← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

فليباشر تدريس هذه المدرسة المباركة: حقيقا بجلوس صدرها، خليقا بتجديد شرفها وذكرها، مظهرا للخبايا النّكت في زواياها، جديرا بأن يكون في خفايا المسائل ابن جلاها وطلّاع ثناياها، يملأ ببيان بحوثه فكر الواعي وسمعه، ويشير ببنان قلم فتياه ما يتجدّد له من رفعة، ويبسط إدلال الطّلبة حتّى يأكلوا في القصّاعية معه في القصعة؛ والله تعالى يسرّه من مدارس الحنفيّة بهذه البداية، ويقرّه بما يتجدّد من وظائفها التالية: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ «١» بمنّه وكرمه!. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الطّرخانية، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي جمال الدين «يوسف الحنفيّ» بنزول من والده؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت مواطن العلم مكمّلة بذكره، مبجّلة بأمره، مؤهّلة لكلّ يوسفيّ الجمال يذكّر عزيز شامه عزيز مصره- أن يستقرّ فلان في كذا، بحكم ما قرّره مجلس الحكم العزيز الشافعيّ، ونعم المالك لمذهب شافع، واتبّاعا لما حرّره الجناب الشريف التّقويّ ذو النّسب الصّحابيّ الّذي كلّ أمر لأمره تابع، وعملا بما رآه رأيه الكريم الّذي إذا كان الجمال شافعا كان هو للجمال شافع، وإذا أنشأ من أبناء العلماء فروعا [لا] «٢» تميل عليهم الأيام ميلة، وإذا وقفت في طريقهم الأنداد قال اقتصار نسبه الأنصاريّ: يأبى الله ذاك وبنو قيلة «٣» ، وقبولا لنزول هذا الوالد الّذي أعرقت في آفاق العلم مطالعه، وإقبالا على هذا الولد الّذي نجحت في استحقاق التّقديم مطامعه، وعلما بنجابة هذا الفاضل الّذي طاب أصلا وفرعا، وقدّم نفسه ووالده وترا وشفعا، وهذا البادي الشّبيبة الّذي يأمر بفضائله على الشّيب وينهى، وهذا الواضح الدّلالة على مفاخر قومه: فحبّذا الدّعوى وبيّنتها منها، وهذا النّجيب الّذي قدمه أبوه منجبا، وذكاؤه

стр. 5882

معجبا، وقلمه في الأوراق معشبا، واشتغاله: إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت من محفوظات كتبي ما يقارب أحد عشر كوكبا، وإذا درّس كان لطلبته ملاذا، وإذا عانده معاند قال برفيع همّته: يوسف أعرض عن هذا، وإذا قرأ كتب فصاحته أذهل ذوي الألباب، وإذا فتح لتفسير كتاب الله فاتحة، عوّذ بفضل: الم ذلِكَ الْكِتابُ «١» ، وإذا روى الأحاديث أطربت حقيقته السماع، وإذا أخذ في دقائق النّقل والعقل علم وعقل أنّ الفكرة صناع «٢» فليباشر هذه المدرسة المباركة ببيان عربيّ وإن كان نسبها طرخانيّا، وعلم روضي لا يعرف العلماء شقيقه وإن كان مذهبه نعمانيّا، ومباحث تذكي نار قريحته: فكم طبخ لأنداده من أصحاب «القدوريّ» قدرا، ولزوم درس يسرّ أباه بمذهبه: فإنّه القاضي «أبو يوسف» خبرا في الحقيقة وخبرا؛ والله تعالى يصون شبيبته المقبلة من طوارق الحدثان، وينفع بعلوم بيته الّتي من شكّ منها في الحقّ فكأنه من الحدثان. وهذه نسخة توقيع بتصدير بالجامع الأمويّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به ل «- شمس الدين بن الخطيب» ؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت نعمه ظاهرة الفضل كالشّمس، طاهرة الوضوح من دنس اللّبس، وافرة النّموّ فيومها قاصر عن الغد زائد على الأمس- أن يرتّب فلان في كذا ويرتّب له كذا على المصالح؛ فكم للمسلمين في جامع علمه مصالح، وفي منافع قصده مناجح، وفي فوائده نصيب، وفي طرق هداه معالم: ولا تنكر «المعالم» لابن الخطيب، ليتناول هذا الرّاتب المستقرّ من أحلّ الجهات وأجلّها، وتكون شمسه المباركة خير شمس تجري لمستقرّ لها،

стр. 5883

عوضا عما نزل عنه من تدريس الحلقة المعدوقة بصاحب حمص وتصديرا بالجامع الأمويّ يبسط به أنواره الشّمسيّة، وينقل اسمه إلى إمرة العلم بدمشق عوضا عن الحلقة الحمصيّة؛ فليعتمد ما رسم به، ولا يتحوّل عما قضى العدل والإحسان بموجبه. الضرب الثاني (من تواقيع أرباب الوظائف الدّينية بالشام- ما يكتب به لمن هو بأعمال دمشق؛ وهو على مرتبتين) المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «أمّا بعد حمد الله» وفيها وظائف) توقيع بتدريس المدرسة النّوريّة [بحمص] «١» من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للقاضي زين الدين «عمر البلفياني» ب «المجلس العالي» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي جعل لوجوه العلم زينا وأيّ زين، وأقرّ لأماكنها عينا بمن يكون التّنبيه على فضل مكانته فرض عين، ونشر أحاديثها بمن إذا حدّث عن يد تمكّنه في العقل والنّقل قيل: صدق «ذو اليدين» ، وأحيا مذاهبها بمن إذا عقدت الخناصر على أمثاله العلماء كان أوّل العقد وثاني الغيث وثالث «العمرين» ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الّذي أوضح تبيين الهدى وسنّه، وأرهف شبا الحقّ وسنّه، وعلى آله وصحبه الذين منهم «عليّ» مفتاح مدينة العلم و «عمر» سراج أهل الجنّة، ما جرت أقلام العلم والجود في هذه الأيّام الصّالحيّة طلقة العنان مطلقة الأعنّة- فإنّ أولى العلماء بمدارس علم لا خلت، ومجالس فهم عزّت بأهلها فلا تعزّلت، ومشاهد عقل

стр. 5884

ونقل لا عقلت ألسنتها بعد مستحقّيها ولا انتقلت- من أضاءت مشكاتها النّوريّة بمصابيح كلمه، وفتّحت كمائمها النّوريّة عن زهرات الهدى بقطرات قلمه، وتذكرت بأوقاته الأخيرة عهود أهلها من هداة الاسلام وأوقات ذي سلمه. ولمّا كان فلان هو المقصود بخلاصة هذا المعنى، والممدود إليه نظر هذا الوصف الأسنى، والعالم الّذي تشبث بأسباب محاسنه بلد «الهرمين» ، والسابق وإن خلا وقته الطاهر خلف وقت «إمام الحرمين» ؛ كم اجتنى ثمر الفوائد من أصل وفرع!، وكم بات قلمه من ورق فتاويه وإسكات مناويه بين وصل وقطع!؛ كم صدق برق بديهته الأفكار حين شامت!، وكم نبّهت عند ليالي المشكلات «عمر» «١» ثم نامت!، وكم تهادت نظره كتب العلم حتّى قال «كتاب الأمّ» «٢» : نعم الولد النّجيب، وقال «كتاب الروضة» : نعم أخو الغائث الصّائب على رياض القول المصيب، وقال «الشامل» من فضله: هذا لطلبته «نهاية المطلب» ، وقال «التنبيه» على محاسنه: ليت «النّابغة» رآه فدرى أيّ الرّجال «المهذّب» «٣» ، وكانت المدرسة الشّهيدية النّوريّة بحمص المحروسة قد شهدت مع من شهد بفضله، وسعدت بنبله، ووسمت بعلم علمه، وسمت سموّ الشهباء: هذه بمقرّ تدريسه وهذه بمجلس حكمه؛ ثم زار دمشق زورة

стр. 5885

تشوّقت [إليه] «١» بعدها تلك المشاهد، وتشوّفت إلى العود هاتيك المعاهد، وقضى الوفاء أن يعاد إليها أحسن إعادة، وأن يرجع إلى الأماكن الشهيدية الشاهدة ببرّه فتكون منه عادة ومنها شهادة، واقتضى الاستحقاق أن يردها بالمعلوم المستقرّ وزيادة وأحسن ما ورد البحر في الزيادة. فلذلك رسم بالأمر الشريف- أعلاه الله وشرّفه، وحلّى بسيره الصالحة سمع الدّهر وشنّفه- أن يستقرّ فلان في تدريس المدرسة النّورية بحمص المحروسة على عادته، وعلى نهج إفاءته وإفادته، بالمعلوم المقرّر له بمجلس الحكم العزيز الشافعيّ بدمشق المحروسة: رعاية لتلك المعاهد النّوريّة الّتي تتأرّج بها الآصال والبكر، وأنوار القبول القائلة لوفدها الطارق: «عليك سلام الله يا عمر» . فليعد إلى هذه الوظيفة عود الحليّ إلى العاطل، وليقبل على رتبته المرتقبة إقبال الغيث على الماحل، وليقل بلسان تقدّمه لمعانديه: إن كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في قابل، ولينصر بقاعها الحمصيّة بجلاد جداله فإنّها من أوّل جند الإسلام، وليقم الآن في هذه الأوقات الشّاميّة فإنّه بركة الوقت والبركة في الشّام، مثمرا من أقلام علومه أزكى الغروس، مظهرا من مباحثه النّفائس مبهجا من طلبته النّفوس، عامرا لمعاهدها بدروسه: ويا عجبا لمعاهد تعمر بالدّروس «٢» !، ذاكرا للوصايا الحسنة الّتي لا تقصّ عليه فهو أخبر بها، والّتي من أوّلها وأولاها تقوى الله تعالى وهي بأفعاله أمسك من تفاعيل العروض بسببها، والله تعالى يعضّده في رحلته ومقامه، ويمتع الرّتب تارة بمجالس دروسه وتارة بمجالس أحكامه، ويروي صدى مصر والشّام من موارد علمه، هذه بأوفى من نيلها وهذا بأوفر من غمامه.

стр. 5886

المرتبة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الدينية بأعمال دمشق- ما يفتتح ب «- رسم بالأمر» ؛ وفيها وظائف) وهذه نسخ تواقيع من ذلك: نسخة توقيع بحسبة بعلبكّ: من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، كتب بها ل «- شهاب الدين بن أبي النور» ؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت شهب أوامره عالية السّنا والسّناء، وفيّة لذوي الاستحقاق بمزيد الاعتناء والاغتناء، جليّة البرّ بمن شهد بحسن حسبته حتّى لسان الميزان وفم الكيل وشفة الإناء- أن يستمرّ فلان...... لما ذكر من أوصافه الّتي ضاعفت فيه الرّغبة، وحالفت به سموّ الرّتبة، وشهدت بها حسبته تلو الشّهود: وحسبك من اجتمعت على فضله شهادة الفرض وشهادة الحسبة، ولما صحّ من كفاءته وتجربيه، ووضح في هذه الوظيفة من تدريبه الّتي تدري به، ولما تعيّن من استمرار شهابه في المنزلة الّتي تكتسي من أضوائه وتكتسب، وهذه الرتبة الّتي تعلو بمعرفته: وكفاه أنّه يرزق من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب! وأنّه فيها ذو الرّأي الزّائد، والنّفع الوارد، والشّهاب الّذي نور هداه في وجه المريد وأثركيّ حسبته في وجه المارد، وأنّه وليها ولاية لا تزال تذكر وتشكر، وعرف بوفائها وكان أوفى من أمر بمعروف أو نهى عن منكر، وأنّه قام حقّ القيام حتّى قال البلد: رعى الله زمانك، واجتهد حتّى قال الاعتبار للميزان: لا تذكر الزّيغ ولا تحرّك به لسانك. فليستمرّ في حسبته المباركة استمرارا يستحلى ذكره، ويستجلى في الاسم شهابه وفي السّمة بدره، وليحتسب في نفع المسلمين حسبة يحتسب بها عند المملكة ثناءه وعند الملائكة أجره، سالكا على نهج العزم الجميل، جاعلا أوّل نظره من أقوات الرّعيّة في الدّقيق والجليل، مستبينا لما التبس من غشّ المطاعم والمشارب فلم يستبن، حاكما- ولا سيّما في قاعات بعلبك- برأي

стр. 5887

يفرّق بين الماء واللّبن، حاثّا على بيع المآكل بخبرة من ملإ بصره، حريصا على أن لا ينشد لسان الدّاخل فيه «ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره» ، دافعا ضرر المجتري البائع عن المشتري المسكين: ذكيّا فيما يذكّي فيذبح بسكّين ويذبح متناوله بغير سكّين، قاضيا بالحقّ في كلّ ما يشترى ويباع، متكلّما في أنواع الملابس وغيرها بالباع والذّراع، وازنا بالعدل في كلّ موزون ومكيول، رادعا لكلّ عمّال مداهن في كلّ مدهون ومعمول، حاملا على الحال المستقيم كلّ حيّ لديه وكلّ من هو على آلة حدباء محمول؛ ومن زاد في الإضرار فليمنع زائده، ومن زاد في الاشتطاط وتجبير الشراء فليقطع بالنّكال زائده، ومن دنّس في الأشربة فلا يلبث أن يغلّظ التّأديب وأن يريقه، ومن سقى الضّعفاء منها كما يقال: سقية فليسقه من السّوط ما يكاد ينثر جسمه على الحقيقة، ومن عانى صناعة ليس له فيها يد فليلزمه بما بسط في إفساده اليدين، ومن حكم في صناعة الطّبّ بما لم يسغ في المسائل فليصرفه منها بخفيّ حنين، ومن تمرّد في معاملته فليردّه بالقهر إلى صالح مردّه، ومن عدا وعتا فليعامله بما يخرجه من التّرح لا من الفرح من جلده، مقداما في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ولا جزع، مستعينا بالديوان فيما أهمّ: فإنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع، مجتهدا فيما يزيد تقدّم سعيه المشكور، وصنعه المبرور، منيرا لآفاق منصبه وكيف لا وهو الشّهاب بن أبي النّور؟؛ وتقوى الله تعالى هي السبيل الأقوم فليكن لها منهاجا، وليواظب على طريقة الحقّ: فكم شرّ عنها حاد وكم خير منها جا «١» !. توقيع بنظر السبيل بدرب الحجاز، بالركب الشاميّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «قطب الدين السبكي» ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال يقرّ بالوظائف الدّينية من يحبّها وتحبّه، ومن يتوارد

стр. 5888

على ذكره بادي الشّكر وركبه، ومن إذا بدت مطالع الخير فهو نيّره وإذا دار فلك الثناء فهو قطبه- أن يستقرّ......: لما ذكر من وصفه الجميل، واستحقاقه الذي دلّ [عليه] البرهان في محفله وبرهن في موكبه الدليل، وديانته الّتي هي لمباني الأوصاف الرّفيعة أساس، وكفاءته الّتي لها من نفسه نصّ ومن نفس قومه قياس، ومرباه في بيت تقيّ صحّت تجارب معدنه على السّبك، و [دلت] «١» مناقبه على استحقاق الرّتب الّتي يقول بشيرها: قفا نبتسم! ويقول حاسدها: قفا نبك، ولما تقدّم من تشوّفه لهذه العزمة الناجحة، وتشوّقه من هذه المبرّة الشريفة الصالحيّة بسلوك تلك الفجاج الصّالحة، ولأنّ الضّعف عاقه عن الماضي فأطلقته الآن هذه القوّة، وجعلت له بأوفى القادرين على الحسنات والإحسان أسوة، ومكّنته في هذه الشّقّة الطويلة على سحب أذيال المعروف من منزل الكسوة إلى منازل ذات الكسوة «٢» فليباشر هذه الوظيفة المبرورة بعزم يبير من الوجد ماكنه «٣» ، وحزم يثير من المدح المشكور كامنه، وسمعة على ألسنة التذكار يمضي وتبقى حتّى تكاد تكون للكواكب السبعة ثامنة، متصرّفا في الإرفاد والإرفاق، بآراء يؤيد الله [بها] الذين هم رفاق وأيّ رفاق، منفقا في سبيل الله على يده أعدل إنفاق، حاميا عدله من لفظة نفاق، مخصبا بإنعام الدّولة الشريفة في القفر الماحل، حاملا للمنقطع على أنهض وأبرك الرواحل، مواصلا لنقل الأزواد إقامته ومسيره، وبالماء والشّراب الطّيبين الطّهورين ضعيفه وفقيره، وبأنواع الأدوية والعقاقير الّتي تعمّ متتابع الرّكب [و] عقيره، وتجبر على الحالين كسيره، وبوفاء جميع المستحقّين تاليا عن لسان الدولة الشريفة: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ «٤» داعيا بخلود ملكها في تلك المشاهد الّتي هي بقبول مصاعد الدّعوات ونزول

стр. 5889

مواعد البركات جديرة؛ والله تعالى يتقبّل دعاءه وسعيه، ويحسن كلاءته ورعيه، بمنه وكرمه!. الصنف الثالث (من التواقيع الّتي تكتب لأرباب الوظائف بدمشق- ما يكتب لأرباب الوظائف الدّيوانية؛ وهي على ضربين) الضرب الأوّل (ما يكتب لمن بحاضرة دمشق منهم؛ وهو على ثلاث مراتب) المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «الحمد لله» ؛ وفيها وظائف) وهذه نسخ تواقيع من ذلك: نسخة توقيع بكتابة الدّست بدمشق، كتب به لتاج الدين «عبد الوهاب» ابن المنجا التنوخيّ، عوضا عن شمس الدين «محمد بن حميد» بالوفاة؛ وهي: الحمد لله الّذي جعل تاج الأولياء أينما حلّ حلّى المراتب وزانها، وغدا على التّحقيق كفأها ووزانها، وألبسها من براعته ويراعته عقودا تزرّ دررها «١» وجمانها، ومنح دستها العليّ من ألفاظها المجيدة بيانها، وزادها بأصالته فخارا يستصحب وقتها وزمانها، وارتقى ذروتها الّتي طالما زاد بالمعالي أركانها، فتبوّأ بمزيد المجد مكانها. نحمده على نعمه الّتي أجزلت إحسانها، وأجملت امتنانها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تشهد القلوب إيمانها، ويدّخر القائل إلى يوم المخاف أمانها، ويتبوّأ بها في الدّار الآخرة من يخلص فيها جنانه جنانها،

стр. 5890

ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أظهر الله تعالى به الشريعة المطهرة وأبانها، وشرّف هذه الأمّة ورفع على جميع الأمم شانها، وبعثه رحمة إلى كافّة الخلق فأقام بمعجزاته دليل الهداية وبرهانها، وأطفأ بنور إرشاده شرر الضّلالة ونيرانها، وأحمد بدينه القويم وصراطه المستقيم معتقدات [طوائف] «١» الشّرك وأديانها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من نزّه نفسه النّفيسة وصانها، وسلك في خدمته وصحبته الطريقة المثلى فأحسن إسرار أموره وإعلانها، صلاة دائمة باقية تحمد بالأجور اقترانها، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى من جدّدنا رفعة تاجه، وسدّدنا قوله في مجلس عدل ينشر فيه بكلمة الحقّ ما انطوى من أدراجه، وحدّدنا له محلّ سفارة يلحظ فيه حوائج السائل فيغنيه عن إلحاحه ولجاجه- من هو في السّؤدد عريق، ولسانه في الفضائل طليق، وقلمه حلّى الطروس بما يفوق زهر الرّياض وهو لها شقيق؛ وكان فلان هو الّذي علا تاجه مفرق الرّآسة، وجلا وصفه صور المحاسن والنّفاسة. فرسم بالأمر العاليّ- لا زال يولي جميلا، ويولّي المناصب الجليلة جليلا- أن يستقرّ المشار إليه في وظيفة توقيع الدّست الشريف بالشام المحروس، عوضا عن فلان بحكم وفاته إلى رحمة الله تعالى، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت. فليباشر ذلك مباشرة تشكر مدى الزمان، وتحمد كلّ وقت وأوان، وليملأ بالأجور لنا صحفا بما يؤدّيه عنّا من خير وإحسان؛ والوصايا كثيرة وأهمّها التقوى؛ فليلازم عليها في السّرّ والنّجوى؛ والله تعالى يحرسه ويرعاه، ويتولّاه فيمن تولاه؛ والاعتماد..............

стр. 5891

[وهذه نسخة] توقيع بنظر الخاصّ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «بهاء الدين بن ريّان» ؛ وهي: الحمد لله معلي رتب الأعيان، ومبقي أحبّاء السّيادة على ممرّ الأحيان، ومبدي «بهاء» المناصب، بمن فضله الواضح والصّبح سيّان، ومنشي ثمرات المناقب، في منابت أهلها حيث الفرع باسق والأصل «ريّان» . نحمده على أن يسّر البيت المعلّى بحسنه، وأيقظ جفن الآمال من وسنه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تجمع لنا من خيري الدّنيا والآخرة كرم المطلبين، وشرف المنصبين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المشرق فضله على أهل المشرقين والمغربين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين أصبح الثناء عليهم وقفا، واشتمال الذّكر عليهم عطفا، صلاة تضيء آفاق القبول بشمعة صبح لا تقطّ ولا تطفى، وسلّم. أما بعد، فإنّ للمناصب الدينية نسبة ببيوت أهل الدّيانة، ولخاصّ الرّتب تعلقا بالخاصّ من ذوي الكفاءة والأمانة؛ والمنازل بكواكبها المتألّقة، والحدائق بمغارسها المتأنّقة، ونفوس الدّيار بسكّان معاهدها المتشوّفة المتشوّقة. ولمّا كان الخاصّ الشريف والوقف المنصوريّ لوجه المناصب الشامية بمنزلة حسن الشامتين، ولرائد الخصب من جهتي الدنيا والآخرة بمحلّ نفع الغمامتين؛ هذا على صنع البرّ الممدود مقصور، وهذا لسحاب الخير سفّاح لأنهر جهة ل «- لمنصور» ؛ يعلو هذا بالنّاظر في دقائقه إلى أعلى الدرّج، ويتلو هذا بلسان ميزانه المنفق على المارستان: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ «١» - لا يليق الجمع بين رتبتيهما إلّا لمن يجمع بسعيه فضل الدّارين، ومن يجيد بنان قلمه الحلبيّ حلب ضرعيهما الدّارّين، ومن نشأ في بيت سعادة أذن الله لقدره أن يرفع، وأقلام بيته

стр. 5892

أن تنفع، ولمحاسن ذويه أن تشفع بجمالها إلى قلوب الأولياء فتشفّع، ومن يسرّ برواية فضله وبرؤيته السّمع والعين، ومن يفترض شرفه وشرف إخائه حبّ «الحسن» و «الحسين» ، ومن تبتهج جوانح المحاريب بتعبّده، وتلهج ألسنة مصابيح المساجد بالثّناء على تردّده وتودّده، وتستبق جياد عزمه: فبينما الكميت «١» في الشّهباء تابع أدبه إذا بابن أدهم «٢» رسيل تزهّده، ومن تقول مناصب حلب: «لله درّ بهائه المقتبل!، ومن ينشد ثبات وقاره مع لطافة خلقه: «يا حبّذا جبل الرّيّان من جبل» «٣» !، ومن تنفح أخباره منافح الأزهار، ومن يشهد بفضله جيش المحراب في اللّيل وبمباشرته جيش الحرب في النهار، ومن تأسى بلدة فارقها فراق العين للوسن، ومن يروي صامت دمشق وغيرها من تدبيره عن «عامر» وعن «حسن» . فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال من ألقابه الشريفة صالح المؤمنين، وعماد الدّاعين لدولته القاهرة والمؤمّنين- أن يفوّض للجناب العالي...... فإنّه المعنيّ بهذه الأوصاف المتقدّمة، والمقصود بإفاضة حللها المعلمة، والموصوف الّذي يحلو وصفه إذ كرّر، ويستعبد الأوصاف والأسماع إذا حرّر، والأحقّ برتبة عزّ في النّظار مضى وأبقى ثناءه، ومكان نظر إن لم يقل الدعاء اليوم: أدام الله عزّه! قال: أدام الله بهاءه، واللّائق بتقرير منصب تقصر دونه

стр. 5893

المطامع، وتصدير ديوان إن انقطعت روايته عن «حمزة» فقد اتّصلت روايته عن «نافع» . فليباشر هذين المنصبين المنجبين، مجتهدا في مصالح الخاصّ الشريف، والوقف الّذي لا تحتاج همّته فيه إلى توقيف، حتّى يكون خير الخاصّ عامّا، وأمر الوقف تامّا، وريعهما بالبركات خير محفوف، والمنصوريّ من جهة المعاضدة قد أضحى وهو بالعضدين موصوف. والوصايا متعدّدة وهو أدرى وأدرب بها، وتقوى الله تعالى أولى وصيّة تمسّك المرء بسببها، وشكر النعمة أدلّ على نبيه همم الرجال وعلى فضل مهذّبها؛ والله تعالى يسدّد قلمه، ويثبّت في مطالع العزّ قدمه، بمنّه وكرمه!. توقيع بنظر الخزانة العالية «١» ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «تقيّ الدين بن أبي الطّيّب» ب «الجناب العالي» ؛ وهو: الحمد لله الّذي له خزائن السموات والأرض، وبحكمته يهب منها ما يشاء لمن يشاء رضي المعاند أم لم يرض، وبمنّته فضّلت مراتب أهل التّقى على الرّتب كما فضّل على النافلة الفرض، وبعنايته بنيت بيوت أهل السّيادة على الطّول وبقي صالح عملهم إلى العرض، وبهدايته سما إلى أعلى الخزائن من تقرضها أوصاف قلمه وقلم أبيه أحسن القرض. نحمده على ما منح من خزائن فضله، ونشكره والشّكر ضامن المزيد لأهله، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يدّخرها الإنسان لنيّته وقوله وفعله، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي جمع بفيئه وفرّق

стр. 5894

ببذله، وأعطى ما لم تنطو ضمائر الأكياس في صدور الخزائن على مثله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه السّالكين سنن فضيلته وفضله، التابعين في الكرم والبأس قياس بيانه ونصّ نصله، ما أطلعت خزانة الوسميّ آثار نقط الغيث كالدّراهم، وخلعت على الدنيا خلع الروض متقلنسة بمستدير الظّلال مزرورة بمعقود الكمائم، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ الرّتب ذخائر قوم في خزائن الاختيار، وأخاير أهل تزكو نقود شيمهم على محكّ الاعتناء والاعتبار، وفروع خلف تظهر مظاهر نصولها الزكيّة سابغة الظّلّ رائقة الزّهر فائقة الثّمار؛ إذا احتيج منهم إلى ذخيرة نفعت، وإلى أخير وقت أربى على عزائم الأول وما صنعت، وإلى فروع شجرة سرت محامدها الضّائعة: لا ممّا ضاعت بل ممّا تضوّعت. ولما كانت رتبة نظر الخزانة العالية بدمشق المحروسة أحقّ بمن هذا وصفه، وهذا نعته في مقدمّة الذّكر الجميل وهذا إليه عطفه؛ إذ هي مرتبة العلياء ومكانها، وزهرة سماء المملكة وميزانها، ومنشأ غيوث صلاتها الهامرة، ومنبت رياض خلعها الزاهرة، وأفق السعادة ومطلع نجمها المنير، وجنّة أولياء الدّولة ولباسهم فيها حرير، ومعنى شرف الاكتساء والاكتساب، ومأوى الفاضل- والحمد لله- الذي يحفظها التحصيل بحساب ويعطيها الجود بغير حساب. وكان الجناب...... «١» ممن تضم أعطافه أنوار السّعادة، وتحفّ أطرافه و...... «٢» . السّيادة، وتنتقل جلسته: إمّا من تنفيذ الديوان لمرتبة وإمّا من تدريس العلم لسجّادة، ذو الفضل والفضائل حسن التّجنيس والتّطبيق، والكتابة: من حساب وإنشاء زاكية النّثر على التّعليق، ونفحات البرّ من نفحات العيش أجود، والشبيبة فيها النهى فمكانه كما قال البحتريّ: نسب أسود، والهمم الّتي حاولت منال الشّهب الممتنعة ولات حين مناص، والكلمة الّتي لو

стр. 5895

عاين «البصريّ» فرائد نحرها لقال: كلّ هذه درّة الغوّاص، والعزائم الّتي رامت المناصب فما قبلت من خزانتها سوى الرّفيع وما رضيت من ديوانها سوى الخاص؛ كم نبّهت منه المقاصد «عمر» «١» ثم نامت!، وكم أجلسته كواكب اليمن في صدر محفل ثم قامت!، كم حوى من الحمد سنيّا!، وملأ الرّباع خيرا وفيّا!، وقيض الله للفقراء والأيتام حنانا من لدنه وزكاة وكان تقيّا. فلذلك رسم بالأمر الشرّيف- لا برح صالح الدّهر كالزّهر، مالك نفوس الأولياء والأعداء: هاتيك بالإنعام وهاتيك بالقهر- أن يفوّض إليه نظر الخزانة العالية مضافا إلى ما بيده من نظر الخاصّ الشريف: لأنّ مثله لا يصرف عن وظيفة بسناه تعترف، ومن نداه تغترف، وأنّ اجتماع العدل والمعرفة قاض بأنّ «عمر» لا ينصرف، وأنّ الخاصّ لخاصّ الأولياء أمسّ مكانة، وأنّ الخزانة أنسب بمن عرف بالصّيانة، وأنّ خزائن الأرض، وهي مصر لو نطق نظيرها لقال: ليس لي مثل هذه الخزانة، وأنّ عين الأعيان أولى بالنّظر، وأنّ الأنظار لا بل الصّحابة أحقّ ب «عمر» ؛ لما علم من سيرته النّقيّة، وسريرته التقيّة، وصفاته الّتي يمتدّ فيها نفس القول حتّى ينقطع وفي الأوصاف بعد بقيّة وبقيّة. فليباشر ما فوّض إليه من أعلى المراتب المنجبات، والوظائف المعجبات المعشبات، والجهات الّتي ما لها كبيته الطّيّبي: والطّيّبون للطّيّبات، مستجدّا من نظر هذه الخزانة ثوب سعده الجديد، معملا في مصارف الذّهب والفضّة بصر آرائه الحديد، منبّها لها عزمه العمريّ ونعم من ينبّه، مشبها في الكفاءة أباه المرحوم وما ظلم من أشبه، مقرّرا من أحوالها أحسن مقرّر، محرّرا من أمورها أولى ما اعتمد والخزانة أولى بالمحرّر، حافظا لمالها بقلم التّحصيل حتّى ينفّذ قلم الإطلاق، صائنا لوفرها حتّى ينفقه الكرم خشية الإمساك بعدما أمسكه الصّون خشية الإنفاق، مستدعيا من أصنافها كلّ ما تنوّع وتصنّف، وتوشّع

стр. 5896

وتفوّف، مثبتا كلّ ما خلع من ديوانها العزيز وتخلّف، مؤلّفا للكساوى «١» في رحلة كلّ صيف وشتوة، مواصلا للأحمال من دمشق على كلّ حال من جهة الكسوة، منهيا لإنعامها بقلم الإطلاق التّام، متلقّفا بعصا قلمه في يده البيضاء ما تأفك عصا الأقلام، حريصا على أن يكون بابها في الكرم كما يقال: «سهل الحجاب مؤدّب الخدّام» ، عاملا بتقوى الله تعالى الّتي بها يبدأ الذّكر الجميل ويختم، ويلبس بها في الدّنيا والآخرة رداء الخير المعلم، غنيّا عن تبيين بقايا الوصايا الّتي هو فيها بحر، وابن بحر بكتاب «البيان والتبيين» أعلم؛ والله تعالى يمدّه بفضله، ويحفظ عليه الفضل الّذي هو من أهله، ويملأ آماله بغمام الخير الصّيّب، ويديم سعادة بيته الّذي لا يرفع الشّكر لطيبه إلا الكلم الطّيّب. المرتبة الثانية (من تواقيع أرباب الوظائف الديوانية بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «أمّا بعد حمد الله» ) وهذه نسخ تواقيع من ذلك: [نسخة] توقيع بنظر الأسرى ونظر الأسوار، كتب بها لدوادار الأمير «سودون الطرنطاي» » كافل الشّام، وإن كانت هي في الأصل ديوانية أو دينية؛ وهي: أمّا بعد حمد الله الّذي خصّ أولياءه بفضله الوافر، وعمّهم بحسن نظره فأشرق صبح صباحهم السّافر، وانتضى من عزائمهم لنصرة الدّين سيفا يسرّ المؤمن ويغيظ الكافر، واجتبى من الكفاة من يشيّد معاقل الإسلام بفضله

стр. 5897

المتظافر، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد الّذي أضاء برسالته الوجود، وخصّه الله تعالى بالصّفات الفائقة والمآثر الحسنة والجود، وعلى آله وصحبه الذين حرسوا الملّة الحنيفيّة من جهادهم بأمنع سور، وأوهنوا جانب الكفر وأنقذوا الأسير وجبروا المكسور، صلاة دائمة مدى الأيّام والشّهور، معلية للأولياء علم النّصر المنشور- فإنّ أولى من عدقنا به المناصب السّنيّة، وفوّضنا إليه جليل الوظائف الدّينيّة، ونطنا به فكّ رقبة المسلم من أسره، وخلاصه من عدوّه الّذي لا يرثي لمسكنته ولا يرقّ لكسره، وأجرينا قلمه ببذل الفداء، وجعلنا مداده درياقا «١» لمرض الأسر الّذي يعدل ألف داء، وأقمناه للعاني من شرك الشّرك منقذا، وللدافع في بيداء العدا بحسن إعانته منجدا، وللأسوار الممنّعة بجميل نظره متفقّدا- من أضحى فضله ظاهرا، وجلاله باهرا، وخلاله موصوفة بالمحاسن أوّلا وآخرا. وكان فلان هو الّذي بهرت مآثره الأبصار وملأت الأسماع، وانعقدت على تفرّده في عصره بالمفاخر كلمة الإجماع، وسارت الرّكبان بذكره الّذي طاب وجوده الّذي شاع، وصفت سريرته، فأضحى جميل الإعلان، وحمدت سفارته، فكانت عاقبة كلّ صعب ببركتها أن لان. فلذلك رسم بالأمر العاليّ- لا زال يولي جميلا، ويولّي في الوظائف جليلا- أن يستقرّ المشار إليه في وظيفتي نظر الأسرى والأسوار بدمشق المحروسة، على أجمل عادة، وأكمل قاعدة، بالمعلوم الشاهد به ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت: وضعا للشيء في محله، وتفويضا لجميل النّظر إلى أهله. فليباشر ذلك مباشرة تسرّ النفوس، وتزيد بها الغلال وتزكو بها الغروس، وليجر أحوال الوقف المبرور على مقتضى شرط الواقف والشّرع الشريف،

стр. 5898

وليتصرّف في تحصيل المال وإنفاقه أحسن تصريف، وليجتهد على تخليص المأسور، وإغاثة من ضرب بينه وبينه بسور، ويسارع إلى تشييد الأسوار الممنّعة، وإتقان تحصينها ليتضاعف لمن حوته منّا الأمن والدّعة؛ والوصايا كثيرة وملاكها تقوى الله تعالى وسلوك صراط الحقّ المستقيم: فليواظب عليها، وليصرف وجه عنايته إليها؛ والله تعالى يديم علاه، ويتولّاه فيما تولاه، بمنه وكرمه. توقيع بصحابة ديوان الأسرى «١» ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي شرف الدين «سالم بن القلاقسيّ» ؛ وهو: أمّا بعد حمد الله الّذي جدّد بطالع الشّرف قواعد بيت السّيادة، ومشاهد حوك السّعادة، ومصاعد ذرا الأقلام الّتي قسمت مجاني قصبها للإفاءة والإفادة، ومعاهد القوم الذين سلكوا مسالك سلفهم الحسنى: ولو كان التمام يقبل هنا مزيدا قيل: وزيادة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الّذي شدّ الله برسالته أزر الحقّ وشاده، وعلى آله وصحبه ذوي الأقدار المستزادة المستجادة، ما اتّصل بحديث الفضل سنده وأمن بيت التقوى سناده- فإنّ البيوت المنتظم فخارها، المأمون من عروض الأيّام زحافها وانكسارها، أولى بأن تنتخب لهم المناصب كما تنتخب للبيوت المعاني، وتستقرى الوظائف العليّة كما تستقرى لمواضع كلمها المباني، وتختار لنجل الأصحاب «٢» بينهم كلّ جهة مأمونة الصّحابة، موقورة السّحابة، مجرورة ذيل الخيرات السّحابة، مصونة عن غير الأكفاء كما يصان للجهات حجبا، لائقة بالأفاضل لأنّ لأوقاف الأسرى بالفاضل نسبا. فلذلك رسم بالأمر الشريف أن يرتّب في كذا: علما بأنّه الرئيس الّذي إذا

стр. 5899

ولي وظيفة كفاها، وإذا وعدها بصلاح التّدبير وفاه وفاها، وإذا وصل نسبها بنسبه كان من إخوان صفائها لا من إخوان صفاها، والخبير الّذي استوضح بيمن الرّأي مذاهبه ومسالكه، والعالم الّذي إذا مشّى الأمور بسط جناح الرّفق وإذا مشى بسطت له أجنحتها الملائكة، والجليل الّذي إذا نظر ذهنه في المشكلات دقّق، والكاتب الّذي تعينت أقلام علمه وكفاءته إلّا أنّ كلّها في الفصل محقّق؛ هذا وخطّ عذاره ما كتب في الخدّ حواشيه، وليل صباه ما اكتمل، فكيف إذا أطلعت كواكب المشيب دياجيه؛ وكيف لا؟ وأبوه- أعلى الله تعالى جدّه- صاحب المجد الأثيل، والفضل الأصيل، ووكيل السلطنة الّذي إذا تأمّلت محاسنه قالت: حسبنا الله ونعم الوكيل. فليباشر هذه الوظيفة برأي يسهّل- بمشيئة الله- عسيرها، ويفكّ- بعون الله- أسيرها، واجتهاد سنيّ يحسن قلمه في الأمور مسرى، واعتماد سريّ لا يرى ديوان أسرى منه أسرى، مشبها أباه في عدله ومن أشبه أباه فما ظلم، وتوقّد رأيه لدى طود حلم وعلم «فيالك من نار على علم!» ، حتّى يأمن ديوان مباشرته من ظلم الظالم، ويشعل ذكاءه حتّى يقال: عجبا للمشعل نارا وهو سالم!، ويثمّر مال الجهة بتدبيره، ويشرك لفظ إطلاق الديوان في ماله وأسيره، وتنتقل الأسرى من ركوب الأداهم إلى ركوب الشّهب والحمر من دراهمه ودنانيره، ويحمد على الإطلاق، وينفق خشية الإمساك إذا أمسك [غيره] «١» خشية الإنفاق، ويمشي بتقوى الله- في الطّريق اللّاحب «٢» ، وينسب إلى ديوانه وقومه فيقال: صاحب طالما انتسب من سلفه لصاحب؛ والله تعالى ينجح لكواكب رأيه مسيرا، ويجبر به من ضعف الحال كسيرا، ويكافيء سادات بيته الذين يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً «٣»

стр. 5900

المرتبة الثالثة (من تواقيع أرباب الوظائف الديوانية بحاضرة دمشق- ما يفتتح ب «- رسم بالأمر الشريف» ) وهذه نسخ تواقيع من ذلك: نسخة توقيع............ «١» .......... من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «علاء الدين بن شرف الدين بن الشهاب محمود» عند موت أبيه وهو صغير؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زال يجبر ببرّه مصاب الأبناء بآبائهم، ويسرّهم بما يتجدّد في كواكب الشّرف من علائهم، ويعتق قلوبهم من إسار الحزن حتّى ينشأوا من الصّغر على أنساب عفّتهم وولائهم- أن يستقرّ...... اعتمادا على نجابته الشاهده، ومخايل همّته السائدة، واستنادا إلى أصالته الّتي لا يبدي فرعها إلّا زكيّ الثّمر، ولا يهدي بحرها إلّا أنفس الدّرر، ولا يخلّف أفقها إلّا كبيرا تستصغر الأبصار رؤيته: والذّنب للطّرف لا للكوكب في الصّغر، وعلما أنّه من أسرة شهابيّة لا يهتدى في الإنشاء إلّا بنورهم، ولا يتحدّث بالعجائب إلّا عن بحورهم، ولا ينبت أقلام البلاغة إلّا عشبهم، ولا تعشب روضات الصحائف إلا سحبهم، ولا تثبت أفلاك الكتابة إلا كتبهم، صغيرهم في صدور الإنشاء كبير، وملقّن آيات فضلهم يروي أعداد الفوائد عن «ابن كثير» ، وعليّهم بعد «أبي بكر» تقول المحامد لسلفه وخلفه: منّا أمير ومنكم أمير؛ وأنّه اليوم لا سيف إلّا «ذو الفقار» من أذهانهم، ولا فتّى إلّا «عليّ» من ولدانهم، وأنّ فرخ البطّ سابح، وسعد القوم للأنداد ذابح «٢» ، وخواتم صحف الجمع الظاهر أشبه

стр. 5901

بالفواتح، والبلاغة في الدنيا كنوز والأقلام في أيديهم مفاتح، وأنّ [الكلام حليته] «١» وسمته، وأنّه إذا خدم دولة بعد مخلّفه قيل للذاهب: لقد أوحشنا وجهه وللقادم: لقد آنستنا خدمته. فليأخذ في هذه الوظيفة بقوّة كتابه، وليتناول باليمن واليمين قلم جدّه كما تناول راية مجده عرابة «٢» ، وليتقلّد بقلائد هذه النّعم عقيب ما نزع التمائم، وليجهد في إمرار كلمه الحلو الّذي أوّل سمائه قطر ثم صوب الغمائم، مجوّدا خطّه ولفظه حتّى تتناسب عقده، ناشئا على كتم السّرّ حتّى كأنّ الفؤاد قبره والجنب لحده، مهتديا بالعلم الشّهابيّ في برّ أخيه الأكبر فإنّه من بوارق المزن، مبتديا مع أخيه الآخر السّرور إذ ينزع عنهما لباسهما من الحزن؛ والله تعالى يزيد في فضله، ويتمّ عليه النعمة كما أتمهّا على أبيه من قبله، ويفقّهه في السيادة حتّى يحسن في الفخار ردّ الفرع إلى أصله. توقيع بنظر مطابخ السّكّر، من إنشاء ابن نباتة، كتب به للقاضي «شرف الدّين بن عمرون» ؛ وهو: رسم......- لا زالت سمة المناصب في دولته الشّريفة مشرّفة، وأقلام الكفاة مصرّفة، وألفاظ الشّكر ثابتة عند ذوي الاستحقاق ومصنّفة، والنّعماء المنصفة لأمثالهم حلوة المذاقين من نوع ومن صفة- أن يستقرّ...... لما عرف من شيمه المستجادة، وهممه المستزادة، وكفاءته اللّائق بها حسن النّظر الثّابت بفضلها رقم الشّهادة، وأصالته الّتي نهض أوّلها بمهمّات الدّول فلو رآه معاوية- ﵁ لقال: يا عمرون أنت عمرو وزيادة، ولما ألف من مباشرته المنيفة خبرا وخبرا، وأنظاره السّامية إلى معالي

стр. 5902

الأمور نظرا، ووظائفه الّتي لا يكاد يبلغ العشر منها ذوو الهمم العليّة، وجهاته التي عرف بها سلفه وخلفه فلا غرو أن لبس عمامة مفاخره بيضاء وسكّريّة. فليباشر هذه الوظيفة الحلوة معنى ومذاقا، الحليّة عقدا ونطاقا، المحسوبة على مطالع الشّرف وفقا وآفاقا، جاعلا شكر النّعمة من أوفى وأوفر مزاياه، وصلف الهمّة من أولى وأوّل وصاياه، حافظا للمطابخ وإن كان عادة آبائه بذلها، مدّخرا للجفان وإن كانت سمة قراهم إزالتها ونقلها، حريصا على أن لا يجعل لأيدي الأقلام الخائنة مطمحا، وعلى أن ينشد كلّ يوم للتّدبير لا للتّبذير: [لنا] الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى محرّرا لحساب درهمها ومحمولها، ومصروفها ومحصولها، محترزا على مباشرته من الخلل في هذين المكانين، حذرا من كفّتها وقبّانها فإنّها تتكلّم في الحمد أو في الذّم بلسانين، بل تعلن- إن شاء الله- بحمده المقرّر، وتكرّر الأحاديث الحلوة عنه فمن عندها خرج حديث الحلو المكرّر؛ والله تعالى يمدّ مساعيه بالنّجح الوفي، ويلهم همّته أن تنشد: «ما أبعد العيب والنّقصان من شرفي!» . توقيع بنظر دار الطّراز «١» ، من إنشاء ابن نباتة؛ وهو: رسم بالأمر- لا زالت سيره بمرقوم المحامد مطرّزة، ودولته بمحاسن التأييد والتّأبيد معزّزة، ونعمه ونقمه: هذه على الأعداء مجهزة وهذه إلى الأولياء مجهّزة- أن يرتّب فلان: لكتابته الّتي رقمت الطّروس، وطرّزت بالظّلماء أردية الشّموس، وأثمرت أقلامه بمحاسن التّدبير فكانت في جهات الدّول نعم الغروس، وحسابه الّذي ناقش ونقش، ورقم الأوراق ورقش، واعتزامه الّذي

стр. 5903

علّم رشدا، وسلك طريقا في الخدمة جددا، وقوي اسمه وتكاثرت أوصافه فما كان من أنداده أضعف ناصرا وأقلّ عددا؛ وأنّه الكافي الّذي إذا قدّم نهض، وإذا سدّد سهم قلمه أصاب الغرض، والسّامي إلى سماء رتبه بالقلب والطّرف، والمنزّه لقلمه الحرّ من أن يستعبد على حرف. فليباشر هذه الوظيفة بكفاءة عليها المعوّل، وأقلام إذا تمشّت في دار الطّراز على الورق قيل: «شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل» ، مستدعيا لأصنافها ومالها، عادلا في قسمة رجائها ورجالها، معملا راحته بالقلم فإنّ كتابتها متعبة، مهتديا في طرق حسابها فإنّها متشعّبة، ماشيا على نهج الاحتراز، ساعيا إلى الرّتب بإرهاف عزم كالسّيف الجراز «١» ، سعيد السّعي- إن شاء الله تعالى- حتّى يقول سناء الملك المستنهض له: هذا القاضي السّعيد وهذه دار الطّراز؛ والله تعالى يوفّقه في جميع أحواله، ويؤيّد مساعي قلمه الّذي تنسج أقلام الكفاة على منواله. توقيع بنظر الرّباع «٢» ، من إنشاء الشيخ صلاح الدّين الصّفديّ، باسم القاضي نجم الدين «أحمد بن نجم الدين محمد بن أبي الطّيّب» ؛ وهو: رسم بالأمر العالي- لا زال نجم [آلائه] «٣» يتّقد نورا، وخاطر أوليائه يتّحد بالآمال سرورا- أن يرتّب المجلس الساميّ القضائيّ- أدام الله تعالى علوّه- في نظر الرّباع الدّيوانية، ومباشرة الأيتام- حرسهم الله تعالى- على عادة من تقدّمه وقاعدته، بالمعلوم الّذي يشهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: لأنّه النّجم الّذي بزغ في أفق الرّآسة، وجمّل ما آثره قبيله وأناسه «٤» ، والأصيل الّذي

стр. 5904

شاد الفضل مجده، وأحكم الفخر عقده، والرّئيس الّذي يصدق التّفرس في شمائله، ويحكم الظن الصائب في أثناء مخايله. فليباشر ذلك مباشرة هي معروفة من هذا البيت، مألوفة من كبيرهم وصغيرهم: فإنّهم لا لوّ فيهم ولا ليت «١» ، معتمدا على سلوك طريقة أخيه وأبيه، مجتهدا على اتباع اعتمادها في توخيّه الصّواب أو تأبّيه، حتّى يقال: هذا صنو ذلك الغصن الناضر، وهذا شبل ذلك اللّيث الخادر، وتصبح الرّباع بحسن نظره آهلة بالأهلّة، كاملة بالمحاسن الّتي تمسي الأقمار منها مستهلّة، وتعود الأيتام بمشارفته كأنهم لم يفقدوا برّ والدهم، ولم يحتاجوا مع تدبيره إلى مساعدهم. والوصايا كثيرة وأهمها تقوى الله عزّوجلّ فإنّها الحصن الأوقى، والمعقل المنيع المرقى؛ فليتّخذها لعينيه نصبا، وليشغل بها ضميره حتّى يكون بها صبّا؛ والله تعالى ينمّي غصنه الناضر، ويقرّ بكماله القلب والنّاظر؛ والخطّ الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه، حجّة في ثبوت العمل بما اقتضاه؛ والله الموفّق بمنه وكرمه!. توقيع باستيفاء المقابلة واستيفاء الجيش «٢» ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زالت المناقب في دولته الشريفة شمسيّة الأنوار، قرشيّة الفخار، مشتقّة المحامد من الأسماء والآثار، محصّلة بأقلام اليمين ما يبذله الكرم من أقسام اليسار- أن يستقرّ...... حسب الاستحقاق المقتضى،

стр. 5905

والاختيار المرتضى، وعين الرّأي الّذي ما بينه وبين الرّائي حاجب، وتقدّم السّنّة القديمة فإنّ التقديم لقريش واجب، ولأنّ الصفات الشّمسيّة أولى بشرف آفاقها، ومنازل إشرافها وإشراقها، ومطالع سعدها المنزّهة عن اللّبس، وجلائل قلمها العطارديّ في يد الشّمس، ولأنّ المشار إليه أحقّ بمصاعد المرتقين، ولأنّه تربّى في بيت التّقى فكان الله معه إنّ الله مع المتّقين. فليباشر هاتين الوظيفتين على العادة المعروفة بعزمه السديد، ومدّات قلمه التي بحرها في السبع بسيط وظلّها في النّفع مديد، وليتمثّل بديوان مقابلة فريدا لا يرهب مماثلة، وليجبر أحوالها بضبطه حتّى يجمع بين الجبر والمقابلة، وليمدّ الجيوش المنصورة من أوراقه بأعلامه، ومن قصبات السّبق برماح تعرف بأقلامه، وليسترفع من الحسبانات ما يمحو بإيضاحه وتكميله من مقدّمات ظلم وإظلام، وليجمع بين ضرّتي الدنيا والآخرة في شريعة الإسلام؛ والله تعالى يمدّ قرشيّته بأنصار من العزم، وتابعين بإحسان من نوافذ نوافل الحزم. توقيع بصحابة ديوان الأسواق «١» ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو: رسم بالأمر- لا زالت أسواق نعمه قائمة، وأجلاب كرمه دائمة، ولا برحت المناصب مكمّلة بكفاة أيّامه الذين يحقّقون ظنونها السامية ويرعون أحوالها السّائمة- أن يرتّب فلان.........: علما بكتابته الّتي وسمت الدّفاتر أحسن سمة، واستبقت إلى صنع الخير المسوّمة، وكفاءته الّتي لا تزال تنمو لديه وتنتمي، ويراعته الّتي إذا سئل عنها السّوق قال: هي عصاي أتوكّأ عليها وأهشّ بها على غنمي، ودرايته الّتي تعين المملكة على المير «٢» ، ويشهد

стр. 5906

تيمّنها أنّ الخيل في نواصيها الخير، وتحقّق فيه الظّنّ والأمل، وتحوط السّوق عن الخائن حتّى يقول: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأنّه الكافي الّذي إن قال أو فعل كان مسدّدا، وإن ضبط ديوان الشّدّ «١» السعيد كان على الزّائغين من الكتبة حرفا مشدّدا. فليباشر هذه الوظيفة المباركة متمكّن الأسباب، مالك الحزم والرفقّ حتّى تكثر لديه الجلّاب، معينا لبيت المال على الإنفاق، قائما بحقوق ذوي الاستحقاق، عالما أنّه [متولّي] «٢» أكثر جهات الخير المطلق فليكن بها مشكورا على الإطلاق، مجتهدا في رضا المطالبين حتّى يتّبعوا سنن المرسلين في هذه [الصفة] «٣» يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، مواظبا على الديوان الّذي هو بصحابته معدوق، سالكا سبل الصّيانة والكفاءة فكلاهما نعم السّبيل المطروق، محترزا من ذي خيانة إن غفل عنه طفق مسحا بالسّوق؛ والله تعالى يوفّق عزائمه التي هي أشهر من علم، وهمّته الّتي قاسمت «أبا الطّيّب» : والخيل تشهد والقرطاس والقلم» . نسخة توقيع بشهادة الخزانة العالية «٤» ، من إنشاء ابن نباتة، كتب به لجمال الدين «عبد الله بن العماد الشيرازيّ» ؛ وهي: رسم بالأمر الشريف- لا زالت سمة المناصب في دولته بأسماء الكفاة مجمّلة، وخلع المفاخر على بيوت السيادة مكمّلة، وخزائن الملك بين نقيضين من جنس واحد: فبينما هي بأقلام الكفاة محتفظة إذا هي بأقلام الكفاة مبذّلة- أن يستقرّ المجلس الساميّ.........: علما بمحاسنه التي وضح

стр. 5907

جمالها، وتفسّح في العلياء مجالها، ونجح في منابت الفضل أصلها، وشرف بكواكب اليمن اتّصالها، ومعاليه التي تهلّل بها وجه الأصالة، وكمل بيت الرّآسة والجلالة، ومساعيه الّتي استوفى بها أجناس الفضل وتوريثه فما أخذها عن كلال ولا ورثها عن كلالة، وسيرته الّتي تطوي فخار الأقران حين تنشر، وهمّته التي أنشدت السّعادة فرعها الكريم: «مباديك في العلياء غاية معشر» ، ومكانته من بيت السيادة الرّفيع عماده، البديع سنده المنيع سناده، المديد من تلقاء المجرّة طنبه الثّابتة من حيّز النّجوم أوتاده، وأنّه نجل السّراة الذين أخذوا من الفضل في كلّ واد، واستشهدوا على مناقبهم كلّ عدوّ وكلّ وادّ «١» ، وحملوا من صناعاتهم رايات عبّاسيّة سارت بها رماح أقلامهم تحت أبدع سواد، وملأوا قديم الأوطان بشرف الأخير: فسواء على شيراز محاسن «ابن العميد» ومحاسن «ابن العماد» ، وتبيّنت مناقبهم بهذا النّجل السّعيد طرق المراتب كيف تسلك، وإحراز المناصب كيف يكون لها يد أرباب البيوت أملك، ودرجات الوظائف كيف تسرّ الوالد بالولد حتّى يقول: لا أبالي هي اليوم لي أم لك!؛ كم استنهض والده لجليل فكفى، وجميل قصد فوفى، وأوقات علت حتى أضحت إلى علاه تنتسب، ومناصب رزق- بتقواه فيها- من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب؛ وجاء هذا الولد ذخيرة والده فحسنت للخزانة الذّخيرة، وعضّدت الأوّلة من السيادة بالأخيرة. فليباشر هذه الوظيفة مباشرة هي أعلى منها وأشرف سيرة، مجتهدا فيما يبيّض وجه علمه ونسبه، عارفا قدر هذه الرّتبة من أوائل رتبه، متيقّظ الأفكار والطّرف، متأرّج المعرفة إذا ذكروا العرف، زاكيا تبر شهادته على التّعليق فلا ينتقد عليه في متحصّل ولا صرف، حتّى تقول الخزانة: نعم العزم الشاهد! وحتّى يشهد بوفاء فضله المضمون، وحتّى يعلم بأمانته أنّ عبد الله هو «المأمون» ؛ وتقوى الله تعالى في الوصايا أوّل وأولى ما تمسّك به، واستقام على

стр. 5908

شرف مذهبه؛ والله تعالى يسرّ الإسلام بتنبيه قدره ويقرّ الأوصاف بمهذّبه!. توقيع بشهادة الأسوار؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال يمدّ على الإسلام من عنايته سورا، ويجدّد للأولياء برّا ميسورا، ويسعدهم بكلّ توقيع يكون بالحساب يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا- أن يرتّب المجلس.........: علما بعزمه الساهد «١» ، وحزمه الشاهد، وكفاءته وأمانته الّتي ما كان وصفهما حديثا يفترى، ونظرا لحاله وحال الأسوار: فيالها شهادة كان أصلها نظرا. فليباشر هذه الرتبة المباركة كما عهد منه مباشرة حسنة الآثار، مشرقة الأنوار، جاعلة تلك العمائر حلية لدمشق: فبينما هي سور إذا هي سوار، ضابطا لمتحصّلها ومصروفها، محرّرا لوقفها محترزا من وقوفها، جاريا على جميل عادته، زاكيا بكرم الله تعالى على التّوفيق تبر شهادته، حتّى تشهد هذه الوظيفة بهمّته المتمكّنة الأسباب، ويضرب بين المدينة وبين من كادها بسور باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب؛ والله تعالى يسدّده في كلّ أمر، ويحفظ همّته وبركته «ليوم كريهة وسداد ثغر» . توقيع بمشارفة «٢» خزائن السّلاح، لمن لقبه «جمال الدين إبراهيم» ؛ وهو: رسم بالأمر العاليّ- أعلى الله تعالى أعلام حمده، وجعل أحكام المقادير

стр. 5909

من جنده، ولا زالت أفلاك الشّهب من خزائن سلاح سعده- أن يرتّب......: حملا على حكم النّزول الشّرعيّ، والطّلوع إلى رتب الاستحقاق المرعيّ، وعلما بكفايته الّتي بلّغته آمالا، وجعلت للوظائف بذكره جمالا، وثمّرت بقلمه للجهات مالا، وأوصلته على رغم الأنداد لما لا، واعتمادا على أمانته الّتي أعدّها ملاذا، واكتفى بها سلاح عزمه نفاذا، وصيانته التي طالما اعترض [لها] «١» عرض الدّنيا فقالت: يا إبراهيم أعرض عن هذا، واستنادا إلى نشأته في بيت علت في المناصب أعلامه، وصدقت في المراتب حلومه وأحلامه، وتناسبت الآن تصرّفاته السعيدة: فإمّا في تدبير الجيوش وإمّا في تثمير السلاح أقلامه. فليباشر هذه الوظيفة المباركة بعزم بادي النّجا والنّجاح، وقلم على حالتي وظيفته وهمّته ماضي عزم السّلاح، مقرّرا لعملها ومعمولها، ضابطا لواصلها ومحمولها، حتّى يذهب لسان سيفها بشكره، وتطلع أهلّه قسيّها بميامين ذكره، وتكون كعوب رماحها كلّها كعب مبارك بمباشرته وبشره؛ والله تعالى يسدّد قلمه في وظيفته تسديد سهامها، ويوفّر له من أنصباء المراشد وسهامها. قلت: وهذا توقيع بوظيفة بكتابة ديوانيّة لسامريّ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال قلم أوامره الفضّيّ يظهر ثمره، مسمعا حديث الإنعام الشامل حتّى سمره- أن يرتّب فلان في كذا: علما بكفايته الّتي يعذر بها في قومه على سلوك التّيه، وحذق حسابه الّذي هو ألذّ من السّلوى لمجتنيه ومجتبيه، وقريحته الّتي إذا اختارها اختيار قوم موسى فاز من العمل بمطلوبه، وإذا قيل: يا سامريّ ما قدّمك على القرناء في الحساب؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به، وأمانته الّتي حاطت حياطة الصّعدة «٢» السّمراء، ورفعت رايته على الأنداد قائلة:

стр. 5910

ما حاط البيضاء والصّفراء كصاحب الحمراء «١» !، واعتمادا على كتابته الّتي شهدت بها من حسباناته الأسفار المبيّنة، وإقراء لصناعاته الّتي سحرت الفكر حتّى قيل: هذا من شعب القرّايين «٢» والكهنة. فليباشر هذا الاستيفاء لأوفى منه مترقّيا، ولكلمات الاختيار متلقّيا، ناهضا بالخدمه، مجدّدا باعتزامه الإسرائيليّ ذكر النّعمة، عارفا قدر الإنعام الّذي رعى وشمل كلّ ذمّة، سالكا من الاجتهاد في خدمة حسابه كلّ طريقة، غائظا للحساد من أهل ملّته: فيعبدون العجل مجازا وحقيقة، مجتهدا في استنزال المنّ لا المنع، معوّذا آلاف الحواصل بعشر كلمات راتبة منه في السّمع، معلّقا على جميعها هيكلا من أمانته فهو أدرى في الهيكل بشرط الجمع، صائنا لنفسه من عدوان الخيانة حتّى لا يعدو في سبت ولا في أحد، متنزها عن أكل المال مع الخونة حتّى يقال: نعم السّامريّ الّذي لا يأكل مع أحد. الضرب الثاني (من الوظائف الديوانية بالشام- ما هو خارج عن حاضرة دمشق. وغالب ما يكتب فيها من التواقيع مفتتح ب «- رسم» ) وهذه نسخ تواقيع من ذلك: نسخة توقيع بنظر غزّة؛ وهي: رسم بالأمر- لا زال النّصر المكرّر، يحلو بذكره، والسّعد المقرّر، يجلو وجوه الآمال بدهره، ولا برح سراج الخدم مضيئا عند ليالي نهيه الحالك وأمره- أن يستقرّ فلان......: لما عرف في المناصب من نهوضه الّذي راق وراج، وفي المهمّات من رأيه الّذي يمشّي أحوال الجهات المستقيمة بسراج، ولما شهر

стр. 5911

له في الأنظار المتعدّدة من علوّ الهمم، وفي الوظائف المتردّدة من العزمات الّتي يقول السّداد: نبّه [لها] عمرا «١» ثم نم، ولما وصف من أمانته ودرايته وهما المراد «٢» من مثله، ورآسة خلقه وخلقه المشيدين عن حسن الثناء وسهله، وآثاره الحميدة المنتقلات وكيف لا؟ وهو المنتسب إلى سلف يحمد لسان الإسلام أثر عقله ونقله. فليباشر هذه الوظيفة المباركة على العادة مباشرة يحمد أثرها، ويسند عن صحيح عزمه خبرها وخبرها، ويورق بغصون الأقلام ورق حسابها ويروق ثمرها، مجتهدا فهو من نسل المجتهدين في عوائد التّحصين والتّحصيل، والتّأثير والتّأثيل، مليّا بما يجبر كسر هذه البلاد بالصّحّة ويأسو جرجها بعد التّعديل، حريصا على أن يحيي- بمشيئة الله تعالى وتدبيره- عملها الّذي لم يبق الموت من ذمائه غير القليل، سالكا من النّزاهة والصّيانة طريقته المثلى، ومن الكفاءة والأمانة عادته الّتي ترفع درجته- إن شاء الله- إلى ما هو أعلى وأغلى، مسترفعا للحساب ولقدره في الخدمة، شاكرا: فإنّ الشّكر ضمين لازدياد النّعمة بعد النّعمة، سراجا وهّاج الذّكاء على المنار ولا ظلم مع وجوده ولا ظلمة؛ والله تعالى يعلي قدره، ولا يطفيء ذكره. توقيع بصحابة ديوان الحرمين، من إنشاء ابن نباتة، لمن لقبه «شمس الدّين» ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زالت أوامره نافذة في الآفاق، عاطفة عطف النّسق على ذوي الاستحقاق، مطلعة شمس التّقى والعلم في منازل الإشراق- أن يستقرّ المجلس......: علما باستحقاقه لما هو أكثر وأكبر، وأوفى وأوفر، وإطلاعا

стр. 5912

لشمسه وإن اعترضها غمّ غيم في مطالع شرفها الأنور، وإعلاما بأنّه غيم يزور ويزول، ونقص لا يقيم إلا كما يذهب عارض من أفول، واعتمادا على ما عرف من وفاء صحابته، وألف من سناء درايته ودرابته، ووصف من أيّام ديونته «١» بعد أيّام حكمه بعد أيّام خطابته!، واستنادا إلى نشأته في بيت العلم المستفاد، والحكم المستجاد، والفضل المستزاد، وتربية الوالد الّذي كان الاختيار يحلف بالفخر أنه ما يرى أظهر من ذات العماد. فليباشر صحابة ديوان هذين الحرمين الشّريفين بأمل مبسوط، وحال بينما هو منحوس حظّ إذا هو- إن شاء الله- مغبوط، واجتهاد مضمون لجدواه فضل الزيادة، وسير لا يزال بشمسه حتّى تجري لمستقرّ لها من منازل السّعادة، ومباشرة لأوقافها تعان وتعاد أجمل إعانة وأكمل إعادة، وصحابة يتنوّع في نفعها ويتعين حتّى تكون منه عادة ومنها شهادة. توقيع بنظر الشّعرا «٢» وبانياس، من إنشاء ابن نباتة، لمن لقبه «صدر الدّين» واسمه «أحمد» بالعود؛ وهو: رسم بالأمر- لا زالت صدور الكفاة منشرحة في أيّامه، منسرحة الآمال في إنعامه، ولا برح عوده أحمد إلى المناصب في ظلال سيوفه وأقلامه. ومنه: فليباشر هذه الوظيفة الشاكرة له أوّلا وآخرا، وليجتهد فيما يزيده من الاعتناء والاغتناء باطنا وظاهرا، وليستزد بشكره من النّعمة فما أخلف وعد المزيد

стр. 5913

شاكرا، وليحرص على أن يرى أبدا في المراتب صدرا ولا يرى عن ورود الإحسان صادرا. توقيع بنظر حمص، من إنشاء ابن نباتة، كتب به لابن البدر ناظر حمص بالنّزول من أبيه عند ما أسنّ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال حسن النّظر من مواهبه، ويمن الظّفر من مراكبه؛ وسقي البلاد صوب العدل من سحائبه، ولا برح سنا البدر من خدمه فإذا أحسّ بالسّرار ألقى الخدمة إلى أزهر كواكبه- أن يستقرّ المجلس......: لما علم من رأيه الأسدّ، وعزمه الأشدّ، ومربى والده حتّى يبين عظم الهناء بالشّبل عندما وهن عظم الأسدّ، وركونا إلى نجابته الّتي سمت أصلا وفرعا، وقدمت غناء ونفعا، وتبسّمت كمائم أصلها المستأنفة حيث كاد الزمان ينعى منه ينعا، واستنادا إلى أنّ الصّناعة شابّة، ونسمات التّمكين هابّة، وإلى أنّ أغصان العزائم نضرة، وإلى أنّ مع القدرة قدرة، وإلى أنّ كوكب العزّ في المنزلة قد خلف بدره، واعتمادا على سهام تنفيذه الصائبة، وأحكام هممه الواجبة، وأقلام يده الّتي تحسن إخراج الأمل فيه وكيف لا؟ وهي الحاسبة الكاتبة. فليباشر هذا النّظر المفوّض إليه ساميا نظره، زاكيا في الخدمة خبره وخبره، شاكرا هذا الإنعام الّذي برّ أباه وأسعد جدّه ومزيد الإنعام مضمون المزيد «١» لمن شكره، عالما أنّ هذه المملكة الحمصيّة من أقدم ذخائر الأيام، وأكرم ما أفاء الله من غنيمتها وظلّها على جند الإسلام، وأنّها من مراكز الرّماح كما شهر فليمدّها من تدبيره برماح الأقلام، وليواظب بحسن نظره على تقرير أحوالها، وتقريب آمالها، وتأثير المصالح في أعمالها، ولا يحمّص «٢» أمرها في التّضييق فكفى ما حمّصتها الأيام على تعاقب أحوالها، بل يجتهد في إزاحة

стр. 5914

أعذارها بسداد الرّأي الرابح، وإشاعة الذّكر الحسن مع كلّ غاد ورائح، ورفع الأيدي بالأدعية الصالحة في تلك المشاهد للملك «الظاهر» في هذا الوقت والملك «الصالح» ، حتّى يشهد سيف الله «خالد» بمضاء سيف حزمه وعزمه، وحتّى يتوفّر من غرض الخير والحمد نصيب سهمه؛ وتقوى الله تعالى أوّل الوصايا وآخرها فلتكن أبدا في همّة فهمه. توقيع بنظر الرّحبة «١» من إنشاء ابن نباتة لمن لقبه «تاج الدين» ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال مليء السّحاب، بسقيا الآمال الواردة، مملوء الرّحاب بكفاة الأعمال السّائدة، مخدوم الممالك والأيّام بأقلام الدواوين الحاسبة وأقلام الدواوين الحامدة- أن يستقرّ.........: لكفاءته الّتي وافق خبرها الخبر، ونشر ذكرها نشر الحبر، وصناعة حسابه الّتي لو عاش «أبو القاسم المعرّي» «٢» لم يكن له فيها قسيما، ولو عاصرها «ابن الجرّاح» بقدمه وإقدامه لا نقلب عنها جريح الفكر هزيما؛ بل لو ناو أه الشّديد الماعز لذبح بغير سكين، والتّاج الطويل لرجع عن هذا التّاج الطائل رجوع المسكين. فليباشر ما فوّض من هذه الوظيفة إليه، ونبّه الاختبار فيها نظره الجميل وناظريه، جاريا على عوائد هممه الوثيقة، ماشيا على أنجح طريق من آرائه وأوضح طريقة، نازلا منزلة العين من هذه الجهة الّتي لو صوّرت بشرا لكان ناظرها على الحقيقة؛ مفرّجا لمضايقها حتّى تكون كما يقال رحبة، مقتحما من حزون أحوالها العقبة وما أدراك ما العقبة؟، فكّ من رقاب السّفّار المعوّقين

стр. 5915

رقبة، وأطعم أرباب الاستحقاقات في يوم ذي مسغبة، وساعف بتيسير المعلوم كلّ كاتب ذي متربة «١» ، حريصا على أن يغني الديوان بوفره، وتغنّي حداة التّجار بشكره، وعلى أن يقوم رجال الاستخدام في المهمّات بنصره، وعلى أن تساق بفضّيّ قلمه الأموال أحسن سوق، وعلى أنّ يكون لأهل الرّحبة من إحسانه «مالك» ومن جدوى تدبيره «طوق» ؛ والله تعالى يوضّح في المصالح منهاجه، ويعلي على رؤوس الأوصاف تاجه. توقيع بنظر جعبر «٢» قبل أن تنقل إلى عمل حلب، من إنشاء ابن نباتة، كتب به «لهبة الله بن النفيس» ؛ وهو: رسم بالأمر- لا زالت المناصب في دولته الشريفة تستقبل هبة الله بشكرها، ونتائج الذّكر النّفيس بمقدّمات نشرها وبشرها- أن يرتّب.........: لكفاءته التي اشتهرت، وأمانته التي طهرت فظهرت، ومباشرته الّتي ضاهت نجوم السماء إذا زهرت، ونجوم الأرض إذا أزهرت، وأنّه الّذي جرّب عزمه فزكا على التّجريب، ورقي في مطالع التّدريج والتّدريب، ونصّ حديث اجتهاده المقرّب فكان سابقا على النّصّ والتّقريب، وأنّ هذه البقعة المباركة ممّن أطاب التّاريخ خبرها، وقصّ سيرها، وحمد صاحبها العقيليّ من قديم أثرها، وعرف بركتها لمّا استسقى بها من السّماء على لسان بعض الحيوان مطرها. فليباشر هذا الثّغر المحروس بكفاءة باسمة، وعزمة كالحسام لأدواء الأمور حاسمة، ورأي للنّجاح حسن الاستصحاب، وتثمير كما ملأ الرّحبة

стр. 5916

فليملأ بمضاعفته الرّحاب، موفّرا العدد للحواصل وحواصل العداد، فاتحا لأفواه القفول بذكره الجميل في التّهائم والنّجاد، ماشيا فيما يأتي ويذر على سداد الطّرق وطرّق السّداد. توقيع بنظر البقاع «١» ، من إنشاء ابن نباتة؛ وهو: رسم بالأمر- لا زال يهنّيء للكفاة رزقا، ويهيّء لتجديد المناصب مستحقّا، ولا برحت البقاع بأيّامه الكريمة تسعد كما تسعد الرّجال ولا تشقى- أن يرتّب...... حسب ما تضمنته مكاتبة الجناب الفلانيّ: منبّها على قدر هذا الناظر المهذّب وصفه، المرتّب على نحو الثناء نعته وعطفه، المشهور بمباشرته انتفاع الوظائف وارتفاعها، الشاهد بكفاءته وأمانته مسالك الأعمال وبقاعها، واعتمادا على مباشرته الزكية، وكتابته الّتي لا يداهنها المداهنون وهي نعم البعلبكيّة. فليباشر هذه الوظيفة المتيمّنة بمطالع رشده، ومطالب سدّده، عالما أنّ البقاع كالرّجال تسعد وتشقى: فليكن سعدها على قلمه ويده، مجتهدا فيما يبيّض وجه شاكره، حريصا على ازدياد الصفات الّتي كانت في عقد حساب العمل محلّ بنانه فجعلته الآن محلّ ناظره، مثمّرا لأموال النواحي وغلالها، واضعا عن أرباب الاسحقاقات ما عليها من سوء التدبير: من إصرها وأغلالها، محتاطا لنفسه في الحوطات حتّى لا يذكر إلا بخير، ولا يعرف قلمه إلا بمير، ناثرا حبّ حبّه حتّى تهوي إليه ألفاظ الثّناء هويّ الطّير، جاعلا تقوى الله مقصده: فإنّها السبيل إلى فوز الدارين لا غير.

стр. 5917

الصنف الرابع (مما يكتب لأرباب الوظائف بالشام- تواقيع مشايخ الخوانق، وهي على ضربين) الضرب الأوّل (ما هو بحاضرة دمشق، وهو على ثلاث مراتب) المرتبة الأولى (ما يفتتح ب «الحمد لله» ) وهو توقيع شيخ الشيوخ بدمشق: وهي مشيخة الخانقاه الصلاحية المعروفة بالشّميصاتية «١» ، وقد تقدّم أنها يكتب بها أيضا من الأبواب السلطانية. ثم هي تفرد تارة عن كتابة السّر بالشام، وتارة تضاف إليها. توقيع بمشيخة الشّيوخ بالشام، من إنشاء الشّيخ جمال الدين بن نباتة، كتب به للشيخ «علاء الدين عليّ» مفردة عن كتابة السّرّ؛ وهو: الحمد لله الّذي جعل شرف أوليائه عليّا، وفضله الجليل جليّا، واتّصال علائهم كاتصال كوكب الشّرف بإيلاء الخيرات مليّا، وحاضر أفقهم كغائبه إذا سطّرت دعواته واستمطرت هباته كان على كلا الحالين وليّا. نحمده على توالي النّعم الأنيقة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تستمرّ بأصلها فروع الحقيقة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أجدر الخلق بكرم الخليقة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه أحسن طريق وسلكوا في أحسن طريقة، صلاة دائمة لا تزال بها عقائد الإخلاص موثقة وألسنة الذّكر طليقة، وتحيّة إذا بدت في حضرة الادّكار كانت للأعين من النّور نهاره وكانت للأنجم من القدر شقيقه.

стр. 5918

أما بعد، فإنّ أولى المراتب الدينية بتقديم العناية، وتفخيم الرعاية، وتكريم التولية ولا سيما إذا كانت منتسبة إلى أهل الولاية- مرتبة مشيخة الشيوخ التي يجمع عباد الله الصالحين نطاقها، ويضمّهم رواقها، وتطلعهم مطالع كواكب الهدى آفاقها المنيرة وأوفاقها. ولما خلت الآن هذه الرّتبة بالشام المحروس من شيخ تدور هذه الطائفة على قطبه، وتجتمع على مائدة قرباته وقربه، وتمشي على قدمه وتناجي صلاح أحوالها عن قلبه- تعيّن أن نختار لها من كملت بالله أداته، وصفت في مشاهد الحقّ ذاته، وزكت في علمي الإبانة والأمانة شهادته المفصحة ومشاهداته، وأجمع الناس على فوائد تسليكه واسلاك قلمه حيث بدت في وجوه الحسن حسناته، ووجوه الشام شاماته، لما شهر من معرفته وعرفانه، ولما دعي له ببقاء نوح لما فاض في العلم من طوفانه، ولما قام في الأذهان من طبقة قدره الموصوف، ولما سار من رسالة أخباره فإذا قالت الآثار: «هذا السّريّ» قال الإيثار: «وفضله معروف» . فليباشر هذه المشيخة المباركة بصدر للسّالكين «١» رحيب، وبرّ للسائلين مجيب، وفضل يقول الرائد والمريد بدار إقامته: قفا نبك من ذكرى منزل وحبيب، وبشر وبشرى يملآن عين المجتلي ويد المجتدي، وعطف ولطف إذا قال الذّاكر لمن مضى: راح مالكي! قال المعاين: وجاء سيّدي؛ وليراع أمور الخوانق الشاميّة ما غاب منها وما حضر، وما سمع منها وما نظر، وليهذب قلوب ساكنيها حتّى يعود كإخوان الصّفاء من المودّة قوم كانوا إخوان الصّفا من الحجر، قائما بحقوق الرّتبة قيام مثله من أئمّة العلم والعمل، داعيا لهذه الدّولة العادلة فإنّه أقصى دواعي الأمل، معربا- لأنّ العربيّة من علومه- عن الإيضاح غنيّا عن تفصيل الجمل؛ وهو المسلّك «٢» فما يحتاج لتسليك درر الوصايا، المخبوء لمثل

стр. 5919

هذه الزّوايا المبرورة: فنعم الزّوايا المحبوّة بنعم الخبايا؛ والله تعالى يعيد على الأمّة بركاته، ويمتّعهم باستسقاء الغيوث: إمّا ببسطها عند برّه، وإمّا ببسطها عند دعواته. وهذه نسخة توقيع بمشيخة الشيوخ بالشام أيضا، مضافة إلى كتابة السّرّ به، كتب بها للقاضي ناصر الدين «محمد بن أبي الطّيّب» كاتب السّرّ بالشام ب «المقرّ الشريف» ؛ وهي: الحمد لله الّذي شرح صدور أوليائه بمعرفة الحقّ واتّباعه، وجعلهم خواصّه الذين غدوا من أتباع الحبيب وأشياعه، ورفع ذكرهم على رؤوس الأشهاد وآواهم إلى مقام الأنس في محلّ القرب بالتّسليك المحمّديّ الّذي أوصل إليه مزيده بانقطاعه، وخصّهم ببركات من حضّهم على الأعمال الصالحة بقصده الجميل وعلمه الغزير واتّضاعه، ومنحهم بمن أوضح لهم الطّريق المستقيم بإبدائه الحقّ وإبدار إبداعه، وغذاهم بالحكمة فنشأوا بالمعرفة وصار لهم العقل السّليم بالتّحفّظ من الأهوية الرّديّة فسلمت لهم الطّيبة على قانون الصّحّة بحسن تركيبه وأوضاعه، وأفاض عليهم من بحر علمه ما نالوا به الرّشد فصاروا أولياء بملازمة أوراده ومتابعة أوزاعه. نحمده على ما ألهمنا من وضع الشّيء في محلّه، وإيصال الحقّ إلى أهله، وإجابة سؤال الفقراء وإعانتهم بمن أغناهم عن السّؤال بفضائله وفضله، حمدا يعيد كشّاف الكرب على مريديه وطلبته، ويرفع مقام من قام بشعار الدّين بتعظيم قدره وعلوّ درجته، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الّذي من تقرّب منه ذراعا، تقرّب منه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة وإذا تقرّب إليه عبده

стр. 5920

بالنوافل أحبّه، وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ «١» ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الّذي أضاءت الأكوان من نور هديه فاهتدت به أصحاب المعارف المسلّمون لموجدهم الأمر والإرادة، ومن هو روح الوجود الّذي أحيا كلّ موجود وسلّك طريق سنّته الموصّلة إلى عالم الغيب والشّهادة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صفت قلوبهم من الأكدار وإلى التّقوى سبقوا، وصدقوا في المحبّة فاستحقوا ثناء مولاهم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا «٢» ؛ فمنهم من شمّت من فيه رائحة كبد مشويّة من خشية الله، ومنهم من حدّث بما شاهده ببصره وبصيرته على البعد ورآه، ومنهم من أحيا ليله واستحيت منه ملائكة السماء، ومنهم من اتّخذه أخا إذ هو باب مدينة العلم وركن العلماء، صلاة دائمة تطيّب أوقات المحبّين، وتطرب بسماعها قلوب المتّقين أهل اليقين؛ وسلّم تسليما. أمّا بعد، فإنّ أولى من قدّمناه إلى أهل الصلاح، ورفعناه إلى محلّ القرب وروح الأرواح، وحكّمناه على أهل الخير، ومكّنّاه في حزب الله الّذي غلب لمّا اجتهدوا على إخراج حزب الشّيطان من قلوبهم وزحفوا على قراره بجيش التّقوى وسمتهم الزّهد وحسن السّير، وولّيناه أجلّ المناصب الّذي تجتمع فيه قلوب الأولياء على الطّاعة، وأحللناه أرفع المراتب الّذي خطبه منهم خيار الجمع لجلوة عروس الجمال في الخلوة بعقد ميثاق سنّة المحبّة وشهادة قلوب الجماعة- من جمّله صورة ومعنى، وافتخر به أحاد ومثنى، وباشره على أحسن الوجوه، وبلّغ كلّا من مريديه وطلبته من فضائله وفضله ما يؤمّله ويرجوه، ومدّ موائد علومه المحتوية على أنواع الفضائل المغذّية للقلوب، وجلس في حلل الرّضا فكسا القوم الذين لا يشقى بهم الجليس ملابس التّقوى المطهرة من العيوب،
следующие страницы →