← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

فقال النّبيّ ﷺ : «إنا لم نقض الكتاب بعد» - قال: فو الله [إذا] «١» لا أصالحك على شيء أبدا- قال النّبيّ ﷺ : «فأجزه لي» - قال: ما أنا بمجيزه لك- قال: «بلى فافعل» - قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز بن حفص: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين: أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في الله تعالى. قال عمر بن الخطّاب: فأتيت النّبيّ ﷺ ، فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟ قال بلى! قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال بلى! قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» . قلت: هذا ما أورده البخاريّ في حديث طويل. والذي أورده أصحاب السّير أن الكاتب كان عليّ بن أبي طالب، وأن نسخة الكتاب: «هذا ما قاضى «٢» عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، [اصطلحا] على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه» . وأشهد في الكتاب على الصّلح رجالا من المسلمين والمشركين «٣» .

стр. 6407

الطرف الثالث (فيما يجب على الكاتب مراعاته في كتابة الهدن) قال في «موادّ البيان» : وهذا الفنّ من المكاتبات له من الدّولة محلّ خطير، ومن المملكة موضع كبير؛ ويتعين على الكاتب أن يخلّى له فكره، ويعمل فيه نظره، ويتوفّر عليه توفّرا يحكم مبانيه، ويهذّب معانيه. والذي يلزم الكاتب في ذلك نوعان: النوع الأوّل (ما يختص بكتابة الهدنة بين أهل الإسلام وأهل الكفر) وهي الشروط الشرعية المعتبرة في صحّة العقد بحيث لا يصحّ عقد الهدنة مع إهمال شيء منها. وهي أربعة شروط: الأوّل- في العاقد. ويختلف الحال فيه باختلاف المعقود عليه: فإن كان المعقود عليه إقليما: كالهند والرّوم ونحوهما، أو مهادنة الكفّار مطلقا، فلا يصحّ العقد فيه إلا من الإمام الأعظم أو من نائبه العامّ المفوّض إليه التّحدّث في جميع أمور المملكة. وإن كان على بعض القرى والأطراف، فلآحاد الولاة المجاورين لهم عقد الصّلح معهم. الثاني- أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين: بأن يكون في المسلمين ضعف أو في المال قلّة، أو توقّع إسلامهم بسبب اختلاطهم بالمسلمين، أو طمع في قبولهم الجزية من غير قتال وإنفاق مال. فإن لم تكن مصلحة فلا يهادنون بل يقاتلون حتّى يسلموا أو يؤدّوا الجزية إن كانوا من أهلها. الثالث- أن لا يكون في العقد شرط يأباه الإسلام: كما لو شرط أن يترك بأيديهم مال مسلم، أو أن يردّ عليهم أسير مسلم انفلت منهم، أو شرط لهم على المسلمين مال من غير خوف على المسلمين، أو شرط ردّ مسلمة إليهم، فلا يصحّ العقد مع شيء من ذلك، بخلاف ما لو شرط ردّ الرجل المسلم أو

стр. 6408

المرأة الكافرة فإنه لا يمنع الصّحّة. قال الغزالي: وقد جرت العادة أن يقول: [نهادنكم] «١» على أنّ من جاءكم من المسلمين رددتموه، ومن جاءنا مسلما رددناه. فإن كان في المسلمين ضعف وخيف عليهم، جاز التزام المال لهم دفعا للشّرّ، كما يجوز فكّ الأسير المسلم إذا عجزنا عن انتزاعه. الرابع- أن لا تزيد مدّة الهدنة عن أربعة أشهر عند قوّة المسلمين وأمنهم، ولا يجوز أن تبلغ سنة بحال؛ وفيما دون سنة وفوق أربعة أشهر قولان للشافعيّ ﵁، أصحّهما أنه لا يجوز، أما إذا كان في المسلمين ضعف وهناك خوف، فإنه تجوز المهادنة إلى عشر سنين؛ فقد هادن رسول الله ﷺ أهل مكّة عشر سنين كما رواه أبو داود في سننه. ولا تجوز الزيادة عليها على الصحيح؛ وفي وجه تجوز الزيادة على ذلك للمصلحة. فلو أطلق المدّة فالصحيح من مذهب الشافعيّ أنّها فاسدة؛ وقيل: إن كانت في حال ضعف المسلمين حملت على عشر سنين، وإن كانت في حال القدرة: فقد قيل تحمل على الأقل: وهو أربعة أشهر، وقيل على الأكثر: وهو ما يقارب السنّة. ولو صرّح بالزيادة على ما يجوز عقد الهدنة عليه: فإن زاد على أربعة أشهر في حال القوّة أو على عشر سنين في حال الضّعف صح في المدّة المعتبرة وبطل في الزائد؛ فإن احتيج إلى الزيادة على العشر، عقد على عشر ثم عشر ثم عشر قبل تقضّي الأولى؛ قاله الفورانيّ «٢» وغيره من أصحابنا الشافعية. وذهب أصحاب مالك ﵏ إلى أن مدّتها غير محدودة، بل يكون موكولا إلى اجتهاد الإمام ورأيه.

стр. 6409

النوع الثاني (ما تشترك فيه الهدن الواقعة بين أهل الكفر والإسلام، وعقود الصّلح الجارية بين زعماء المسلمين؛ وهي ضربان) الضرب الأوّل (الشروط العادية التي جرت العادة أن يقع الاتّفاق عليها بين الملوك في كتابة الهدن خلا ما تقدّم) وليس لها حدّ يحصرها، ولا ضابط يضبطها، بل بحسب ما تدعو الضرورة إليه في تلك الهدنة بحسب الحال الواقع. فمن ذلك- أن يشترط عليه أن يكون لوليّه مواليا، ولعدوّه معاديا، ولمسالمه مسالما، ولمحاربه محاربا، ولا يواطيء عليه عدوّا، ولا يوقع عليه صلحا، ولا يوافق على ما يقدح في أمره، ولا يقبل سؤال سائل، ولا بذل باذل، ولا رسالة مراسل مما يخالف الاتّفاق الجاري، والأخذ على يد من سعى في نقض الصّلح ونكث العهد إن كان من أهل طاعته، والمقاتلة إن كان من المخالفين له، وأنّه إذا جنى من أهل مملكتهم جان كان عليه إحضاره أو الأخذ منه بالجناية. ومن ذلك- أن يشترط عليه أن يكفّ عن بلاده وأعماله، ومتطرّف ثغوره، وشاسع نواحيه- أيدي الداخلين في جماعته، والمنضمّين إلى حوزته، ولا يجهّز لها جيشا، ولا يحاول لها غزوا، ولا يبدأ أهلها بمنازعة، ولا يشرع لهم في مقارعة، ولا يتناوبهم بمكيدة ظاهرة ولا باطنة، ولا يعاملهم بأذيّة جليّة ولا خفيّة، ولا يطلق لأحد ممّن ينوب عنه في إمارة جيشه، ومن ينسب إلى جملته، ويتصرّف على إرادته- عنانا إلى شيء من ذلك بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، وأن لا يجاوز حدود مملكته إلى المملكة الأخرى بنفسه ولا بعسكر من عساكره. ومن ذلك- أن يشترط عليه أن يفرج عمّن هو في حوزته ممّن أحاطت به

стр. 6410

ربقة الأسر، ويمكّنهم من المسير إلى بلادهم: بأنفسهم وخدمهم وعيالهم وأتباعهم، وأصناف أموالهم، في أتمّ حراسة، وأكمل خفارة، دون كلفة ولا مؤونة تلحقهم على إطلاقهم، ونحو ذلك. ومن ذلك- أن يشترط عليه مالا يحمله إليه في كلّ سنة، أو أن يسلّم إليه ما يختاره: من حصون وقلاع وأطراف وسواحل مما وقع الاستيلاء عليه من بلاد المسلمين، أو أحبّ انتزاعه أو استضافته من بلاد من يهادنه من ملوك الكفر، وأن يبقي من بها من أهلها، ويقرّرهم فيها بحرمهم وأولادهم ومواشيهم وأزوادهم وسلاحهم وآلاتهم، دون أن يلتمس عن ذلك أو عن شيء منه مالا، أو يطلب عنه بدلا، وما ينخرط في هذا السّلك. ومن ذلك- أن يشترط عليه عدم التّعرّض لتجّار مملكته، والمسافرين من رعيّته، برّا وبحرا بنوع من أنواع الأذيّة والإضرار، في أنفسهم ولا في أموالهم، وللمجاورين للبحر عدم ركوب المراكب الحربيّة التي لا يعتاد التّجّار ركوب مثلها. ومن ذلك- أن يشترط عليه إمضاء ما وقعت عليه المعاقدة، وأن لا يرجع عن ذلك ولا عن شيء منه، ولا يؤخّر شيئا عن الوقت الذي [اتفق عليه] «١» . ومن ذلك- أن يشترط عليه أنه إذا بقي من مدّة الهدنة مدّة قريبة مما يحتاج إلى التّعبيء فيه، أن يعلمه بما يريده من مهادنة أو غيرها. ومن ذلك- أن يشترط عليه أنه إذا انقضى أمد الهدنة على أحد من الطائفتين وهو في بلاد الآخرين، أن يكون له الأمن حتّى يلحق مأمنه. ومن ذلك- أن يشترط مالا يحمله إليه في الحال أو في كلّ سنة، أو حصونا، أو بلادا يسلّما من بلاده، أو مما يغلب عليه من بلاد مهادنه، إلى غير ذلك من الأمور التي يجري عليها الاتّفاق مما لا تحصى كثرة.

стр. 6411

الضرب الثاني (مما يلزم الكاتب في كتابة الهدنة- تحرير أوضاعها، وترتيب قوانينها، وإحكام معاقدها) وذلك باعتماد أمور: منها- أن يكتب الهدنة فيما يناسب الملك الذي تجري الهدنة بينه وبين ملكه؛ ولم أرمن تعرّض في الهدن لمقدار قطع الورق، وإن كثرت كتابتها في الزّمن المتقدّم بين ملوك الديار المصرية وبين ملوك الفرنج، كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. والذي ينبغي أن يراعى في ذلك مقدار قطع الورق الذي يكاتب فيه الملك الذي تقع الهدنة معه: من قطع العادة أو الثّلث أو النّصف. ومنها- أن يأتي في ابتدائها ببراعة الاستهلال: إما بذكر تحسين موقع الصّلح والنّدب إليه ويمن عاقبته، أو بذكر السلطان الذي تصدر عنه الهدنة، أو السّلطانين المتهادنين، أو الأمر الذي ترتّب عليه الصّلح، وما يجري هذا المجرى مما يقتضيه الحال ويستوجبه المقام. ومنها- أن يأتي بعد التّصدير بمقدّمة يذكر فيها السّبب الذي أوجب الهدنة ودعا إلى قبول الموادعة. فإن كانت الهدنة مع أهل الكفر، احتجّ للإجابة إليها بالائتمار بأمر القرآن والانقياد إليه، حيث أمر الله رسوله ﷺ بالمطاوعة على الصّلح والإجابة إلى السّلم بقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ «١» ، وما وردت به السّنّة، من مصالحته ﷺ قريشا عام الحديبية، وذكر ما سنح له من آيات الصّلح وأحاديثه، وما جرى عليه الخلفاء الراشدون من بعده، وكفّهم عن القتال وقوفا عند ما حدّ لهم، وأنّه لولا ذلك لشرعوا الأسنّة

стр. 6412

إلى مخالفيهم في الدّين، وركضوا الجياد إلى جهاد من يليهم من الملحدين. وإن كان الصّلح بين مسلمين احتجّ بنحو قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما «١» ، وبأحاديث التّحذير من تقاتل المسلمين كقوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النّار» وما يجري هذا المجرى. ومنها- أن يراعي المقام في تبجيل المتهادنين أو أحدهما بحسب ما يقتضيه الحال، ووصف كلّ واحد منهما بما يليق به: من التعظيم، أو التّوسّط، أو انحطاط الرّتبة بحسب المقام، ويجري على حسب ذلك في الشدّة واللين. فإن كانت الهدنة بين متكافئين سوّى بينهما في التعظيم، وجرى بهما في الشّدّة واللّين على حدّ واحد، إلا أن يكون أحدهما أسنّ من الآخر، فيراعي للأسنّ ما يجب له على الحدث من التّأدّب معه، ويراعي للحدث ما يجب له على الكبير من الحنوّ والشّفقة. وإن كانت الهدنة من قويّ لضعيف، أخذ في الاشتداد، آتيا بما يدلّ على علوّ الكلمة، وانبساط القدرة، وحصول النّصرة، واستكمال العدد، وظهور الأيد، ووفور الجند، وقصور الملوك عن المطاولة، وعجزهم عن المحاولة، ونحو ذلك مما ينخرط في هذا السّلك، لا سيّما إذا كان القويّ مسلما والضعيف كافرا، فإنه يجب الازدياد من ذلك، وذكر ما للإسلام من العزّة، وما توالى له من النّصرة، وذكر الوقائع التي كانت فيها نصرة المسلمين على الكفّار في المواطن المشهورة، والأماكن المعروفة، وما في معنى ذلك. وإن كانت الهدنة من ضعيف لقويّ، أخذ في الملاينة بحسب ما يقتضيه الحال، مع إظهار الجلادة، وتماسك القوّة، خصوصا إذا كان القويّ

стр. 6413

المعقود معه الهدنة كافرا. وإن شرط له مالا عند ضعف المسلمين للضرّورة أتى في كلامه بما يقتضي أنّ ذلك رغبة في الصّلح المأمور به، لا عن خور طباع وضعف قوّة؛ إذ الله تعالى يقول: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ «١» . ومنها- أن يتحفظ من سقط يدخل على الشريعة نقيصة، إن كانت المهادنة مع أهل الكفر، أو يجرّ إلى سلطانه وهيصة «٢» ، إن كانت بين مسلمين؛ ويتحذّر كلّ الحذر من خلل يتطرّق إليه: من إهمال شيء من الشروط، أو ذكر شرط فيه خلل على الإسلام أو ضرر على السلطان، أو ذكر لفظ مشترك أو معنى ملتبس يوقع شبهة توجب السبيل إلى التأوّل، وأن يأخذ المأخذ الواضح الذي لا تتوجّه عليه معارضة، ولا تتطرّق إليه مناقضة، ولا يدخله تأويل. ومنها- أن يبيّن أن الهدنة وقعت بعد استخارة الله تعالى وتروية النّظر في ذلك وظهور الخير فيه، ومشاورة ذوي الرّأي وأهل الحجى، وموافقتهم على ذلك. ومنها- أن يبيّن مدّة الهدنة. فقد تقدّم أن الصّحيح من مذهب الشافعي أنه إذا لم تبيّن المدّة في مهادنة أهل الكفر فسدت الهدنة. قال في «التعريف» : وقد جرت العادة أن يحسبوها مدّة سنين شمسيّة فيحرّر حسابها بالقمريّة. ويذكر سنين وأشهرا وأيّاما وساعات حتّى يستوفي السنين الشّمسية المهادن عليها. أما في عقد الصّلح بين مسلمين فإنه لا يشترط ذلك، بل ربّما قالوا: إن ذلك صار لازما للأبد، حتّى في الولد وولد الولد.

стр. 6414

ومنها- أن يبيّن أن الهدنة وقعت بين الملكين أنفسهما، أو بين نائبيهما، أو بين أحدهما ونائب الآخر، ويستوفي ما يجب لكلّ قسم منها. فإن كانت بين الملكين أنفسهما بغير واسطة بين ذلك، ذكر ما أخذ عليهما من العهود والمواثيق، والأيمان الصادرة من كلّ منهما، وذكر ما وقع من الإشهاد بذلك عليهما، وما جرى من ثبوت حكمه إن جرى فيه ثبوت ونحو ذلك. وإن كانت بين المكتوب عنه ونائب الآخر، بيّن ذلك، وتعرّض إلى المستند في ذلك: من حضور كتاب من الملك الغائب، بتفويض الأمر في ذلك إلى نائبه، وأنه وصل على يده أو يد غيره، والإشارة إلى أنّه معنون بعنوانه، مختوم بختمه المتعارف عنه أو وكالة عنه. ويتعرّض إلى قيام البيّنة بها وثبوتها بمجلس الحكم ونحو ذلك من المستندات. وإن كانت بين نائبين، بيّن ذلك وذكر مستند كلّ نائب منهما على ما تقدّم ذكره. ويتعرّض إلى أن النائب في ذلك قام فيه باختياره وطواعيته، لا عن إكراه ولا إجبار، ولا قسر ولا غلبة، بل لما رأى لنفسه ولمستنيبه في ذلك من المصلحة والحظّ، وأنّ كتاب الهدنة قريء عليه وبيّن له فصلا فصلا، وترجم له بموثوق به، إن كان لا يعرف العربيّة ونحو ذلك. ومنها- أن يتعرّض إلى ما يجري من التّحليف في آخرها: على الوفاء، وعدم النّكث والإخلال بشيء من الشروط، أو الخروج عن شيء من الالتزامات، أو محاولة التأويل في شيء من ذلك، أو السّعي في نقضه أو في شيء منه، وما في معنى ذلك: فإن كانت بين ملكين، تعرّض إلى تحليف كلّ منهما على التّوفية بذلك. وإن كانت بين أحدهما ونائب الآخر، حلّف الملك كما تقدّم؛ وستأتي

стр. 6415

صورة الحلف الذي يقع في الهدن في الكلام على الأيمان «١» فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ومنها- أن يحرّر أمر التّاريخ بالعربيّ وما يؤرّخ به في مملكة الملك المهادن: من السّريانيّ والرّوميّ وغيرهما. قال في «التعريف» : ولهم عادة أن يحسبوها مدّة سنين شمسيّة فيحرّر حسابها بالقمريّة، ويذكر سنين وأشهرا وأيّاما وساعات حتّى يستكمل السنين الشمسية المهادن عليها. وقد تقدّم في الكلام على التّاريخ من المقالة الثالثة كيفية معرفة التواريخ واستخراجها. ومنها- أن يقع الإشهاد على كلّ من المتعاقدين بذلك، ولا بأس بإثبات ذلك. وقد جرت العادة أنه يشهد على كلّ ملك جماعة من أهل دولته ليقضى على ملكهم بقولهم وإن كان مخالفا في الدّين. وقد ثبت في الصّحيح أن النبيّ ﷺ «أشهد على مصالحته مع قريش رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين» . وربّما طلب النائب عن الملك الغائب إحضار نسخة مهادنة من جهة مستنيبه على ما وقع به العقد، مشمولة بخطّ الكتّاب، مشهودا عليه فيها بأهل مملكته، أو تجهّز إليه نسخة يكتب عليها خطّه، ويشهد عليه فيها أهل مملكته. والغالب الاكتفاء بالرّسل في ذلك.

стр. 6416

الفصل الثاني في صورة ما يكتب في المهادنات والسّجلّات «١» ، ومذاهب الكتّاب في ذلك؛ وفيه طرفان. الطرف الأوّل (فيما يستبدّ ملوك الإسلام فيه بالكتابة عنهم- وتخلّد منه نسخ بالأبواب السلطانية، وتدفع منه نسخ إلى ملوك الكفر) ثم ما يكتب في ذلك على نمطين: النّمط الأوّل (ما يكتب في طرّة الهدنة من أعلى الدّرج) وقد جرت العادة أن يفتتح بلفظ «هذا» أو لفظ «هذه» وما في معنى ذلك، مثل أن يكتب: «هذا عقد صلح» أو «هذا كتاب هدنة» أو «هذه موادعة» أو «هذه مواصفة» وما أشبه ذلك. وربّما حذف المبتدأ وهو «هذا» واكتفي بالخبر عنه، مثل أن يقال: «كتاب هدنة» أو «كتاب موادعة» أو «عقد مصالحة» وما أشبه ذلك.

стр. 6417

وهذه نسخة بعقد صلح أنشأتها لينسج على منوالها؛ وهي: هذا عقد صلح انتظمت به عقود المصالح، وانتسقت بواسطته سبل المناجح، وتحدّث بحسن مقدّمته الغادي وترنّم بيمن نتيجته الرّائح- عاقد عليه السلطان فلان فلانا القائم في عقد هذا الصّلح عن مرسله فلان، حسب ما فوّض إليه الأمر في ذلك في كتابه الواصل على يده، المؤرّخ بكذا وكذا، المعنون بعنوانه، المختوم بطابعه المتعارف عنه- على أن يكون الأمر كذا وكذا. ويشرح ملخّص ما يقع من الشروط التي يقع عليها الاتفاق بينهما في الصّلح إلى آخرها؛ ثم يقال: على ما شرح فيه. النّمط الثاني (ما يكتب في متن الهدنة، وهو على نوعين) النوع الأوّل (ما تكون الهدنة فيه من جانب واحد) بأن يكون الملكان متكافئين، [فيتعاقدان إما على حصن] «١» وإما على مال يعطيه الملك المعقودة له الهدنة لعاقدها، كما كان يكتب عن صاحب الديار المصرية. وللكتّاب فيه مذهبان: المذهب الأوّل (أن تفتتح الهدنة بلفظ: «هذا ما هادن عليه» أو «هذه هدنة أو موادعة أو مواصفة أو سلّم أو صلح» أو نحو ذلك، على نحو ما تقدّم في الكلام على الطرّة) وعلى ذلك كتب كتاب القضيّة بين النبيّ ﷺ وبين قريش عام

стр. 6418

الحديبية، على ما تقدّم ذكره في الكلام على أصل مشروعيّتها. وهذه نسخة هدنة كتب بها عن سلطان قويّ، لملك مضعوف، باشتراط مال يقوم به المضعوف للقويّ في كلّ سنة أو حصون يسلّمها له أو نحو ذلك؛ وهي: هذا ما هادن عليه، وأجّل إليه، مولانا السلطان فلان- خلّد الله سلطانه وشرّف به زمانه- الملك فلانا الفلانيّ: هادنه حين تردّدت إليه رسله، وتوالت عليه كتبه، وأمّله، ليمهله، وسأله، ليكفّ عنه أسله، حين أبت صفاحه أن تصفح، وسماء عجاجه بالدّماء إلا أن تسفح؛ فرأى- سدّد الله آراءه- أن الصّلح أصلح، وأن معاملة الله أربح، وهادن هذا الملك (ويسميه) على نفسه وأهله، وولده ونسله، وجميع بلاده، وكلّ طارفه وتلاده، وماله من ملك ومال، وجهات وأعمال، وعسكر وجنود، وجموع وحشود، ورعايا في مملكته من المقيم والطّاريء، والسّائر بها والساري- هدنة مدّتها أوّل تاريخ هذه الساعة الراهنة وما يتلوها، مدّة كذا وكذا من سنين وأشهر وساعات، يحمل فيها هذا الملك فلان إلى بيت مال المسلمين، وإلى تحت يد مولانا السلطان فلان قسيم أمير المؤمنين، في هذه المدّة كذا وكذا- يقوم به هذا الملك من ماله، ومما يتكفّل بجبايته من جزية أهل بلاده وخراج أعماله، على أقساط كذا وكذا- قياما لا يحوج معه إلى تكلّف مطالبة، ولا إلى تناوله بيد مغالبة. على أن يكفّ مولانا السلطان عنه بأس بأسائه، وخيله المطلّة عليه في صباحه ومسائه، ويضمّ عن بلاده أطراف جنوده وعساكره وأتباعهم، ويؤمّنه من بطائهم وسراعهم، ويمنع عن بلاد هذا الملك المتاخمة لبلاده، والمزاحمة لدوافق أمداده، ويردّ عنها وعمّن جاورها من بقيّة ما في مملكته، وهي كذا وكذا أيدي النّهب، ويكفّ الغارات ويمنع الأذى، ويردّ من نزح من رعايا هذا الملك إليه، ما لم يدخل في دين الإسلام ويشهد الشّهادتين،

стр. 6419

ويقرّ بالكلمتين المعتادتين، ويؤمّن جلّابة هذا الملك وتجّاره المتردّدين من بلاده إلى بلاد الإسلام في عوارض الأشغال، ولا يحصل عليهم ضرر في نفس ولا مال؛ وإن أخذت المتجرّمة منهم مالا أو قتلت أحدا، أمر بإنصافهم من ذلك المتجرّم، وأن يؤخذ بحقّهم من ذلك المجرم. وعليه مثل ذلك فيمن يدخل إليه من بلاد الإسلام، وأن لا يفسح لنفسه ولا لأحد من جميع أهل بلاده في إيواء مسلم متنصّر، ولا يرخّص لذي عمّى منهم ولا متبصّر. وأنه كلما وردت إليه كتب مولانا السّلطان فلان أو كتب نوّابه، أو أحد [من المتعلّقين] «١» بأسبابه، يسارع إلى امتثاله والعمل به في وقته الحاضر ولا يؤخّره ولا يمهله، ولا يطرحه ولا يهمله. وعليه أن لا يكون عينا للكفّار، على بلاد الإسلام وإن دنت به أو بعدت الدّار، ولا يواطيء على مولانا السّلطان فلان أعداءه [وأوّلهم التّتار] «٢» ، وأن يلتزم ما يلزمه من المسكة بالمسكنة، ويفعل ما تسكت عنه به الأسنّة وما أشبهها من الألسنة، وعليه أن ينهي ما يتجدّد عنده من أخبار الأعداء ولو كانوا أهل ملّته، وينبّه على سوء مقاصدهم، ويعرّف ما يهمّ سماعه من أحوال ما هم عليه. هذه هدنة تمّ عليها الصّلح إلى منتهى الأجل المعيّن فيه ما استمسك بشروطها، وقام بحقوقها، ووقف عند [حدّها الملتزم به] «٣» ، وصرف إليها عنان اجتهاده وبنى عليها قواعد وفائه، وصان من التكدير فيها سرائر صفائه، سأل هو في هذه الهدنة المقرّرة، وأجابه مولانا السلطان إليها على شروطها المحرّرة، وشهد به الحضور بالمملكتين وتضمّنته هذه الهدنة المسطّرة؛ وبالله التوفيق. قلت: الظاهر أنه كان يكتب بهذه النّسخة عن صاحب الديار المصرية

стр. 6420

والممالك الشامية، لمتملّك سيس «١» ؛ فإنّ في خلال كلام المقرّ الشّهابيّ بعد قوله: ولا يواطيء على مولانا السلطان فلان أعداءه: «وأوّلهم التّتار» ، وقد تقدّم في الكلام على الممالك أن متملك سيس كان يماليء التّتار ويميل إليهم، ويساعدهم في حرب المسلمين ويكثّر في سوادهم. وعلى مثل ذلك يكتب لكلّ ملك مضعوف في مهادنة الملك القويّ له. وهذه نسخة هدنة من هذا النّمط، كتب بها أبو إسحاق الصّابي، عن صمصام الدّولة، بن عضد الدّولة، بن ركن الدّولة، بن بويه الدّيلميّ؛ بأمر أمير المؤمنين الطّائع لله، الخليفة العبّاسيّ ببغداد يومئذ، لوردس «٢» المعروف بسفلاروس ملك الرّوم، حين حيل بينه وبين بلاده، والتمس أن يفرج له طريقه إلى بلاده، على شروط التزمها، وحصون يسلّمها، على ما سيأتي ذكره، وهي: هذا كتاب من صمصام الدّولة، وشمس الملّة، أبي كاليجار، بن عضد الدّولة وتاج الملّة أبي شجاع، بن ركن الدّولة أبي عليّ، مولى أمير المؤمنين، كتبه لوردس بن بينير المعروف بسفلاروس ملك الروم.

стр. 6421

إنك سألت بسفارة أخينا وعدّتنا، وصاحب جيشنا (أبي حرب ربار بن شهر اكويه) تأمّل حالك في تطاول حبسك، واعتياقك عن مراجعة بلدك، وبذلت- متى أفرج عنك، وخلّي طريقك، وأذن لك في الخروج إلى وطنك، والعود إلى مقرّ سلطانك- أن تكون لوليّنا وليّا، ولعدوّنا عدوّا، ولسلمنا سلما، ولحربنا حربا: من جميع الناس كلّهم، على اختلاف أحوالهم وأديانهم، وأجناسهم وأجيالهم، ومقارّهم وأوطانهم؛ فلا تصالح لنا ضدّا مباينا، ولا تواطيء علينا عدوّا مخالفا، وأن تكفّ عن تطرّق الثغور والأعمال التي في أيدينا وأيدي الدّاخلين في طاعتنا: فلا تجهّز إليها جيشا، ولا تحاول لها غزوا، ولا تبدأ أهلها بمنازعة، ولا تشرع لهم في مقارعة، ولا تتناولهم بمكيدة ظاهرة ولا باطنة، ولا تقابلهم بأذيّة جليّة ولا خفيّة، ولا تطلق لأحد ممن ينوب عنك في قيادة جيوشك، ومن ينسب إلى جملتك، ويتصرّف على إرادتك- الاجتراء على شيء من ذلك على الوجوه والأسباب كلّها، وأن تفرج عن جميع المسلمين وأهل ذمّتهم الحاصلين في محابس الرّوم، ممّن أحاطت بعنقه ربقة الأسر، واشتملت عليه قبضة الحصر والقسر، في قديم الأيّام وحديثها، وبعيد الأوقات وقريبها، المقيمين على أديانهم، والمختارين للعود إلى أوطانهم؛ وتنهضهم بما ينهض به أمثالهم، وتمكّنهم من البروز والمسير بنفوسهم وحرمهم وأولادهم وعيالاتهم وأتباعهم، وأصناف أموالهم، موفورين مضمونين، متبذرقين «١» محروسين، غير ممنوعين، ولا معوّقين، ولا مطالبين بمؤونة ولا كلفة صغيرة ولا كبيرة. وأن تسلّم تتمّة سبعة من الحصون، وهي: حصن أرحكاه المعروف بحصن الهندرس، وحصن السناسنة، وحصن حويب، وحصن أكل، وحصن أنديب، وحصن حالي، وحصن تل حرم، برساتيقها ومزارعها إلى من نكاتبك

стр. 6422

بتسليمها إليه، مع من بها من طبقات أهلها أجمعين، المختارين لسكناها والاستقرار فيها، بحرمهم وأولادهم وأسبابهم ومواشيهم وأصناف أموالهم وغلّاتهم وأزوادهم وسلاحهم وآلاتهم، ليكون جميعها حاصلا في أيدينا وأيدي المسلمين، على غابر الأيام والسّنين، من غير أن تلتمس عنها أو عن شيء منها مالا، ولا بدلا، ولا عوضا من الأعواض كلّها. وعلى أنك تمضي ما عقدته على نفسك من ذلك كلّه بابا بابا، وتفي به أوّلا أوّلا، منذ وقت وصولك إلى أوائل أعمالك، وإلى غاية استيلائك عليها، ونفاذ أمرك فيها، ولا ترجع عن ذلك ولا عن بعضه، ولا تؤخّر شيئا من الوقت الذي تقدر فيه عليه، ولا ترخّص لنفسك في تجاوز له ولا عدول عنه. ومتى سعت طائفة من الطّوائف التي تنسب إلى الروم والأرمن وغيرهم في أمر يخالف شرائط هذا الكتاب، كان عليك منعهم من ذلك إن كانوا من أهل الطاعة والقبول منك، أو مجاهدتهم وممانعتهم إن كانوا من أهل العنود عنك، والخلاف عليهم حتّى تصرفهم عما يرومونه، وتحول بينهم وبين ما يحاولونه، بمشيئة الله وإذنه، وتوفيقه وعونه. واشترطت علينا بعد الذي شرطته لنا من ذلك التّخلية عن طريقك وطريق من تضمّنته جملتك، واشتملت عليه رفقتك: من طبقات الأصحاب والأتباع، في جميع أعمالنا حتّى تنفذ عنها إلى ما وراءها، غير معوّق، ولا معتقل، ولا مؤذى، ولا معارض، ولا مطالب بمؤونة ولا كلفة، ولا ممنوع من ابتياع زاد ولا آلة، ولا نؤثر عليك أحدا ناوأك في أعمالك، ونازعك سلطان بلادك، ودافعك عنه وناصبك العداوة فيه: ممّن ينتسب إلى الرّوم والأرمن والخزرية وسائر الأمم المضادّة لك، ولا نوقّع معه صلحا عليك، ولا موافقة على ما يعود بثلمك أو قدح في أمرك، ولا نقبل سؤال سائل، ولا بذل باذل، ولا رسالة مراسل فيما خالف شرائط هذا الكتاب أو عاد بإعلاله، أو إعلال وثيقة من وثائقه.

стр. 6423

ومتى وفد إلينا رسول من جهة أحد من أضدادك، راغبا إلينا في شيء يخالف ما انعقد بيننا وبينك- امتنعنا من إجابته إلى ملتمسه، ورددناه خائبا خاليا من طلبته. وإذا سلّمت الحصون المقدّم ذكرها إلى من نكاتبك بالتّسليم إليه، كان لك علينا أن نقرّ من فيها وفي رساتيقها على نعمهم ومنازلهم وضياعهم وأملاكهم، وأن لا نزيلهم عنها ولا عن شيء منها، ولا نحول بينهم وبين ما تحويه أيديهم من جميع أموالهم، وأن نجريهم في المعاملات والجبايات على رسومهم الجارية الماضية التي عوملوا عليها، على مرّ السنين، وإلى الوقت الذي يقع فيه التّسليم، من غير فسخ ولا تغيير ولا نقض ولا تبديل. فأنهينا إلى مولانا أمير المؤمنين الطائع لله ما سألت والتمست، وضمنت وشرطت واشترطت من ذلك كله، واستأذنّاه في قبوله منك، وإيقاع المعاهدة عليه معك؛ فأذن- أدام الله تمكينه- لنا فيه، وأمرنا بأن نحكمه ونمضيه، لما فيه من انتظام الأمور، وحياطة الثّغور، وصلاح المسلمين، والتّنفيس عن المأسورين. فأمضيناه على شرائط، وتراضينا جميعا به، وعاقدناك عليه، وحلفت لنا باليمين المؤكّدة التي يحلف أهل شريعتك بها، ويتحرّجون من الحنث فيها على الوفاء به، وأشهدنا على نفوسنا، وأشهدت على نفسك الله جلّ ثناؤه، وملائكته المقرّبين، وأنبياءه المرسلين، وأخانا وعدّتنا أبا حرب ربار بن شهر اكويه مولى أمير المؤمنين، ومن حضر المجلس الذي جرى فيه ذلك، باستقرار جميعه بيننا وبينك، ولزومه لنا ولك. ثم حضر بعد تمام هذه الموافقة واستمرارها، وثبوتها واستقرارها، قسطنطين بن بينير أخو وردس بن بينير، وأرمانوس بن وردس بن بينير، فوقّعا على هذا الكتاب، وأحاطا به علما، واستوعباه معرفة، وشهدا على وردس ابن بينير ملك الرّوم بإقراره به، والتزامه إياه. ثم تبرّع كلّ واحد منهما بأن

стр. 6424

أوجب على نفسه التّمسّك به والمقام عليه متى قام وردس بن بينير فيما هو موسوم به من ملك الرّوم، وجعل جميع الشرائط الثابتة في هذا الكتاب المعقود بعضها ببعض أمانة في ذمّته، وطوقا في عنقه، وعهدا يسأل عنه، وحقّا يطالب في الدّنيا والآخرة به؛ وصار هذا العقد جامعا لهم ولنا، ولأولادنا وأولادهم، وعقبنا وعقبهم، ما عشنا وعاشوا، يلزمنا وإيّاهم الوفاء بما فيه علينا وعليهم، ولنا ولهم، على مرور اللّيالي والأيام، واختلاف الأدوار والأعوام. أمضى وأنفذ صمصام الدّولة وشمس الملّة أبو كاليجار ذلك كلّه على شرائطه وحدوده، والتزمه وردس بن بينير المعروف بسفلاروس ملك الرّوم، وأخوه قسطنطين، وابنه أرمانوس بن وردس بن بينير، وضمنوا الوفاء به، وأشهدوا كلّ واحد منهم على نفوسهم بالرّضا به، طائعين غير مكرهين ولا مجبرين، ولا علّة بهم من مرض ولا غيره، بعد أن قرأه عليهم، وفسّره لهم وخاطبهم باللغة الرّومية من وثق به، وفهموا عنه، وفقهوا معنى لفظه، وأحاطوا علما ومعرفة به، بعد أن ملكوا نفوسهم، وتصرّفوا على اختيارهم، وتمكّنوا من إيثارهم، ورأوا أن في ذلك حظّا لهم، وصلاحا لشأنهم، وذلك في شعبان سنة ست وسبعين وثلاثمائة. وقد كتب هذا الكتاب على ثلاث نسخ متساويات، خلّدت اثنتان منها بدواوين مدينة السّلام، وسلمت الثالثة إلى وردس بن بينير ملك الرّوم وأخيه وابنه المذكورين معه فيه. وهذه نسخة هدنة من ملك مضعوف لملك قويّ، كتب بها الفقيه أبو عبد الله بن ... «١» ... أحد كتّاب الأندلس، عن بعض ملوك الأندلس من المسلمين، من أتباع «المهديّ بن تومرت» القائم بدعوة الموحّدين، مع «دون

стр. 6425

فرّانده» «١» صاحب قشتالة من ملوك الفرنج بعقد الصّلح على مرسية من بلاد الأندلس، وهي: هذا عقدنا بعد استخارة الله تعالى واسترشاده، واستعانته واستنجاده، نيابة عن الإمارة العليّة بحكم استنادنا إلى أوامرها العالية، وآرائها الهادية، عقدناه- والله الموفّق- لقشتالة مع فلان النائب في عقده معنا عن مرسله إلينا، الملك الأجلّ الأسنى المبجّل «دون فرّانده» ملك قشتالة، وطليطلة، وقرطبة، وليون، وبلنسية- أدام الله كرامته وميزته بتقواه- حين وصلنا من قبله كتاب مختوم بطابعه المعلوم له والمتعارف عنه، تفويضا منه إليه، في كل ما يعقد له وعليه، وعاقدنا على أن يكون السّلم بيننا وبين مرسله المذكور لعامين اثنين، أوّلهما شهر المحرّم الذي هو أوّل سنة تاريخ هذا الكتاب، الموافق من الأشهر العجميّة شهر كذا، على جميع ما تحت نظرنا الآن من البلاد الراجعة إلى الدّعوة المهديّة- أسماها الله تعالى- حواضرها وثغورها، مواسطها وأطرافها، من جزيرة شقر «٢» إلى بيرة «٣» والمنصورة «٤» وما يليها-

стр. 6426

حرس الله جميعها- سلما محافظا عليها من الجهتين، محفوظا عهدها عند أهل الملّتين، لا غدر فيها، ولا إخلال في معنى من معانيها، ولا تشنّ في مدنها غارة، ولا تذعر سيّارة؛ ومهما وقع إغوار، أو حدث إقدار، على جهة المجاهرة، إذا اتّصلت والمساترة؛ فإن كان من جهة النصارى، فعلى ملك قشتالة تسريح الأسارى، وردّ الغنائم والنّهب، والإنصاف من الغنيمة إن عدمت العين، وأعوز الطّلب، وعلينا مثل ذلك سواء، ليقابل بالوفاء؛ هذا بعد أن يتّبع الأمر ويعلم من أين كان. ومن هذه المهادنة أن لا يتسبّب إلى الحصون بالغدر ولا بالشّرّ، ولا يتجاوز النصارى حدود بلادهم وأرضهم بشيء من البناء، ولا يصل من بلد قشتالة مدد لمخالفنا، ولا معونة لمفاتننا. وكل ما يرجع إلى هذه الدّعوة، ويدخل في الطّاعة من البلاد بعد هذا العقد فداخل في السّلم، بزيادة نسبته من المال الذي هو شرط في صحّة هذا الحكم، وإذا بقي من مدّة هذه المسالمة شهران اثنان، فعلى ملك قشتالة أن يعلمنا بغرضه في المهادنة أو سواها، إعلاما من مذاهب الوفاء أوفاها. وقد التزم رسول المذكور لنا هذه الشّروط، وأحكم معنا- نيابة عنه فيها- العقود والرّبوط، على كلّ ما ذكرناه. والتزمنا في هذا السلم لملك قشتالة المذكورة- مكافأة عن وفاء عهده، وصحّة عقده- مائة ألف دينار واحدة، وأربعين ألف دينار في كلّ عام من عامي هذا الصّلح المقدّم الوصف، مقسّما ذلك على ثلاثة أنجم في العام، ليتقاضاها ثقاته، ويوفّى عينها على التمام والكمال، قبض منها كذا ليوصّلها إلى مرسله، والتزم له تخليص باقي كذا عند انقضاء كذا على أوفى وجه وأكمله؛ فإن وفّي له بذلك بعد الأربعين

стр. 6427

يوما المؤقّتة، فالسّلم باقية وحكمها ثابت، وإلا فالسّلم مفسوخة ولا حكم لها إن عجز عن الوفاء له، بحصول ما بقي من الشّروط في استصحاب الحكم واتّصال العمل، إن شاء الله تعالى. وعلى ما تضمّنه هذا الكتاب أمضى فلان- أعزّه الله- بحكم النيابة، عن الأمر العالي- أسماه الله- هذا العقد الصّلحيّ، وأشهد بما فيه على نفسه وحضره (المعسل طور) «١» المذكور، فترجم له الكتاب وبيّنت له معانيه، وقرّر على مضامينه، فالتزم ذلك كلّه عن مرسله ملك قشتالة حسب ما فوّض إليه فيه، وأشهد بذلك على نفسه، في صحّته وجواز أمره في كذا؛ والله الموفّق لما يرضاه، ومقدّم الخير والخيرة فيما قضاه، بمنّه والسّلام. المذهب الثاني (أن تفتتح المهادنة قبل لفظ «هذا» ببعديّة) وهذه نسخة هدنة بين ملكين متكافئين دون تقرير شيء من الجانبين، كتب بها الفقيه المحدّث أبو الرّبيع بن سالم «٢» من كتّاب الأندلس، في عقد صلح على بلنسية وغيرها من شرق الأندلس؛ وهي: وبعد، فهذا كتاب موادعة أمضى عقدها والتزمه، وأبرم عهدها وتممه، فلان لملك أرغون، وقومط برجلونة «٣» ، (ويرنسب مقت بشلى، حافظة) «٤» بن

стр. 6428

بطرة «١» ، بن أدفونش «٢» ، بن ريموند، أدام الله كرامته بتقواه له خاتما وعنوانا، المعهود صدوره في أمثالها من المراوضات الصّلحيّة تضرّعا وإعلانا، متضمّنا من الإحالة في عقد المسالمة عليه، والتّفويض في إبرام أسبابها والتزام فصولها وأبوابها إليه، ما أوجب صحيح النّظر، وصريح الرّأي المعتبر، مقاربة فيه، وموافقة منه على ما يحفظ حقّ المسلمين ويوفّيه، جنوحا منه إلى ما جنح إليه من ذلك متقاضيه، وتحرّيا للعمل على شاكلة الصّواب والإيثار لما يقتضيه، بعد محاولات بلغ منها النّظر غايته من الاجتهاد، وإراغات قرن بها من استخارة الله تعالى واستنجاده ما رضي فيه من فضله العميم معهود التّسديد والإنجاد، فأجلى ذلك عن إمضاء عهد السّلم لملك ارغون «٣» على بلنسية وكافّة جهاتها أطرافا ومواسط، وثغورا وبسائط، وكذلك شاطبة ودانية، وما ينتظم معهما من أحوازهما ويرجع إلى حكم بلنسية، وحالها من الجهة النّائية والدانية، لمدّة عامين اثنين، ويحقّق عدده، أن نفتتحه، بيوم الأحد الرابع والعشرين لشهر نوبر «٤» ، الموافق لعاشر ذي القعدة المؤرّخ به

стр. 6429

هذا الكتاب، الذي هو من عام أحد وعشرين وستّمائة بتاريخ الهجرة- مسالمة تضع بها الحرب بين الجانبين أوزارها، وتمهّد للهدنة بين الطائفتين آثارها، وترفع (اللبنة) «١» عمن ذكر من الملّتين أذيّتها وأضرارها، البرّ والبحر في ذلك سيّان، والمساترة فيها بالأذى والمجاهرة ممنوعان، وحقيقة اللّازم من ذلك غنيّ ببيانه ووضوحه عن الإيضاح والتّبيان؛ لا التباس ولا إشكال، ولا غائلة ولا احتيال؛ ليس إلّا الأمن الكافل لكافّة من تشتمل عليه كافّة المواضع المذكورة من المسلمين، ومن تحويه بلاد ملك أرغون من الطّوائف أجمعين. وكلّ منتم إلى خدمة هذه المملكة الأرغونيّة بما كان من وجوه الانتماء، أو ناظر في جزء منها كائنا ما كان من الأجزاء، فهو في هذا الحكم داخل، وتحت هذا الرّبط الصّلحيّ واصل، ولا حجّة لمن كان له منهم حصن ينفرد به عن هذه المملكة، على ما لهم في ذلك من العوائد المتعارفة. فإن نقض بجزء منه وذهب إلى أن يكون في حصنه منفردا فهو وما اختار، إذا تنكّب الإضرار؛ فإن رام التّطرّق بشيء إلى أحد الجانبين كان على المسلمين وعلى أهل أرغون التظافر على استنزاله، والتظاهر على قتاله، حتّى يكفّوا ضرره، ويعفّوا أثره. والحدود الفاصلة بين الجزأين هي أوساط المسافات، على ما عرف من متقدّم المسالمات، ويد كلّ فريق منهم مطلقة فيما وراء حدّه بما شاء، من انتشاء برسم الإصلاح والإنشاء؛ وكلّ من قصد المسلمين من رجال المملكة الأرغونيّة بريئا من تبعة الفساد فقبول قصده مباح، وليس في استخدامه والإحسان إليه جناح؛ والطريق للتّجّار المعهود وصولهم من بلاد أرغون إلى بلنسية في البرّ والبحر مباحة الانتياب، محفوفة بالأمنة التامّة في الجيئة والذّهاب؛ على تجّار البحر منهم أن يتجنّبوا ركوب الأجفان «٢» الحربيّة التي

стр. 6430

يمكن بها الإضرار، ويستغني عن [ركوبها] «١» التّجّار؛ والاسترهاب مرفوع عن هؤلاء الواصلين برسم التّجارة على اختلافهم، وتباين أصنافهم، فيما لم تجنه أيديهم، ولا كان منسوبا إلى تعدّيهم، وكلّ معتقل من الطائفتين بأدنى شيء يطرّق إلى حكم هذه السّلم خلافا، أو يلحق بعهدها إخلافا، فعلى أهل موضعه الإنصاف ممن جناه، وصرف ما سلبته يداه، وإحضاره مع ذلك ليعاقب بما أتاه. وليس لأحد من الطائفتين أن يتسبّب باسترسال، إلى الإنصاف من جناية حال، بل يقوم بدفع ذلك حيث يحبّ، ويطلبه في الموضع الذي ينبغي فيه الطّلب، حتّى يخاطب الناظر على المملكة التي نسبت إليها هذه الإذاية، وصدرت عن أهلها [تلك] «٢» الجناية، بطلب الإنصاف من عدوانها، وتعاد عليه الأعذار في شانها، وعليه- ولا بدّ- التّخليص منها عملا بالوفاء الذي يجب العمل به، وقياما بحقّ العهد الذي أكّد الاعتلاق بسببه، ومتى غادر مغادر من أحد الملّتين حصنا من حصون الأخرى فله الأمن على الكمال، والرّعي الحافظ للنّفس والمال، حتى يلحق بمأمنه، ويعود سالما إلى وطنه. فعلى هذه الشروط المحقّقة، والرّبوط الموثّقة، انعقد هذا السّلم، وعلى من ذكر من المسلمين وأهل أرغون الحكم؛ وهذا الكتاب ينطق في ذلك بالحقّ اللازم للطائفتين، ويعرب عن حقيقة ما انعقد بين من سمّي من أهل الملّتين، والتزم كلّة عن ملك أرغون النائب عنه بتفويضه إليه، واستنابته إيّاه عليه، الزعيم بطره ابن (فدانف بكدريش) «٣» على أتم وجوه الالتزام، وأبرم ذلك ملك أرغون بأوثق علائق الإبرام، وكلّ ذلك بعد أن بيّنت له الفصول المتقدّمة غاية التّبيين وأفهمها حقّ الإفهام، وألزم نفسه مع ذلك وصول كتاب هذا الملك الذي تولّى النّيابة عنه في هذا العقد، مصرّحا

стр. 6431

بالتزامه وإمضائه فيه عمله، وفق ما تضمّنه كتابه الذي أرسله، وأشهد مع ذلك زعماء دولته وكبراء القائمين عليه، تحقيقا لمعناه، وتوثيقا لمبناه، إن شاء الله تعالى. النوع الثاني (من الهدن الواقعة بين ملك مسلم وملك كافر- أن تكون الهدنة من الجانبين جميعا) وفيها للكتّاب ثلاثة مذاهب: المذهب الأوّل (أن تفتتح الهدنة بلفظ: «هذه هدنة» ونحو ذلك) قال في «التعريف» : وسبيل الكتابة فيها أن يكتب بعد البسملة: هذه هدنة استقرّت بين السّلطان فلان والسّلطان فلان، هادن كلّ واحد منهما الآخر على الوفاء عليه، وأجّل له أجلا ينتهي إليه، لما اقتضته المصلحة الجامعة، وحسمت به موادّ الآمال الطّامعة، تأكّدت بينهما أسبابها، وفتحت بهما أبوابها، وعليهما عهد الله على الوفاء بشرطها، والانتهاء إلى أمدها، ومدّ حبل الموادعة إلى آخر مددها، ضربا لها أجلا أوّله ساعة تاريخه وإلى نهاية المدّة، وهي مدّة كذا وكذا؛ على أنّ كلّ واحد منهما يغمد بينه وبين صاحبه سيف الحرب، ويكفّ ما بينهما من السّهام الراشقة، وتعقل الرّماح الخطّارة «١» ، وتقرّ على مرابطها الخيل المغيرة. وبلاد السلطان فلان كذا وكذا، وبلاد السلطان فلان كذا وكذا، وما في بلاد كلّ منهما من الثّغور، والأطراف والمواني والرّساتيق «٢» والجهات والأعمال: برّا وبحرا، وسهلا

стр. 6432

وجبلا، ونائيا ودانيا، ومن فيها: من ملكها المسمّى وبنيه، وأهله وأمواله، وجنده وعساكره وخاصّ من يتعلّق به وسائره، ورعاياه على اختلاف أنواعهم، وعلى انفرادهم واجتماعهم، البادي والحاضر، والمقيم والسّائر، والتّجّار والسّفّارة، وجميع المتردّدين من [سائر] «١» الناس أجمعين. على أن يكون على فلان كذا و [على فلان] «٢» كذا [ويعين ما يعين] «٣» : من مال، أو بلاد، أو مساعدة في حرب، أو غير ذلك، يقوم بذلك لصاحبه، وينهض من حقّه المقرّر بواجبه، وعليهما الوفاء المؤكّد المواثيق، والمحافظة على العهد والتّمسّك بسببه الوثيق- هدنة صحيحة، نطقا بها، وتصادقا عليها، وعلى ما تضمّنته المواصفة [المستوعبة بينهما فيها، وأشهدا الله عليهما بمضمونها، وتواثقا على ديونها، وشهد من حضر مقام كلّ منهما على هذه الهدنة وما تضمّنته من المواصفة] «٤» ، وجرت بينهما على حكم المناصفة، رأيا فيها سكون الجماع، وغضّ طرف الطّماح. وعلى أنّ على كلّ منهما رعاية ما جاوره من البلاد والرّعيّة، وحملهم في قضاياهم على الوجوه الشّرعيّة؛ ومن نزح من إحدى المملكتين إلى الأخرى أعيد، وما أخذ منها باليد الغاصبة استعيد؛ وبهذا تم الإشهاد، وقريء على المسامع على رؤوس الأشهاد. المذهب الثاني (أن تفتتح الهدنة بلفظ: «استقرّت الهدنة بين فلان وفلان» ويقدّم فيه ذكر الملك المسلم) وعلى ذلك كانت الهدن تكتب بين ملوك الدّيار المصرية، وبين ملوك الفرنج، المتغلّبين على بعض البلاد الشامية.

стр. 6433

وهذه نسخة هدنة على هذا النّمط، دون تقرير من الجانبين، كتبت بين الملك الظّاهر «بيبرس البندقداري» صاحب الدّيار المصرية، وبين الاسبتار «١» بحصن الأكراد والمرقب «٢» ، في رابع شهر رمضان سنة خمس وستين وستّمائة؛ وهي: استقرّت الهدنة المباركة الميمونة بين مولانا السلطان الملك الظّاهر ركن الدّين أبي الفتح «بيبرس» الصّالحيّ النّجميّ، وبين المقدّم الكبير الهمام فلان مقدّم بيت الاسبتار الفلانيّ بعكّا، والبلاد السّاحليّة، وبين فلان مقدّم حصن الأكراد، وبين فلان مقدّم حصن المرقب، وجميع الإخوة الاسبتار، لمدّة عشر سنين متوالية وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات: أوّلها يوم الاثنين رابع رمضان سنة خمس وستّين وستّمائة من الهجرة النّبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام، الموافق لليوم الثّلاثين من أيّام «٣» ..... سنة ألف وخمسمائة وتسعة وسبعين للإسكندر «٤» بن فيلبّس اليونانيّ- على أن جميع المملكة الحمصيّة والشّيزريّة «٥» والحمويّة وبلاد الدّعوة المباركة، واقع عليها الاتفاق المبارك، ومستقرّة لها هذه الهدنة الميمونة بجميع حدود هذه الممالك المعروفة، وبلادها الموصوفة، وقراها وضياعها، وسهلها وجبلها، وعامرها وغامرها، ومزروعها ومعطّلها

стр. 6434

وطرقاتها ومياهها، وقلاعها وحصونها- على ما يفصّل في كلّ مملكة، ويشرح في هذه الهدنة المباركة للمدّة المعيّنة إلى آخرها. وعلى أن المستقرّ بمملكة حمص المحروسة أنّ جميع المواضع والقرى والأراضي التي من نهر العاصي، وتغرّب إلى الحدّ المعروف من الغرب لبلد المناصفات: عامرا وداثرا، وبما فيها من الغلّات صيفيّا وشتويّا، والعداد «١» وغيرها من الفوائد جميعها- تقرّر أن يكون النّصف من ذلك للسّلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدّين أبي الفتح «بيبرس» ، والنّصف لبيت الاسبتار. وعلى أن كلّا من الجهتين يجتهد ويحرص في عمارة بلد المناصفات المذكورة بجهده وطاقته، ومن دخل إليها من الفلّاحين بدوابّ، أو من التّركمان، أو من العرب، أو من الأكراد، أو من غيرهم، أو الفناة- كان عليهم العداد كجاري العادة، ويكون النّصف للسلطان، والنّصف لبيت الاسبتار. وعلى أن الملك الظاهر يحمي بلد المناصفات المقدّم ذكرها من جميع عسكره وأتباعه، وممّن هو في حكمه وطاعته، ومن جميع المسلمين الدّاخلين في طاعته كافّة. وكذلك مقدّم بيت الاسبتار وأصحابه يحمون بلاد مولانا السلطان الدّاخلة في هذه الهدنة. وعلى أنّ جميع من يتعدّى نهر العاصي مغرّبا لرعي دوابّه: سواء أقام أو لم يقم، كان عليه العداد سوى قناة «٢» البلد ودوابّه، ومن يخرج من مدينة حمص ويعود إليها، ومن غرّب منهم ومات كان عليه العداد.

стр. 6435

وعلى أن يكون أمر فلّاحي بلد المناصفات في الحبس والإطلاق والجباية راجعا إلى نائب مولانا السلطان، باتّفاق من نائب بيت الاسبتار، على أن يحكم فيه بشريعة الإسلام إن كان مسلما، وان كان نصرانيّا يحكم فيه بمقتضى دولة حصن الأكراد. وأن يكون الفلاحون الساكنون في بلاد المناصفات جميعها مطلقين من السّخر من الجانبين. وعلى أن الملك الظاهر لا يأخذ في بلد المناصفات المذكورة: من تركمان ولا عرب ولا أكراد ولا غيرهم عدادا ولا حقّا من حقوق بلد المناصفات، إلا ويكون النّصف منه للملك الظاهر، والنّصف الآخر لبيت الاسبتار. وعلى أن الملك الظاهر لا يتقدّم بمنع أحد من الفلّاحين المعروفين بسكنى بلاد المناصفات من الرّجوع إليها، والسّكن فيها إذا اختاروا العود، وكذلك بيت الاسبتار لا يمنعون أحدا من الفلّاحين المعروفين بسكنى بلاد المناصفات من الرّجوع إليها والسّكن فيها إذا اختاروا العود. وعلى أن الملك الظاهر لا يمنع أحدا من العربان والتّركمان وغيرهم: ممّن يؤدّي العداد، من الدّخول إلى بلد المناصفات، إلّا أن يكون محاربا لبعض الفرنج الداخلين في هذه الهدنة، فله المنع من ذلك. وأن تكون خشارات الملك الظاهر وخشارات عساكره وغلمانهم وأهل بلده ترعى في بلد المناصفات آمنة من الفرنج والنّصارى كافّة. وكذلك خشارات بيت الاسبتار وخشارات عسكرهم وغلمانهم وأهل بلدهم ترعى آمنة من المسلمين كافّة في بلد المناصفات. وعند خروج الخشارات من المراعي وتسليمها لأصحابها، لا يؤخذ فيها حقّ ولا عداد ولا تعارض من الجهتين. وعلى أن تكون مصيدة السّمك الرّوميّة مهما تحصّل منها، يكون النّصف منه للملك الظاهر والنّصف لبيت الاسبتار، وكذلك المصايد التي في الشّطّ الغربيّ من العاصي يكون النّصف منه للملك الظاهر والنصف لبيت

стр. 6436

الاسبتار، ويكون لبيت الاسبتار في كلّ سنة خمسون دينارا صوريّة عن القشّ، ويكون القشّ جميعه للملك الظاهر يتصرّف نوّابه فيه على حسب اختيارهم، ويكون اللّينوفر مناصفة: النّصف منه للملك الظاهر والنّصف لبيت الاسبتار. وتقرّر أن الطاحون المستجدّ المعروف بإنشاء بيت الاسبتار، الذي كان حصل الحرب فيه، والبستان الذي هناك المعروف بإنشاء بيت الاسبتار أيضا يكون مناصفة، وأن يكون متولّي أمرهما نائب من جهة نوّاب السلطان ونائب من جهة بيت الاسبتار، يتوليان أمرهما والتّصرّف فيهما وقبض متحصّلهما. وتقرّر أنّ مهما يجدّده بيت الاسبتار على الماء الذي تدور به الطاحون ويسقي البستان من الطواحين والأبنية وغير ذلك، يكون مناصفة بين الملك الظاهر وبين بيت الاسبتار. وأما المستقرّ بمملكة شيزر المحروسة، فهي شيزر، وأبو قبيس وأعماله، وعينتاب وأعمالها، ونصف زاوية بغراس المعروفة بحماية بيت الاسبتار وأعمالها، وجميع أعمال المملكة الكسروية والبلاد المذكورة بحدودها المعروفة بها، وقراها المستقرّة بها، وسهلها وجبلها وعامرها وغامرها. وما استقرّ بمملكة الملك المنصور، ناصر الدّين «محمد» بن الملك المظفّر أبي الفتح «محمود» بن الملك المنصور «محمد» بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب فهي: حماة المحروسة وقلاعها ومدنها، والمعرّة وقراها وسهلها وجبلها وأنهارها، ومنافعها وثمارها وعامرها وغامرها؛ وبلاد رقيبة وبلاد بارين «١» . بحدودها وتخومها وعامرها وداثرها وجميع من فيها وما فيها- على أن الملك المنصور لا يرخّص للتّركمان ولا للعرب أن ينزلوا بلد رقيبة وبارين سوى

стр. 6437

ثلاثين بيتا يحملون الغلّة لقلعة بارين، وإن أرادوا الزيادة يكون بمراجعة الإخوة الاسبتارية والاتفاق معهم على ذلك. وعلى أنّه إن تعدّى أحد من أصحابه بأذيّة، أو تعدّى أحد من الفرنجة في بلاده بأذيّة، كانت المهلة في ذلك خمسة عشر يوما؛ فإن انكشفت الأخيذة «١» ، أعيدت، وإلا تحلّف الجهة المدّعى عليها أنها ما علمت وما أحسّت، وكما لهم، كذلك عليهم. والمستقرّ لمملكة الصاحبين: نجم الدّين وجمال الدّين، والأمير صارم الدّين نائبي الدّعوة المباركة، وولد الصاحب رضيّ الدّين، وهي: مصياف والرّصافة وجميع قلاع الدّعوة «٢» وحصونها وسهلها ووعرها وعامرها وداثرها، ومدنها وبلادها، وضياعها وطرقاتها، ومياهها ومنابعها، وجميع بلاد الإسماعيلية بجبلي بهرا واللّكّام، وكلّ ما تشتمل عليه حدود بلاد الدّعوة وتخومها- أن يكون الجميع آمنين من على الرّصيف الذي بشيزر إلى نهاية الأراضي التي بحصون الدّعوة وبلادها. وحماية القرية المعروفة (بعرطمار) «٣» يكون له أسوة الإسماعيلية. وإن علم الأصحاب أن أحدا من الإسماعيلية قد عبر إلى بيت الاسبتار لأذيّة، أعلموا بيت الاسبتار قبل أن تجري أذيّة، وما لم يعلموا به عليهم اليمين أنّهم ما علموا به، وإن لم يحلفوا يردّوا الأذيّة التي تجري. وتقرّر أن يكون فلّاحو بيت الاسبتار رائحين وغادين ومتصرّفين في بيعهم وشرائهم، مطمئنّين لا يتعدّى أحد عليهم. وكذلك جميع فلّاحي بلاد الإسماعيلية لا يتعدّى أحد عليهم، وأن يكونوا آمنين مطمئنّين في جميع بلاد

стр. 6438

الاسبتارية؛ وإن تعدّى أحد من الجهتين في سوق أو طريق، في ليل أو نهار، تكون المهلة خمسة عشر يوما؛ فإن ردّت الشّكوى كلّها فما يكون إلا الخير بينهم؛ ومن توجّهت عليه اليمين حلف، ومن لم يفعل يحلّف وإلا يردّ الأذيّة. وتكون الضّيعة التي رهنها عبد المسيح رئيس المرقب الاسبتار، وهي «المشيرقة» تكون آمنة إن كان الحال استقرّ عليها إلى آخر وقت عند كتابة هذه الهدنة المباركة بين الأصحاب وأصحابهم. ويحمل الأمر في الحقوق. ويبطل ما هو على بلاد الدّعوة المباركة من جميع ما لبيت الاسبتار على حماية مصياف والرّصافة، وهو في كلّ سنة ألف ومائتا دينار قومصيّة، وخمسون مدّا حنطة، وخمسون مدّا شعيرا، ولا تبقى قطيعة على بلاد الدّعوة جميعها، ولا يتعرّض بيت الاسبتار ولا نوّابهم ولا غلمانهم إلى طلب قديم من ذلك ولا جديد، ولا منكسر ولا ماض، ولا حاضر ولا مستقبل على اختلافه. وتقرّر أن تكون جميع المباحات من الجهتين مطلقة مما يختصّ بالمملكة الحمصيّة، يسترزق بها الصّعاليك، وأنّ نوّاب الملك الظاهر يحمونهم من أذيّة المسلمين من بلاده المذكورة، وأن نوّاب بيت الاسبتار يصونونهم ويحرسونهم ويحمونهم من النّصارى والفرنج من جميع هذه البلاد الداخلة في هذه] «١» الهدنة. ولا يتعرّض أحد من المسلمين كافّة من هذه البلاد الدّاخلة في [هذه] «٢» الهدنة [إلى بلاد الاسبتارية] «٣» بأذيّة ولا إغارة، ولا يتعرّض أحد من جميع الفرنجة من هذه البلاد الداخلة في هذه الهدنة بحدودها الجارية في يد نوّاب الاسبتار وفي أيديهم، إلى بلاد الملك الظاهر بأذيّة ولا إغارة. وعلى أنه متى دخل في بلاد المناصفات أحد ممن يجب عليه العداد

стр. 6439

وامتنع من ذلك، وكان عداد إحدى الجهتين حاضرا: إمّا عداد ديوان الملك الظاهر، وإمّا عداد بيت الاسبتار، فلنائب العداد الحاضر من إحدى الجهتين أن يأخذ من ذلك الشّخص الممتنع عن العداد أو الخارج من بلد المناصفات رهنا بمقدار ما يجب عليه من العداد، بحضور رئيس من رؤساء بلد المناصفات، ويترك الرّهن عند الرّئيس وديعة إلى أن يحضر النائب الآخر من الجهة الأخرى، ويوصّل إلى كلّ من الجهتين حقّه من العداد. وإن خرج أحد ممن يجب عليه العداد، وعجز النائب الحاضر عن أخذ رهنه: فإن دخل بلدا من بلاد الملك الظاهر، كان على النوّاب إيصال بيت الاسبتار إلى حقّهم مما يجب على الخارج من العداد، وكذلك إن دخل الخارج المذكور إلى بيت الاسبتار، كان عليهم أن يوصّلوا إلى نوّاب الملك الظاهر حقّهم مما يجب على الخارج من العداد. وكذلك يعتمد ذلك في المملكة الحمويّة وبلاد الدّعوة المحروسة. وعلى أن التّجّار والسّفّار والمتردّدين من جميع هذه الجهات المذكورة يكونون آمنين من الجهتين: الجهة الإسلامية، والجهة الفرنجية والنّصرانيّة، في البلاد التي وقعت هذه الهدنة عليها- على النّفوس والأموال والدّوابّ وما يتعلق بهم، يحميهم السّلطان ونوّابه، ويتعاهدون البلاد الداخلة في هذه الهدنة المباركة الواقع عليها الصّلح وفي بلد المناصفات- من جميع المسلمين، ويحميهم بيت الاسبتار في بلادهم الواقع عليها الصّلح وفي بلد المناصفات- من الفرنج والنصارى كافّة. وعلى أن يتردّد التّجّار والمسافرون من جميع المتردّدين على أيّ طريق اختاروه من الطّرق الداخلة في عقد هذه البلاد الداخلة في هذه الهدنة المباركة المختصّة بالملك الظاهر، وبلاد معاهديه، وبلاد المناصفات، وخاصّ بيت الاسبتار والمناصفات، يكون الساكنون والمتردّدون في الجهتين آمنين مطمئنّين على النّفوس والأموال، تحمي كلّ جهة الجهة الأخرى.

стр. 6440

وعلى أنّ ما يختص بكلّ جهة من هذه الجهات: الإسلامية، والفرنجية الاسبتارية، لا يكون عداد على مالها في المناصفات: من الدّوابّ والغنم والبقر والجمال وغيرها، على العادة المقرّرة في ذلك. وعلى أنّ إطلاق الرّؤساء يكون باتفاق من الجهتين: الإسلامية، والفرنجية الاسبتارية. ومتى وقعت دعوى على الجهة الأخرى، وقف أمرها في الكشف عنها أربعين يوما؛ فإن ظهرت أعيدت على صاحبها، وإن لم تظهر حلف ثلاثة نفر ممّن يختارهم صاحب الدّعوى على ما يعلمونه في تلك الدّعوى، وإن ظهرت بعد اليمين أعيدت إلى صاحبها، وإن كان قد تعوّض عنها أعيد العوض. وعلى أن يكشفوا عن الأخيذة بجهدهم وطاقتهم. ومتى تحققت أعيدت إلى صاحبها، فإن حلفوا يبرؤون من الدعوى، وإن ظهرت بعد اليمين أعيدت على صاحبها، وإن امتنع المدّعى عليه من اليمين حلف المدّعي، ولا يستحق «١» عوض ما عدم من كل شيء مثله. وكذلك يجري الأمر في القتل: عوض الفارس فارس، وعوض الرّاجل راجل، وعوض البركيل بركيل «٢» ، وعوض التّاجر تاجر، وعوض الفلّاح فلّاح. وإذا انقضت الأربعون يوما المذكورة لكشف الدعوى ولم يحلف المدّعى عليه للمدّعي وجب عليه العوض حتّى يردّ، وإن ردّ اليمين على المدّعي ومضى على ذلك عشرة أيّام، ولم يحلف صاحب الدعوى بطلت دعواه وحكمها، وإن حلف أخذ العوض. ومتى هرب من إحدى الجهتين إلى الأخرى أحد، ومعه مال لغيره أعيد جميع ما معه، وكان الهارب مخيّرا بين المقام والعود. وإن هرب عبد وخرج عن دينه، أعيد ثمنه، وإن كان باقيا على دينه أعيد.

стр. 6441

وعلى أن لا يدخل أحد من القاطنين في بلد المناصفات: من الفلّاحين والعرب والتركمان وغيرهم، إلى بلاد الفرنج والنّصارى كافّة لإغارة ولا أذيّة بعلم الملك الظاهر وبلاد معاهديه، [ولا يدخل أحد] «١» بلاد المسلمين لإغارة ولا أذيّة بعلم بيت الاسبتار ولا رضاهم ولا إذنهم. وعلى أنّ الدعاوى المتقدّمة على هذا الصّلح يحمل أمرها على شرط المواصفة التي بين الملك الظاهر وبين معاهديه وبين بيت الاسبتار. وعلى أن هذه الهدنة تكون ثابتة مستقرّة، لا تنقض بموت أحد من الجهتين، ولا وفاة ملك ولا مقدّم، إلى آخر المدّة المذكورة، وهي: عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات، أوّلها يوم تاريخه. وعلى أن نوّاب الملك الظاهر ومعاهديه لا يتركون أحدا من التّركمان، ولا من العربان، ولا من الأكراد، يدخل بلاد المناصفات بغير اتّفاق من بيت الاسبتار أو رضاه، إلا أن يكفلوه على نفوسهم في هذه الطوائف المذكورة، ويعلموا حاله، لئلّا تبدو منهم أذيّة أو ضرر أو فساد ببلد المناصفات وببلد النصارى. ولنوّاب مولانا السلطان أن تتركهم على شرط أنهم يعلم بهم بيت الاسبتار في غد نزولهم المكان، إن كان المكان قريبا. وإن ظهر منهم فساد كان النوّاب يجاوبون بيت الاسبتار. وعلى أن المهادنة بحدودها يكون الحكم فيها كما في المناصفات، والحدود في هذه البلاد جميعها تكون على ما تشهد به نسخ الهدن، وما استقرّ الحال عليه إلى آخر وقت. وعلى أن تخلّى أمور المملكة الحمصيّة على ما كان مستقرّا في الأيام الأشرفيّة، على ما قرّره الأمير علم الدّين «سنجر» .

стр. 6442

هذا ما وقع الاتّفاق والتّراضي عليه من الجهتين، وبذلك جرى القلم الشريف السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ: حجّة بمقتضاه، وتأكيدا لما شرح أعلاه. كتب في تاريخ كذا وكذا. وهذه نسخة هدنة من هذا النّمط، عقدت بين السلطان الملك الظاهر «بيبرس» أيضا، وبين ملكة بيروت «١» من البلاد الشامية، في شهور سنة سبع وستين وستمائة حين كانت بيدها، وهي: استقرّت الهدنة المباركة بين السّلطان الملك الظاهر ركن الدين

стр. 6443

«بيبرس» وبين الملكة الجليلة المصونة الفاخرة، فلانة ابنة فلان، مالكة بيروت وجميع جبالها وبلادها التّحتية مدّة عشر سنين متوالية، أوّلها يوم الخميس سادس رمضان سنة سبع وستين وستمائة الموافق لتاسع أيار سنة ألف وخمسمائة وثمانين يونانية- على بيروت وأعمالها المضافة إليها، الجاري عادتهم في التّصرّف فيها في أيام الملك العادل، أبي بكر بن أيّوب، وأيام ولده الملك المعظّم عيسى، وأيّام الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن الملك العزيز، والقاعدة المستقرّة في زمنهم إلى آخر الأيام الظاهرية، بمقتضى الهدنة الظاهريّة، وذلك مدينة بيروت وأماكنها المضافة إليها: من حدّ جبيل إلى حدّ صيدا، وهي المواضع الآتي ذكرها: جونية بحدودها، والعذب «١» بحدودها، والعصفورية بحدودها، والراووق بحدودها، وسنّ الفيل بحدودها، والرح والشّويف «٢» بحدودها، وأنطلياس بحدودها، والجديدة «٣» بحدودها، وحسوس «٤» بحدودها، والبشرية «٥» بحدودها، والدكوانة وبرج قراجار بحدودها، وقرينة بحدودها، والنصرانية بحدودها، وجلدا «٦» بحدودها، والناعمة بحدودها، ورأس الفيقة، والوطاء المعروف بمدينة بيروت، وجميع ما في هذه الأماكن من الرّعايا والتّجّار، ومن سائر أصناف الناس أجمعين، والصّادرين منها والواردين إليها من جميع أجناس النّاس، والمتردّدين إلى بلاد السلطان فلان، وهي: الحميرة «٧»

стр. 6444

وأعمالها وقلاعها وبلادها وكلّ ما هو مختصّ بها، والمملكة الأنطاكية وقلاعها وبلادها، وجبلة واللّاذقيّة وقلاعها وبلادها، وحمص المحروسة وقلاعها وبلادها، وما هو مختصّ بها، ومملكة حصن عكّا وما هو منسوب إليه، والمملكة الحمويّة وقلاعها وبلادها وما هو مختصّ بها، والمملكة الرّحبيّة «١» وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها، والمملكة البعلبكّيّة وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها، والمملكة الدّمشقية وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها ورعاياها وممالكها، والمملكة الشّقيفية وما يختصّ بها من قلاعها وبلادها ورعاياها، والمملكة القدسيّة وما يختصّ بها، والمملكة الحلبيّة وما يختصّ بها، والمملكة الكركيّة والشّوبكيّة وما يختص بها من القلاع والبلاد والرّعايا، والمملكة النّابلسيّة، والمملكة الصّرخديّة، ومملكة الدّيار المصريّة جميعها: بثغورها، وحصونها، وممالكها، وبلادها، وسواحلها، وبرّها، وبحرها، ورعاياها، وما يختصّ بها، والسّاكنين في جميع هذه الممالك: المذكورة وما لم يذكر من ممالك السّلطان وبلاده، وما سيفتحه الله تعالى على يده ويد نوّابه وغلمانه يكون داخلا في هذه الهدنة المباركة، ومنتظما في جملة شروطها، ويكون جميع المتردّدين من هذه البلاد وإليها آمنين مطمئنّين على نفوسهم وأموالهم وبضائعهم، من الملكة فلانة وغلمانها، وجميع من هو في حكمها وطاعتها: برّا وبحرا، ليلا ونهارا، ومن مراكبها وشوانيها «٢» . وكذلك رعيّة الملكة فلانة وغلمانها يكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وبضائعهم من السّلطان ومن جميع نوّابه وغلمانه ومن هو تحت حكمه وطاعته: برّا وبحرا، ليلا ونهارا: في جبلة، واللّاذقيّة، وجميع بلاد السلطان، ومن مراكبه وشوانيه.

стр. 6445

وعلى أن لا يجدّد على أحد من التّجّار المتردّدين رسم لم تجر به عادة، بل يجرون على العوائد المستمرّة، والقواعد المستقرّة من الجهتين. وإن عدم لأحد من الجانبين مال، أو أخذت أخيذة، وصحت في الجهة الأخرى ردّت إن كانت موجودة، أو قيمتها إن كانت مفقودة. وإن خفي أمرها كانت المدّة للكشف أربعين يوما، فإن وجدت ردّت، وإن لم توجد حلّف والي تلك الولاية المدّعى عليه، وحلّف ثلاثة نفر ممّن يختارهم المدّعي، وبرئت جهته من تلك الدّعوى. فإن أبى المدّعى عليه من اليمين حلّف الوالي المدّعي، وأخذ ما يدّعيه. وإن قتل أحد من الجانبين خطأ كان أو عمدا، كان على القاتل في جهته العوض عنه نظيره: فارس بفارس، وبركيل ببركيل، وراجل براجل، وفلّاح بفلّاح. وإن هرب أحد من الجانبين إلى الجانب الآخر بمال لغيره، ردّ من الجهتين هو والمال، ولا يعتذر بعذر. وعلى أنه إن تاجر فرنجي صدر من بيروت إلى بلاد السّلطان يكون داخلا في هذه الهدنة، وإن عاد إلى غيرها لا يكون داخلا في هذه الهدنة. وعلى أنه إن تاجر فرنجي صدر من بيروت إلى بلاد السّلطان يكون داخلا في هذه الهدنة، وإن عاد إلى غيرها لا يكون داخلا في هذه الهدنة. وعلى أنّ الملكة فلانة لا تمكّن أحدا من الفرنج على اختلافهم من قصد بلاد السّلطان من جهة بيروت وبلادها، وتمنع من ذلك وتدفع كلّ متطرّق بسوء، وتكون البلاد من الجهتين محفوظة من المتجرّمين المفسدين. وبذلك انعقدت الهدنة للسلطان، وتقرّر العمل بهذه الهدنة والالتزام بعهودها والوفاء بها إلى آخر مدّتها من الجهتين: لا ينقضها مرور زمان، ولا يغيّر شروطها حين ولا أوان، ولا تنقض بموت أحد من الجانبين. وعند انقضاء الهدنة تكون التّجّار آمنين من الجهتين مدّة أربعين يوما، ولا يمنع أحد منهم من العود إلى مستقره؛ وبذلك شمل هذه الهدنة المباركة الخطّ الشريف حجّة فيها، والله الموفّق، في تاريخ كذا وكذا. وهذه نسخة هدنة عقدت بين السلطان الملك الظاهر «بيبرس» وولده
следующие страницы →