Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
فليملأ بمضاعفته الرّحاب، موفّرا العدد للحواصل وحواصل العداد، فاتحا لأفواه القفول بذكره الجميل في التّهائم والنّجاد، ماشيا فيما يأتي ويذر على سداد الطّرق وطرّق السّداد.
توقيع بنظر البقاع «١» ، من إنشاء ابن نباتة؛ وهو:
رسم بالأمر- لا زال يهنّيء للكفاة رزقا، ويهيّء لتجديد المناصب مستحقّا، ولا برحت البقاع بأيّامه الكريمة تسعد كما تسعد الرّجال ولا تشقى- أن يرتّب...... حسب ما تضمنته مكاتبة الجناب الفلانيّ: منبّها على قدر هذا الناظر المهذّب وصفه، المرتّب على نحو الثناء نعته وعطفه، المشهور بمباشرته انتفاع الوظائف وارتفاعها، الشاهد بكفاءته وأمانته مسالك الأعمال وبقاعها، واعتمادا على مباشرته الزكية، وكتابته الّتي لا يداهنها المداهنون وهي نعم البعلبكيّة.
فليباشر هذه الوظيفة المتيمّنة بمطالع رشده، ومطالب سدّده، عالما أنّ البقاع كالرّجال تسعد وتشقى: فليكن سعدها على قلمه ويده، مجتهدا فيما يبيّض وجه شاكره، حريصا على ازدياد الصفات الّتي كانت في عقد حساب العمل محلّ بنانه فجعلته الآن محلّ ناظره، مثمّرا لأموال النواحي وغلالها، واضعا عن أرباب الاسحقاقات ما عليها من سوء التدبير: من إصرها وأغلالها، محتاطا لنفسه في الحوطات حتّى لا يذكر إلا بخير، ولا يعرف قلمه إلا بمير، ناثرا حبّ حبّه حتّى تهوي إليه ألفاظ الثّناء هويّ الطّير، جاعلا تقوى الله مقصده: فإنّها السبيل إلى فوز الدارين لا غير.
стр. 5917
الصنف الرابع (مما يكتب لأرباب الوظائف بالشام- تواقيع مشايخ الخوانق، وهي على ضربين)
الضرب الأوّل (ما هو بحاضرة دمشق، وهو على ثلاث مراتب)
المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «الحمد لله» )
وهو توقيع شيخ الشيوخ بدمشق: وهي مشيخة الخانقاه الصلاحية المعروفة بالشّميصاتية «١» ، وقد تقدّم أنها يكتب بها أيضا من الأبواب السلطانية.
ثم هي تفرد تارة عن كتابة السّر بالشام، وتارة تضاف إليها.
توقيع بمشيخة الشّيوخ بالشام، من إنشاء الشّيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للشيخ «علاء الدين عليّ» مفردة عن كتابة السّرّ؛ وهو:
الحمد لله الّذي جعل شرف أوليائه عليّا، وفضله الجليل جليّا، واتّصال علائهم كاتصال كوكب الشّرف بإيلاء الخيرات مليّا، وحاضر أفقهم كغائبه إذا سطّرت دعواته واستمطرت هباته كان على كلا الحالين وليّا.
نحمده على توالي النّعم الأنيقة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تستمرّ بأصلها فروع الحقيقة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أجدر الخلق بكرم الخليقة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه أحسن طريق وسلكوا في أحسن طريقة، صلاة دائمة لا تزال بها عقائد الإخلاص موثقة وألسنة الذّكر طليقة، وتحيّة إذا بدت في حضرة الادّكار كانت للأعين من النّور نهاره وكانت للأنجم من القدر شقيقه.
стр. 5918
أما بعد، فإنّ أولى المراتب الدينية بتقديم العناية، وتفخيم الرعاية، وتكريم التولية ولا سيما إذا كانت منتسبة إلى أهل الولاية- مرتبة مشيخة الشيوخ التي يجمع عباد الله الصالحين نطاقها، ويضمّهم رواقها، وتطلعهم مطالع كواكب الهدى آفاقها المنيرة وأوفاقها.
ولما خلت الآن هذه الرّتبة بالشام المحروس من شيخ تدور هذه الطائفة على قطبه، وتجتمع على مائدة قرباته وقربه، وتمشي على قدمه وتناجي صلاح أحوالها عن قلبه- تعيّن أن نختار لها من كملت بالله أداته، وصفت في مشاهد الحقّ ذاته، وزكت في علمي الإبانة والأمانة شهادته المفصحة ومشاهداته، وأجمع الناس على فوائد تسليكه واسلاك قلمه حيث بدت في وجوه الحسن حسناته، ووجوه الشام شاماته، لما شهر من معرفته وعرفانه، ولما دعي له ببقاء نوح لما فاض في العلم من طوفانه، ولما قام في الأذهان من طبقة قدره الموصوف، ولما سار من رسالة أخباره فإذا قالت الآثار: «هذا السّريّ» قال الإيثار: «وفضله معروف» .
فليباشر هذه المشيخة المباركة بصدر للسّالكين «١» رحيب، وبرّ للسائلين مجيب، وفضل يقول الرائد والمريد بدار إقامته: قفا نبك من ذكرى منزل وحبيب، وبشر وبشرى يملآن عين المجتلي ويد المجتدي، وعطف ولطف إذا قال الذّاكر لمن مضى: راح مالكي! قال المعاين: وجاء سيّدي؛ وليراع أمور الخوانق الشاميّة ما غاب منها وما حضر، وما سمع منها وما نظر، وليهذب قلوب ساكنيها حتّى يعود كإخوان الصّفاء من المودّة قوم كانوا إخوان الصّفا من الحجر، قائما بحقوق الرّتبة قيام مثله من أئمّة العلم والعمل، داعيا لهذه الدّولة العادلة فإنّه أقصى دواعي الأمل، معربا- لأنّ العربيّة من علومه- عن الإيضاح غنيّا عن تفصيل الجمل؛ وهو المسلّك «٢» فما يحتاج لتسليك درر الوصايا، المخبوء لمثل
стр. 5919
هذه الزّوايا المبرورة: فنعم الزّوايا المحبوّة بنعم الخبايا؛ والله تعالى يعيد على الأمّة بركاته، ويمتّعهم باستسقاء الغيوث: إمّا ببسطها عند برّه، وإمّا ببسطها عند دعواته.
وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشيوخ بالشام أيضا، مضافة إلى كتابة السّرّ به، كتب بها للقاضي ناصر الدين «محمد بن أبي الطّيّب» كاتب السّرّ بالشام ب «المقرّ الشريف» ؛ وهي:
الحمد لله الّذي شرح صدور أوليائه بمعرفة الحقّ واتّباعه، وجعلهم خواصّه الذين غدوا من أتباع الحبيب وأشياعه، ورفع ذكرهم على رؤوس الأشهاد وآواهم إلى مقام الأنس في محلّ القرب بالتّسليك المحمّديّ الّذي أوصل إليه مزيده بانقطاعه، وخصّهم ببركات من حضّهم على الأعمال الصالحة بقصده الجميل وعلمه الغزير واتّضاعه، ومنحهم بمن أوضح لهم الطّريق المستقيم بإبدائه الحقّ وإبدار إبداعه، وغذاهم بالحكمة فنشأوا بالمعرفة وصار لهم العقل السّليم بالتّحفّظ من الأهوية الرّديّة فسلمت لهم الطّيبة على قانون الصّحّة بحسن تركيبه وأوضاعه، وأفاض عليهم من بحر علمه ما نالوا به الرّشد فصاروا أولياء بملازمة أوراده ومتابعة أوزاعه.
نحمده على ما ألهمنا من وضع الشّيء في محلّه، وإيصال الحقّ إلى أهله، وإجابة سؤال الفقراء وإعانتهم بمن أغناهم عن السّؤال بفضائله وفضله، حمدا يعيد كشّاف الكرب على مريديه وطلبته، ويرفع مقام من قام بشعار الدّين بتعظيم قدره وعلوّ درجته، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الّذي من تقرّب منه ذراعا، تقرّب منه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة وإذا تقرّب إليه عبده
стр. 5920
بالنوافل أحبّه، وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ
«١» ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أضاءت الأكوان من نور هديه فاهتدت به أصحاب المعارف المسلّمون لموجدهم الأمر والإرادة، ومن هو روح الوجود الّذي أحيا كلّ موجود وسلّك طريق سنّته الموصّلة إلى عالم الغيب والشّهادة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صفت قلوبهم من الأكدار وإلى التّقوى سبقوا، وصدقوا في المحبّة فاستحقوا ثناء مولاهم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا
«٢» ؛ فمنهم من شمّت من فيه رائحة كبد مشويّة من خشية الله، ومنهم من حدّث بما شاهده ببصره وبصيرته على البعد ورآه، ومنهم من أحيا ليله واستحيت منه ملائكة السماء، ومنهم من اتّخذه أخا إذ هو باب مدينة العلم وركن العلماء، صلاة دائمة تطيّب أوقات المحبّين، وتطرب بسماعها قلوب المتّقين أهل اليقين؛ وسلّم تسليما.
أمّا بعد، فإنّ أولى من قدّمناه إلى أهل الصلاح، ورفعناه إلى محلّ القرب وروح الأرواح، وحكّمناه على أهل الخير، ومكّنّاه في حزب الله الّذي غلب لمّا اجتهدوا على إخراج حزب الشّيطان من قلوبهم وزحفوا على قراره بجيش التّقوى وسمتهم الزّهد وحسن السّير، وولّيناه أجلّ المناصب الّذي تجتمع فيه قلوب الأولياء على الطّاعة، وأحللناه أرفع المراتب الّذي خطبه منهم خيار الجمع لجلوة عروس الجمال في الخلوة بعقد ميثاق سنّة المحبّة وشهادة قلوب الجماعة- من جمّله صورة ومعنى، وافتخر به أحاد ومثنى، وباشره على أحسن الوجوه، وبلّغ كلّا من مريديه وطلبته من فضائله وفضله ما يؤمّله ويرجوه، ومدّ موائد علومه المحتوية على أنواع الفضائل المغذّية للقلوب، وجلس في حلل الرّضا فكسا القوم الذين لا يشقى بهم الجليس ملابس التّقوى المطهرة من العيوب،
стр. 5921
وظهر في محفلهم للهداية كالبدر وهم حوله هالة، وكان دليلهم إلى الحقّ فغدوا بتسليكه من مشايخ الرّسالة، وجاهد في بيان معاني القرآن العظيم حتّى قيل لمّا فسّره: هذا «مجاهد» ، واستدلّ على تنزيه من تكلم به- سبحانه- عن التشبيه والتعليل «وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد» ، ونقل الحديث المحمّديّ الذي هو «موطّأ» لتفهيم «الغريب» منه وميز «صحيحه» لكّل «مسلم» فأطرب بسماعه الوفود، وأفاد العباد «تنبيه الغافلين» فقاموا في الخدمة فأصبحوا تعرفهم بسيماهم: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
«١» ، وخفض جناحه الّذي عبر به الشّعرى العبور والنّسر الطائر «٢» ، وسار إحسانه إلى طوائف الفقراء فصار مثلا فحبّذا «المثل السّائر» .
وكان فلان- أعاد الله تعالى من بركاته وأسبغ ظلاله- هو الّذي أقامه الله تعالى لهذه الطائفة المباركة مرّة بعد مرّة، وذكرت صفاته الجميلة فكان مثله للعيون قرّة، واتّصف بهذه الصّفات الّتي ملأت الأفواه والمسامع كما ملأت مرءآته المقل، وحصل البشر بمعروفه الذي تتبعه السريّ «أبو يزيد» «٣» فجرى على عادة القوم الكرام ووصل، ونبعت عناصر فضائله فكانت شراب الذين صفت قلوبهم من كدرها، وأمطرت سحائب علومه الإلهيّة الدارّة من سماء الحقيقة فسالت أودية بقدرها، وظهرت لمعة أنوار شمس معارفه عند التّجلّي على المريد، وساق نفوس القائمين لمّا عزّ مطلبهم بأصله الّذي شرح طلاسم قلب الفاني بذكر الباقي فغرقوا في بحار المحبّة وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
«٤» .
стр. 5922
فلذلك رسم بالأمر العالي- لا زال يرفع أهل العلم والعمل إلى أعلى مقام، ويبني لهم في جنّات القرب قصور الرّضا: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
«١» ومزيدهم الإكرام- أن تفوّض إليه مشيخة الشيوخ بالشام المحروس: وظيفته التي خرجت عنه، المرسوم الآن إعادتها عليه، عوضا عمّن كانت بيده، بمعلومي النّظر والمشيخة الشاهد بهما ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، تفويضا نظمت بالقبول عقوده، ودامت في دار السعادة سعوده، وفي درج المعالي صعوده.
فليتلقّ ذلك بالقبول، وليبلّغ الفقراء من إقباله الجمّ الّذي ألجم عدوّه المنى والسّول، وليعامل المريدين بالشّفقة المعروفة من رحمة دينه وإفضاله، وليشمل كلّا منهم بعنايته ولطفه فإنّ الخلق عيال الله وأحبّهم إليه أشفقهم على عياله، وليأمرهم بملازمة إقامة الصّلاة طرفي النهار وزلفا «٢» من اللّيل، وإذا مالوا- والعياذ بالله تعالى- يوما إلى منافسة بينهم فليقل: اتّقوا الله ما استطعتم وكونوا عباد الله إخوانا ولا تميلوا كلّ الميل، وليفسح لهم حرم الخير الّذي وقفوا فيه تجاه قصر تعبّده الّذي علا بالجوهر الفرد وقوّة الإخلاص، وليدخلهم منه جنّة إقبال فوائده التي فيها من أبكار معانيه حور مقصورات في خيام أداته لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ وأعجز قصره العالي وجوهره الغالي كلّ بنّاء وغوّاص، وليجعلهم له على جبل اعتماده ومروة مروءته إخوان الصّفا، وليقمهم في ركن مقام المناجاة إذا زمزم مطرب حيّهم تلقاء أهل الوفا، وليقدّم السابقين بمعرفة حقّهم ونجدتهم بالورع الّذي يغلبون به الشيطان فإنّ حزب الله هم الغالبون، وليداو قلوبهم المرضى بشراب المحبّة وتركيب أدوية الامتلاء من الدنيا ليغتذوا وقت السّحر [بحديث] «٣» (هل من تائب) ، ولا يسقهم كاسات تضعف عنها قوّتهم
стр. 5923
حتّى ينقّوا من بردة الهوى المضرّة ويغتسلوا بحارّ مجاري دموع الخشوع ويلبسوا جديد ملابس التّقى ويغدوا من الحبائب. ومنه تعرف الوصايا، وعنه تنقل المزايا، وكرم الأخلاق والسّجايا؛ وليأمر السالكين بمداومة الأعمال الّتي قامت بحسن العقائد واستقلّت، وليحضّ المريدين أوائل التّسليك على ذلك فإن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّت، وليعرّفهم المحبة بذكر الله لئلّا يقوموا على قدم الهيام، وليبيّن لهم المعنى إذا لم يعرفوا المعنى ليقطعوا الهواجر في طلب الصّيام، وليفرّق بين الواردات بملازمة الأوراد لئلّا يقعوا من الاشتباه في حيرة، وليأمرهم بادّخار العمل الصالح لتكون التقوى لقلوبهم قوتا والزّهد ميرة، وليقمع أهل البدع، وليرفع من اتّضع، وليتفقد أحوال أوقافهم بجميع الخوانق والرّبّط والزوايا بالجميل من النّظر، وليزد في الأجور بما يؤثّر فيها نظره الذي ما زال لهم منه أوفر نصيب فحبّذا العين والأثر؛ والوصايا وإن كثرت فهو مفيدها وعنده منبعها، وتقوى الله الّذي هو شيخها ومريدها في بيته المبارك حلاوة ذوقها ومجمعها؛ والله تعالى يكلؤه في اللّيل والنهار بآياته البّينات، ويرفعه بها ويرقّيه إلى أعلى الدّرجات.
المرتبة الثانية (من تواقيع مشايخ الأمكنة بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «أمّا بعد حمد الله» ؛ وفيها وظائف)
نسخة توقيع بمشيخة إقراء القرآن، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للشيخ شهاب الدين «أحمد بن النقيب» ب «المجلس العالي» ؛ وهي:
أمّا بعد حمد الله رافع شهب الهدى أعلاما، وجاعل رتب أفضلها أعلى ما، ومحلّ أحمدها من مدارس الآيات منازل بدر إذا محا المحاق من هذا اسما أثبت من سموّ هذا قمرا تماما، ومسكنه من مواطن الذكر جنّات قوم بارتقائهم وبقاء ذكرهم خالدين فيها حسنت مستقرّا ومقاما، والصلاة والسلام على سيدنا
стр. 5924
محمد أرفع من اتّخذ القرآن إماما، وأنفع من عقد استحقاق النّبوّة على حمده خنصرا وجلا الحقّ بهداه إبهاما، وعلى آله وصحبه أمنع من لبس بسرد الآيات درعا واقتسم من بركتها سهاما- فإنّ وظيفة يكون القرآن الكريم، ربيع فصلها وفضلها، ورتبة يكون الذّكر الحكيم، مداوي قلوب جفلها، ومشيخة يكون مريد الآيات البيّنات وارد زوايا أهلها- لأحقّ أن تتخيّر لها الأكفاء من ذوي الفضل الأثير، والأدلّاء على أشرف نتاج الهداية من ذوي الحلم الساكن والعزم المثير.
ولما كانت مشيخة إقراء القرآن بالتّربة المعروفة بأم الصالح بدمشق المحروسة، هي كما يقال: أمّ العلم وأبوه، وأخوه وحموه، وصاحبته وأهل الكتاب والسّنة بنوه، وخلت الآن من شيخ [كان] «١» يحمي حماها، وتقسم الخلوات والآيات من بركته وتلاوته ب «الشّمس وضحاها والقمر إذا تلاها» ، وكان فلان هو الذخيرة المخبوءة لهذا الأمر، وذو السّيرة المحبوّة بهذا الشّرف الغمر، وصاحب القراءة والبيان الّذي لا يعوز زمان طلبته [أبو] «٢» عمر ولا أبو عمرو، والجامع لعلوم كتاب الله تعالى جمع سلامة في فنّه، وصحّة في شرف ذهنه، وجواز أمر يشهد أنّ البحر يخرج [لدى] «٣» المشكلات من صدره ويدخل عند عقد الحبا في ردنه، والقاريء الّذي إذا قال مبيّنا قال الّذي عنده علم الكتاب، والتّالي الّذي إذا قصر أو مدّ، مدّ إلى سموات العلى بأسباب، والمشير إلى علمه المرسوم بمصحفه فلا عدم إشارته ومرسومه أولو الألباب، والمجلّي وإن سمّاه العرف تاليا، والمنقّب عن غوامض التّفسير: و «ابن النقيب» أولى بسند التّفسير عاليا، والإمام السّنّي وإن سمّاه الشرع الإمام الحاكم دهرا وأقام له في أفق كلّ فضل داعيا، والسّامي الّذي يسلك بفخره على «العراقيّ» أوضح محجّة، والعربيّ الّذي ما «للفارسيّ» دخول في باب تيقّنه وإن جاء بحجّة، وذو
стр. 5925
الرّوايات المروية سحائبه، وخلف العلماء الأبيض فما «خلف الأحمر» ممّا يقاربه، ولا «ثعلب» مما تضجّ لديه ثعالبه، ولا «ابن خروف» مما يدانيه وهو «اللّيث» ومن الأقلام مخالبه، وبقية السادة القرّاء المنشد قول الحماسيّ:
وإنّي من القوم الذّين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه!
بدور سماء، كلّما غاب كوكب، ... بدا كوكب، تأوي إليه كواكبه! «١»
تعيّن أن يخطب لهذه المشيخة خطبة الفتى لاقتبال مجده والشّيخ لتوقيره، ويطلب لهذه الرتبة طلبا يقضي الأمل فيه بعنوان تيسيره.
فرسم بالأمر الشريف أن يستقرّ......: وضعا للأشياء في محلّها، ورفعا لأقدار الأفاضل إلى أعلى رتب الفضل وأجلّها، وعلما بمقدار هذا العالم السابق في أفق الهدى شهابا، المدفّق على رياض العلم سحابا، النّاقل إلى مجالس الاشتغال خطا يقول لها المؤمن بالإكرام والكافر بالإرغام: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«٢» فليباشر هذه الوظيفة مباشرة مثله من ذوي الأناة والإفادة، وكفاة المناصب الذين على سعيهم الحسنى وعلى الدّولة تصل الزّيادة، وليسلك في الأشغال عادة نطقه الأحسن، وليعامل طلبته في المباحث بغير ما ألفوا من الخلق الأخشن، وليعلم أنّه قد جمع بين برّه وتربة الأمّ كي تقرّ عينها ولا تحزن؛ فليسرّها بنبله، وليبرّها بفضله، وليوفرّ السّعي إليها كلّ وقت في المسير، وليفسّر أحلام أملها فيه فمن مفردات علومه التّفسير، وليحسن لتلامذته الجمع، وليحم حمى رواياتهم من الخطإ ولا عجب أن يحمى حمى السّبع! تاليا كلام ربّه كما أنزل وحسبه، داعيا بنسب قراءته إلى ابن كعب «٣» فحبذا نسبه المبارك وكعبه، ناصبا بمنظر شخصه
стр. 5926
أشخاص أمثاله الأول بعد ما ضمهم صفيح اللّحد وتربه، حتّى يميس «الكسائيّ» في برد مسرّته الفاخر، ويفتح عيون «حمزة» على زهرات روض عبق المباخر، ويترنّم ورشان «ورش» «١» في الأوراق على بحره الزّاخر، ويظهر بفضله ذكر «الشّاطبيّ» فيكون «القاضي الفاضل» ﵀ قد أظهره في الزمن الأوّل و «القاضي الفاضل» أجلّه الله قد أظهره في الزمن الآخر؛ وتقوى الله تعالى كما علم ختام الوصايا البيض فليتناول مسكها الذي هو بشذا المسك ساخر، والله تعالى ينفع بعلوم صدره الّذي ما ضاق عن السّؤال فملّه، ويمتع بعلوّ قدره الّذي إن لم يكن هو لفضل الثناء فمن له.
المرتبة الثالثة (من تواقيع مشايخ الأماكن بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «- رسم بالأمر» )
توقيع بمشيخة الجواليقية، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة؛ وهو:
رسم بالأمر- لا زال حسن اعتقاده يستنزل النّصر فينصر، ويستبصر مطالع الفوز فيبصّر، ويستجلب الأدعية الصالحة من كلّ زاهد إذا حام في أفق العبادة حلّق وما قصّر- أن يستقرّ......: حملا على الوصية التامّة الحكم والأساس؛ وعلما بأنّه ممّن حلّ في مشيخته لباس بلاس «٢» ، ونزع في الزّهد عما عدّ زينة في النّاس، وسرّح شعره حقيقة التّسريح فأطلقه، ومحارقّ سواده وبياضه فأعتقه، ولازم طريق مشايخه فما، وشكر الحال فجعل في منبت كلّ شعرة لسانا للشّكر وفما، وسرّ طائفة وردوا على آثاره مناهل الوفا، وصفت
стр. 5927
قلوبهم ووجوههم فدارت عليهم كؤوس إخوان الصّفا، حتّى مشوا إلى مطالب الخير مشي الرّخاخ «١» ، وفاخروا أقواما دنّسوا عزّة رتبتهم فلولا أدبهم لا نشدوهم: «عقول مرد ولحى أشياخ» .
فليقم في مشيخة قياما يحيي القوم بأنفاسه، ويبهجهم بكرامة الكشف من قلبه وتكريم الكشف من راسه، سالكا بهم في طرائق الخير مستبشرين، آمرا بتقصير الملابس ورعا حتّى يدخل بهم إلى النّسك محلّقين ومقصّرين؛ والله تعالى ينفع به، ويغني حاله بمذهب مذهبه.
الضرب الثاني (من تواقيع مشيخة الأماكن- ما هو بأعمال دمشق؛ وفيه مرتبة واحدة، وهي الافتتاح ب «- رسم» )
وهذه نسخ تواقيع من ذلك:
نسخة توقيع بمشيخة الحرم الخليليّ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للشيخ «شمس الدين بن البرهان» الجعبريّ ب «المجلس» ؛ وهي:
رسم بالأمر الشريف- أعلاه الله تعالى، وبسط عدله الّذي لا يبلغه الواصف ولو تغالى، وسرى لأولياء بني الأولياء ببرّه الّذي تسنّن بسنّة الغيث ثم توالى- أن يستقرّ......- أدام الله تعالى ببركته الانتفاع، وباقتداء سلفه الارتفاع، وأعاد من بركات بيته الّذي قام البرهان بفضله وقال بوضوح شمسه الإجماع- في مشيخة حرم سيدنا الخليل صلوات الله عليه وسلامه، على عادته القديمة المقدّمة، ومستقرّ قاعدته المعلومة المعلمة، بعد إبطال ما كتب به لغيره فإنّ هذا الوليّ أولى، ولأنّ الحقّ معه وباع الحقّ أطول على المعنيين إطالة «٢» وطولا، وضعا للشّيء في محلّه الفاخر، وحملا على ما بيده من تواقيع شريفة
стр. 5928
توارث بركتها ملوك البسيطة في الأوّل والآخر، وعلما أنّه بقيّة العلم المشيد، والزّهد العتيد، وخليفة السّلف الصالح وما منهم إلّا من هو «أمين» العزم «رشيد» ، وأنّه الشيخ وكلّ من عرفه في بقائه ولقائه مريد، والقائم بالمقام الخليليّ- صلوات الله تعالى على ساكنه- مقاما مجتبى، والمنتسب إلى خدمة الحرم الإبراهيميّ مخدوما صلّى الله عليه ونسبا، والقديم الهجرة فلا تتركه الأوطان ولا تهجره، والمقيم بالبلد الخليليّ على إقامة الخير: فما ضرّه أنّ العدوّ يشكوه إذا كان «الخليل» يشكره؛ وقد سبقت له مباشرات في هذا الحرم الشريف فكان عزمها تماما، وشكرها لزاما، وكانت على الصّادرين كتلك النّار النبويّة بردا وسلاما.
فليعد إلى مباشرة وظائفه المذكورة في التواقيع الشريفة الّتي بيده، وليكن يومه في الفضل زائدا على أمسه مقصّرا عن غده، بثناء يتلقّى أضياف أبي الأضياف، بأليف أحوال الداخلين إليه شتاء وصيفا وإن لم تكن رحلة إيلاف، جاريا في بركة التّدبير والتثمير على عادته وعادة سلفه فنعم الخلف ونعم الأسلاف، مواظبا على عادة تقواه ورفع الأدعية لهذه الدّولة الشريفة، جاعلا ذلك منه أوّل وآخر كلّ وظيفة؛ والله تعالى ينفع ببركات سلفه وبه، ويكافيء عن الأضياف بسط راحته بالخيرات وفضل تعبه.
توقيع بمشيخة الزاوية الأمينية بالقدس ونظرها، كتب به للقاضي «برهان الدين» بن الموصلي ب «الجناب العالي» ؛ وهو:
رسم ... - لا زال يجري الأولياء في مقاصدهم على أجمل عادة، ويختار منهم لمواطن الخير من يرعاها بنظر يثمّر لها السّعادة- أن يحمل فلان في وظيفتي النظر والمشيخة بالزاوية الأمينيّة بالقدس الشريف، على حكم النّزول والتقرير الشّرعيّين المستمرّ حكمهما إلى آخر وقت، واستمراره في الوظيفتين المذكورتين بمقتضاهما، ومنع المنازع بغير حكم الشرع الشريف.
стр. 5929
فليباشر ذلك بما يقتدى به من تسليكه وتأديبه، وتسرّع رغبته في هذا المقام ومن عناية تهذيبه؛ والوصايا كثيرة ولكن لا تقال لمثله إذ هو معلّمها، وتقوى الله سبحانه أهمّها وأعظمها؛ والله تعالى المسؤول أن يرشدنا إليها، وأن يجعل في كلّ الأمور اعتمادنا عليها، بمنّه وكرمه!.
الصنف الخامس (ممّا يكتب لأرباب الوظائف بالشام- تواقيع العربان)
والّذي وقفت عليه من ذلك مرسوم مكتتب بربع تقدمة بني مهديّ ب «المجلس السامي» بغير ياء، كتب به ل «- موسى بن حناس» مفتتحا ب «أما بعد» ؛ وهو:
أما بعد حمد الله تعالى الّذي جمع على الطاعة الشريفة كلّ قبيلة، وبسط على ذوي الإخلاص [ظلال نعمه] «١» الظّليلة، والشهادة بأنّه الّذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له شهادة أتخذها للتوحيد دليله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ورسوله الّذي اتخذه الله تعالى حبيبه وخليله، وآتاه الدّرجة الرفيعة والوسيلة، وعلى آله وصحبه صلاة مباركة أصيلة- فإن الأولى لتزكية القوم ترعى «٢» ، وذا الإخلاص ينجح له كلّ مسعى، والجدير بالنّعم من يجيب بالطّاعة حين يدعى، من سلك في الخدمة الشريفة مسلك الأسلاف، وتجنّب ما يفضي إلى الشّقاق والخلاف؛ فعند ذلك رفعنا مراتبه، وضاعفنا مواهبه، وأنرنا بالإقبال الشّريف كواكبه، وأجملنا مكاسبه، وبسطنا في ربع تقدمة بني مهديّ كلامه، ونفّذنا أمره على طائفته: قوله وإبرامه، من أضحى مشكورا من كلّ جانب، مجتهدا في المصالح وبلوغ المآرب، من عرف بالأمانة فسلكها، واشتهر بالصّيانة فملكها، وحاز أوصافا حسنة، وسيرة نطقت بها الألسنة، وكان فلان هو الذي أضحى على عربانه مقدّما، ومن أكابرهم معظّما.
стр. 5930
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت مراسمه الشريفة عالية نافذة، وأوامره بصلة الأرزاق عائدة- أن يستقرّ...... على عادته وقاعدته: حملا على ما بيده من التوقيع الكريم.
فليباشر هذه الإمرة مع شركائه مباشرة حسنة، وليسر فيها سيرا تشكره عليه الألسنة، وليظهر السّداد، وليبذل الطّاعة والاجتهاد، وليسلك المسالك الحسنة؛ والله تعالى يجعله من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، والوصايا كثيرة وملاكها تقوى الله تعالى؛ والله تعالى يجعل إحساننا إليه يتوالى.
قلت: وقد تقدّم أنّه يكتب بإمرة بني مهديّ من الأبواب السلطانية أيضا.
على أنّ هذا التوقيع من التواقيع الملفقة، ليس فيه مطابقة للتواقيع، وليس برائق اللفظ، ولا مؤنق المعنى.
الصنف السادس (مما يكتب لأرباب الوظائف بالشام- تواقيع زعماء أهل الذّمة: من اليهود والنصارى)
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى مفتتحا ب «أما بعد» كتب به للبطرك «ميخائيل» وهي:
أمّا بعد حمد الله الّذي جعلنا نشمل كلّ طائفة بمزيد الإحسان، ونفيض من دولتنا الشريفة على كلّ بلد اطمئنانا لكلّ ملّة وأمان، ونقرّ عليهم من اختاروه ونراعيهم بمزايا الفضل والامتنان، والشّهادة بأنّه الله الّذي لا إله إلّا هو الواحد الذي ليس في وحدانيته قولان، والفرد المنزّه عن الجوهر والأقنوم والوالد والولد والحلول والحدثان، [شهادة] «١» أظهر إقرارها اللّسان، وعملت بها الجوارح والأركان، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث إلى كافّة الملل والإنس والجان، الذي بشّر به عيسى وآمن به موسى وأنزل عموم رسالته
стр. 5931
في التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، فصحّ النّقل بنبوّته وآدم في الماء والطّين وأوضح ذلك البرهان، وعلى آله وصحبه الذين سادوا بإخلاص الوحدانيّة، وشادوا أركان الملة المحمّديّة، وأعزّوا الإيمان وأذلّوا الطّغيان، صلاة ينفح طيبها، ويفصح خطيبها، ويفرح بها الرحمن- فإنّ أولى من أقمناه بطريكا على طائفة النصارى الملكيّة، على ما يقتضيه دين النصرانية والملّة العيسويّة، حاكما لهم في أمورهم، مفصحا عما كمن في صدورهم- من هو أهل لهذه البطريكية «١» ، وعارف بالملّة المسيحيّة، أخذه لها «٢» أهل طائفته، لما يعلمون من خبرته ومعرفته، وكفايته ودربته، وندب إلى ولاية يستحقّها على أبناء جنسه، ورغب في سلوكه لها مع إطابة نفسه، مع ما له من معرفة سرت أخبارها، وظهرت بين النّصارى آثارها، وكان فلان- أدام الله تعالى بهجته- هو من النصارى الملكيّة بالمعرفة مذكور، وسيره بينهم مشكور، القائم فيهم بالسّيرة الحسنة، والسّالك في مذاهبهم سيرا تشكره عليها الألسنة.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال إحسانه العميم لكلّ طائفة شاملا، وبرّه الجسيم لسائر الملك بالفضل متواصلا- أن يستقرّ بطركا على النصارى الملكيّة بالشام وأعماله، على عادة من تقدّمه في ذلك، وتقوية يده على أهل ملّته، من تقادم السنين بحكم رضاهم، ومنع من يعارضه في ذلك: حملا على ما بيده من التوقيع الكريم المستمرّ حكمه إلى آخر وقت.
فليباشر هذه البطركية مباشرة محمودة العواقب، مشكورة لما تحلّت به من جميل المناقب، وليحكم بينهم بمقتضى مذهبه، وليسر فيهم سيرا جميلا ليحصل لهم غاية قصده ومأربه، ولينظر في أحوالهم بالرّحمة، وليعمل في تعلّقاتهم بصدق القصد والهمّة، وليسلك الطريق الواضحة الجليّة، وليتخلّق بالأخلاق المرضيّة، وليفصل بينهم بحكم مذهبه في موارثهم وأنكحتهم،
стр. 5932
وليعتمد الزّهد في أموالهم وأمتعتهم، حتّى يكون كلّ كبير وصغير ممتثلا لأمره، واقفا عندما يقدّم به إليه في سرّه وجهره، منتصبين لإقامة حرمته، وتنفيذ أمره وكلمته؛ وليحسن النظر فيمن عنده من الرّهبان، وليرفق بذوي الحاجات والضّعفاء: من النّساء والصّبيان، والأساقفة والمطارنة والقسّيسين زيادة للإحسان، إحسانا جاريا في المساء والصّباح، والغدوّ والرّواح.
فليمتثلوا أمره بالطّاعة والإذعان، وليجيبوا نهيه من غير خلاف ولا توان؛ ولا يمكّن النّصارى في الكنائس من دقّ الناقوس، ورفع أصواتهم بالضّجيج ولا سيما عند أوقات الأذان لإقامة النّاموس، وليتقدّم إلى جميع النصارى بأنّ كلّا منهم يلزم زيّه، وما جاءت به الشروط العمريّة «١» لتكون أحوالهم في جميع البلاد مرعيّة، وليخش عالم الخفيّات، وليستعمل الأناة والصّبر في جميع الحالات؛ والوصايا كثيرة وهو بها عارف، والله تعالى يلهمه الرّشد والمعارف.
قلت: وهذا التوقيع فيه ألفاظ ومعان غير مستحسنة، وألفاظ ومعان منكرة، أفحشها قوله: مفصحا عما كمن في صدورهم. فإنّه لا يعلم ما تخفي الصدور وتكنّه إلّا الله تعالى.
واعلم أنّه ربما افتتح توقيع البطريرك عندهم ب «- رسم بالأمر» .
توقيع لبطرك النصارى بالشام أيضا، كتب به للبطريرك «داود الخوري» ب «البطرك المحتشم» ؛ وهو:
رسم بالأمر- لا زال يعزّ بالالتجاء إلى حرمه من يأوي إليه، ويقصد عدله
стр. 5933
من أهل الملل ويعتمد عليه- أن يستقرّ فلان- وفّقه الله تعالى- بطريرك الملكية، بالمملكة الشريفة الشاميّة المحروسة، حسب ما اختاره أهل ملّته المقيمون بالشام المحروس ورغبوا فيه، وكتبوا خطوطهم به، وسألوا تقريره في ذلك دون غيره؛ إذ هو كبير أهل ملّته، والحاكم عليهم ما امتد في مدّته، وإليه مرجعهم في التّحريم والتّحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى في التّوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشرعته مبنيّة على المسامحة والاحتمال، والصّبر على الأذى وعدم الاكتراث [به] «١» والاحتفال.
فخذ نفسك في الأوّل بهذه الآداب، واعلم بأنّ لك في المدخل إلى شريعتك طريقا إلى الباب «٢» ؛ فتخلّق من الأخلاق بكلّ جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنه قليل، وقدّم المصالحة بين المتحاكمين إليك قبل الفصل البتّ فإنّ الصّلح كما قيل: سيّد الأحكام، وهو قاعدة دينك المسيحيّ ولم تخالف فيه المحمديّة الغرّاء دين الإسلام، ونظّف صدور إخوانك من الغلّ ولا تقنع بما ينظّفه ماء المعمودية من الأجسام «٣» ؛ وإليك الأمر في البيع، وأنت رأس جماعتك والكلّ لك تبع؛ فإيّاك أن تتخذها لك تجارة مربحة، أو تقتطع بها مال نصرانيّ تقرّبه فإنّه ما يكون قد قرّبه إلى المذبح وإنّما ذبحه؛ وكذلك الديارات والقلالي «٤» ، [يتعين عليه أن يتفقّد فيها كل أمر في] «٥» الأيام والليالي،
стр. 5934
وليجتهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشبهات، وليعلم أنّهم إنّما اعتزلوا فيها للتّعبد فلا يدعها تتّخذ متنزّهات؛ فهم إنّما أحدثوا هذه الرّهبانية للتّقّلل في هذه الدنيا والتّعفّف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتّى إنّ أكثرهم إذا دخل إليها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذّرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن «١» بالنّساء حراما ويكون إنّما تنزّه عن الحلال؛ وإيّاه ثم إيّاه أن يؤوي إليه من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب؛ ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد [إليه] «٢» من أحد من الملوك، ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السّلوك؛ وليجنّب البحر وإيّاه من اقتحامه فإنّه يغرق، أو تلّقي ما يلقيه إليه جناح غراب منه فإنّه بالبين ينعق؛ والتّقوى مأمور بها أهل كلّ ملّة، وكلّ موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكتابة ما يغني عن التصريح، وفيها رضا الله تعالى وبها أمر المسيح.
توقيع برآسة اليهود بالشام، [جاء] مفتتحا «برسم» من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو:
رسم بالأمر- لا زال جوده في كلّ ملّة، وغمام كرمه على الخلق كأنه ظلّة، وذمام نعمه يبلّغ المسلم والذّمّيّ من الاستحقاق محلّه، أن يستقر الحكيم [فلان] «٣» ومنه:- وأن يعاملهم على ما ألفوه من الأحكام، وينصف صاحب حقّهم
стр. 5935
من متطلّبهم: حتّى لا يعدو أحد في سبت ولا في سائر الأيّام، ويهذّب وحشيّ جاهلهم بإيناسه، ويعالج سقم كاهلهم حتّى تطلع الصّفراء من راسه.
فليقم مقاما في هذه الطائفة القديمة، وليعبّر من أسفار عبرانيّة عن عوائد قضاياهم النظيمة، مفرّحا بمعرفته كلّ حرّان، جامعا كلّ شعث على عدل عنده وإحسان، شاكرا لظلل النّعمة، عارفا بالعوارف الّتي ترعى يمينها كلّ ذمّة.
النيابة الثانية (من النيابات الّتي يكتب عن نوابها بالولايات- نيابة حلب)
وهي على نحو من نمط دمشق فيما يكتب عن نائبها؛ فيكتب عن نائبها أيضا بالتواقيع لأرباب الوظائف بحاضرة حلب وأعمالها: من أرباب السّيوف، وأرباب الأقلام الدّينية، وأرباب الأقلام الديوانية، ومشايخ الأماكن وغيرهم، مرتّبة على المراتب الثلاث: من الافتتاح ب «الحمد لله» ، والافتتاح ب «أمّا بعد حمد الله» ، والافتتاح ب «- رسم بالأمر» .
وهذه نسخ تواقيع مما كتب به لأرباب السيوف بحاضرة حلب وأعمالها، يستضاء بها في ذلك:
توقيع بنقابة الأشراف «١» ، كتب به للشريف عزّ الدّين «أحمد بن أحمد الحسيني» ب «المقرّ العالي» ؛ وهو:
أمّا بعد حمد الله الّذي خلّد السيادة في بيوت الشّريف أحمد تخليد، وقلّد تقاليد السّعادة، لأهل الإفادة، أسعد تقليد، وجدّد الوفادة، لحرم العبادة، بعزّ العصابة المحمدية آكد تجديد، والصلاة والسلام على سيد الخلق الّذي عقد العهدين لأمّته، بالثّقلين: من كتاب الله وعترته، وسرّ النفوس المؤمنة هداه بكلّ أبيّ من أسرته، وأقرّ العيون المراقبة بكلّ سريّ من أهل بيته تبرق أنوار
стр. 5936
النبوّة من أسرّته، وعلى آله حبل النّجاة للمتمسّك، وسبل الهداة للمتنسّك، وصحبه نجوم الهدى، ورجوم العدا، وأئمّة الخير لمن بهم اقتدى، صلاة وسلاما، يتعاقبان دواما، ويتلازمان على الألسنة مدى المدى لزاما، ما حلا بعين وطف «١» ، وما علا علويّ ذرا شرف- فإنّ أهمّ ما اعتنى به ولاة أمور الإسلام، وأعمّ ما اقتنى منه رعاة أجور الحكّام- رعاية مصالح أهل البيت، وانتهاز الفرصة في موالاتهم حتّى لا يقال لفواتها: ليت، وتعظيم ما عظّم الله تعالى من حقوقهم، وتكريم ما كرّم رسوله من برّهم واجتناب عقوقهم، وتقديم أحقّهم بالتقديم لا حقّ سبّاقهم إلى غايات الغلوات وسبوقهم، والتّعبد بالتّعب والاجتهاد في نفعهم، ونصب النفوس للنّصب لتجر ذيول الفخر بموالاتهم، وإعلائهم على الرؤوس ورفعهم، اختيارا لرأي من زاد في العناية بالعترة الطاهرة وأربى، وأتمارا بقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
«٢» خصوصا نقابة الأشراف، والنّظر فيما لهم من الأوقاف؛ فهي شاملة جمعهم، وجامعة شملهم، وواصلة نفعهم، ونافعة كلّهم، وبفضل مباشرها تسبغ عليهم النّعمة، وتستدرّ ببركة إجماعهم عليه سحب الرّحمة، وبكفالته تجمع المنّة لمراتبهم وأحسابهم، وبإيالته تدفع الظّنّة عن مناقبهم وأنسابهم؛ وهو القائم عن ولاة الأمور من خدمهم بفروض الكفاية، والدّائم الدّأب لمرآة أدبهم لتحسن لهم الرّعاية، فوجب الاحتفال باختيار من يحلّي هذا المنصب الشريف، وتعيّن الابتهال في امتياز من يسبغ عليه هذا الظّلّ الوريف، ممّن قدم في هذه السيادة بيته، وارتفع بخفض العيش لقرابته بعفافه وديانته صيته، وتنزّه عن كلّ ما يشين وتبرّا، واكتسى حلل الفخار العلية ومن أعراض الدنيا الدّنيّة تعرّى.
وكان فلان بن فلان- أسبغ الله تعالى ظلالهم، وضاعف بمعالي الشّرف
стр. 5937
جلالهم- ممّن حاز في هذه الخلال المنازع «١» ، وجاز نهاية هذه الخصال بلا منازع، وورد من حياض المناقب الجميلة أعذب المشارع، ودرى المراقي إلى المجد ودرب، وبلغت نفوس محبّيه من مخايل سعوده الأرب، وقرّت عيون أقاربه بما حصل له من القرب، ونشأ في حجر السّعادة، وارتضع لبان الإفادة، ولحق بالسابقين الأوّلين من أهل بيته في الزّهادة، وتبتّل بالإخلاص فظهرت على وجهه أنوار العبادة، وانقطع على العمل، وبلغ من العلوم الأمل: قؤوم تشبّث بالمجرّة وهو شامة في شامه المنسوب:
ورث السّيادة كابرا عن كابر ... كالرّمح أنبوب على أنبوب
أصل فخار سما، وفرع نجار نما، وغيث فضل همى، أثبت في أعلى المعالي قدما، وناسب قدره سعيه كرما، وجلّت صفات محاسنه اللّائقة، وحلّت الأفواه مدائح سجاياه الرّائقة، وتملّت الألسن وما ملّت ما تملي عنه بالخير كلّ ناطقة.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت أوامره ببرّ آل موالاته ماضية، ونواهيه بقهر أهل معاداته قاضية- أن يستقرّ...... استقرارا يقرّ عين العلا، ويسرّ نفوس أهل الولا، ويضع الأشياء في محلّها، ويسند الأمور إلى أهلها، ويستجلب الأدعية، ويحمل بالولاء الجميل ألوية، ويشرح خواطر الأشراف ويطيّب نفوسهم، ويرفع بعد سجود الشّكر بالدعاء رؤوسهم.
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة يقفو بها آثار بيته الطاهر، بعزم كريم: لكلّ مصلح بالخير غامر، ولكلّ مفسد بالضّير قاهر، وحزم حليم: لكلّ حقّ ناصر، ولكلّ كسر جابر، وليصل بالبرّ رحمه، وليلن للضعيف كلمه، وليقم بأعباء هذه الوظيفة قيام عمّه الشّريف وأبيه، وليصم عن أموال الأوقاف صياما يقرّبه الله تعالى به ويجتبيه، ليحمد، هذا المنصب الجليل، في بيته الأصيل، عوده على
стр. 5938
أحمد؛ ولينفع قرابته بتثمير أموالهم، وليشفع النهضة بالمعرفة في تثمير غلالهم، لتدرّ بركته أخلاف أرزاقهم، وتقرّ خواطرهم بمضاعفة أرزاقهم وإطلاقهم، ويخصب في جنابه مرعاهم، ويقرّب في بابه مسعاهم، وتنطق بشكره ألسنتهم الشريفة، وتنطبق على صحبته ظلال بيوتهم الوريفة، وليعتبر ويختبر أشغالهم وليمنع شبّانهم من الاحتراف بحرف الأدنياء، وليأمر الآباء بتعهّد تربية الأبتاء، وليأمرهم من العمل بما يناسب معاليهم، وليجبرهم بتدبيره السّديد جبرا يميّزهم بحسن السّمت من أوليائهم: وكلّنا من مواليهم.
والوصايا كثيرة، وعين علومه بتعدادها بصيرة؛ وتقوى الله تعالى لا يهمل النّصّ عليها، والإشارة بحسن البيان وحسن البنان إليها؛ فلتكن ركن استناده، ورأس مال اعتماده؛ والله تعالى يديمه في صعود درج السّعود مدّة حياته، ويجمع له خيري الدنيا والآخرة برفع درجاته.
وهذه نسخة توقيع بنقابة الجيوش بحلب، كتب به ل «- ناصر الدين بن أيتبك» ب «السّامي» بغير ياء؛ وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال أمره الشريف يعضّد الجيوش بأعضد ناصر، ويرشد أولياء الخدمة إلى ارتقاء رتب المعالي فكلّ إنسان عن إدراك محلّها قاصر- أن يستقرّ فلان- أدام الله توفيقه، وجعل اليمن والسّعد قرينه ورفيقه- ... استقرارا يظهر ما لم يخف من نهضته وكفايته، ويشهر معلن سرّ يقظته ودرايته؛ لأنّه الفارس الّذي أعزّ كلّ راجل بشجاعته، والممارس الّذي خبر الوقائع بحسن دربته ودراية صناعته، والعارف الّذي اتّصف بالخبرة وحسن الصّفة، وعرف في أموره بالعدل والمعرفة، والهمام الّذي علت همّته فوق كلّ همّة، وكشف بجزيل مروءته من الكربات كلّ غمّة، وسار في الجيوش سيرة والده، فشهد كلّ بما حواه من طارف الفضل وتالده.
فليباشر ذلك: سائرا في الجنود أحسن سيرة، مراقبا الله تعالى فيما يبديه
стр. 5939
من القول والفعل والعلانية والسّريرة، ملازما ما يلزمه من حقوق هذه الوظيفة، قائما بما يجب من أداء الخدمة الشّريفة، ولينفّذ ما يؤمر به من الأوامر، عالما بما يتعيّن من حقوق المأمور والآمر، [وليجتهد] «١» في جمع العساكر وإعلامهم بالمهمّات، وليتفقّد أحوال الجند في سائر الأوقات، وليسفر النّقاب عن الوجوه بالحلية يوم العرض، وليسبل حجاب السّتر على من أدركه العجز عن أداء الفرض؛ والوصايا كثيرة لا تحتاج إلى التّعداد، وتقوى الله تعالى هي العمدة في كلّ الأمور وعليها الاعتماد.
توقيع بالمهمنداريّة «٢» بحلب، كتب به ل «غرس الدين الطناحي» ب «الجناب العالي» ؛ وهو:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت عزائمه تندب للمهمّات من غرست برياض وليّه أدواح الهمم فزكا غرسا، وتقرّر لها من شاب فوده في إفادة الوفود فأجاب قصدا وأطاب نفسا، ولا برحت عنايته تشمل من أولياء خدمها كلّ شهم إذا سلّ عضبا أزال نفسا وأسال نفسا، وتعيّن من أعيانهم كلّ جميل يودّ المنافس لو شاهده ولا تبخس يد الرّقيّ منه نفسا- أن يستقرّ............ لأنّه ذو الهمم الّتي لا تلحق جيادها، ولا تسبق جودة جيادها «٣» ، لا منتهى لصغار هممه فأنّى تدرك كبارها، ولا تدرك سوابقه فأنّى تقتفى آثارها؛ له قدم إقدام في الثّرى لا يزال «٤» راسخا، وهامة همّة لم يزل شرفها على الثّريّا باذخا، ولأنّه الفارس
стр. 5940
الذي تفرّست في مخايله الشّجاعة، وتبضّع الشّهامة في الحروب فكانت أربح بضاعة؛ كم أزرت سمر رماحه بهيف القدود، وأخجلت بيض صفاحه كلّ خود أملود «١» ، وكم جرّدت من مطربات قسيّه الأوتار فتراقصت الرؤوس، وشربت الرّماح خمر الدّماء فعربدت على النّفوس:
له همم تعلو السّحائب رفعة، ... وكم جاد منها بالنّفائس والنّفس!
وتجنى ثمار الفضل من دوح غرسه! ... ولا غرو أن تجنى الثّمار من الغرس!
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة تحمده فيها الورّاد، وتشكره بالقصد ألسنة القصّاد، وتذكره البريديّة «٢» بالخير في كلّ واد، وليهيّء لهم [من القرى ما يهيّئه] «٣» المضيف، وليحصّل لهم التّالد منه والطّريف، وليتلقّهم بوجه الإقبال، وليبدأهم بالخير ليحسن له المآل، وليجعل التّقوى إمامه في كلّ أمر ذي بال، وليتّصف بالإنصاف فهو أحمد الأوصاف في جميع الأحوال.
توقيع بتقدمة البريديّة بحلب، كتب به لعماد الدين «إسماعيل» ب «المجلس العالي» ؛ وهو:
رسم بالأمر الشريق- لا زالت عنايته الكريمة تقدّم إلى الرّتب العليّة من بنى أسّ إقدامه من المروءة على أشرف عماد، وتعيّن للمهمّات الشّريفة من امتطى من جياد العزم أسبق جواد، وتندب لها من أولياء خدمه كلّ ندب لم يزل ساعد سعده مبنيّا على السّداد، وتصعد إلى أفقها من ذوي الشّهامة من فاقت بيمينه الصّعاد- أن يستقرّ.......: لأنّه ذو الهمم الّتي سامى بها الفراقد، والكفء الّذي نشط إلى القيام بالعزائم إذا قعد عنها من ذوي الهمم ألف راقد،
стр. 5941
والمقدّم الّذي قدّمه الإقدام على قضاء الأمور المعضلات، وحلّى أجياد ذوي المآرب إذ حلّ لهم منها بيمن عزمه المشكلات؛ ما علا جواد بريد إلّا وسابق الطّرف «١» بل الطّرف إلى المراد، ولا ندب إلى مهمّ للحكم فيه نيلا لأمل إلّا قدح من رأيه في فضائه أورى زناد، والفارس الّذي تمايلت بكفّه العوامل «٢» عجبا فأخجلت الأغصان، وحلت إذ حلّت بقلوب الأعداء وإن كانت من المرّان «٣» ، والشّهم الّذي سبق السّهم إلى الغرض، والشّجاع الّذي ما أعرض عن محاربة الأقران: فصفّى جوهر شجاعته من العرض، واليقظ الّذي لم يكن يناظره إنسان، ولا انطبق على أسيافه المسهّدة بيمينه أجفان.
فليباشر هذه التّقدمة مباشرة يشهد الحاسد له فيها بالتقديم، ويقرّ الجاحد أنّه أهدي لما أسدي إليه إلى صراط عزم مستقيم، وليطر إلى قضاء المهمّات الشريفه بأجنحة السّداد، وليمتط من جواد الجوادّ «٤» أسبق جواد، وليسوّ بين البريدية في الأشغال، وليقبل عليهم فيما يرومونه من حسن السّفارة بوجه الإقبال، وليسلك سنن الصّدق والتّقوى وليجعلهما له أحسن سنّة، وليلبس سوابغ الإنصاف فإنّها من سهام الخلل جنّة.
نسخة توقيع بنيابة عينتاب «٥» ، كتب به لناصر الدين «محمد بن شعبان» ب «المجلس العالي» عوضا عمن كان بها؛ وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زال إحسانه العميم، يرفع لناصر الدين قدرا، وامتنانه الجسيم، ينفّذ له في حفظ الممالك المنصورة أمرا، ويولّي أمر الرّعية
стр. 5942
من حسنت سيرته سرّا وجهرا- أن يستقرّ.........: لأنه شهم سهم عرفانه مصيب، وفارس ربع خبره وخبره خصيب، له مناقب جليلة، وسيرة محمودة جميلة، تنقّل في المراتب تنقّل البدر في سعوده، وارتقى ذروة السيادة ارتقاء الكوكب في منازل صعوده؛ ما باشر مباشرة إلّا ونشرت له بها أعلام شكره، ولا علا منزلة إلّا تليت بها سور حمده وذكره؛ لم يزل متّبعا للحقّ في أحكامه، سالكا سبل الصّواب في نقضه وإبرامه؛ فتح له إقبالنا الكريم بابه، فلذلك قدّم على غيره في هذه النّيابة.
فليباشرها مقتفيا آثار العفاف، مرتديا أردية العدل والإنصاف، مقيما منار الشرع الشريف، منصفا من القويّ الضّعيف؛ والله تعالى يوفّقه للصواب فيما تولّاه؛ والخطّ الكريم شاهد أعلاه.
قلت: وعلى نيابة عينتاب هذه يقاس ما في معناها من نيابات العشرات «١» ، فيجري الحكم في تواقيعها كذلك. أمّا الطبلخانات «٢» فقد تقدّم أنّ الأصل أنّه لا يولّى فيها إلّا من الأبواب السلطانية.
وهذه نسخة مرسوم بإمارة الرّكب الحلبيّ المتوجّه إلى الحجاز الشريف، كتب به لشهاب الدين «أحمد بن الطنبغا» ب «الجناب الكريم» .
والبياض «٣» فيه وصل واحد؛ وهي:
رسم بالأمر العاليّ- لا زال يمنح وفد الله تعالى بمن لم يزل شهاب هممه في أفق الصيانة منيرا، ويسند أمرهم إلى كلّ ندب لا يزال على الحقّ ظاهرا وعلى ذوي الباطل ظهيرا- أن يستقرّ فلان من أعيان الموالي الأمراء الطبلخانات
стр. 5943
بحلب المحروسة- أعزّ الله تعالى نصرته- أميرا على ركب الحاجّ الحلبيّ في هذا العام المقبل، على أجمل العوائد، وأكمل القواعد، حسب ما رسم به، استقرارا يحمد به الوفد عند صباح هممه السّرى، ويبلغ بهم قرى الغفران بأمّ القرى، وينال به طيب العيش بطيبة وطابة «١» ، ويدرك بجياد فضله آرابه، ويمنح به زيارة سيّد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام، ويفوّق به سهم إصابته من البشر إلى مرامي المرام، ويشهد به بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنّة، ويلبس به سوابغ القبول لتكون له من سهام الذّنوب أوقى جنّة، ويتردّى [به] برود التّقى حين ينزع محرّمات الإحرام، ويقبل به على ذكر الله تعالى في الوهاد والبقاع والآكام، ويستقبل به حرم بيت الله الحرام، ويشبّ له الهنا حين دخوله المسجد من باب بني شيبة، ويتعاطى به أسباب التّوبة، لينال من العفو من الله الكريم سيبه، ولا يقتصر به عن التّطاول إلى الدعاء إلى الله تعالى لتعمّه الرحمة بفضله وطوله، ويدخل به حرما آمنا يتخطّف الناس من حوله، ويفتح به إلى المقام بابا من الأمن إلى يوم القيامة مقيم، ويذكر بوقوفه بعرفات وقوفه يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
«٢» فليباشر هذه الإمرة المباركة مباشرة يتيقظ منها لهجر المنام، وليصرف وجه سهامه إليها في المسير والمقام، ولينفق على الحاجّ من كنوز معدلته، وليجعل القيام بمصالحهم من أكبر همّته، وليسع بالصّفا في حراستهم من أهل الفساد، وليعتمد صونهم من ذوي العناد، وليعاملهم بالإرفاد والإرفاق، وليقطع من بينهم شقّة الشّقاق، وليجعل تقوى الله إمامه في القول والعمل.
وهذه نسخ تواقيع لأرباب الوظائف الدينية بحلب:
توقيع بقضاء القضاة، كتب به لقاضي القضاة جمال الدّين «إبراهيم «٣» بن
стр. 5944
أبي جرادة» قاضي قضاة حلب المحروسة الشهير ب «ابن العديم» من إنشاء ... «١» ... الحنفي ب «المقرّ الكريم» ؛ وهو:
الحمد لله الّذي رفع مراتب المناصب العليّة وكساها من ملابس أهلها حلل الجمال، وجمع شملها فاقترنت بإلفها اقتران النّيّرين: شمس الضّحى وبيت الكمال، ورفع عنها يد المتطاول والمتناول فأصبح رقم طرازها الموشّى منتسجا على أحسن منوال، وقطع الأطماع عن إدراك شأوها فلا يصل إليها إلّا كلّ فحل من الرجال.
نحمده على نعمه الّتي اعترف من اغترف من بحرها الوافر بالخير الكامل والفضل المديد، واقترف من اقتطف ثمار جودها جميل النّوال المفيد، وجزيل الإحسان العديد، حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده، ويعمّ بالإنعام الشّامل نائله ومريده، ونشكره على مننه الّتي يقصر لسان الإطناب عن حصرها وتعدادها، وتعجز بنات الفكر عن إدراك وصفها وتردادها، شكرا ينال به العبد رضا المعبود، ويبلغ به من مقاصد الكرم والجود غاية المقصود، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ولا ضدّ، ولا والد له ولا ولد ولا ندّ، شهادة تبيّض وجه قائلها عند العرض، وينطق بها لسان التوحيد يوم تبدّل الأرض غير الأرض، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أظهر الله به الحقّ وأعلنه، وبهر بحقائق معجزاته العقول فاعترف كلّ بصحّة ما عرّفه وبيّنه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصر الله بهم الإسلام وأبّد أحكامه، وأحكم بهم مباني الإيمان المنيرة وأيد إحكامه، صلاة تتعطّر بنفحات عرفها أرجاء المدارس، وينادي لسان فضلها لرائد فرائد المعالي على طول المدا: رس «٢» ، وسلّم ومجدّ وكرّم، وشرّف وبجّل وعظّم.
стр. 5945
وبعد: فإنّ أولى من لحظته عين العناية والقبول، وأجدر من بلغ من مقاصد المناصب العلية غاية القصد والسّول، وأعزّ من رقي ذرا المعالي وارتقى، وأجلّ من وصف بالأوصاف الجميلة ونعت بالدّيانة والتّقى- من سارت سيرة فضله في الآفاق، ودلّ على صفاء السريرة منه حسن الأخلاق، واشتهر بالعلوم الجزيلة، والمناقب الجليلة، وعرف في الإنصاف بالأوصاف المحمودة والخصال الجميلة، وأظهر من العلوم الشريفة، ما حيّر العقول، وحقّق من المسائل اللّطيفة، ما جمع فيه بين المنقول والمعقول، ودقّق المباحث حتّى اعترف بفضله الخاصّ والعام، وفرّق بين الحقيقة والمجاز فلا يحتاج إلى استعارة إذا تشبّه الأخصام، وحكم بما أراه الله فأحكامه مرضيّة، وقضاياه في الجملة قد أنتجت فهي مقدّمة في كلّ قضيّة، وثابر على إلقاء الدّروس في وقتها وأوانها، وقرّر كلّ مسألة في محلّها ومكانها، وأفاد طلّاب العلم الشريف من فوائده الجمّة، وكشف لهم عن غوامض المباحث فجلا عن القلوب كلّ غمّة، وجال في ميادين الدّروس فحيّر الأبطال، وحاز قصب السّبق في حلبة اللّقاء فردّ متأسّفا كلّ بطال، ونظر في أمور الأوقاف بما أراه الله فأتقن بحسن النظر وجه ضبطها، وأجرى أمور الواقفين على القواعد المرضيّة فوافق المشروط في شرطها، وجمع ما تفرّق من شملها فأجمل وفصّل، وحفظ أموالها فحصّل وأصّل؛ فهو الحاكم المشهور بالعدل والمعرفة، والناظر الّذي حمدت الأمور تصرّفه، والإمام الّذي ائتم الأنام بأقواله وأفعاله، والعالم الّذي يحمد الطالب إليه شدّ رحاله، والمدّرس الّذي أفاد بفقهه المفيد النافع، وترفّع في البداية والنّهاية فهو المختار في المنافع، وسلك منهاج الهداية، فنال من العلوم الغاية؛ فبدائع ألفاظه لعقائد الدّين منظومة، وكنز عرفانه عزيز المطلب ومحاسنه المشتملة على الكمال معلومة.
ولما كان فلان- أعزّ الله تعالى أحكامه، وقرن بالتوفيق والسّداد نقضه وإبرامه، هو المشار إليه بالأوصاف والنّعوت، والمعوّل عليه إذا نطق بالفضائل والحاضرون سكوت، والمشكور أثر بيته المشهور، والمنشور علم علمه من
стр. 5946
السّنة والشّهور؛ يا له من بيت لم يزل معمورا بالتّقوى والصّلاح، محميّا بأسلحة أهله: فمن أحكامهم السّيوف ومن أقلامهم الرّماح؛ فهو العديم المثل وبيته العديم، وحرم فضل يحجّ إليه الرّاحل والمقيم؛ فاستحقّ أن تقابل مقاصده بالإقبال، ويقابل بما يؤمّله مقابلة مثله ولا كسائر الأمثال.
فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زالت مراسمه المطاعة تقرّ الحقّ في يد مستحقّه، وتردّ الأمر إلى وليّه ومالك رقّه، وتسوق هدي الإحسان إلى محلّه، وتضع الاستحقاق في يد مستحقّه والحقّ وضع الشّيء في محلّه- أن يستقرّ......... بحكم ظهور الحقّ بيده المباركة، وخفاء الباطل الّذي ليس له في الحقّ مشاركة، استقرارا مباركا ميمونا، بالخير والسّعد مقرونا؛ لأنّه الأحقّ بأمر وظائفه، والطائف حول حرمها الممنوع طائفه، وأولى من عقلت عليه عقيلته، وردّت إليه فريدته، وباشر بنفسه الكريمة ما عهد إليه سلفه، وانفرد به فلا يناله- إن شاء الله- إلّا خلفه؛ طالما ألفت منه الأوقاف منّ الشّفقة والخير، وحفظ جهاتها المحميّة عن تطاول يد الغير، ونعم بحسن نظره من المدارس كلّ دارس، وفازت منه الدّروس بالعالم العارف والبطل الممارس.
فليباشر ذلك على ما تقدّم له من حسن المباشرة، وليجتهد- على عوائده- في تحصيل ريعه مثابرا على الأجور أشدّ مثابرة، وليصرف أموال الأوقاف في مصارفها، بعد العمارة والتّثمير المبدّأين في شرط واقفها، وليسوّ- على مقتضى معدلته- بين القويّ والضعيف، والشابّ الصّغير والشّيخ النّحيف، على قدر تفاوتهم في العلم الشريف، وليطلق لسانه في إلقاء الدّروس على عادته، وليمهّد للمشتغلين طريق الفهم لينالوا من إفادته؛ وهو بحمد الله تعالى أولى من أدّى الأمور على الوجه المستقيم، ووفّى المناصب حقّها فإنّ الوفاء جدير ب «- إبراهيم» «١»
стр. 5947
والوصايا كثيرة وإليه مرجوعها، ومن بحار علمه ودينه المتين ينبوعها؛ والله تعالى يؤيّد به المناصب، ويرفع بعلوّ رتبته المراتب.
نسخة توقيع بخطابة جامع، كتب به لقاضي القضاة «كمال الدين عمر» ابن قاضي القضاة جمال الدين إبراهيم «١» بن أبي جرادة الحنفيّ، الشهير بابن العديم ب «المقرّ الشريف» وهي:
رسم بالأمر الشريف- لا زالت عنايته ترقّي في منازل المجد من تتأثّل بفضله بهجة وكمالا، وتذلّل جيادها لفرسان الفضائل فتجيد لهم في ميدان البلاغة مجالا، وتسلّم رايتها [إلى من صدق بارق سعده، ووهب من العلم] «٢» ملكا لا ينبغي لأحد من بعده- أن يستقرّ...... لأنّه الإمام الّذي [لو] «٣» تقدّم عصره لكان أحد أئمة الاجتهاد، والعارف الّذي بلغ بولايته مريد الفضل غاية المراد، والعالم الّذي وجدت أخبار علومه نسبة يطابقها في الخارج صالح العمل، واتبع سنن الكتاب والسّنّة فلم يتخلّل طريقته المثلى خلل، والمحقّق الذي وجد إلى كنه الحقيقة أكمل مجاز، والمفوّه الّذي بلغ من البلاغة في كلام البشر حدّ الإعجاز؛ إن خطب شنّف بدرر مواعظه الأسماع، وشرّف بغرر فرائده الأسجاع، واهتزّت أعواد المنابر طربا لكلمه الطّيّب، وروّى أوام «٤» القلوب سحّ فضله الصّيّب، وإن قرأ في محرابه أقرّ بفضله الجمع الجامع، واستقلّ «ابن كثير» حين وجد «الكسائيّ» عاريا مما لديه وفضله الجمّ أكمل «نافع» :
خطيب إذا الصّادي تصدّى لفضله: ... ليروى، فأنواء العلوم تغيثه!
وإن يرو للجلّاس أخبار أحمد، ... فخير جليس لا يملّ حديثه!
стр. 5948
وهو الكامل الّذي أدرك درجات الكمال في البداية فأمن في النّهاية وهو قاض من النقص، وسارت عيس الطّلّاب إلى حضرته الكريمة واحدة ولكن بالنّص، والصّاحب الّذي استصحب يسار العفاة باليمين، وأزال ظنّ قاصده في برّه الشامل باليقين؛ كم أطلق بأقلامه المفيدة مكرمة بصلة الأرزاق، ونسخ بمحقّق فضله رقاع «١» الأول بالعطاء على الإطلاق، ولو نظر الملكان: هاروت وماروت ما ملكه من كتابته السّاحرة لأقرّا أنّه السّحر الحلال، ولو قابله «ابن هلال» لا نخسف بدر فضله عند الكمال:
ففي كفّه الأقلام تهزأ بالقنا، ... وتخشى سطاها الأسد في غاب غابها!
يروع سيوف الهند وري «٢» يراعه، ... وقد طار من خوف حديد ذبابها!
فليباشر هذه الخطابة مباشرة ترشف منها كؤوس كلمه الأسماع، وليكشف لها عن وجوه فضائله القناع، ولينثر عليهم من درر بلاغته ما تلتقطه أفواه المسامع، ولينشر من طيّ لسانه علم علمه الّذي لا يقاس عليه غيره أبى الله والفارق الجامع، وليطرب بمواصيل أسجاعه القاطعة بفضائله المكمّلة، وليظهر ما جمعه من محاسنه الّتي هي الجمع الّذي لا نظير له، ولينفق على الجمع يوم الجمعة مما آتاه الله تعالى من كنوز الفضائل، وليبلّغهم من بلاغته التي أخملت ذكر «قسّ» و «سحبان وائل» ؛ وأنت- أسبغ الله تعالى ظلالك- معدن الفضائل فأنّى تهدى إليك الوصايا؟، والمتصف بصفات الكمال فكيف تعرض عليك المزايا؟؛ ولكنّ الوصية بتقوى الله تعالى من شعائر الإسلام، والله تعالى يديمك غرّة في جبهة الأيّام.
وهذه نسخة توقيع بتدريس بالجامع المذكور، كتب به للقاضي علاء
стр. 5949
الدين «عليّ الصّرخديّ» الشافعيّ، نائب الحكم العزيز بحلب ب «المقرّ العالي» ؛ وهي:
رسم بالأمر- لا زالت صدقاته تمنح دروس العلم الشريف بعلّي العلوم، وتندب لها من ذوي الاجتهاد من ساير بهممه البرق وسائر النّجوم، وتقرّر للطّلبة من أولى العناية من حقّق الفضائل واطّلع على سرّها المكتوم، وتدير عليهم من مشرب فوائده ما يخال أنّه الرّحيق المختوم- أن يستقرّ فلان......... استقرارا تقرّ به أعين الطّلّاب، وتلمح من صوب فضله عين الصّواب، ويشيّد به دارس الدروس، ويطلع به في سماء الفضائل أنور شموس، وتنشر به أعلام العلوم من طيّ الألسنة، ويذهب من كلّ الطّلبة في تحصيل العلم الشريف وسنه، لأنّه الحبر الّذي شهدت بفضله الأسفار، ورحلت إلى فوائده الجمّة السّفّار، والبحر الّذي جرت سفن الأذهان به فلم تدرك غاية قراره، وعجزت الأمثال عن خوض تيّاره، والعالم الّذي أقرّ بعلمه الأعلام، وشهدت بإحكام أحكامه الأحكام؛ ما برز في موطن بحث إلّا وبرّز على الأقران، ولا جاراه مجتهد إلّا وكانا كفرسي رهان، ولا نطق بمنطق إلّا وأنتجت مقدّمات هممه العليّة واجتهاده على فضله أكمل برهان، ولا أجرى جياد علومه إلى غاية إلّا مطلقة العنان، ولا رآه من أخبر عن فضله إلّا تمثل له: ليس الخبر كالعيان؛ إن تصدّر للفوائد التقطت الأسماع درّ علمه النفيس، وإن درّس تخال الطّلبة أنّه «ابن إدريس» ؛ فهو طود فضل لا يسامى علّوا ورفعة، ولا ينوي مناو أته مناويء ولو كان «ابن رفعة» :
إمام غدا للسّالكين مسلّكا، ... عليم، وكم أولى الفضائل من ولي!
علا فأسال البحر من فيض علمه! ... وذلك سيل جاء بالفضل من علي!
فليباشر هذا التّدريس المبارك مباشرة يثبت بها فوائده، وينثر بها فرائده، ويطرب الطّلّاب بطريف العلم وتالده، ويجمع لهم من صلة الفضل وعائده،
стр. 5950
وليلازم المباشرة ملازمة لا ينفكّ عنها أيّام الدّروس، ولينر القلوب بمصابيح الكتاب والسّنة ويسرّ النفوس.
وأنت- أمتع الله بفوائدك- من نورك الوصايا تقتبس، وكم آنس الطّالب نار فضلك فأتى منها بأنور قبس؛ والله تعالى يبقيك للعلوم كنزا لا تفنى مواهبه، ويديمك للطّلّاب بحرا لا تنقضي عجائبه.
وهذه نسخة توقيع بتدريس بالجامع المذكور لحنفيّ، كتب به للشّيخ شمس الدين «محمد القرميّ» «١» الحنفيّ، ب «الجناب العالي» ؛ وهي:
رسم بالأمر- لا زالت عنايته الكريمة تطلع شمس الدّين للهداية في أفق المدارس، وتشيّد بالعلماء الأعلام من ربوعها كلّ دارس، وتمنح الفقهاء بمن إذا تصدّى للإفادة جادت نفسه بالدّرر النّفائس، وتندب لها من أولي البلاغة من إذا ألّف فصلا وجدت غصون أقلامه في روضات الطّروس أحسن موائس- أن يستقرّ فلان: استقرارا تجمّل به الدّروس بالفوائد، وتمنح الطّلبة منها بالصّلة والعائد، ويمدّ لهم من موادّ العلوم أشرف موائد، ويوردهم من مناهلها أعذب موارد، لأنّه شمس العلوم ومصباحها، وقمر ليل المشكلات وصباحها، وساعد الفتاوى الطائرة بفضائله في الآفاق وجناحها، وروح كؤوس العلوم وراحها، وطليعة الحقائق وعنوانها، وعين الدقائق وإنسانها، والإمام الّذي أئتمّ به الطلّاب فاستحقّ الإمامة، والعالم الّذي اجتهد على فضل العلوم فاستوجب أن ينعت بالعلّامة، والفاضل الّذي ضبطت أقواله للاطّلاع على سرّها المكتوم، فاختصّ فعل علمه المتعدّي باللّزوم لاتّصافه بالعموم؛ كم التقطت من دروسه الجواهر، وتمثل لأبكار فوائده: كم ترك الأوّل للاخر؛ قابلته الأسفار عن وجوه فوائدها
стр. 5951
بالإسفار، وأظهرت لذكاء ذكائه ما ضمّته أحشاؤها من الإضمار؛ فهو المختار لهذا التّدريس: إذ درر فوائده منظومة، والمجتبى للإفادة بسلوكه طرق الهداية إلى دقائقها المكتومة، وكم استنارت الطّلبة من سمر فضله حتّى كاد أن يكون ثالث القمرين، وجمع في صدره بحري المنقول والمعقول حتّى قيل: هذا «مجمع البحرين» :
هو البحر، إلّا أنّ فيه عجائبا ... ووافر فضل ليس يوجد في البحر!
بلاغته السّحر الحلال، وإنّما ... بديع معانيها يجلّ عن السّحر!
فليباشر هذا التّدريس ناثرا درر فرائده، ناشرا غرر فوائده، جائدا بجياد فضائله السّابقة إلى الغايات، عائدا بصلات حقائقه لتكمل للطّلبة به المسرّات، وليلازم أيّام الدّروس ما أسدي إليه من هذه الوظيفة، وليرتق من درج التّقوى لغرف المعارف الشّريفة.
وهذه نسخة توقيع بإمامة وتصدير بجامع منكلي بغا الشّمسي «١» بحلب، كتب به للشيخ شمس الدين «محمد الإمام» ، ب «الجناب العالي» ؛ وهي:
رسم بالأمر- لا زالت صدقاته العميمة تطلع شمس الدّين في أفق المعالي، وترفع من أوليائه خدمة من جيده بالفضل حالي، وتمنح برّها من أعربت عن لحنه الطّيّب وتشنّفت من فيه باللّآلي، وتسفح غيث جودها على من أجمع على طيب مسامرته ورفع أدعيته الأسماع واللّيالي ... أن يستقرّ
стр. 5952
فلان- أدام الله تعالى ضياء شمسه، وبنى له ربع السّعد من جوده على أسّه...... لأنّه الإمام الذي شهدت بحسن قراءته المحاريب، والآتي من فضل فضائله بالأغاريب، والفاضل الّذي سلك طرق الفضائل أحسن سلوك، وشهد بسبق جياد جوده في حلبة الاختبار كلّ حتّى الملوك، والكامل الّذي كملت أوصافه المحمودة فأمن النّقائص، واختصّ بجميل الشّيم وحسن الخصائص؛ ما أمّ إلّا وشهد بفضله كلّ مأموم، وأقرّوا أنّ أسماعهم ارتشفت رحيق فضائله من كأسها المختوم، وما سامر الخواصّ إلّا وشهد العوامّ بحسن صفاته، ولا حدّث إلّا وكانت الملوك من رواته.
فليباشر هذه الوظائف المباركة مباشرة تقرّ بها النّواظر، وتجتمع الألسنة على أنّه أكرم إنسان وخير ناظر، وليتصدّر لإلقاء الفوائد، وليكسب الأسماع من علمه بالطّريف والتّالد، وليتناول معلومه أوان الوجود والاستحقاق، هنيّا ميسّرا من غير تقييد على الإطلاق، وليتّق الله فيما أسدي إليه من ذلك، وليسلك من سنن التّقوى- بقدم الصّدق- أحسن المسالك.
وهذه نسخ تواقيع لأرباب الأقلام الديوانية بحلب وما معها:
توقيع بكتابة الدّست بحلب، كتب به ل «بهاء الدين بن الفرفور» ونظر بيت المال بحلب، ب «الجناب العالي» ؛ وهو:
رسم بالأمر- لا زال ينظم عقود الإحسان في أجياد أوليائه، ويجزل لهم بوافر نظره وافي عطائه، ويجري بهاء الدّين على أحسن نظام فينجز له عدة وفائه- أن يستقرّ......... استقرارا يبلغ به وجوه الآمال، ويكسو الدّواوين ملابس البهاء والكمال، ويزيدها رفعة بما يفضله من ذلك الجمال؛ لأنّه الفاضل الّذي إذا قصد المعانيّ أصاب، وإذا سئل عن كلّ معنى لطيف أجاد وأجاب، والفصيح الّذي إذا تكلّم أجزل وأوجز، وأسكت كلّ ذي لسن بفصاحته وأعجز، والبليغ الّذي أبدع في مكاتباته بمنثوره ومنظومه، واللّبيب الّذي أطلع من أزهار كلمه المسموعة في رياض الطّروس ما يخجل الرّوض إذا افتخرت
стр. 5953
بمشمومه، والكاتب الّذي قطعت بمعرفته الأقلام، والحاسب الّذي عقدت على خبرته خناصر الأنام، والأديب الّذي جمع بين «١» قلم الإنشاء الشّريف، وحاز ما في ذلك من تالد وطريف؛ فلله درّه من كاتب زيّن الطّروس بحسن كتابته، وجمّل الألفاظ والمعاني بجميل درايته وفصاحته.
فليباشر ما عدق به من ذلك مباشرة مقرونة بالسّداد، مشكورة المساعي والاعتماد، مظهرا براعة يراعه، باسطا يد إيداعه الجميل وإبداعه، مفوّفا حواشي القصص بتوقيعاته، موشّيا برود الطّروس بترصيعاته وتوشيعاته، ناظرا على اعتماد مصالح بيت المال المعمور، وتحصيل حواصله على الوجه المشهور والطّريق المشكور، عاملا بتقوى الله في ضبط مصالح ديوان الجيوش المنصورة، سالكا من حسن الاعتماد طرقا على السّداد والتّوفيق مقصورة؛ والوصايا كثيرة وتقوى الله تعالى عمادها، فليجعلها عمدته فيما يتمّ به للنفس المطمئنة مرادها؛ وليتناول معلومه المستقرّ لذلك أوان وجوبه؛ والله تعالى يبلّغه غاية قصده ومطلوبه.
توقيع بصحابة ديوان الأموال بحلب، من إنشاء ابن الشّهاب محمود، كتب به للقاضي شمس الدّين «محمد بن محمد» ، أحد كتّاب الدّست بحلب، ب «المجلس العالي» ؛ وهو:
رسم بالأمر- لا زالت صدقاته العميمة تسرّ نفوسا، وتطلع في هالات الوظائف السّنيّة عوض الشّمس شموسا، وتسقي غرس نعمائها الهبات الهنيّة فتزهي أغصانا يانعة وغروسا- أن يستقرّ......: لأنّه الأوحد الكامل، والرئيس الفاضل، ولأنّه حاز قصب السّبق في المباشرات، والمناصب الجليلة والمراتب السّنيّات؛ طالما بذل جهده في خدمة الدّول، وسلك بجميل مباشرته طريق السّلف وسبيل الأول، فأدرك بحسن سيرته ويمن طريقته نهاية السّؤل
стр. 5954
وغاية الأمل، وأتى الأمور على قدر ولا يقال: على عجل، ولأنّه الأمين في صنعة الإنشاء، والتابع في فنه فنون الأدباء؛ إن رقم الطّروس طرّز، وإن بارز الأقران في مواطن الافتخار برّز، وإن بسط الجرائد، تغار من حسنهنّ الخرائد؛ طالما نطق بالحكم، واشتهر بين أصحابه مثل اشتهار النّار على علم؛ نظم المحاسن في نثره البديع، وجمع بين الأضداد فيما يبديه من الإنشاء ويحلّيه من التّصريع؛ قدمت هجرته في الخدمة الشريفة، واقتطف من زهر الصّدقات الشريفة أحسن منصب وأجمل وظيفة، وتحلّى جيده بالقلائد، وحصّل بسعيه مجموع الفرائد، فعادت عليه الصّدقات الشريفة بأجمل العوائد؛ قد استحقّ التقديم، واستوجب من الصّدقات العميمة نهاية التّكريم.
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة الآثار، جميلة الإيراد والإصدار، ناظما بقلمه الحساب على أنواعه، محكما له على سداد أوضاعه، وليطلع شمسه في سماء هذه الوظيفة، وليجن من روضها الأريض كلّ يانعة لطيفة، وليعلم أنّ هذه بوادر خير سرت إليه، وسوابغ نعم خلعت عليه، وأنّ الصدقات العميمة لا بدّ أن توليه بعد ذلك برّا، وتترادف عليه تترى، وتعلي له بين رفاقه المرفقين قدرا؛ ومثله لا ينبّه على وصيّة، لا دانية ولا قصيّة؛ لكن التقوى لا بدّ منها، ولا يجوز أن يغفل عنها؛ فليجعلها اعتماده في كلّ الأمور، وليتناول معلومه المقرّر له على الوظيفة المذكورة في غرر الشهور؛ والله تعالى يضاعف له بمضاعفة الصدقات عليه أوقات السّرور، ويقيه بلطفه كلّ محذور.
توقيع بنظر بهسنى «١» ، من عمل حلب، كتب به لفتح الدين «صدقة بن زين الدين، عبد الرحيم المصريّ» ، ب «المجلس السامي» ؛ وهو:
стр. 5955
رسم بالأمر- لا زالت صدقاته العميمة تفتح لأولياء خدمته أبواب الخيرات، ولا برحت تهدي إليهم أنواع المسرّات- أن يستقرّ.........
في وظيفة النظر بمدينة بهسنى المحروسة عوضا عمّن بها، بالمعلوم الّذي يشهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت، على العادة في ذلك والقاعدة، استقرارا يسرّ خاطره، ويقرّ ناظره؛ لأنّه الماهر في صناعته، والرّابح في متاجر بضاعته.
فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة، لتصبح الألسنة بشكرها معلنة، وليصرّف قلمه فيما يعود نفعه عليه، وليجتهد فيما يستجلب الأثنية «١» إليه، وليقبض معلومه أوان وجوبه هنيّا، وليتناوله بيد استحقاقه مريّا؛ والوصايا كثيرة وهو- بحمد الله تعالى- غير محتاج إليها، لأنّه الفاعل لها والدّالّ عليها؛ وتقوى الله تعالى عمادها، وبه قوامها وسنادها؛ فليتمسّك بسببها في الحركات والسّكنات، والله تعالى يهيّء له أسباب المسرّات.
توقيع بكتابة الإنشاء ونظر الجيش بدبركي «٢» ، كتب به للقاضي شهاب الدين «أحمد بن أبي الطيب العمريّ العثماني» ، ب «الجناب الكريم» ، وهو:
رسم بالأمر- لا زال يجمّل الثغور بمن تزهو برحيق كلمه الطيب [المناصب] «٣» ، ويكمّل محاسنها بمن لم تزل الصّحف تقود من جياد فضله أجمل جنائب، وحباها بشهاب يهتدى إلى المقاصد بنجم رأيه الثّاقب، وسرّها بكلّ ندب لم تزل كتبه تردّ من الدّعّار الكتائب- أن يستقرّ...... في وظيفتي كتابة الإنشاء الشريف والجيش المنصور بدوركي المحروسة، عوضا عن فلان،
следующие страницы →