Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
ويدبّج الطّروس.
تقيّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تقدّم كلّ تقيّ، وترجّح ميزان من هو بالفضائل أملى مليّ، وترفع قدر من إذا سئل عن محلّه في الرياسة قيل عليّ.
جمال الدين- لا زال جمال جميله للنّفوس رائقا، وإفضاله المتوافر لكل إفضال سابقا.
جلال الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد جلال ذوي الفضل جلالا، وإحسانه المتواتر يوسّع في البرّ لأولي الاستحقاق مجالا، وبرّه المتتابع تقصر عنه خطا كلّ برّ فينادى: هكذا هكذا وإلا فلا لا.
رضيّ الدين- لا زال رضيّ السّجايا، ظاهر المزايا، مسترسل ديم العطايا.
زين الدين- لا زال نواله الشريف زينا لنائله، وسؤاله المحقّق إجابته شرفا لسائله، وقاصد بابه الشريف يؤمّ بالخير في عاجل الأمر وآجله.
سراج الدين- لا زالت عنايته الشريفة تخصّ أولياءها بجزيل المواهب، وتبلّغهم من صدقاتها العامّة غاية الآمال وأقصى المطالب، وتوقد لهم من أنوار سعادتها سراجا يغلب على نور الكواكب.
سريّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تصطفي من أرباب الكتابة من يجيد المعاني فلا يضع لفظا إلا جعل تحته معنى سريّا، وترتضي من فرسان البراعة في ميدان اليراعة من يرتقي ببلاغته مكانا عليّا، وتجتبي من أهل الإجادة من تميّز بالإفادة فلا يزال كلامه لأجياد الطّروس حليّا.
شرف الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تضع الشيء في محلّه، وترجع الفضل إلى مستحقّه وأهله، وتختار للمناصب من ظهر شرفه بين قوله وفعله.
شمس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في سماء المعالي من ذوي الرياسة شمسا، ونعمه الجسيمة تنبت في روض الإحسان غرسا، ومراسمه
стр. 5427
العالية تنقل إلى رتب الرياسة من شدّت كفّه على عدد الأمانيّ خمسا.
شهاب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع في أفقها شهابا، وتهمل من جزيل المواهب للأمانيّ سحابا، وتضع الشيء في محله وتزيد الأمور انتظاما والدعاء استجلابا.
صدر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تستجيد من ذوي الفضائل من جاوز الجوزاء نظما وفاق النّثرة «١» نثرا، [وتستعيد للمناصب] «٢» من الأماثل من تقصر عن مجده الكواكب رفعة وقدرا، وتستزيد [في] «٣» المراتب من فاق سحبان وائل «٤» وساد الأوائل فأضحى في مجالس العلياء صدرا.
صلاح الدين- لا زال أمره الشريف يقدّم من يفيد ويجيد، فيكون لكلّ أمر صلاحا، وكرمه الطويل المديد، يشمل من ذوي الفضائل من فاق «سحبان» وائل فصاحة وفاق «حاتم» الأوائل سماحا، ورأيه الرشيد السديد، يختار من إذا انتضى اليراعة غلب رأيه سيوفا وطال قلمه رماحا.
ضياء الدين- لا زالت آراؤه الجميلة، تختار من ذوي الفضائل الجليلة من تزداد به المناصب ضياء، ونعمه الجزيلة، تعمّ كلّ بارع إذا ادلهمّت الخطوب كان فوه لها جلاء، وعوارفه المستطيلة، تشمل كلّ فاضل بذل في الخدمة جهده وتكسوه هيبة وبهاء.
علم الدين- لا زال جزيل إحسانه، أوضح من نار على علم، ومزيد
стр. 5428
امتنانه، يشمل أرباب السيف والقلم، وسحب بنانه تسحّ فلا تشحّ بجزيل الكرم.
علاء الدين- لا زال علاء دولته يصطفي ذوي الفضائل، ويختار من الفصحاء من يفوت الأواخر كما أضحى يفوت الأوائل، ويقدّم من هو في تدبير اليراعة كعلّي بن هلال «١» وفي حسن البراعة كسحبان وائل.
عزّ الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تزيد ذوي الأقلام، من جزيل الإنعام، فتنيلهم عزّا، وتستجيد من كتّابها الأعلام، من خصّ بجواهر الكلام، فكلّ حسن إلى كلامه يعزى، وتستفيد من نجباء الأيّام، كلّ بارع كأنّ كلامه زهر الكمام، فلو خاطب سحبان لأورثه قصورا وعجزا.
عماد الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تتّخذ من نجباء الكتّاب عمادا، وتختار من ذوي الفضائل في الخطاب، من تجد لكلامه حسنا وسدادا، وتقدّم من أهل الفضل في السؤال والجواب، من لا تعدم في كلّ مقاصده رشادا.
عضد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تجعل من إنعامها، لخدّامها، عضدا، وتلحظ بعين إكرامها، وحسن احترامها، من طال في الفضل مدى، وتزيّن مطالع أيامها، بشموس أعلامها، فلا ترى مثلهم أحدا.
غرس الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تنبت في روض الإحسان، من أرباب البيان، غرسا، وتجتني من كمام اللّسان، أزاهر النّكت «٢» الحسان، وتزيّن بها طرسا، وتفيض من مواهب البنان، ما يشهد لها بجزيل الامتنان، فيطيب كلّ آمل نفسا.
غياث الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تبدي لكلّ آمل غياثها، وتضفي
стр. 5429
ظلّها على من استجار بها واستغاثها، وتنطق ألسن أقلامها، بمواهب إنعامها، فتبذل طريفها وتراثها.
فتح الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تتخيّر من ذوي الأقلام، من يفتح أبواب الكلام، فتحا، وتهب جزيل الإنعام، لمن يستحقه من الكتّاب الأعلام، فينال بذلك ثناء وربحا، وتقرّب بيد العناية والإكرام، من ذوي الرياسة والاحترام، من هزّ على البلغاء قدحا.
فخر الدين- لا زالت آراؤه الشريفة تنصّب من المناصب، من يزيد بحسن مباشرته فخرها، وتمطي ظهور المراتب، من إذا أظلمت الأيام لعدم فاضل ظهر بفضيلته فجرها.
قطب الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تدير على قطب البلاغة من أرباب اليراعة نجوما، وتشير بعنايتها إلى من حاز من الفضل فنونا وأحيا من الآداب رسوما، وتنير بدور سعدها لمن لم يزل قلمه لأسرار الملك كتوما.
كريم الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تشمل من ذوي الفضائل من عدّ في فصله وأصله كريما، فتقدّم من لا له في البلاغة مماثل فلا يزال بكل فنّ عليما، وتنصّب في المناصب من فات قيس «١» الأوائل رأيا وفاق قسّا «٢» بحديث بلاغته قديما.
كمال الدين- لا زالت سعادته الباهرة، تطلع في سماء العلياء من فاق البدور كمالا، وأوامره القاهرة، تقدّم أسنى البلغاء جلالا، وأسمى صدقاته الوافية، تعمّ من ذوي الفضائل من زاد المناصب بحسن مباشرته مهابة وجمالا.
مجد الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تملّك أعنّة الأقلام، من تراه لها
стр. 5430
مجدا، وتودع بجيد الأيّام، من جواهر الفضلاء عقدا، وتشمل بأياديها الكرام، من إذا جمع البلغاء كان بينهم فردا.
محيي الدين- لا زالت أوامره الشريفة تشمل من البلغاء من شهر بفصل الخطاب، وإذا ماتت الفضائل يحييها، وغيث جوده [الهامي] «١» يفيض فيض السّحاب، فيبادر العفاة ويحيّيها، وعنايته تعم ذوي الألباب، فتمهّد رتب العزّ وتهيّيها.
موفّق الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تطلع كلّ هلال من اهتدى به كان موفّقا، وتملّك من يزري بابن هلال أنّى كتب: رقاعا ومحقّقا، وتفيض لراجيها أفضل نوال من شبّهه بالغيث كان محقّقا.
ناصر الدين- لا زال يقرّب من أضحى لأهل الكلام، بمرهفات الأقلام، ناصرا، ويهب طويل الإنعام، لمن باعه مديد في النّثر والنّظام، فما برح فضله وافرا، وينتخب من غدا شريعا لعادات الكرام، مضارعا لصفات الكتّاب الأعلام، وأصبح في البيان نادرا.
نجم الدين- لا زالت أوامره الشريفة تطلع في أفق السعادة، من ذوي السيادة، نجما، وتعمّ بجزيل الإفادة، من عرف بالفضل وبالإجادة، وفاق أقرانه نثرا ونظما، وتسمح من عنايتها بالإرادة، لمن هو أهل الحسنى وزيادة، فتجزل له من كرمها قسما.
نور الدين- لا زالت صدقاته الشريفة تعمّ بالنّوال، من هو في البراعة متّسع المجال، فيزيد الكلام نورا، وحسناته تشمل ذوي الآمال، بما يحمد في البدء والمآل، فتملأ القلوب سرورا، ومبرّاته تصل أولي الكمال، وتنتخب أخيار العمّال، فلا برح أنفذ الملوك أمورا.
стр. 5431
نظام الدين- لا زال يتخيّر من كان في الناس مجيدا، وفي البيان مجيدا، فحسن لفظه نظاما، ويهب من برّه مزيدا، لمن كان في الخدمة مريدا، فلا ينقض للنصيحة ذماما، ويبذل كرما مفيدا، لمن يراه في الفضل مبدئا ومعيدا، فحاز فخارا وطاب كلاما.
همام الدين- لا زال يرتضي من هو في فرسان اليراعة أنهض همام، ويقتضي وعد كرمه لمن نهض في الرياسة نهوض اهتمام، وينتضي عضد «١» ذهنه فيصيب مفصل كلّ كلام.
وليّ الدين- لا زال يحلّي أجياد المناصب من ذوي البلاغة، بمن يحسن في الكلام الصّياغة، فينظمه حليّا، ويجلّي كرب المراتب من فرسان اليراعة، بمن راح فضله ولفظه جليّا، ويولّي المناصب من غدا في البيان وافر البضاعة، فاتخذته الأقلام وليّا.
الضرب الرابع (من الوظائف التي يكتب فيها بالديار المصرية مشيخة الخوانق «٢» ، وكلّها يكتب بها تواقيع)
وهي على طبقات:
الطبقة الأولى (ما يكتب في قطع النصف ب «المجلس العالي» مفتتحا ب «الحمد لله» وهو مشيخة الشيوخ «٣» خاصّة)
واعلم أنّ مشيخة الشّيوخ كانت فيما تقدّم تطلق على مشيخة الخانقاه
стр. 5432
الصّلاحيّة، «سعيد السعداء» «١» فيكتب فيها بذلك. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن بنى السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» الخانقاه الناصريّة بسرياقوس «٢» ، استقرّت مشيخة الشيوخ على من يكون شيخا بها، والأمر على ذلك إلى الآن.
وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشّيوخ بالخانقاه الصّلاحية «سعيد السّعداء» بالقاهرة المحروسة باسم الشيخ شمس الدين بن النّخجوانيّ «٣» ، من إنشاء المقرّ الشهابيّ بن فضل الله العمريّ، وهي:
الحمد لله مرقّي أوليائه، وموقّي أصفيائه، وملقّي كلمة الإخلاص لمن تلقّى سرّها المصون عن أنبيائه.
نحمده على مصافاة أهل صفائه، وموافاة نعمنا لمن تمسّك بعهود وفائه، وتسلّك فأصبحت رجال كالجواهر لا تنتظم في سلكه ولا تعدّ من أكفائه، وطالع للدّين شمسا يباهي الشمس بضيائه، ويباهل البدر التّمام فيتغيّر تارة من خجله وتارة من حيائه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نعدّها ذخرا للقائه، وفخرا باقيا ببقائه، راقيا في الدرجات العلى بارتقائه.
ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله مبلّغ أنبائه، ومسوّغ الزّلفى لأحبّائه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان من أهل ولائه،
стр. 5433
ومن عرف به الله لمّا تفكّر في آلائه، صلاة يؤمّل دوامها من نعمائه، ويؤمّن عليها سكّان أرضه وسمائه، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى ما استقام به [الشخص على] «١» الطريقة «٢» ، واستدام به الرجوع إلى الحقيقة، واستام به يطمئن إلى خالقه لا إلى الخليقة، وحفظ أفقه بنيّر تستضيء به النيّرات، ونوء تتقسّم به الغمائم الممطرات- طائفة أهل الصّلاح، ومن معهم من إخوان أهل الصفاء الصّوفيّة داعي الفلاح، ومن تضمّهم من الواردين إليهم إلى جناح، والصادرين عنهم بنجاح، ومن تفتح له فيهم أبواب السماء، وتمنح بنفسهم عامة الخلق ملابس النعماء، ومن يكشف بتهجّدهم جنح كلّ ظلام، ويكسف بتوجّههم عارضة كلّ بدر تمام، ويستشفى ببركاتهم من داء كل سقام، ويستسقى بدعائهم إذا قصّر النّيل وقصّ جناحه الغمام. وهم أولياء الله وأحبّاؤه، وبهم يتعلّل كل لبيب هم سقامه وهم أطبّاؤه؛ أنحلهم الحبّ حتّى عادوا كالأرواح، وأشغلهم الحبّ «٣» بصوت كلّ حمام شجاهم لمّا غنّى وبرّح بهم لمّا ناح، وأطربهم كلّ سمع فوجدوا بكل شيء شجنا، وعذّبهم الهوى فاستعذبوا أن لا يلائموا وسنا، ومثّل فرط الكلف لهم الأحباب «٤» فما رأوا لهم حالا إلا حسنا، وأثقل تكرار الذّكرى قلوبهم فما عدّوا غربة غربة ولا وطنا وطنا؛ قرّبت المحبة «٥» لهم في ذات الله كلّ متباعد، وألّفت أشتاتهم فاختلفت الأسماء والمعنى واحد.
والخانقاه الصلاحيّة بالقاهرة المحروسة المعروفة ب «سعيد السعداء» -
стр. 5434
قدّس الله روح واقفها- هي قطب نجومهم السائرة، ومراكز أفلاكهم الدّائرة، وإليها تنحطّ رحّال سفّارهم، وعليها تحطّ رحال أسفارهم؛ تضطرب فرقهم في البلاد وإليها مرجعهم، وعليها مجتمعهم، وفيها مواضع خلواتهم، ومطالع جلواتهم «١» ، ومكان صلاتهم، وإمكان صلاتهم، ومشرق شموسهم، ومؤنق غروسهم، ومنهاج طريقتهم، ومعراج حقيقتهم «٢» ، مأوى هذه الطائفة الطائفة في شرق البلاد وغربها، وبعدها وقربها، وعجمها وعربها، ومن رفع سجوفها أو هو محجوب بحجبها، والمؤهّلة والعراب، وأهل الاغتراب؛ هي فسيحهم الرّحيب، وصفيحهم القريب، ومثالهم إذا اجتمعوا في الملإ الأعلى زمرا، واخترقوا المهامه وما جازوا بيداء ولا جابوا مقفرا، وبلغوا الغاية وما أزعج ركابهم حاد في ليل سرى، ووصلوا وما فارقوا فرشهم الممهّدة إلى ما وراء الورى؛ شرط كلّ خانقاه أن لا تغلق في وجه من ينزل فيها بابا، ولا تطيل جهاتها الممنّعة له حجابا، ولا تعجل مقاماتها المرفعة له قبل...... «٣» ......
وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشيوخ، وهي مشيخة الخانقاه الناصريّة بسرياقوس، مما كتب بذلك للشيخ نظام الدين الأصفهاني، من إنشاء السيد الشريف شمس الدين:
الطرّة توقيع شريف بأن يفوّض إلى المجلس العاليّ، الشيخيّ، النّظاميّ،
стр. 5435
إسحق ابن الشيخ المرحوم جلال الدين عاصم، ابن الشيخ المرحوم سعد الدين محمد الأصفهانيّ القرشيّ الشافعيّ- أدام الله النفع ببركته- مشيخة الخانقاه السعيدة الناصريّة بسرياقوس- قدّس الله روح واقفها- ومشيخة الشيوخ بالديار المصرية والبلاد الشاميّة والحلبيّة، والفتوحات الساحلية، وسائر الممالك الإسلاميّة المحروسة، على عادته في ذلك وقاعدته ومعلومه، وأن يكون ما يخصّ بيت المال من ميراث كلّ من يتوفّى من الصوفيّة بالخانقاه بسرياقوس للشيخ نظام الدين المشار إليه، بحيث لا يكون لأمين الحكم ولا لديوان المواريث معه في ذلك حديث، وتكون أمور الخانقاه المذكورة فيما يتعلّق بالمشيخة وأحوال الصوفيّة راجعة للشيخ نظام الدين المشار إليه، ولا يكون لأحد من الحكّام ولا من جهة الحسبة ولا القضاة في ذلك حديث معه، ولا يشهد أحد من الصوفية ولا ينتسب إلا بإذنه، على جاري عادته في ذلك على ما شرح فيه، وأوّله:
الحمد لله على نعمه التي ألّفت للصالحين من عباده نظاما، واستأنفت للصّائحين إلى مراده إحراما، وصرّفت أوامرنا بالعدل والإحسان لمن فوّض أموره إلى ربّه فأنجح له من مزيد التأييد مرادا ومراما، وعطفت بأوجه إقبالها الحسان على من هو متنزّه عن دنياه، متوجّه إلى أخراه، يمضي نهاره صياما وليله قياما.
نحمده على أن جعلنا نرعى للأولياء ذماما، ونسعى بالنّعماء إليهم ابتداء وإتماما، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع للمخلصين في علّيّين مقاما، وتدفع بأعمال الصّدق عن المتوكّلين عليه بأسا وأسقاما، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جعله للمتّقين إماما، وفضّله على النبيّين إجلالا وإعظاما، وكمله بالسّمات المكرّمات، والصّفات المشرّفات، مما لا يضاهى ولا يسامى، صلى الله عليه وعلى آله الذين شرفوا إضافة إلى نسبه الشريف وانضماما، ورضي الله عن أصحابه الذين عرفوا الحقّ فبذلوا في إقامته اجتهادا واهتماما، صلاة تجمّل افتتاحا واختتاما، وتجزل إرباحا وإنعاما، وسلّم تسليما كثيرا.
стр. 5436
وبعد، فشيمنا العدل والإنصاف، لمن له بيمن الأعراق اتصال وبحسن الأخلاق اتّصاف، ومن كرمنا الفضل والإسعاف، لمن لا خفاء في تعيّنه لتصدير التقديم وتكرير التكريم ولا خلاف، ومن سجايانا الجميلة أن لا تضاع حقوق من هو في الزّهادة والعبوديّة إمام، لألسنة الأيّام، بحلاه الحسنة إقرار واعتراف، ولمزايانا جميل المحافظة، وجليل الملاحظة، لمن توكّل على الله حقّ التوكّل فله انتصار بالله تعالى وانتصاف: لأنه العريق الأسلاف، الرّفيق بالضّعاف، الحقيق بتوفير التوفيق الذي له بحركاته المباركة اكتناف، المطيق النّهوض بأعباء الرّياسة: لأنّ للقلوب على محبّته ائتلاف، السّبوق إلى غايات الغلوات الذي تحفّ به في بلوغ آماد الإسعاد من الله تعالى ألطاف، والصّدوق النيّة مع الله تعالى فكم والى لنعمائه الزيادة والاستئناف.
وكان المجلس العاليّ الشيخيّ، الإماميّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأوحديّ، القدويّ، الورعيّ، الزاهديّ، الناسكيّ، الخاشعيّ، السالكيّ، الأصيليّ، العريقيّ، القواميّ، العلّاميّ، النّظاميّ: جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة المشايخ، مربّي السالكين، كنز الطالبين، موضّح الطريقة، مبيّن الحقيقة، شيخ شيوخ العارفين، بركة الملوك والسّلاطين، وليّ أمير المؤمنين، إسحق ابن الشيخ المرحوم فلان- أدام الله النفع ببركاته- هو المفوّض أموره إلى ربّه، المعرض عن الدنيا بباطنه وقلبه، المتعوّض بما عند الله من فضله فما زال الإيثار من شأنه ودأبه، إلى إخوانه وصحبه، فهو من الذين يطعمون الطعام على حبّه، ويلهمون من العمل المبرور إلى أقربه من الله وأحبّه، ويقومون الظّلام مع أولياء الله المخلصين وحزبه، ويستديمون الإنعام من الله تعالى بالإحسان إلى عباده ففرعهم لأصلهم في صنعهم مشبه، ويستسلمون لأحكام الله تعالى وكلّهم شاكر لربّه، على حلو القضاء ومرّه صابر على سهل الأمر وصعبه، سائر بالصّدق في شرق الوجود وغربه، مثابر على الحق في عجم الخلق وعربه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يوصّل الحقوق إلى مستحقّيها،
стр. 5437
ويجمل الوثوق بمن تتجمّل المراتب الدينية منه بترقّيها- أن يفوّض إلى المشار إليه مشيخة الخانقاه السعيدة الناصرية بسرياقوس- قدّس الله روح واقفها- ومشيخة الشيوخ بالديار المصرية، والبلاد الشاميّة والحلبية، والفتوحات الساحليّة، وسائر الممالك الإسلاميّة المحروسة، على عادته في ذلك وقاعدته ومعلومه، وأن يكون ما يخصّ بيت المال المعمور من ميراث كلّ من يتوفّى من الصّوفية بالخانقاه المذكورة للمشار إليه، بحيث لا يكون لأمين الحكم ولا لديوان المواريث معه في ذلك حديث، وتكون أمور الخانقاه المذكورة فيما يتعلّق بالمشيخة وأحوال الصوفيّة راجعة إليه، ولا يكون لأحد من الحكّام ولا من جهة الحسبة ولا القضاة في ذلك حديث معه، ولا يشهد أحد من الصّوفية ولا ينتسب إلا بإذنه على العادة في ذلك، ويكون ذلك معدوقا بنظره.
فليعد إليها عودا حميدا، وليفد من الإصلاح ما لم يزل مفيدا، وليعتصم بالله تعالى مولاه فيما تولّاه وقد آتاه الله تثبيتا وتسديدا، وليشهد بها من القوم المباركين من كان عوده قبل الصوم عيدا؛ وهو أعزّه الله تعالى المسعود المباشرة، المحمود المعاشرة، المشهود منه اعتماد الاجتهاد في الدنيا والآخرة، المعهود منه النّفع التامّ، في فقراء مصر والشام، فكم أثّر الخير وآثره، وكثّر البرّ وواتره، ويسّر السير الحسن الذي لم يبرح لسان الإجماع شاكره.
ونحن نوصيه عملا بما أمر الله تعالى به رسوله ﷺ في كتابه المبين، بقوله وهو أصدق القائلين: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«١» وإن كنا نتحقّق ما هو عليه من العلم والدّين، والحكم الرّصين، والزّهد والورع اللذين نحن منهما على بيّنة ويقين، باتّباع شروط الواقفين، والإمتاع بالعوارف أولياء الله العارفين:
فإنّه ما زال حيث حلّ في جميع الآفاق، واصلا للأرزاق، مواصلا بالأشواق، شاملا بالإرفاق، عاملا بالحقّ في إيصال الحقوق لذوي الاستحقاق. ونأمرهم
стр. 5438
أن يكون لهم على تكريمه اتّفاق، وفي متابعته اجتماع واتّساق؛ فإنّه شيخ الطّوائف، وإمام تقتبس منه اللّطائف، وتلتمس منه الهداية في المواطن والمواقف؛ والله تعالى يمتّع ببركاته الأمّة، ويسمع منه في الخلوات لنا الدّعوات التي تكون لأوراده المقبولة مفتتحة ومتمّة، ويصله بعنايته التي تقيّد الهمّ وتؤيّد الهمّة، ويجعله حيث كان للفقراء نعمة وبين الناس رحمة؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه.
الضرب الخامس (من أرباب الوظائف بالدّيار المصريّة بالحضرة- أرباب الوظائف العاديّة، وكلّها تواقيع)
وهي على طبقات:
الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع النصف بالمجلس العالي، وهو رئيس الأطبّاء المتحدّث عليهم في الإذن في التطّبب والعلاج والمنع من ذلك وما يجري هذا المجرى)
وهذه نسخة توقيع برياسة الطّبّ، وهي:
الحمد لله مؤتي الحكمة من يشاء من عباده، ومعطي أمانة الأرواح من ترقّى في حفظها إلى رتبة اجتهاده، وجاعل علم الأبدان أحد قسمي العلم المطلق في حالي اجتماعه وانفراده، وموفّق من جعل نصح خلق الله فيه سببا لسعادة دنياه وذخيرة صالحة ليوم معاده، [ومبلّغ من كان دائبا في إعانة البريّة على طاعة ربّها بدوام] «١» الصّحّة غاية مرامه وأقصى مراده، ورافع رتبة من دلّ
стр. 5439
اختياره واختباره على وفور علمه ونجح علاجه وإصابة رأيه وسداده.
نحمده على نعمه التي خصّت بنعمنا من كمل في نوعه وفصله وحسن في علمه وعمله قوله وفعله، وجمع من أمانة وظيفته ومعرفتها ما إذا جلس في أسنى مناصبها قيل: هذا أهله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرق البصائر، بأضوائها وتفرق «١» الضمائر، باخلاصها من أدوائها، وتغدق بيمنها أنواء التوفيق فتتأرّج رياض الإيمان بين روائها وإروائها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أنارت ملّته، فلم تخف على ذي نظر، وعلت أدلّته، فلم ينلها من في باع رويّته قصر، وبهرت معجزاته فلو حاولت الأنفاس حصرها أفناها العيّ والحصر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا لأدواء القلوب علاجا، ولسلسبيل الإيمان مزاجا، وللبصائر السائرة في دجى الشّبهات سراجا، صلاة دائمة الإقامة، متصلة الدّوام إلى يوم القيامة، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد: فإنّ صناعة الطّبّ علم موضوعها حفظ الأبدان النّفيسة، ومقصودها إعانة الطبيعة على حماية الأعضاء الرّئيسة، ومدارها الأعمّ، على معرفة العوارض وأسبابها، ومدركها الأتمّ، الوقوع على الصواب في معرفة الجسوم وأوصابها؛ وحينئذ تتفاوت رتب أهلها عند تشعّب مداركها، واختلاف مسالكها، وتشابه عللها، والتباس صوابها بخللها؛ إذ لا يميّز ذلك حقّ تمييزه إلا من طال في العلم تبحّره، وحسن في رتب هذا الفن تصدّره، وطابق بين نقله وعلاجه، وعرف حقيقة كل مركّب من الأدوية ومفرد بعينه واسمه وصفته ومزاجه، وتكرّرت عليه الوقائع فعرفها دربة وأحكمها نقلا، ولقّب بشرعة التقوى إذ كان الإقدام على النفوس قبل تحقّق الداء والدّواء مذموما شرعا وعقلا؛ ولذلك تحتاج إلى رئيس ينعم في مصالحها نظره، ويجمل في منافعها ورده وصدره، ويعتبر أحوال أهلها بمعيار فضله، ويلزم الداخل فيها ببلوغ الحدّ الذي لا بدّ منه
стр. 5440
بين أرباب هذا الشأن وأهله، ويعرف لأكابر هذا الفنّ قدر ما منحهم الله من علم وعمل، ويبسط رجاء المبتديء إذا كمّل نفسه حتّى لا يكون له فيها بغير كمال الاستحقاق طمع ولا أمل.
ولما كان المجلس السامي، القاضي، الأجلّ، الحكيم، فلان الدين: هو الذي بلغ من العلم غاية مراده، واحتوى من هذا الشان على ما جمع به رتب الفاضلين فيه على انفراده؛ فلو عاصره «الرئيس» «١» لاعتمد عليه في كلّيّات قانونه، أو «الرازيّ» «٢» لعلم أن. «حاويه» من بعض فنونه، قد حلب هذا العلم أشطره، وأكمل قراءة هذا الفنّ رموزه وأسطره، وحلّ أسراره الغامضة، وارتوى من سحب رموزه بأنواء لم يشم غير فكره بروقها الوامضة، وأسلف من خدمة أبوابنا العالية سفرا وحضرا ما اقتضى له مزيّة شكره، وتقاضى له مزيد التنبيه على قدره والتنويه بذكره، وحمد فيه الفريدان: صحة نقله وإصابة فكره، وعلم أنه جامع علوم هذه الصّناعة فلا يشذّ منها شيء عن خاطره ولا يغيب منها نقل عن ذكره.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال شهاب فضله لامعا، وسحاب برّه هامعا- أن يكون فلان متولّي رياسة الأطباء بالديار المصرية على عادة من تقدّمه.
فليباشر هذه الرياسة ناظرا في مصالحها، مطلعا من شهاب فضله ما يزين أفقها زينة السماء بمصابيحها، متفقّدا أحوال مباشريها، متلمّحا أحوال المستقلّ بأعبائها والداخل فيها، سالكا في ذلك سبيل من تقدّمه من رؤسائها، حاكما في أمورها بما جرت به العادة المستقرّة بين أكابرها وعلمائها، مطارحا من قدمت هجرته فيها بما يقتضي له مراجعة أصوله، ملزما من ظهر قصوره فيها بالتدرّب
стр. 5441
إلى حدّ لا يقنع منه بدون حصوله، مجيبا في الإذن لمن أظهر الاستحقاق صدق ما ادّعاه، قابلا في الثّبوت من مشايخ هذه الصّناعة من لا يشهد إلا بما علمه ولا يخبر من التدرّب إلا بما رآه ووعاه، متحرّيا في الثّبوت لدينه، آذنا بعد ذلك في التصرّف إن ترقّى علمه باستحقاقه إلى رتبة تعيينه؛ وليعط هذه الوظيفة حقّها من تقديم المبرّزين في علمها، وتكريم من منحه الله درجتي نقلها وفهمها، وتعليم من ليس عليه من أدواتها المعتبرة غير وسمها واسمها، ومنع من يتطرّق من الطّرقية «١» إلى معالجة وهو عار من ردائها، وكفّ يد من يتهجّم على النفوس فيما غمض من أدوائها قبل تحقّق دوائها، واعتبار التقوى فيمن يتصدّى لهذه الوظيفة فإنّها أحد أركانها، واختيار الأمانة فيمن يصلح للاطلاع على الأعضاء التي لولا الضرورة المبيحة حرم الوقوف على مكانها؛ وليكن في ذلك جميعه مجانبا للهوى، ناويا نفع الناس فإنما لامريء ما نوى؛ والله تعالى يحقّق له الأمل، ويسدّده في القول والعمل، بمنّه وكرمه.
قلت: وربّما افتتح توقيعها ب «أما بعد حمد الله» .
وهذه نسخة توقيع برياسة الطّب، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، كتب بها ل «شهاب الدين الحكيم» في المحرّم سنة تسع وسبعمائة، وهي:
أمّا بعد حمد الله حاسم أدواء القلوب بلطائف حكمته، وقاسم أنواع العلوم بين من كمل استعدادهم لقبول ما اقتضته حكمة قسمته، وجاعل لباس العافية من نعمه التي هي بعد الإيمان أفضل ما أفاض على العبد من برّه وأسبغ عليه من نعمته، والمنزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته، ومقرّب ما نأى من الفضائل على من أسرى إليها على مطايا عزمه وسرى لتحصيلها على جياد همّته، وملهم آرائنا بتفويض أمانة الأرواح إلى من
стр. 5442
أنفق في خدمة الطبيعة أيّام عمره فكان بلوغ الغاية في علمها نتيجة خدمته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي شرح الله بالهدى صدور أمّته، وخصّه منهم بأعلام كلّ علم وأئمته، وجلا بيقين ملّته عن كلّ قلب ما ران عليه من الشّك وغمّته، وعلى آله وصحبه الذين حماهم من الزّيغ والزّلل ما فجّر الهدى لهم من جوامع الكلم وأفاض التّقى عليهم من أنوار عصمته- فإنّ أولى الأمور أن يعتمد فيها على طبيبها الخبير، ويصان جوهرها عن عرض العرض على غير ناقدها البصير، وتحمى مواردها عمن لم يعرف كيف يجتنب مواقع التكدير، وترفع كواكبها عمّن لم تدرك أفكاره دقائق الحوادث وحقائق التأثير- أمر صناعة الطّب التي موضوعها الأبدان القائمة بالعبادة، والأجسام القائمة بما يتعاقب عليها من الحوادث والزّيادة، والنّفوس التي ما عنها إن حصل فيها التفريط بدل ولا عوض، والأرواح التي إن عرض الفناء لجوهرها فلا بقاء بعده للعرض، والطبيعة التي إن خدمت على ما يحبّ نهضت على ما يجب بالصّحّة حقّ النّهوض، والأمزجة التي إن نفرت لعدم التأتّي في سياستها أعجزت من يروض.
ولذلك تفتقر على كثرة أربابها، وتحتاج مع غزارة المتمسّكين بأسبابها، وتضطرّ وإن اندفعت الضرورات بكثرة متقنيها، وتتشوّف وإن وجد الجمّ الغفير من المتلبّسين بأدواتها والمتبحّرين فيها- إلى رئيس ينعم في اعتبار أكفائها النّظر، ويدفع عن رتبتها بتطرّق غير أهلها الغير، ويعرف من أحوال مباشريها ما لا يكفي في خبرها الخبر؛ فلا يقبل إلا من علم مقدار علمه، ووثق مع الحفظ بصحّة فهمه، ورضي عن خبره في الطّبّ واجتهاده، واعتبر منه كل نوع تحت أجناسه المتعدّدة على حدته وانفراده، وجاراه في كلّيّات الفنّ فرآه في كلّ حلبة راكضا، وطارحه في فصول العلم فوجده بحمل أعباء ما تفرّع منها ناهضا، واختبر دربته فوجدها موافقة لتحصيله، مطابقة لما حواه من إجمال كلّ فنّ وتفصيله، وتتبّع مواقع دينه فوجدها متينة، ومواضع أمانته فألفاها مكينة، وأسباب شفقته ونصحه فعرف أنها على ما جمع من الأدوات الكاملة معينة؛ ويتعيّن أن يكون هذا «الرئيس» في أوانه، و «الرازيّ» في زمانه، و «الفارابيّ» في كونه
стр. 5443
أصلا تتفرّع فنون الحكم من أفنانه؛ علاجه شفاء حاضر، [وكلاءته] «١» نجاة من كل خطر مخامر، وتدبيره للصحّة تقويم، وتصفّحه تثقيف لعلماء الصّناعة وتسليم، ودروسه ذخائر ينفق من جواهر حكمها كلّ حكيم.
ولما كان المجلس العاليّ الصّدريّ، الشّهابيّ، هو المراد بالتعيّن لهذه الوظيفة، والمقصود بما أشير إليه في استحقاق هذه الرتبة من عبارة صريحة أو كناية لطيفة، وأنّه جمع من أدوات هذا الفن ما افترق، واحتوى على أصوله وفروعه فاجتمعت على أولويّته الطوائف واتّفقت على تفضيله الفرق؛ فلو عاصره «أبقراط» لقضى له في شرح فصوله بالتّقدمة، ولو أدرك «جالينوس» لاقتدى في العلاج بما علّمه؛ مع مباشرة ألّفت بين الصحّة والنّفوس، وملاطفة أشرقت مواقع البرء بها في الأجساد إشراق الشّموس، واطّلاع يعرف به مبلغ ما عند كلّ متصدّ لهذه الصناعة من العلم، وتبحّر في الفنون لا يسلّم به لأحد دعوى الأهلية إلا بعد حرب جدال هو في الحقيقة عين السّلم- فرسم بالأمر العاليّ أن يستقرّ فلان في رياسة الأطبّاء الطبائعيّة بالديار المصرية والشام المحروس، على عادته وعادة من تقدّمه في ذلك، ويكون مستقلّا فيها بمفرده.
فلينظر في أمر هذه الطائفة نظرا تبرأ به الذّمّة، ويحصل به على رضا الله تعالى ورضا رسوله ﷺ في الشّفقة على الأمّة، ويعطي به الصناعة حقّها، ويطلق من يد من تطاول إليها بغير أهليّة رقّها، ويصون النفوس من إقدام من تقدّم بغير خبرة كاملة عليها، ويذبّ عن الأرواح تطرّق من يتطرّق بغير معرفة وافرة إليها، فإنّ فارط التفريط في النفوس قلّ أن يستدرك، ومن لم تجتمع فيه أدوات المعرفة التامة والدّين فما ينبغي له أن يدخل في المعالجة قبل الكمال وإن دخل فلا يترك؛ فإنّ من لازم صلاح الأرواح صلاح الأجساد، وإنّ الداء الذي لا دواء له أن تكون العلّة في واد والمعالجة في واد، فلا يقبل في التزكية إلا من يثق بدينه كوثوقه بعلمه، ولا يصرّف أحدا في هذه الصناعة إلا الذين زكت أعمالهم قبل
стр. 5444
التزكية؛ وليشفعها بالامتحانات التي [تسفر عن وجوه الوثوق بالأهلية لثام] «١» دقائقها المنكية، فإنّ العيان شاهد لنفسه، ومن لم تنفعه شهادة فعله في يومه لم ينفعه غيره في أمسه، ولا يمض فيها حكما قبل استكمال نصاب الشّهادة، وقبل التثبّت بعد كمالها: فإنّ المعالجة محاربة للدعاء والموت بجهالة المحارب له شهادة، وليأمر من ألجيء إلى معالجة مرض لا يعرفه بمتابعة من هو أوفق منه بالتقديم، ومراجعة من هو أعلم منه به: فإنّ الحوادث قد تختلف وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
«٢» وملاك الأمور تقوى الله فليجعلها حجّته فيما بين الله وبينه، والافتقار إلى توفيقه فليصرف إلى ذلك قلبه وعينه؛ والخير يكون إن شاء الله تعالى.
وهذه وصية متطبّب طبائعيّ، أوردها في «التعريف» قال:
وليتعرّف أوّلا حقيقة المرض بأسبابه وعلاماته، ويستقص أعراض المريض قبل مداواته، ثم ينظر إلى السّنّ والفصل والبلد؛ ثم إذا عرف حقيقة المرض، وقدر ما يحتمله المزاج من الدواء لما عرض، يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوى. ولا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدّواء، ولا يقدم على الأبدان إلا بما يلائمها، ولا يبعد الشبه، ولا يخرج عن جادّة الأطبّاء ولو ظنّ الإصابة حتّى يقوى لديه الظنّ ويتبصّر فيه برأي أمثاله، وليتجنّب الدّواء، ما أمكنه المعالجة بالغذاء، والمركّب، ما أمكنه المعالجة بالمفرد؛ وإيّاه والقياس إلّا ما صحّ بتجريب غيره في مثل مزاج من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنّه، وفصله، وبلده، ودرجة الدّواء. وليحذر من التجربة، فقد قال أبقراط وهو رأس القوم: إنها خطر. ثم إذا اضطرّ إلى وصف دواء صالح للعلّة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلّت، وتحيّل لإصلاحه بوصف
стр. 5445
يصلح معه، مع الاحتراز في وصف المقادير والكمّيات والكيفيّات، في الاستعمال والأوقات، وما يتقدّم ذلك الدواء أو يتأخّر عنه. ولا يأمر باستعمال دواء، ولا ما يستغرب من غذاء، حتّى يحقّق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه: ليعرف مقدار قوّته في الفعل. وليعلم أنّ الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها، وأن الطبيعة مكافية وبؤسى لمن ظلمها، وقد سلّم الأرواح وهي وديعة الله في هذه الأجسام، [فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام] «١» وإيّاه ثم إيّاه أن يصف دواء ثم [يكون هو الذي] «٢» يأتي به، أو يكون هو الذي يدلّ عليه، أو المتولّي لمناولته للمريض ليستعمله بين يديه، وفي هذا كلّه لله المنّة ولنا إذ هديناه له وأرشدناه إليه.
وهذه نسخة توقيع برياسة الكحّالين...... «٣» ....
الضرب السادس (من أرباب الوظائف بالديار المصرية) زعماء أهل الذمة
ويكتب لجميعهم تواقيع في قطع الثلث بألقابهم السابقة مفتتحة ب «أما بعد حمد الله» .
ويشتمل هذا الضرب على ثلاث وظائف:
الوظيفة الأولى (رآسة اليهود)
وموضوعها التحدّث على جماعة اليهود والحكم عليهم، والقضاء بينهم
стр. 5446
على مقتضى دينهم وغير ذلك.
وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل أنّ الموجودين من اليهود ثلاث طوائف: وهم الرّبّانيّون، والقرّاؤون، والسامرة «١» وقد جرت العادة أن يكون الرئيس من طائفة الرّبّانيّين دون غيرهم، وهو يحكم على الطوائف الثلاث.
وهذه نسخة توقيع «٢» برآسة اليهود، من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:
أما بعد حمد الله الذي جعل ألطاف هذه الدولة القاهرة تصطفي لذمّتها من اليهود رئيسا فرئيسا، وتختار لقومها كما اختار من قومه موسى، وتبهج لهم نفوسا كلّما قدّمت عليهم نفيسا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبيّ الأميّ، والرسول الذي أجمل الوصيّة بالملّيّ والذّمّيّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما هطل وبليّ «٣» ، وما نزل وسميّ «٤» - فإنّ معدلة هذه الدولة تكتنف «٥» الملل والنّحل بالاحتياط، وتعمّهم من إنصافها وإسعافها بأوفر الأنصباء وأوفى الأقساط، وتلمّهم من حادث الزمن إذا اشتطّ ومن صرفه إذا شاط، وتضمّهم كما
стр. 5447
ضمّت البنوّة إلى جناح النّبوّة الأسباط، لا تزال ترقب الإلّ «١» والذّمة، في المسلمين وأهل الذّمّة، وتقضي لهم بحسن الخيرة ورعاية الحرمة، وتبيحهم من أمر دينهم ما عليه عوهدوا، وتمنحهم من ذلك ما عليه عوقدوا، وتحفظ نواميسهم بأحبار تحمد موادّهم إذا شوفهوا وتحسن مرآهم إذا شوهدوا: من كل إسرائيليّ أجمل للتوراة الدّراسة، وأحسن لأسفار أنبيائه اقتباسه وأجمل التماسه، ومن نبّهته نباهته للتقدمة فما طعم اجتهاده يوما حتّى صار وجه الوجاهة في قومه ورأس الرّأسة، فأصبح [فيهم] معدوم النظير، معدودا منهم بكثير، وموصوفا بأنه في شرح أسفار عبرانية «٢» حسن التفسير، واستحقّ من بين شيعته أن يكون رأس الكهنة، وأن تصبح القلوب في مجامعهم بحسن منطقه مرتهنة، وبأن للجهالة بتثقيفه لشيعته تحجّب «٣» عقائدهم عن أن تغدو ممتهنة.
ولما كان فلان «٤» هو لمحاسن هذا التقريظ بهجة، ولجسد هذا التفويض مهجة، ولممادح هذا الثناء العريض لهجة، ولعين هذا التعيين غمضها، وليد هذه الأيادي بسطها وقبضها، ولأبكار أفكار هذه الأوصاف متقاضيها ومقتضّها، ومن أدنيت قطاف النعماء ليد تقدمته «على غيظ من غصّ منها» واجتنى غضّها- اقتضى حسن الرأي الشريف أن يميّز على أبناء جنسه حقّ التمييز، وأن يجاز له من التنويه والتنويل أجلّ ما جيز.
ورسم بالأمر الشريف- لا زال يختار فيجمل الاختيار، ويغدو كالغيث الذي يعمّ بنفعه الرّبا والوهاد والأثمار والأشجار- أن تفوّض إليه رآسة اليهود على اختلافهم: من الرّبّانيين، والقرّائين، والسامرة بالديار المصريّة حماها الله
стр. 5448
وكلأها. فليجعل أسبابهم بالتّقوى تقوى، وغروسهم بالتدبير لا تذوى، ومقاصدهم لا يمازجها شكّ ولا شكوى، ولينزل عليهم منّا منّا يسليهم صنعا حتّى لا يفارقوا المنّ والسّلوى؛ وليتق الله فيما يذره ويأتيه، ويحسن في اجتلاب القلوب واختلابها تأتّيه؛ وإيّاه والتّيه حتّى لا يقال: كأنّه بعد لم يخرج من التّيه»
وجماعة الرّبانيّين فهم الشّعب الأكبر، والحزب الأكثر؛ فعاملهم بالرّفق الأجدى والسّرّ الأجدر، ولكونك منهم لا تمل معهم على غيرهم فيما به من النفس الأمّارة تؤمر.
وجماعة القرّائين فهم المعروفون في هذه الملّة، بملازمة الأدلّة، والاحتراز في أمر الأهلّة «٢» ، فانصب لأمرهم من لم يتولّه حين يتولّه؛ ومن كان منهم له معتقد فلا يخرج عن ذلك ولا يحرج، ولا يلجم منهم بلجام من نار إنكار من في ليلة سبته [بيته] «٣» عليه لا يسرج.
والسامرة فهم الشّعب الذين آذن التنظيف أهله بحروبه، ولم يك أحدهم لمطعم لكم ولا مشرب بأكوله ولا شروبه؛ فمن قدرت على ردّه بدليل من مذهبك في شروق كل بحث وغروبه، فاردده من منهج تحيّده عن ذلك وهروبه، وإلا فقل له: يا سامريّ بصرت بما لم تبصروا به. [وليكن حكمك فيهم بالبتّ] «٤» ، وارفق بهم فإن «المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» «٥» فإيّاك أن
стр. 5449
تكون ذلك المنبتّ، ومرهم بملازمة قوانينهم كيلا يعدو أحد منهم في السّبت، واجعل أمور عقودهم مستتبّة، وأحسن التحرّي والتحرير لهم في إتقان كل كتبة؛ ولا تختر إلا الأعيان، من كل خزّان وديّان؛ ومن كان له من داود ﵇ لحمة نسب، وله به حرمة نسب، فارع له حقّه، وأصحبه من الرّفق أكرم رفقة.
والجزية فهي لدمائكم وأولادكم عصمة، وعلى دفاعها لا دافعها وصمة، ولأجلها ورد: «من آذى ذمّيّا كنت خصمه» ، وهي ألمّ من السيف إجارة، وهي أجرة سكنى دار الإسلام كما هي لاستحقاق المنفعة بها إجارة؛ فأدّوها، وبها نفوسكم فادوها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«١» ، فعدّوا ألطاف الله بها ولا تعدوها؛ وداوم على مه «٢» ، زجرا لتارك علامة «٣» ؛ ومن قصد منها خلاصه، فقل له في الملإ: ماذا خلا؟ صه؛ ومن ركن في أمرها إلى الإخلاد والإخلال، وسكن إلى الإهمال، ولم يرض بأنّ راية الذّلّة الصفراء على رأسه تشال، فأوسعه إنكارا، وألزمه منها شعارا؛ وإن قام بنصره منهم معشر خشن فأرهم بعد العلامة خشكارا «٤» ؛ وخذهم بتجنّب الغشّ الذي هو للعهد مغيّر ومغيّب، واكفف من هو بما ينافيه معيّر ومعيّب؛ وأما من هو مجيب لذلك فهو لقصده محبّب، وانقل
стр. 5450
طباعهم عن ذلك وإن أبت عن التناقل [فانتقامنا يتلو] «١» : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
«٢» وقد علم أن الذي تتعاطونه من نفخ في البوق إنما هو كما قلتم للتّذكار، فاجتهدوا أن لا يكون لتذكار العجل الحنيذ «٣» الذي له خوار؛ هذه وصايانا لك ولهم فقل لهم: هذه موهبة الدولة وإحسانها إليكم، ولطفها بكم وعاطفتها عليكم، وبصّرهم بذلك كلّما تلا إحساننا إليهم: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ*
«٤» وهذه نسخة توقيع برآسة اليهود أيضا:
أمّا بعد حمد الله على أن جعل ملاحظة هذه الدولة القاهرة لجميع الملل ناظرة، وإحسانها لا يغفل مصلحة لأولي الأديان غائبة ولا حاضرة، والصلاة على سيدنا محمد الذي جعل ذمّته وعهده وفيّين لكل نسمة مؤمنة وكافرة- فإنّ الله تعالى لما مدّ رواق عدل هذه الأيام الشريفة على كل معاهد: من متقرّب ومتباعد، وساوى بينهم في النظر الذي صدق الرأي وصدّق الرائد- اقتضى جميلها أن يسهم لكلّ من أهل الذمة أوفر نصيب، وأن لا يقال لأحد منهم من الإجحاف ما يريب، وأن لا تكون أمورهم مضاعة، ولا تعبّداتهم مراعة، ولا شرائعهم غير مصونة، ولا أحكامهم عارية [عن] «٥» حسن معونة؛ وكانت جماعة اليهود وإن كانوا أولي غيّ، وصدق النصارى فيهم وصدقوا في النصارى من أنّهم ليسوا على شيّ، لا بدّ لهم من مباشر يأخذهم بالأمر الأحوط، والناموس
стр. 5451
الأضبط، والمراسيم التي عليهم تشرط؛ وكان الذي يختار لذلك ينبغي أن لا يكون إلا من أكبر الكهنة وأعلم الأحبار، وممن عرف من دينهم ما لأجله يصطفى ولمثله يختار، وممّن فيه سياسة تحجزه عن المضارّ، وتحجبه عن الاستنفار، وكان فلان الرئيس هو المتميّز بهذه الأوصاف على أبناء جنسه، وله وازع من نفسه، ورادع من حسن حدسه، وخدمة في مهمّات الدولة يستحقّ بها الزيادة في أنسه، وهو من بين جماعته مشهور بالوجاهة، موصوف بالنّباهة، ذو عبرانيّة حسنة التعبير، ودراسة لكتب أهل ملّته على ما فيها من التغيير- اقتضى جميل الاختصاص المنيف، أن يرسم بالأمر الشريف- لا برح يرقب الإلّ والذّمّة، ويرعى للمعاهدين الحرمة- أن تفوّض إليه رآسة اليهود الرّبّانيين والقرّائين والسامرة، على عادة من تقدّمه.
فليباشر ذلك مستوعبا أمورهم كلّها، مستودعا دقّها وجلّها، مباشرا من أحوالهم ما جرت عادة مثله من الرّؤساء أن يباشر مثلها، غير مفرّط في ضبط ناموس من نواميس المملكة، ولا مغفل الإنكار على من «١» يتجاوز ذلك إلى موارد الهلكة؛ ومن فعل ما يقضي بنقض عهده، فعليه وعلى مستحسنه له من المقاتلة ما يتّعظ به كلّ من يفعل ذلك من بعده؛ بحيث لا يخرج أحد منهم في كنيسته ولا في يهوديّته ولا في منع جزيته عن واجب معهود، ومن خالف فوراء ذلك من الأدب ما تقشعرّ منه الجلود؛ وما جعلهم الله ذمّة للمسلمين إلا حقنا لدمائهم، فلا يبحها أحد منهم فتجتمع له شماته أهل الأديان من أعدائهم بأعدائهم- والوصايا كثيرة وإنما هذه نخبتها الملخّصة، وفيها من حساب الإحسان إليهم ما تغدو به أيّام الإمهال لهم ممحّصة، والله يوفّقه في كل تصرّف مرغوب، وتأفف من مثله مطلوب، بمنه وكرمه!.
стр. 5452
وهذه وصية لرئيس اليهود أوردها في «التعريف» وهي:
وعليه بضمّ جماعته، ولمّ شملهم باستطاعته، والحكم فيهم على قواعد ملّته، وعوائد أئمته، في الحكم إذا وضح له بأدلّته، وعقود الأنكحة وخواصّ ما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر فيها إلى الرضا من الجانبين في العقد والطّلاق، وفيمن أوجب عنده حكم دينه عليه التّحريم، وأوجب عليه الانقياد إلى التحكيم، وما أدّعوا فيه التواتر من الأخبار، والتظافر على العمل به مما لم يوجد فيه نصّ وأجمعت عليه الأحبار، والتوجّه تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، ومكان تعبّد أهل ملّتهم، والعمل في هذا جميعه [بما شرعه موسى الكليم، والوقوف معه] «١» إذا ثبت أنه فعل ذلك النبيّ الكريم، وإقامة حدود التّوراة على ما أنزل الله من غير تحريف؛ ولا تبديل كلمة بتأويل ولا تصريف، واتباع ما أعطوا عليه العهد، وشدّوا عليه العقد، وأبقوا فيه ذماءهم «٢» ، ووقوا به دماءهم؛ وما كانت تحكم به الأنبياء والربّانيّون، ويسلّم إليه الإسلاميّون منهم ويعبّر عنه العبرانيّون؛ كلّ هذا مع إلزامه لهم بما يلزمهم من حكم أمثالهم أهل الذمّة الذين أقرّوا في هذه الدّيار، ووقاية أنفسهم بالخضوع والصّغار، ومدّ رؤوسهم بالإذعان لأهل ملّة الإسلام، وعدم مضايقتهم في الطّرق وحيث يحصل الالتباس بهم في الحمّام، وحمل شعار الذمّة الذي جعل لهم حلية العمائم، وعقد على رؤوسهم لحفظهم عقد التّمائم؛ وليعلم أنّ شعارهم الأصفر، موجب لئلا يراق دمهم الأحمر، وأنّهم تحت علم علامته آمنون، وفي دعة أصائله ساكنون؛ وليأخذهم بتجديد صبغه في كلّ حين؛ وليأمرهم بملازمته ملازمة لا تزال علائمها على رؤوسهم تبين، وعدم التظاهر لما يقتضي المناقضة، أو يفهم منه المعارضة، أو يدع فيه غير السّيف وهو إذا كلّم شديد العارضة؛ وله ترتيب طبقات أهل ملّته من الأحبار فمن دونهم على قدر استحقاقهم، وعلى ما لا
стр. 5453
تخرج عنه كلمة اتّفاقهم؛ وكذلك له الحديث في جميع كنائس اليهود المستمرّة إلى الآن، المستقرّة بأيديهم من حين عقد عهد الذمة ثم ما تأكّد بعده لطول الزمان، من غير تجديد متجدّد، ولا إحداث قدر متزيّد؛ ولا فعل شيء مما لم تعقد عليه الذّمّة، ويقرّ عليهم سلفهم الأوّل سلف هذه الأمّة، وفي هذا كفاية وتقوى الله وخوف بأسنا رأس هذه الأمور المهمّة.
[وصية رئيس السامرة] «١» :
ولا يعجز عن لمّ شعث طائفته مع قلّتهم، وتأمين سربهم الذي لو لم يؤمّنوا فيه لأكلهم الذئب لذلّتهم؛ وليصن بحسن السّلوك دماءهم التي كأنما صبغت عمائمهم الحمر منها بما طلّ، وأوقد لهم منها النار الحمراء فلم يتّقوها إلا بالذّلّ، وليعلم أنهم شعبة من اليهود لا يخالفونهم في أصل المعتقد، ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد؛ ولولا هذا لما عدّوا في أهل الكتاب، ولا قنع منهم إلا بالإسلام أو ضرب الرّقاب؛ فليبن على هذا الأساس، [ولينبيء قومه أنّهم منهم وإنما الناس أجناس] «٢» ، وليلتزم من فروع دينه ما لا يخالف فيه إلا بأن يقول لا مساس؛ وإذا كان كما يقول: إنه كهارون ﵇ فليلتزم الجدد، وليقم من شرط الذمّة بما يقيم به طول المدد، وليتمسّك بالموسويّة من غير تبديل، ولا تحريف في كلم ولا تأويل، وليحص عمله فإنه عليه مسطور، وليقف عند حدّه ولا يتعدّ طوره في الطّور، وليحكم في طائفته وفي أنكحتهم ومواريثهم وكنائسهم القديمة المعقود عليها بما هو في عقد دينه، وسبب لتوطيد قواعده في هذه الرتبة التي بلغها وتوطينه.
стр. 5454
الوظيفة الثانية (بطركيّة النّصارى الملكيّة «١» ، وهم أقدم من اليعاقبة)
وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل أنهم أتباع ملكا «٢» الذي ظهر قديما ببلاد الرّوم، وأنّ الروم والفرنج كلّهم اتباعه، وبالديار المصريّة منهم النّزر اليسير، ولهم بطرك يخصّهم.
وهذه نسخة توقيع لبطرك الملكيّة:
أمّا بعد حمد الله منوّع الإحسان، لأولي الأديان، ومؤصّله ومفرّعه لكلّ طائفة ولكل إنسان، والصلاة على سيدنا محمد الذي أباد الله به من أباد وأبان من عهده وذمّته من أبان- فإنّ الطائفة الملكيّة من النصارى لمّا كانت لهم السابقة في دينهم، ولهم أصل الرآسة والنّفاسة في تعيينهم، وما برحت لهم في الكلاءة والحفظ قدم السابقة، ورتبة بملوكهم الرّومانيّة سامقة، وما زالت لهم خدم الدول إلى أغراضها متساوقة ومتسابقة، ولهم جوار مشكور، وتبتّل مشهور، وعليهم وصايا من الملوك في كل ورود وصدور، ولهم من نفوسهم مزايا تستوجب احترامهم، وتستدعي إكرامهم، وكان لا بدّ لهم من بطريرك يلاحظ أحوالهم أتمّ الملاحظة، ويستدعي لهم من الدّولة أعظم محافظة، ويحفظ نواميس قبيلهم، ويحسن دراسة أناجيلهم، ويعرّفهم قواعد معتقداتهم، ويأخذهم بالدّعاء لهذه الدولة القاهرة في جميع صلواتهم، ويجمعهم على سداد، ويفرّقهم على مراد، وكان البطريرك فلان هو المتّفق بين طائفته على تعيينه، والمجمع على إظهار استحقاقه وتبيينه، والذي له مزايا لو كان فيه واحدة
стр. 5455
منها لكفته في التأهيل، ولرفعته إلى منصبه الجليل. فلذلك رسم.... الخ- لا برح يعطي كلّ أحد قسطه، ويدخل كلّ لأبوابه ساجدا وقائلا حطّة «١» - أن يباشر بطركيّة النصارى الملكية على عادة من تقدّمه من البطاركة السالفة بهذه الدولة.
فليحط أمورها الجزئيّة والكليّة، والظاهرة والخفيّة، وليأخذهم بما يلزمهم من قوانين شرعتهم، وكلّ ما يريدون من حسن سمعتهم؛ وأما الدّيرة والبيع والكنائس التي للملكية فمرجعها إلى صونه، وأمرها مردود إلى جميل إعانته وعونه؛ والأساقفة والرّهبان فهم سواد عين معتقده، وخلاصة منتقده، فلا يخلهم من تبجيل، وحسن تأهيل، وتتقدّم إلى من بالثغور من جماعتك بأن لا يدخل أحد منهم في أمر موبق، ولا في مشكل موثق، ولا يميلون كلّ الميل إلى غريب من جنسهم، وليكن الحذر لغدهم من يومهم وليومهم من أمسهم، ولا يشاكلون رسولا يرد، ولا قاصدا يفد؛ وطريق السلامة أولى ما سلك، ومن ترك الدخول فيما لا يعنيه ترك؛ هذه جملة من الوصية لامعة أفلح واهتدى من بها استنار، ورشد من لها استشار؛ والله يوفّقك في كل مقصد تروم، ويجعلك بهذه الوصايا تقول وتقوم.
وهذه وصية لبطرك الملكية أوردها في «التعريف» وهي:
وهو كبير أهل ملّته والحاكم عليهم ما امتدّ في مدّته، وإليه مرجعهم في التحريم والتحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل في التوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشريعته مبنيّة على المسامحة والاحتمال، والصبر على الأذى وعدم الاكتراث به والاحتفال، فخذ نفسك في الأوّل بهذه الآداب، واعلم بأنك في المدخل
стр. 5456
إلى شريعتك طريق إلى الباب؛ فتخلّق من الأخلاق بكلّ جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنّه قليل؛ وليقدّم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل الفصل البتّ فإنّ الصلح كما يقال سيّد الأحكام، وهو قاعدة دينه المسيحيّ ولم تخالف فيه المحمّديّة الغراء دين الإسلام، ولينظّف صدور إخوانه من الغلّ ولا يقنع بما ينظّفه ماء المعموديّة من الأجسام؛ وإليه أمر الكنائس والبيع، وهو رأس جماعته والكلّ له تبع؛ فإيّاه أن يتخذها له تجارة مربحة، أو يقتطع بها مال نصرانيّ يقرّبه فإنه ما يكون قد قرّبه إلى المذبح وإنما ذبحه؛ وكذلك الدّيارات وكل عمر «١» ، والقلاليّ «٢» فيتعيّن عليه أن يتفقّد فيها كلّ أمر؛ وليجتهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشّبهات، وليعلم أنهم إنما اعتزلوا فيها للتعبّد فلا يدعها تتّخذ متنزّهات؛ فهم إنما أحدثوا هذه الرّهبانيّة للتقلّل في هذه الدنيا والتعفّف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتّى إنّ أكثرهم إذا دخل فيها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذّرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن بالنساء حراما ويكون إنما تنزّه عن الحلال؛ وإيّاه ثم إيّاه أن يؤوي إليها من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب، [ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد عليه من أحد من الملوك،] «٣» ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السّلوك، وليتجنّب البحر وإيّاه من اقتحامه فإنه يغرق، أو تلقّي ما يلقيه جناح غراب منه فإنه بالبين ينعق؛ والتقوى مأمور بها أهل كلّ ملّة، وكلّ موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكناية ما يغني عن التّصريح، وفيها رضا الله تعالى وبها أمر المسيح.
стр. 5457
الوظيفة الثالثة (بطركيّة اليعاقبة)
«١» وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل الخلف في نسبتهم: فقيل إنهم أتباع ديسقرس، وإنه كان اسمه في الغلمانيّة يعقوب، وقيل أتباع يعقوب البردعاني، وقيل غير ذلك، والأصحّ عند المؤرّخين الأوّل. وبطركهم يحكم على طائفة اليعاقبة، وجميع نصارى الحبشة أتباعه، وفي طاعته ملك الحبشة الأكبر، وعنه تصدر ولايته.
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى اليعاقبة:
أما بعد حمد الله الذي أظهر دين الإسلام على الدّين كلّه، وأصدر أمور الشرائع عن عقد شرعه وحلّه، وصيّر حكم كلّ ملة راجعا إلى حكم عدله، والشهادة له بالوحدانيّة التي تدلّ على أنه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وليس شيء كمثله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أعظم أنبيائه وأكرم رسله، وأشرف ولد آدم ونسله، المصطفى في علم الله من قبله، ووسيلته في التوراة من غرور الشيطان وخذله، والذي أطفأ الله ببركته نار نمروذ «٢» عن إبراهيم وجعلها بردا وسلاما وأجلّه من أجله، وبشّر به عيسى بن مريم عبد الله «٣» وابن أمته وأقرّ موسى بن عمران كليم الله بفضله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين من فروع أصله، وأصحابه سامعي قوله، وتابعي سبله- فإنّ الله تعالى لما ارتضى
стр. 5458
الإسلام دينا، وأفضى بالملك إلينا وقضى لنا في البسيطة بسطة وتمكينا، وأمضى أوامرنا المطاعة بشمول اليمن شمالا ويمينا- لم نزل نولي رعايانا الإحسان رعاية وتوطينا، ونديم لأهل الذمّة منّا ذمّة وتأمينا؛ وكانت طائفة النّصارى اليعاقبة بالديار المصرية لهم من حين الفتح عهد وذمام، ووصيّة سابقة من سيدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ولا بدّ من بطريرك يرجعون إليه في الأحكام، ويجتمعون عليه في كلّ نقض وإبرام.
ولما كانت الحضرة السامية الشيخ الرئيس، المبجّل، المكرّم، الكافي، المعزّز المفخّر، القدّيس، شمس الرّآسة، عماد بني المعمودية، كنز الطائفة الصّليبيّة، اختيار الملوك والسلاطين، فلان: وفّقه الله، هو الذي تجرّد وترهّب، وأجهد روحه وأتعب، وصام عن المأكل والمشرب، وساح فأبعد، ومنع جفنه لذيذ المرقد، ونهض في خدمة طائفته وجدّ، وخفض لهم الجناح وبسط الخدّ، وكفّ عنهم اليد، واستحقّ فيهم التبجيل لما تميّز به عليهم من معرفة أحكام الإنجيل وتفرّد- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نلقي إليه أمر هذه الفرقة ونفوّض، ونبدّلهم عن بطريكهم المتوفّى ونعوّض.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا برحت مراسمه مطاعة، ومراحمه لإنزال أهل كرمها بيعتها مرعيّة غير مراعة «١» - أن يقدّم الشيخ شمس الرآسة المذكور على الملّة النّصرانيّة اليعقوبيّة، ويكون بطريركا عليها، على عادة من تقدّمه وقاعدته بالديار المصرية، والثّغور المحروسة، والجهات التي عادته بها إلى آخر وقت.
فليسلك سبيل السّوا، ولا يملّك نفسه الهوى، وليتمسّك بخوف الله تعالى إن فعل أو نوى، أو أخبر عن الحواريّين أو روى؛ فالعليم مراقب، والعظيم
стр. 5459
معاقب، والحكيم أمر أولي العقول بالفكرة في العواقب، والحاكم غدا بحقوق الخلق غدا يطالب؛ والظّلم في كلّ ملّة حرام والعدل واجب، فليستوف الإنصاف بين القويّ والضعيف والحاضر والغائب، وليقصد مصلحتهم وليعتمد نصيحتهم، وليمض على ما يدينون به بيوعهم وفسوخهم ومواريثهم وأنكحتهم، وليقمع غاويهم، وليسمع دعاويهم، وليلزمهم من دينهم بما وجدوه، فظنّوه واعتقدوه، وليتّبع سبيل المعدلة فلا يعدوها؛ عائدة إليه أمور القسّيسين والرّهبان، في جميع الدّيرة والكنائس بسائر البلدان، ولا يعترض عليه فيما هو راجع إليه من هذا الشان. ولا يقدّم منهم إلى رتبة إلا من استصلحه، ولا يرجح إلى منزلة إلا من رشّحه إليها ورجّحه، متّبعا في ذلك ما بيّنه له العدل وأوضحه، مرتجع الرتبة ممن لم تكن الصدور لتقدمته منشرحة، مجمعا لغيره في الإيراد والإصدار على اعتماد المصلحة؛ وقد أوضحنا له ولهم سبيل النجاة فليقتفوه، وعرّفناهم بالصواب والخيرة لهم إن عرفوه، وليسأل الله ربّه السلامة فيما له يفعل وبه يفوه؛ والعلامة الشريفة أعلاه.
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى اليعاقبة، كتب به للشيخ المؤتمن، في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة، وهي:
أما بعد حمد الله على نعمه التي نشرت لواء دولتنا في الآفاق، فأوى كلّ أحد إلى ظلّه، وبسطت معدلتنا في البلاد على الإطلاق، فمنحت الخاصّ والعامّ من برّنا بوابله وطلّه، واصطنعت بذمامها ملوك الملل وحكّام الطوائف فنطقوا عن أمرنا في عقد كلّ أمر وحلّه، والشهادة بوحدانيّة التي تنجح أمل المخلص في قوله وفعله، وتفتح لمن تمسّك بعروتها أبواب النجاة فيصبح في أمان في شأنه كلّه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا في محكم الذكر ونقله، المبعوث رحمة للعالمين زيادة في رفعة مقامه وتقريرا لفضله، المنعوت بالرأفة والرحمة في محكم كتابه الذي لا يأتيه
стр. 5460
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولم يستطع أحد أن يأتي بسورة من مثله، وعلى آله وصحبه الذين اتّبعوا طريقته المثلى وسلكوا مناهج سبله، وعقدوا الذّمم لأهل الملل واستوصوا بهم خيرا لما عرفوه من سعة حلمه وبذله- فإنّه لما كانت الطائفة المسيحيّه، والفرقة اليعقوبيّة، ممن أوت تحت ظلّنا الذي عمّ الوجود، وسكنت في حرم ذمامنا الذي سار نبؤه في التّهائم والنّجود، وتمسّكت من طاعتنا واتّباع أوامرنا بما سلف لها من الهدن والعهود، وكانت أحكامهم مما يحتاج إلى من يدور عليه أمرها في كلّ حال، وتنتظم به مصالح شملها ليبلغوا بها الآمال، ويأمنوا في معتقدهم فيها من الإخلال، وأنه إذا مات بطريرك لهم لا بدّ أن نرسم لهم بغيره، ليعتمدوا في ذلك ما يتقدّم به إليهم في نهيه وأمره، ويسلك بهم في أحكامهم ما يجب، ويعرّف كلّا منهم ما يأتي ويذر ويفعل ويجتنب، ويفصل بينهم بمقتضى ما يعتقدونه في إنجيلهم، ويمشّي أحوالهم على موجبه في تحريمهم وتحليلهم؛ ويزجر من خرج عن طريقه، ليرجع إلى ما يجب عليه أسوة رفيقه، ويقضي بينهم بما يعتقدونه من الأحكام، ويبيّن لهم قواعد دينهم في كل نقض وإبرام، فلما هلك الآن بطريكهم مع من هلك، رسمنا لهم أن ينتخبوا لهم من يكون لطريقته قد سلك، وأن يختاروا لهم من يسوس أمورهم على أكمل الوجوه، لنرسم بتقديمه عليهم [فيقوم] «١» بما يؤمّلونه منه ويرتجوه «٢» .
وكان الحضرة السامية، القدّيس، المبجّل، الجليل، المكرّم، الموقّر، الكبير، الدّيّان، الرئيس، الرّوحانيّ، الفاضل، الكافي، المؤتمن، جرجس بن القسّ مفضّل اليعقوبي، عماد بني المعموديّة، كنز الأمّة المسيحيّة، منتخب الملة الصليبيّة، ركن الطائفة النصرانية، اختيار الملوك والسلاطين- أطال الله تعالى بهجته، وأعلى على أهل طائفته درجته- قد حاز من فضائل ملّته أسماها،
стр. 5461
وصعد من درجات الترقّي على أبناء جنسه أعلاها، فنزّه نفسه عن مشاركة الناس، وتقشّف بين أهله في المأكل واللّباس، وترك الزواج والنّكاح، واشتغل بعبادته التي لازم عليها في المساء والصّباح، وألقى نفسه إلى الغاية في الاطّراح، وساح بخاطره في الفكرة وإن لم يكن بجسده قد ساح، وارتاض بترك الشّهوات مدّة زمانه، واطّرح الملاذّ لتعلو درجته بين أهله برفعة مكانه، واشتمل من علوم طائفته على الجانب الوافر، وعرف من أوامرهم ونواهيهم ما تقرّ به منهم العين والناظر، وطلب من الربّ الرؤوف الرحيم القوّة على أعماله، وسأل الإله أن يزيّن لأهل ملّته ما يأتي به من أقواله وأفعاله، فوقع اختيارهم عليه، وسألوا صدقاتنا الشريفة إلقاء أمرهم إليه.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال إحسانه إلى سائر العالم واصلا، وجوده لكل طائفة بارتياد أكفائها شاملا- أن يقدّم حضرة القدّيس المؤتمن جرجس المشار إليه على الطائفة اليعقوبية، من الملة النصرانية، بالديار المحروسة والجهات الجاري بها العادة، ويكون بطريركا عليهم على عادة من تقدّم في ذلك ومستقر قاعدته إلى آخر وقت، قائما بما يجب عليه من أمور هذه الملّة، باذلا جهده في سلوك ما ينبغي مما ينظم عليه أمره كلّه، فاصلا بينهم بما يعتقدونه من الأحكام، متصرفا على كل أسقفّ وقسّ ومطران في كل نقض وإبرام، مالكا من أمور القسّيسين والرّهبان والشّمامسة الزّمام، مانعا من يروم أمرا لا يسوّغه وضع ولا تقرير، جاعلا نظره عليه منتقدا بالتحرّز في التخيير، زاجرا من يخرج منهم عن اتباع طريق الشريعة المطهّرة التي يصح بها عقد الذّمّة، ملزما بسلوكها في كل ملمة فإن ذلك من الأمور المهمّة، آمرا من في الدّيرة من الرّهبان بمعاملة المارّين بهم والنازلين عليهم بمزيد الإحسان ومديد الإكرام، والقيام بالضّيافة المشروطة من الشّراب والطّعام.
وليتحدّث في قسمة مواريثهم إذا ترافعوا إليه، وليجعل فصل أمور أهل طائفته من المهمّات لديه، وليشفق على الكبير والصغير، وليتنزّه عن قليل متاع الدنيا والكثير، وليزهد في الجليل قبل الحقير. وفي اطّلاعه على أحكام
стр. 5462
دينه ما يكفيه في الوصيّة، وما يرفعه بين أبناء جنسه في الحياة الدنيويّة، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله أعلاه.
وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي:
أما بعد حمد الله على أن جعل من إحسان هذه الدولة لكلّ ملّيّ وذمّيّ نصيبا، وفوّق إلى أهداف الرّعاية سهما فسهما ما منها إلا ما شوهد مصيبا، والصلاة على سيدنا محمد الذي أحمد الله له سرى في صلاح الخلائق وتأويبا- فإنه لمّا كان من سجايا الدولة القاهرة النظر في الجزئيّات والكلّيّات من أمور الأمّة، وتجاوز ذلك إلى رعاية أهل الذمّة؛ لا سيّما من سبقت وصية سيد المرسلين عليهم من القبط الذين شرّفهم رسول الله- ﷺ بوصلته منهم بأمّ «١» إبراهيم ولده ﵇، وقبول هديّتهم التي أبقت لهم مزيّة على ممرّ الأيّام؛ وكانوا لا بدّ لهم من بطريك يحفظ سوامهم، ويضبط خواصّهم وعوامّهم، ويجمع شمل رهبانهم، ويراعي مصالح أديانهم، ويحرّر أمور أعيادهم ومواسمهم في كل كنيس، ويدعو للدولة القاهرة في كل تقديس، وتجعل له الخيرة في ضبط أمور البيع والدّيرة واختيار الأساقفة والكهّان، وحفظ النواميس المسيحيّة في كل قربان؛ ولا يصلح لذلك إلا من هو بتول، وكلّ خاشع عامل ناصب يستحقّ بذلك أنّ هذا الأمر إليه يؤول.
ولما كان البطريرك فلان هو المجمع على صلاحيته للبطركية على شعبه، والتقدمة على أبناء المعموديّة من شيعته وصحبه، لما له من علم في دينه، ومعرفة بقوانينه، وضبط لأفانينه، وعقل يمنعه عن التظاهر بما ينافي العهود، ويلافي الأمر المعهود- اقتضى جميل الاختيار أنه رسم بالأمر الشريف- لا برح يضع كلّ شيء في موضعه من الاستحقاق، ويبالغ في الإرفاد لأهل الملل والإرفاق- أن يباشر بطركيّة جماعة اليعاقبة بالديار المصريّة، على عادة من تقدّمه في هذه الرتبة، ومن ارتقى قبله إلى هذه الهضبة.
стр. 5463
فليباشر أمر هذه الطائفة، وليجعل معونته بهم طائفة، وليضبط أمورهم أحسن ضبط وأجمله، وأتمّه وأكمله، وليأخذهم بما يلزمهم من القيام بالوظائف المعروفة، والعهود المألوفة، وليلزمهم بما يلزمهم شرعا من كفّ عن تظاهر ممنوع، أو تعاطي محذور منكور الشرور والشروع، أو تنكّب عن طريق الاستقامة، وكما أنّهم عدلوا عن الإسلام لا يعدلون عن السّلامة.
وأمّا أمور الدّيرة والكنائس فأمرها إليك مردود، فاجر فيها على المعهود، وأقم فيها عنك من يحسن النّيابة، ومن يجمل الإنابة، ومن يستجلب الدعاء لهذه الدولة القاهرة في كل قدّاس، ويعدّد التقدّس والأنفاس؛ وعلى رهبان الأديرة للمساجد والجوامع وظائف لا تمنع ولا تؤخّر، ولا تحوج أحدا منهم أنّه بها يذكّر؛ وليشرط على أهلها أنهم لا يأوون طليعة الكفّار، ولا من يحصل منه إلا خير وإلا يحصل الإضرار، وليأمرهم بحسن الجوار، والقيام بما هو موظّف عليهم للمسلمين السّفار وغير السّفّار؛ هذه نبذة من الوصايا مقنعة، ولو وسّع القول لكان ذا سعة؛ وفي البطريرك من النّباهة ما يلهمه الصّواب، والله يجعل حسن الظنّ به لا ارتياء فيه ولا ارتياب، بمنّه وكرمه!، والاعتماد...... الخ.
وهذه نسخة توقيع لبطرك اليعاقبة، وهي:
أما بعد حمد الله الذي خصّ كلّ ملّة منّا بمنّة، وأقام بأوامرنا على كلّ طائفة من نرضاه فنحقّق بإحساننا ظّنّه، وجعل من شيمنا الشريفة الوصية بأهل الكتاب عملا بالسّنّة، والشهادة بوحدانيّة التي نتّخذ بينها وبين الشّكّ والشّرك من قوّة الإيمان جنّة، وندّخر أجورها فنسمو بها يوم العرض «١» إلى أعلى غرف الجنّة، والصلاة والسلام على نبيّه محمد أكرم من أرسله إلى الأمم فأنال كلّا من البرايا يمنه، وأعظم من بعثه فشرع الدين الحنيف وسنّه، وعلى آله وأصحابه الذين لم
стр. 5464
تزل قلوب المؤمنين بهم مطمئنة- فإنّ لدولتنا القاهرة العوارف الحسان، والشّيم الكريمة والعطايا والإحسان، والفواضل التي للآمال منها ما يربي عليها ويزيد، والمآثر التي بحر برّها الوافر المديد، ولكل ملّة من نعمها نوال جزيل، ولكلّ فرقة من مواهبها جانب يقتضي التخويل ولا يقضي بالتحويل، ولكلّ طائفة من يمنها ومنّها منائح طائفة بمزيد التنويل، ولكل أناس من معدلتها نصيب يشمل الملل، وعادة معروف تواترت مع أنها خالصة من السّامة والملل، سجيّة سخية بنا شرفت، ومزيّة مرويّة منّا ألفت؛ وإنّ من أهل الكتاب لطائفة كثرت بأبوابنا الشريفة عددا، واستصفت من مناهل جودنا موردا، وانتظمت في سلك رعايانا فأضحى سبب فضلنا لها مؤكّدا، وكانت الملّة المسيحية، والفرقة اليعقوبيّة، لا بدّ لها بعد موت بطريكها من إقامة غيره، وتقديم من يرتضى بفعله وقوله وسيره، لتقتدي به في عقد أمورها وحلّها، وتحريمها وتحليلها ووصلها وفصلها، وتهتدي به في معتقدها، وتركن إلى ما يذكره من مجموع أحكام الإنجيل ومفردها، وينتصب للفصل بين خصومها بما يقتضيه عرفانه، ويظهر لأهل ملّته بيانه، حتّى لا تجد في أمر دينها إلا ما تريده، وبما نديمه لها من استمرار الهدنة تبدي دعاءها وتعيده، فإنّ سيدنا محمدا ﷺ أمرنا أن نستوصي بأهل الكتاب خيرا، ونحن نسلك من اتّباع شريعته المطهّرة ما نحسن فيه- إن شاء الله- سيرة يسيرة وسيرا.
ولما كانت الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس المبجّل، المكرّم، الفاضل، الكافي، الثّقة، عماد بني المعموديّة، كنز الطائفة الصليبيّه، اختيار الملوك والسلاطين، فلان- أطال الله بقاءه، وأدام على أهل طائفته ارتقاءه،- ممن اتفق على شكره أبناء جنسه، واستوجب أن يرقى إلى هذه الرّتبة بنفسه، واشتهر بمعرفة أحوال فرقه، وهجر الأهل والوطن في تهذيب خلقه، وحرّم في مدّة عمره النكاح، وسار في المهامه والقفار وساح، وأضحى خميص «١» البطن
стр. 5465
خاوي الوفاض، قد ترك الطيّبات وهجر التّنعّم وارتاض؛ واعتمد في قوله على الإله، وسأل الرّبّ أن يبلّغه في أهل ملّته ما تمنّاه.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يجمع الفرق على الدعاء لأيّامه الشريفة، ويديم للأقربين موادّ مواهبه المألوفة- أن يقدّم الشيخ فلان على الملّة النصرانية اليعقوبيّة، ويكون بطريركا عليها على عادة من تقدّمه، ومستقرّ قاعدته، بالديار المصريّة والثّغور المحروسة، والجهات التي عادته بها، إلى آخر وقت، [فليتولّ ذلك] «١» سالكا من طرق النزاهة ما يجب، فاصلا بين النصارى بأحكام دينه التي لا تخفى عنه ولا تحتجب، مالكا أزمّة كل أسقفّ [وقومس] «٢» ومطران، مرجّحا بين القدّيس والقسّيس والشّمّاس والرّهبان، لتصبح أحكام كبيرهم وصغيرهم به منوطة، ومواريثهم مقسومة بشرعته التي هي لديهم مبسوطة، ويقف كلّ منهم عند تحريمه وتحليله، ولا يخرج في شرعتهم عن فعله وقوله ولا يقدّم منهم إلا من رضي بتأهيله؛ وليأمر كلّ قاص منهم ودان، ومن يتعبّد بالدّيرة والصّوامع من الرجال والنّسوان، برفع الأدعية بدوام دولتنا القاهرة التي أسدت لهم هذا الإحسان، ويلزم كلّا منهم بأن لا يحدث حادثا، ويكرم نزل من قدم عليه راحلا أو لابثا؛ فإن هذه الولاية قد آلت إليه، وهو أدرب بما تنطوي شروطها عليه، والله تعالى يجعل البهجة [لديه] «٣» مقيمة [والنعمة عليه مستديمة] «٤» ؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجة بموجبه وبمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →