← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

وليعرب عن الثّناء الأبيض عند ما يتمسك بتلك السّتور السّود، وليتلقّ المحمل الشريف في كلّ عام، بالاحتفال والإكرام، والطاعة الّتي يبلغ بها المرام، وليقف مع أمراء الحاج مقيما لحرمتهم بجميل الاحترام، وليكفّ الأشرار من العبيد والموالي، عن النّهب والتّخطّف لوفد الله الّذي قطع السّرى بالأيام والليالي، وليلازم خدمة المحمل الشريف على ما يناسب شرفه، حتّى يقف بعرفة، ثم يدفع إلى المزدلفة، إلى أن يقضي الحجّ ويرحل من مكّة المشرّفة، وليكن سياجا على الحجّاج، في تلك الفجاج، حتّى لا يفقد أحدهم عقالا، ولا يجد اختزالا، ويرحلون عن مكّة المعظمة من الذّنوب خفافا وبمننه ثقالا. والوصايا كثيرة وهو غنيّ عن أن نطيل له فيها مقالا، وتقوى الله فمن تمسّك بها حسن حالا، وأنتم أهلها كرّمكم الله أهلا وآلا؛ والله الله في حفظ جانب الصّحابة ﵃ فليردع عن الخوض فيهم جهّالا، والله يجعله مغمورا مسرورا بنعم الله تعالى، بمنّه وكرمه!. وهذه وصيّة لأمير مكّة، أوردها في «التعريف» : وليعلم أنّه قد ولّي حيث ولد بمكّة في سرّة «١» بطحائها، وأمّر عليها ما بين بطن نعمانها إلى فجوة روحائها «٢» ؛ وأنّه قد جعلت له ولاية هذا البيت الّذي به تمّ شرفه، وعلت غرفه، وعرف حقّه له أبطحه ومعرّفه «٣» ؛ إذ كان أولى ولاة هذا

стр. 5742

الحرم بتعظيم حرماته، وسرور جوانبه بما يلوح من البشر على قيماته، ولأنّه أحقّ بني الزّهراء بما أبقته له آباؤه، وألقته إليه من حديث قصيّ جدّه الأقصى أنباؤه؛ وهو أجدر من طهّر هذا المسجد من أشياء ينزه أن يلحق به فحش عابها «١» ، وشنعاء هو يعرف كيف يتتبّعها «وأهل مكّة أعرف بشعابها» . فليتلقّ راية هذه الولاية باليمين، وليتوقّ ما يتخوّف به ذلك البلد الأمين؛ وليعلم أنّه قد أعطى الله عهده وهو بين ركن ومقام، وأنّه قد بايع الله: والله عزيز ذو انتقام؛ وليعمر تلك المواطن، ويغمر ببرّه المارّ والقاطن، وليعمل في ذلك بما ينجّث عنه نجاره «٢» ، ويأمن به سكّان ذلك الحرم الّذي لا يروّع حمامه فكيف جاره، ولينصت إلى اسمه [ ] حيث يعلن به الدّاعي على قبّة زمزم في كلّ مساء وليعرف حقّ هذه النّعمة، وليعامل من ولّي عليهم بما يليق أن يعامل به من وقف تحت ميزاب الرّحمة؛ وقد أكد موثقه والله الله في نقضه، ومدّ يده على الحجر الأسود يمين الله في أرضه؛ وليتبصّر أين هو فإنّ الله قد استأمنه على بيته الّذي بناه، وسلّمه إليه بمشعره الحرام ومسجد خيفه ومناه؛ وإنّه البيت المقصود: وكلّ من تشوّق حمى ليلى فإنّما قصده أو لعلع بلعلع «٣» فإنّما عناه؛ وفي جمعه يجتمع كلّ شتيت، وفي ليالي مناه يطيب المبيت، وبمحصّبه «٤» تقام المواسم، وتفترّ الثّغور البواسم، وتهبّ من قبل نعمان الرّياح النّواسم، وفي عقوة «٥» داره محطّ الرّحال في كلّ عام، ومعرّ كل

стр. 5743

ذات عود تجذب بقلع وعوذ «١» تقاد بزمام، وإليه تضرب التّجار البراريّ والبحار، وتأتيه الوفود على كلّ قطار يحدى من الأقطار؛ وكلّ هؤلاء إنّما يأتون في ذمام الله بيته الّذي من دخله كان آمنا، وإلى محلّ ابن بنت نبيّه الّذي يلزمه من طريق برّ الضيف ما أخذ لهم وإن لم يكن ضامنا. فليأخذ بمن أطاع من عصى، وليردع كلّ مفسد ولا سيما العبيد فإنّ العبد المفسد لا يزجره إلا العصا، وليتلقّ الحجّاج بالرّحب والسّعة، فهم زواره وقد دعاهم إلى بيته وإنّما دعاهم إلى دعة، وليتلقّ المحمل الشريف والعصائب المنصورة، وليخدم على العادة الّتي هي من الأدب مع الله تعالى معنى ومعنا صورة، وليأخذ بخواطر التّجار فإنّهم سبب الرّفق لأهل هذا البلد وتوسعة ما لديهم، والمستجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم- صلوات الله عليه- إذ قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ «٢» ولا تتحيّف أموالهم بغرامة يقلّ بها الغنم، ولا بظلامة فإنّه بإزاء هذا البيت الّذي يردّ دونه من أراد فيه إلحادا بظلم؛ ولينظر كيف حبس دونه الفيل، وليكفّ عادية من جاوره من الأعراب حتّى لا يخاف ابن سبيل، وليقم شعائر الشّرع المطّهر، وأوامر أحكامه الّتي قامت بأبويه: بحكم جدّه سيدنا محمد ﷺ وسيف أبيه حيدر، وليأمر طوائف الأشراف وأشياعهم وسائر أهل موالاتهم وأتباعهم بلزوم ما كان عليه صالح السّلف وما عليه الإجماع، وتجنّب ما كانت الزّيديّة زادت فيه وكفّ الأطماع، وليتّق الله فإنّه مسؤول لديه عما استرعاه وقد أصبح وهو له راع؛ وإيّاه أن يتّكل على شرف بلده، فإن الأرض لا تقدّس أحدا، أو شرف محتده، فإن في يوم القيامة لا ينفع ولد والدا ولا والد ولدا. الوظيفة الثانية (قضاء مكّة، ويكتب به توقيع في قطع الثلث ب الساميّ» بالياء) وهذه نسخة توقيع بقضاء مكّة المشرّفة:

стр. 5744

الحمد لله الّذي أنفذ الأحكام، بالبلد الحرام، وأيد كلمة الشّرع في بلده ومنشئه بين الرّكن والمقام، وجعل الإنصاف الجزيل، حول حجر إسماعيل، متّسق النّظام. نحمده حمدا حسن الدّوام، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عبد قائم بحقّها أحسن القيام، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله السامي من ولد سام، والّذي قام لله حتّى ورمت منه الأقدام، وأسري به من مكّة إلى السماء مرّتين: في اليقظة والمنام، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمّة الصّلاة والصّيام، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ وظيفة القضاء بمكّة المعظمة هي أجلّ منصب بتلك الأباطح، ونورها في الجبين لائح، فإنّ الشّرع نشأ منها والوحي أنزل فيها فزهيت البطائح، وظهرت النّصائح، وأطربت الصّوادح، وأسكتت النّوائح، وغمرت المنائح، وانتشرت المصالح؛ فمن ولي الحكم بها وعدل فذلك هو العدل الصالح؛ وكيف لا؟ وماء زمزم شرابه، وأستار البيت تمسّها أثوابه، وعلى الله أجره وثوابه، وفي ذلك الجناب الشريف كرم جنابه، وإذا دعا الله عند الملتزم «١» جاءه من القبول جوابه. ولمّا كان فلان هو فرع «٢» الدّوحة المثمرة، ومحصّل من العلوم الشّرعية المادّة الموفّرة، وله البحوث الّتي [هي] «٣» عن أحسن الفوائد وغرر الفرائد

стр. 5745

مسفرة، ورضيّ أهل الحرم، لما جبل عليه من خير وكرم، [تمسك] «١» بالعروة الوثقى والقويّ الأتقى فلا جرم. فلذلك رسم.........- لا زال.......... فليكن في أمّ القرى، كالوالد المشفق على الورى، وليتمسّك من التّقوى بأوثق العرا، وليخش ربّ هذا البيت إنّه سميع يسمع ويرى، ووفد الله قطعوا إليه المراحل في السّرى، ليصافحوا كفّه المضمّخ عنبرا، وليقض بين الخصوم بالحقّ فمثله من درأ الباطل: قد جعله الله جار بيت عالي الذّرا، وفي أرض شرّف الله جبالها وقدّس غيرانها فمنها غار ثور وغار حرا «٢» ، لأنّ النبيّ ﷺ كان يتعبد في غار حرا، وأوى إلى غار ثور لما هاجر مؤيّدا مظفرا؛ والوصايا كثيرة وملاكها تقوى الله فليتمسّك بها من أمام وورا، والله تعالى يجعل نهاره منوّرا، وليله مقمرا، بمنه وكرمه! القاعدة الثانية (المدينة النبوية، وبها ثلاث وظائف) الوظيفة الأولى (الإمارة) والأمر فيها على ما مرّ في إمارة مكّة المشرّفة. وقد تقدّم أن إمارتها في بني الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄، ويكتب لها تقليد في قطع النّصف ب «المجلس العالي» أيضا بألقاب مخصوصة، وقد تقدّم ذكر ألقابه. وهذه نسخة تقليد شريف بإمارة المدينة النبوية، كتب به للأمير بدر الدين «وديّ بن جمّاز» «٣» من إنشاء المقرّ الشهابيّ بن فضل الله، سقى الله عهده:

стр. 5746

الحمد لله الّذي صرّف أمرنا في أشرف البقاع، وشرّف قدرنا بملك ما انعقد على فضله الإجماع، وعرّف أهل طيبة الطّيبة كيف طلع البدر عليهم من ثنيّات الوداع، وأمدّها بوديّ صغّر للتّحبّب وإلّا فهو واد متدفّق الأجراع. نحمده على نعمه الّتي أغنت مهابط الوحي عن ارتقاب البرد اللّمّاع، وارتقاء النظر مع بدره المنير إلى كلّ شمس سافرة القناع، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تخمد من الضلال ما شاع، ومن البدع ما استطار له في كلّ أفق شعاع، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف من أنفت به حميّة الامتناع، وألفت بنا سنّته أن ترعى لأهلها ولا تراع، وعصفت ريحها بمن يمالي دينه فمال إلى الابتداع، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ليس في فضل أحد منهم نزاع، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن الاهتمام بكلّ جهة على قدر شرفها، وعلى حسب الدّرّة الثمينة كرامة صدفها، والكمامة بثمرها، والغمامة بمطرها، والهالة بما يجلو الدّجى من قمرها؛ والمدينة الشريفة النبويّة لولا ساكنها ما عاجت إليها الركائب، ولا ناجت حدائقها غرّ السّحائب، ولا وقفت بتأرّج شذا الرّوضة الغنّاء بها الجنائب، ولا بكى متيّم دمن العقيق بمثله من دم ذائب، ولا هاج إليها البرق متألّقا، ولا هام صبّ فيها بظبيات سلع والنّقا «١» ، ولكنّها مثوى النّبوّة ترابها، ومهوى الرّسل جنابها، ومأوى كتاب الله الفسيح رحابها؛ دار الهجرة الّتي تعالت شمس الشريعة بأفقها، وتوالت سحب الهدى من بين أبيرقها «٢» ، وهي ثانية مكّة المعظمة في فضلها إلّا ما ذهب إليه في تفضيلها على مكّة مالك بن أنس، ومنها انبعثت للهدى نوّارة كلّ نور وشعاع كلّ قبس، وكانت لنبيّ هذه الأمّة صلّى الله

стр. 5747

عليه وسلّم أبقى داريه، وأعلى سماء حوت ثلاثة أقمار منه ومن جارية. ولما كان بها لبعض الولاة من الشّيعة مقام، ولهم فيها تحامل لا يجوز معه من الانتقاد إلّا الانتقال أو الانتقام، حتّى إنّه فيما مضى لمّا كثر منهم على بغض الصاحبين- ﵄ الإصرار، واشرأبّوا في التّظاهر بسبّهما إلى هتك الأستار، دبّ من النار في هذا الحرم الشريف ما تعلّق بكلّ جدار، وأبت لها حميّة الغضب إلّا أن يطهّر ما سنّته أيدي الرّوافض بالنّار؛ فلما اتّصل بنا الآن أنّ منهم بقايا وجدوا آباءهم على أمّة، واقتدوا بهم في مذهب الإماميّة بما لا أراده الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أولئك الأئمة، وحضر المجلس العالي الأميريّ الأصيليّ، الكبيريّ العادليّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الزّعيميّ، المقدّميّ، الذخريّ، الكافليّ، الشّريفي، الحسيبيّ، النّسيبيّ، الأوحديّ، البدريّ، عزّ الإسلام والمسلمين، شرف الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، جمال العترة الطاهرة، جلال الأسرة الزّاهرة، طراز العصابة العلويّة، كوكب الذّرّيّة الدّرّيّة، خلاصة البقية النّبويّة، ظهير الملوك والسلاطين، نسيب أمير المؤمنين، وديّ بن جمّاز الحسيني- أدام الله تعالى نعمته- بين أيدينا الشريفة بمحضر قضاة القضاة الأربعة الحكّام، وتذمّم «١» بأنّ مع طلوع بدره المنير لا تبقى ظلامة ولا ظلّام، وتكفّل لأهل السّنة بما أشهدنا الله به عليه ومن حضر، وتلقّى بإظهار فضل الترتيب كما هم عليه: النبيّ ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر؛ فما اختصّهما الله بجواره إلا ليثبت لهما على غيرهما إفضالا، وليجعل قبورهما في معرفة أقربهم منه درجة مثالا، لما تواترت به الأحاديث الشريفة في فضائلهما ممّا هو شفاء الصّدور، ووفاء بعهده إذ يقول: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ عضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور» ؛ فلم يسعنا إلا أن نجعل له منّا تقليدا يمحو بحدّه ما حدث من أحداث البدع، ويجدّد من عهد جدّه نبيّنا ﷺ في معرفة حقّ أصحابه رضي الله

стр. 5748

عنهم ما شرع، وثوقا بأنّه من بيت كان أوّل هذا الدّين الحنيف من دلّه «١» ، ومبدأ هذا الحقّ الظاهر ما أثّلته ومثّلته في سلفه الشريف بأقارب متّصله؛ وأنّه هو المورث من الفخار ما ورثه عن آبائه الكرام، المحدّث عن كرم الجدود بما لا يحقر له جوار أو يخفر ذمام، المشرق من الأسرة العلويّة بدرا تماما، المحدق به من الكواكب العلويّة ما يظن به أبا تسمّى وابنا تسامى، المنتخب من آباء صدق أحسن في ديارهم الصنيع، وحفظ من حسبهم الكريم ما أوشك أن يضيع، واستضاء بلامعة من هدى سلفه السابق، وهامعة من ندى ما يرويه السّحاب عن الجود والبرق عن المهارق، تهتزّ بمقدمه المدينة سرورا، وتفترّ رباها منه بنسب كأنّ على نسبه من شمس الضّحى نورا، ويتباشر ما بين لابتيها «٢» بمن يحمي حماها، ويحيّي محيّاها، وتتشوّف منه ربا كلّ ثنيّة إلى ابن جلادها، وطلّاع ثناياها، مع ما لا يجحد من أنّ له فيها من أبيه حقّ الوراثة، وأنّه لما كان هذا ثاني المسجدين احتاج إلى ثاني اثنين تعظيما للواحد وفرارا من الثّلاثة، ليكون هو ومن فيها الآن بمنزلة يدين كلتاهما تقبل الأخرى، وأذنين كلتاهما توعي درّا، وعينين ما منهما إلا ما يدرك أمرا بعيدا، وفرقدين لا يصلح أن يكون أحدهما فريدا، وقمرين لا يغلّب أحدهما على الآخر في التّسمية بالقمرين، وعمرين وكفى شرفا أن لا يوجد في الفضل ثالث للعمرين. فرسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ- زاد الله به المواطن شرفا، وزاد به البواطن الشريفة حبّا وشغفا- أن يفوّض إليه نصف الإمرة بالمدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، شريكا

стр. 5749

للأمير سيف الدين ابن أخيه «١» ، ورسيلا معه فيما يليه، ولكلّ منهما حقّ لا يكاد الآخر يخفيه، هذا له برّ الولد وهذا له حرمة الوالد لأنّ ابن الأخ ولد وعمّ الرّجل صنو أبيه؛ فتقسم الإمرة بينهما نصفين، وتوسم جباه الكتب الصادرة عنهما لهما باسمين. والوصايا تمدّ من عنانها، وتعدّ من أعيانها؛ فأوّلها تقوى الله فإنّها من شعائر القلوب، وبشائر الغيوب، وأمائر نجاح كلّ مطلوب، والاعتصام بالشّريعة الشريفة: فإنّها الحبل الممدود، والجبل الّذي كم دونه من عقبة كؤود، والانتهاء إلى ما نصّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقصّ جناح من مال به الهوى إلى مجاذبة الأطماع، وتلقّي وفد الله الزائر بما ألفه نزيل هذا الحمى من كرامة الملتقى، وتوقّي المذمّة فإنّها دنس لا يحمد مثله نقاء هذا النقا؛ ونعني بالمذمّة ما نسب إلى الرّوافض من البدع الّتي لا تطهّرها غرّ السحاب، ولا يستبيح معها لدخول المسجد الطّاهر من قنع بمقامه حوله التّيمّم بالتراب؛ ولا يدع أحدا من هذه الفرقة الضّالّة بعلي ولا يعيّره بما يكون به مثلة، ولا يشبّه قلبه في محبّة أهل البيت- سلام الله عليهم- بإناء امتلأ ماء ولم تبق فيه فضلة. ولا يظنّ جاهل منهم أنّ عليه- كرّم الله وجهه- كان على أحد من الصاحبين معاتبا أو عاتب، أو أنّه تأوّل في خلافتهما معتقدا أنّ أحدا منهما غاصب؛ فما تأخّر عن البيعة الأولى قليلا إلّا لاشتغاله بما دهمه بموت رسول الله ﷺ من المصائب، وإلّا فقد اتخذ أمّ ولد من سبي أبي بكر ﵁ لاكما يدّعيه كلّ كاذب، وقد تزوّج عمر بن الخطّاب ﵁ ابنته أمّ كلثوم وأقام بأمره الحدود وناب عنه وهو غائب؛ فيكفّ من عادية هؤلاء الروافض الأشرار ما سيصلون في المواقفة بناره، وسيصلون إلى الموافقة على ما طار من شراره، ولا يدع للإماميّة إماما يقتدي به منهم قوم شرار، ولا قاضيا يقضي

стр. 5750

بينهم: فإنّه إنّما يقطع لمن قضى له أو عليه قطعة من نار، ولا عالما يرفع له علم، ولا يفتح لهم بفتوى على مذاهبهم فم، حتّى ولا ما يتحرّك به في فم الدواة القلم. وليطهّر هذا المسجد الشريف من دنسهم، وليمط ما يحمله أديم مجلدات التّصانيف من نجسهم؛ وسكّان هذا الحرم الشريف ومن أقام عندهم من المجاورين، أو خالطهم من زمر المقيمين والسائرين، يحسن لأمورهم الكفالة، ولا يتعرض لأحد منهم بما يؤذي نفسه ولا يناله؛ فهم في جوار نبينا ﷺ وفي شفاعته، وكلّ منهم نزيل حرمه ومكثّر سواد جماعته، وحقّهم واجب على كل مسلم فكيف على حامي ذلك الحمى، بل من له إلى نسبه الشّريف منتمى. واصحب رفيقك بالمعروف فإنّكما مفترقان والسعيد من لا يذمّ بعد فراقه، ومستبقان إلى كلّ مورد لا يدرى أيّكما المجدّ في سباقه، ومتّفقان على فرد أمر وأفضلكما من دوام صاحبه على إرفاقه، وصحبه على وفاقه. وأمّا ما للمدينة الشريفة من تهائم ونجود مضافة إليها، ومستظلّة بجدرها أو متقدّمة في الصّحراء عليها، فهي ومن فيها: إما أن توجد بقلوبهم فهم أعوان، وإما أن تنفر فهم أشبه شيء بالإبل إذا نفرت تعلّق بذنب كلّ بعير شيطان؛ فأقربهما إلى المصلحة تقريبهم، وتأليفهم بما يقرب به بعيدهم ويزداد قربى قريبهم؛ والرّكبان الّتي تتّقد بهم جمرات الأصباح «١» والعشايا، ويعتقد كلّ منهم في معاجه إلى المدينة الشريفة أنّ تمام الحجّ أن تقف عليها المطايا؛ فهم هجود سرى، ووفود قرى، وركود في أفق الرّحال خلعت مقلهم على النجوم الكرى، ومعهم المحامل الشريفة الّتي هي ملتفّ شعابهم، ومحتفّ ركابهم، وهي من أسرّتنا المرفوعة، ومبرّتنا المشروعة؛ فعظّم شعائر حرماتها، وقبّل أمام منابرها الممثلة مراكز راياتها، وأكرم من جاء في خفارتها، ومن جال في دجى اللّيل لا

стр. 5751

يستضيء إلّا بما يبدو من إشارتها، وقد أشهدنا عليك من هو لك يوم القيامة خصيم، وأنت وشأنك فيما أنت به عليم. وباقي الوصايا أنت لها متفطّن، وعليها متوطّن، وما ينتفع الشريف بحسبه، إن لم يكن عمله بحسبه، ولا يرتفع بنسبه، إن لم يتجنّب مكان نشبه «١» ، والله تعالى يمتّع بدوام شرفه، ولا يضيّع له أجر حالّ عمله الصالح وسلفه؛ والاعتماد....... وهذه نسخة تقليد شريف بإمرة المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: الحمد لله الفرد بلا شريك، الواحد لا من أعداد تقتضي التّشويك، المليك الّذي يتناهى إليه تقليد كلّ مليك. نحمده حمدا يكمّل مواهب التّمليك، ويحمد عواقب التّسليك، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تصدع التّشكيك، وتصدّ كلّ أفيك «٢» ، وتسدّ خلل التّدريك، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله خير من حمي به عريك «٣» ، وحمى عليه تريك، وحمل حتّى تأتّى له التحرير في التّحريك، وتأنّى وما فاته على أعدائه النّصر الوشيك، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تخلص كالذّهب السّبيك، وترفع ما شيّد وتمنع ما شيك، وسلّم تسليما كثيرا. أمّا بعد، فلما كانت المدينة الشريفة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- حرما لا يستباح، وحمى ليس إلّا لمن انتهكه دم مباح، وجنابا ما على من حلّه جناح، ومهبط وحي لا يمسّح بأركانه لغير الملائكة جناح، ولا يمسّك

стр. 5752

بعصمة من أغضى فيه على قذى، وسكت لساكنيه على أذى. ولمّا اتصل بنا عن الرّوافض ما لا صبر لمسلم يرجو الله واليوم الآخر عليه، ولا وجه لمن قنع فيها بإخراج يديه، ولا عذر لمن لقي الله مغضبا لما ينهى إليه، لا مغضبا لما ينال رسول الله ﷺ من التعرّض إلى صاحبيه، مما تقاضى منّا ما يمحو ظلامه الممتدّ، وظلمه المشتدّ، وبدعهم فسواء من ابتدعها ومن ارتدّ- فمكّنّا بتقليدنا الشريف من أعطى الله وأعطانا على قوله موثقا، وجرّد عزائم لا تردّها من خدعهم الرّقى، وأشهد الله عليه ومن حضر أنّه لا يدع هذه الفرقة الضالّة حتى يدعّ يتيمها، ويعدّ لمقاتل السّيوف حطيمها: مما تضمنه نصّ ماضي ذلك التّقليد، وما ضم ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد، ونبّهنا على أنّه بدر لم يبق مع طلوعه ظلمة ولا ظلامة، ولا إضاعة ولا إضامة «١» ، ولا ما تتجنّب به الرّكائب تمام الحجّ في مواقفها، ولا تنكر ما جهلت في قباب قباء من معارفها، وترد أعطانها ولا يسوقها إلى الأبرق بارق على أطلاله، ولا يعجبها إن خيل لها في النخيل مقيل في ظلاله. وكان المجلس العالي- أدام الله تعالى نعمته هو المتكفّل بتطهير ذلك الحرم الشريف من ألم كلّ قول يفترى، ولمّ كلّ باطل يلمّ يقظة أو طيف كرى، وإزالة كلّ شحّ فيها على من أمّل قرى أمّ القرى، وإماتة كلّ بدعة تسكب على مثلها العبرات، وإماطة كلّ أذى من طريق منى والجمرات، ومنع شقاشق شيعة تغلي مراجلها من الزّفرات، وقطع كلّ نجوى ينادون بها من وراء الحجرات، وقلع طائفة لولا إقامة حدود الله لكفاهم ما يقطّع أكبادهم من الحسرات؛ وكان بها من أولاد أخيه، بل بعضه منه وبعضه من بني أبيه، من التهى عمّا تتحلّى به شيم الشريف الشريفة، وانتهى إلى ما لا يعنيه ولا يغنيه في

стр. 5753

تأخير خليفة وتقديم خليفة، وأهمل حقوقا عواقبها مع الله تعالى ورسوله ﷺ مخيفة، وأوهم عقوقا لأصحابه بل له لقوله: «دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدي أحدهم ولا نصيفه» . وبقي يتّصل بنا في هذا المعنى ما لا يقال ممّا يقال عنهم، ويصل أذاهم إلى رسول الله ﷺ في صاحبيه وقد قال: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما يرون النّجم الطالع في أفق السماء، وإنّ أبا بكر وعمر منهم» يطلبون في التقديم على من قدّمه الله ردّ فائت ما جرى به القدر «١» ، ويضربون صفحا عما لا أراده الله ولا رسوله ﷺ في قوله: «لا أدري ما قد بقي لي فيكم فاقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر» . مع ما أضيف إلى هذا من قوادح نواب، وفواتح أبواب، وحوادث تزعج مقرّ النبوّة أنباؤها، وتمتدّ على مشارق الأنواء ظلماؤها، وتغيّر عوائد الوفود في كرامة زائرهم، وإدامة بشاشة الملتقى لسائرهم، وأمن سربهم أن يراع، وشربهم أن يتمثّل به لغير برق شعاع، وضمّهم إلى ذلك الحمى الّذي لا يضام نزيله، ولا يرام في طريق المجرّة سبيله، ولا يضلّ سار إليه ووجوه سكّان الحمى دليله، ولا يضيع وقد تلقّاه من النّسيم بليله بليله، ولا يقف وقفة المريب وضوء الصباح من أيمن النّقا قنديله، ولا يخشى وشعب ذلك الحيّ شعبه وقبيله قبيله، وإراحة ركابهم الّتي أزعجها حادي السرى، وإمتاعهم بقرب الجوار عوضا من دموعهم عمّا جرى. فلمّا لم يبق لمن أشرنا إليه- ممّن أعطانا عهد موثقه، وسار لا يريد إلا نقاء نقاه وبراءة أبرقه- إلّا أن يحطّ بالمدينة الشريفة ركابه، ويبعد الشّكوى مما لا عهد من معاهدها اقترابه- أصرّ من فيها من ذوي قرابته «٢» على منعه أن

стр. 5754

يدخلها إلّا بقتال يخلّ مقاعد الحرم، ويحلّ معاقد «١» الحرم، ويشعل نارا يصلى بها من لم تمتدّ له يد إليها إلى وقود، ويروع من الآلف فيها من يمتدّ له في غير مراتع غزلان النّقا سجاف قيام معقود، وقدم إلى أبوابنا العالية من كان فيها مقيما، وأنعمنا عليه بإبقاء النّصف ففاته الكلّ لمّا لم يقنع أن يكون قسيما؛ فأبت حميّتنا لله ولرسوله ﷺ ولتلك المواطن المعظمة إلّا أن نطهّرها مما أسبلت على سريره أذيالها، وما أطاقت على مضضه الأليم احتمالها. فرسم بالأمر الشريف- لا زال قدره عاليا، وبرّه لا يخلّ بوديّ ولا يخلي مواليا- أن تفوّض إليه إمرة المدينة الشّريفة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: مستقلّا بأعبائها، مستهلّا سحابه على أرجائها، إمرة تستوعب جميعها، وتستوعي لمراسمه رباها وربوعها وعاصيها ومطيعها، وتهائمها ونجودها، وقريبها وبعيدها، وكلّ ما يدخل لها في حدّ، وينتظم لها في عدّ، وأهل حاضرتها وباديتها، وما تقف عليه من السّحب ركائب رواعيها وغاديتها، ومن تتبسّم بهم ثناياها، وتتنسّم لهم أرواح بكرها وعشاياها، ومن يضمّهم جناحها المفضّل، ويلمّهم وشاحها المفصّل، ويجمعهم جيشها السائر، ويلفّهم في شملة الدّجى قمرها الزّاهر- تفويضا يدخل فيه كلّ شريف ومشروف، ومجهول ومعروف، ومستوطن من أهلها، وغريب انتهت [به] إليها مطارح سبلها، ما فيه تأويل، ولا تعليل، ولا استثناء، ولا انثناء، ولا تخرج منه الأرض المغبّرة ولا الرّوضة الغنّاء، لا شبهة فيه لداحض، ولا حجّة لمعارض؛ يستقلّ بها جميعها بدره التمام، وبرّه الغمام، وبحره الّذي يأبى فريده أن يؤاخى في نظام، وأمره الّذي يتلقّى به عن الثقة من سادات بيته مقاليد الأحكام، وتقاليد ما يجري به القلم ويمضي السيف الحسام، إفرادا في التحكيم، وأنفة لمثله من ضرر التّقسيم، وفرارا من الشّركة «٢» المشتقة من الشّرك:

стр. 5755

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «١» ، ولاية تامة، عامة، كاملة، شاملة، لا يبقى من أهل نجد من لا يدخل في حكمها، وينضاف إلى قسمها، تقابل السّوابق في غاياتها، وتقاتل الجحافل تحت راياتها، ويعدّ مع أهل بدر فيها، ويعدّ من حقوقها ما يوفّيها. وقد سبق من الوصايا ما فيه غنى، إلّا ما لا تخل العوائد به مما يذكر هنا؛ وقد حويت بحمد الله في جميع طباعك، وجميل انطباعك، من حقّ اعتزامك؛ وصدق التزامك، ما هو كالسّنا للشّمس، والمنى للنّفس، مما تحسد على شرفه النّجوم، وتنافس العلياء ما تعلق به الغيوم. فكمّل بتقوى الله شرفك، واتّبع في الشريعة الشّريفة سلفك؛ وكتاب الله المنزّل، أنتم أهل بيت فيكم تنزّل، وسنة جدّكم سيدنا رسول الله ﷺ لا تهمل، وهي مجدكم المؤثل، ومعرفة حقّ من مضى عنكم، وإلا فعمّن تنقل، ومنكم، وإلا فممّن تؤمّل، وإزالة البدع وإلّا فلأيّ شيء سيوفكم تصقل، و [لماذا] «٢» رماحكم تعدّل؛ والرافضة وغلاة الشّيعة هم دنس من انتمى إلى هذا البيت الشريف بولائه، وسبب وقوف من يقصد الدّخول تحت لوائه؛ فهم وإن حسبوا من أمداده، ليسوا- وحاشى نوره الساطع- إلّا من المكثّرين لسواده؛ أرادوا حفظ المودّة في القربى فأخلّوا، وقصدوا تكثير عددهم فقلّوا، وأنف من هو بريء من سوء مذهبهم، أن يتظاهر بالولاء فيعدّ من أهل البدع بسببهم؛ مع أنّهم طمعوا في رضا الله فأخطأتهم المطامع، وصحيح أنّهم زادوهم عددا إلّا أنّها كزيادة الشّغياء «٣» أو كزيادة الأصابع.

стр. 5756

فصمّم عزمك على ما عاهدت الله عليه من رفع أيدي قضاتهم، ومنعهم هم ومن اتّبع خطوات الشّيطان في سبيل مرضاتهم، وحذّرهم ممّا لا يعود معه على أحد منهم ستر يسبل، ولا يبقى بعده لغير السّيف حكم يقبل؛ فمن خاض للسّلف الصالح يمّ ذمّ أغرق في تياره، أو قدح فيهم زناد عناد أحرق بناره؛ وألزم أهل المدينة الشريفة- على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم- بكلمة السنة فإنّها أوّل ما رفعت بتلك المواطن المعظّمة أعلامها، وسمعت في تلك الحجرة المكرّمة أحكامها، مع تعفية آثار ما ينشأ على هذه البدعة من الفتن حتّى لا ينعقد لها نقع مثار، وتوطئة أكناف الحمى لئلا يبقى به لمبطل في مدارج نطقه عثار؛ والوصية بسكّان هذا الحرم الشريف ومن ينزل به من نزيل، ويجاور به مستقرّا في مهاد إقامة أو مستوفزا على جناح رحيل، ومن يهوي إليهم من ركائب، ويأوي إليهم من رفقة مالت من نشوات الكرى بهم راقصات النّجائب، ومن يصل من ركبان الآفاق، وإخوان نوّى يتشاكون إليهم مرّ الفراق، ومن يتلاقى بهم من طوائف كلّهم في بيوت هذا الحيّ عشّاق، وأمم شتّى جموعهم: من مصر وشام ويمن وعراق، وما يصل معهم في مسيل وفودنا، وسبيل جودنا، ومحاملنا الشريفة الّتي ينصب لنا بها في كلّ أرض سرير، وأعلامنا الّتي ما سمّيت بالعقبان إلّا وهي إليها من الأشواق تطير؛ فمتى شعرت بمقدم ركابهم، أو برقت لك عوارض الأقمار من سماء قبابهم، فبادر إلى تلقّيهم، وقبّل لنا الأرض في آثار مواطيهم، وقم بما يجب في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعتنا [وأخرج عنهم كلّ يد ولا تخرجهم عن جماعتنا] «١» . وأهل البادية هم حزبك الجيش اللهام، وحربك إذا كان وقودها جثث وهام، وهم قوم لم يؤدّبهم الحضر، ولا يبيت أحد منهم لأنفته على حذر، فاستجلب بمداراتك قلوبهم الأشتات، وبادر حبال إبلهم النّافرة قبل البتات، وترقّب مراسمنا المطاعة إذا ذرّت لك مشارقها، وتأهّب لجهاد أعداء الله متى

стр. 5757

لمعت لك من الحروب بوارقها، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولولا أنّ السيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك؛ فما شهد للشّريف بصحّة نسبه، أزكى من عمله بحسبه؛ والله تعالى يقوّي أسبابك المتينة، ويمتع العيون بلوامعك المبينة، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة، والاعتماد ... وهذه نسخة تقليد بإمرة المدينة النبوية، وهي: الحمد لله الّذي خصّ بالنّصرة، دار الهجرة، وأطلع للإيمان فجره، بتلك الحجرة، وطيّب طيبة وأودع فيها سليل الأسرة. نحمده حمدا نأمن به مكره «١» ، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عبد تمسّك بالحجّ وتنسّك بالعمرة، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي شرّف الله قدره، وأنفذ أمره، وأيّده في ساعة العسرة، وكان أكرم الناس في العشرة، وأسخى العالمين إذ يبسط بالجود راحتيه فما أسمح عشره، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة ثبتت شجرتها من الأرض فاتّصلت فروعها بالسّدرة «٢» ، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ المدينة النبوية معدن الهدى والوقار، ومسكن الرّضوان والأنوار، ومهبط الملائكة الأبرار، ومنزل الوحي في اللّيل والنهار، ودار الهجرة

стр. 5758

للنبيّ المختار، وتربة مدفنه الزّاكي المعطار؛ تشدّ الرّحال إليها من أقاصي الأقطار، ويأتي إليها الظّالمون لأنفسهم بالاستغفار، فيرجعون وقد محيت عنهم الأوزار؛ فقلوب أهل الاشتياق مقيمة في فناء تلك الدّار، وإن كانت أجسامهم بعيدة من وراء البحار، وبها من آل البيت سادة أطهار، وأمراء كبار، يتقرّب إلى الله بحبّهم في الإعلان والإضمار، ويتوسّل بولائهم في دعوة الأسحار، قد ضمّوا إلى كرم الراحة، وسماحة الأنفس المرتاحة، شجاعة وبسالة، وعلويّة فعّالة، وتمسّكا بالمروءة المعروفة بشرف الأصالة؛ وهم يتوارثون إمرتها عن آباء سادات، وكرام لهم في الفضل عادات. ولما كان فلان هو بقية الأسرة المتضوّعة، وثمرة الشّجرة المتفرّعة، والمخصوص بالوصف الّذي رفعه، والقول الّذي اتّبعه حين سمعه- ما زال في المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مشكور الطّريقة، محفوظ الوثيقة، معروف الحقيقة، موصوف الآثار الحسنة بين الخليقة، يجتني لكلّ صالحة من تلك الرّوضة الشريفة المثمرة الوريقة، ويحمي السّرح أن ينتهب، ويطفيء نار الفتن فما تلتهب، ويعظّم المجاورين والواردين والقادمين على حمى سيّد العجم والعرب. فلذلك رسم أن يستقرّ.......... فليحلّ هذا الرّبع المعمور بالتّقى، وليباشر هذه الإمرة الشّريفة زادها الله علوّا وارتقا، وليستعمل السكينة فإنّها جميلة اللّقا، وليسلك الأدب مع ساكن النّقا، وليعتمد على حسن اليقين فإنّه له وقا، وقد جاور العقيق فأصبح بقلائده الفاخرة مطوّقا، وليحكم بالعدل في بلد نشأ منه العدل والإنصاف فمنذ اجتمعا فيه ما افترقا، وليصن شرفه من الولوج في فتنة، وليغمد سيفه ولا يشهره في وقت محنة، ويحقن الدّماء أن تراق، ويتلقّ الزّوّار بالإرفاق، فإنّهم جاءوا من أقاصي الآفاق، رجالا وعلى النّياق، تحثّهم الصّبابة والأشواق. وكلمة الشّرع وشعار السّنّة فليكن معظّما لها باتفاق بغير شقاق، وشيخ

стр. 5759

الحرم الشّريف وخدّامه ومجاوريه فليكرم محسنهم ويعامله بحسن الأخلاق، ويتجاوز عن مسيئهم بطيب أخلاق، وحواصل الحرم الشّريف المخزونة فيه فلتكن محميّة من التبذير في وقت الإنفاق، وتلك دار هم سكانها الطيّبو الأعراق؛ والتّقوى فمن بيتهم الشّريف آثارها الإشراق، وعليهم نزل الفرقان والتّحريم والطّلاق، فماذا عسى أن يوصيه وهو أهل الفضل على الإطلاق؛ والله تعالى يجعل نجاره في الفخر مجلّيه في السّباق، بمنّه وكرمه!. وهذه وصية لأمير المدينة أوردها في «التعريف» ، وهي: «١» فكمّل بتقوى الله شرفك، واتّبع في الشريعة الشريفة سلفك؛ وكتاب الله المنزّل، أنتم أهل بيت فيكم تنزّل، وسنة جدّك سيدنا رسول الله ﷺ لا تهمل، وهي مجدكم المؤثّل، ومعرفة حقّ من مضى، عنكم، وإلا فعمّن تنقل، ومنكم، وإلّا فممّن تؤمّل، وإزالة البدع وإلّا فلأيّ شيء سيوفكم تصقل، ولماذا رماحكم تعدّل، والرافضة وغلاة الشّيعة هم دنس من انتمى إلى هذا البيت الشريف بولائه، وسبب وقوف من يقصد الدّخول تحت لوائه؛ فهم وإن حسبوا من أمداده، ليسوا- وحاشى نوره الساطع- إلا من المكثّرين لسواده؛ أرادوا حفظ المودّة في القربى فأخلّوا، وقصدوا تكثير عددهم فقلّوا، وأنف من هو بريء من سوء مذهبهم، أن يتظاهر بالولاء فيعدّ في أهل البدع بسببهم؛ مع أنّهم طمعوا في رضا الله فأخطأتهم المطامع، وصحيح أنّهم زادوهم عددا إلّا أنّها كزيادة [الشّغياء أو كزيادة] «٢» الأصابع. فصمّم عزمك على ما عاهدت الله عليه من رفع أيدي قضاتهم، ومنعهم من اتّباع خطوات الشيطان في سبيل مرضاتهم، وحذّرهم مما لا يعود معه على أحد منهم ستر يسبل، ولا يبقى معه لغير السّيف حكم يقبل؛ فمن خاض

стр. 5760

للسّلف الصالح يمّ ذمّ أغرق في تيّاره، أو قدح فيهم زناد عناد أحرق بناره؛ وألزم أهل المدينة الشريفة النبويّة بكلمة السّنّة فإنّها أوّل ما رفعت بتلك المواطن المعظمة أعلامها، وسمعت في تلك الحجرة المكرّمة أحكامها، مع تعفية [آثار] «١» ما ينشأ على هذه البدعة من الفتن حتّى لا ينعقد لها نقع مثار، وتوطئة أكناف [ذلك] «٢» الحمى لئلا يبقى به لمبطل في مدارج نطقه عثار؛ والوصيّة بسكّان هذا الحرم الشريف على الحالّ به أفضل الصلاة والسلام ومن ينزل به من نزيل، ويجاور به مستقرّا في مهاد إقامة أو مستوفزا على جناح رحيل، ومن يهوي إليهم من ركائب، ويأوي إليهم من رفقة مالت من نشوات الكرى بهم راقصات النّجائب، ومن يصل من ركبان الآفاق، وإخوان نوى يتشاكون إليهم مرّ الفراق، ومن يتلاقى بها من طوائف كلّهم في بيوت هذا الحيّ عشّاق، وأمم شتّى جموعهم من مصر وشام [ويمن] «٣» وعراق، وما يصل معهم في مسيل وفودنا، وسبيل جودنا، ومحاملنا الشريفة الّتي ينصب لنا بها في كلّ أرض سرير، وأعلامنا الّتي ما سمّيت بالعقبان إلّا وهي إليها من الأشواق تطير. فمتى شعرت بمقدم ركابهم، أو برقت [لك] «٤» عوارض الأقمار من سماء قبابهم، فبادر إلى تلقّيهم، وقبّل لنا الأرض في آثار مواطيهم، وقم بما يجب في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعتنا، وأخرج عنهم كلّ يد ولا تخرجهم عن جماعتنا. وأهل البادية هم حزبك الجيش اللهام، وحربك إذا كان وقودها جثث وهام، وهم قوم لم يؤدّبهم الحضر، ولا يبيت أحد منهم لأنفته على حذر، فاستجلب بمداراتك قلوبهم الأشتات، وبادر حبال إبلهم النّافرة قبل الانبتات، وترقّب مراسمنا المطاعة إذا ذرّت لك مشارقها، وتأهّب لجهاد أعداء الله متى لمعت لك من الحروب بوارقها، وأحسن كما أحسن الله إليك؛ ولولا أنّ السّيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك؛ فما شهد للشّريف

стр. 5761

بصحّة نسبه، أزكى من عمله بحسبه، والله تعالى يقوّي أسبابك المتينة، ويمتع العيون بلوامعك المبينة، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة. الوظيفة الثانية (القضاء) وكان في الزّمن القديم بها قاض واحد شافعيّ، ثم استقرّ بها قاضيان آخران: حنفيّ ومالكيّ، يكتب لكلّ منهم توقيع في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء. وهذه نسخة تقليد بقضاء الشافعية بالمدينة النبوية: الحمد لله الّذي جعل الشرع الشريف دافق السّيول، وفي طيبة له الأصول، ومنها نشأ وتفرّع فله في البسيطة عموم وشمول، وكلّ قطر به مشمول، وكل ربع به مأهول، وتأكّد به المعلوم وتبدّد به المجهول، وزالت الشرائع كلّها وهو إلى آخر الدّهور لا يزول. نحمده وحمده يطول، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عمرت [بها] «١» طلول، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف رسول، وأكرم مأمول، وأفضل مسؤول، ومهنّد من سيوف الله مسلول، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبي الفروع والأصول، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ الشرع الشريف معدنه في أرض ثوى خير الرّسل فيها، ومنشؤه في بلد ملائكة الله تحميها؛ فلا يلي أقضية الناس إلّا من طالت ذوائب علمه، وأشرقت ثواقب فهمه، وبنيت على الأصول قواعد حكمه، وتحلّى بالورع فتجلّى في سماء النجاة كنجمه. ولما كان فلان هو الّذي جذبته السعادة إلى مقرّها، وخطبته المغفرة إلى

стр. 5762

موطن برّها، وأهّلته الأقدار إلى جوار نبيّ هو خاتم الأنبياء وفاتح أمرها، وأصبح للحكم في المدينة، مستحقّا لما فيه من سكينة، وتحصيل للعلم ومن حصّل العلم كان الله معينه. فلذلك رسم أن يستقرّ............. فليباشر منصبا جليلا في محلّ جليل، وليعلم أنّ سائر الأمصار تغبطه وتحسده وما لمنصبه من مثيل؛ أين يوجد سواه في كل سبيل؟ من قاض هو بسيّد المرسلين نزيل، ومن يصبح ويمسي جارا للمستجير في المحشر الطّويل. فاحكم بين ناس طيبة بورع وتأصيل، وتحرير في تحريم وتحليل، واتّق الله في كلّ فعل وقيل، واستقم على الحقّ حذار أن تميل؛ فصاحب الشّرع أنت منه قريب والنبيّ من الله قريب وحبيب وخليل، وماذا عسى أن نوصيه وهو بحمد الله تعالى كالنّهار لا يحتاج إلى دليل. وأما الخطابة: فارق درج منبرها، وشنّف الأسماع من ألفاظك بدرّها وحرّر ما تقوله من المواعظ فإن صاحب العظات يسمعك، وتواضع لله فإنّ الله يرفعك؛ وهذا المرقى فقد قام فيه النبيّ الأميّ سيد الثّقلين، ومن بعده الخليفتان قرّتا العين، ومن بعدهما عثمان ذو النّورين، وعليّ ﵁ أبو الحسنين؛ فاخشع، عند المطلع، واصدع، بما ينفع، وانظر لما تقوله فإنّ رسول الله ﷺ هناك يسمع، وقاضي المدينة وخطيبها يرجو أن ليس للشيطان فيه مطمع؛ والله تعالى يحوز له الخير ويجمع، بمنّه وكرمه!. الوظيفة الثالثة (مشيخة الحرم الشريف) وقد جرت العادة أن يكون له خادم من الخصيان المعبّر عنهم بالطّواشيّة، يعيّن لذلك من الأبواب السلطانية، ويكتب له توقيع في قطع الثلث ب «المجلس الساميّ» بالياء مفتتحا ب «الحمد لله» .

стр. 5763

وهذه نسخة توقيع شريف من ذلك: الحمد لله الّذي شرف بخدمة سيدّ الرّسل الأقدار، وفضل بالتأهّل للدّخول في عداد كرمه بخدمته من اختاره لذلك من المهاجرين والأنصار، وجعل الاختصاص بمجاورة حرمه أفضل غاية تهجر لبلوغها الأوطان والأوطار، وعجّل لمن حلّ بمسجده الشريف تبوّأ أشرف روضة تردها البصائر وترودها الأبصار. نحمده على نعمه الّتي أكملها خدمة نبيّه الكريم، وأفضلها التّوفّر على مصالح مجاوري قبر رسوله الهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم، وأجملها الانتظام في سلك خدمة حرمه [لأنها] بمنزلة واسطة العقد الكريم النّظيم، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة مزلفة لديه، مقرّبة إليه، مدّخرة ليوم العرض عليه، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف نبيّ بعث إلى الأسود والأحمر، وأكرم من أنار ليل الشّرك بالشّرع الأقمر، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين فخرت الحبشة بهجرتهم الأولى، ونجا النّجاشيّ بما اتّخذ عندهم من السّابقة الحسنة واليد الطّولى، وأولي بلالهم من السّبق إلى خدمة أشرف الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل ما يولى، صلاة لا يزال شهابها مرشدا، وذكرها في الآفاق مغيرا ومنجدا وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى [من] «١» اعتمد عليه من أفاء الله عليه من نعمه، وأفاض عليه من ملابس كرمه، وشرّف قدره بأن أهّله لخدمة سيد الرّسل بل لمشيخة حرمه، وخصّه برتبة هي أسنى الرّتب الفاخرة، وأجمع الوظائف لشرف الدّنيا والآخرة- من رجّحه لذلك دينه المتين، وورعه المكين، وزهده الّذي بلغ به إلى هذه الرتبة الّتي سيكون بها- إن شاء الله تعالى- وجيها في الدّنيا والآخرة ومن المقرّبين. ولمّا كان فلان هو الّذي أدرك من خدمة سيّد الرسل غاية سوله، وزكت

стр. 5764

عند الله هجرته الّتي كانت على الحقيقة إلى الله ورسوله، وسلك في طريق خدمته الشّريفة أحسن السّلوك، وانتهت به «١» السّعادة إلى خدمة رسول الله ﷺ ليعرض بجوهرها الأعلى عن عرض خدمة الملوك، وفاز من مجاورة الحجرة الشريفة بما عظمت عليه [به] «٢» المنّة، وحلّ به مما بين القبر والمنبر في روضة من رياض الجنّة، وأقام في مقام جبريل، ومهبط الوحي والتنزيل، يتفيّأ ظلال الرّحمة الوارفة، ويتهيّأ من تلك النّعمة بالعارفة بعد العارفة- تعيّن أن يكون هو المحلّى بعقود مشيخة ذلك الحرم، والمتولّي لمصالح هذه الطائفة الّتي له في التّقدّم عليهم أثبت قدم. فرسم بالأمر الشريف لا زال......... أن تفوّض إليه المشيخة على خدّام الحرم الشريف النّبويّ: للعلم بأنّه العامل الورع، والكافل الّذي يعرف أدب تلك الوظيفة: من خدمة الرسول ﷺ على ما شرع، والزّاهد الّذي آثر جوار نبيّه على سواه، والخاشع الّذي نوى بخدمته الدّخول في زمرة من خدمه في حياته: «ولكلّ امريء ما نواه» . فليستقرّ في هذه الوظيفة الكريمة قائما بآدابها، مشرّفا بها نفسه الّتي تشبّثت من خدمته الشريفة بأهدابها، سالكا في ذلك ما يجب، محافظا على قواعد الورع في كلّ ما يأتي وما يجتنب، قاصدا بذلك وجه الله الّذي لا يخيّب لرابح أملا، ولا يضيّع أجر من أحسن عملا، ملزما كلّا من طائفة الخدّام بما يقرّبه عند الله زلفى، ويضاعف الحسنة الواحدة سبعين ضعفا، هاديا من ضلّ في قوانين الخدمة إلى سواء السبيل، مبديا لهم من آداب سلوكه ما يغدو لهم منه أوضح هاد وأنور دليل؛، وفيه من آداب دينه ما يغني عن تكرار الوصايا، وتجديد القضايا؛ والله تعالى يسدّده في القول والعمل، ويوفّقه لخدمة سيّد المرسلين ﷺ وقد فعل؛ بمنّه وكرمه.

стр. 5765

القاعدة الثالثة الينبع «١» (وبها وظيفة واحدة، وهي النيابة) وقد تقدّم أنّ نيابتها في بني الحسن، من بني قتادة أيضا. وعدل بها عن لفظ الإمارة إلى لفظ النيابة تصغيرا لشأنها عن مكّة والمدينة. ويكتب لنائبها مرسوم شريف في قطع الثلث «بالمجلس السامي» بغير ياء. وهذه نسخة مرسوم شريف بنيابة الينبع، كتب به «لمخذم بن عقيل» في عاشر رجب الفرد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله، وهو: الحمد لله الّذي أتمّ لدولتنا الشريفة أنعما، وأحسن في تقديم شريف كلّ قوم تقدّما، وأمضى في كفّ كفّ الأعداء رمحا سمهريّا وسيفا مخذما «٢» نحمده حمدا يكاثر عدد القطر إذا همى، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تؤمّن بالإدمان عليها منجدا ومتهما، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي شرّف من إليه انتمى، وعلى نسبه الشريف ارتمى، وبجواره المنيع احتمى، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين طلعوا في صباح كلّ نهار شموسا وفي عشيّة كلّ ليل أنجما، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ أولى من أعدنا له سعادة جدّه، وعدنا إلى عوائده الحسنى لأبيه وجدّه، ورعت صدقاتنا الشريفة قصده الجميل، وشرفه الّذي سما به من أصله إلى النّجم فرع لا ينال طويل، وأقرّت عينه بسكنه، واستقرّت به مراسمنا العالية في مسكنه، وأغنته عنايتنا الشريفة عن انتظار كلّ نجم سعادة يطلع، وبعثت إليه كلّ خير إلى وطنه وهو «ينبع» ، منزلة نسبه الصّميم، والحسب الّذي يتمسّك به

стр. 5766

في قومه كلّ كريم، والشّرف الّذي أنارت كواكبه، والوصف الّذي ينظم الدّرّ ثاقبه «١» ولمّا كان المجلس السّامي، الأمير الأجلّ، الكبير، الشريف، الحسيب، النّسيب، الأوحد، العضد، النصير، الأصيل، فلان الدين، مجد الإسلام، زين الأنام، شرف الأمراء الأشراف، فخر العترة الطّاهرة، جمال الأسرة الزاهرة، نسيب الخلافة، عضد الملوك والسلاطين «مخذم بن عقيل» أيّده الله تعالى- هو الّذي تقدّمت إليه كلّ إشارة، وحسنت به كلّ شارة، وتعجّلت له بمراضينا الشريفة من مخلّق الشّفق كلّ بشارة، وحصل في الينبع ما حصل من الاعتداء، وامتدّت الأيدي به إلى ما كان لحجّاج بيت الله من وديعة، وظنّ أنّه لا يشيع خبره في البيداء، فخالف «٢» الواجب وتعدّى الشّريعة، فاقتضت آراؤنا الشريفة تفويضها إلى العارف منها بما يجب، العالم من طريق سلفه الصّالح بما يأتي فيها ويجتنب، العامل في طاعتنا الشريفة بما هو به وبمثله من أهل الشّرف يليق، الماشي في خدمتنا الشريفة وفي خدمة الوفود إلى بيت الله الحرام على الطّريق. فرسم بالأمر الشريف- أعلاه الله تعالى وشرفه، وأنفذه وصرّفه- أن تفوّض إليه النيابة بالينبع على عادة من تقدّمه وقاعدته إلى آخر وقت. فليقدّم تقوى الله في كلّ ما تقدّم، ويقف مع حكم الشرع الشريف فإنّه المهمّ المقدّم، وليستوص بالحجّاج خيرا فإنّهم وفد الله وهو عليه سيقدم، وليؤمّن الطّريق فإنّه بين حرمين: بيت الله ومسجد رسوله ﷺ ، وليحفظ أمانة الله فيما يخلّي ويخلّف عنده الحجاج- كتب الله سلامتهم- من وداعة «٣» ،

стр. 5767

وليأخذ بقلوب الجلّابة فإنّهم في توسيعهم على أهل الحرمين كالمتصدّقين وإن كانوا تجارا ببضاعة، وليوصّل من تأخّر من أبناء السبيل إلى مأمنهم، وليخصّ بالعدل أهل بلده ليستقرّوا آمنين في موطنهم؛ والرّفق فهو الّذي بحلله يزيّن، وبحليه يستحسن، والّتأنّي في معرفة الحقّ من الباطل فإنّ به الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الباطل يبيّن، ولزوم الطاعة، التي أوجبها الله لنا على عباده وندب إليها، وملازمة الجماعة، التي يكفيه من بركاتها أنّ يد الله عليها، وإقامة الخدمة فيما قبله من البلاد، وكلّ حاضر وباد، وكلّ من كاد أو كاد، أو تعرّض لعناد العباد؛ فمن أقدم على محذور، أو تقدّم إلى محظور، أو ارتكب في الخلاف أمرا من الأمور، فجرّه بالبغي إلى مصرعه، وحرّك السيف لمضجعه، ودع الرّمح الّذي اعتقله للشّقاق يبكي للإشفاق عليه بأدمعه؛ وقد رأيت كيف طريقتنا المثلى، وسيرتنا الّتي لا تجد لها مثلا؛ فاسلك هذه المحجّة، وحسبك أن تتّخذ بينك وبين الله حجّة؛ وفي هذا عن بقية الوصايا غنى، والله يزيل عنك الخوف في الخيف ويبلّغك المنى في منى؛ والاعتماد....... القسم الرابع «١» (مما يكتب من الولايات عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية- ما يقع على سبيل النّدور ، وهو الّذي يقع في حين من الأحيان من غير أن يسبق له نظير) قال الشّيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ في «حسن التوسل» : ويحتاج الكاتب فيه إلى حسن التّصّرف على ما يقتضيه الحال. [فمن ذلك] ما يكتب به للنيابة الخارجة عن المملكة إذا رغب فيها متوليها. وهذه نسخة تقليد شريف من ذلك، كتب به المولى الفاضل شهاب الدين

стр. 5768

محمود الحلبيّ لمتملّك سيس، بإقراره على ما هو قاطع النّهر من بلاده، وهي «١» : الحمد لله الّذي خصّ أيّامنا الزاهرة، باصطناع ملوك الملل، وفضّل دولتنا القاهرة، بإجابة من سأل بعض ما أحرزته لها البيض والأسل، وجعل من خصائص ملكنا إطلاق الممالك وإعطاء الدّول، والمنّ بالنّفوس الّتي جعلها النّصر لنا من جملة الخول، وأغرى عواطفنا بتحقيق رجاء من مدّ إلى عوارفنا كفّ الأمل، وأفاض بمواهب نعمائنا، على من أناب إلى الطاعة حلل الأمن بعد الوجل، وانتزع بآلائنا، لمن تمسّك بولائنا، أرواح رعاياه من قبضة الأجل، وجعل برد العفو عنه وعنهم بالطاعة نتيجة ما أذاقهم العصيان من حرارة الغضب: إذ ربّما صحّت الأجسام بالعلل. نحمده على نعمه الّتي جعلت عفونا ممّن رجاه قريبا، وكرمنا لمن دعاه بإخلاص الطاعة مجيبا، وبرّنا لمن أقبل إليه مثيبا بوجه الأمل منيبا، وبأسنا مصيبا لمن لم يجعل الله له في التّمسك بمراحمنا نصيبا، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تعصم دم من تمسّك بذمامها، وتحسم موادّ من عاندها بانتقام حسامها، وتفصم عرى الأعناق ممّن أطمعه الغرور في انفصال أحكامها وانفصامها، وتقصم من قصد إطفاء ما أظهره الله من نورها واقتطاع ما قضاه من دوامها، وتجعل كلمة حملتها هي العليا ولا «٢» تزال أعناق جاحديها في قبضة أوليائها وتحت أقدامها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث بالهدى ودين الحقّ إلى كلّ أمّة، المنعوت في الكتب المنزّلة بالرأفة والرّحمة، المخصوص مع عموم المعجزات بخمس: منها «٣» الرّعب الّذي كان يتقدّمه إلى من قصده ويسبقه مسيرة شهر إلى من أمّه، المنصوص في الكتب «٤» المحكمة

стр. 5769

على جهاد أمّته الذين لا حياة لمن لم يتمسّك من طاعتهم بذمّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فتحوا بدعوته الممالك، وأوضحوا بشرعته إلى الله المسالك، وجلوا بنور سنّته عن وجه الزّمن كلّ حال حالك، وأوردوا من كفر بربّه «١» ورسله موارد المهالك، ووثقوا بما وعد الله نبيّه حين [زوى له مشارق الأرض ومغاربها من أنّ ملكهم سيبلغ إلى ما زوى الله له من ذلك] «٢» صلاة لا تزال الأرض لها مسجدا، ولا يبرح ذكرها مغيرا في الآفاق ومنجدا، ما استفتحت ألسنة الأسنّة النّصر بإقامتها، وأبادت أعداءها باستدامتها، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّه لما آتانا الله ملك البسيطة، وجعل دعوتنا بأعنّة ممالك الأقطار محيطة، ومكّن لنا في الأرض، وأنهضنا من الجهاد في سبيله بالسّنّة والفرض، وجعل كلّ يوم تعرض فيه جيوشنا من أمثلة يوم العرض، وأظلّتنا بوادر الفتوح، وأظلّت على الأعداء سيوفنا الّتي هي على من كفر بالله وكفر النّعمة «٣» دعوة نوح، وأيّدنا بالملائكة والرّوح، على من جعل الواحد سبحانه ثلاثة: فانتصر بالأب والابن والرّوح، وألقت إلينا ملوك الأقطار السّلام، وبذلت كرائم بلادها وتلادها رغبة في الالتجاء [من عفونا] «٤» إلى ظلّ أعلى من الأعلام، وتوسّل من كان منهم يظهر الغلظة بالذّلّة والخضوع، وتوصّل من كان منهم يبدي القوّة بالإخلاص الّذي رأوه لهم أقوى الجنن وأوقى الدّروع- عاهدنا الله تعالى أن لا نردّ منهم آملا، ولا نصدّ عن مشارع كرمنا ناهلا، ولا نخيّب من إحساننا راجيا، ولا نحلّيء «٥» عن ظلّ برّنا لاجيا؛ علما أنّ ذلك شكر للقدرة الّتي جعلها الله لنا على ذلك الآمل، ووثوقا بأنّه حيث كان في قبضتنا متى نشاء نجمع عليه الأنامل؛ اللهمّ إلّا أن يكون ذلك اللّاجيء للغلّ مسرّا، وعلى عداوة الإسلام مصرّا، فيكون هو

стр. 5770

الجاني على نفسه، والحاني «١» على موضع رمسه، والمفرّط في مصلحة يومه وغده بتذكير «٢» عداوة أمسه. ولمّا كان من تقدّم بالمملكة الفلانية قد زيّن له الشيطان أعماله، وعقد بحبال الغرور آماله، وحسّن له التّمسّك بالتّتار الذين هم بمهابتنا محصورون في ديارهم، مأسورون في حبائل إدبارهم، عاجزون عن حفظ ما لديهم، قاصرون عن ضبط ما استلبته السّرايا «٣» المنصورة من يديهم، ليس منهم إلّا من له عند سيوفنا ثار، ولها في عنقه آثار، ومن يعلم أنّه لا بدّ له عندنا من خطّتي خسف: إمّا القتل أو الإسار. وحين تمادى المذكور في غيّه، وحمله الغرور على ركوب جواد بغيه، أمرنا جيوشنا المنصورة فجاست خلال تلك الممالك، وداست حوافر خيلها ما هنالك، وساوت في عموم القتل والأسر بين العبد والحرّ والمملوك والمالك، وألحقت رواسي جبالهم بالصّعيد، وجعلت حماتهم كزروع فلاتهم منها قائم وحصيد؛ فأسلمهم الشيطان ومرّ، وتركهم وفرّ، وماكرهم وماكر، وأعلمهم أنّ موعدهم الساعة والساعة أدهى وأمرّ، وأخلفهم ما ضمن لهم من العون، وقال لهم: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ «٤» وكان الملك فلان ممّن تدبّر طرق النّجاة فلم ير إليها سوى الطّاعة سبيلا، وتأمّل أسباب النّجاح فلم يجد عليها غير صدق الانتماء دليلا؛ فأبصر بالخدمة موضع رشده، وأدرك بسعيه نافر سعده، وأراه الإقبال كيف ثبتت قدمه في الملك الذي زلت عنه قدم من سلف، وأظهر له الإشفاق على رعاياه مصارع من أورده سوء تدبير أخيه موارد التّلف، وعرّفه التمسّك بإحساننا كيف احتوت يده على

стр. 5771

ما لم يبق غضبنا في يد أخيه منه إلّا الأسى والأسف، وحسّنت له الثّقة بكرمنا كيف يجمل الطّلب، وعلّمته الطاعة كيف يستنزل عوارفنا عن بعض ما غلبت عليه سيوفنا: وإنّما الدنيا لمن غلب، وانتمى إلينا فصار من خدم أيّامنا، وصنائع إنعامنا، وقطع علائقه من غيرنا، فلجأ منّا إلى ركن شديد، وظلّ مديد، ونصر عتيد، وحرم [يأوي أمله] «١» إليه، وكرم تقرّ نضارته ناظريه، وإحسان يمتّعه بما أقرّه عطاؤنا في يديه، وامتنان يضع عنه إصره والأغلال الّتي كانت عليه- اقتضى إحساننا أن نغضي له عن بعض ما حلّت جيوشنا ذراه، وحلّت سطوات عساكرنا عراه، وأضعفت عزمات سرايانا قواه، ونشرت طلائع جنودنا ما كان ستره صفحنا عنهم من عورات بلادهم وطواه، وأن نخوّله بعض ما وردت خيولنا مناهله، ووطئت جيادنا غاربه وكاهله، وسلكت كماتنا فملكت دارسه وآهله، وأن [نبقي مملكة] «٢» هذا البيت الّذي مضى سلفه في الطاعة عليه، ويستمرّ ملك الأرمن «٣» الذي أجمل السّعي في مصالحه بيديه، لتتيمّن رعاياه به، ويعلموا أنّهم أمنوا على أرواحهم وأولادهم بسببه، [ويتحقّقوا أن أثقالهم بحسن توصّله إلى طاعتنا قد خفّت، وأنّ بوادر الأمن بلطف توسّله إلى مراضينا قد أطافت بهم وحفّت، وأنّ سيوفنا التي كانت مجرّدة على مقاتلهم بجميل استعطافه قد كفتهم بأسها وكفّت، وأن سطوتنا الحاكمة على أرواحهم قد عفت عنهم بملاطفته وعفّت؛ فرسم أن يقلّد كيت وكيت ويستقرّ بهذه المملكة الفاسدة استقرارا لا ينازع في استحقاقه، ولا يعارض فيما سبق من إعطائه له وإطلاقه، ولا يطالب عنه بقطيعة، ولا يطلب منه بسببه غير] «٤» طوية مخلصة ونفس مطيعة، ولا تخشى عليه يد جائرة، ولا سريّة في طلب الغرّة سائرة، ولا تطرق كناسه أسد جيوش مفترسة، ولا سباع نهاب مختلسة؛ بل تستمرّ بلاده المذكورة في ذمام

стр. 5772

رعايتنا، وحضانة عنايتنا، وكنف إحساننا، ووديعة برّنا وامتناننا؛ لا تطمح إليها عين معاند، ولا يمتدّ إليها إلّا ساعد مساعد وعضد معاضد. فليقابل هذه النّعمة بشكر الله الّذي هداه إلى الطاعة، وصان بإخلاص ولائه نفسه ونفائس بلاده من الإضاعة، وليقرن ذلك بإصفاء موارد المودّة، وإضفاء ملابس الطاعة الّتي لا تزداد بحسن الوفاء إلا جدّة، واستمرار المناصحة في السّرّ والعلن، واجتناب المخادعة ما ظهر منها وما بطن، وأداء الأمانة فيما استقرّ معه الحلف عليه، ومباينة ما يخشى أن يتوجّه بسببه وجه عتب إليه، واستدامة هذه النّعمة بحفظ أسبابها، واستقامة أحوال هذه المنّة برفض موجبات الكدر واجتنابها، وإخلاص النّيّة الّتي لا تعتبر ظواهر الأحوال الصالحة إلّا بها. ومن ذلك ما يكتب به لحكم رماة البندق «١» . قد جرت العادة أنه إذا كان للسلطان عناية برمي البندق، أقام لرماته حاكما من الأمراء الذين لهم عناية برمي البندق. وهذه نسخة توقيع من ذلك: الحمد لله الّذي خصّ أيّامنا الزاهرة، باستكمال المحاسن في كلّ مرام، وجعل [من] أولياء دولتنا القاهرة، من أصاب من كلّ مرمى بعيد شاكلة الصّواب حتّى أصبح حاكما فيه بين كلّ رام، وجمع لخواصّنا من أشتات المفاخر ما إذا برزوا فيه للرياضة ليلا [أغنت] «٢» قسيّهم عن الأهلّة ورجومها عن رجوم الظّلام،

стр. 5773

وسدّد مقاصد أصفيائنا في كلّ أمر فما شغلوا بمسرّة سرّ إلا وكانت من أقوى أسباب التّمرّن على خوض الغمرات العظام، واقتحام الحرب اللهام، واشتمال جلابيب الدّجى في مصالح الإسلام. نحمده على نعمه الوسام، وأياديه الجسام، وآلائه الّتي ما برحت بها ثغور المسارّ دائمة الابتسام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تعصم من الزّلل، وتؤمّن من الزّيغ والخلل، وتلبس المتمسّك بها من أنوار الجلالة أبهى الحلل، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المنزّه عن الهوى، المخصوص بالوحي الّذي علّمه شديد القوى، الدّالّ على اعتبار الأعمال بصّحة القصد بقوله ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيات وإنّما لكلّ امريء ما نوى» ، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين وفّق الإخلاص مساعيهم، ووفّر الإيمان دواعيهم، صلاة دائمة الاتّصال، مستمرّة الإقامة بالغدوّ والآصال، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّه لمّا كان رمي البندق من أحسن ما لهت به الكماة، في حال سلمها، ومن أبهج ما حفظت به الرّماة، حياة نفوسها وعزّة عزمها، على ما فيه من اطّراح الراحة واجتنابها، واستدعاء الرّياضة واجتنائها، وخوض الظّلمات في الظّلام، وتوخّي الإصابة في غمرات الدّجى الّتي تخفى فيها المقاتل على حدق السّهام، وارتقاب ظفر، يسفر عنه وجه سفر، ومهاجمة خطر، تفضي إلى بلوغ وطر- وله شرائط تقتضي التقدّم بين أربابه، وقواعد لا يخالفها «١» من كان مبرّزا في أصحابه، وأدوات كمال، لا بدّ للمتحلّي بهذه الرّتبة منها، وحسن خلال، تهدر أعمال من بعد عليه مرامها وقصرت مساعيه عنها، وعوائد معلومة، بين أرباب هذا الشّأن وكبرائه، ومقاصد مفهومة، فيما يتميز به المصيب الحاذق على نظرائه. ولمّا كان الجناب العالي الفلانيّ ممّن يشار إليه في هذه الرتبة ببنان

стр. 5774

التّرجيح، ويرجع إلى أقواله فيما اقتضى التّعديل فيما بين أربابها والتّجريح، ويعمل فيها بإشارته الخالصة من الهوى والأغراض، ويعوّل فيها على قدم معرفته المميزة بين أقدار الرّماة مع تساوي إصابة الأغراض، لاحتوائه على غايات الكمال فيها، وسبقه منها إلى مقامات حسان لا يعطيها حقّها [إلا] «١» مثله ولا يوفّيها- اقتضى رأينا الشريف أن نعدق به أحكامها، ونرّد إلى أمره ونهيه كبراءها وحكّامها. فرسم بالأمر الشريف أن يكون حاكما في البندق لما يتعين من اختصاصها بجنابه، ويتبين من أولويّته بالحكم في هذا الفنّ على سائر أربابه. فليل ذلك حاكما بشروطه اللّازمة بين أهله، المعتبرة بها خلال الكمال في قول كلّ أحد منهم وفعله، المميّزة بين تفاوت الرّماة بحسب كيفية الرّمي وإتقانه، المرجحة في كثرة الطّير بإمكانه له في وقت البروز ومكانه، المهدرة ما يجب بين أهل هذا الفنّ إهداره، المثبتة ما يتعيّن في كمال الأدوات إثباته في قدم الكبراء وإقراره؛ وليعمل في ذلك جميعه بما تقتضيه معرفته المجمع في فنّه عليها، ويتقدّم فيها بما تدله عليه خبرته الّتي ما برح وجه الاختيار مصروفا إليها؛ والله تعالى يسدّده في القول والعمل، ويبلّغه مراتب الرّفعة في خلاله الجميلة وقد فعل؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى. قلت: وربّما كان المرسوم المكتتب لمن هو دون من تقدّم من أمير عشرة أو من في معناه، فيفتتح ب «أما بعد» ويكمل على نحو ما تقدّم. وهذه نسخة ثانية لحاكم البندق، مفتتحة ب «أما بعد» وهي: أمّا بعد حمد الله الّذي لا معقّب لحكمه، ولا يعزب شيء عن علمه، ولا قنوط من رحمته وسعة حلمه، ملهم أهل محاربة أعداء دينه بالرّياضة لها في أيّام سلمه، ومنجز وعود السّعود لمن كان النّجم مبدأ همّته، والصّدق حلّة

стр. 5775

سجيّته، والعزّ حلية اسمه، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي هدى الله بنور ملّته العادلة من تردّى في ظلمات ظلمه، ورفع منار النّبوّة بما خصه به من افتتاح التقدّم في رتبتها وختمه، وعلى آله وصحبه الّذي سرى كلّ منهم إلى غاية الكمال على نجائب همّته وجياد عزمه- فإنّ أولى من رعيت له أسباب قدمه وتقدّمه، وفتحت له أبواب حكمه في رتبته وتحكّمه، وأعيد إلى مكانته الّتي رقاها باستحقاقه قديما، ورفع إلى منزلته الّتي لم يزل بقواعدها خبيرا وبأوضاعها عليما- من ارتقى في رتبته إلى نجم أفقها، واقتدى في مناهجه بدليل مسالكها وطرقها، فأتى في مصالحها بيوت الإصابة من أبوابها، ونقل فيها أوضاع الإجادة عمّن كان أدرى بها، وتقدّم فيها تقدّم هجرته وسبق قدمه، وبلغ في مقاماتها الغاية بين وثبات ساعده وثبات قدمه، وجمع من أشتات الطّير ما افترق في غيره، وحوى من السّبق إلى أنواعها ما حكم بسعد نجمه ويمن طيره؛ فكم ليلة أسفر فيما أبرزوه عن صباح نجاحه، وكم طائر زاحم النّسرين بقوادمه أصبح لديه محمولا بجناحه، وكم أنزلت أهلّة قسيّة الطير على حكمها، وكم حكت بنادقه في رجوم الطّير المحلّقة إلى السماء انقضاض نجمها، وكم أبصر مقاتل الطّير وهي من اللّيل في ظلمات بعضها فوق بعض، وكم اشتغل من الطير الواجب «١» بندب رمي لم يشغله من إعداد الأهبة للجهاد عن الفرض، حتّى كاد النّسر الطائر إذا توهّم أنّ الهلال قوسه يغدو كأخيه واقعا، والمرزم «٢» المحلّق في الأفق يمسي لإشارة بنادقه الصّمّ متتبّعا، حتى أصبح وهو الكبير في فنّه بآداب التعريف، وأضحى وهو الخبير بنوعه بطريق النّقل والتّوقيف. ولمّا كان فلان هو كبير هذا الفنّ وخبيره، ومقدّم هذا النّوع الّذي لم يزل بنجلائه عظيم كلّ عصر وأميره، وقديم هذا المرمى الّذي جلّ المراد به الجدّ لا

стр. 5776

اللّعب، وأليف هذا المرام الّذي ينشط إليه اللّاعب ويستروح إليه التّعب- اقتضى الرأي الشريف أن نجعله حاكما في هذه الرتبة الجليلة بما علم أو علّم منها، فاصلا بين أهلها بمعرفته الّتي ما برحت يؤخذ بها في قواعدها وينقل عنها- فرسم بالأمر الشريف أن يكون حاكما في البندق. فليستقرّ في هذه الرتبة الّتي تلقّاها، بيمين كفايته ويمنه، وارتقاها، بتفرّده في نوعه وتقدّمه في فنّه، وليعتمد الإنصاف في أحكام قواعدها، وإجراء أمر أربابها على أحوالها المعروفة وعوائدها، وينافس المعروفين بها على التّحلّي بآدابها، والتّمسك من المروءة والأخوّة بأفضل أهدابها، وينصف بينهم فيما يعتدّ به من واجبها، ويلزم الداخل فيها بالمشي على المألوف من طرقها والمعروف من مراتبها، ولا يحكم في التقديم والتأخير بهوى نفسه، ولا يقبل من لم يتحرّ الصّدق في يومه أنّه قبل منه في أمسه؛ فإنّ استدامة شروطها أمان من السّقوط عن درجها، وإذا حكّمت نفوس أهلها الصّدق في أقوالها وأفعالها فقد خرجت من خطّ حرجها؛ وليرع لذوي التقدّم فيها قدم هجرتهم، واشتهار سيرتهم الحسنة بين أسرتهم؛ وقد خبر من أوصافه الحسنة، وسابق رتبته الّتي لم تكن عين العناية عنها وسنة، ما اقتضى استقرار رتبته على مكانتها ومكانها، واكتفي له من مبسوط الوصايا بعنوانها؛ فليتّق الله في قوله وعمله، ويجعل الاعتماد على توفيقه غاية أمله؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى. ومن ذلك ما يكتب به في إلباس الفتوّة. اعلم أنّ طائفة من الناس يذهبون إلى إلباس لباس الفتوّة، ويقيمون لذلك شروطا وآدابا جارية بينهم. ينسبون ذلك في الأصل إلى أنّه مأخوذ عن الإمام عليّ كرّم الله وجهه. والطريق الجاري عليه أمرهم الآن أنّه إذا أراد أحدهم أخذ الطّريق عن كبير من كبراء هذه الطائفة، اجتمع من أهلها من تيسّر جمعه، وتقدّم ذلك الكبير

стр. 5777

فيلبس ذلك [المريد] «١» ثيابا، ثم يجعل في كوز أو نحوه ماء ويخلط به بعض ملح، ويقوم كلّ منهم فيشرب من ذلك الماء وينسبه إلى كبيره. وربّما اعتنا «ابن بذلك بعض الملوك. وقد جرت العادة في ذلك أنه إذا ألبس السلطان واحدا من الأمراء أن يكتب له بذلك توقيعا. وهذه نسخة توقيع بفتوّة، من إنشاء القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر، وهو: الحمد لله الّذي جعل أنساب الفتوّة، متصلة بأشرف أسباب النّبوّة، وأفضل من أمدّه منه بكلّ حيل وقوّة، وأسعد من سما فكان عليّا على كلّ من سام علوّه. نحمده حمدا تغدو الأفواه به مملوّة، ونشكره على مواهبه بآيات الشّكر المتلوّة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة من جعل إلى منهج التوحيد رواحه وغدوّه، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي شدّ الله أزره بخير من أفتى وفتّى فنال كلّ فتويّ من الفتيان به شرف الأبوّة والبنوّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصروا وليّه وخذلوا عدوّه، صلاة موصّلة إلى نيل الأمانيّ المرجوّة. وبعد، فإنّ خير من اتّصل به رجاء الرجال الأجواد، وطوى البعيد إلى تحصيل مرامه كلّ طود من الأطواد، وأماط به عن مكارم الأخلاق لثام كلّ جود وامتطى ظهر خير جواد، واستمسك من ملابس الشّرف بما يؤمّن ويؤمّل وما يشد به من كلّ خير لباس التّقوى، وما تؤيّد به عزيمته فتقوى، وما يتقيد به على رؤوس الأحزاب، وما يتنزل به عليه أحسن آية من هذا الكتاب- من اشتهر بالشّجاعة الّتي تقدّم بها على قومه، وحمد أمسها في يومه، وبالشّهامة الّتي لها ما للسّهام من تفويق، ولزرق الأسنّة من تحذيق، ولبيض الصّفاح من حدّة متون، وللسّمهريّة من ازدحام إذا ازدحمت المنون، ومن صدق العزيمة، ما يشهد به كرم الشّيمة، ومن شدّة الباس، ما يجتمع به على طاعته كثير من الناس، ومن صدق اللهجة واللّسان، ما اتّصف عفافه منهما بأشرف ما يتّصف به

стр. 5778

الإنسان، ومن طهارة النّفس ما يتنافس على مثله المتنافسون، ويستضيء بأنواره القابسون، ويرفل في حلل نعمائه اللّابسون؛ و [كان] «١» من الذين أبانوا عن حسن الطاعة وأنابوا، وإذا دعوا إلى استنفار جهاد واجتهاد لبّوا وأجابوا، والذين لا يلوون ألسنتهم عن الصّدق، ولا يولّون وجوههم عن الحقّ، والذين لا يقعدهم عن بلوغ الأوطار مع إيمانهم حبّ الأوطان، وإذا نفذوا في حرب الأعداء لا ينفذون إلا بسلطان. ولما كان فلان ذو المفاخر، والمآثر، أمير الفتيان، مميّز الإخوان والأعيان، هو صاحب هذا المحفل المعقود، والممدوح بهذا المقال المحمود، والممنوح بهذا المقام المشهود، والثّناء الّذي سرّ باله بما سربله أثواب العزّة والفخار، والاعتناء الّذي استخير الله في اصطفائه واختباره في ذلك فخار- اقتضى حسن الرأي الشريف- كرّم الله أنصاره، وأعلى مناره- أن نجيب وسائل من وقف في هذا القصد وقفة سائل، لينال بذلك كلّ إحسان وإحسان كلّ نائل، ودعا إلى الكريم العامّ بالإنعام، والدعاء لسلطان يدعى له ويدعو كلّ الأنام، فقال: أسأل الله وأسأل سلطان الأرض، ملك البسيطة إمام العصر، رافع لواء النّصر، ناصر الملّة المحمديّة، محيي الدّولة العبّاسيّة، فاتح البلاد والقلاع والأمصار، قاهر الكفّار مبيد الفرنج والأرمن والتّتار، سلطان الزّمان، خسروان إيران، شاهنشاه القان، سلطان العالم وارث الملك، سلطان العرب والعجم والتّرك، الذي انتهى إليه عن أمير المؤمنين الإمام الأوّاب، المغوار، عليّ بن أبي طالب ذي الفخار، شرف الفتوّة واتّصال الأنساب. قلت: هذا ما وقفت عليه من نسخة هذا التّوقيع. وقد ذكر الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ في كتابه «حسن التوسل» نسخة تقليد أنشأه في الفتوّة، أسقط منه أوّل الخطبة وهو:- وابتدأ منه بقوله «٢» : نحمده على ما منحنا من نعم شتّى، ووهبنا من علم وحلم غدونا بهما

стр. 5779

أشرف من أفتى [في الكرم وفتّى] «١» وآتانا ملك خلال الشّرف الّذي لا ينبغي لغير ما اختصّنا به من الكمال ولا يتأتّى، وخصّنا به من رفع أهل الطاعة إلى سماء النّعم يتبوّأون من جنان الكرم حيث شاءوا: وغيرهم لا تفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجّنة حتّى، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة من انتمى في فخار أبوّة التّقى إلى حسب عليّ، وانتهى [من بنوّة المروءة] «٢» إلى سبب قويّ ونسب زكيّ، وارتدى حلل الوقار بواسطة الفتوّة عن خير وصيّ عن أشرف نبيّ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي نور شريعته جليّ، وجاه شفاعته مليّ، وبسيفه وبه حاز النّصر من انتمى إليه: فلا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ. وبعد، فإنّ أولى من لبّى إحساننا نداء ودّه، وربّى امتناننا نتاج ولائه الموروث عن أبيه وجدّه، ورقّاه كرمنا إلى رتبة علاء «٣» يقف جواد الأمل عن بلوغها عند حدّه، وتلقّت كرائمنا «٤» وفد قصده بالتّرحيب، وأنزلت جار رجائه «٥» من مصر نصرها بالحرم الآمن والرّبع الخصيب، وأذنت لأمله ما نأى من الأغراض حتى بلغه بفضلها سهم اجتهاده المصيب، وأعدّت له من حلل الجلالة ما هو أبهى من رداء السّماء الّذي تزداد على الأبد جدّة برده القشيب، وخصّته لابتناء المجد بأجلّ بنوّة جعلت له في إرث خلال الشّرف أوفر «٦» حظّ وأوفى «٧» نصيب- من سمت منابر المجد بذكره، وابتسمت أسرّة الحمد بشكر أوصافه ووصف شكره، واختالت موادّ «٨» الثناء بحسن خلاله، واختارت كواكب السّناء إقبال طوالعه بطوالع إقباله، وتمّسك من طاعتنا بأمثل «٩» أسباب الهدى،

стр. 5780

واعتصم بعروة بنوّة الأبناء «١» فأوطأه التّوثّق بها رقاب العدا، واتّصف بمحاسن الشّيم في مودّتنا فأضحى فتيّ السّنّ كهل الحلم يهتزّ للنّدى، وانتمى إلينا فأصبح لدينا ملكا مقرّبا، وأوجب من حقوق الطاعة علينا ما أمسى به لدينا- مع جلالة الأبناء- ابنا وغدونا له- مع شرف الآباء- في نسب الفخر العريق أبا، ونشأ في مهاد الملك فسما به للعلم والعلم، بالسّيف والقلم «٢» ، والبأس والكرم، واعتزى إلى أبوّة حنوّنا ببنوّة رجائه فتشبّه بعدل أيامنا: «ومن يشبه «٣» أباه فما ظلم» ، وتحلّى بصدق الولاء وهو أوّل ما يطلب في سرّ هذا النّسب ويعتبر، وتحلّى لنكاية عدوّ الإسلام بلطف [مكايده إذ] «٤» السيوف تجزّ الرّقاب «وتعجز عما تنال الإبر» . ولمّا كان فلان هو الّذي زان بموالاتنا عقود مجده، وزاد في طاعتنا على ما ورث من مكارم أبيه وجدّه، [وساد الملوك في اقتبال] «٥» شبابه، وصان ملك أبيه عن عوارض أوصابه باتّباع ما أوصى به، وأنفت صوارمه أن تكون لغير جهاد أعداء الله معدّة، وعزائمه أن تتّخذ عدوّ الله وعدوّه أولياء تلقي إليهم بالمودّة، وسهامه أن تسدّد [إلّا] «٦» إلى مقاتل العدا، وأسنّته أن يبلّ لها من غير مناهل صدور الكفر صدى، مع اجتماع خلال الشّرف لشرف خلاله، وافتراق أسباب السّرار عن هالة كماله، وسؤاله ما ليس لغيره أن يمدّ إليه يدا، والتماسه من كرمنا العميم أجلّ ما نحل والد ولدا؛ وأنّه وقف على قدم الرّجاء الثّابت، ومتّ بقدم غروس الولاء الّتي أصلها في روض المودّة نابت، وقال: أسأل الله وأسأل سلطان
следующие страницы →