Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
وهذه نسخة توقيع من ذلك: كتب به لعماد الدّين «سعيد بن ريان» «١» بالعود إليها، وهي:
الحمد لله رافع قدر من جعل عليه اعتمادا، ومجدّد سعد من غدا في كلّ ما يعدق به من قواعد النّظر الحسن عمادا، ومسنّي حمد من تكفّل له جميل التّصرّف أن لا تبعد الأيام عليه مرادا، ومجزل موادّ النّعم لمن إذا استمطر قلمه في المصالح همى فافتنّ أفنانا وأينع تثميرا وأثمر سدادا، وإذا أيقظ نظره في ملاحظة الأعمال استجلى وجوه المصالح انتقاء لما خفي منها وانتقادا.
نحمده على نعمه الّتي لا تزال النّعم بها مجدّدة، والقواعد موطّدة، والكرم معادا، وآلائه الّتي جعل لها الشّكر ازديانا على الأبد وازديادا، ومننه الّتي لا يقوم بها ولا بأداء فرضها الحمد ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام أو كان البحر مدادا «٢» ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا تألو هممنا اجتهادا في إعلاء منارها وجهادا، ولا تكبو جياد عزائمنا، دون أن تسكنها من الجاحدين قلوبا وتجري بها من المنكرين ألسنة وتقلّدها من المشركين أجيادا، ولا تنبو صوارمنا، حتّى تتّخذ لها من وريد كلّ معاند موردا ومن قمم كلّ ناكث أغمادا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أسرى الله به إليه فبلغ في الارتقاء سبعا شدادا، وأنزل عليه أشرف كتبه بيانا وأعجزها آية وأوضحها إرشادا، وبعثه إلى الأحمر والأسود فسعد من سعد به إيمانا وشقي من شقي به عنادا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين لم يألفوا في طاعة الله وطاعته مهادا، صلاة لا تستطيع لها الدّهور نفادا، ولا تملّها الأسماع تعدادا وتردادا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من سما به منصبه الّذي عرف به قديما، وزهيت به رتبته، التي لم يزل فيها لاقتناء الشّكر مستديما، وتحلّت به وظيفته، التي لم يبرح
стр. 5672
يلبس بها ثوب الثناء قشيبا ويجرّ بها رداء السّعد رقيما، وتقاضت له عوارفنا معارفه الّتي لم يزل عقدها في جيد المراتب السّنيّة نظيما، وتطلّع إليه مكانه فكأنّه بقدم هجرته لم يبرح فيه وإن بعد عنه مقيما- من لم يزل قلمه بصرفه في أسنى ممالكنا الشّريفة كاسمه سعيدا، وطرف نظره فيما يليه من المناصب السّنيّة يريه من المصالح ما كان غائبا ويدني إليه من أسباب التّدبير ما كان بعيدا؛ فما أعمل في مصالح الدولة القاهرة قلما إلا وأقبلت نحوه وجوه الأموال سافرة، ولا لحظ في مهمّات وظائفها أمرا إلّا وعاودته أسباب التّثمير النافرة، ولا اعترض «١» قلمه بنطقه وفكره إلّا وغدت الثلاثة على كل ما فيه عمارة ما يفوّض إليه من الأعمال متضافرة؛ وذلك لما اجتمع فيه من عفّة نفسه وكمال معرفته وطهارة يراعه، واتّصف به من حسن اضطلاعه وجميل اطّلاعه، وجبلت عليه طباعه من نزاهة زانت خبرته ومنّ ينقل مشكورا عن طباعه.
ولما كان فلان هو الّذي حنّت إليه رتبته وتلفّت إليه منصبه ودعته وظيفته النّفيسة إلى نفسها، واعتذرت بإقبالها إليه في يومها عن نشوزها عنه في أمسها، واشتاقت إلى التّحلّي بفضائله الّتي لم تزل تزهى بما ألفته منها على نظرائها من جنسها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجمّل لها عادتها ونجدّد له من الإحسان بمباشرتها السّعيدة إعادته، ونعيد إليه بمباشرة نظره الجميل مسرّته الّتي ألفها وسعادته.
فلذلك رسم ... - لا زال برّه لعماد الدّين رافعا، وأمره بالإحسان شافعا- أن يفوّض إليه نظر المملكة الحلبيّة على عادة من تقدّمه.
فليباشر هذه المملكة الّتي هي من أشهر ممالكنا سمعة، وأيمنها بقعة، وأحسنها بلادا، وأخصبها ربا ووهادا، وأكثرها حصونا شواهق، وقلاعا [سوامي] «٢» سوامق، وثغورا لا تشيم ما افترّ منها البروق الخوافق، مباشرة تزيد
стр. 5673
مصالحها على ما عرفته، وتريها من خبرته فوق ما ألفته، وتدلّ على ما فيه من كفاءة هذّبتها التّجارب، وهدتها الأنوار الثّواقب، وصرفتها الأفكار المطّلعة على الطوالع من المغارب، وسدّدها إلى الأغراض الجميلة الخلوّ من الأغراض، ووقّفها على جواهر الصّواب عدم اعتراض النّظر إلى الأعراض، وأراها التّوفيق ما تأتي من وجوه التدبير وما تذر، وعرّفتها المعرفة الاحتراس من مخالفة الصّواب فما تزال من ذلك على حذر، وفتحت لها الدّربة أبواب التّثمير فما لحظت أمرا من الأمور الديوانية إلا وبدت البدر؛ ولتكن النعم المصونة المقدّم لديه، والنظر في مصالح القلاع المحروسة هو الغرض المنصوص عليه، فليضاعف ذخائرها، ويتفقّد موارد أمورها ومصادرها؛ وفي معرفته بقواعد هذه الوظيفة ما يغني عن الوصايا، لكن ملاكها تقوى الله، فليجعلها نجيّ نفسه، وسمير أنسه؛ والخط الشريف......
ومنها- نظر الجيش بها.
وهذه نسخة توقيع بنظر الجيش بالمملكة الحلبيّة، وهي:
الحمد لله الّذي جعل أفق السعادة بطلوع شمسه منيرا، وأقرّ في رتب العلياء من يغدو ناظرها بحسن نظره قريرا، وحلّى مفارق المناصب السّنيّة بصدر إذا تغالى اللسان في وصفه كان بنان البيان إليه مشيرا، واختار لأمصار ممالكنا الشريفة من إذا فوّض إليه نظرها كان بنسبته إلى الإبصار حقيقا به وجديرا.
نحمده وهو المحمود، ونشكره شكرا مشرق السّعود، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عذبة الورود، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أضحت به شيوخ من الإسلام منشورة البنود، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أورق عود، وأولج نهار السيوف في ليل الغمود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن الله تعالى لما خصّ كلّ مملكة من ممالكنا الشريفة بكثرة الجيوش والأنصار، وجعل جيوشنا وعساكرنا تكاثر عدد النّجوم في كلّ مصر من
стр. 5674
الأمصار، وكانت المملكة الشريفة الحلبيّة هي ركن من أركان الإسلام شديد، وذخر ما دعاهم داع إلّا ولبّاه منهم عدد عديد- وجب ان يختار للنّظر عليها من الأكفاء من سما في الرآسة أصله وزكا فرعه، فاستحقّ بما فيه من المعرفة تمييز قدره ورفعه، وفاق في فضل السّيادة أبناء جنسه، وأشرقت أفلاك المعالي بطلوع شمسه، وأقرّ [بنظره] «١» نظر الجيوش المنصورة، وسارت الأمثلة بما اتفّق عليه [فيه] «٢» من حسن خبرة وخيرة، وكان فلان هو الّذي طلع في أفق هذا الثّناء شمسا منيرة، واختبر بالكفاية والدّراية واختير لهذا المنصب على بصيرة، وهو الذي له من جميل المباشرة في المناصب السّنية ما هو كالشّمس لا يخفى، والّذي أحسن النّظر في الأوقاف المبرورة حتّى تمنّى كلّ منصب جليل أن يكون عليه وقفا، وهو الّذي حوى من الفضائل ما لا يوجد له نظير ولا شبيه، والّذي سما إلى رتبة من المعالي رفيعة وكان ذا الجدّ النّبيه والأب [لبنيه] «٣» فلذلك رسم.... لا زال يقرّ الناظر بجوده، ويحسن النظر في أمر جيوشه وجنوده- أن يفوّض إليه كذا: علما بأنه أحقّ بذلك وأولى، وأنّ كفايته لا يستثنى فيها بإلّا ولا بلو لا، وأنّ السّداد مقترن بحسن تصريفه، وعلمه قد أغنى عن تعليمه بمواقع التّسديد وتوقيفه.
فليباشر ذلك بصدر منشرح، وأمل منفسح، عاملا بالسّنة من تقوى الله تعالى والفرض، عالما بأنّا عند وصولنا إلى البلاد نأمر بعرض الجيوش:
فليعمل على ما يبيّض وجهه يوم العرض، وليلزم عدّة من المباشرين بعمل ما يلزمهم من التّفريع والتّأصيل، والتّجريد والتّنزيل، وتحرير الأمثلة والمقابلة عليها، وسلوك الطّريق المستقيم الّتي لا يتطرق الذّم إليها، والملاحظة لأمور الجيوش المنصورة في قليل الإقطاعات وكثيرها، وجليلها وحقيرها، بحيث يكون علمه محيطا بذلك إحاطة اللّيل، ويشترط على من يتعيّن تنزيله ما استطاع
стр. 5675
من قوّة ومن رباط الخيل، ويقابل الأمور المضطربة بالإضراب، ويسلك أحسن المسالك في سيره وسيرته: فإنّنا فوّضنا إليه الجيوش المنصورة من جند المملكة الحلبيّة ومن أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. والوصايا كثيرة وإن كثرت فعلمها عنده، وقد ضرب له منها مثل فليكن على سياقته فيما لم يذكر في العدّة؛ وأهمّ الأمور أن يتمسك من خشية الله بالسّبب الأقوى، ويجعل تقوى الله عماده في كلّ الأمور: فإنّ خير الزّاد التّقوى؛ والخطّ الشريف أعلاه حجة فيه.
الطبقة الثانية
من يكتب له من أهل المملكة الحلبيّة في قطع العادة مفتتحا ب «رسم» إمّا مع «مجلس القاضي» أو مع «القاضي الأجلّ» ككتّاب الدّرج ومن في رتبتهم، إن كتب لأحد منهم من الأبواب السلطانية، وإلّا فالغالب استبداد نائب السّلطنة بها بالكتابة في ذلك. فإن كتب شيء منها من الأبواب السلطانية، فليمش فيه على نحو ما تقدّم في الديار المصرية والمملكة الشامية الّتي قاعدتها دمشق.
النوع الثاني (من أرباب الوظائف بالمملكة الحلبية- من هو خارج عن حاضرتها، وهم على أصناف)
الصنف الأوّل (أرباب السيوف، وهم غالب من يكتب لهم عن الأبواب السّلطانية)
وقد تقدّم أنّ العادة جارية بتسمية ما يكتب لمن دون أرباب النيابات العظام: من دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، وغزّة، والكرك- مراسيم، وأنّ التقاليد مختصة بالنّواب العظام المقدّم ذكرهم. ولا يخفى أنّ النيابات الدّاخلة في المملكة الحلبيّة، مما هو تحت أمر نائب السّلطنة بحلب، أكثر من كل سائر الممالك الشامية.
стр. 5676
وبالجملة فأمرهم لا يخرج عن ثلاثة أضرب: إما مقدّم ألف، كنائب البيرة «١» ، ونائب قلعة الرّوم المعبر عنها في ديوان الإنشاء بقلعة المسلمين «٢» ، ونائب ملطية «٣» ، ونائب طرسوس «٤» ، ونائب البلستين «٥» ، ونائب البهسنى «٦» ، ونائب آياس «٧» المعبر عنها بالفتوحات الجاهانية. وإمّا طبلخاناه، كنائب جعبر «٨» ، ونائب درندة «٩» ونحوهما. وإما أمير عشرة، كنائب عين تاب «١٠» ، ونائب الرّاوندان «١١» ، ونائب كركر «١٢» ، ونائب بغراس «١٣» ، ونائب الشّغر
стр. 5677
وبكاس «١» ، ونائب الدّربساك، ونائب سرفندكار «٢» ، ومن في معناهم.
وقد تقدّم في الكلام على المكاتبات نقلا عن «التثقيف» . أنّ هؤلاء النوّاب تختلف أحوالهم في الارتفاع والانحطاط: فتارة تكون عادة تلك النيابة أمير طبلخاناه، ثم يولّى فيها عشرة وبالعكس. وقد تكون عادتها طبلخاناه فيستقرّ بها مقدّم ألف وبالعكس. والضابط في ذلك أنّ من يكتب له المرسوم: إن كان مقدّم ألف، كتب مرسومه في قطع النصف ب «المجلس العالي» ، وإن كان طبلخاناه، كتب له مرسومه في قطع النصف أيضا ب «الساميّ» بالياء، وإن كان أمير عشرة كتب مرسومه في قطع الثّلث. فأمّا ما يكتب في قطع النّصف، فإنّه يفتتح ب «الحمد لله» سواء كان صاحبه مقدّم ألف أو أمير طبلخاناه.
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة آياس، وهي المعبّر عنها بالفتوحات الجاهانيّة، يستضاء بها في ذلك، وهي:
الحمد لله الّذي جعل من أولياء دولتنا الشّريفة كلّ سيف لا تنبو مضاربه، واصطفى لبوادر الفتوحات من أنصارنا من تحمد آراؤه وتجاربه، وألهمنا حسن الاختيار لمن تؤمن في المحافظة مآربه، وتعذب في المخالطة مشاربه، وحقّق آمالنا في مضاعفة الفتح التي أغنى الرّعب فيها عما تدافعه سيوف الإسلام وتحاربه.
نحمده حمدا يضاعف لنا في التّأييد تمكينا، ونشكره شكرا يستدعي أن يزيدنا من فضله نصرا عزيزا وفتحا مبينا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة نخلص فيها يقينا من المخاوف يقينا، ونرد من نهلها معينا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أيده الله بالملائكة والرّوح، وزوى له
стр. 5678
الأرض فرأى مشارقها ومغاربها ونرجو أن يكون ما زواه له مدّخرا لنا من الفتوح، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم خير أمّة أخرجت للإسلام، والذين ما زال الإيمان بهم مرفوع الألوية والأعلام، والذين لم يبرح داعي الضّلالة تحت قهر سيوفهم: فإذا أغفى «جرت عليه سيوفها الأحلام» ، صلاة يطيب اللّسان منها فيطرب، ويعرب عن صدق الإخلاص في تكرارها فيغرب، وسلّم تسليما.
أمّا بعد، فإنّ أولى من تستند أمور الممالك لعزمته، ويلقى أمر بوادر الفتوحات السّعيدة لهمّته، ويعتمد في تدبير أحوال البلاد والعباد على يمن تصرّفه وممتدّ نهضته- من لم يزل معروفا سداد رأيه، مشكورا في الخدمة الشريفة حسن سعيه، مؤيّدا [في] «١» عزمه، مظفرا في حزمه، مأمون التّأثير، ميمون التدبير، كافيا في المهمات، كافلا بعلوّ الهمّات، إذا همّ ألقى بين عينيه [صادق] «٢» عزمه، وإذا اعتمد عليه في مهمّ تلقّاه بهمّته وحزمه، وإذا جرّد كان هو السّيف اسما وفعلا، وإذا دارت رحى الحرب الزّبون «٣» فهو الشهم الّذي لا يخاف سهما ولا يرهب نصلا.
ولما كان.. «٤» هو بدر هذا الأفق، ومقلّد هذا العقد ولا يصلح هذا الطّوق إلا لهذا العنق، وهو الّذي فاق الأولياء اهتماما، وراق العيون تقدّما وإقداما، وأرضى القلوب نصحا ووفاء، وأنضى الهمم احتفالا للمصالح واحتفاء؛ طالما جرّب فحمد عند التجارب، وجرّد فأغنى عن القواضب، واختبر فاختير، ونظر في خصائصه فلم يوجد له نظير- اقتضى حسن الرّأي الشريف أن نقلّده فتوحات أنقذها الله تعالى من شرك الشّرك، وأخرجها إلى النّور بعد ظلام الإفك، وبشّرها أنّ هذه سحابة نصر يأتي وابله إن شاء الله تعالى بعد رذاذه،
стр. 5679
وأنّها مقدمة سعد تتلو قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
«١» فلذلك رسم......- لا زال الفتح في دولته يزهو بانتظام سلكه؛ وأيامه الشريفة تستردّ مغتصب البلاد من يد الكفر إلى بسطة ملكه وقبضة ملكه، وإحسانه يحمي الحصون بسيف يروّع العدا ببأسه وفتكه- أن يفوّض......
اعتمادا على مضائه الّذي لا ينكر مثله للسّيف، وركونا إلى همّته الّتي تسرى برعبها إلى قلوب الأعداء سرى الّطيف.
فليباشر النيابة المذكورة: معملا رأيه في تمهيد أحوالها، وتقرير أمورها التي راق الأولياء وراع الأعداء ما كان من مالها، مجتهدا في حفظ ما بها من القلاع والحصون، مبادرا [إلى] «٢» كلّ ما يحمي حماها ويصون، قائما حقّ القيام في مصالح تقريرها، وأحوال تحريرها، وأمور تمهّدها، ومنافع تشيّدها، وحواصل تكفيها، وأسباب مصلحة توافيها بمزيد الاهتمام وتوفّيها، وليكن بأحكام الشّرع الشريف مقتديا، وبنور العدل والاحسان مهتديا، وبتقوى الله متمسّكا، وبخشية الله متنسّكا؛ وهو يعلم أنّ هذه الفتوحات [قذى] «٣» في حدقة العدوّ المخذول وشجا في حلوقهم، وعلّة في صدورهم وحسرة في قلوبهم.
فليكن دأبه الاجتهاد الّذي ليس معه قرار، والتّحرّز الّذي يحلّيها أو يحميها فيكون عليها بمنزلة سور أو سوار، ويصفّحها من عزمه بالصّفاح، ويجعل عليها من شرفات حزمه ما يكون أحدّ من أسنّة الرّماح، ثم لا يزال احتياطه محيطا بها من كلّ جانب، وتيقّظه لأحوالها بمنزلة عين مراقب، واحتفاله الاحتفال الّذي بمثله يصان رداؤها من كلّ جاذب؛ ثم لا تزال قصّاده وكشّافه وطلائعه لا يقرّ بهم السّرى، ولا يعرفون طعم الكرى، يطّلعون من أخبار العدا
стр. 5680
على حقائقها، وتتحيّل كلّ فرقة منهم على معرفة الأحوال بينهم بمكر من تعدّد طرقها واتساع طرائقها، لتكون المتجدّدات عنده بمنزلة ما يراه في مرآة نظره، وسرّ أمور العدا لديه قبل أن يشيع بينهم ذكر خبره؛ والوصايا كثيرة وهو بحمد الله لا يحتاج مع معرفته إلى تبصرة، ولا يفتقر مع حسن بصيرته إلى تذكرة، والله تعالى يتولّاه، ويعينه على ما ولّاه؛ بعد الخط الشريف أعلاه.
وأما من يكتب له في قطع الثلث ب «مجلس الأمير» وهم العشرات [فقد ذكر في «التعريف» : أنّه يكتب لهم من الأبواب السلطانية على ذلك.
قلت: وقد تقدّم في الطبقة السابعة أنّ الكختا، وكركر، والدّربساك، قد تكون عشرة أيضا. وفي معنى ذلك نيابة عين تاب، والراوندان، والقصير، والشغر وبكاس، إذا كانت عشرة. ونيابة دبركي إذا كانت عشرة] «١» فيفتتح فيها ب «أما بعد حمد الله» على عادة ما يكتب للعشرات.
وهذه نسخة مرسوم شريف من هذه الرتبة، كتب به لنائب حجر شغلان من معاملة حلب، وهي:
أما بعد حمد الله الّذي شيّد المعاقل الإسلامية بأكفائها، وصان الحصون المحروسة بمن شكرت همّته في إعادتها وإبدائها، وحمى سرحها بمن أيقظ في الخدمة الشّريفة عيون عزمه فما ألمت بعد إيقاظه بإغفائها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي انتضى سيوف التّأييد فأعزّت الهدى وأذلّت العدا حين انتضائها، وعلى آله وصحبه ما بدت النجوم في ظلمائها، وسرت الغيوم في فضائها- فإنّ من شكرت هممه، وثبتت في الطاعة الشريفة قدمه، وأشبه عزمه في مضائه صارمه، وأضحت ثغور تقديمه باسمة- أولى بأن ترفع هذه الدولة
стр. 5681
الشريفة من محلّه، وتنشر عليه [من] «١» تكريمها وارف ظلّه، وترتضيه لقلاع الإسلام وتشييدها، وتجتبيه لصونها وتأييدها، وتجعله قرّة عينها وحلية جيدها، وتمضي كلمته في مصالحها، وتعدق به أسباب مناجحها، فيصبح ولقدره منّا إعلاء وإعلان، ويمسي وله شغل بطاعتنا العالية الشّان، وشغل بالمعقل الّذي يحرز بعزمه ويصان، فلأجل ذلك غدا وله من هذه النيابة على الحقيقة شغلان.
وكان [فلان] «٢» هو الّذي جادت عليه دولتنا الزاهرة بسحائبها، وأشرقت على حظوظه سعود كواكبها، وأسمت له قدرا، وجعلت له إمرة وأمرا، وصرفته إلى نيابة معقل معدود من قلاع الممالك الإسلامية وحصونها، ومعاقلها الّتي علت محلّا فالجبال الشّمّ من دونها، قد أصبح شاهقا في مبناه، ممنّعا في مغناه، محصّنا برجاله، مصونا من ماضيين: السّيف في مضائه والعزم في احتفاله- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوقّله رتبة هذه النيابة، وننشر عليه من إحساننا سحابه.
فذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال......... أن يستقرّ.........
فليحلّ هذه النيابة المباركة مظهرا من عزمه ما تحمد عواقبه، وتعلو مراقبه، وتسمو مراتبه، وتتوضّح سبله ومذاهبه، محصّنا لسرحه، معزّزا موادّ نجحه، مراعيا أحوال رجاله، المعدّين من حماته وأبطاله، حتّى يغدوا يقظين فيما يندبهم إليه ويستنهضهم فيه، مبادرين إلى كل ما يحفظ هذا الحصن ويحميه؛ ومن بهذا المعقل من الرّعية فليرفق بضعفائهم، وليعاملهم بما يستجلب لنا به صالح دعائهم؛ والوصايا كثيرة وملاكها التّقوى، فليتمسّك بها في السّرّ والنّجوى، وليغرسها في كل قول يبديه، وفعل يرتضيه، فإنّ غروسها لا تذوى. والله يوفّقه لصالح القول والعمل، ويصونه من الخطإ والخطل؛ والخطّ
стр. 5682
الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده.
قلت: وقد تقدّم أنّه لا يكتب عن السلطان مرسوم بنيابة في قطع العادة، لأنّ ذلك لا يكون إلا لجنديّ وهو دون، ومثل ذلك إنّما يكتب عن نوّاب الممالك.
الصنف الثاني (ممّا هو خارج عن حاضرة حلب- الوظائف الدّينية بمعاملتها: من القلاع وغيرها)
وهي في الغالب إنّما تصدر الكتابة فيها عن نائب حلب أيضا أو قاضيها، إن كان مرجع ذلك إليه. فإن صدر شيء منها عن الأبواب السّلطانية، كان في قطع العادة مفتتحا ب «رسم» .
وهذه نسخة توقيع من هذا النّمط ينسج على منواله، كتب به لقاضي قلعة المسلمين، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال عدله مؤيّدا للحكّام، ورأيه مسدّدا في النّقض والإبرام، وسلطانه يختار للمناصب الدّينية من نطقت بشكره ألسنة الأنام- أن يستقرّ في كذا: لما اشتهر عنه من علم ودين، وظهر من حسن سيرة اقتضت له التّعيين.
فليباشر هذه الوظيفة المباركة بالحقّ حاكما، وللرّفق ملازما، وللتّقوى مداوما؛ وهو غنيّ عن الإسهاب في الوصايا، مليّ بسلوك تقوى الله في القضايا؛ والله تعالى يزيده تأييدا، ويضاعف له بموادّ السعادة تجديدا؛ والعلامة الشريفة أعلاه، حجة بمقتضاه.
الصنف الثالث (مما هو خارج عن حاضرة حلب- الوظائف الدّيوانية)
وهي إنّما تصدر في الغالب أيضا عن نائب حلب. فإن كتب شيء منها عن الأبواب السلطانية، كان في قطع العادة مفتتحا ب «رسم بالأمر» .
стр. 5683
وهذه نسخة توقيع من ذلك، يستضاء به فيما يكتب من هذا النوع، كتب بها بنظر جعبر، من معاملة حلب، وهي:
رسم بالأمر الشّريف- لا زال منهلّ النّدى، مستهلّ الجدى «١» ، معيدا للإحسان كما بدا- أن يعاد فلان إلى وظيفته: لما ألفت من سيرة له لم تزل تحمد، وسيما خير منه على مثل الشّمس تشهد، ولأمانته الّتي لم تزل تفترّ بها الثّغور، وتخضرّ بها المعاهد: تارة في طوق النّحر وتارة في نحور البحور، وأصالة امتدّ ظلّها الظّليل، وعرف منها في العصر حسن الأصيل، وأينعت أكرم فرع زكا منبته «٢» في الأرض المقدّسة وجوار الخليل، ولما أسلف في هذه المباشرة من عمل صالح، وسداد اعتماد لم يخرج عن تحرير تقرير وتقرير مصالح، وكتابة رآها الرّائي ونقلها النّاقل، وكفاية حفّت عيه مثل العروس المجلوّة من عقائل المعاقل.
فليباشر هذه العروس فقد أنقدها «٣» سالف الخدم وأمهرها، وليثابر سقيا الغروس الّتي أنشأها في هذه الجهة وثمّرها، وليسلك مسلكه الّذي لم يزل مخيّما على رؤوس القنن، ومهوّما به طرف الأمن لليقظة الذي لا يلمّ به الوسن، مخوّلا في وظيفته المبرّات، مستقبلا للمسرّات، مفتخرا بمباشراته الّتي تجري مجاري البحار: تارة الملح الأجاج وتارة العذب الفرات؛ وهو أعرف بما يقدّمه من أمانة بها يتقدّم، وديانة يرجّب «٤» بها استكفاؤه ويحكّم؛ وتقوى الله جماعها فليكن بها متمسّكا، وبمشاغلها متنسّكا؛ والله تعالى يجعل عطاءه موفّرا، وعمله متدفّقا ليردّ جعبرا جعفرا «٥»
стр. 5684
النيابة الثالثة (نيابة طرابلس، ووظائفها الّتي جرت العادة بالكتابة فيها من الأبواب السّلطانية على نوعين)
النوع الأوّل (ما هو بحاضرة طرابلس، وهو على ثلاثة أصناف)
الصّنف الأوّل (أرباب السيوف، وهم على طبقتين)
الطبقة الأولى (من يكتب له تقليد)
وهو نائب السلطنة بها. ومرسومه في قطع الثّلثين، ولقبه «الجناب العالي» مع الدعاء بمضاعفة النعمة.
وهذه نسخة تقليد شريف بنيابتها:
الحمد لله الّذي جعل لنا التّأييد مددا، والنّصر عتادا لا نفقد مع وجوده من الأولياء أحدا، والعزّ وزرا تصمّ شهبه مسامع العدا: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
«١» ، والفتح ذخرا فحيث ما نشاء مددنا إليه بقوّة الله يدا، وشددنا عليه بمعونته عضدا.
نحمده على نعمه الّتي جعلت مراتب دولتنا فلكا تشرق فيه رتب الأولياء إشراق البدور، وثغور ممالكنا أفقا حيثما شامته العدا ضرب بينهم وبينه من سيوف مهابتنا بسور، وفواتح الفتوح النّائية دانية من همم أصفيائنا فإذا يمّموا غرضا طارت إليه سهامهم بأجنحة النّسور، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا
стр. 5685
شريك له شهادة يرفع الجهاد علمها، وينصر الإيمان كلمها، ويزجي الإيقان إلى رياض التّأييد ديمها، ويستنطق التوحيد بإعلائها وإعلانها سيف أيّامنا الزاهرة وقلمها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم، ونبيّه المخصوص بالآيات والذّكر الحكيم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصروا الله فنصرهم، وأظهروا دينه فأعزّهم وأظهرهم، ويسّروا لأمّته سبل الهدى فهداهم وللسّبيل يسّرهم، صلاة لا يزال اليقين يقيم دعوتها، والتّوحيد يعصم من الانفصام عروتها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من تفترّ الثّغور بإيالته، عن شنب النّصر، وترمي الحصون بكفالته، من شام من العدا برقها بشرر كالقصر، وتقسّم السّواحل بمهابته، من جاور من أهل الكفر بحرها بين الحصد والحصر، وتمنع عزماته شواني «١» العدا أن تدّب عقاربها، أو تركب اللّجج بغير [أمانه] «٢» مراكبها، أو ينتقل عن ظهر البحر إلى غير سيوفه أو قيوده محاربها- من لم يزل في نصرة الدّين لامعا كالبرق شهابه، زاخرا كالبحر عبابه، واصبا «٣» على الشّرك عذابه، ظاميا إلى موارد الوريد سيفه، ساريا إلى قلوب أهل الكفر قبل جفونهم طيفه، قائمة مقام شرف الحصون أسنّة رماحه، غنّية بروج الثّغور عن تصفيحها بالجلمد بصفا صفاحه، مع خبرة بتقدمة الجيوش تضاعف إقدامها، وتثّبت في مواطن اللّقاء أقدامها، وتسدّد إلى مقاتل أهل الكفر سهامها، وتقرّب عليها في البرّ والبحر منالها وتبعد مراميها على من رامها، ومعدلة للرعايا السّكون في مهاد أمنها، والرّكون إلى ربا إقبالها ووهاد يمنها؛ فسرب الرعايا مصون بعدله، والعدل مكنون بين قوله وفعله.
ولما كان فلان هو اللّيث الّذي يحمى به غابه، والنّيّر الّذي يزهى أفق تألّق
стр. 5686
فيه شهابه، والهمام الّذي تعدي هممه فرسان الوغى فتعدّ آحادها بالألوف، والشّجاع الّذي إذا استعانت سواعد الشّجعان بسيوفها استعانت بقوّة سواعده السّيوف- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلّي به جيد مملكة انتظمت على وشام البحر، وأحاطت بما في ضميره من بلاد العدا إحاطة القلائد بالنّحر.
فرسم بالأمر الشريف لا زال......... أن يفوض إليه كيت وكيت:
لما أشير إليه من أسباب تعيّنه لهذه الرّتبة المكينة، وتحلّيه بما وصف من المحاسن الّتي تزهى بها عقائل الحصون المصونة.
فليل هذه النيابة الجليلة بعزمة تجمّل مواكبها، وهمّة تكمّل مراتبها، ومهابة تحوط ممالكها، وصرامة تؤمّن مسالكها، ومعدلة تعمّر ربوعها ورباعها، ويقظة تصون حصونها وقلاعها، وشجاعة تسري إلى العدا سرايا رعبها، وسطوة تعدي السّيوف فلا تستطيع الكماة الدّنوّ من قربها، وسمعة ترهب مجاوريه حتى يتخيّل البحر [أنه] «١» من أعوانه على حربها.
وليؤت تقدمة الجيوش الإسلامية حقّها من تدبير يجمع على الطاعة أمرها وأمراءها، ويرفع في مراتب الخدمة الشّريفة على ما يجب أعيانها وكبراءها، ويرهب بإدامة الاستعداد قلوب أعدائها، ويربط بأيزاكها «٢» شوانيّ البحر حتّى تعتدّ الرباط في ذلك من الفروض الّتي يتعبد بأدائها؛ فلا يلوح قلع «٣» في البحر للعدا إلا وهو يرهب الوقوع في حبالها، ولا تلحظ عين عدوّ سنا البرّ إلا وهي تتوقّع أن تكحل بنصالها؛ وليقم منار العدل بنشر لوائه، ويعضّد حكم الشّرع الشريف برجوعه إلى أوامره وانتهائه، وليكفّ يد الظّلم [عنها] «٤» فلا تمتدّ إليها بنان، وليشفع العدل بالإحسان إلى الرعيّة فإن الله يأمر بالعدل والإحسان؛ وفي
стр. 5687
سيرته الّتي جعلته صفوة الاختيار، ونخبة ما أوضحته الحقيقة من الاختبار، ما يغني عن الوصيّة إلا على سبيل الذكرى الّتي تنفع المؤمنين، وترفع قدر الموقنين؛ وملاكها تقوى الله تعالى: فليجعلها أمام اعتماده، وإمام إصداره وإيراده؛ والله تعالى يديم موادّ تأييده وإسعاده، إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية (من يكتب له مرسوم شريف في قطع الثّلث ب «المجلس السّامي» بغير ياء، وتشتمل على وظائف)
منها- شدّ الدّواوين بطرابلس.
وهذه نسخة توقيع بها:
الحمد لله مجدّد الرّتب لمن نهض فيها إخلاصه بما يجب، ومولي المنن لمن إذا اعتمد عليه من مهمّات الدّولة القاهرة في أمر عرف ما يأتي فيه وما يجتنب، ومؤكّد النّعم لمن إذا ارتيدت الأكفاء في الخدمة الشّريفة كان خيرة من يختار ونخبة من ينتخب.
نحمده على نعمه الّتي سرت إلى الأولياء عوارفها، واشتمل على الأصفياء وافر ظلالها ووارفها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تزلف لديه، وتكون لقائلها ذخيرة يوم العرض عليه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف مبعوث إلى الأمم، وأكرم منعوت بالفضل والكرم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ولّوا أمر الأمّة فعدلوا، وسلكوا سنن سنّته فما مالوا عنها ولا عدلوا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما اختير له من الأولياء كلّ ذي همّة عليه، وعزمة بمصالح ما يعدق به من مهمّات الدّولة القاهرة مليّة، وخبرة بكلّ ما يراد منها وفيّة، ويقظة تلحظ في كلّ ما قرب ونأى من المصالح الأمور الباطنة والأحوال الخفيّة، وصرامة تؤيس من استلانة جانبه، ونزاهة تؤمّن من إمالة رأيه في كلّ أمر عن سلوك واجبه، ومعرفة مطّلعة، ونهضة بكلّ ما إن حمّله من أعباء المهمّات
стр. 5688
الشّريفة مضطلعة- أمر الأموال الديوانية: فإنّها معادن الأرزاق، وموادّ مصالح الإسلام على الإطلاق، وخزائن الدّولة الّتي لو ملكتها الغمائم لأمسكت خشية الإنفاق، وذخائر الثّغور الّتي مواقعها من أعداء الدّين مواقع الشّجا في القلوب والقذى في الأحداق.
ولما كان المجلس السامي هو الّذي سمت به هممه، ورسخت في خدم الدّولة القاهرة قدمه، وتبارى في مصالح ما يعدق به من المهمّات الشّريفة سيفه وقلمه، وكانت المملكة الطّرابلسية من أشهر ممالكنا سمعة، وأيمنها بقعة، وأعمرها بلادا، وأخصبها ربا ووهادا، وأكثرها حصونا شواهق، وقلاعا سوامي سوامق، وثغورا لا تشيم ما افترّ من ثغورها البروق الخوافق، ولها الخواصّ الكثيرة، والجهات الغزيرة، والأموال الوافرة، والغلّات المتكاثفة المتكاثرة- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرتاد لها من يسدّ خلل عطلها، ويشدّ عضد ميدها وميلها، وينهض من مصالحها بما يراد من مثله، ويعيد لها بحسن المباشرة بهجة من فقدته «١» من الأكفاء من قبله.
فلذلك رسم......... أن يفوّض إليه شدّ الدواوين المعمورة بالمملكة الطّرابلسيّة والحصون المحروسة، على عادة من تقدّمه في ذلك.
فليباشر ذلك بمعرفة تستخرج الأموال من معادنها، وتستثير كوامن المصالح من مكامنها، وتثمّر أموال كلّ معاملة بحسن الاطلاع عليها، وصرف وجه الاعتناء إليها، وتفقّد أحوال مباشريها، ومباشرة ما يتجدّد من وجوه الأموال فيها، وضبط ارتفاعها بعمل تقديره، وحفظ متحصّل ضياعها من ضياعه وصون بذارها عن تبذيره، وليجتهد في عمارة البلاد بالرّفق الّذي ما كان في شيء إلا زانه، والعدل الّذي ما اتّصف به ملك إلا صانه، والعفّة الّتي ما كانت في امريء إلّا وفقه الله تعالى في مقاصده وأعانه، وليقدّم تقوى الله بين يديه،
стр. 5689
ويعتمد على توفيقه فيما اعتمد فيه عليه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلى ذلك يكتب شدّ مراكز البريد ونحوها.
الصنف الثاني (من الوظائف بطرابلس الّتي يكتب لأربابها من الأبواب السلطانية- الوظائف الدّينيّة، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى (من يكتب له في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء، وتشتمل على وظائف)
منها: القضاء. وبها أربعة قضاة من المذاهب الأربعة: من كلّ مذهب قاض.
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة الشّافعيّة بها، ينسج على منواله، وهي:
الحمد لله الّذي أعزّ الدّين بعلمائه، وعضّد الحكم بالمتّقين من أوليائه، وأوضح الرّشد للمقتدين بمن جعلهم في الهداية كنجوم سمائه، وجعل لكلّ من الأئمّة من مطالع الظهور أفقا يهتدى فيه بأنواره ويقتدى بأنوائه.
نحمده على أن جعل سهم اجتهادنا في الارتياد للأحكام مصيبا، وقسم لكلّ من أفقي ممالكنا من بركة علماء قسيمه الآخر نصيبا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تعصم من الهوى في الحكم لعباده، وتفصم العرا ممن جاهر فيها بعناده، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أضاءت أنوار ملّته، فاستشفّ العلماء لوامعها، ووضحت آثار سنّته، فأحرز أئمّة الأمّة جوامعها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين دعوا إلى الله فأجابوا، ودعوا إلى الحكم بسنّته فأصابوا، صلاة لا تزال الألسن تقيمها، والإخلاص يديمها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما أدّى فيه الاجتهاد جهده، وبلغ فيه الارتياد حدّه؛
стр. 5690
واستضيء فيه بنور التّوفيق، واستصحب فيه من استخارة الله خير رفيق- أمر الحكم العزيز وتفويضه إلى من وسّع الله تعالى مجال علمه، وسدّد مناط حكمه، وطهّر مرام قلبه، ونوّر بصره في الحكم وبصيرته فأصبح فيهما على بيّنة من ربّه، فأجرى الحق في البحث والفتيا على لسانه ويمينه، ونزّهه عن إرادة العلم لغير وجهه الكريم، ونبّهه على ابتغاء ما عند الله بذلك والله عنده أجر عظيم.
ولما خلا منصب قضاء القضاة بطرابلس المحروسة على مذهب الإمام الشافعيّ ﵁: وهو المنصب الّذي يضيء بالأئمة الأعلام أفقه، وتلتقي بالفضلاء الكرام طرقه، وتحتوي على أرباب الفنون المتعدّدة مجالسه، وتزكو بالفوائد المختلفة مغارسه، وكان فلان هو الّذي أشير إلى خصائص فضله، ونبّه على أنّ الاجتهاد للأمّة أفضى إلى إسناد الحكم منه إلى أهله، وأنّه واحد زمانه، وعلّامة أوانه، وجامع الفضائل على اختلافها، وقامع البدع على افتراق شبهها منه وأتلافها، وحاوي الفروع الّتي لا تتناهى، والمربي على ربّ كلّ فضيلة لا يعرف غيرها ولا يألف سواها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجزم من ارتياده لهذه الرتبة بهذا الرّأي [السديد] «١» ، وأن نقرّب سراه إلى هذا المنصب الذي ناداه بلسان الرّغبة من مكان بعيد.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال إحسانه كالبدر، يملأ المشارق والمغارب، وبرّه كالبحر، يقذف للقريب الجواهر ويبعث للبعيد السّحائب- أن يفوّض إليه كذا.
فليطلع بذلك الأفق الّذي يترقّب طلوعه رقبة أهلّة المواسم، ويسرع إلى تلك الرّتبة الّتي تكاد تستطلع أنباءه من الرياح النّواسم، وينشر بها فرائده الّتي هي أحقّ أن تطوى إليها المراحل «٢» ، ويقدم بها على الأسماع الظّامية لعذب
стр. 5691
فوائده قدوم الغمام على الرّوض الماحل، ويل هذا المنصب الّذي هو فيه بين عدل ينشره، وحقّ يظهره، وباطل يزهقه، وغالب يرهقه، ومظلوم ينصره.
وليكن أمر أموال الأيتام المهمّ المقدّم لديه، وحديث أوقاف البرّ من أوّل وأولى ما يصرف فكره الجميل إليه، ويتعاهد كشف ذلك بنفسه، ولا يكتفي في علمه فعل اليوم باطّلاعه [على أمره] «١» في أمسه؛ وهو يعلم أنّ الله يجعله بذلك مشاركا للواقفين في الأجر المختصّ بهم والشّكر المنسوب إليهم، خارجا من العهدة في أمر اليتامى باستعمال الذين يخشون لو تركوا من خلفهم ذرّيّة ضعافا خافوا عليهم؛ وليقم منار الحق على ما يجب وإن سرّ قوما وساء قوما، ويقم بالعدل على ما شرع: فإنّ «عدل يوم خير للأرض من أن تمطر أربعين يوما» .
وأمّا ما عدا ذلك من أحوال الحكم وعوائده، وآداب القضاء وقواعده، فكلّ ذلك من خصائصه يستفاد، ومن معارفه يستزاد؛ وملاك ذلك كلّه تقوى الله وهي من أطهر حلاه الحسنة، وأشرف صفاته الّتي تتداولها الألسنة؛ فليجعلها وسيلة تسديده في القول والعمل، وذخيرة آخرته التي ليس له في غيرها أمل، ويقلد العلى فيما حدّثته من أسباب نقلته فإن كمال العزّ في النقل؛ والله تعالى يمدّه بموادّ تأييده وقد فعل، ويجعله من أوليائه المتّقين وقد جعل، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلى ذلك تكتب تواقيع القضاة الثلاثة الباقين.
ومنها: وكالة بيت المال.
وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
الحمد لله الّذي عمر بيت مال المسلمين بسداد وكيله، ونموّ تحصيله
стр. 5692
ومزيد تمويله، وتمسّكه بالصّدق من قيله، وسلوكه ما تبيّن [من] «١» سبيله، واعتماده الحق في دليله؛ ودفعه المضارّ وجلبه المسارّ بتخويله.
نحمده على برّه وتفضيله، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إله تنزّه عن ندّه ومثيله، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي بعثه الله لتمام هذا الدّين وتكميله، وأنزل عليه المعجزات في تنزيله، وحفظ به الذّكر الحكيم من تبديله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وقبيله، وسلّم تسليما.
وبعد، فإن بيت المال المعمور هو نظام الإسلام، وذخر الأنام، وفيه محصول المسلمين تحت نظر الإمام، وفيه مادّة المجاهدين في سبيل الله على تطاول الأيّام، وإليه تجبى القناطير المقنطرة من الأموال، وعنه تصدر المبيعات من الأملاك ما بين أراض وأبنية ومحال. والوكيل على ذلك عنّا بالمملكة الطّرابلسيّة المحروسة هو الذّابّ عن حوزته، القائم بتأمين روعته، المجتهد في تمييز رجعته؛ وينبغي أن يكون من العلماء الأعلام الأئمّة، المعوّل عليهم في الأمور المهمّة، البصير بما يترجح به جانب بيت المال المعمور ويكشف كلّ غمّه، العريق في السّيادة الّتي انقادت إليها السجايا الجميلة بالأزمّة.
ولما كان فلان هو الرّاقي هضبة [هذه] «٢» المآثر، الطّالع كوكب مجده السّافر، المستحقّ لكلّ ارتقاء على المنابر، ويعدّ سلفا كريما نصيرا في المفاخر، ويمّتّ ببيت بحره زاخر؛ وله في مذهب الإمام الشافعيّ ﵁ بحث فاق به الأشباه والنظائر، وعنده علم بالمسائل المضروب مثلها السّائر- فلذلك رسم............
فليباشر هذه الوظيفة محترزا في كلّ ما يأتيه ويذره، ويقصده ويحرّره، ويورده ويصدره، ويبيّنه ويقدّره، ويخفيه ويظهره، ويبديه ويستره، ويدنيه ويحضره، ويقرّر جانب بيت المال المعمور، بما فيه الحظّ الموفور، والغبطة في
стр. 5693
كلّ الأمور؛ وهو عالم بما فيه صلاح الجمهور؛ ومن رغب في ابتياع أراض وقراح «١» ، وأبنية وأملاك ورحاب فساح؛ مما هو جار في ملك بيت المال فليوفّر جانب القيمة على ما فيه الصّلاح، وهو بحمد الله من بيت الدّين والصّلاح والإصلاح، وهو يقوي بإسناده الأحاديث الصّحاح؛ ومن له حقّ في بيت المال فليسمع دعوى مدّعيه، ولا يصرف درهما ولا شيئا إلا بحقّ واضح فيما يثبته فيه، وهو وكيل مأمون في تأتّيه، ومعنى الوكيل الّذي يوكل إليه الأمر الذي يليه.
والوصايا كثيرة وأجلّها تقوى الله بالسّمع والبصر واللسان؛ فمن تمسّك بها من إنسان فإنّه يفوز بالإحسان؛ وهو غنيّ عن الوصايا بما فيه من البيان؛ والله يجعله في كلاءة الرّحمن، بمنّه وكرمه!. والخطّ الشريف أعلاه......، إن شاء الله تعالى.
قلت: وقد يكتب لوكالة بيت المال ونحوها بالافتتاح ب «أمّا بعد» على قاعدة أصل الكتابة في قطع الثلث. والكاتب في ذلك على ما يراه بحسب ما يقتضيه الحال.
المرتبة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الدينية بطرابلس- من يكتب له في قطع العادة، مفتتحا ب «- رسم» )
وهذه نسخة توقيع من هذه الرتبة بوظيفة قراءة الحديث النّبويّ، على قائله أفضل الصلاة والسلام، لمن اسمه «يحيى» يستضاء به في ذلك، وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال رميم الفضل بأرواح عنايته يحيا، وأحاديث مننه الحسان تعيها أذن واعية من طيب السّماع لا تعيا، ولا برحت أولياء خدمه تثني على صدقاته بألسنة الأقلام، وتدير «٢» على الأسماع من رحيقها كؤوسا
стр. 5694
مسكيّة الختام- أن يستقرّ في كذا استقرارا ترشف الأسماع، كؤوس روايتها فلا تروى، ورتب كماله يقصر عن طلوعها كلّ باع، فمناواته لا تنوى، وربوع معروفه لا تبيد، وآيات صلاته ينطق بتلاوتها كلّ بليغ فيبديء ويعيد، لأنّه العالم الذي أحيا من مدارس العلوم ما درس، والفاضل الّذي أضاء ببصر علومه ليل الجهل ولا غرو: «فطرّة الصّبح تمحي آية الغلس» ، والكامل الّذي لا يشوب كماله نقيصة، والأمثل الّذي أتته المعالي رخيصة، والإمام الّذي تأتمّ وراءه الأفاضل، وتأخّر عصره ففاق الأوائل؛ ما درّس إلا وجمع من فوائد «أبي حنيفة» و «ابن إدريس» ، ولا عرّس بليل الطّلب إلّا حمد عند إدراك طلبه ذلك التّعريس، ولا أعاد الدّروس للطّلبة إلا وترشّحت منه بالفوائد، ولا جمع ما فصّله العلماء إلا وأتى بالجمع الّذي لا نظير له في الفرائد.
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة أنوار هداها لا تخمد، وليلازمها ملازمة تشكره عليها الألسنة وتحمد؛ وأنت- أدام الله تعالى فوائدك- لا تحتاج إلى الوصايا إذ أنت بها عالم، وبأسبابها متمسّك وبالقيام بها يقظ غير نائم؛ لكن التقوى [أولى] «١» بمن عرف الأمور، ولباس سوابغها يبعد كلّ محذور؛ والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه.
الصنف الثالث (من الوظائف بطرابلس الّتي يكتب لأربابها من الأبواب السلطانية- الوظائف الدّيوانية، وهي على مرتبتين)
المرتبة الأولى (ما يكتب في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء، وتشتمل على وظائف)
منها: كتابة السّرّ، ويعبّر عنه في ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية
стр. 5695
ب «- صاحب ديوان المكاتبات» «١» وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
الحمد لله الّذي جعل الأسرار عند الأحرار، وطوى الصّحف على حسنات الأبرار، وأجرى الأقلام ترجمانا للأفكار، وجعل الحفظة يكتبون الأعمال مع تطاول الأعمار، آناء اللّيل وأطراف النّهار، وبسط المعاني أرواحا، والألفاظ لها أشباحا، مع التّكرار، وأبهج الصدور بصدور الكتب والإيراد والإصدار.
نحمده على فضله المدرار، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة إقرار، وعمل بالجوارح بلا إنكار، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله المصطفى من مضر بن نزار، المخصوص بالمهاجرين والأنصار، الثّاوي بأشرف بقعة تزار، المشرّف كتّاب الوحي: فهم يكتبون بما يمليه عليهم المختار، وجبريل يلقي على قلبه الآيات والأذكار، عن ربّ العزة المسبل الأستار، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما نفح روض معطار، وسحّ صوب أمطار، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ ملاك الملك الشّريف حفظ سرّه، والاحتفال بكتبه الشّريفة ولفظها ودرّه، وخطابها ونثره، وخطها ونشره، وختمها وعطره، وتجهيزها مع
стр. 5696
الأمناء الثّقات الذين تؤمن غائلة أحدهم في كلّ أمره؛ وما ألقي السّرّ الشريف إلّا لأكمل الأعيان، وصدر الزّمان، وبليغ كسحبان، وفصيح كقسّ في هذا الزمان، وأصيل في الأنساب، وعريق في كرم الأحساب، وفاضل يعنو له فاضل بيسان «١» ، وينشي لفظه الدّر والمرجان، وكاتب السّرّ فلا يفوه بلسان.
ولمّا كان فلان هو واسطة عقد الأفاضل، ورأس الرّؤساء الأماثل، وحافظ السّرّ في السّويداء من قلبه، وناظم الدّرّ في سطور كتبه، والمورد على مسامعنا الشريفة من عبارته ألفاظا عذابا، القائل صوابا، والمجيد خطابا، وإذا جهّز مهمّا شريفا راعاه بعينه عودا وذهابا، وإذا استعطف القلوب النافرة عادت الأعداء أحبابا، وإذا أرعد وأبرق على مأزق أغنى عن الجيوش وأبدى عجبا عجابا، وإذا كتب أنبت في القرطاس رياضا خصابا.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه كذا. فليحلّ هذا المنصب الشّريف حلول القمر هالته، وليعد إليه أيّام سرّه وسروره الفائتة، وليعرب عن أصول ثابتة، وفروع في منابت الخير نابتة، ولينفّذ المهمات الشّريفة أوّلا فأوّلا من غير أن يعدق مهمّا بغيره أو يبيّته إلى غده، وليحرّر البريد المنصور بيديه غير معتمد فيه على غير رشده، ولا يغب عن وظيفته طرفة عين بل يكون كالنّجم في رصده لمرتصده، وليوص كتّاب الإنشاء لديه، والمتصرّفين بين يديه، بكتم السّرّ فإن ذلك إليه؛ فإذا أفشى أحد من السّرّ كلمة، فليزجره وليأمره أن يحفظ لسانه وقلمه، وليعط كلّ قضيّة ما تستحقها من تنفيذ كلمة؛ والابتداءات والأجوبة فلتكن ثغورها بألفاظه متشنّبة «٢» وعقودها بإملائه منتظمة؛ فأمّا الابتداء فهو على اقتراحه، وأمّا الجواب فهو على ما يقتضيه الكتاب الوارد باصطلاحه؛ ولا يملي إلا إلى ثقاته ونصّاحه؛ والكتب الملوكية فليوفّها مقاصدها، وليراع عوائدها؛
стр. 5697
والتّقوى فهي الهامّ [من] «١» أمره، وختام عطره، وتمام بدره؛ والوصايا فهي كثيرة لديه وفي صدره؛ والله تعالى يكمّل به أوقات عصره، بمنّه وكرمه! والخطّ الشّريف أعلاه.......
ومنها: نظر المملكة، القائمة بها مقام الوزارة.
وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
الحمد لله مفيض حلل إنعامنا على من أخلص في طاعتنا الشّريفة قلبه ولسانه، ومولي فضل آلائنا العميمة على من أرهف في مصالحها آلة عزمه وبنانه، ومحلّي رتب عليائنا الشّريفة بمن أشرق في سماء المعالي بدره وإنسانه، وأينعت في غصون الأمان قطوفه وأفنانه.
نحمده حمدا يبلغ [به] «٢» أقصى غاية المجد من تبتسم بجميل نظره الثّغور، وتعتصم بحميد خبره وخبرته الأمور، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تشرق بها البدور، ويعتمد عليها في الأيّام والدّهور، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم، والنّاشر لواء العدل بسننه الواضح وشرعه القويم، وعلى آله وصحبه الذين اهتدى بهديهم ذوو البصائر والأبصار، وارتدى بأرديتهم المعلمة مقتفي الآثار من النّظار، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ أولى من أسندنا إلى نظره الجميل رتبة عزّ ما زالت بنو الآمال عليها تحوم، وعدقنا بتدبيره الجميل منصب سيادة ما برحت الأمانيّ له تروم، واعتمدنا على هممه العليّة فصدّق الخبر الخبر، وركنّا إلى حميد رأيه فشهد السّمع له وأدّى النّظر.
ولما كان فلان هو الّذي رقى في ذروة هذه المعالي، وانتظم به عقد هذه اللّآلي، وحوى بفضيلة البيان واللّسان ما لم تدركه المرهفات والعوالي؛ فما حلّ
стр. 5698
ذروة عزّ إلّا حلّاها بنظره الجميل، ولا رقى رتبة سيادة إلا وأسفر في ذروتها وجه صبحه الجميل، ولا عدق بنظره كفالة رتبة إلا وكان لها خير كفيل.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال ينتصي «١» للرّتب العليّة خير منجد ومغير، ويختار للمناصب السّنيّة نعم المولى ونعم النّصير- أن يفوّض إليه كذا فإنّه القويّ الأمين، والمتمسك من تقوى الله تعالى وكفايته بالسّبب المتين، والمستند بجميل كفالته وحميد ديانته إلى حصن حصين، والمستذري بأصالته الطّاهرة وإصابته إلى الجنّة الواقية والحرم الأمين.
فليقدّم خيرة الله تعالى ويباشر الجهة المذكورة بعزم لا ينبو، وهمّة لا تخبو، وتدبير يتضاعف على ممرّ الأيّام ويربو، ونظر لا يعزب عن مباشرته مثقال ذرّة إلا وهي من خاطره في قرار مكين، وضبط لا تمتدّ إليه يد ملتمس إلا ويجد من مرهفه ما يكفّ كفّها بالحدّ المتين، وليضاعف همّته، في مصالح هذه الجهة التي عدقناها بنظره السعيد، وليوفّر عزمته، فإنّ الحازم من ألقى السّمع وهو شهيد؛ والوصايا كثيرة ومثله لا يدلّ عليها، والتّنبيهات واضحة وهو- وفقه الله تعالى- أهدى من أن يرشد إليها؛ والله يوفّقه في القول والعمل، ويصلح بجميل تدبيره وحميد تأثيله كلّ خلل؛ والاعتماد على الخطّ الشريف، إن شاء الله تعالى.
ومنها- نظر الجيش بها:
وهذه نسخة توقيع بها لمن لقبه «شمس الدّين» وهي:
الحمد لله الّذي أطلع في سماء المعالي شمسا منيرة، وأينع غروس أولي الصدارة بعهاد سحب عوارفه الغزيرة، وأبدع الاحسان إلى من قدّمه الاختبار والاختيار على بصيرة.
стр. 5699
نحمده على نعمه الّتي عم فضلها، ومدّ على أولياء الدولة القاهرة ظلّها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تزلف لديه، وتسلف ما يجده المتمسّك بها يوم العرض عليه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من بعث إلى الأمم كافّة، وأكرم من غدت أملاك النّصر آيته حافّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا بصحبته الشّرف، وفازوا بطاعة الله وطاعته من الجنان بغرف من فوقها غرف.
وبعد، فإنّ أولى ما عدق بالأكفاء، وأحقّ ما صرف إليه وجه الاعتناء، وأجدر ما أوقظ له طرف كاف لا يلمّ بالإغفاء- أمر الجيوش المنصورة بطرابلس المحروسة الّتي لا ينهض بأعباء مصالحها إلا من عرف بالسّداد في قلمه وكلمه، وألف منه حسن التصرّف فيما يبديه من نزاهته ويظهره من هممه، بخبرة مؤكّدة، وآراء مسدّدة، ومعرفة أوضاع ترتيبها وأحوالها، وقواعد مقدّميها وأبطالها، وكفاية تفتح رحاب حالها.
ولما كان فلان هو الصّدر المليّ بوافي الضّبط ووافر الاهتمام، والكافي الذي نطقت بكفايته ألسنة الخرصان «١» وأفواه الأقلام، والضّابط الّذي لا يعجز فهمه عن إحاطة العلم بذوي الآلام.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زال يقدم للمراتب، كافيا مشكورا، ويرشّح للمناصب، صدرا أضحى بالأمانة مشهورا- أن يفوّض إليه كذا: لأنّه الصّدر الّذي تزاحمت ألسنة الثّناء عليه، وترادفت بين أيدينا محامده فقرّرنا العوارف لديه، وشكرت عندنا هممه في سداد كلّ ما يباشره، وذكرت لدينا بالخير سيرته وسرائره.
فليباشر هذه الوظيفة الجليلة متحلّيا بين الأنام بعقودها، مطلعا شمس نزاهته في فلك سعودها، ناهضا بأعباء منصبه السعيد، ضابطا قواعده بكلّ
стр. 5700
تحرير تليد، متقنا ديوان الجيوش المنصورة، معملا في ملاحظتها نافذ البصر وحسنى البصيرة، محرّرا أوراق العدّة والعدّة، باذلا في ضبط الحلّى اهتمامه وجهده؛ والله تعالى يسعد جدّه، ويجدّد سعده؛ والخطّ الشريف أعلاه ...
... إن شاء الله تعالى.
قلت: وربّما كتب مفتتحا في هذه الرتبة ب «أمّا بعد» فإنها أصل ما يكتب في قطع الثلث.
المرتبة الثانية (من مراتب أرباب الوظائف الديوانية بطرابلس- من يكتب له في قطع العادة ب «- مجلس القاضي» )
وهو قليل الوقوع. والغالب في ذلك أن يكتب عن نائب السلطنة بها.
وهذه نسخة توقيع من هذه الرتبة بكتابة الدّست بطرابلس، يقاس عليه ما عداه من ذلك، وهي:
رسم بالأمر الشّريف- لا زال أمره الشريف، يزيد من يصطفيه شرفا، وبرّه المنيف، يفيد من يجتبيه تحفا، وخيره المطيف، يجيد لمن يختاره جودا، ويسرّ قلب من رفعه إلى صدر الدّست صعودا، فيبوّئه من جنّات العلياء غرفا- أن يستقرّ في كذا: استقرارا تجتنى منه ثمار الخيرات، وتجلى عليه عروس المسرّات، لأنّه الرئيس الّذي تفتخر هذه الوظيفة بانتسابها إليه، وتتجمّل حللها وألويتها إذا نشرت عليه، والفاضل الّذي ألقت إليه البلاغة زمامها، والكامل الذي ملك بيانها ونظامها، والأديب الّذي لا يدرك في الآداب، واللّبيب الّذي يقصر عنه طول عامّة الطّلّاب؛ كم له من كتابة حسنة الاتّساق، وبلاغة حصل على فضلها الاتّفاق، وديانة أطلق فيها لسانه ويده فشكرها الناس على الإطلاق؛ فهو مستند الرآسة، وابن من حاز كلّ فخار وراسه، والعلم المشهور علمه، وصاحب القلم المشكور رقمه؛ فالمناصب بارتفاعه إليها مفتخرة، والمراتب بعلائه مستبشرة، والأسماع بفضائله مشنّفة، والأسجاع بكلمه مشرّفة.
стр. 5701
فليباشر هذه الوظيفة، وليسلك فيها طريق نفسه العفيفة، وليدبّج القصص بأقلامه، وليبهج التّواقيع بما يوقّع مبرم فصيح كلامه، وليزيّن الطّروس، بكتابته، ولينعش النّفوس، ببلاغته، وليجمّل من المباشرة ما تصبح منه مطالع شرفه منيرة، وتمسي به عين محبّه قريرة؛ والوصايا فهو خطيب منبرها، ولبيب موردها ومصدرها، والتّقوى فليلازم فيها شعاره، وليداوم بها على ما يبلغ به أوطاره؛ والله تعالى يجعل سعوده كلّ يوم في ازدياد، ويسهل له ما يرفع ذكره بين العباد، بمّنه وكرمه!. والاعتماد في ذلك على الخطّ الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
النوع الثاني (من الوظائف بطرابلس- ما هو خارج عن حاضرتها، وهم على ثلاثة أصناف أيضا)
الصّنف الأوّل (أرباب السيوف)
وقد تقدّم أنّه ليس بها مقدّم ألف سوى نائب السّلطنة بها، وحينئذ فالنيابات بمعاملتها على طبقتين:
الطبقة الأولى (الطّبلخاناه)
ومراسيمهم تكتب في قطع الثلث ب «السّاميّ» بالياء، مفتتحة ب «الحمد لله» .
وهذه نسخة مرسوم شريف من ذلك بنيابة قلعة، تصلح لنائب اللّاذقيّة، ينسج على منوالها، وهي:
الحمد لله الّذي جعل الحصون الإسلاميّة في أيّامنا الزّاهرة، مصفّحة بالصّفاح، والثّغور المصونة في دولتنا القاهرة، مشرّفة بأسنّة الرّماح، والمعاقل
стр. 5702
المحروسة مخصوصة من أوليائنا بمن يعدّ بأسه لها أوقى الجنن وذبّه عنها أقوى السّلاح.
نحمده على نعمه الّتي عوارفها عميمة، وطوارفها كالتّالدة للمزيد مستديمة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنطق الضمائر قبل الألسنة بإخلاصها، وتشرق القلوب بعموم إحاطتها بها واختصاصها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أشرقت بنور ملّته الظّلم، وارتوت بفور شريعته الأمم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين امتطوا إلى جهاد أعداء الله وأعدائه غارب الهمم، صلاة سارية كالرّياح هامية كالدّيم، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما عقد عليه في صيانة الحصون الخناصر، واعتمد على مثله في كفاية المعاقل إذا لم يكن غير تأييد الله وحدّ السّيف ناصر- من هو في حفظ ما يليه كالصّدور الّتي تصون الأسرار، والكمائم التي تحوط الثّمار، مع اليقظة الّتي تذود الطّيف أن يلمّ بحماة حماه، والفطنة الّتي تصدّ الفكر أن يتخيّل فيه ما اشتمل عليه وحواه، والأمانة الّتي ينوي فيها طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعتنا الشريفة ولكلّ امريء ما نواه.
ولما كان فلان هو السيف الّذي تروق تجربته ويروع تجريده، وإذا ورد في الوغى منهل حرب فمشرعه من كلّ كميّ وريده- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرهف حدّه بحفظ أسنى الحصون عندنا مكانا ومكانة، وأسمى المعاقل رفعة وعزة وصيانة.
فرسم بالأمر الشّريف أن تفوّض إليه النيابة بقلعة كذا.
فليباشر هذه النّيابة السّامي قدرها، الكامل في أفق الرّتب بدرها، مباشرة تصدّ الأفكار، عن توهّمها، والأبصار، عن توسّمها، والخواطر، عن تخيّل مغناها، والسّرائر، عن تمثّل صورتها ومعناها.
وليكن لمصالحها متلمّحا، ولنجوى رجالها متصفّحا، ولأعذار حماتها مزيحا، وللخواطر من أسباب كفايتها مريحا، ولمواطنها عامرا، وبما قلّ وجلّ
стр. 5703
من مصالحها آمرا، ولوظائفها مقيما، وللنّظر في الكبير والصغير من أمورها مديما، ولخدمتها مضاعفا، ولكلّ ما يتعين الاحتفال به من مهمّاتها واقفا، وملاك الوصايا تقوى الله: وهي أوّل ما يقدّمه بين يديه، وأولى ما ينبغي أن يصرف نظره إليه؛ فليجعل ذلك خلق نفسه، ومزيّة يومه على أمسه، والخير يكون، والخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية (العشرات)
ومراسيمهم إن كتبت من الأبواب السّلطانية ففي قطع الثلث ب «السامي» بغير ياء، مفتتحة ب «أمّا بعد» إلا أنّ الغالب كتابتها عن نائب السّلطنة.
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة قلعة بلاطنس «١» ، من معاملتها وهي:
أمّا بعد حمد الله على نعم توالى رفدها، ووجب شكرها وحمدها، وعذب لذوي الآمال وردها، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي رفع به لقريش مجدها، فعلا جدّها «٢» ، وعلى آله وصحبه صلاة لا يحصى عددها ولا يحصر حدّها- فإنّه لمّا كان فلان من قدمت تقادم خدمه، وتعالى به إلى العلياء سامي هممه، وترفّع به حسن ولائه حتّى أعلت الدولة من شأنه ورفعت من علمه، واستكفته لمصون الحصون، وجادت عليه بصوب إحسان روّى الأمانيّ فأضحت نضرة الغصون؛ وكانت قلعة فلانة هي القلعة الّتي شمخت بأنفها على القلاع علوّا، وسامت الجوزاء سموّا، فوجب أن لا يستحفظ عليها وفيها، إلّا من عرف بحسن المحافظة وتوفّيها؛ وكان المشار إليه هو عين هذه الأوصاف، والوارد من حسن الطاعة المورد الصّاف- اقتضى حسن الرأي الشّريف أن ننوّه بذكره، ونرفع من قدره.
стр. 5704
ولذلك رسم......- لا زال...... أن تفوّض إليه النيابة بهذه القلعة المحروسة، وأن تكون بأوانس صفاته مأنوسة.
فليكن فيما استحفظ كفوا، وليورد الرّعيّة من حسن السّيرة صفوا، وإذا تعارض حكم الانتقام وكان الذنب دون الحدّ فليقدّم عفوا. وعليه بالعدل، فإنّه زمام الفصل، والقلعة ورجالها، وذخائرها وأموالها، فليمعن النظر في ذلك بكرة وأصيلا، وإجمالا وتفصيلا، وتحصينا وتحصيلا. وعليه بالتّمسّك بالشّريعة المطهّرة، وأحكامها المحرّرة؛ وليردع أهل الفساد، ويقابل من ظهر منه العناد، بما يؤمّن المناهج، ويجدّد المباهج، والوصايا كثيرة، فليكن ممّا ذكر على بصيرة؛ أعانه الله على ما أولاه، ورعاه فيما استرعاه؛ والخطّ الشريف أعلاه، حجّة بمقتضاه، والخير يكون إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني (ممّا هو خارج عن حاضرة طرابلس- الوظائف الدّينية)
والغالب كتابتها عن نائب السلطنة بطرابلس. فإن كتب شيء منها عن الأبواب السلطانية، كان في قطع العادة «بمجلس القاضي» مفتتحا ب «رسم» .
وهذه نسخة توقيع من ذلك بنظر وقف على جامع بمعاملة طرابلس، كتب به لمن لقبه «زين الدّين» وهي:
رسم بالأمر الشّريف- لا زال كريم نظره يستنيب عنه بمصالح بيوت الله تعالى من تزداد بنظره شرفا وزينا، ويعيّن لها من الأعيان من تسرّ به خاطرا وتقرّ به عينا، ويمنحها من إذا باراه مبار وجد بينهما بونا وبينا، ويقرّر لها كلّ كاف إذا فاه راء بوصف آرائه الملموحة عيّن صوابها ولا يجد عليها عينا- أن يستقرّ بالنّظر على كذا: استقرارا يرى الوقف بنظره على ربعه طلاوة، ويجد بمباشرته في صحنه حلاوة، ويعرب عن استمراره على حسن الثّناء، ويجد من نيل ريعه أكمل وفاء، لأنّه الناظر الّذي لا يملّ إنسانه، من حسن النّظر، ولا يكلّ لسانه، عن الأمر بالمصالح ولفظه عن إلقاء الدّرر، والشّريف الّذي وجدت مخايل شرفه
стр. 5705
من فضل خلاله، والجواد الحائز بجوده قصب السّبق على أمثاله، والكامل الّذي لا توجد في صفاته نقيصة، والفاضل الّذي أتته الفضائل على رغمها رخيصة.
فليباشر هذا النّظر مباشرة تكحل ناظره فيها بالوسن، وليقابلها من جميل سلوكه بكل وجه حسن، وليبدأ أوقاف الجامع المذكور بالعمارة، وليقطع بمدية أمانته يد من يشنّ على ماله الغارة، وليأمر أرباب وظائفه باللّزوم، وليخصّ كلّا منهم من فضله بالعموم، وليتّق الله تعالى في القول والعمل، وليجتهد على أن لا يتخلّل مباشرته الخلل؛ والاعتماد على الخطّ الشّريف أعلاه.......
الصنف الثالث (مما هو خارج عن حاضرة طرابلس- أرباب الوظائف الدّيوانية)
وقل أن يكتب فيها شيء عن الأبواب الشّريفة السّلطانية، وأنّ الغالب كتابة ما يكتب فيها من نائب السّلطنة بطرابلس. فإن اتّفق كتابة شيء من ذلك عن الأبواب السلطانية، مشى الكاتب فيه على نهج ما تقدّم في الوظائف الدّينية: من كتابته في قطع العادة ب «مجلس القاضي» مفتتحا ب «- رسم» لا يختلف الحال منه في ذلك إلّا في الفرق بين التّعلّقات الدّينية والدّيوانيّة. والكاتب الماهر يصرّف قلمه في ذلك وفي كلّ ما يحدث من غيره على وفق ما تقتضيه الحال، وبالله المستعان.
النيابة الرابعة (نيابة حماة. ووظائفها الّتي تكتب بها من الأبواب السلطانية، ما بحاضرتها خاصّة؛ وهي على ثلاثة «١» أصناف)
الصنف الأوّل (أرباب السيوف)
وليس بها منهم إلّا نائب السلطنة خاصّة. ويكتب له تقليد في قطع الثلثين
стр. 5706
ب «الجناب العالي» مع الدعاء بمضاعفة النّعمة.
وهذه نسخة تقليد بنيابة حماة:
الحمد لله ذي التّدبير اللّطيف، والعون المطيف، والحياطة الّتي تستوعب كلّ تصريف وكلّ تكليف.
نحمده بمحامد جميلة التّفويف، حسنة التّأليف، مكمّلة التّكييف، بريّة من التّطفيف، حرية بكل شكر منيف، وذكر شريف، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة خلص تحريرها عن كلّ تحريف، وتنزّه مقالها عن تسويد تفنيد أو تسويف، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صاحب الدّين الحنيف، والمبعوث بالرّحمة والتّخفيف، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة متناوبة تناوب الصّرير والصّريف «١» ، والشّتاء والمصيف، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ من شيم الدّولة وسجاياها، وأحكامها وقضاياها، تقديم الأهمّ فالأهمّ، وتحتيم الاتمّ من الرّأي وتحكيم التّدبير الأعمّ، وفعل كلّ ما يحوط الممالك ويحفظها، ويذكي العيون لملاحظتها ويوقظها: لما أوجبه الله من حقوقها، وحظره من عقوقها؛ ولا يكون ذلك إلا باختيار الأولياء لضبطها، والتّعويل على الأملياء بالقيام بشرطها، والاستناد من الزّعماء إلى من يوفّي من الخرّاجة «٢» والعيون وافي قسطها.
ولما كانت المملكة الحمويّة جديرة بالالتفات، حقيقة بالحياطة من جميع الجهات، مستدعية من جميل النّظر كلّ ما يحرس ربعها، ويديم نفعها، ويحفّل ضرعها، ويلمّ شعثها ويشعب صدعها، ويسرّ سمعها، ويفعم شرعها، ويعظّم شرعها، ويكتنفها اكتناف السّور والسّوار، والهالة للبدر والأكمام للثّمار؛ وكان فلان هو المتقشّع سحاب هذا الوصف عن بدره المنير، والمتقلّع ضباب هذا التّفويض عن نور شمسه المنعشة قوى كلّ نبت نضير، والّذي بأهليته لرتبة هذا
стр. 5707
التفويض ما خاب المستخير، ولا ندم المستشير، والّذي يفرده استحقاقه بهذه الرتبة فلا يقول أحد من كبير ولا صغير امتثالا للمراسيم الشّريفة في حقّه: «منّا أمير ومنكم أمير» - اقتضى جميل الرأي المنيف، أن خرج الأمر الشريف- لا برح يحسن التّعويل، ويهدي إلى سواء السبيل، ويمضي مضاء القضاء المنزّل والسيف الصّقيل- أن تفوّض إليه نيابة السلطنة المعظمة في مملكة كذا وكذا.
فليقدّم خيرة الله قائلا وفاعلا، ومقيما وراحلا، وموجّها ومواجها ومسجّلا وساجلا، وعالما وعاملا، ومعتمدا على الله في أمره كلّه. وليكن من هذه المعرفة قريبا، وعلى كلّ شيء حتّى على نفسه رقيبا؛ وإذا اتّقى الله كفاه الله الناس، وإن اتقى الناس لم يغنوا عنه من الله شيئا فليقس على هذا القياس، ويقتبس هذا الاقتباس.
وأما الوصايا فالعساكر المنصورة هم مخلب الظّفر وظفره، وبهم يكشف من كل عدوّ سرّه، ويخلّى وطنه ووكره، ويضرب زيده وعمره، ويبدّد جمعه، ويساء صنعه، ويعمى بصره ويصمّ سمعه، وهم أسوار تجاه الأسوار، وأمواج تندفع وتندفق أعظم من اندفاق البحار، وما منهم إلا من هو عندنا لمن المصطفين الأخيار؛ فأحسن استجلاب خواطرهم، واستخلاب بواطنهم وسرائرهم، واستحلاب الشائع «١» من طاعاتهم في مواردهم ومصادرهم؛ وكن عليهم شفوقا، وبهم في غير الطاعة والاستعباد رفوقا، وأوجب لهم بالجهاد والاجتهاد حقوقا، واصرف لهم حملا لأعباء المهمّات والملمّات مطيقا، واستشر منهم ذوي الرأي المصيب، ومن أحسن التّجريب، ومن تتحقّق منه النّصح من الكهول والشيب، ممن كلل بغيرة منه ما شبّ فإنّ المرء كثير بأخيه، وإذا اجتمعت غصون في يد أيّد عست «٢» على قصفه وقصف كلّ واحدة فواحدة لا يعييه.
стр. 5708
والجهاد «١» فهو ملاك كلّ استحواء واستحواذ، وبه تتميز أفعال الكفّار بالنّفاد وأفعال الدّين الحنيف بالنّفاذ؛ وما جعل الله للمدافعين عن دين الله سواه، ولا مزجي صوب صواب إلا إيّاه؛ وعلى ذلك جعل الله أرزاقهم، وهيّأ لهم به إرفاقهم؛ فليكرمهم بأخذ الأهبة، في الاعتلاء والانصباب في كلّ هضبة، والاستعداد برباط الخيل وكلّ قوّة.
ومن الوصايا الّتي ينبغي أنها ترسم في جبهات الفكر [دون توان] «٢» أو ركون أن لا يستحقر عدوّا، ولا يستهزيء بقلّته لا رواحا ولا غدوّا، وليكن للاستظهار مستوعبا، ولإعمال المكايد مستوثبا، وللكشف بعد الكشف مستصحبا؛ وغير ذلك من الأمور، التي بها صلاح الجمهور.
والشّرع الشريف وتنفيذ أحكامه، وتقوية أيدي حكّامه؛ فهو ميزان الإسلام والسّلامة، وقوام الصّلاح والاستقامة، وأخوه المرتضع من ثدي الحقّ، العدل الذي كم شاق وكثيرا ما على أهل الباطل شقّ، وعمّ القريب والبعيد، والسائق والشهيد، والمريب والمريد، وكلّ ذي ضعف مبيد، وكلّ ذي بأس شديد، وكلّ مستشير ومستزيد، فإنّ ذلك إذا شمل حاط، وتم به الارتياد والارتباط، وهدى إلى أقوم صراط.
والحدود فهي حياة النفوس، وبها تزال البؤوس، فأقمها ما لم تدرأ بالشّبهات الشرعية، والأمور المرعيّة.
والأموال فهي مجلبة الرّجال، ومخلبة الآمال، وبها يشدّ الأزر، ويقوى الاستظهار [و] «٣» الظّهر، فيشدّ من الذين أمرها بهم معدوق، ويقويّ أيديهم بكلّ طريق في كلّ طروق، بحيث لا يؤخذ إلا الحق ولا يترك شيء من الحقوق.
стр. 5709
والرعية فهم عند والي الأمر ودائع: ينبغي أنّها تكون محفوظة، وبعين الاعتناء ملحوظة؛ فأحسن جوارهم، وأزل نفارهم، واكفف عنهم مضارّهم، ولا تعاملهم إلا بما لا تسأل عنه غدا بين يدي ربّك فإنه يراك حين تقوم، وأعدد جوابا لذلك فكلّ راع مسؤول.
وأمّا غير ذلك فلا بدّ أن تطلعك المباشرة على خفايا تغنيك عن المؤامرة، وستتوالى إليك الأجوبة عند المسافرة في المكاتبات الواردة والصّادرة؛ والله يوفقك في كلّ منهج تسلكه وتقتفيه، ويسدّدك فيما من ذلك تنتحيه.
قلت: أمّا سائر أرباب الوظائف بها: كشدّ الدواوين، وشدّ مراكز البريد وغيرهما، فقد جرت العادة أنّ النائب يستقلّ بتوليتها. فإن قدّر كتابة شيء من ذلك لأحد بها، كتب لمن يكون طبلخاناه في قطع النصف ب «السامي» بغير ياء، ولمن يكون عشرة في قطع الثلث ب «- مجلس الأمير» كما في غيرها.
الصنف الثاني (أرباب الوظائف الدينية، وهم على مرتبتين)
المرتبة الأولى- من يكتب له في قطع الثلث ب «الساميّ بالياء»
. وهم قضاة القضاة الأربعة.
المرتبة الثانية- من يكتب له في قطع العادة
: إمّا في المنصوريّ، مفتتحا ب «أما بعد» وإما في الصّغير مفتتحا ب «- رسم» . وعلى ذلك تكتب تواقيع قضاة العسكر بها، ومفتي دار العدل، والمحتسب، ووكيل بيت المال، ووظائف التّداريس والتصادير، ونظر [الأحباس] «١» إن كتب شيء من ذلك عن الأبواب السلطانية، وإلّا فالغالب كتابة ذلك عن النائب بها «٢»
стр. 5710
النيابة الخامسة (نيابة صفد)
وقد تقدّم في الكلام على المكاتبات أنّها في رتبة نيابة طرابلس وحماة في المكاتبة، وأنّها تذكر بعد حماة في المطلقات.
ووظائفها الّتي تولّى من الأبواب السّلطانية على ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل (أرباب السيوف، وفيه وظيفتان)
الوظيفة الأولى (نيابة السلطنة بها، ويكتب تقليده في قطع الثلثين)
وهذه نسخة تقليد بنيابة السّلطنة بصفد، كتب به لسيف الدين «قطلقتمس» «١» السلحدار الناصريّ، في سابع رمضان سنة عشر وسبعمائة، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، وهي:
الحمد لله الّذي صان الثّغور المحروسة من أوليائنا بسيف لا تنبو مضاربه، وخصّ أسنى الممالك المصونة من أصفيائنا بعضب لا يفلّ غربه محاربه، وقدّم على زعامة الجيوش من خواصّنا ليثا يسكن إليه كلّ أسد من أسد ذائلة «٢» تغالبه، حافظ نطاق البحر من أبطال دولتنا بكلّ كميّ تصدّ البحر مهابته أن يستقل براكبه أو تستقرّ على ظهره مراكبه، وناشر لواء عدلنا في أقاليمنا بما يغني كلّ قطر أن تتدفّق جداوله أو تستهلّ به سحائبه.
نحمده على نعمه الّتي جعلت سيف الجهاد رائد أوامرنا، وقائد جيوشنا إلى مواقف النّصر وعساكرنا، وذائد أعداء الملة عن أطراف ممالكنا الّتي أسبق إليها من رجع النّفس في الدّجى تألّق نجوم ذوابلنا، وفي الضّحى تبلّج غرر
следующие страницы →