Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
وليجة «١» ولا تقطع عنا أخبارك البهيجة، وليعرف قومه له حقّه، ويوفوه من التعظيم مستحقّه، فإنه أميرهم وأمره من أمرنا المطاع، فمن نازع فقد خالف النّص والإجماع؛ والله تعالى يوفّقه ما استطاع، بمنه وكرمه! والخط الشريف.........
[الثاني- أمير آل فضل] «٢»
وهذه نسخة مرسوم شريف بالتّقدمة على عربي آل فضل وآل عليّ، كتب به للأمير فخر الدين «عثمان بن [مانع] «٣» بن هبة وهو:
الحمد لله الّذي خصّ من والى هذه الدّولة بالتّقدمة والفخر، ورمى من عاداها بالمذلّة والقهر، ومدّ في عمر أيّامها حتّى يستنفد الدّهر، وحتّى توصف أيّامها- وإن قصرت- بالمسارّ: كلّ شهر يمرّ منها كالعام واليوم كالشّهر.
نحمده على ما منحنا من تأييد وظفر، وطوى دعوة من عاندنا بعد النّشر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة إن دخلت شواهدها تحت الإحصاء فلا تدخل فوائدها تحت الحصر، وأنّ محمدا عبده ورسوله الّذي جعل الله به الهداية في المبدإ والشّفاعة في المعاد يوم الحشر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تسعد بعد الشّقاء وتجبر بعد الكسر.
وبعد، فإنّ الله لما مكّن لنا في الأرض، وجعل بيدنا البسط والقبض، وأرانا كيف نصنع الجميل ونجمّل الصّنع، وكيف نجبر قلب من جعل في أيامنا جبره بعد الصّدع، وكيف تصبح أنجم ذوي الأقدار في سماء مملكتنا نيّرة المطالع، وكيف نلقّي الخير في عراصها من رامه إذا كان على
стр. 5637
الخير في غير أيّامنا مانع، وكيف نحل التقدمة فيمن إذا عقل في حللها قيل: هذا هو أحقّ بها ممّن كان، وهذا الّذي ما برحت التقدمة في بيته في صدر الزّمان، وهذا الذي إذا ذكر آل فضل وآل عليّ كانت له مرتبة الشّرف ولا غرو أن تكون مرتبة الشّرف لعثمان، وأنّنا لا نمطي صهوة العزّ إلّا لأهلها، ولا ننسخ الآية لمن تقدّم في التّقدمة إلا بخير منها أو مثلها، ولا نسلّم رايتها، إلا لمن تعقد عليه الخناصر، ولا يتسنّم ذروتها، إلا من هو أحقّ بها وأهلها في الأوّل والآخر.
ولما كان المجلس السّاميّ، الأميريّ، فخر الدين، عثمان بن مانع بن هبة: هو المراد بهذا القول الحسن، والممدوح بحشد هذا المدح الّذي يسرّ السّرّ والعلن، والحقيق من الإحسان بكلّما والخير بأن، والخصيص من سوالف الخدم بما والمفضّل على سائر النّظراء ولو قيس بمن- اقتضى حسن الرّأي الشّريف، أن رسم بالأمر الشريف- لا زال ذو القدر في أيّامه يرتفع، وذو الفضل في دولته لا يعزّ عليه مطلب ولا يمتنع، وذو الأصالة الّتي يجتمع له فيها من النّعماء ما لا يلتئم له في غيرها ولا يجتمع- أن تفوّض إليه التقدمة على العربان بالشّام المحروس، وهم من يأتي ذكره، على ما استقرّ عليه الحال في ترتيبهم، وأنّ منازله الدّاروم «١» : بعدا وقربا، حضرا وبدوا، عامرا وغامرا، رائحا وغاديا، من الرّستن إلى الملّوحة «٢» والعرب: آل فضل وآل عليّ حيث ساروا نزلوا منزلة المذكور، أو بمنزلة الأمير شمس الدين محمد بن أبي بكر، والخدمة واحدة، والكلمة على اتّفاق المصالح متعاضدة.
فليكن للقوى جسد روحها لا بل روح جسدها، ومجموع القبائل أوحد عددها إذا صح الأوّل من عددها، وقطب فلكها الّذي على تدبيره مدارها، وعلى
стр. 5638
تقريره اقتصارها، وعلى تقدمته تعويلها، وإلى نسبة إمارته جملتها وتفصيلها؛ وليجمعهم على الطّاعة فإن الطّاعة ملاك الأمر للآمر، وأسّ الخير للبادي والحاضر، وليعلم أن لكلّ منهم نقابة تعرف، وعلميّة أصالة بها يعرّف، ومنزلة يرثها الولد عن الوالد، ومشيخة ترجع من ذلك البيت إلى ذلك الواحد، فليحفظ لهم الأنساب، وليرع لهم الأسباب، وإذا أمروا بأمر من مهامّ الدّولة يتلو عليهم:
ادْخُلُوا الْبابَ*
«١» . والألزام له ولهم مخاوض «٢» تحفظ، ومفاوز تلحظ، ومطارح لا تلفظ، ومشات ومصايف، ونفائض ومصارف، ومرابع، ومراتع، ودنوّ واقتراب، وتوطّن واغتراب، وإغارة ونهيض، وبرق ووميض.
فليرتّب ذلك أجمل ترتيب، وليسلك فيه خير مذهب وتهذيب، وليدع العادي، ويلاحظ الرّائح والغادي، وليؤمّن ذلك الجانب فأمننا تطرب أبياته المحدوّ والحادي؛ وعليهم عداد مقرّر، وقانون محرّر؛ وليكن على يد شادّه شادّا؛ ولسبب تأييدهم مادّا، ويعلم أنّه وإن كان قد أغمض من جفونه فيما مضى، وأعرض عنه في الزّمن الأوّل الّذي انقضى، وقدّم عليه من كان دونه، فقد ردّ الله له أبكار الأمر وعونه؛ فلا يجعل لقائل عليه طريقا، ولا يدخل في أمر يقال عنه فيه: كان غيره به حقيقا، بل يفوق من تقدّم في الخدمة والهمّة، والصّرامة والعزمة؛ والله يوزعه شكر هذه النّعمة؛ والخط الشريف.........
الثالث- أمير آل مراء
«٣» ، ورتبته «الساميّ» بالياء.
стр. 5639
وقد تقدّم أنّ منازلهم حوران. وعن «مسالك الأبصار» أنّ ديارهم بين بلاد الجيدور والجولان، إلى الزرقاء [والضليل] «١» إلى آخر بصرى. ومشرقا إلى حرّة [كشب] «٢» ، على القرب من مكّة المشرّفة، زادها الله شرفا.
وهذه نسخة مرسوم شريف بإمرة آل مراء، كتب بها للأمير بدر الدين «شطيّ بن عمر» «٣» وهي:
الحمد لله الّذي زيّن آفاق المعالي بالبدر، ورفع بأيّامنا الشريفة خير وليّ أضحى بين القبائل جليل القدر، ومنح من أخلص في خدم دولتنا الشريفة مزيد الكرم فأصبح بإخلاصه شديد الأزر، وأجزل برّه لأصائل العرب العرباء فوفّر لهم الأقسام، وأسبغ ظلال كرمه على من يرعى الجار ويحفظ الذّمام.
نحمده على نعم هطل سحابها، ومنن تفتّحت بالمسارّ أبوابها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقرّب صاحبها يوم الفزع الأكبر، من المحلّ الآمن، وتورده نهر الكوثر، الذي ماؤه غير آسن، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي بعثه الله من أشرف القبائل، وأوضح بنور رسالته الدّلائل، فأنقذ الله به هذه الأمّة من ضلالها، وبوّأها من قصور الجنان أعلى غرفها وأشرف ظلالها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين أوضحوا مناهج الإيمان، وشيّدوا قواعد الدّين إلى أن علت كلمته في كلّ مكان، [فكان] «٤» عصرهم أجمل عصر وقرنهم خير أوان، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من أدنينا من بساط الاصطفاء محلّه، وارتشف من
стр. 5640
سحاب معروفنا طلّه فوبله، ونال من عواطفنا منزلة القرب على بعد الدار، وحكم له حسن نظرنا الشريف بتوالي غزير كرمنا المدرار «١» ولما كان المجلس الفلانيّ: هو المشار إليه بهذا النّعت الحسن، والموصوف بالشّجاعة في السّرّ والعلن- رسم بالأمر الشريف- لا زال بدره، ساطع الأنوار، وبرّه، هامع القطار، وخيره يشمل الأولياء بجزيل الإيثار وجميل الآثار- أن يستقرّ المشار إليه في كيت وكيت: لأنّه البطل الشّديد، والفارس الصّنديد، وليث الحرب المذكور، ومن هو عندنا بعين العناية منظور.
وليثق من صدقاتنا الشريفة بما يؤمّل ويعهد، وليتحقّق قربه من مقامنا الشريف والعود أحمد، وليتلقّ هذا الإحسان بقلب منشرح، وأمل منفسح، وليجتهد في أمر عربانه الذين في البلاد، فإنّا جعلنا عليه في أمورهم الاعتماد، وقد أقمناه أميرا على عرب آل مراء؛ فليشمّر عن ساعد الاجتهاد في مصالح دولتنا الشّريفة بغير زور ولا مراء، وليقمع المفسد من عربانه ويقابله بالنّكال، والصّالح الخيّر منهم يجزل له النّوال، والوصايا كثيرة ولمثله لا تقال؛ والخط الشريف أعلاه حجة فيه، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة مرسوم شريف بنصف إمرة آل مراء، كتب به لقناة بن نجّاد «٢» في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله، وهي:
الحمد لله الّذي استخدم لنصرنا كلّ سيف وقناة، وكلّ سرعة وأناة، وكلّ مثقّف تسلى «٣» جناياته ويعذب جناه، وكلّ ماض لا يعوقه عن مقاصده الصالحة
стр. 5641
يعوق وهو عبد مناة «١» نحمده حمد من أغناه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يستمدّ من قبلها فلق الصّباح سناه، ويفكّ منها من قبضة السّيوف عناه «٢» ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي [بوّأه منازل الشرف] «٣» وبناه، وأحلّه من العرب في مكان يخضع له رأس كلّ جبّار ويخشع بصره وتستمع لما يوحى أذناه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تخصّهم من كل شرف بأسماه وأسناه، وسلّم تسليما.
وبعد، فإنّ لكلّ ثاكلة قرارا، ولكلّ هاجرة مزارا، ولكلّ معصم سوارا لا يليق إلا بزنده، ولكلّ عنق درّا لا يصلح إلا لعقده، ولكلّ سيف طال هجوعه في غمده انسلالا، ولكلّ قناة لم تعتقل مدّة اعتقالا، وكانت إمرة آل مراء قد ثبتت من البيت الأحمديّ «٤» بأوثق أوتادها، ووصلت منه في الرّفعة إلى نجادها، ولم تزل تنتقل في آفاقها بدورهم الطّالعة، وتضيء عليها من صفاحهم بروقهم اللّامعة، وتجول فيها من سوابقهم السّحب الهامعة، وتغني في حروبها عزائمهم إذا وقعت الواقعة؛ وتقدّمت للمجلس الساميّ، الأميريّ، الفلانيّ، بركابنا الشّريف صحبة حمد فيها السّرى، وخدمة أوقدت له نار القرى، وهاجر إلينا في وقت دلّ على وفائه، وسهر إلى قصدنا اللّيل وله النجم محيط المقل بإغفائه، وانقطع إلينا بأمله، ولازم من عهدنا الشريف صالح عمله، واستحق تعجيل نعمنا الشريفة وإن تأخرت لأجل موقوت، وأمل نجاحه لا يفوت.
فلما آن أن تفاض عليه ثيابها، ويضاف إليه ثوابها، ويصرّف في قومه
стр. 5642
أمره، ويشرّف بينهم قدره، ويعرف من لم يعرف المسك أنّه عندنا ذكره، ومن جهل البرّ: أنه على ما يحمد عليه شكره، ومن أنكر أنّ شيئا أصعب من الموت:
أنّه في مجال الموت صبره، ومن خالف فيما هو أمضى من القضاء: أنّه في البيعة صدره، ومن ادعى أنّه لا تصيبه البيض والسّمر: أنّها مثقّفته وبتره، وزال من هذا البيت العريق الطّود وهو ثابت، ونزع منه السّنان لولا أنّه في قناته نابت؛ و [لولاه] «١» لهاجت هذه القبيلة إلى من يقبل على نباتها، ويقيل بها: تارة ينجد في نجدها وأخرى يحول في جولاتها- رسم بالأمر الشريف أن يقلّد من إمرة آل مراء ما كان الأمير «ثابت بن عسّاف» ﵀ يتقلده إلى آخر وقت، ويرفع فيها إلى كلّ مسامتة وسمت، ليكمّل ما نقص من التّمام وصفه، ويعلم أنه حلّق إليه حتّى أتى دون نصف البدر فاختطف النّصف وذلك النّصف هو نصفه؛ ليكون لهم إحدى اليدين، وأخرى تقع لسيف بحدّين.
وتقوى الله أبرك ما اشتملت عليه عودها، وانتخبت له زبيدها؛ فليتّخذها له ذروة يهتدي بها أنّى سلك من الفجاج، واقتحم من حلك العجاج. وعليه بحسن الصّحبة لرفيقه «٢» ، ويمن القبول على فريقه، وإقامة الحدود على ما شرع الله من دينه القويم، وإدامة التّيقّظ [للثّأر] «٣» المنيم، وإنزال عربه ومن ينزل عليه أو ينزل عليهم في منازلهم.
وليجمع قومه على طاعتنا الشّريفة كلّ الجمع، ويقابل ما ترد به مراسمنا المطاعة عليه بما أوجب الله لها من الطّاعة والسّمع، وليأخذ للجهاد أهبته، ويعجّل إليه هبّته، وليقف من وراء البلاد الشامية المحروسة دريئة لأسوارها المنيعة، ونطاقا على معاقلها الرفيعة، وسدّا من بين أيديها وخلفها لباب كلّ ذريعة، وخندقا يحوط بلادها الوسيعة، وحجابا يمنع فيها من تعدّى الحقّ وخاض الشّريعة، ولا يفارق البلاد حتّى يعبّس في وجوهها السّحاب، ولا يعود
стр. 5643
حتّى تؤذن زروعها المخيّمة بذهاب؛ والكرم هو فيه سجايا، والعزم ما برح لوشان «١» أسنّته بكلّ قناة لحايا «٢» ، والحزم بيده المراويّة من آل مراء يظهر له الخفايا، والشجاعة هو في رباها المنيرة «ابن جلا وطلّاع الثّنايا» ؛ وما رضع المرمل كأفاويق الوفاق «٣» ، ولا وضع شيئا «٤» في موضعه كمداراة الرّفاق؛ فليكن لرفيقه أكثر مساعدة من الأخ لأخيه، وأكبر معاضدة من المصراع لقسيمه والجفن لجفنه والشّيء لما يؤاخيه. هذا يجب ويتعيّن وليس يجمعهما فرد طاعة، ولا يلزمهما لشيء واحد استطاعة؛ فكيف وهو [و] «٥» رفيقه إلينا اعتزاؤهما ومنّا إعزازهما، وهما فرعان معتنقان: لدينا إجناؤهما وبيدنا إهزازهما.
وليحصّل من الخيل كل سابقة تليق أن تقدّم إلينا، وسابحة في كل مهمه حين يقدم علينا. والشّرع الشريف يكون إليه مآبك، وعليه عفوك وعقابك، وبمقتضاه عقد كلّ نكاح لا يصح إلا على وجهه المرضيّ وإلّا فهو سفاح، والميراث على حكمه لمن جرّه إليه وإلا فهو ظلم صراح، وبقية ما نوصيه به إذا انتهى منه إلى هذه النّبذة فما عليه في سواها جناح. وسبيل كلّ واقف على تقليدنا هذا أن ينيب إلى نصوصه، ويؤوب إلى عمومه وخصوصه، والحذر من الخروج عنه بقول أو عمل، فالسّيف أسبق من العذل؛ والله تعالى يمتّعه بما وهبه من العزّ في النّقل «٦» ، والمحاسن الّتي هي يد المسامع والأفواه والمقل؛
стр. 5644
والخط الشريف أعلاه..........
المرتبة الثانية (من أرباب المراسيم من العرب- من يكتب له في قطع الثّلث ب «السّامي» بغير ياء، مفتتحا ب «أمّا بعد» وهم ثلاثة أيضا)
الأول- أمراء بني مهديّ
، وهي مقسومة بين أربعة. ورتبة كلّ منهم «مجلس الأمير» .
وقد تقدّم أنّ منازلهم البلقاء، إلى مائر «١» ، إلى الصوان، إلى علم أعفر.
وهذه نسخة مرسوم شريف بربع إمرة بني مهديّ، وهي:
أمّا بعد حمد الله على نعمه الّتي حقّقت في كرمنا المآرب، وأجزلت من آلائنا المواهب، وقرّبت لمن رجانا بإخلاص الطاعة ما يأبى عليه من المطالب، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث من أشرف ذوائب لؤيّ بن غالب، المخصوص باللّواء الّذي لا يضحى من أوى إلى ظلّه والحوض الّذي لا ظمأ بعد وروده لشارب، وعلى آله وصحبه الذين فازوا من صحبته وطاعته بأسمى المراتب وأسنى المناقب- فإنّ أولى من رفعت رعايتنا قدره، وأطلعت عنايتنا في أفق السعادة بدره، وحقّقت آلاؤنا سوله، وبلّغته صدقاتنا مرامه ومأموله- من أحكم في طاعتنا أسباب ولائه، وأتقن في خدمتنا انتساب بعيده وانتمائه، وتقرّب إلينا بإخلاصه في اجتهاده، ومتّ بما يرضينا من احتفاله بأمور جهاده، مع ما تميّز به من أسباب تتقاضى كرمنا في تقديمه، وتقتضي إجراءه على ما ألف أولياء الطاعة من حديث إحساننا وقديمه.
ولما كان فلان هو الّذي اختصّ بهذه المقاصد، وعني بما ذكر من المصادر والموارد- رسم أن يرتّب في ربع إمرة بني مهديّ.
فليرتّب فيما رسم له به من ذلك قائما من وظائفها بما يجب، عالما من
стр. 5645
مصالحها بما يأتي وما يجتنب، واقفا لاعتماد ما يرد عليه من المراسم وقوف المنتظر المرتقب، ملزما عربه من الخدم بما يؤكّد طاعتهم، ومن إعداد الأهبة بما يضاعف استطاعتهم، ومن المحافظة على أسباب الجهاد بما يجعل في رضا الله تعالى ورضانا قوّتهم وشجاعتهم، وليقدّم تقوى الله تعالى بين يديه، ويجعل توفيقه العمدة فيما اعتمد فيه عليه؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة مرسوم شريف بربع إمرة بني مهديّ أيضا:
أما بعد حمد الله على نعمه الّتي جدّدت لمن أخلص في الطّاعة رتب السّعود، ورفعت من نهض في الخدم الشريفة حقّ النّهوض إلى مناصب الجدود، والصّلاة والسّلام على سيدنا محمد المخصوص بلواء الحمد المعقود، وظلّ الشّفاعة الممدود، والحوض الّذي لا ينضب على كثرة الورود، وعلى آله وصحبه الذين وفّوا بالعهود، وبدت سيماهم في وجوههم من أثر السّجود- فإنّ أولى من اجتلى وجوه النّعم، واجتنى ثمرة ما غرس من الخدم، وارتقى إلى ما أنعم به عليه من التّقدّم الّذي أقامه السّعد لاستحقاقه على أثبت قدم- من نشأ في طاعتنا الشّريفة يدين بولائها، ويتقلّب في خير نعمها وآلائها، ويتعبّد بما يؤهّل له من خدمها، ويبادر إلى ما يندب له من المهامّ الشّريفة بين يدي مراسمنا أو تحت علمها.
ولمّا كان فلان هو الّذي ذكرت طاعته، وشكرت خدمه وشجاعته- رسم...... أن يرتّب في ربع إمرة بني مهديّ، على عادة من تقدمه وقاعدته.
فليرتّب في ذلك، قائما بما يجب عليه من وظائفها المعروفة المألوفة، وخدمها الّتي هي على ما تبرز به أوامرنا الجارية موقوفة، وليكن هو وعربه بصدد ما يؤمرون به من خدمة يبادرون إليه، وطاعة يثابرون عليها، وتأهّب للجهاد، حيث سرت الجيوش المنصورة لم يبق لهم عائق عن التوجّه بين يديها، وسياسة
стр. 5646
تأخذهم من الطرائق الحميدة بسلوك ما يجب، ويعرف بها سلوك ما يسلك واجتناب ما يجتنب؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى.
الثاني- مقدّم زبيد
«١» ومنازل بعضهم بالمرج وغوطة دمشق، وبعضهم بصرخد، وحوران.
وهذه نسخة مرسوم شريف بتقدمة عرب زبيد، وهي:
أمّا بعد حمد الله الّذي أبقى بنا للنّعم تأبيدا، وأحسن العاقبة لأحسن عاقبة أدام لهم فيها تخليدا، وأحيا به منهم حيّا نكتب لأميرهم وإمرتهم في كلّ حين تقليدا، ونفّل منهم نوفلا «٢» فلا نزال نجدّد فيهم ملابس الفخار بذكر اسمه تجديدا، ورعى بنا أبناء بيت تناسقوا أبناء وجدودا، وتباشروا بولد لمّا خلف والده ابن سعيد لا يكون إلّا سعيدا، والصّلاة والسّلام على نبيه محمد الّذي أهلك بسيفه كلّ غاشم، وأخجل بسيبه «٣» كلّ غمام لوجنة الرّياض واشم، وأسعد بسببه نوفلا «٤» وعبد شمس بأخوّتهما لهاشم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه خلاصة العرب، صلاة لا يعدّ ضريبا لها الضّرب «٥» ، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ العساكر المنصورة الإسلامية: منهم حاضرة أهل جدار، وبادية في قفار، وقوم هم المدن الممدّنة وقوم عليها أسوار؛ وهم صنفان: صنف
стр. 5647
لا تملّ السيوف عواتقهم، وصنف سيوفهم تحبس بها مناطقهم؛ والعرب أكرم [أهل] «١» البوادي، وأعظم قبائلهم تضرّما كالبرق مباراة للسّحب الغوادي، قد نصبوا بقارعة الطريق خيامهم، وسرّحوا مع أسراب الظّباء سوامهم، ووقفوا دون الممالك المحروسة كتائب مصفوقة، ومواكب بما تعرف به العرب من الشّجاعة موصوفة؛ وزبيد من أفخرها قبيلة، وأكثرها فوارس: [فأمّا أحسابها] «٢» فكريمة وأمّا وجوهها فجميلة؛ شاميّة أعرقت أنسابا في يمنها، وأتهمت بشطء «٣» أسنّتها ما تفتّح في المجرّة من سوسنها؛ فما يبيت بطل منهم على دمن، ولا يعرف فارس إلا إذا تملّى في الخليطين «٤» من شام ومن يمن؛ كم فيهم بمواقع الطّعان فطن ذو كيس، وكم صبغ منهم بالدّماء راية حمراء يمنيّ لا ينسب إلى قيس؛ كم كرب على معديكرب منهم فارس، ونسب إلى زبيد وهو خشن الملابس؛ منهم صاحب الصّمصامة «٥» بقي مثلها السّيف فردا، وكم قتل من أقرانه الشّجعان من أخ صالح وبوّأه في العجاج بيديه لحدا؛ ومن نجومهم الزواهر السّراة، وغيومهم الأكابر السّراة، من لم يزل حول دمشق وما يليها من حوران، منارة منازل وأوطان؛ حاموا عن جنابها المصون، وحاموا حول غوطتها تشبّها بحمائمها على الغصون، وماثلوا بسيوفهم أنهارها، ورماحهم حول دوحات الأيك أشجارها، واستلأموا «٦» بمثل غدرانها دروعا، وحكوا بما أطلّوا من دماء الأعداء شقائق روضها، وبما جرّوا من حللهم المسهّمة «٧» سيلا؛ ولم يزل لهم من البيت
стр. 5648
النّوفليّ من يجمع جماعتهم، ويضم تحت راية الدولة الشريفة طاعتهم؛ يخلف ابن منهم لأبيه أو أخ لأخيه، وينتظم كلّ فرقد مع من يناسبه وينضاف كلّ كوكب إلى من يؤاخيه.
وكان مجلس الأمير الأجلّ، فلان بن فلان الزّبيدي- أدام الله عزه- هو بقيّة من سلف من آبائه، وعرف مثل الأسد القسورة بإبائه، وانحصر فيه من استحقاق هذه الرتبة ميراث أبيه، واستغرق جميع ما كان من أمر قومه وإمرتهم يليه.
فرسم بالأمر الشريف- زاده الله تعالى شرفا، وذخر به لكلّ سالف خلفا- أن يرتب في إمرة قومه من زبيد النازلين بظاهر دمشق وبلاد حوران المحروس، على عادة أبيه المستقرّة، وقاعدته المستمرّة، إلى آخر وقت، من غير تنقيص له عن نجم سعده في سمة ولا سمت، تقدمة تشمل جميعهم ممّن أعرق وأشأم، وأنجد وأتهم، لا يخرج أحد منهم عن حكمه، ولا ينفرد عن قسمه، لا ممّن هو في جدار «١» ، ولا ممّن هو مصحر في قفار، يمشي على ما كان عليه أبوه، ويقوم فيهم مقامه الّذي كان عليه هو وأولوه.
ونحن نوصيك بتقوى الله تعالى، وباتّباع حكم الشّريعة الشريفة ما أقمت على بلد أو أزمعت ارتحالا، وبجمع قومك على الطاعة فرسانا وركبانا ورجالا، واتّباع أوامرها الشّريفة وأمر نوّابنا الذين هم بإزائهم، وما اعتزاز من قبلك إلا لما مالوا إليه في اعتزائهم، والتّأهّب أنت وقومك لما رسم به في ليل أو نهار، وحماية حمى أنتم حوله في صحراء مصحرة أو من وراء جدار، والمطالعة بمن ينتقل من أصحابك بالوفاة، والوصايا كثيرة ومثلك أيسر ما قال له امرء كفاه؛ والله تعالى يوفقك لما يرضاه، ويؤثرك في كلّ أمر للعمل بمقتضاه؛ وسبيل كلّ واقف عليه العمل به بعد الخط الشريف شرّفه الله تعالى وأعلاه أعلاه، إن شاء الله تعالى.
стр. 5649
النيابة الثانية (من نيابات البلاد الشامية- نيابة حلب. ووظائفها الّتي يكتب بها من الأبواب السلطانية على نوعين)
النوع الأوّل (من بحاضرة حلب، وهم على أصناف)
الصنف الأوّل (منهم أرباب السّيوف، وهم على طبقتين)
الطّبقة الأولى (من يكتب له تقليد، وهو نائب السّلطنة بها؛ وتقليده في قطع الثّلثين ب «الجناب الكريم» )
وهذه نسخة تقليد شريف بنيابة السلطنة بحلب، كتب به للأمير أستدمر «١» من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ، وهي:
الحمد لله حافظ ثغور الإسلام في أيّامنا الزاهرة، بمن يفترّ عن شنب النّصر سيفه، وناظم نطاق الحصون في دولتنا القاهرة، على همم من لم يزل يغزو عدوّ الدّين قبل طلوع طلائعه طيفه، وناشر لواء العدل في أسنى ممالكنا بيد من لا يؤمن في الحق فوته ولا يرهب في الحكم حيفه، ومدّخر [أجر] «٢» الرّباط في سبيله لمن لم يبت ليلة إلا والتأييد نزيله والنّصر سميره والظّفر ضيفه، الذي جعل الجهاد في أطراف الممالك المحروسة سورا لعواصمها،
стр. 5650
والصّعاد «١» في مقاتل أعداء الدّين شجنا في صدورها وشجى في غلاصمها، والسّيوف الحداد تزهى بمشاركتها لاسم من بليت منه أجساد أهل الكفر بقاسمها، ورميت منه أعمارهم بقاصمها، وأرهف لهذا الأمر من أوليائنا سيفا تتحلّى الشّهباء «٢» بجواهر فرنده، وتتوقّع الأعداء مواقع فتكاته قبل تألق برقه من سحب غمده، ويعرف أهل الكفر مضاربه الّتي لا تطيق مقاتلهم جحدها، وتتفرّق عصب الضلال فرقا من مهابته الّتي طالما أغارت على جيوشهم المتعدّدة وحدها.
نحمده على نعمه الّتي جعلت النّصر لأجياد ممالكنا عقودا، والكفر للهب صوارمنا وقودا، والتّأييد من نتائج سيوفنا الّتي تأنف أن ترى في مضاجع الغمود رقودا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تعلي منار الهدى، وتطفيء أنوار العدا، وتخلي أجساد أهل الكفر من قوى أرواحهم فتغدو كديارهم الّتي لا يجيب فيها إلا الصّدى، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أعلى الله بناء الإيمان بتأذينه، وأيّدنا في الذّب عن ملّته، بكل وليّ يتلقّى راية النّصر بيمينه، وأعاننا على مصالح أمّته، بكلّ سيف تتألّق نار الأجل من زنده ويترقرق ماء الحياة من معينه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين وسمت أسنّتهم من وجوه الكفر أغفالا، وكانت سيوفهم لمعاقل أهل الشّرك مفاتح فلمّا فتحت غدت لها أقفالا؛ فمنهم من فاز بمزيّة السّبق إلى تصديقه، ومنهم من كان الشيطان ينكّب عن طريقه، ومنهم من أمر بإغماد سيف الانتصار لدمه عن مريقه، ومنهم من حاز رتبة أختانه وصهره دون أسرته الكرام وفريقه، صلاة دائمة الخلود، مستمرّة الإقامة في التّهائم والنّجود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من حلّيت التقاليد بلآليء أوصافه، وملئت الأقاليم
стр. 5651
بمواقع مهابته وإنصافه، وريعت قلوب العدا بطروق خياله قبل خيله، وخاف الكفر كلّ شيء أشبه ظباه من توقّد شموس نهاره أو حكى أسنّته من تألّق نجوم ليله، ومدّ على الممالك من عزماته سور مصفّح بصفاحه، مشرّف بأسنّة رماحه، سامية على منطقة الجوزاء منطقة بروجه، نائية على أمانيّ العدا مسافة رفعته فلا يقدر أمل باغ على ارتقائه ولا رجاء طاغ على ولوجه- من تمهّدت بسداد تدبيره الدّول، وشهدت بسير محاسنه السّير الأول، وتوطّدت الممالك على أسنّته فحقّقت أنّ أعلى الممالك ما يبنى على الأسل، وسارت في الآفاق سمعته فكانت أسرى من الأحلام وأسبق من الأوهام وأسير من المثل، وصانت الثّغور صوارمه فلم يشم برقها إلا أسير أو كسير، أو من إذا رجع إليها بصره انقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير، وزانت الأقاليم معدلته فلا ظلم يغشى ظلامه، ولا جور يخشى إلمامه، ولا حقّ تدحض حجّته ولا باطل يعلو كلامه؛ فالبلاد حيث حلّ بعدله معمورة، وبإيالته مغمورة، وسيوف ذوي الأقلام وأقلامهم بأوامره في مصالح البلاد والعباد منهيّة ومأمورة.
ولما كان الجناب العالي هو الّذي عانق الملك الأعزّ نجاده، واللّيث الّذي لم يزل في سبيل الله إغارته وإنجاده، والكميّ الّذي كم له في جهاد أعداء الله من موقف صدق يضلّ فيه الوهم وتزلّ فيه القدم، والهمام الّذي إن أنكرت أعناق العدا مواقع سيوفه «فما بالعهد من قدم» ، والمقدام الّذي لا ننكر مشاهده في إرغام الكفر ولا تكفر، والزعيم الّذي حمت مهابته السّواحل فخاف البحر:
وهو العدوّ الأزرق، من بأسه الأحمر، على بني الأصفر، والمقدّم الّذي كم ضاقت بسرايا شيعته الفجاج،! وكم أشرقت نجوم أسنّته من أفق النّصر في ظلم العجاج،! وكم حمى العذب الفرات على البعد بسيوفه وهي مجاورة للملح الأجاج!!، مع سطوة أنامت الرّعايا في مهاد أمنها، ورأفة عمرت البرايا بعاطفة إقبالها ويمنها، ورفق تكفّل لسهل البلاد وحزنها بإعانة مزنها، وشجاعة أعدّت الجيوش الّتي قبله فغدت آحادها ألوفا، وفتكات عوّدت الطّير الشّبع من وقائعه فباتت على راياته عكوفا، ومعدلة عمّت من في إيالته فأضحى الضّعيف في
стр. 5652
الحقّ قويّا عنده والقويّ في الباطل ضعيفا.
وكانت البلاد الحلبيّة المحروسة هي المملكة الّتي لا تجارى شهباؤها في حلبة فخار، والرّتبة الّتي لا يؤهّل لها من خواصّ الأولياء الأعزّة إلّا من استخرنا الله تعالى في تقليد جيد مفاخره بلآليء كفالتها فخار؛ فهي سور الممالك الّذي لا تتسوّره الخطوب، وأمّ الثّغور الّتي ما برح يسفر بابتسامها عن شنب النّصر وجه الزمن القطوب، وموطن الرّباط الّذي كلّ يوم وليلة [فيه] «١» خير من الدّنيا وما فيها، وعقيلة الأقاليم الّتي كم أشجى قلوب الملوك الأكابر صدودها وأسهر عيون العظماء الأكاسرة تجافيها؛ بل هي عقد درّه حصونه، وروض سيوف الكماة جداوله ورماح الحماة غصونه، وحمّى لم تزل عيون عنايتنا بعون الله تحفّه وأيدي تأييدنا بقوّة الله تصونه- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرهف بحمايتها هذا السّيف الّذي تسابق الأجل مضاربه، وتبطل الحيل تجاربه، ويتقدّم خبر عزائمه خبرها فلا يدرى: هل ريح الجنوب أسرى وأسرع أم جنائبه «٢» ، وتبثّ مهابته أمام سراياه إلى العدا سرايا رعب تفلّ جمعهم، وتسبق إلى التّحرز من بأسه بصرهم وسمعهم، وتسفر بكل أفق عن [شيعة] «٣» مغيرة، أو كتيبة تجعلها لمعالي النصر الكامنة مثيرة.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف العالي- لا زالت أوامره مبسوطة في البسيطة، وممالكه محوطة بمهابته الشّاملة ومعدلته المحيطة- أن تفوّض إليه نيابة السّلطنة الشّريفة بالمملكة الحلبيّة: تفويضا يعوّذها من عيون العدا بآيات عزائمه، ويعوّدها اجتناء ثمر المنى والأمن من ودق صوارمه، وينظم دراريّ الأسنّة من أجياد حصونها في مكان القلائد، ويجعل كماة أعدائها لخوفه أضعف من الولدان وأجبن من الولائد، ويجرّد إلى مجاوريها من همّته طلائع تحصرهم في
стр. 5653
الفضاء المتّسع، وتسدّ عليهم مجال الأرض الفسيحة فيغدو لهم حزنها «١» الحزن الشّامل وسهلها السّهل الممتنع.
فليتقلّد هذه الرتبة الّتي بمثلها تزهى الأجياد، وبتقلّدها يظهر حسن الانتقاء لجواهر الأولياء والانتقاد، وبتفويضها إلى مثله يعلم حسن الارتياد لمصالح البلاد والعباد، وليزد جيوشها المنصورة إرهابا لعدوّهم، وإرهافا لصوارم الجهاد في رواحهم وغدوّهم، وإدامة للنّفير «٢» الذي حبّبه الله إليهم، وقوّة على مجاوريهم من أهل النّفاق الذين يحسبون كلّ صيحة عليهم «٣» ، فإنّهم فرسان الجلاد الذين ألفوا الوقائع، وأسوار الفرات الذين عرفوا في الذّبّ عن ملّتهم بحفظ الشّرائع، وكشّافة الكرب الذين لا يزال لهم في سائر بلاد العدا سرايا وعلى جميع مطالع ديار الكفر طلائع؛ وهم بتقدمته تتضاعف شجاعتهم، وتزيد استطاعتهم وطاعتهم؛ وليأخذهم بمضاعفة الأهب وإدامة السّعي في حفظ البلاد والذّب، والتشبّه بأسود الغابات الّتي همّها في المسلوب لا السّلب؛ وليهتمّ بكشف أحوال عدوّ الإسلام ليبرح «٤» آمنا على الأطراف من حيفهم، متيقّظا لمكايدهم في رحلتي شتائهم وصيفهم، مفاجئا في كلّ منزل بسير يروّع سربهم، ويكدّر شربهم، ويجعل روح كلّ منهم من خوف قدومه نافرة عن الجسد، ويسلبهم بتوقّع مفاجأته القرار «ولا قرار على زأر من الأسد» ، ولا تزال قصّاده بأسرار قلوب الأعداء مناجية [ولا تبرح له من أعيان عيونه بين العدا فرقة ناجية] «٥» وليحتفل بتدريج الحمام الّتي هي رسل أعنّته، وإقامة الدّيادب الذين إذا دعوا همهمة بألسنة النّيران لبّتهم ألسنة أسنّته؛ وليمت قلوب أعدائه بوجل
стр. 5654
لقائه قبل الأجل، وليزد في الحزم على ابن مزيد الّذي لم ير في الأمن إلا في درع مضاعفة «لا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل» «١» ، وليجعل أحوال القلاع المحروسة دائما بمرأى منه ومسمع، ويشيّدها من ملاحظته باحتفال لا يدع لشائم برقها وحمول أموالها [مطمعا] «٢» فقد استكمل حسن النّظر في مصالحها أجمع، وليقم منار الشّرع الشّريف بمعاضدة حكّامه، والانقياد إلى أحكامه، والوقوف مع نقضه وإبرامه:
فليجعل حكم الشريعة المطهّرة أمامه وإمامه، وليقم أمر الله فيمن اقتاده الشرع إلى حكمه فجاذب زمامه، وليعظّم حملة العلم الّذي أعلى الله مناره، وأفاض على الأمّة أنواره، وحفظ بهم على الملّة سنّة نبيهم ﷺ وآثاره، وليكن لأقدارهم رافعا، ولمضارّهم دافعا، ولأوقافهم بجميل الاحتفال عامرا، وفي مصالحهم بتحلية الأحوال آمرا، ولينشر لواء العدل الّذي أمر الله بنشره، ويشفعه بالإحسان الّذي هو مألوف من سجاياه ومعروف من طلاقة بشره، ويمدّ على الرّعايا ظلّ رأفته الّذي يضفي في النّعم لباسهم، ويديم إلفهم بالرّفاهية واستئناسهم، ويقم حكم سياسته على من لم يستقم، ويقف مع رضا الله تعالى في كلّ أمر: فإذا رحم فلله فليرحم وإذا انتقم فلغير الله لا ينتقم، وليعتن بعمارة البلاد ببسط العدل الّذي ما احتمى به ملك إلّا صانه، والرّفق الّذي لم يكن في شيء إلّا زانه، وتوخّي الحقّ الّذي من جعله نصب عينيه وفّقه الله له وأعانه. وكذلك أمر الأموال: فإنّها ذخيرة الملك وعتاده، ومادّة الجيش الّذي إذا صرفت إلى مصالحهم هممه لم يخش عليه انقطاعه ولا نفاده؛ وجميع الوصايا قد ألفنا من سيرته فيها فوق ما نقترح، وخبرنا من مقاصده فيها ما يقول للسان قلمها: قد عرفت ما أومأت إليه من مقاصدك فاسترح؛ وملاكها تقوى الله تعالى
стр. 5655
ورضانا، وهو المألوف من عدله وإنصافه؛ والله تعالى يديمها بتأييده وقد فعل، ويجعله من أركان الإسلام وأعلام المسلمين وقد جعل، بمنّه وكرمه؛ والاعتماد ... «١» . إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة تقليد شريف بنيابة حلب أيضا، كتب بها عن السلطان الملك النّاصر «محمد بن قلاوون» للأمير شمس الدّين «قراسنقر» «٢» باعادته إليها، من إنشاء الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ، وهي:
الحمد لله الّذي جعل العواصم بإقامة فرض الجهاد في أيّامنا الشريفة معتصمة، والثّغور بما تفترّ عنه من شنب النّصر في دولتنا القاهرة مبتسمة، والصّوارم المرهفة في أطراف الممالك بأيدي أوليائنا لأرواح من قرب أو بعد عنها من الأعداء مقتسمة، والحصون المصفّحة بصفاحنا بأعلام النّصر معلمة وبسيما الظّفر متّسمة، معلي قدر من أحسن في مصالح الإسلام عملا، ورافع ذكر من يبسط إلى عزّ طاعة الله ورسوله وطاعتنا أملا، ومجدّد سعد من تلبس الأقلام من أوصافه أفخر الحلل إذا خلعت من المحامد على أوصافه حللا، ومفوّض زعامة الجيوش بمواطن الرّباط في سبيله إلى من إذا فلّلت مقاتل العدا سيوف الجلاد كانت عزائمه من السيوف المرهفة بدلا.
نحمده على نعمه الّتي جعلت طاعتنا من آكد أسباب العلوّ، وخدمتنا من أنجح أبواب الرّفعة بحسب المبالغة في الخدمة والغلوّ، ونعمنا شاملة للأولياء بما يربي على طوامح الآمال في البعد والدّنوّ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تستنزل بها موادّ النّصر والظّفر، وتستجزل بها ذخائر التأييد الّتي كم أسفر عنها وجه سفر، وترهف بها سيوف الجهاد الّتي كم آلفت من آمن
стр. 5656
وكفت من كفر، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أنزل سكينته عليه، وزويت «١» له الأرض فرأى منها ما يبلغ ملك أمّته إليه، وعرضت عليه كنوز الدّنيا فأعرض عمّا وضع من مقاليدها بيديه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ﵃، ونهضوا بما أمروا به من طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر منهم، صلاة دائمة الظّلال، آمنة شمس دوامها من الزّوال، وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإن أولى من طوّقت أجياد الممالك بفرائد أوصافه، وفوّقت إلى مقاتل العدا سهام مهابته الّتي تحول منهم بين كلّ قلب وشغافه، وخصّت به أمّ الثّغور الّتي درّ لها حلبها، ومدّت عليها أفياء النّصر الممدودة ذوابلها وقضبها، وأهدى أرج التّبلّج افترارها وشنبها- من تقوم مهابته مقام الألوف، وتجتني سمعته من ذوابل العزائم ثمر النّصر المألوف، ويسبق خياله سرايا خيله الّتي هي أسرى من هوج الرّياح إلى هزم الجموع وتفريق الصّفوف، وتنظم أسنّة رماحه في الوغى قلوب العدا نظم السّطور وتنثر صفاحه رؤوسهم نثر الحروف، وتحيط بنطاق الممالك المتطرّفة صوارمه إحاطة الأسوار بالحصون، والخمائل بالغصون، والهالات بالأقمار، والجوانح بالأسرار، ولا تبيت ملوك العدا منه إلّا على وجل، ولا يرى في الأمن إلا في درع مضاعفة «لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل» «٢» ، ولا يخفى عن ألمعيّته ما يضمر الأعداء من الحركات قبل إظهارها، ولا ببعد على عزماته ما هي مليّة به من بدارها أعداء الدّين بدارها، وإذا جلس لنشر المعدلة تبرّأ الظلم من فكر [جواز] «٣» البغي والجور على إنسان، وشفع ما تصدّى من ذلك بما أمر الله به من العدل والإحسان.
ولما كان الجناب العالي الفلانيّ هو الّذي ملئت قلوب العدا برعبه،
стр. 5657
وانطوت قلوب الرعايا على حبّه، وتهلّلت وجوه المنى في سلمه واستهلّت سحب المنايا في حربه، وجمع بين حدّة البأس ولطف التّقى فكان هو الكميّ الذي شفع الشّجاعة بالخضوع لربّه، وحاط ما وليه من الأقاليم بسوري بأسه وعدله فبات كل أحد وادعا في مهاده آمنا في سربه، وأغارت سرايا مهابته قبل طلوع طلائعه فأصبح كلّ من العدا أسير الذّعر قبل إمساكه، قتيل الخوف قبل ضربه؛ مع احتفال بعمارة البلاد، أعان السّحب على ريّها، واشتمال على مصالح العباد، قام في تيسير أرزاقهم مقام وسميّ الغمائم «١» ووليها، وتيقّظ لمصالح الثّغور أنام عنها عيون الخطوب، وإشراق في أفق المواكب كسا وجه الدّين نور البشر ووجه الكفر ظلام القطوب.
وكانت المملكة الحلبية عقيلة المعاقل، وعصمة العواصم، وواسطة عقود [الممالك] «٢» وسلك فرائد النّصر الّتي كم أضاءت بها إلى الكفر وجوه المسالك، لا تدرك في مضمار الفخار شهباؤها، ولا ترى إلا كما ترى النجوم في عيون العدا حصباؤها؛ ولها من الحصون المصونة كلّ قلعة يتهيّب الطّيف سلوك عقابها «٣» ، ويتقاصر لوح الجوّ عن منال عقابها؛ فهي عزيزة المنال، إلّا على كريم كفاءته، بعيدة مجال الآمال، إلا على ما ألفت من إيالة كفايته، سامية الأفق إلا على شمسه، نابية الطّرف إلا على ما عرفت من سلوكه في أمسه، ظامية الغروس الّتي أنشأها في مصالحها إلى ما اعتادته من سقيا غرسه- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيدها إشراقا بشمس جلاله، واعتلاء بسيفه الّذي رياض الجنّة تحت ظلاله، وأن نعيد أمرها إلى من طالما حسّن عدله بقعتها، وحصّن بأسه قلعتها، وأطارت مهابته سمعتها، وأطالت سيرته سكون رعاياها في مهاد الأمن وهجعتها، وأعاد وجوده أحوال مجاوريها من العدا إلى العدم، وأباد سيفه أرواح معانديها: فلو أنكرته أعناقهم لم يكن بالعهد من قدم.
стр. 5658
فلذلك رسم بالأمر الشّريف- لا زالت شمس عدله، مشرقة في الوجود، وغيث فضله، مستهلّ الجود في التّهائم والنّجود- أن تفوّض إليه.........
... تفويضا يحدّد ارتفاعها، ويعمّر وهادها وبقاعها، ويؤيّد اندفاع مضارّها وانتفاعها، ويعيد الإشراق إلى مطالعها، والأمور إلى مواقعها من سداد التدبير ومواضعها، والإقدام إلى جيوشها وأبطالها [والشجاعة إلى حماتها ورجالها] «١» فليطلع في أفق مواكبها طلوع نعته الكريم، ويجر في جوانبها ما ألفته من موارد عدله الّذي فارقها غمامه وأثر سيله مقيم، ويعاود مصالح تلك المملكة التي لا تصلح أمورها إلّا عليه، ويراجع عصمة تلك العقيلة الّتي لا تطمع أبصار عواصمها إلّا إليه، ويلق في قلوب مجاوريها ذلك الرّعب الّذي نعى إلى كلّ منهم نفسه وأسلاه عمّاه في يديه، ويثبّت تلك المهابة الّتي جعلت منايا العدا براحته يأمرها فيهم وينهاها، وينشر في الرعايا تلك المعدلة التي هي كالشمس:
لا تبتغي بما صنعت منزلة عندهم ولا جاها، ولتكن أحوال عدوّ الإسلام بمرأى منه على عادته ومسمع، ويكفّ أطماع الكفّار على قاعدته فلا يحدث لهم إلى شيم برق الثّغور مطمح ولا في العلم بشنبها مطمع، وليكن من أرصاده، نهار عدوّ الدّين وليله، ومن أمداده، مجاز الجهاد وحقيقته فلا يبرح يبيّتهم خياله إذا لم تصبّحهم خيله، ولا يبرح له من أعيان عيونه بين العدا فرقة ناجية، وطائفة بأسرار قلوب القوم مناجية، لتكون له مقاتلهم على طول الأبد بادية، وتغدو منازلهم خاوية بين سراياه الرائحة والغادية. وليتعاهد أحوال الجيوش بإدامة عرضها، وإقامة واجبات القوّة وفرضها، وإطالة صيت السّمعة المشهورة لكماتها في طول بلاد العدا وعرضها، وإزاحة أعذارها للرّكوب، وإزالة عوائق ارتيادها للوثوب، وإعداد العدد الّتي لها من أيديهم طلوع و [في] «٢» مقاتل أعدائهم غروب، وليتفقد أحوال الحصون المصونة بسداد ثغورها، وسداد أمورها، وإزاحة أعذار
стр. 5659
رجالها، وإرهاف همم حماتها الّتي تضيق على آمال العدا سعة مجالها، وتوفير ذخائرها، وتعمير بواطنها وظواهرها، وتحصين مسالكها الّتي يرهب الخيال المتولي إلى العيون سلوك محاجرها.
وليعل منار الشّرع الشريف بتشييد مناره وإحكامه، وتنفيذه لقضايا قضاته وأحكام حكّامه، والوقوف في كلّ أمر مع نقضه في ذلك وإبرامه، ورفع أقدار حملة العلم على ما ألفوه من الرّفعة والسّموّ في أيّامه. ولتكن وطأة بأسه على أهل الفساد مشتدّة، وأوامره متقدّمة بوضع الأشياء في مواضعها: فلا توضع الحدّة موضع الأناة ولا الأناة موضع الحدّة. وليراع عهود الموادعين مهما استقاموا، ويجمع عليهم أن يكفّوا أنامل بأسه الّتي هم في قبضتها رحلوا أو أقاموا، ولتخبر ألسنة النيران بشبّها على اليفاع [والآكام] «١» من قدم لمكيدة أو طعن بمطار الحمام- وجميع ما يتعلّق بهذه المرتبة السنية من قواعد فإلى سالف تدبيره ينسب، ومن سوابق تقريره وتحريره يحسب؛ فهو ابن بجدتها، وفارس نجدتها، ومؤثّل قواعدها، وموثّر ما حمد من امتداد عضدها إلى مصالح الإسلام وساعدها؛ فليفعل في ذلك ما يشكره الله والإسلام عليه، ويثبّت الحجّة عند الله تعالى في إلقاء المقاليد إليه؛ وملاك الوصايا تقوى الله وهي سجيّة نفسه، وثمرة ما اجتنى في أيّام الحياة من غرسه، ونشر العدل والإحسان فبهما تظهر مزيّة يومه الجميل على أمسه؛ والله تعالى يجعل نعمه دائمة الاستقبال، وشمسه آمنة من الغروب والزّوال، والاعتماد......
الطبقة الثانية (من يكتب له في قطع الثّلث ب «المجلس السامي» وفيها وظائف)
الوظيفة الأولى (نيابة القلعة بها)
وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة قلعة حلب:
стр. 5660
الحمد لله معلي قدر من تحلّى بالأمانة والصّون، ورافع مكانة من كان فيما عرض من العوارض نعم العون، ومؤهّل من أرشدنا إليه للاجتباء حسن الاختبار، ومبلّغ الإيثار من شكرت عنه محامد الآثار.
نحمده حمد الشّاكرين، ونشكره شكر الحامدين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في اعتقاده، مبرّإ من افتراء كلّ جاحد وإلحاده، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا، وأيّده بسلطان منه وطهّر [به] «١» الأرض من دنس الضّلال تطهيرا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال علم العلم بها منشورا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ العناية بالحصون توجب أن لا يختار لها إلا من هو مليّ بحفظها، موفّر [لها] «٢» من حسن الذّبّ غاية حظّها، حسن المرابطة، مبرّأ من دنس الأفعال السّاقطة؛ ذو قلب [قويّ] «٣» وقالب، وعزم ما زال لمهمات الأمور أشجع مغالب؛ إذ هو للمرابطين بها أوثق حرز حريز، وأصون حجاب لمبارزة ذوي التّبريز، [فتصبح به] «٤» مستورا عوارها، كاتمة لأسرارها أسوارها، تخاطب منازليها من مجانيقها بأبلغ لسان، وتشافه ملاجيها»
من أنفة أنفها إلا أنه بأعلى مكان.
ولما كانت القلعة الفلانية بهذه المنزلة الرّفيعة، والمكانة الّتي كلّ مكانة بالنّسبة والإضافة إلى علوّ مكانها المكانة الوضيعة- اخترنا لها وابتغينا، واستوعبنا بالتّأهيل لنيابتها ولم نترك في استيعابنا ولا أبقينا، فلم نجد لولايتها كفأ إلا من نظمت عقود هذا التّقليد لتقليده، ورتّلت سور هذه المحامد بمبديء لسان تقريظه ومعيده؛ إذ هو أوثق من يلقى إليه إقليدها «٦» ، وأكفأ من ينجز به موعودها؛ إذ كان المكين، والثّقة المتحلّي إذ كان التحلّي مما يزين العاطل
стр. 5661
المشين؛ إن ذكر الرّأي فهو المتّصف بسديده، أو العزم فهو الموسوم بشديده، أو التّثبّت فهو من صفة شجاعته، أو حسن المظافرة فهو الباذل فيها جهد استطاعته.
ولما كانت هذه المناقب مناقبه، وهذه المذاهب مذاهبه، رسم بالأمر الشّريف العالي- زاده الله مضاء ونفاذا، واستحواء واستحواذا- أن تفوّض نيابة السّلطنة بالقلعة الفلانيّة وما هو منسوب إليها من ربض ونواح، وقرى وضواح، للمجلس السّامي فلان.
فليرق إلى رتبتها المنيف قدرها، المهمّ سرّها وجهرها، وليكن من أمر مصالحها على بصيرة، ومن تفقّد أحوالها على فطنة ما زالت منه مخبورة، وليأخذ محرزها من الجند وغيرهم بالملازمة لما عدق به من الوظائف، ويتقدّم إلى واليها مع طوّافها «١» أوّل طائف، وليتفقّد حواصلها من الذّخائر، وواصلها من التبذير بمن يرتّبه على حفظها من الأخاير؛ ومهما عرض يسرع بالمطالعة بأمره، والإعلام بنفعه وضرّه.
هذه نبذة كافية للوثوق بكفايته، والعلم بسديد كفالته؛ والله تعالى يحسن له الإعانة، ويجزل له الصّيانة؛ والخط الشّريف أعلاه.......
الوظيفة الثانية (شدّ «٢» الدّواوين بحلب)
وهذه نسخة توقيع بشدّ الدّواوين بحلب:
الحمد لله الّذي أرهف في خدمة دولتنا كلّ سيف يزهى النّصر بتقليده،
стр. 5662
ويروى نبأ الفتح عن تجربته في مصالح الإسلام وتجريده، ويروى حدّه إذا قابله عدوّ الدّين من قلب «١» قلبه وموارد وريده.
نحمده على نعمه السابغة حمد متعرّض لمزيده، ونشكره على مننه السّائغة شكر مستنزل موادّ تأييده، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة مقرّ بتوحيده، مسرّ مثل ما يظهر من الخضوع لكبرياء تقديسه وتمجيده، مصرّ على جهاد من ألحد في آياته بنفسه وجنوده، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من دعت دعوته الأمم إلى الاعتراف بخالقها بعد جحوده، وأنجز لأمّته من الاستيلاء على الكفر سابق وعوده، وأمال به عمود الشّرك فأهوى إلى الصّعيد بعد صعوده، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من بذل في طاعة الله وطاعته نهاية مجهوده، وأطفأ نار الكفر بعد وقودها بإيقاد لهب الجهاد بعد خموده، صلاة تقترن بركوع الفرض وسجوده، وتقام أركانها في أغوار الوجود ونجوده، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما أجملنا في مصالحه النّظر، وأعملنا في ارتياد الأكفاء له بوادر الفكر، واخترنا له من الأولياء من كان معدودا من خواصّنا، محبوّا بمزيد تقريبنا ومزيّة اختصاصنا، أمر الأموال الدّيوانيّة بالمملكة الحلبيّة وتفويض شدّ دواوينها المعمورة إلى من تضاعفها رتبته المكينة، ونزاهته المتينة، ويده الّتي هي بكمال العفّة مبسوطة، وخبرته الّتي بمثلها يحسن أن تكون مصالح الدولة القاهرة منوطة، ومنزلته الّتي تكفّ عن الأموال الأطماع العادية، ومهابته الّتي تكفي الأولياء من ضبط الأعمال بما يروي الآمال الصّادية، لأنّها موادّ الثّغور الّتي ما برحت عن شنب النّصر مفترّة، وأمداد الجيوش الّتي جعل الله لها أبدا على أعدائه الكرّة، ورياض الجهاد الّتي تجتنى منها ثمرات الظّفر الغضّة، وكنوز الملك الّتي ينفق منها في سبيل الله القناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة.
стр. 5663
ولما كان فلان هو الّذي اخترناه لذلك على علم، ورجّحناه لما اجتمع فيه من سرعة يقظة وأناة حلم، وندبناه في مهمّاتنا الشريفة فكان في كلّ موطن منها سيفا مرهفا، واخترناه فكان في كلّ ما عدقناه به بين القويّ والضّعيف منصفا، وعلمنا من معرفته ما يستثير الأموال من مكامنها، ومن نزاهته ما يظهر أشتات المصالح من معادنها، ومن معدلته ما يمتّع الرعايا باجتناء ثمر المنى من إحسان دولتنا القاهرة واجتلاء محاسنها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلّي جيد تلك الرتبة بعقود صفاته الحسنة، وأن ننبّه على حسن هممه التي ما برحت تسري إلى مصالح الدولة القاهرة والعيون وسنة.
فلذلك رسم أن يفوّض إليه ذلك تفويضا يبسط في مصالح الأموال لسانه ويده، ويقصر على مضاعفة ارتفاع الأعمال يومه الحاضر وغده، ويحسّن بسدّ الخلل وتتبّع الإهمال مصدره الجميل ومورده؛ ويجعل [له] «١» في مصالحها العقد والحلّ، والتّصرف النافذ في كلّ ما دقّ من الأموال الدّيوانية وجلّ.
فليباشر ذلك بهمّة علمنا في الحق مواقع سيفها، وأمنّا على الرعايا بما اتّصفت به من العدل والمعرفة من مواقع حتفها، وأيقظت العيون الطّامحة لسلوك ما [لا] «٢» يجب بما لم تزل تتخيّله من روائع طيفها، وليثمّر الأموال بالجمع في تحصيلها بين الرّغبة والرّهبة، ويجعل ما يستخرج منها ببركة العفّة والرّفق: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
«٣» وليعفّ أثر الحمايات ورسمها، ويزل بالكلّية عن تلك الممالك الحسنة وسمها القبيح واسمها، وليكن مهمّ الثغور هو المهمّ المقدّم لديه، والنّظر في كلف القلاع المحروسة هو الفرض المتعيّن أداؤه عليه، فيحمل إليها من الأموال والغلال ما يعمّ حواصلها المصونة، ويكفي رجالها الفكر في المؤونة، ويضاعف ذخائرها التي تعدّ من أسباب تحصينها، ويصبح به حمل عامها الواحد كفاية ما يستقبله
стр. 5664
مع موالاة الحمول من سنينها؛ وما عدا ذلك من الوصايا فقد ألقينا إلى سمعه ما [عليه] يعتمد، وعرّفناه أنّ تقوى الله أوفى ما به يستبدّ وإليه يستند؛ بعد الخط الشّريف.
الصنف الثاني (من أرباب الوظائف بحلب- أرباب الوظائف الدّينية)
وهم على طبقتين أيضا:
الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع الثلث ب «السّاميّ» بالياء، ويشتمل على وظائف)
منها: قضاء القضاة. وبها أربعة قضاة: من كل مذهب قاض، كما في الديار المصرية والشّام. والشافعيّ منهم هو الّذي يولّي بالبلاد كما في مصر والشّام.
وهذه نسخة توقيع بقضاء قضاة الشّافعية:
الحمد لله الّذي رفع منار الشّرع الشريف وأقامه، ونور به كلّ ظلام وأزال به كلّ ظلامة، وجعله صراطا سويّا للإسلام والسّلامة، الذي جعل القضاة أعلاما، بهم يهتدى، ونصبهم حكّاما، بمراشدهم يقتاد ويقتدى، وأخذ بهم الحقّ من الباطل حتّى لا يعتل في قضيّة ولا يعتدى، والصّلاة على سيدنا محمد الذي أوضح الله به الطّريق، وأبدى به بين الحلال والحرام التّفريق، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتكفل لرغبات قائلها بالتّحقيق.
وبعد، فإنّ أحقّ ما [وجّهت] «١» الهمم إلى تصريفه وجها مسفرا، وقرّبت إلى يد الاقتطاف من شجرته المباركة غصنا مثمرا، وسهّدت في الاختيار له والاصطفاء لحظا ما زال للفكر في مصالح الأمّة مسهرا- الشرع الشريف الّذي
стр. 5665
حرس الله به حومة الدّين وحمى جانبه، وحفظ به أقوال الهدى عن المجادلة من المبتدعين وأطرافه من المجاذبة؛ وكانت حراسته معدوقة باختيار الأئمة الأعلام، وموقوفة على كلّ من يطاعن البدع عند الاستفتاء برماح الخطّ وليست رماح الخطّ غير الأقلام، ومصرفة إلى كلّ منصف في قضاياه حتّى لو ترافعت إليه اللّيالي لأنصفها من الأيّام.
ولما كان فلان هو مدلول هذه العبارة، ومرتمى هذه المشارة، ومرتمق هذه الإشارة، وقد حلّ من الممادح في محل صعب المرتقى على متوقّله، وطلع من منازل سعودها في بروج بعيدة الأوج إلا على سير بدره وتنقّله؛ وطالما حكم فأحكم، وفصل ففصّل، وروجع فما رجع وعدل فعدّل، وشهدت مراتبه الشريفة بأنّه خير من تنوّلها ميراثا واستحقاقا، وأجلّ من كادت تزهو به مطالع النجوم إشرافا وإشراقا؛ وكانت حلب المحروسة مركز دائرة لأيّامه، وسلك جوهر تصريفه الّذي طالما تقلدت أحسن العقود بنظامه؛ وقد افتخرت به افتخار السماء بشمسها، والرّوضة بغرسها، والأفهام بإدراك حسّها، والأيّام بما عملته من خير في يومها وأسلفته في أمسها، وقد اشتاقت إلى قربه شوق النّفس إلى تردّد النّفس، واللّيلة إلى طلوع النّجم أولا فإلى إضاءة القبس.
فلذلك خرج الأمر الشّريف بأن يجدّد له هذا التوقيع بالحكم والقضاء، بالمملكة الحلبيّة وأعمالها وبلادها، على عادته.
فليستخر الله تعالى وليستصحب من الأحكام ما همّته مليّة باستصحابه، ويستوعب من أمورها ما تتوضح المصالح باستيعابه، ويقم بها منار العدل والإحسان، وينهض بتدبير ما أقعده منها زمانة الزّمان. وعنده من الوصايا المباركة، ما يستغني به عن المساهمة فيها والمشاركة؛ لكن الذّكرى النافعة عند مثله نافقة؛ فإن لم يكن شعاع هلال فبارقة، وليتّق الله ما استطاع، ويحسن عن أموال اليتامى الدّفاع، ويحرس موجود من غاب غيبة يجب حفظ ماله فيها شرعا، ويقطع سبب من رام لأسباب الحقّ قطعا، ولا يراع لحائف حرمة فإنّ حرمات
стр. 5666
الحائفين لا ترعى، وينظر في الأوقاف نظرا يحرسها ويصونها، ويبحث عنها بحثا يظهر به كمينها؛ والله تعالى يسدّده في أحكامه بمنه وكرمه! قلت: وعلى ذلك تكتب تواقيع بقية القضاة بها من المذاهب الثلاثة الباقية.
ومنها: وكالة «١» بيت المال المعمور.
وهذه نسخة توقيع من ذلك، كتب بها لمن لقبه «كمال الدّين» وهي:
الحمد لله الّذي جعل كمال الدّين موجودا، في اقتران العلم بالعمل، وصلاح بيت المال معهودا، في استناده إلى من ليس له غير رضا الله تعالى وبراءة الذّمة أمل، وارتقاء رتب المتّقين مقصورا على من بارتقاء مثله من أئمة الأمّة تزهى مناصب الدّول، والاكتفاء بالعلماء محصورا في الآراء المعصومة بتوفيق الله من الخلل.
نحمده على نعمه الّتي جعلت مهمّ مصالح الإسلام، مقدّما لدينا، واختصاص المراتب الدّينية بالأئمة الأعلام، محبّبا إلينا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة رفع الجهاد علمها، وأمضى الاجتهاد كلمها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أشرقت سماء ملّته، من علماء أمّته، بأضوإ الأهلّة، ونطقت أحكام شرعته، على ألسنة حملة سنّته، بأوضح الأدلّة، وبزغت شمس هدايته في تهائم الوجود ونجوده فانطوت بها ظلم الأهواء المضلّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصحوا لله ولرسوله، وآثروا رضاه على نفوسهم فلم يكن لهم مراد سوى مراده ولا سول غير سوله، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من تلقّاه كرمنا بوجه إقباله، واختارت له آلاؤنا من الرّتب ما صدّه الإجمال في الطّلب عن تعلّقه بباله، ورأى إحساننا مكانه من
стр. 5667
العلم والعمل فعدق به من مصالح المسلمين ما لم يتركه أوّلا إلّا موافقة له لا رغبة عن خياله، ورعى برّنا وفادته فاقتضى إعادته من مناصبه إلى ما لم يزل مشرق الأفق بكمال طلعته وطلعة كماله- من ظهرت لوامع فوائده، وبهرت بدائع فرائده، وتدفّقت بحار فضائله، وتألّقت أشعة دلائله، وتنوّعت فنونه: فهو في كلّ علم ابن بجدته، وفارس نجدته، وحامل رايته، وجواد مضماره الّذي تقف جياد الأفكار دون غايته.
ولما كان فلان هو هذا البحر الّذي أشير إلى تدفّقه، والبدر الّذي أوميء إلى كمال ما تألّق به من أفقه، وكانت وكالة بيت المال المعمور بحلب المحروسة من المناصب الّتي لا يتعيّن لها إلا من تعقد الخناصر عليه، ويشار ببنان الاختصاص إليه، ويقطع بجميل نهوضه فيما يوضع من المصالح الإسلامية بيديه؛ وله في مباشرتها سوابق، وآثار [إن] «١» لم تصفها ألسنة الأقلام أوحت بها تلك الأحوال الخالية وهي نواطق- اقتضت آراؤنا الشريفة إنعام النّظر في الإنعام عليه بمكان ألفه، ومنصب رفع ما أسلفه فيه من جميل السّيرة قدره عندنا وأزلفه.
فرسم بالأمر الشريف- لا زال بابه ثمال الآمال، وأفق السّعد الّذي لو أمّه البدر لما فارق رتب الكمال- أن يفوّض إليه كذا: لما ذكر من أسباب عيّنته، وفضائل تزيّنت به كما زيّنته، ووفادة تقاضت له نزل الكرامة، واقتضت له موادّ الإحسان وموارده في السّرى والإقامة.
فليل هذه الرتبة الّتي على مثله من الأئمة مدار أمرها، وبمثل قوّته في مصالحها يتضاعف درّ احتلابها ويترادف احتلاب درّها، مراعيا حقوق الأمّة فيما جرّه الإرث الشرعيّ إليهم، مناقشا عن المسلمين فيما قصره مذهبه المذهب من الحقوق الماليّة عليهم، واقفا بالحقّ فيما يثبت بطريقة المعتبر، تابعا لحكم الله فيما يختلف سبيله [و] «٢» فيما يحرّر بالعيان أو يحقّق بالخبر، محافظا على ما
стр. 5668
يؤول إلى بيت المال بلطف تدقيقه، وحسن تحقيقه، وقبول الدّافع بوجهه ودفعه بطريقه؛ ولا يمنع الحقّ إذا ثبت بشروطه الّتي أعذر فيها، ولا يدفع الواجب إذا تعيّن بأسبابه الّتي يتقاضاها الشّرع الشّريف ويقتضيها؛ وهو الوكيل عن الأمّة فيما لهم وعليهم، ومتولّي المدافعة عنهم فيما يقرّه الشرع في يديهم؛ فليؤدّ عنهم أمانة دينه، ويجتهد لهم فيما وضعناه من أمر هذه الوكالة الشريفة بيمينه؛ وملاك هذا الأمر الوقوف مع الحقّ الجليّ، والتّمسّك بالتّقوى الّتي تظهر بها قوّة الأمين وأمانة القويّ؛ والله تعالى يوفّقه ويسدّده.
قلت: وفي معنى ما تقدّم من قطع الورق والألقاب الحسبة، ونظر الأوقاف الكبار، وخطابة الجوامع الجليلة، وكبار التّداريس، وما يجري مجرى ذلك: إذا كتب به من الأبواب السّلطانية، وإلّا فالغالب كتابة ذلك جميعه عن نائب السّلطنة بها.
الطبقة الثانية (من يكتب له في قطع العادة «بالسامي» بغير ياء، أو «بمجلس القاضي» )
قال في «التثقيف» «١» : وهم من عدا القضاة الأربعة من [أرباب] «٢» الوظائف الدينية، فيدخل في ذلك قضاء العسكر، وإفتاء دار العدل، وما يجري مجرى ذلك، حيث كتب من الأبواب السلطانية.
الصنف الثالث (من أرباب الوظائف بحلب- أرباب الوظائف الديوانية، وهم على طبقتين)
الطبقة الأولى (من يكتب له في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء؛ وتشتمل على وظائف)
منها: كتابة السرّ؛ ويعبّر عنها في ديوان الإنشاء بالأبواب
стр. 5669
السلطانية- بصاحب ديوان المكاتبات، وربّما قيل: صاحب ديوان الرسائل. قال في «التثقيف» : وربّما كتب له في قطع النّصف.
وهذه نسخة توقيع شريف من ذلك، وهي:
الحمد لله الّذي زان الدّولة القاهرة، بمن تغدو أسرارها من أمانته في قرار مكين، وحلّى أيّامنا الزاهرة، بمن تبدو مراسمها من بلاغته في عقد ثمين، ومجمّل الكتب السائرة، بمن إذا وشّتها براعته ويراعته قيل: هذا هو السّحر البيانيّ إن لم يكن سحر مبين.
نحمده على نعمه الّتي خصّت الأسرار الشريفة بمن لم يرثها عن كلالة، ونصّت في ترقّي مناصب التّنفيذ على من يستحقّها بأصالة الرّأي وقدم الأصالة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة رقم الإخلاص طروسها، وسقى الإيمان غروسها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي آتاه جوامع الكلم، ولوامع الهدى والحكم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كتب في قلوبهم الإيمان، وكبت بهم أهل الطّغيان، صلاة يشفعها التّسليم، ويتبعها التّعظيم، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى الرّتب بإرتياد من تعقد على أولويّته الخناصر، ويعتمد على أصالته الّتي ما برحت في الاتصال والاتّصاف بها ثابتة الأواصر، ويعتقد في أمانته الّتي تأوي بها الأسرار إلى «صخرة أعيا الرّجال انصداعها» ، ويعتضد بفضائله الّتي يقلّ في كثير من الأكفاء اجتماعها، ويعول فيها على بلاغته، التي أعطت كلّ مقام حقّه من الإطناب والإيجاز، ويرجع فيها إلى بديهته، التي جرت بها سوابق المعالي إلى غاية الحقيقة في مضمار المجاز- رتبة هي خزانة سرّنا، وكنانة نهينا وأمرنا؛ فلا يتعين لبلوغها إلّا من ومن، ولا يعين لتلقّيها وترقّيها إلّا أفراد قلّ أن يكثر مثلهم في زمن، ولا يحسن أن تكون إلّا في بيت عريق في أنسابها، وثيق في تمكّن عرا أسبابها، عليم بقواعدها الّتي إذا اشتبهت طرق آدابها كان أدرى بها.
стр. 5670
ولما كان فلان هو الّذي ذكرت أسباب تعيّنه لهذه الرّتبة وتعيينه، وفتحت أبواب أولويّته بتلقّي راية هذا المنصب بيمينه، مع أدوات كمّلت مفاخره، وصفات جمّلت مآثره، وكتابة، إذا جادت أنواؤها أرض طرس أخذت زخرفها، وإذا حاذت أنوارها وجه سماء ودّت الدّراريّ لو حكت أحرفها، وبلاغة، إن أطرت بوصف أغارت الفرائد، وأعارت دررها القلائد، وأتت من رقّة المعاني بما هو أحسن من دموع التّصابي في خدود الخرائد «١» ، وإن أغرت بعدوّ أعانت على مقاتله السّيوف، ودلّت على مكامنه الحتوف، وديانة، رفعته عند الله وعندنا إلى المكان الأسنى، وصيانة، جمعت له من آلائنا واعتنائنا بين الزّيادة والحسنى، وأمانة، أغنته بجوهر وصفها الأعلى عن التّعرّض إلى العرض الأدنى، وبراعة، اعتضد بها يراعه في بلوغ المقاصد اعتضاد الرّقص بالمغنى.
فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه كذا فليبشر بتلقيّ هذا الإحسان، بيد الاستحقاق، وليتلقّ عقود هذا الامتنان، الذي طالما قلّده فخره الأعناق، وليباشر ذلك مباشرة يسرّ خبرها ويسري خبرها، ويشنّف الأسماع تأثيرها وأثرها، وليسلك فيها من السّداد، ما يؤكّد حمده، ومن حسن الاعتماد، ما يؤيّد سعده؛ والوصايا كثيرة وهو بها خبير عليم، حائز منها أوفر الأجزاء وأوفى التّقسيم «٢» ، وملاكها تقوى الله فليجعلها عمدته، وليتّخذها في كلّ الأمور ذخيرته؛ والله تعالى يضاعف له من لدنّا إحسانا، ويرفع له قدرا وشانا؛ والاعتماد في ذلك على الخطّ الشّريف أعلاه الله تعالى أعلاه.
ومنها: نظر المملكة الحلبيّة القائم مقام الوزير.
стр. 5671
وهذه نسخة توقيع من ذلك: كتب به لعماد الدّين «سعيد بن ريان» «١» بالعود إليها، وهي:
الحمد لله رافع قدر من جعل عليه اعتمادا، ومجدّد سعد من غدا في كلّ ما يعدق به من قواعد النّظر الحسن عمادا، ومسنّي حمد من تكفّل له جميل التّصرّف أن لا تبعد الأيام عليه مرادا، ومجزل موادّ النّعم لمن إذا استمطر قلمه في المصالح همى فافتنّ أفنانا وأينع تثميرا وأثمر سدادا، وإذا أيقظ نظره في ملاحظة الأعمال استجلى وجوه المصالح انتقاء لما خفي منها وانتقادا.
نحمده على نعمه الّتي لا تزال النّعم بها مجدّدة، والقواعد موطّدة، والكرم معادا، وآلائه الّتي جعل لها الشّكر ازديانا على الأبد وازديادا، ومننه الّتي لا يقوم بها ولا بأداء فرضها الحمد ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام أو كان البحر مدادا «٢» ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة لا تألو هممنا اجتهادا في إعلاء منارها وجهادا، ولا تكبو جياد عزائمنا، دون أن تسكنها من الجاحدين قلوبا وتجري بها من المنكرين ألسنة وتقلّدها من المشركين أجيادا، ولا تنبو صوارمنا، حتّى تتّخذ لها من وريد كلّ معاند موردا ومن قمم كلّ ناكث أغمادا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أسرى الله به إليه فبلغ في الارتقاء سبعا شدادا، وأنزل عليه أشرف كتبه بيانا وأعجزها آية وأوضحها إرشادا، وبعثه إلى الأحمر والأسود فسعد من سعد به إيمانا وشقي من شقي به عنادا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين لم يألفوا في طاعة الله وطاعته مهادا، صلاة لا تستطيع لها الدّهور نفادا، ولا تملّها الأسماع تعدادا وتردادا، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن أولى من سما به منصبه الّذي عرف به قديما، وزهيت به رتبته، التي لم يزل فيها لاقتناء الشّكر مستديما، وتحلّت به وظيفته، التي لم يبرح
стр. 5672
يلبس بها ثوب الثناء قشيبا ويجرّ بها رداء السّعد رقيما، وتقاضت له عوارفنا معارفه الّتي لم يزل عقدها في جيد المراتب السّنيّة نظيما، وتطلّع إليه مكانه فكأنّه بقدم هجرته لم يبرح فيه وإن بعد عنه مقيما- من لم يزل قلمه بصرفه في أسنى ممالكنا الشّريفة كاسمه سعيدا، وطرف نظره فيما يليه من المناصب السّنيّة يريه من المصالح ما كان غائبا ويدني إليه من أسباب التّدبير ما كان بعيدا؛ فما أعمل في مصالح الدولة القاهرة قلما إلا وأقبلت نحوه وجوه الأموال سافرة، ولا لحظ في مهمّات وظائفها أمرا إلّا وعاودته أسباب التّثمير النافرة، ولا اعترض «١» قلمه بنطقه وفكره إلّا وغدت الثلاثة على كل ما فيه عمارة ما يفوّض إليه من الأعمال متضافرة؛ وذلك لما اجتمع فيه من عفّة نفسه وكمال معرفته وطهارة يراعه، واتّصف به من حسن اضطلاعه وجميل اطّلاعه، وجبلت عليه طباعه من نزاهة زانت خبرته ومنّ ينقل مشكورا عن طباعه.
ولما كان فلان هو الّذي حنّت إليه رتبته وتلفّت إليه منصبه ودعته وظيفته النّفيسة إلى نفسها، واعتذرت بإقبالها إليه في يومها عن نشوزها عنه في أمسها، واشتاقت إلى التّحلّي بفضائله الّتي لم تزل تزهى بما ألفته منها على نظرائها من جنسها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجمّل لها عادتها ونجدّد له من الإحسان بمباشرتها السّعيدة إعادته، ونعيد إليه بمباشرة نظره الجميل مسرّته الّتي ألفها وسعادته.
فلذلك رسم ... - لا زال برّه لعماد الدّين رافعا، وأمره بالإحسان شافعا- أن يفوّض إليه نظر المملكة الحلبيّة على عادة من تقدّمه.
فليباشر هذه المملكة الّتي هي من أشهر ممالكنا سمعة، وأيمنها بقعة، وأحسنها بلادا، وأخصبها ربا ووهادا، وأكثرها حصونا شواهق، وقلاعا [سوامي] «٢» سوامق، وثغورا لا تشيم ما افترّ منها البروق الخوافق، مباشرة تزيد
стр. 5673
مصالحها على ما عرفته، وتريها من خبرته فوق ما ألفته، وتدلّ على ما فيه من كفاءة هذّبتها التّجارب، وهدتها الأنوار الثّواقب، وصرفتها الأفكار المطّلعة على الطوالع من المغارب، وسدّدها إلى الأغراض الجميلة الخلوّ من الأغراض، ووقّفها على جواهر الصّواب عدم اعتراض النّظر إلى الأعراض، وأراها التّوفيق ما تأتي من وجوه التدبير وما تذر، وعرّفتها المعرفة الاحتراس من مخالفة الصّواب فما تزال من ذلك على حذر، وفتحت لها الدّربة أبواب التّثمير فما لحظت أمرا من الأمور الديوانية إلا وبدت البدر؛ ولتكن النعم المصونة المقدّم لديه، والنظر في مصالح القلاع المحروسة هو الغرض المنصوص عليه، فليضاعف ذخائرها، ويتفقّد موارد أمورها ومصادرها؛ وفي معرفته بقواعد هذه الوظيفة ما يغني عن الوصايا، لكن ملاكها تقوى الله، فليجعلها نجيّ نفسه، وسمير أنسه؛ والخط الشريف......
ومنها- نظر الجيش بها.
وهذه نسخة توقيع بنظر الجيش بالمملكة الحلبيّة، وهي:
الحمد لله الّذي جعل أفق السعادة بطلوع شمسه منيرا، وأقرّ في رتب العلياء من يغدو ناظرها بحسن نظره قريرا، وحلّى مفارق المناصب السّنيّة بصدر إذا تغالى اللسان في وصفه كان بنان البيان إليه مشيرا، واختار لأمصار ممالكنا الشريفة من إذا فوّض إليه نظرها كان بنسبته إلى الإبصار حقيقا به وجديرا.
نحمده وهو المحمود، ونشكره شكرا مشرق السّعود، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عذبة الورود، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أضحت به شيوخ من الإسلام منشورة البنود، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أورق عود، وأولج نهار السيوف في ليل الغمود، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن الله تعالى لما خصّ كلّ مملكة من ممالكنا الشريفة بكثرة الجيوش والأنصار، وجعل جيوشنا وعساكرنا تكاثر عدد النّجوم في كلّ مصر من
стр. 5674
الأمصار، وكانت المملكة الشريفة الحلبيّة هي ركن من أركان الإسلام شديد، وذخر ما دعاهم داع إلّا ولبّاه منهم عدد عديد- وجب ان يختار للنّظر عليها من الأكفاء من سما في الرآسة أصله وزكا فرعه، فاستحقّ بما فيه من المعرفة تمييز قدره ورفعه، وفاق في فضل السّيادة أبناء جنسه، وأشرقت أفلاك المعالي بطلوع شمسه، وأقرّ [بنظره] «١» نظر الجيوش المنصورة، وسارت الأمثلة بما اتفّق عليه [فيه] «٢» من حسن خبرة وخيرة، وكان فلان هو الّذي طلع في أفق هذا الثّناء شمسا منيرة، واختبر بالكفاية والدّراية واختير لهذا المنصب على بصيرة، وهو الذي له من جميل المباشرة في المناصب السّنية ما هو كالشّمس لا يخفى، والّذي أحسن النّظر في الأوقاف المبرورة حتّى تمنّى كلّ منصب جليل أن يكون عليه وقفا، وهو الّذي حوى من الفضائل ما لا يوجد له نظير ولا شبيه، والّذي سما إلى رتبة من المعالي رفيعة وكان ذا الجدّ النّبيه والأب [لبنيه] «٣» فلذلك رسم.... لا زال يقرّ الناظر بجوده، ويحسن النظر في أمر جيوشه وجنوده- أن يفوّض إليه كذا: علما بأنه أحقّ بذلك وأولى، وأنّ كفايته لا يستثنى فيها بإلّا ولا بلو لا، وأنّ السّداد مقترن بحسن تصريفه، وعلمه قد أغنى عن تعليمه بمواقع التّسديد وتوقيفه.
فليباشر ذلك بصدر منشرح، وأمل منفسح، عاملا بالسّنة من تقوى الله تعالى والفرض، عالما بأنّا عند وصولنا إلى البلاد نأمر بعرض الجيوش:
فليعمل على ما يبيّض وجهه يوم العرض، وليلزم عدّة من المباشرين بعمل ما يلزمهم من التّفريع والتّأصيل، والتّجريد والتّنزيل، وتحرير الأمثلة والمقابلة عليها، وسلوك الطّريق المستقيم الّتي لا يتطرق الذّم إليها، والملاحظة لأمور الجيوش المنصورة في قليل الإقطاعات وكثيرها، وجليلها وحقيرها، بحيث يكون علمه محيطا بذلك إحاطة اللّيل، ويشترط على من يتعيّن تنزيله ما استطاع
стр. 5675
من قوّة ومن رباط الخيل، ويقابل الأمور المضطربة بالإضراب، ويسلك أحسن المسالك في سيره وسيرته: فإنّنا فوّضنا إليه الجيوش المنصورة من جند المملكة الحلبيّة ومن أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. والوصايا كثيرة وإن كثرت فعلمها عنده، وقد ضرب له منها مثل فليكن على سياقته فيما لم يذكر في العدّة؛ وأهمّ الأمور أن يتمسك من خشية الله بالسّبب الأقوى، ويجعل تقوى الله عماده في كلّ الأمور: فإنّ خير الزّاد التّقوى؛ والخطّ الشريف أعلاه حجة فيه.
الطبقة الثانية
من يكتب له من أهل المملكة الحلبيّة في قطع العادة مفتتحا ب «رسم» إمّا مع «مجلس القاضي» أو مع «القاضي الأجلّ» ككتّاب الدّرج ومن في رتبتهم، إن كتب لأحد منهم من الأبواب السلطانية، وإلّا فالغالب استبداد نائب السّلطنة بها بالكتابة في ذلك. فإن كتب شيء منها من الأبواب السلطانية، فليمش فيه على نحو ما تقدّم في الديار المصرية والمملكة الشامية الّتي قاعدتها دمشق.
النوع الثاني (من أرباب الوظائف بالمملكة الحلبية- من هو خارج عن حاضرتها، وهم على أصناف)
الصنف الأوّل (أرباب السيوف، وهم غالب من يكتب لهم عن الأبواب السّلطانية)
وقد تقدّم أنّ العادة جارية بتسمية ما يكتب لمن دون أرباب النيابات العظام: من دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، وغزّة، والكرك- مراسيم، وأنّ التقاليد مختصة بالنّواب العظام المقدّم ذكرهم. ولا يخفى أنّ النيابات الدّاخلة في المملكة الحلبيّة، مما هو تحت أمر نائب السّلطنة بحلب، أكثر من كل سائر الممالك الشامية.
следующие страницы →