بعد أبيه بلوازم خدمتنا المفترضة، وعكف أعمالنا على بيت مبارك ما منهم إلا من شمل من إحساننا بالمنح لما بذل لسلطاننا من النّصح ومحضه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يودع مصونها في الأرائك
стр. 5402
المتعلّية ويقطع يقينها الشكوك المعترضة، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي عظمت عطايا بذله، فالبحار المرتفعة عنها منخفضة، وكرمت سجايا فضله، فليست بمنتقلة وأبرمت قضايا عدله، فليست بمنتقضة، وعمّت البرايا يده البيضاء التي هي بالأرزاق في الآفاق منبسطة وليست عن الإنفاق خشية الإملاق منقبضة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من أقرض الله قرضا حسنا فضاعف له ما أقرضه، صلاة تدني لقائلها في الأولى من النّعمة والأمان أمله وتؤتيه في الأخرى من الرحمة والرضوان غرضه، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من رفع بإكرامنا إلى رتبة علائه، وانتفع من مقامنا الشريف باختصاص خدمته وإخلاص ولائه- من شفع مزاياه بجمع أشتات العلوم في أبكاره وآنائه، واستودع ذخائر ملكنا المصونة فكان حفيظا عليما عند اقترابه منّا وإدنائه، وصدع القلوب بإيداع وعظه وإبدائه، واتّبع سبيل والده القويم، في الشّدّة في الحق والتّصميم، وسلك طريقته التي هداه الله إليها بتوفيقه فأدرك غايته في ابتدائه، وقنع بما آتاه الله تعالى فآثرت مكارمنا رفعة محلّه وتوسعة حبائه، وبرع في إتقان الفضائل التي آذنت بإصطفائه واجتبائه، ووقع عليه اختيارنا الذي نستخير الله تعالى له في إبرام كلّ أمر وإمضائه، وأجمع عليه رأينا الذي كم أصاب الصواب في تعيين العلماء الأنجاب فنصّ عليه الاستحقاق بإيجاب الترجيح واقتضائه.
وكان المجلس السامي الشّرفيّ هو الذي قدّمناه بعد أبيه لشهادة خزائننا الشريفة فشاهدنا من حسن سيره ما أبهج، ونظمناه في سلك أولياء الملك فسلك من الخير أقوم منهج، ثم أردنا الآن أنّ هلاله ينتقل إلى رتبة الكمال لمّا تدرّب وتدرّج، وأعدنا له تامّ الإقبال حيث شرف دولتنا الأعلى- زاد الله تعالى تأييده- بذكره لدينا وبشكره عندنا يلهج- فاقتضى حسن الرأي الشريف أنّ هذا النظر
стр. 5403
الجميل عنه لا يخرج، وهذا الوقر «١» الجليل لا يعدل به عن فرع منجب لأصل طيّب أثمر الولاء والدّعاء لأيّامنا الشريفة وأنتج.
فلذلك رسم [بالأمر الشريف.. الخ] «٢» لا زالت الصدور بصدور أحكامه تثلج، والأمور بمرور إنعامه تفضل على الحقّ الأبلج- أن يستقرّ [في نظر خزانة خاصّنا.. الخ] «٣» فلينطق لسان كلمه بالإخلاص في حمد الخاصّ والعامّ من هذا الإكرام الذي بمطارفه تسربل وبعوارفه تتوّج، وليطلق سنان قلمه في تبييض المصاحف بذكر إنعام المقام الذي هو كالبحر ويفصح عن حمده فهو بحمد الله لا يتلجلج، وليحقّق ببيان حكمه ضبط الأصل والخصم والواصل والحاصل والمحضر والمخرج، ولينفق في أوليائنا من عوائد صلات نعمائنا التي تقبضها أيدي ملوك المدائن ببسط ومن بعضها صدور الخزائن تحرج، وليسلك سنن أبيه التي بها يستظهر ويفتخر ويستدلّ ويحتجّ، ويستمسك بسببه الأقوى من الدّيانة التي بابها من النجاة في الدارين غير مرتج؛ ونترك له تفصيل الوصايا لأنه قرين كفيل ملكنا القويّ الأمين ذي الإرشاد والسّداد فمع مرافقته في الإصدار والإيراد والتّكرار والتّعداد لم يحتج، والله تعالى يجعل الطّروس بذكر تقديمه تحبّر وتدبّج، والدروس تنشر وعلومه تعطّر وتتأرّج، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الرابعة (نظر البيوت «٤» والحاشية)
وقد تقدّم أنّ موضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث فيه أستاد الدار «٥» ، وتقدّم الكلام على ما يكتب في طرّة تقليد ناظرها.
стр. 5404
وهذه نسخة توقيع بنظر البيوت والحاشية:
الحمد لله الذي عمّر البيوت بنواله، وكثّر فيها أصناف النّعم بإفضاله، وجعل فيها الخير يتضاعف مع كلّ يوم بتجدّده ومع كلّ شهر بإقباله.
نحمده على مديد ظلاله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد صادق في مقاله، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي رحم الله العالمين بإرساله، وسقى الجيش من كفّه بنبع زلاله، وأوى إلى المدينة دار هجرته وانتقاله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الناصرين لهذا الدين في كل حاله، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ طراز الملك الشريف البيوت الكريمة: فمنها يتفجّر ينبوع الرّزق الجاري، ومنها يضيء سقط الزّند «١» الواري؛ ومنها تبسط الخوانات «٢» ، وتمدّ الأسمطة في المهمّات؛ ومنها يقوم للسعد نصبات «٣» وأيّ نصبات، ومنها تقسّم ألوان الطيّبات على مقترح الشهوات، وعماد أمرها على ناظر يقوم بتأصيلها وتفريعها، وتجنسيها وتنويعها، وتكثير حاصلها، واستدعاء واصلها، وجمع كلّ ما فيه مرغوب، وادّخار كلّ ما هو محبوب، وتأليف القلوب على شكره وجلّ ما فيها عمل القلوب.
ولمّا كان فلان هو الرشيد في فعله، المأمون في فضله، الأمين في عقده وحلّه، المسدّد في الحال كلّه، المعطي المباشرة حقّها على ما ينبغي في الشهر من مستهلّه، فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ [في نظر البيوت.. الخ] .
فليباشر هذه الوظيفة الكريمة مستجلبا المنافع، مشنّفا بحسن سيرته المسامع، طالعا من العفاف في أبهى المطالع، مستدعيا ما جرت العادة باستدعائه من
стр. 5405
أصناف «١» المتجر السعيد من أصناف متعدّدة، وأنواع منضّدة، وليزح أعذار المصالح السعيدة من كلّ صنف على حدة، وليستجلب خواطر المعاملين بوفائهم وإنجازهم كلّ عدة؛ والرواتب اليوميّة ليصرفها لمستحقّها، والبيوتات فليسدّ خللها حتّى لا يظهر نقص فيها، ومرتّبات الآدر «٢» الشريفة فلتكن نصب عينيه على ما يرضيها؛ وما اخترناه لهذه الوظيفة إلا لأنّه أنسب من يليها.
والوصايا كثيرة وتقوى الله فلتكن أطيب ثمرات يجتنيها، وأحسن منحات يجتليها، وأزين زينة يحتليها، وهو غنيّ عما تشافهه به الأقلام من فيها؛ والله تعالى يصون هممه ويعليها، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة توقيع بنظر البيوت:
الحمد لله الذي جدّد لأوليائنا ملابس السّعود، وشيّد لهم مباني العزّ وضاعف لقدرهم الترقّي والصّعود، ووالى [إليهم] «٣» سحائب الفضل المستهلّة بالكرم والجود.
نحمده على نعمه الضافية البرود، ومننه الصافية الورود، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرغم بها أنف الجحود، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صاحب الحوض المورود واللّواء المعقود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جاد كلّ منهم بماله ونفسه في رضاه والجود بالنّفيسين أقصى غاية الجود، صلاة دائمة الإقامة في التهائم والنّجود، مستمرّة الإدامة ما تعاقب السّحاب روضا بجود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من غدت البيوت آهلة بوفود نظره، عامرة بسداده وجميل
стр. 5406
فكره، مشيّدة بما يبديه من أوضاح التقرير وغرره- من سما همّة وحسن سمتا، وسلك في الأمانة طريقا لا عوج فيها ولا أمتا «١» ، وحلّ في الرّتب فحلّاها، وتنقّل فيها فما قالت له إيه إلا وقال الذي فارقها آها؛ وكان فلان هو الذي استحقّ بكفايته حسن التنقّل، واستوجب الصّلة والعائد لما فيه من جميل التأتّي والتوصّل- اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننقله إلى رتب السعادة، وأن نخصّه كلّ حين من نعمنا بالحسنى وزيادة، فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يستقرّ ...
فليضبط أصولها وفروعها، ومفردها ومجموعها، وليؤنس بحياطة اجتهاده ربوعها، وليكفلها بأمانة تضمّ أطرافها، ونزاهة تحلّي أعطافها، وكتابة تحصر جليلها ودقيقها، ونباهة توفّي شروطها وحقوقها، وليحرّر واردها ومصروفها، ليغدو مشكور الهمم موصوفها، وليلاحظ جرائد حسابها، ويحفظ من الزيغ قلم كتّابها، حتّى ينمي تصرّفه فيها على الأوائل، ويشكر تعرّفه وتعطّفه على كل عامل ومعامل؛ والله تعالى يبلّغه من الخير ما هو آمل، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الخامسة (نظر خزائن السّلاح)
وقد تقدّم أنّ موضوعها التحدّث فيما يستعمل ويبتاع من أنواع السّلاح الذي يحمل للزّردخاناه «٢» السلطانية. وقد جرت العادة أن يحمل ما يتحصّل من
стр. 5407
ذلك في كل سنة إلى الزّردخاناه مرّة واحدة. وقد تقدّم ما يكتب في طرة توقيع ناظرها.
وهذه نسخة توقيع بنظر خزائن السلاح من إنشاء المولى «شمس الدين بن القيسرانيّ» «١» كتب به «لفخر الدين» أخي جمال الدين ناظر الخاصّ، وهي:
أما بعد حمد الله تعالى الذي ضاعف فخر المناصب، بمتولّيها، ورفع قدر المراتب، بمن يكبّرها بقدره العليّ ويعليها، وأمدّ المقانب «٢» ، بنظر ذي المناقب الذي يزيّن بمرهف حزمه أسلحتهم ويحلّيها، ويمضي بماضي عزمه كلّ فرند فريد ليسعّر نار صليله بنظره السعيد ويجلّيها، جاعل أيّامنا الشريفة تقدّم لخدمها كلّ سريّ تسري به هممه إلى العلياء، وتنتخب لحسن نظرها من يعلو بكرم الذات وجمال الإخاء، وتولّي من الأولياء من يعدّ للأعداء خزائن سلاح تبيدهم بها جيوشنا المؤيّدة في فيافي البيداء، إذا دارت رحى الحرب الزّبون وثارت وغى الغارة الشّعواء، والشهادة له بالوحدانيّة التي اتّسق بدرها، في سماء الإخلاص، وأشرق فجرها، بضياء القرب والاختصاص، وسما فخرها، بجلال الجمال فأصبح بحمد الله آخذا في المزيد آمنا من الانتقاص، وعلا ذكرها، بما درّعنا به من دروع التوحيد وأسبغ علينا منه كلّ سابغة دلاص «٣» ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي خصّه الله بالتكريم والتعظيم، وختم به الرسل الكرام بما منحه من الاصطفاء والتقديم، وأوحى إليه في الكتاب الحكيم: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
«٤» وعلى آله وصحبه الذين هم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
«٥» ، وقرّب قربهم لديه صلّى الله عليه وأذهب بينهم- فإنّ من شيم أيّامنا
стр. 5408
الشريفة أن تبلّغ أولياءها مراما، وترعى لأصفيائها ذماما، وتصطفي لولاية الرّتب من أضحى ثغر ولائه بسّاما، وتجرّد لحسن النظر من يجرّد بهممه حساما حسّاما، لا سيّما من اقتفى سنن أخيه- أجلّه الله- فيما يأتي ويذر، واهتدى بهديه في كلّ ورد وصدر، وحذا حذوه السديد الأثر، السعيد النظر، واتّبع رشده الساطع البلج اللامع الغرر، وسار سيره الذي تتأرّج به أرجاء الممالك فحيث سار سرّ؛ إذ هو جمال الجود، جلال الوجود، مقيل عثار الملهوف والمجهود، موئل التّهائم والنّجود، مستجلب الدعاء لنا من الطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، ذو المآثر التي ذكرها أعطر من الروض المجود الموجود، والمناقب التي يساوي فيها الكواكب ويسامتها في السّعود والصّعود.
ولما كان المجلس العاليّ الفخريّ قد أصبح فخره بأخوّته ناميا، وقدره بأبوّته ساميا، وأصبحت مفاخره به خالدة، وجمع مزايا وسجايا جمعت له طارف السّعد وتالده- اقتضى رأينا الشريف أن [أن نشدّد به] «١» أزرا، ونجدّد له في إصلاح السلاح نظرا، ليكون لأخيه- أعزه الله تعالى- النظر على الخاصّ والعام، وبيده مقاليد خزانتنا التي يشمل منها البرايا بصنوف الإنعام، وتدبير خواصّنا الشريفة وجيوشنا المؤيّدة، وله النظر على أعمال لبوس، تقي من الجيوش البوس:
البيض [ذات] القوانس «٢» ، واليلب «٣» المدار والسّمر المداعس «٤» ، والبيض المهنّدة «٥» فلذلك رسم...... لا زال يجمع لأوليائه على آلائه شملا، ويرفع أقدار أهل الكرم باستقرار النّعم إذ كانوا لها أهلا وبها أولى- أن يستقرّ فلان في
стр. 5409
نظر خزائن السّلاح المنصورة على عادة من تقدّمه وقاعدته، وبمعلومه الشاهد به الدّيوان المعمور لهذه المآثر التي بثّها القلم، والمفاخر التي اشتهرت كالنار على العلم؛ فليكشف ما بهذه الخزائن من عدّة الحرب، والآلات المعدّة في الهيجاء للطّعن والضّرب، ويشمّر في تكثيرها عن ساعد اجتهاده، ويعزّز موادّ الإمداد بها بحسن نظره ويمن اعتماده، ويستعمل برسم جهاد الأعداء كلّ نصل صقيل، وصمصام له في الهام صليل، وصفيحة بيضاء تبيضّ بها بين أيدينا الصّحيفة، ولبوس ترهب عدوّ الله وتضاعف تخويفه، وزاعبيّ «١» يرعب، وسمهريّ «٢» يزهق بلسان سنانه النّفوس ويذهب؛ وخرصان «٣» تكلّم الأبطال بأسل ألسنتها في الحروب، وقواصل «٤» لها في سماء العجاج شروق وفي تحليء «٥» الكفّار غروب، وبدن «٦» يقدّ الأبدان، ولأمة «٧» لم تبار في تحصينها وتخييرها ولم تدان، وفضفاضة على جنود الإسلام تفاض، وسابغة تسبغ على كل راجل من أهل الإيمان ليقضي من أهل الشرك ما هو قاض.
وليحفظ ما ينفق على هذا العدد من الضّياع، ويأت بما تأتي به الضّياع على أحسن الوجوه وأجمل الأوضاع، وليضبط ما يصرف عليها من الأموال، ويعتمد في نظرها ما تحمد عاقبة أمره في سائر الأحوال، ويتيمّن في سائر أفعاله
стр. 5410
بميامن كماله، ويسترشد بمراشده في أموره باليمن والرشد من خلال جماله، ويسلك بحسن نظره لهذه الخزائن ما ينتظر به أن يفوق أنظار الأنظار ويرتقب، ويعلم أنّ هذا أوّل إقبالنا عليه (وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب) ؛ والله تعالى يجعل خزائن الإسلام بجمال فخره آهلة، ويوردها موارد العزّ الدائم ويصفّي من أكدار الأقذار لها مناهله؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه.
الوظيفة السادسة (استيفاء الصّحبة)
وصاحبها يتحدّث في كل ما يتحدّث فيه ناظر الصّحبة المقدّم ذكره «١» وهذه نسخة توقيع من ذلك، من إنشاء القاضي «ناصر الدّين بن النّشائي» وهي:
الحمد لله الذي زاد فخار أوليائنا رفعة المقدار، وأفاد الصّحبة الشريفة خير كاف استوجب منّا بجميل خدمته جزيل الإيثار، وجاد بالجود وابتدأ السعود لمن حسن فيه الاختيار وحمد الاختبار، وارتاد للمناصب العليّة كلّ «مستوف» للمحاسن له حقوق وفاء لا تضاع وقدم ولاء أجمل فيه الإيراد والإصدار.
نحمده على نعم أجزلت الآثار، ونشكره على منن أجملت المسارّ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص يترشّف ساحّ «٢» ثوابها الدارّ في تلك الدار، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أيّد الله المؤمنين وأخمد نار الكفّار، وبعثه رحمة للعالمين فأقام بناء الإسلام بعد ما كاد ينهار «٣» ، وأسرى به إلى السّبع الطّباق فطبّق نبأ معجزاته الأرض وملأ الأقطار،
стр. 5411
صلاة باقية لا تزال أغصان أجورها دانية القطوف زاكية الثّمار، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أجلّ النّعم ما علت ملابسها، وأجمل المنن ما غلت نفائسها، وأكمل المنح ما زكت في رياض الإقبال غرائسها، وأجزل العطايا ما جلّيت في حلل الفخار عرائسها، وأولى الأولياء بتحويل ذلك لديه، وتخويل هذه المواهب إليه، وإسباغ أثواب الامتنان عليه، واجتبائه لرتب علت محلّا، واختياره لمنصب يصبح به جيده من عقود العناية محلّى- من شكرت أوصافه، واشتهر عفافه، وحسن منّا إسعاده وإسعافه، وحمدت خلاله ومآثره، وجاز فخر نعته وفخر ذاته فلا غرو أن تعدّدت مفاخره، وأسلفنا من خدمته ما استوجب أن يجني به ثمار الإحسان، وقدّم بين أيدينا الشريفة من يمن تصرّفه ما أنتج له مضاعفة الآلاء الحسان.
ولما كان فلان هو الذي تحلّى من هذه الأوصاف بعقودها، وتجلّى في مطارف برودها، وأثنت على خصاله ألسنة الأقلام، وأثبتت جميل خلاله في صحف أوراقها وصحائف الأيّام، وحاز من الأمانة والنّزاهة كلّ ما يشكر به على الدّوام، وامتاز بحسن الكتابة التي تقرّ النواظر وتسرّ الخواطر وتزري بالروض البسّام، ما باشر رتبة إلا وفى بها، وحفظ أموالها وغلالها وضبط أمورها وكفى بها- اقتضى رأينا الشريف أن ننقله إلى درجات السعادة، ونمنحه من إقبالنا الشريف زيادة الحسنى وحسن الزّيادة، ونخصّه بوظيفة تدنيه منّا قربا لنكون قد أجملنا له الابتداء والإعادة.
ولذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال فخر أوليائه بمزيد آلائه ساميا، وقدر أصفيائه بمديد عطائه ناميا- أن يستقرّ في كذا.
فليتلقّ هذا الإحسان، بيد الاستحقاق، وليتقلّد عقود الامتنان، الذي طالما قلّد جوده الأعناق، وليباشر ذلك مباشرة يسرّ خبرها، ويسير خبرها، ويشنّف الأسماع تأثيرها وأثرها، وليسلك فيها من السّداد، ما يؤكّد حمده، ومن
стр. 5412
حسن الاعتماد، ما يؤيّد سعده، وليعتمد فيها من الأمانة ما هو المشهور من اعتماده، ومن العفاف ما صحّ عنه نقل إسناده، وليدبّج المراسيم الشريفة بقلمه السعيد، وليوشّها بكتابته التي بها الحسن مبديء ومعيد، وليضبط جميع أموال الديوان المعمور وغلاله، وسائر أموره وأحواله، وليستوف بقلمه على مباشريه وعمّاله، وليحط علما بخراج بلاده وأعماله، وليسترفع الحساب شاما ومصرا، وليتصفّح الرّقاع بالممالك الشريفة المحروسة ليحوي بجميعها خبرا، وليتعيّن جملها وتفصيلها ليكون بمخرجها أدرب وبمردودها أدرى، وليحصر متحصّلها ومصروفها، ومعجّلها وموقوفها، حتّى لا يخرج شيء عن علمه، ولتكن جملة هذا الأمر محرّرة في ذهنه ليجيب عنها عند السؤال بتحقّق فهمه؛ والوصايا كثيرة وهو بها خبير عليم، حائز منها أوفى وأوفر تقسيم، وملاكها تقوى الله تعالى فليجعلها عمدته، وليتّخذها في كل الأمور ذخيرته؛ والله تعالى يضاعف له من لدنّا إحسانا، ويرفع له قدرا وشانا؛ والاعتماد على الخطّ أعلاه.
وهذه وصية لمستوفي الصحبة أوردها في «التعريف» وهي:
فهو المهيمن على الأقلام، والمؤمّن على مصر والشام، والمؤمّل لما يكتب بخطّه من كل ترتيب وإنعام، والملازم لصحبة سلطانه في كل سفر ومقام؛ وهو مستوفي الصّحبة، والمستولي بالهمم على كل رتبة، والمعوّل على تحريره، والمعمول بتقريره، والمرجوع في كل الأمور إلى تقديره؛ به يتحرّر كلّ كشف، ويكفّ كلّ كفّ، وبتنزيله وإلّا ما يكمل استخدام ولا صرف؛ وهو المتصفّح عنّا لكلّ حساب، والمتطلّع لكلّ ما حضر وغاب، والمناقش لأقلام الكتّاب، والمحقّق الذي إذا قال قال الّذي عنده علم من الكتاب، والمظهر للخبايا، والمطلع للخفايا، والمتّفق على صحّة ما عنده إذا حصل الخلاف، ووصل الأمر فيه إلى التّلاف؛ وليلزم الكتّاب بما يلزمهم من الأعمال، ويحررها
стр. 5413
بمستقرّ إطلاقه وضرائب رؤوس المال، وعمل المكلفات «١» وأن يكلّفوا عملها، وتقدير المساحات وليتتبّع خللها؛ وليلزمهم بتمييز قيمها بعض عن بعض، وتفاوت ما بين [تسجيل] «٢» الفدن في كل بلد بحسب ما تصلح له زراعة كلّ أرض، وبمستجدّ الجرائد وما يقابل عليه ديوان الإقطاع والأحباس، وغير ذلك مما لا يحصل فيه التباس.
ومثلك لا يزوّد بالتعليم، ولا ينازع فكلّ شيء يؤخذ منه بالتسليم؛ وما ثمّ ما يوصى به ربّ وظيفة إلا وعنده ينزّل علمه، وفيه ينزّه فهمه؛ وملاك الكل تقوى الله والأمانة فهما الجنّتان الواقيتان، والجنّتان الباقيتان؛ وقد عرف منهما بما يفاض منه عليه أسبغ جلباب، وأسبل ستر يصان به هو ومن يتخذهم من معينين ونوّاب؛ والله تعالى يبلّغه من الرتب أقصاها، ويجري قلمه الذي لا يدع في مال ممالكنا الشريفة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
الدرجة الثالثة (من تواقيع أرباب الوظائف الديوانية بالديار المصرية
ما يكتب في قطع العادة: إما في المنصوريّ، مفتتحا ب «أما بعد حمد الله» أو على قدر المكتوب له في القطع الصغير، مفتتحا ب «رسم بالأمر الشريف» إن انحط قدره عن ذلك) وفيها وظائف:
منها: كتابة الدّرج بديوان الإنشاء بالأبواب الشريفة.
وهذه نسخة توقيع بكتابة الدّرج الشريف، كتب به للقاضي تاج الدين،
стр. 5414
عبد الرحيم بن الصاحب فخر الدين بن أبي شاكر «١» ، وهي:
رسم [بالأمر الشريف]- لا زالت صدقاته الشريفة تشمل نجباء الأبنا، ومبرّاته الجسيمة تجزل للولد البارّ حسن الزيادة وزيادة الحسنى، وهباته الكريمة تقبل بوجه الإحسان على فرع الأصل الأسمى وترصّع تاجه بجوهر فخره الأسنى، وسماته الوسيمة تجمّل شدّ أزر الوزارة الفخيمة بأكفإ نجل ثنى الزمان عنان الرياسة إليه وعليه أثنى- أن يستقرّ فلان في كذا وكذا: لأنه ربّي في حجر الرياسة، واجتنى من الروض المجد الذي أعلى السعد غراسه، ونشأ من محلّ السّؤدد والفخار، وبزغ من بيت حقّت له رفعة الأقدار، وبسق غصن فرعه من أصل ثابت، وسما بدوح عزّ في مواطن المعالي نابت، وهمى ندى قلمه بانتسابه إلى سراة الكتّاب فناهيك من كاتب لأبي الخلل كابت؛ تعترف الدولة لسلفه بسالف العهود، وتغترف من منهل تدبيرهم المورود، وتتحلّى من تاجهم بأسنى العقود، وتسمو من فخر وزارتهم ووزارة فخرهم بما يملأ الوجود بالجود، وتختال من تصريف أقلامهم وأقلام تصريفهم في روض التنفيذ المجود فإن ذكرت مآثر جدّه قصّرت عن إدراكها الجدود، وإن شكرت مناقب والده- أجله الله- ففجرها الباذخ مشهود؛ وهو بلسان العامّ والخاصّ ممدوح محمود، وإلى معاني خطّه تنتهي درجات الصّعود والسّعود؛ فلا غرو لهذا الفرع الناجب أن يتبع أصله، وأن يسلك فضائله وفضله، وأن يقفو منهجه، ويحذو في الكتابة طريقته المبهجة، ويأتي من البراعة بسننها القويم، ويبرز من اليراعة وشي خطّه الرقيم، وأن يحلّي أجياد المهارق بجوهر تاجه النّضيد النّظيم، وأن تحلو ألفاظه في الإنشاء حين تمرّ على الأسماع مرور النسيم؛ سيّما وقد ظهرت عليه من مخايل الرئاسة دلائل، وشرعت له مناهل الأدب والفضائل، وحاز من حسن النشأة ما سار بشكره المثل، وحصل من الاشتغال على كنز المعرفة واشتمل، وغدا جديرا
стр. 5415
بكل مرتبة سنيّة، وكل رفعة هي بأعدائها مبنيّة.
فليباشر ذلك مباشرة يجعلها لباب المعالي مفتتحا، وللزيادة من كلّ خير سببا كلّما أبدى الدهر مساء وضحى، ولينقل في اتباع مهيع «١» المجد عن والده وجدّه أبقاهما الله تعالى، وليدأب للتحلّي بأخلاقهما الحسنة أقوالا وأفعالا، وليبهج الطّروس بوشي قلمه، ولينمّق المكاتبات ببلاغة كلمه، وليتخذ الصّون شعاره، والعفاف دثاره، والأمانة معتمده، والنزاهة مستنده، وضبط القول مادّته، وحفظ اليد واللسان جادّته؛ والوصايا كثيرة وملاكها التقوى وهي حليته الحقيقيّة وعقيدته العقليّة والمنطقيّة فليجعلها دأبه، وليرض في إعلانه لها ربّه؛ والله تعالى يعلي قدره وجدّه ويحفظه وأباه وجدّه.
وهذه نسخة توقيع شريف بكتابة درج تجديدا، وهي:
رسم......- لا زال يمنح الأولياء، بتجديد النّعم إحسانا، ويولي البلغاء، فضلا يعلي لهم رتبة وشانا، ويبدي لهم في ديوان إنشائه الشريف فضائل جمّة وبيانا- أن يجدّد هذا التوقيع الشريف باسم فلان تجديدا لأنوار الإحسان إليه، وتأكيدا لمزايا الامتنان لديه، وتسديدا لمستنده الذي ألقاه وجه الإقبال إليه، لما حازه من فضيلة تامّة، وبلاغة ملأت ببديع المعاني ومعاني البديع ألفاظه وكلامه، وكتابة أجرت في حواشي الطروس بمحقّق التوقيعات أقلامه، وأمانة بنت على الصّدق والعفاف أقسامه، ورياسة تأثّل مجدها، فبلغ مرامه، واتّصل سعدها، فلا يخشى انفصامه، وبعد شأوها فهي السامية إلى رفع المنازل من غير سآمة. قد اتّصف من البراعة بجميل الأوصاف وظهر استحقاقه فهو باد غير خاف، وتروّى من بحر البلاغة حيث ورد منهلها الصّاف، وسلك طرق الخير فتضاعف له الإسعاد والإسعاف، وامتاز بمزايا التجمّل في أموره
стр. 5416
والعفاف، واستحقّ بذلك أن نجدّد له فضل الألفة، ونؤكّد له بكرمنا نيلا اعتاده وعرفه.
فليستمرّ في ذلك استمرارا به أسباب الخير مؤتلفة، ووجوه الفضائل عن صنوف الكتابة غير منصرفة، وليبد من البلاغة بيانها البديع، ويجمّل منزل العلياء الرفيع، ويسلك مسلكه في الأمانة، ويتّق الله تعالى بملازمة المراقبة والدّيانة، والله تعالى يعلي مكانه، ويزيد في اقتناء الفضائل إمكانه، والاعتماد على العلامة الشريفة أعلاه، إن شاء الله تعالى.
قلت وربّما كتب التوقيع لكاتب الدّرج بزيادة معلوم، فيحتاج الكاتب إلى أن يأتي بعبارة تجمع إلى ما تقدّم من براعة الاستهلال ما يليها من موجب الاستحقاق، وسبب الزيادة وترادف الإحسان.
وهذه نسخة توقيع بشهادة «١» الخزانة، كتب به لابن عبادة، وهي:
أما بعد حمد الله الذي أفاض على الأولياء من خزائن فضله، وأفاء لهم أوفر نصيب من إحسانه المشكور فيه عدل قسمه وقسم عدله، وأهمى عليهم من سحب مواهبه ما يقصر عنه الغمام في وبله وطلّه، وأسبغ عليهم من جوده العميم ما يصفو لديهم المرح في وارف ظلّه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه ورسوله أشرف رسله، وخاتم من جاء من الأنبياء من قبله، والهادي ببعثته الشريفة إلى طرق الحق وسبله، وعلى آله وصحبه الذين تابعوه في قوله وفعله، وبايعوه على المظاهرة في نصرة الدين الحنيف وأهله، وجمعوا هممهم على التئام كلمة الإيمان وجمع شمله، وأرهف كلّ منهم في نصره ماضي عزمه ونصله- فإنّ أولى من رعيت له حقوق ذمامه، ومنح أجزل العطاء الذي تقضي الأقدار
стр. 5417
بدوامه، ولوحظ بعين الإقبال ما أسلفه من حسن الطاعة لله ولرسوله ولإمامه- من جدّ في الخدمة فأضحى الجدّ له خادما، وداوم على المناصحة فغدا سعده دائما، وأخذ من كلّ فضل بزمامه، ومتّ بما له على الدولة الشريفة من حرمته وذمامه، وسلك في أداء الأمانة السّنن القويم، وجعل على خزائن الأرض بما تلا لسان فضله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
»
وتمسّك من الإخلاص بأقوى الأسباب، وجعلت له التقوى محلّا يدخل عليه ملائكة القبول من كلّ باب، وزيّن سماء المعالي بكواكب مجده فما تشوّف إليها طرف متطاول إلا وأتبعه شهاب «٢» ولما كان فلان هو الذي غدا حسن مناقبه إلى شكره مرشدا، وإلى ذكره بالجميل مسعدا، وألهج لسان القلم في وصفه منشدا، واختصّ من هذه المحامد بأوفرها قسما، وطلع في أفق هذا الثناء الجميل نجما، فلذلك رسم............... ....
ومنها- استيفاء الدولة.
وموضوعها التحدّث في كل ما يتحدّث الوزير وناظر الدولة، وضبط الأموال الديوانية، وكتابة الحسبانات، وكلّ ما يجري مجرى ذلك. وقد جرت العادة أن يكون فيها مستوفيان «٣» .
وهذه نسخة توقيع باستيفاء الدولة:
أما بعد حمد الله الذي صان الأموال بالأقلام المحرّرة، والدفاتر المسطّرة، والحسبانات المصدّرة، والجوامع المسيّرة، والتيقّظ الذي استخرج
стр. 5418
البواقي المنكسرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال ظلام الظّلم ونوّره. ومحا الجور وغيّره، وأيّد الحق وأظهره، وعلى آله البررة، وصحبه خصوصا العشرة المبشّرة «١» فإنّ للدولة الشريفة من الأقلام ضابطا، ولها من الحساب نظاما أصبح عليها سياجا وحائطا، يصون الأموال أن تكون بأيدي الخائنين نهبى، ويحرز المطلقات بعدا وقربا، وقلم الاستيفاء هو الذي إذا طاشت أقلام الكتّاب كان في رأسها لجاما، وإذا خصم المباشرون بالمصروف قبل السائغ الصحيح وردّ ما كان سقيما وخرّج ما لم يكن تماما.
ولما كان فلان هو الذي في الرئاسة كبير معروف، وفي السعادة حميد موصوف، وفي قلمه تصحيح كلّ مصروف، وله في الدولة آثار مرضيّة تشكرها الأقلام والسّيوف، ما نظر في حساب، إلا أزال عنه ما به يعاب، ولا رأى فلذالك «٢» ، إلا وأوضح فيها المسالك، ولا عرض باقي، إلا استخرج ما يتعيّن استخراجه بقلمه الراقي، وفهمه الواقي؛ فلذلك رسم أن يستقر.........
فليباشر هذه الوظيفة بتحريره وتحبيره، وتمييزه وتثميره، وتوفيره وتكثيره، وإيراده وتصديره، وتسهيله وتيسيره، وإزالة تعسيره؛ وإذا أمسك دفاتره، أظهر مآثره، وإذا نسيت الجمل أبدى تذاكره، والعمدة على شطبه في الحسبانات الحاضرة، فلا يخرج من عنده شيء بغير ثبوت فإنّ التواقيع الشريفة والمراسيم الشريفة هي كالأمثال سائرة، ولا يتّخذ المعين، إلّا الأمين، ولا يستعين، إلا بمن هو مأمون اليمين، والوصايا كثيرة وهو غنيّ عن التبيين، فليتّق الله ربّ العالمين، وليستجلب لنا الأدعية من الفقراء الصالحين؛ فإنّ صدقاتنا الشريفة تنعم عليهم بمرتّبات وأرزاق، ونعم وأطلاق، فليسهّل عليهم الصّعب في كلّ
стр. 5419
باب وإطلاق، والله تعالى يمدّه بالإرفاق، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وقد يكتب لوظيفة استيفاء الدولة مفتتحا ب «رسم» .
وهذه نسخة توقيع من ذلك باستيفاء الدولة، كتب به لعلم الدين بن ريشة «١» ، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا برحت أيّامه الشريفة ترفع لذوي الكفاءة من إحسانها علما، وترجع مصالح الدولة إلى من أحسن فيها خطابا وأعمل في مهمّاتها قلما، وتختار من دأب في تكميل أدواته حتّى صار على أنظاره متقدّما- أن يرتّب فلان علما بكفايته التي وضحت، ودرايته التي فاقت مناظرها ورجحت، وأمانته التي حصّلت النماء وأربحت، وهمّته التي ميّزت الأموال بإحرازها فعلى السّداد ختمت وبالتحرّي افتتحت.
فليباشر هذه الوظيفة التي تحتاج إليه باحتراز مثله، والرّتبة التي يتعيّن على مباشرها إيصال كلّ حقّ إلى أهله؛ فقد أرجعنا ضبطها وتحريرها إليه، واعتمدنا في تيسير أموالها وسدّ أحوالها عليه؛ فهو جدير ببلوغ القصد فيما قرّرناه لديه وحرّرناه بقلمه ويديه.
فليبسط في مصالح الدّيوان المعمور وأمواله قلمه، وليعمل بما هو عالم من تبيين حقائق أحوال وظيفته ويخلص فيه قوله وكلمه، وليصن الأموال، ويتفقّد ما يلزم العمّال، ويحثّ على حمول بيت المال، وليسترفع الحسبانات من جهاتها على العادة، وليستودع دفاترها وجرائدها من يتحقّق تحرّزه وسداده، وليتخذ معينيه من أرباب الحذق والدّراية والاطّلاع على كل نقص وزيادة، وإبداء وإعادة، وله من نفسه ما لا يحتاج معه إلى زيادة الوصايا وتكثيرها، ومن ألمعيّته ما يدرك به الفصل في جليل الأمور وحقيرها؛ فإنّه قد تخلّق بأخلاق أهل
стр. 5420
الأدب، وشارك في جليل الخطب وسدّ ما إليه عزمه انتدب؛ والله تعالى يبلّغه من الجود غاية الأرب، ويعينه على صالح العمل وانتهاز القرب؛ والاعتماد ...
... الخ.
ومنها- استيفاء الخاصّ. وصاحبها في الخاصّ كمستوفي الدولة في ديوان الوزارة.
وهذه نسخة توقيع باستيفاء الخاصّ لمن لقبه «أمين الدين» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت أيامه الشريفة تقدم بمهمّاتها أمينا، وتقدّم في خدمتها من أضحى معلّى شمالا ويمينا، وتولّي الرتب السنيّة من جعل التحرّز لقلمه مصاحبا ولكلمه معينا- أن يستقرّ فلان في كذا: لما عرف من رئاسته التي ميّزته، وأمانته التي جمعت الرّفع فأحرزته، وضبطه الذي ترقّى به في المراتب وتنقّل، وإدراكه الذي يصون به غوامض المصالح ويعقل، ولما سلف له من خدمة ملك فيها السّداد، ومباشرة علم بها ما هو متّصف به من حسن الاعتماد.
فليباشر هذه الوظيفة التي ولّيها، وليشهر من همّته فيها ما يرفع مكانته ويعليها، وليدم المراقبة لمصالح ديوان الخاصّ «١» الشريف في كلّ قول وعمل، وليسارع إلى ما يفيد المناجح ويبلغ من الضبط والتحرّز غاية الأمل، وليصن الأموال من ضياعها، ويحافظ على سلوك طرائق الحقّ واتّباعها، وليسترفع الحسبانات من أربابها، ويتفقّد محرّراتها التي هو أعلم وأدرى بها، ويتّخذ من معينيه من أضحت معرفته للدقائق جامعة، ويحتفل بمتحصّلات أموال الخاصّ بعزمته التي أضحت لمكانته رافعة، لا سيّما ثغر الإسكندرية «٢» التي قد أصبحت جهاتها لطلب أقلامه متابعة طائعة، وليلزم كلّ عامل بتحرير ما يجب عليه وما
стр. 5421
تنبغي فيه المراجعة، فإنا قد أقمناه لذلك مستوفيا، وليتصفّح أموره الجليلة والحقيرة مستوضحا مستقصيا، وليتّق الله الذي يبلّغه من زيادة منحنا الأمل، ويعينه على صالح العمل، والله تعالى يمنحه من الخير ما ينجح مسعاه وينزّهه عن الزّيغ والزّلل، والاعتماد......... الخ.
وهذه نسخة توقيع في المعنى لمن لقبه «بدر الدين» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال يطلع لذوي الكفاية من إحسانه في سماء الإقبال بدرا، ويرفع لمن أمّ الأبواب [من أوليائه] «١» ذوي الرئاسة قدرا، ويشفع لمن شكرت معرفته بنجح القصد فانشرح له بالمنن الجمّة صدرا- أن يستقرّ فلان في كذا: لكفايته التي خطب بسببها إلى مقرّه، ودرايته التي استوجب بها أن نطق لسان القلم بذكره، ونزاهته التي أجمعت بها أمثاله على شكره، وأمانته التي تستدعي الحقّ في حلو الأمر ومرّه، وديانته التي هي أصل في كل أمره وصيانته التي يعتمدها في سرّه وجهره، ومشارفته المصالح بعين يقظته التي يلوح لها وجه الصواب فيقف عند حدّه وقدره.
فليباشر هذه الوظيفة التي أسلفها حسن الاعتماد، وليوفّها من معهود يقظته يمن الاجتهاد، وليحقّق حسن ظنّ المباشرين [ورغبتهم فيه من الإنصاف] «٢» في الإرفاق والإرفاد، وليعمّر جهات الأموال بجميل الاقتصاد، وينجز الأحوال على سبيل السّداد، وليتّبع منهاج الخير في كل ما يأتيه من إصدار وإيراد، فقد رجع ضبط هذه الجهة إليه، واعتمد في تحريرها عليه؛ فليصن الأموال، ويتفقّد ما تحسن به العقبى والمآل، وليتحرّ في جميع ما هو لازم له أن يكون على الحق الواضح، والسّنن القويم فإنه المتجر الرابح والمآب الناجح، وتقوى الله تعالى
стр. 5422
فهي عمدة كل عبد صالح، والوصايا كثيرة مبيّنة تغني عن إفصاح الشارح؛ والله تعالى يلهمه الطريق السديدة ويرشده، ويعينه بالتوفيق وينجده، إن شاء الله تعالى.
ومنها- استيفاء البيوت والحاشية.
وهذه نسخة توقيع بذلك، كتب بها لعلم الدين «شاكر» عوضا عن تاج الدين بن الغزولي في الأيام الأشرفية «شعبان بن حسين» «١» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت صدقاته الشريفة تمنح الأكفاء من إحسانها نعما، وتضاعف لهم من عطائها كرما، وأيّامه الشريفة تعمّ البيوت الكريمة بكاف قد نشرت له الأمانة في دولته الأشرفيّة علما، ومواهبه تقدّم للوظائف من أضحى شاكرا لله تعالى وتبسط له في دواوين أعزّ الأنصار قلما- أن يستقرّ المجلس السامي القاضي، فلان الدين في كذا وكذا: لأمانته الموفورة، ومعرفته المشهورة، ومحاسنه المذكورة، وسيرته المشكورة، وكتابته التي أضحت في صفحات الحسبانات مسطورة، وديانته التي جدّدت بهجته وسروره، وخبرته بمنازل البيوت المعمورة، وقدم هجرته في الوظائف التي أوجبت نقلته إلى أجلّها، وصدارته التي رفعته إلى أرفع محلّها، كم له في دواوين أعزّ الأنصار من أقلام منفّذة، وآراء مسدّدة، ونظر أصلح به كلّ فاسد، وكبت به كلّ حاسد، وضبط لأصول الأموال، وتتبّع للمصالح في البكر والآصال.
فليباشر هذه الوظيفة المباركة التي هو أخبر بمباشرتها، وأعلم بأحوال البيوت الكريمة وعمارتها، وليظهر في الحاشية السعيدة مآثره الحسنة، ونزاهته التي نطقت بشكرها الألسنة، وليبد في مباشرته من كل شيء أحسنه، وليسلك طرائق الأمانة، وليقف آثار ذوي العفاف والصّيانة، وليلازم مباشرة أعزّ وليّ في
стр. 5423
المساء والصّباح، ولا يشغله شاغل عن مصالح ممهّد الدول من هو لسلطاننا الأشرف أمير سلاح؛ والله تعالى يفتح له من الخير أبواب النّجاح. والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وممّا ينخرط في سلك تواقيع أرباب الوظائف السلطانية وظائف دواوين الأمراء الخاصكيّة «١» ، فإنه ربما كتب عن السلطان التوقيع لبعض أرباب وظائف دواوينهم كما يكتب في الوظائف السلطانية.
وهذه نسخة توقيع كريم بنظر دواوين بعض الأمراء، وهي:
أمّا بعد حمد الله الذي هدى إلى الملّة المحمّدية من أسرّ الإيمان في قلبه ونواه، وضمّ إلى الأمّة [الإسلامية] «٢» من أضمر الإخلاص فأظهره الله في متقلّبه ومثواه، وجمع لوليّ الدولة ومخلصها الفرج والفرح لأنه من توكّل عليه كفاه، والشهادة بالوحدانية التي تبلّغ قائلها من رضاه مناه، وتجعل جنّاته لمن أسرّها جنانه مستقرّه ومأواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي قصم عداه، وفصم عرا من عاداه من أهل الشرك وعداه، وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بهداه، واستجدوا جداه «٣» ، ولبّوا نداه، وأمّوا نداه، صلاة تجزل لمصلّيها ثوابه، وتجمل مآبه، وتحمد عقباه- فإنّ أولى من رفع له الكرم محلّا، وقلّدته النّعم عقدا محلّى، وأعيد إلى رتبة الاصطفاء، وفوّض إليه ديوان أعزّ الأخصّاء، وصرّف قلمه في مهامّه، وحصلت هممه على جميع أقسامه، وعدقت مصالحه بتدبيره، ومناجحه بتأثيله وتأثيره، ومتحصّلاته بتمييزه وتثميره،
стр. 5424
وأحواله وأمواله: هذه بحسن تصرّفه وهذه بيمن تقريره- من دخل في دين الله القويم، واجتباه وهداه إلى الصّراط المستقيم، وكساه الإسلام حلّة شرفه، وبوّأه الإيمان مباني غرفه، ونوى الاستقامة في إقامته ومنصرفه، والتحف بجلباب الإسلام وارتدى، وتلبّس بالإيمان فصدّ عنه الأذى وردّ الرّدى، وغدا من أصحاب الصّراط السّويّ ومن اهتدى، مع كفاية أوجبت له التقريب والتقديم، وجدّدت له ملابس التكبير والتكريم، وكتابة فاق بها أمثاله، وعلا مثاله، وبلّغته من العلياء مرامه ومناله، ومعرفة بفنون الحساب، وخبرة اعترف بها الكتّاب والحسّاب، وأوجبت له من الإقبال ما لم يكن في حساب.
ولما كان مجلس القاضي فلان: هو الذي أخذ القلم في مدحه والكرم في منحه، اقتضى رأينا الشريف أن نقبل على إقباله على الدين بوجه الإقبال، وأن نبلّغه في أيّامنا الشريفة ما كان يرجوه من الآمال، فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يرفع من كان للدولة وليّا، ويضع الشيء محلّه بتقديم من أضحى عرفانه جليّا «١» فليباشر ذلك مباشرة تبلّغه أملا من الاعتلاء، وتنوّله مراما من الاعتناء، وتؤمّنه من طوارق الزّمن وحوادث الاعتداء، عالما بأنّ دولتنا الفلانية المنصورة تجازي عن الحسنة بأمثالها، وأنّ أيّامنا الفلانية المشهورة المشكورة تبلّغ أولياءها غاية آمالها، وأنّنا أجزلنا برّه، وأجملنا ذكره، وأجرينا على لسان القلم حمده وشكره، فليعتمد في مباشرته الأمانة المبرّة والنزاهة التي رفعت ما ساءه ووضعت ما سرّه، وليشمّر في مصالح هذا الديوان السعيد عن ساعد اجتهاده، ويعتمد في أموره ما ألف من سداده، ويتحرّ من السعادة ما كان قبل القول من سعاده، وليتّق الله حقّ تقاته، ويجعل التقوى حلية لأوقاته، وحلّة على سائر تصرّفاته، ويسر
стр. 5425
بتقواه سيرا خبرا «١» وخبرا، ويذر جورا وجبرا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
«٢» قلت: وغالب ما يعتنى به في تواقيع أرباب الأقلام المفتتحة ب «رسم» الدعاء المصدّر به التواقيع واشتماله على براعة الاستهلال.
وهذه جملة أدعية «٣» من ذلك ينسج على منوالها:
أثير الدّين- لا زال فلك فضله أثيرا، وطالع سعده منيرا، وهبوب ريح مبرّاته للخيرات مثيرا.
أمين الدّين- لا زال ينبغي للخدم الشريفة خير أمين، ويصطفي للقيام بالمصالح أنهض معين، ويجتبي لأهمّ المهمّات من هو غير متّهم في المناصحة وغير ظنين.
بدر الدين- لا زال يولّي المناصب الدّينيّة من سلك في النزاهة مسلكا جميلا، ويولي الفضل الجزيل من أضحى إشراق بدره على آثار حظّه دليلا.
برهان الدين- لا زالت أوامره الشريفة ترفع للعلماء شانا، وتقيم على استحقاقهم دليلا واضحا وبرهانا.
تاج الدين- لا زالت صدقاته الشريفة ترفع تاج الفضائل على الرؤوس وبرّه الشامل يذكّي النفوس ويزكّي الغروس، وتوارد إفضاله يوشّي المهارق
стр. 5426
ويدبّج الطّروس.
تقيّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تقدّم كلّ تقيّ، وترجّح ميزان من هو بالفضائل أملى مليّ، وترفع قدر من إذا سئل عن محلّه في الرياسة قيل عليّ.
جمال الدين- لا زال جمال جميله للنّفوس رائقا، وإفضاله المتوافر لكل إفضال سابقا.
جلال الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد جلال ذوي الفضل جلالا، وإحسانه المتواتر يوسّع في البرّ لأولي الاستحقاق مجالا، وبرّه المتتابع تقصر عنه خطا كلّ برّ فينادى: هكذا هكذا وإلا فلا لا.
رضيّ الدين- لا زال رضيّ السّجايا، ظاهر المزايا، مسترسل ديم العطايا.
زين الدين- لا زال نواله الشريف زينا لنائله، وسؤاله المحقّق إجابته شرفا لسائله، وقاصد بابه الشريف يؤمّ بالخير في عاجل الأمر وآجله.
سراج الدين- لا زالت عنايته الشريفة تخصّ أولياءها بجزيل المواهب، وتبلّغهم من صدقاتها العامّة غاية الآمال وأقصى المطالب، وتوقد لهم من أنوار سعادتها سراجا يغلب على نور الكواكب.
سريّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تصطفي من أرباب الكتابة من يجيد المعاني فلا يضع لفظا إلا جعل تحته معنى سريّا، وترتضي من فرسان البراعة في ميدان اليراعة من يرتقي ببلاغته مكانا عليّا، وتجتبي من أهل الإجادة من تميّز بالإفادة فلا يزال كلامه لأجياد الطّروس حليّا.
شرف الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تضع الشيء في محلّه، وترجع الفضل إلى مستحقّه وأهله، وتختار للمناصب من ظهر شرفه بين قوله وفعله.
شمس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في سماء المعالي من ذوي الرياسة شمسا، ونعمه الجسيمة تنبت في روض الإحسان غرسا، ومراسمه
стр. 5427
العالية تنقل إلى رتب الرياسة من شدّت كفّه على عدد الأمانيّ خمسا.
شهاب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في أفقها شهابا، وتهمل من جزيل المواهب للأمانيّ سحابا، وتضع الشيء في محله وتزيد الأمور انتظاما والدعاء استجلابا.
صدر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تستجيد من ذوي الفضائل من جاوز الجوزاء نظما وفاق النّثرة «١» نثرا، [وتستعيد للمناصب] «٢» من الأماثل من تقصر عن مجده الكواكب رفعة وقدرا، وتستزيد [في] «٣» المراتب من فاق سحبان وائل «٤» وساد الأوائل فأضحى في مجالس العلياء صدرا.
صلاح الدين- لا زال أمره الشريف يقدّم من يفيد ويجيد، فيكون لكلّ أمر صلاحا، وكرمه الطويل المديد، يشمل من ذوي الفضائل من فاق «سحبان» وائل فصاحة وفاق «حاتم» الأوائل سماحا، ورأيه الرشيد السديد، يختار من إذا انتضى اليراعة غلب رأيه سيوفا وطال قلمه رماحا.
ضياء الدين- لا زالت آراؤه الجميلة، تختار من ذوي الفضائل الجليلة من تزداد به المناصب ضياء، ونعمه الجزيلة، تعمّ كلّ بارع إذا ادلهمّت الخطوب كان فوه لها جلاء، وعوارفه المستطيلة، تشمل كلّ فاضل بذل في الخدمة جهده وتكسوه هيبة وبهاء.
علم الدين- لا زال جزيل إحسانه، أوضح من نار على علم، ومزيد
стр. 5428
امتنانه، يشمل أرباب السيف والقلم، وسحب بنانه تسحّ فلا تشحّ بجزيل الكرم.
علاء الدين- لا زال علاء دولته يصطفي ذوي الفضائل، ويختار من الفصحاء من يفوت الأواخر كما أضحى يفوت الأوائل، ويقدّم من هو في تدبير اليراعة كعلّي بن هلال «١» وفي حسن البراعة كسحبان وائل.
عزّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد ذوي الأقلام، من جزيل الإنعام، فتنيلهم عزّا، وتستجيد من كتّابها الأعلام، من خصّ بجواهر الكلام، فكلّ حسن إلى كلامه يعزى، وتستفيد من نجباء الأيّام، كلّ بارع كأنّ كلامه زهر الكمام، فلو خاطب سحبان لأورثه قصورا وعجزا.
عماد الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تتّخذ من نجباء الكتّاب عمادا، وتختار من ذوي الفضائل في الخطاب، من تجد لكلامه حسنا وسدادا، وتقدّم من أهل الفضل في السؤال والجواب، من لا تعدم في كلّ مقاصده رشادا.
عضد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تجعل من إنعامها، لخدّامها، عضدا، وتلحظ بعين إكرامها، وحسن احترامها، من طال في الفضل مدى، وتزيّن مطالع أيامها، بشموس أعلامها، فلا ترى مثلهم أحدا.
غرس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تنبت في روض الإحسان، من أرباب البيان، غرسا، وتجتني من كمام اللّسان، أزاهر النّكت «٢» الحسان، وتزيّن بها طرسا، وتفيض من مواهب البنان، ما يشهد لها بجزيل الامتنان، فيطيب كلّ آمل نفسا.
غياث الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تبدي لكلّ آمل غياثها، وتضفي
стр. 5429
ظلّها على من استجار بها واستغاثها، وتنطق ألسن أقلامها، بمواهب إنعامها، فتبذل طريفها وتراثها.
فتح الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تتخيّر من ذوي الأقلام، من يفتح أبواب الكلام، فتحا، وتهب جزيل الإنعام، لمن يستحقه من الكتّاب الأعلام، فينال بذلك ثناء وربحا، وتقرّب بيد العناية والإكرام، من ذوي الرياسة والاحترام، من هزّ على البلغاء قدحا.
فخر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تنصّب من المناصب، من يزيد بحسن مباشرته فخرها، وتمطي ظهور المراتب، من إذا أظلمت الأيام لعدم فاضل ظهر بفضيلته فجرها.
قطب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تدير على قطب البلاغة من أرباب اليراعة نجوما، وتشير بعنايتها إلى من حاز من الفضل فنونا وأحيا من الآداب رسوما، وتنير بدور سعدها لمن لم يزل قلمه لأسرار الملك كتوما.
كريم الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تشمل من ذوي الفضائل من عدّ في فصله وأصله كريما، فتقدّم من لا له في البلاغة مماثل فلا يزال بكل فنّ عليما، وتنصّب في المناصب من فات قيس «١» الأوائل رأيا وفاق قسّا «٢» بحديث بلاغته قديما.
كمال الدين- لا زالت سعادته الباهرة، تطلع في سماء العلياء من فاق البدور كمالا، وأوامره القاهرة، تقدّم أسنى البلغاء جلالا، وأسمى صدقاته الوافية، تعمّ من ذوي الفضائل من زاد المناصب بحسن مباشرته مهابة وجمالا.
مجد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تملّك أعنّة الأقلام، من تراه لها
стр. 5430
مجدا، وتودع بجيد الأيّام، من جواهر الفضلاء عقدا، وتشمل بأياديها الكرام، من إذا جمع البلغاء كان بينهم فردا.
محيي الدين- لا زالت أوامره الشريفة تشمل من البلغاء من شهر بفصل الخطاب، وإذا ماتت الفضائل يحييها، وغيث جوده [الهامي] «١» يفيض فيض السّحاب، فيبادر العفاة ويحيّيها، وعنايته تعم ذوي الألباب، فتمهّد رتب العزّ وتهيّيها.
موفّق الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع كلّ هلال من اهتدى به كان موفّقا، وتملّك من يزري بابن هلال أنّى كتب: رقاعا ومحقّقا، وتفيض لراجيها أفضل نوال من شبّهه بالغيث كان محقّقا.
ناصر الدين- لا زال يقرّب من أضحى لأهل الكلام، بمرهفات الأقلام، ناصرا، ويهب طويل الإنعام، لمن باعه مديد في النّثر والنّظام، فما برح فضله وافرا، وينتخب من غدا شريعا لعادات الكرام، مضارعا لصفات الكتّاب الأعلام، وأصبح في البيان نادرا.
نجم الدين- لا زالت أوامره الشريفة تطلع في أفق السعادة، من ذوي السيادة، نجما، وتعمّ بجزيل الإفادة، من عرف بالفضل وبالإجادة، وفاق أقرانه نثرا ونظما، وتسمح من عنايتها بالإرادة، لمن هو أهل الحسنى وزيادة، فتجزل له من كرمها قسما.
نور الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تعمّ بالنّوال، من هو في البراعة متّسع المجال، فيزيد الكلام نورا، وحسناته تشمل ذوي الآمال، بما يحمد في البدء والمآل، فتملأ القلوب سرورا، ومبرّاته تصل أولي الكمال، وتنتخب أخيار العمّال، فلا برح أنفذ الملوك أمورا.
следующие страницы →