Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
وثغوره، وممالكه، ومواني بلاده وسواحلها، وبرورها، وجميع أقاليمها ومدنها، وكلّ ما هو داخل في مملكته، ومحسوب منها، ومنسوب إليها: من سائر الاقاليم الرّوميّة، والعراقيّة، والمشرقيّة، والشّاميّة، والحلبية، والفراتيّة، واليمنية، والحجازيّة، والدّيار المصرية، والغرب.
وحدّ هذه البلاد والأقاليم وموانيها وسواحلها من البرّ الشّاميّ من القسطنطينيّة والبلاد الرّومية السّاحليّة، وهي: من طرابلس الغرب، وسواحل برقة، والإسكندريّة، ودمياط، والطّينة، وقطيا، وغزّة، وعسقلان، ويافا، وأرسوف، وقيساريّة، وعثليث، وحيفا، وعكّا، وصور، وصيدا، وبيروت، وجبيل، والبيرون «١» ، وأنفة طرابلس الشّام، وأنطرسوس، ومرقيّة، والمرقب، وساحل المرقب: بانياس وغيرها، وجبلة، واللّاذقيّة، والسّويديّة وجميع المواني والبرور إلى ثغر دمياط وبحيرة تنّيس.
وحدّها من البرّ الغربيّ: من تونس وإقليم إفريقية وبلادها وموانيها، وطرابلس الغرب وثغورها، وبلادها وموانيها، وبرقة وثغورها وبلادها وموانيها، إلى ثغر الإسكندريّة ورشيد وبحيرة تنّيس وسواحلها وبلادها وموانيها.
وما تحويه هذه البلاد والممالك المذكورة والّتي لم تذكر، والمدائن والثّغور والسّواحل والمواني والطّرقات في البرّ والبحر، والصّدور والورود، والمقام والسّفر، من عساكر وجنود، وتركمان، وأكراد، وعربان، ورعايا، وتجّار، وشواني، ومراكب، وسفن، وأموال، ومواش، على اختلاف الأديان والأنفار والأجناس، وما تحويه الأيدي، من سائر أصناف الأموال والأسلحة والأمتعة والبضائع والمتاجر، قليلا كان أو كثيرا، قريبا كان أو بعيدا، برّا كان أو بحرا- آمنة «٢» على الأنفس، والأرواح، والأموال
стр. 6477
والحريم، والأولاد من الملك دون حاكم ومن أخويه وصهريه المذكورين، ومن أولادهم، وفرسانهم، وخيّالتهم، ومعاهديهم، وعمائرهم، ورجالهم، وكلّ من يتعلّق بهم. وكذلك كلّ ما سيفتحه الله تعالى على يد الملك الأشرف، وعلى يد أولاده وعساكره وجيوشه، من القلاع والحصون، والبلاد والأقاليم، فإنه يجري عليه هذا الحكم.
وعلى أن تكون بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه وممالكه المذكورة في هذه الهدنة، وهي: أرغون وأعمالها وبلادها: صقلّية «١» وجزيرتها وبلادها وأعمالها، برّبولية «٢» وأعمالها وبلادها، جزيرة مالقة، وقوصرة وبلادها وأعمالها، ميورقة ويابسة «٣» وبلادها، وأرسويار»
وأعمالها، وما سيفتحه الملك دون حاكم من بلاد أعدائه الفرنج المجاورين له بتلك الأقاليم- آمنين من الملك الأشرف وأولاده، وعساكره وجيوشه، وشوانيه وعمائره، هي ومن فيها من فرسان وخيّالة ورعايا، وأهل بلاده آمنين مطمئنّين على الأنفس والأموال، والحريم والأولاد، في البرّ والبحر، والصّدور والورود.
وعلى أنّ الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه أصدقاء من يصادق الملك الأشرف وأولاده، وأعداء من يعاديهم من سائر الملوك الفرنجية وغير الملوك الفرنجية. وإن قصد الباب «٥» برومية، أو ملك من ملوك الفرنج:
متوّجا كان أو غير متوّج، كبيرا كان أو صغيرا، أو من الجنويّة، أو من البنادقة أو من سائر الأجناس على اختلاف الفرنج والرّوم، والبيوت: بيت الإخوة
стр. 6478
الديويّة، والاسبتارية، والرّوم، وسائر أجناس النّصارى- مضرّة بلاد الملك الأشرف، بمحاربة أو أذيّة، يمنعهم الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه ويردّونهم، ويعمرون شوانيهم ومراكبهم، ويقصدون بلادهم، ويشغلونهم بنفوسهم عن قصد بلاد الملك الأشرف وموانيه وسواحله وثغوره المذكورة، وغير المذكورة، ويقاتلونهم في البرّ والبحر بشوانيهم وعمائرهم، وفرسانهم وخيّالتهم ورجّالتهم.
وعلى أنّه متى خرج أحد من معاهدي الملك الأشرف من الفرنج عن شروط الهدنة المستقرّة بينه وبينهم، ووقع ما يوجب فسخ الهدنة، لا يعينهم الملك دون حاكم ولا أحد من أخويه ولا صهريه، ولا خيّالتهم، ولا فرسانهم، ولا أهل بلادهم، بخيل ولا خيّالة، ولا سلاح ولا رجّالة، ولا مال ولا نجدة، ولا ميرة، ولا مراكب ولا شواني ولا غير ذلك.
وعلى أنّه متى طلب الباب برومية، وملوك الفرنج، والرّوم، والتّتار، وغيرهم من الملك دون حاكم أو من أخويه أو من صهريه أو من بلادهم، إنجادا، أو معاونة: بخيّالة، أو رجّالة، أو مال، أو مراكب، أو شواني، أو سلاح- لا يوافقهم على شيء من ذلك، لا في سرّ ولا جهر، ولا يعين أحدا منهم ولا يوافقه على ذلك. ومتى اطّلعوا على أنّ أحدا منهم يقصد بلاد الملك الأشرف لمحاربته أو لمضرّته بشيء، يعرّف الملك الأشرف بخبرهم، وبالجهة التي اتّفقوا على قصدها في أقرب وقت، قبل [حركتهم] «١» من بلادهم، ولا يخفيه شيئا من ذلك.
وعلى أنّه متى انكسر مركب من المراكب الإسلاميّة في بلاد الملك دون حاكم، أو بلاد أخويه أو بلاد صهريه، [فعليهم] «٢» أن يخفروهم، ويحفظوا
стр. 6479
مراكبهم وأموالهم، ويساعدوهم على عمارة مراكبهم، ويجهّزوهم وأموالهم وبضائعهم إلى بلاد الملك الأشرف. وكذلك إذا انكسرت مركب من بلاد دون حاكم، وبلاد أخويه وصهريه، ومعاهديه في بلاد الملك الأشرف، يكون لهم هذا الحكم المذكور أعلاه.
وعلى أنّه متى مات أحد من تجّار المسلمين ومن نصارى بلاد الملك الأشرف، أو ذمّة أهل بلاده، في بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه وأولاده ومعاهديه، لا يعارضوهم في أموالهم ولا في بضائعهم، ويحمل مالهم وموجودهم إلى بلاد الملك الأشرف ليفعل فيه ما يختار.
وكذلك من يموت في بلاد الملك الأشرف من أهل مملكة الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديهم، فلهم هذا الحكم المذكور أعلاه.
وعلى أنّه متى عبر على بلاد الملك دون حاكم أو بلاد أخويه أو صهريه أو معاهديه رسل من بلاد الملك الأشرف قاصدين جهة من الجهات القريبة أو البعيدة، صادرين أو واردين، أو رماهم الرّيح في [بلاده] «١» ، تكون الرّسل وغلمانهم وأتباعهم، ومن يصل معهم من رسل الملوك أو غيرهم- آمنين محفوظين في الأنفس والأموال، ويجهّزهم إلى بلاد الملك الأشرف.
وعلى أنّ الملك دون حاكم وأخويه وصهريه متى جرى من أحد من بلادهم قضيّة توجب فسخ المهادنة، كان على كلّ من الملك دون حاكم وأخويه وصهريه طلب من يفعل ذلك وفعل الواجب فيه.
وعلى أنّ الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يفسح كلّ منهم لأهل بلاده وغيرهم من الفرنج، أنّهم يجلبون إلى الثّغور الإسلامية، الحديد والبياض والخشب وغير ذلك.
وعلى أنّه متى أسر أحد من المسلمين في البرّ أو البحر، من مبدإ تاريخ
стр. 6480
هذه المهادنة من سائر البلاد: شرقها وغربها، أقصاها وأدناها، ووصلوا به إلى بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ليبيعوه بها، فيلزم الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فكّ أسره وحمله إلى بلاد الملك الأشرف.
وعلى أنّه متى كان بين تجّار المسلمين، وبين تجّار بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه معاملة في بضائعهم، وهم في بلاد الملك الأشرف، كان أمرهم محمولا على موجب الشّرع الشريف.
وعلى أنّه متى ركب أحد من المسلمين في مراكب بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، وحمل بضاعته معهم وعدمت البضاعة، كان على الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه ردّها إن كانت موجودة، أو قيمتها إن كانت مفقودة.
وعلى أنّه متى هرب أحد من بلاد الملك الأشرف الدّاخلة في هذه المهادنة إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، أو توجّه ببضاعة لغيره وأقام بتلك البلاد، كان على الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه ردّ الهارب أو المقيم ببضاعة غيره، والمال معه إلى بلاد الملك الأشرف ما دام [المذكور] مسلما؛ وإن تنصّر، يردّ المال الذي معه خاصّة. ولمملكة الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فيمن يهرب من بلادهم إلى بلاد الملك الأشرف هذا الحكم المذكور أعلاه.
وعلى أنّه إذا وصل من بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديه من الفرنج من يقصد زيارة القدس الشّريف، وعلى يده كتاب الملك دون حاكم وختمه إلى نائب الملك الأشرف بالقدس الشّريف، يفسح له في الزّيارة مسموحا بالحقّ ليقضي زيارته ويعود إلى بلاده آمنا مطمئنّا في نفسه وماله، رجلا كان أو امرأة، بحيث إن الملك دون حاكم لا يكتب لأحد من أعدائه ولا من أعداء الملك الأشرف في أمر الزيارة بشيء.
وعلى أنّ الملك دون حاكم يحرس جميع بلاد الملك الأشرف هو
стр. 6481
وأخواه وصهراه من كل مضرّة، ويجتهد كلّ منهم في أنّ أحدا من أعداء الملك الأشرف لا يصل إلى بلاد الملك الأشرف، ولا ينجدهم على مضرّة بلاد الملك الأشرف ولا رعاياه، وأنه يساعد الملك الأشرف في البرّ والبحر بكلّ ما يشتهيه ويختاره.
وعلى أنّ الحقوق الواجبة على من يصدر ويرد ويتردّد من بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، إلى ثغري الإسكندريّة ودمياط، والثّغور الإسلامية، والممالك السّلطانية، بسائر أصناف البضائع والمتاجر على اختلافها، تستمرّ على حكم الضرائب المستقرّة في الدّيوان المعمور إلى آخر وقت، ولا يحدث عليهم فيها حادث. وكذلك يجري الحكم على من يتردّد من البلاد السلطانية إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه.
تستمرّ هذه المودّة والمصادقة على حكم هذه الشّروط المشروحة أعلاه بين الجهات على الدّوام والاستمرار، وتجري أحكامها وقواعدها على أجمل الاستقرار؛ فإن الممالك بها قد صارت مملكة واحدة وشيئا واحدا؛ لا تنتقض بموت أحد من الجانبين، ولا بعزل وال وتوليه غيره، بل تؤيّد أحكامها، وتدوم أيّامها، وشهورها وأعوامها. وعلى ذلك انتظمت واستقرّت في التاريخ المذكور أعلاه، وهو كذا وكذا، والله الموفّق بكرمه إن شاء الله تعالى.
قلت: وهذه النّسخ الخمس المتقدّمة الذّكر نقلتها من تذكرة محمد بن المكرّم «١» ، أحد كتّاب الإنشاء بالدّولة المنصورية «قلاوون» المسّماة:
«تذكرة اللّبيب، ونزهة الأديب» من نسخة بخطّه، ذكر فيها أن النّسخة الأولى منها كتبها بخطّه على مدينة صفد. وليس منها ما هو حسن التّرتيب، رائق الألفاظ، بهج المعاني، بليغ المقاصد، غير النّسخة الأخيرة المعقودة بين
стр. 6482
الملك الأشرف وبين الملك دون حاكم. أما سائر النّسخ المتقدّمة فإنها مبتذلة الألفاظ، غير رائقة التّرتيب، لا يصدر مثلها من كاتب عنده أدنى ممارسة لصناعة الكلام. والعجب من صدور ذلك في زمن «الظّاهر بيبرس» و «المنصور قلاوون» وهما من هما من عظماء الملوك!!! وكتابة الإنشاء يومئذ بيد بني عبد الظّاهر الذين هم بيت الفصاحة ورؤوس أرباب البلاغة!!! ولعلّ ذلك إنما وقع، لأن الفرنج كانوا مجاورين للمسلمين يومئذ ببلاد الشّام، فيقع الاتّفاق والتراضي بين الجهتين على فصل فصل، فيكتبه كاتب من كلّ جهة من جهتي المسلمين والفرنج بألفاظ مبتذلة غير رائقة، طلبا للسّرعة، إلى أن ينتهي بهم الحال في الاتّفاق والتراضي، إلى آخر فصول الهدنة، فيكتبها كاتب الملك المسلم على صورة ما جرى في المسودّة، ليطابق ما كتب به كاتب الفرنج؛ إذ لو عدل فيها كاتب السلطان إلى الترتيب، وتحسين الألفاظ وبلاغة التّركيب، لاختلّ الحال فيها عما وافق عليه كاتب الفرنج أوّلا، فينكرونه حينئذ، ويرون أنه غير ما وقع عليه الاتّفاق، لقصورهم في اللّغة العربيّة، فيحتاج الكاتب إلى إبقاء الحال على ما توافق عليه الكاتبان في المسودّة. وبالجملة فإنما ذكرت النّسخ المذكورة- على سخافة لفظها، وعدم انسجام ترتيبها- لا شتمالها على الفصول التي جرى فيها الاتّفاق فيما تقدّم من الزّمان، ليستمدّ منها الكاتب ما لعلّه لا يحضر بباله من مقاصد المهادنات، أغنانا الله تعالى عن الحاجة إليها.
واعلم أنه قد جرت العادة، إنه إذا كتبت الهدنة، كتب قرينها يمين يحلف بها السلطان أو نائبه القائم بعقد الهدنة، على التّوفية بفصولها وشروطها، ويمين يحلف عليها القائم عن الملك الكافر بعقد الهدنة، ممّن يأذن له في عقدها عنه، بكتاب يصدر عنه بذلك، أو تجهّز نسختها إلى الملك الكافر ليحلف عليها، ويكتب خطّه بذلك، وتعاد إلى الأبواب السلطانية.
стр. 6483
المذهب الثالث (أن تفتتح المهادنة بخطبة مبتدأة ب «الحمد لله» )
وعلى هذا بنى صاحب «موادّ البيان» «١» أمره في كتابة الهدنة، حيث قال: والرسم فيها أن تفتتح بحمد الله تعالى على الهداية إلى دين الإسلام الذي أذلّ كلّ دين وأعزّه، وخذل كلّ شرع ونصره، وأخفى كلّ مذهب وأظهره، والتّوغّل في توحيده، وتقديسه وتمجيده، والثّناء عليه بآلائه، والصلاة على خير أنبيائه، محمد ﷺ .
قلت: ولم يأت بصورة هدنة منتظمة على هذا الترتيب، بل أشار إلى كيفيّة عملها. ثم قال: والبليغ يكتفي بقريحته في ترتيب هذه المعاني إذا دفع إلى الإنشاء فيها، إن شاء الله تعالى. ولم أقف لغيره على صورة هدنة مفتتحة بالتحميد، ولا يخفى أن الابتداء به في كلّ مهمّ من العهود وجلائل الولايات ونحو ذلك هو المعمول عليه في زماننا.
الطرف الثاني (فيما يشارك فيه ملوك الكفر ملوك الإسلام في كتابة نسخ من دواوينهم)
اعلم أنّ الغالب في الهدن الواقعة بين ملوك الديار المصرية وبين ملوك الكفر أن تكتب نسخة تخلّد بديوان الإنشاء بالدّيار المصرية، ونسخة تجهّز إلى الملك المهادن. وربّما كتبت نسخة من ديوانه مفتتحة بيمين.
وهذه نسخة هدنة «٢» وردت من جهة الأشكري، صاحب القسطنطينيّة في شهر رمضان سنة ثمانين وستمائة؛ مؤرّخة بتاريخ موافق لأواخر المحرّم من السّنة المذكورة، فعرّبت فكانت نسختها على ما ذكره ابن مكرّم في «تذكرته» :
стр. 6484
إذ قد أراد السلطان العظيم، النّسيب، العالي، العزيز، الكبير الجنس، الملك، المنصور، سيف الدّين «قلاوون» صاحب الديار المصرية ودمشق وحلب، أن يكون بينه وبين مملكتي محبّة- فمملكتي تؤثر ذلك، وتختار أن يكون بينها وبين عزّ سلطانه محبّة. ولهذا وجب أن يتوسّط هذا الأمر يمين واتّفاق: لتدوم المحبّة التي بهذه الصّورة فيما بين مملكتي وعزّ سلطانه ثابتة بلا تشويش. فمملكتي [من] «١» هذا اليوم، وهو يوم الخميس الثامن من شهر أيار من التاريخ [الرومي] التابع «٢» لسنة ستة آلاف وسبعمائة وتسع وثمانين لآدم- تحلف بأناجيل الله المقدّسة، والصّليب المكرّم المحيّى، أنّ مملكتي تكون حافظة للسّلطان العظيم، النّسيب، العالي، العزيز، الكبير الجنس، سيف الدّين «قلاوون» صاحب الدّيار المصرية ودمشق وحلب، ولولده «٣» ولوارث ملك عزّ سلطانه: محبّة مستقيمة، وصداقة كاملة نقيّة، ولا يحرّك ملكي أبدا على عزّ سلطانه حربا، ولا على بلاده ولا على قلاعها، ولا على عساكره، ولا يتحرّك ملكي أبدا على حربه «٤» ، بحيث إنّ هذا السّلطان العظيم، النّسيب، العالي، العزيز، الكبير الجنس، الملك المنصور سيف الدّين «قلاوون» صاحب الدّيار المصرية ودمشق وحلب، يحفظ مثل ذلك لمملكتي ولولد مملكتي الحبيب (الكمينوس، الانجالوس، الدوقس، البالا ولوغس، الملك ايرلنك) «٥» ، ولا يحرّك عزّ سلطانه على مملكتنا حربا قطّ، ولا على بلادنا، ولا على قلاعنا، ولا على عساكرنا، ولا يحرّك أحدا آخر أيضا على حرب مملكتنا، وأن تكون الرّسل
стр. 6485
المتردّدون عن عزّ سلطانه أيضا مطلقا [آمنين، لهم] «١» أن يعبروا في بلاد مملكتي بلا مانع ولا عائق، ويتوجّهوا إلى حيث يسيرون من عزّ سلطانه، وكذلك يعودون إلى عزّ سلطانه، وأن لا يحصل للتّجّار الواردين من بلاد عزّ سلطانه [ضرر] «٢» من بلاد مملكتي، ولا يحذرون من أحد جورا ولا ظلما، بل يكون لهم مباحا أن يعملوا متاجرهم. (ونظير هذا- التّجّار الواردون إلى بلاد عزّ سلطانه من أهل بلاد ملكي، يقومون بالحقّ الواجب على بضائعهم، وليقم) «٣» كذلك التّجّار الواردون من بلاد عزّ سلطانه إلى بلاد ملكي بالحقّ الواجب على بضائعهم. وإن حضر من بلاد «سوداق» تجّار وأرادوا السّفر إلى بلاد عزّ سلطانه، فلا ينال هؤلاء تعويق في بلاد ملكي، بل في عبورهم وعودهم يكونون بلا مانع ولا عائق بعد القيام بالحقّ الواجب. وهؤلاء التّجّار الذين من بلاد عزّ سلطانه والذين من أهل سوداق إن حضر صحبتهم مماليك وتجّار «٤» ، فليعودوا بهم إلى بلاد عزّ سلطانه بلا عائق ولا مانع، ما خلا إن كانوا نصارى، لأنّ شرعنا وترتيب مذهبنا «٥» لا يسمح لنا في أمر النّصارى بهذا.
وأمّا إن كان في بلاد عزّ سلطانه مماليك نصارى: روم وغيرهم من أجناس النّصارى، متمسّكون بدين النصارى، ويحصل لقوم منهم العتق، فليكن للذين معهم عتائق مباح ومطلق من عزّ سلطانه، أن يفدوا في البحر إلى بلاد مملكتي. وكذلك إن أراد أحد من أهل بلاد عزّ سلطانه أن يبيع مملوكا نصرانيّا هذه صورته لأحد من رسل مملكتي، أو لتجّار وأناس بلاد
стр. 6486
مملكتي، أن لا يجد في هذا تعويقا، بل يشتروا المذكور ويفدوا به في البحر إلى بلاد مملكتي بلا عائق. وأيضا إن أراد هذا السلطان العظيم النّسيب، أن يرسل إلى بلاد ملكي بضائع متجرا، وأرادت مملكتي أن ترسل إلى بلاد عزّ سلطانه بضائع متجرا، فليكن هكذا: وهو إن أراد عزّ سلطانه أن تكون بضائع متاجره في بلاد ملكي منجّاة من القيام بكلّ الحقوق، فلتكن أيضا بضائع متاجر مملكتي في بلاد عزّ سلطانه منجّاة مثل ذلك من كلّ الحقوق، وإن أراد أن تقوم متاجر ملكي في بلاده بالحقوق الواجبة [يقوم] بمثل ذلك. وأيضا أن يطلق عزّ سلطانه لملكي أن يرسل أناسا من بلاد مملكتي إلى بلاد عزّ سلطانه، فيشترون «١» لي خيلا جيادا ويحملونها إلى بلاد ملكي. وكذلك إن أراد عزّ سلطانه شيئا من خيرات بلاد ملكي، فمملكتي أيضا تطلق لعزّ سلطانه أن يرسل أناسه ليشتروه ويحملوه إلى عزّ سلطانه.
ولمّا كان في البحر «كرسالية» «٢» من بلاد غريبة، وقد يتّفق في بعض الأوقات أن يعملوا خسارة في بلاد ملكي، وكذلك يجدون هؤلاء «الكرسالية» قوما من بلاد عزّ سلطانه فيعملون لهم خسارة، ثم إنّ هؤلاء «الكرسالية» يفعلون هذا في الآفاق في تخوم بلاد ملكي، لأجل هذا صار: إذا حضر قوم من بلاد مملكتي إلى بلاد عزّ سلطانه بمتجر يمسكون من أهل بلاد عزّ سلطانه ويغرّمون. ولهذا فليصر مرسوم من عزّ سلطانه في كلّ بلاده أن أحدا من أهل بلاد مملكتي لا يغرّم بهذا السّبب ولا يمسك، وإن عرض أن يقول أحد من أهل بلاد عزّ سلطانه: إن غرّم أو ظلم من أهل بلاد ملكي فليعرّف ملكي بذلك. وإذا كان الذي وضع الغرامة من أهل بلاد ملكي، فملكي يأمر، وتعاد تلك الخسارة إلى بلاد عزّ سلطانه. وكذلك إن قال أحد من أهل بلاد مملكتي: إنه ظلم أو غرّم من أحد من بلاد عزّ سلطانه، يأمر عزّ سلطانه، وتعاد
стр. 6487
الغرامة إلى بلاد ملكي. وأيضا إذ قد أزمعت المحبّة أن نصير بهذه الصّورة، وتكون الصّداقة بين مملكتي وعزّ سلطانه خالصة، حتّى إنه أرسل يقول لملكي على معونة ونجدة ملكي في البحر لمضرّة العدوّ المشترك، فمملكتي تفوّض هذا الأمر إلى اختيار عزّ سلطانه، أن يرتب في نسخة اليمين مع بقيّة الفصول المعيّنة فيه، وتأتي الصورة كيف تعين وتنجد مملكتي في البحر. وإن كان لا يريد نجدة ومعونة مملكتي، فمملكتي تسمح بهذا الفصل أن لا يضعه عزّ سلطانه في نسخة يمينه، وهذه اليمين منا بحفظ ملكي لعزّ سلطانه ثابتة غير متزعزعة إن كان هذا السلطان العظيم يحلف لي يمينا بمثلها، وأنه يحفظ المحبّة لمملكتنا، ثابتة غير متزعزعة، والسّلام.
وهذه نسخة اتّفاق، كتبت من الأبواب السلطانية عن الملك المنصور «قلاوون» عن نظير الهدنة المتقدّمة، الواردة من قبل صاحب القسطنطينيّة، مفتتحة بيمين موافقة لها، وهي:
أقول وأنا فلان: إنه لما رغب حضرة الملك الجليل، كرميخائيل، الدوقس، الأنجالوس، الكمينيوس، البالا ولوغس، ضابط مملكة الرّوم والقسطنطينيّة العظمى، أكبر ملوك المسيحيّة، أبقاء الله- أن يكون بين مملكته وبين عزّ سلطاني، محبة وصداقة ومودّة لا تتغيّر بتغيّر الأيام، ولا تزول بزوال السّنين والأعوام، وأكّد ذلك بيمين حلف عليها، تاريخها يوم الخميس ثامن شهر أيار سنة ستة آلاف وسبعمائة وتسع وثمانين لآدم، صلوات الله عليه، بحضور رسول عزّ سلطاني، الأمير ناصر الدّين بن الجزريّ، والبطرك الجليل «أنباسيوس» بطرك الاسكندرية، وحضر رسولاه فلان وفلان إلى عزّ سلطاني بنسخة اليمين، ملتمسين أن يتوسّط هذا الأمر أيضا يمين واتفاق من عزّ سلطاني، لتدوم المحبّة فيما بين مملكته وعزّ سلطاني، وتكون ثابتة مستمرّة على الدّوام والاستمرار.
فعزّ سلطاني من هذا اليوم، وهو يوم الاثنين مستهلّ رمضان المعظم،
стр. 6488
سنة ثمانين وستّمائة للهجرة النّبويّة المحمّديّة، على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام، يحلف بالله العظيم، الرّحمن الرّحيم، عالم الغيب والشّهادة، والسّرّ والعلانية وما تخفي الصّدور، وبالقرآن العظيم، وبمن أنزله، وبمن أنزل عليه، وهو النّبيّ الكريم، محمد ﷺ على استمرار الصّداقة، واستقرار المودّة النّقيّة، للملك الجليل كريمخائيل، ضابط مملكة الرّوم والقسطنطينيّة العظمى، ولولد مملكته الحبيب الكمينيوس الانجالوس، الدّوقس، البلا ولوغس، الملك إير إندرو بنفوس «١» ولوارثي مملكة ملكه، ولا يحرّك عزّ سلطاني أبدا على مملكته حربا، ولا على بلاده، ولا على قلاعه، ولا على عساكره، في برّ ولا بحر، ولا يحرّك عزّ سلطاني أحدا آخر على حربه، بحيث إن الملك الجليل «كرميخائيل» يحفظ مثل ذلك لعزّ سلطاني، ولملكي، ولبلادي، ولقلاعي، ولعساكري، ولولدي، السّلطان الملك الصالح علاء الدين «عليّ» ولوارثي ملكي من أولادي، ويستمرّ على هذه الصداقة والمودّة النّقيّة، ولا يحرّك ملكه على عزّ سلطاني حربا قطّ، ولا على بلادي، ولا على قلاعي، ولا على عساكري، ولا على مملكتي، ولا يحرّك أحدا آخر على حرب مملكة عزّ سلطاني في البرّ ولا في البحر، ولا يساعد أحدا من أضداد عزّ سلطاني، ولا أعدائي من سائر الأديان والأجناس، ولا يوافقه على ذلك، ولا يفسح لهم في العبور إلى مملكة عزّ سلطاني لمضرّة شيء فيها بجهده وطاقته.
وأن الرسل المسيّرين من مملكة عزّ سلطاني إلى برّ «بركة» وأولاده وبلادهم وتلك الجهات، وبحر «سوداق» وبرّه، يكونون آمنين مطمئنّين مطلقا: لهم أن يعبروا في بلاد مملكة الملك الجليل، كرميخائيل من أوّلها إلى آخرها، بلا مانع ولا عائق: أرسلوا في برّ أو بحر، على ما تقتضيه مصلحة ذلك الوقت لمملكة عزّ سلطاني، آمنين مطمئنّين، غير ممنوعين
стр. 6489
بجميع من يصل معهم من رسل تلك الجهات وغيرها، وكلّ من معهم من مماليك وجوار وغير ذلك. وأن لا يحصل للتّجّار الواردين من مملكة الملك الجليل كرميخائيل إلى بلاد عزّ سلطاني جور ولا ظلم، ويترددون آمنين مطمئنّين يعملون متاجرهم، ولهم الرّعاية في الصّدور والورود، والمقام والسّفر، بحيث يكون لتجّار مملكة عزّ سلطاني في بلاد مملكة الملك الجليل كرميخائيل مثل ذلك، ويكونون مرعيّين، لا يجدون من أحد في بلاد مملكة الملك الجليل كرميخائيل جورا ولا ظلما. ومن عليه حقّ واجب في الجهتين على ما استقرّ عليه الحال، يقوم به من غير حيف ولا ظلم.
وأنّ من حضر من التّجّار: من سوداق وغيرها بمماليك وجوار تمكّنهم مملكة الملك الجليل كرميخائيل من الحضور بهم إلى مملكة عزّ سلطاني ولا تمنعهم. وأن الكرسالية متى تعرّضوا إلى أخذ أحد من التّجار المسلمين في البحر، ونسبت الكرسالية إلى رعيّة مملكة الملك الجليل كرميخائيل، يسيّر عزّ سلطاني إليه في طلبهم، ولا يتعرض أحد من نوّاب مملكة عزّ سلطاني إلى هذا الجنس بسببهم، إلا أن يتحقّق أنهم آخذون، أو تظهر عين المال معهم، على ما تضمّنته نسخة يمين الملك الجليل كرميخائيل؛ ولمملكة الملك الجليل كرميخائيل من بلاد عزّ سلطاني مثل ذلك.
وعلى أنّ الرسل المتردّدين من الجهتين: من مملكة عزّ سلطاني، ومن مملكة الملك الجليل كرميخائيل، يكونون آمنين مطمئنّين في سفرهم ومقامهم: برّا وبحرا، وتكون رعيّة بلاد عزّ سلطاني، ورعية بلاد الملك الجليل كرميخائيل، في الجهتين من المسلمين وغيرهم آمنين مطمئنّين، صادرين واردين، محترمين مرعيّين. وهذه اليمين لا تزال محفوظة ملحوظة، مستمرّة مستقرّة، على الدّوام والاستمرار.
قلت: وهذه النّسخة الواردة من صاحب القسطنطينيّة المتقدّمة عليها، وإن عبّر عنهما في خلالهما بلفظ اليمين، فإنهما بعقد الصّلح أشبه، واليمين جزء من أجزاء ذلك، ولذلك أوردتها في عقود الصّلح دون الأيمان.
стр. 6490
الباب الخامس من المقالة التاسعة (في عقود الصّلح الواقعة بين ملكين مسلمين؛ وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (في أصول تعتمد في ذلك)
اعلم أنّ الأصل في ذلك ما ذكره أصحاب السّير وأهل التّاريخ، أنه لمّا وقع الحرب بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وبين معاوية ابن أبي سفيان ﵁، في صفّين، في سنة سبع وثلاثين من الهجرة- توافقا على أن يقيما حكمين بينهما، ويعملا بما يتّفقان عليه. فأقام أمير المؤمنين عليّ أبا موسى الأشعريّ حكما عنه، وأقام معاوية عمرو بن العاص حكما عنه؛ فاتّفق الحكمان على أن يكتب بينهما كتاب بعقد الصّلح، واجتمعا عند عليّ ﵁، وكتب كتاب القضيّة بينهما بحضرته، فكتب فيه بعد البسملة:
هذا ما تقاضى أمير المؤمنين عليّ، فقال عمرو: هو أميركم، أما أميرنا فلا. فقال [الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين فإني أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا. لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك عليّ مليّا من النّهار. ثم إن الأشعث] «١» بن قيس قال: أمح اسم أمير المؤمنين؛ فأجاب عليّ ومحاه. ثم قال عليّ: الله أكبر! سنّة بسنّة [ومثل بمثل] «٢» . والله
стр. 6491
إني لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية، فكتبت: محمد رسول الله، فقالوا:
لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحوه، فقلت: لا أستطيع أفعل! فقال إذن أرنيه فأريته فمحاه بيده، وقال: «إنّك ستدعى إلى مثلها فتجيب» .
وهذه نسخة كتاب القضيّة بين أمير المؤمنين عليّ وبين معاوية، فيما رواه أبو عبد الله الحسين بن نصر بن مزاحم المنقريّ، في «كتاب صفّين والحكمين» بسنده إلى محمد بن عليّ الشّعبيّ؛ وهو «١» : [بسم الله الرحمن الرحيم] .
هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما، فيما تراضيا من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه محمد ﷺ ، قضيّة عليّ على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب، وقضيّة معاوية على أهل الشّام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب، إنا رضينا أن ننزل عند حكم كتاب الله بيننا حكما فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات. على ذلك تقاضينا، وبه تراضينا. وإنّ عليّا وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس «٢» ناظرا ومحاكما، ورضي معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا ومحاكما، على أنهم أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه، وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه، ليتّخذان الكتاب إماما فيما بعثاله، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجدا فيه مسطورا، وما لم يجداه
стр. 6492
مسمّى في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول الله الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافا، ولا يتّبعان في ذلك لهما هوى، ولا يدخلان في شبهة.
وأخذ عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص على عليّ ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرّضا بما حكما به من كتاب الله وسنّة نبيّه، ليس لهما أن ينقضا ذلك [ولا يخالفا] «١» إلى غيره، وأنهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهليهما، ما لم يعدوا الحقّ، رضي بذلك راض أو أنكر منكر، وأنّ الأمة انصار لهما على ما قضيا به من العدل.
فإن توفّي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فأمير شيعته وأصحابه يختارون رجلا، [يألون] «٢» عن أهل المعدلة والإقساط، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق والحكم بكتاب الله وسنّة رسوله، وله مثل شرط صاحبه.
وإن مات واحد من الأميرين قبل القضاء، فلشيعته أن يولّوا مكانه رجلا يرضون عدله.
وقد وقعت [هذه] «٣» القضيّة بيننا و [معها] «٤» الأمن والتّفاوض، ووضع السّلاح، وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه: ليحكمان بكتاب الله وسنّة نبيّه، لا يدخلان في شبهة ولا يألوان اجتهادا، ولا يتعمّدان جورا، ولا يتّبعان هوى، ولا يعدوان ما في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله، فإن لم يفعلا برئت الأمّة من حكمهما، ولا عهد لهما ولا ذمّة. وقد وجبت القضيّة على ما سمّينا في هذا الكتاب من موقع الشّرط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله أقرب شهيدا وأدنى حفيظا، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل، والسّلاح موضوع، والسّبيل
стр. 6493
مخلّى، والشاهد والغائب من الفريقين سواء في الأمر. وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق وأهل الشّام، ولا يحضرهما فيه إلا من أحبّا عن ملإ «١» منهما وتراض. وأجّل القاضيين المسلمون إلى رمضان: فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجّها له، عجّلاها، وإن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم، فإن ذلك إليهما. فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنّة نبيّه إلى انقضاء الموسم، فالمسلمون على أمرهم الأوّل في الحرب، ولا شرط بين واحد «٢» من الفريقين. وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه على التّمام «٣» على ما في هذا الكتاب. وهم يد على من أراد في هذا الكتاب إلحادا أو ظلما، أو أراد له نقضا.
شهد على ما في هذا الكتاب من أصحاب عليّ: الأشعث بن قيس [الكنديّ] «٤» ، وعبد الله بن عبّاس، والأشتر بن الحارث «٥» ، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، والحصين والطّفيل ابنا الحارث بن المطّلب، وأبو أسيد بن ربيعة الأنصاريّ، وخبّاب بن الأرتّ، وسهل بن حنيف الأنصاريّ، وأبو اليسر بن عمرو الأنصاريّ، ورفاعة بن رافع بن مالك الأنصاريّ، وعوف بن الحارث بن المطّلب القرشيّ، وبريدة الأسلميّ، وعقبة بن عامر الجهنيّ، ورافع بن خديج الأنصاريّ، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، والحسن والحسين ابنا عليّ، وعبد الله بن جعفر الهاشميّ، واليعمر بن عجلان
стр. 6494
الأنصاريّ، وحجر بن عديّ الكنديّ، وورقاء «١» بن سميّ البجليّ، وعبد الله ابن الطّفيل الأنصاريّ «٢» ، ويزيد بن حجيّة الدكريّ «٣» ، ومالك بن كعب الهمدانيّ، وربيعة بن شرحبيل، وأبو صفرة، والحارث بن مالك، وحجر بن يزيد، وعقبة بن حجيّة.
ومن أصحاب معاوية: حبيب بن مسلمة الفهميّ «٤» ، و [أبو] الأعور السّلميّ «٥» ، وبسر بن أرطاة القرشيّ، ومعاوية بن حديج الكنديّ، والمخارق بن الحارث الحميريّ، وزميل «٦» بن عمرو السّكسكيّ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد «٧» المخزوميّ، وحمزة بن مالك الهمدانيّ، وسبع بن زيد الحميريّ «٨» ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمة بن مرثد الكلبيّ، وخالد بن الحصين السّكسكيّ، وعلقمة بن يزيد الحضرميّ، ويزيد ابن الحرّ «٩» العبسيّ، ومسروق بن حملة العكّيّ، ونمير بن يزيد الحميريّ، وعبد الله بن عامر القرشيّ، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة القرشيّ، وعقبة «١٠» بن أبي سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، ويزيد بن عمرو الجذاميّ، وعمّار بن الأخوص الكلبيّ، ومسعدة ابن عمر القينيّ، وعاصم بن المستنير الجذاميّ، وعبد الرحمن بن ذي كلاع
стр. 6495
الحميريّ، والصباح بن جلهمة الحميريّ، وثمامة بن حوشب، وعلقمة بن حكيم، وحمزة بن مالك [الهمداني] «١» .
وإنّ بيننا على ما في هذه الصّحيفة عهد الله وميثاقه. وكتب عمير يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين.
وأخرج أيضا بسنده إلى أبي إسحاق الشّيبانيّ أن عقد الصّلح كان عند سعيد بن أبي بردة في صحيفة صفراء عليها خاتمان: خاتم في أسفلها، وخاتم في أعلاها. في خاتم عليّ «محمد رسول الله» وفي خاتم معاوية «محمد رسول الله» .
قلت: وذكر روايات أخرى فيها زيادة ونقص أضربنا عن ذكرها خوف الإطالة، إذ فيما ذكرنا مقنع. على أن المؤرّخين لم يذكروا من ذلك إلا طرفا يسيرا.
стр. 6496
الفصل الثاني من الباب الخامس من المقالة التاسعة (فيما جرت العادة بكتابته بين الخلفاء وملوك المسلمين على تعاقب الدول؛ ممّا يكتب في الطّرّة والمتن)
أما الطّرّة: فليعلم أنّ الذي ينبغي أن يكتب في الطّرّة هنا: «هذا عقد صلح» ويكمل على ما تقدّم في الهدنة، ولا يكتب فيه: «هذه هدنة» لما يسبق إلى الأذهان من أن المراد من الهدنة ما يجري بين المسلمين والكفّار.
وأما المتن فعلى نوعين:
النوع الأوّل (ما يكون العقد فيه من الجانبين)
ولم أر فيه للكتّاب إلا الاستفتاح بلفظ: «هذا» ، وعليه كتب كتاب القضيّة بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁، على ما تقدّم ذكره.
وعلى ذلك استكتب هارون الرّشيد ولديه: محمدا الأمين، وعبد الله المأمون: العهدين اللّذين عهد فيهما بالخلافة بعده لابنه الأمين، وولّى خراسان ابنه المأمون، ثم عهد بالخلافة من بعد الأمين للمأمون، وأشهد فيهما، وبعث بهما إلى مكّة فعلّقا في بطن الكعبة، في جملة المعلّقات التي
стр. 6497
كانت تعلّق فيها، على عادة العرب السّابقة: من تعليق القصائد ونحوها.
وبذلك سمّيت القصائد السبع المشهورة: بالمعلّقات لتعليقهم إيّاها في جوف الكعبة.
أما عهد الأمين، فنسخته بعد البسملة- على ما ذكره الأزرقيّ «١» في أخبار مكّة- ما صورته:
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد ابن أمير المؤمنين في صحّة من بدنه وعقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره.
إنّ أمير المؤمنين هارون ولّاني العهد من بعده، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا، وولّى أخي عبد الله ابن أمير المؤمنين هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين من بعدي، برضا منّي وتسليم، طائعا غير مكره، وولّاه خراسان بثغورها، وكورها، وجنودها، وخراجها، وطرازها «٢» ، وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها، وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعد وفاته، فشرطت لعبد الله ابن «٣» أمير المؤمنين عليّ الوفاء بما جعله له أمير المؤمنين هارون: من البيعة والعهد، وولاية الخلافة وأمور المسلمين بعدي، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها، وما أقطعه أمير المؤمنين هارون من قطيعة، أو جعل له من عقدة «٤» أو ضيعة من ضياعه وعقده، أو ابتاع له من الضّياع والعقد،
стр. 6498
وما أعطاه في حياته وصحّته: من مال، أو حليّ، أو جوهر، أو متاع، أو كسوة، أو رقيق، أو منزل، أو دوابّ، قليلا أو كثيرا، فهو لعبد الله ابن أمير المؤمنين موفّرا عليه، مسلّما له. وقد عرفت ذلك كلّه شيئا فشيئا باسمه وأصنافه ومواضعه، أنا وعبد الله ابن هارون أمير المؤمنين. فإن اختلفنا في شيء منه فالقول فيه قول عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، لا أتبعه بشيء من ذلك، ولا آخذه منه، ولا أنتقصه، صغيرا ولا كبيرا [من ماله] «١» ولا من ولاية خراسان ولا غيرها مما ولّاه أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شيء منها، ولا أخلعه، ولا أستبدل به غيره، ولا أقدّم عليه في العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها في نفسه ولا دمه، ولا شعره ولا بشره، ولا خاصّ ولا عامّ من أموره وولايته، ولا أمواله، ولا قطائعه، ولا عقده، ولا أغيّر عليه شيئا لسبب من الأسباب، ولا آخذه ولا أحدا من عمّاله وكتّابه وولاة أمره- ممن صحبه وأقام معه- بمحاسبة، ولا أتتبّع شيئا جرى على يديه وأيديهم في ولاية خراسان وأعمالها وغيرها مما ولاه أمير المؤمنين في حياته وصحّته: من الجباية، والأموال، والطّراز، والبريد، والصّدقات، والعشر والعشور، وغير ذلك، ولا آمر بذلك أحدا من الناس، ولا أرخّص فيه لغيري، ولا أحدّث نفسي فيه بشيء أمضيه عليه، ولا ألتمس قطيعة له، ولا أنقص شيئا مما جعله له هارون أمير المؤمنين وأعطاه في حياته وخلافته وسلطانه من جميع ما سمّيت في كتابي هذا. «٢» وآخذ له عليّ وعلى جميع الناس البيعة، ولا أرخّص لأحد- من جميع الناس كلّهم في جميع ما ولّاه- في خلعه ولا مخالفته، ولا أسمع من أحد من البريّة في ذلك قولا، ولا أرضى بذلك في سرّ ولا علانية، ولا أغمض عليه، ولا أتغافل عنه، ولا أقبل من برّ من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب، ولا ناصح ولا غاشّ، ولا قريب
стр. 6499
ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﵇: من ذكر ولا أنثى- مشورة، ولا حيلة، ولا مكيدة في شيء من الأمور: سرّها وعلانيتها، وحقّها وباطلها، وظاهرها وباطنها، ولا سبب من الأسباب، أريد بذلك إفساد شيء مما أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسي، وأوجبت له عليّ، وشرطت وسمّيت في كتابي هذا.
وإن أراد به أحد من الناس أجمعين سوءا أو مكروها، أو أراد خلعه أو محاربته، أو الوصول إلى نفسه ودمه، أو حرمه، أو ماله، أو سلطانه أو ولايته: جميعا أو فرادى، مسرّين أو مظهرين له- فإنّي انصره وأحوطه، وأدفع عنه، كما أدفع عن نفسي، ومهجتي، ودمي، وشعري، وبشري، وحرمي، وسلطاني، وأجهّز الجنود إليه، وأعينه على كلّ من غشّه وخالفه، ولا أسلمه [ولا أخذله] «١» ولا أتخلّى عنه، ويكون أمري وأمره في ذلك واحدا [أبدا] «٢» ما كنت حيّا.
وإن حدث بأمير المؤمنين هارون حدث الموت، وأنا وعبد الله ابن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين، أو أحدنا، أو كنّا غائبين عنه جميعا:
مجتمعين كنّا أو متفرّقين، وليس عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في ولايته بخراسان [فعليّ لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان] «٣» وأن أسلّم له ولايتها بأعمالها كلّها وجنودها، ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلي، ولا في شيء من البلدان دون خراسان، وأعجّل إشخاصه إلى خراسان واليا عليها مفردا بها، مفوّضا إليه جميع أعمالها كلّها، وأشخص معه من ضمّ إليه أمير المؤمنين: من قوّاده، وجنوده، وأصحابه، وكتّابه، وعمّاله، ومواليه، وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأهليهم وأموالهم، ولا أحبس عنه
стр. 6500
أحدا، ولا أشرك معه في شيء منها أحدا، ولا أرسل أمينا ولا كاتبا ولا بندارا «١» ، ولا أضرب على يديه في قليل ولا كثير.
وأعطيت هارون أمير المؤمنين وعبد الله بن هارون على ما شرطت لهما على نفسي، من جميع ما سمّيت وكتبت في كتابي هذا- عهد الله وميثاقه، وذمّة أمير المؤمنين وذمّتي، وذمة آبائي وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله تعالى على النّبيّين والمرسلين وخلقه أجمعين: من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكّدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها.
فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهارون أمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين وسمّيت في كتابي هذا، أو حدّثت نفسي أن أنقض شيئا ممّا أنا عليه، أو غيّرت أو بدّلت، أو حلت أو حلت أو غدرت، أو قبلت [ذلك] من أحد من الناس: صغيرا أو كبيرا، برّا أو فاجرا، ذكرا أو أنثى، وجماعة أو فرادى- فبرئت «٢» من الله ، ومن ولايته، ومن دينه، ومن محمد ﷺ ، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا؛ وكلّ امرأة هي اليوم لي أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا، البتّة، طلاق الحرج «٣» ، وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة:
نذرا واجبا لله تعالى في عنقي، حافيا راجلا، لا يقبل الله منّي إلا الوفاء بذلك، وكلّ مال هو لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي «٤» بالغ الكعبة الحرام، وكلّ مملوك هو لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله .
وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين،
стр. 6501
وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه، وسمّيت في كتابي هذا لازم لي الوفاء به، ولا أضمر غيره، ولا أنوي إلّا إيّاه؛ فإن أضمرت أو نويت غيره فهذه العقود والمواثيق والأيمان كلّها لازمة، واجبة عليّ، وقوّاد أمير المؤمنين وجنوده وأهل الآفاق والأمصار في حلّ من خلعي وإخراجي من ولايتي عليهم، حتّى أكون سوقة من السّوق، وكرجل من عرض «١» المسلمين، لا حقّ لي عليهم، ولا ولاية، ولا تبعة لي قبلهم، ولا بيعة لي في أعناقهم، وهم في حلّ من الأيمان التي أعطوني، براء من تبعتها ووزرها في الدّنيا والآخرة.
شهد سليمان ابن أمير المؤمنين المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وعبد الله بن المهديّ، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن عيسى بن عليّ، وأحمد بن إسماعيل بن عليّ، وسليمان بن جعفر بن سليمان، وعيسى بن صالح بن عليّ، وداود بن عيسى بن موسى، ويحيى بن عيسى بن موسى، وداود بن سليمان بن جعفر، وخزيمة بن حازم، وهرثمة بن أعين، ويحيى بن خالد، والفضل بن يحيى، وجعفر بن يحيى، والفضل بن الرّبيع مولى أمير المؤمنين، والقاسم بن الرّبيع مولى أمير المؤمنين، ودماثة بن عبد العزيز العبسيّ، وسليمان بن عبد الله بن الأصمّ، والربيع بن عبد الله الحارثيّ، وعبد الرحمن بن أبي الشّمر الغسّانيّ، ومحمد بن عبد الرحمن قاضي مكّة، وعبد الكريم بن شعيب الحجبيّ، وإبراهيم بن عبد الله الحجبيّ، وعبد الله بن شعيب الحجبيّ، ومحمد بن عبد الله بن عثمان الحجبيّ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبيّ، وعبد الواحد بن عبد الله الحجبيّ، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبيّ، وأبان مولى أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن صبيح، والحارث مولى أمير المؤمنين، وخالد مولى أمير المؤمنين.
стр. 6502
وكتب في ذي الحجة سنة ستّ وثمانين ومائة:
وأما ما كتبه المأمون، فنصّه بعد البسملة «١» :
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في صحّة من عقله، وجواز من أمره، وصدق نيّة فيما كتب من كتابه، ومعرفة ما فيه من الفضل والصّلاح له ولأهل بيته ولجماعة المسلمين.
إنّ أمير المؤمنين هارون ولّاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون أمير المؤمنين، وولّاني في حياته وبعده خراسان وكورها، وجميع أعمالها: من الصّدقات والعشر والبريد والطّراز وغير ذلك، واشترط لي على محمد ابن أمير المؤمنين الوفاء بما عقد لي من الخلافة والولاية للعباد والبلاد بعده، [وولاية] «٢» خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء ممّا أقطعني أمير المؤمنين أو ابتاع لي من الضّياع والعقد والدّور والرّباع، أو ابتعت منه [لنفسي] «٣» من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال والجوهر والكسا والمتاع والدّواب [والرقيق وغير ذلك، ولا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتّابي بسبب محاسبة] «٤» ، ولا يتتبّع لي في ذلك ولا لأحد منهم أثرا، ولا يدخل عليّ ولا على أحد ممن كان معي ومنّي، ولا عمّالي ولا كتّابي، ومن استعنت به من جميع الناس- مكروها: في دم، ولا نفس، ولا شعر، ولا بشر، ولا مال، ولا صغير، ولا كبير [من الأمور] »
فأجابه إلى ذلك وأقرّ به، وكتب له به
стр. 6503
كتابا كتبه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين [هارون وقبله وعرف صدق نيّته فيه، فشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين] «١» وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد ابن أمير المؤمنين وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشّه، وأوفّي ببيعته وولايته، ولا أغدر ولا أغدر ولا أنكث، وأنفّذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ومكانفته «٢» ، وأجاهد عدوّه في ناحيتي بأحسن جهاد ما وفى لي بما شرط لي ولعبد الله هارون أمير المؤمنين، وسمّاه في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين ورضي به أمير المؤمنين، ولم ينقص شيئا من ذلك، ولم ينقض أمرا من الأمور التي اشترطها لي عليه هارون أمير المؤمنين.
وإن احتاج محمد بن هارون أمير المؤمنين إلى جند وكتب إليّ يأمرني بإشخاصهم إليه، أو إلى ناحية من النّواحي، أو إلى عدوّ من أعدائه خالفه أو أراد نقص شيء من سلطانه وسلطاني الذي أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا وولّاناه-[فعليّ] «٣» أن أنفّذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصّر في شيء كتب به إليّ.
وإن أراد محمد بن أمير المؤمنين هارون أن يولّي رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدي، فذلك له، ما وفّى لي بما جعل لي أمير المؤمنين هارون واشترط لي عليه، وشرطه على نفسه في أمري، وعليّ إنفاذ ذلك والوفاء له بذلك، ولا أنقض ذلك ولا أغيّره، ولا أبدّله، ولا أقدّم [قبله] «٤» أحدا من ولدي، ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلّا أن يولّي هارون أمير المؤمنين أحدا من ولده العهد من بعدي، فيلزمني [ومحمدا] «٥» الوفاء بذلك.
وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد بن أمير المؤمنين عليّ الوفاء بما اشترطت وسمّيت في كتابي هذا، ما وفّى لي محمد ابن أمير المؤمنين هارون
стр. 6504
بجميع ما اشترط لي هارون أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من جميع الأشياء المسمّاة في الكتاب الذي كتبه له، [وعليّ] «١» عهد الله تعالى وميثاقه، وذمّة أمير المؤمنين، وذمّتي، وذمّة آبائي، وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله على النبيّين والمرسلين من خلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكّدة التي أمر الله بالوفاء بها [ونهى عن نقضها وتبديلها] «٢» ؛ فإن أنا نقضت شيئا مما اشترطت وسمّيت في كتابي هذا له، أو غيّرت، أو بدّلت، أو نكثت، أو غدرت- فبرئت من الله ومن ولايته ومن دينه، ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا، وكلّ امرأة لي اليوم أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتّة [طلاق] «٣» الحرج، وكلّ مملوك لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله تعالى، وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكّة ثلاثين حجّة، نذرا واجبا عليّ وفي عنقي، حافيا راجلا، لا يقبل الله منّي إلا الوفاء به، وكلّ مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لعبد الله هارون أمير المؤمنين أو شرطت في كتابي هذا لازم لي، لا أضمر غيره ولا أنوي سواه.
شهد فلان وفلان، بأسماء الشهود المقدّم ذكرهم في كتاب الأمين المبتدإ بذكره.
قال الأزرقيّ: ولم يزل هذان الشرطان معلقين في جوف الكعبة حتّى مات هارون الرّشيد؛ وبعد ما مات بسنتين، في خلافة الأمين [كلّم] «٤» الفضل بن الربيع محمد بن عبد الله الحجبيّ في إتيانه بهما، فنزعهما من الكعبة وذهب بهما إلى بغداد، فأخذهما الفضل فخرّقهما وحرّقهما بالنّار.
قلت: وعلى نحو من ذلك كتب أبو إسحاق الصّابي مواصفة بالصّلح بين شرف الدّولة وزين الملّة أبي الفوارس، وصمصام الدّولة وشمس
стр. 6505
الملّة أبي كاليجار، ابني عضد الدّولة بن ركن، الدّولة بن بويه، في النّصف من صفر سنة ستّ وسبعين وثلاثماية.
ونصّها بعد البسملة الشّريفة:
هذا ما اتّفق واصطلح وتعاهد وتعاقد عليه شرف الدّولة وزين الملّة أبو الفوارس، وصمصام الدّولة أبو كاليجار، ابنا عضد الدّولة وتاج الملّة أبي شجاع بن ركن الدّولة أبي عليّ، موليا أمير المؤمنين الطائع لله- أطال الله بقاءه، وأدام عزّه وتأييده، ونصره وعلوّه وإذنه.
اتّفقا وتصالحا، وعاهدا وتعاقدا، على تقوى الله تعالى وإيثار طاعته، والاعتصام بحبله وقوّته، والالتجاء إلى حسن توفيقه ومعونته، والإقرار بانفراده ووحدانيّته، لا شريك له ولا مثل، ولا ضدّ ولا ندّ، والصلاة على محمد رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليما، والطّاعة لأمير المؤمنين الطّائع لله، والالتزام بوثائق بيعته، وعلائق دعوته، والتّوازر على موالاة وليّه، ومعاداة عدوّه، وعلى أن يمسكا [ذات] «١» بينهما بالسّير الحميدة، والسّنن الرشيدة، التي سنّها لهما السّلف الصالح من آبائهما وأجدادهما في التآلف والتّوازر، والتّعاضد والتّظافر، وتعظيم الأصغر للأكبر، وإشبال «٢» الأكبر على الأصغر، والاشتراك في النّعم، والتّفاوض في الحظوظ والقسم، والاتّحاد بخلوص الطّوايا والخفايا، وسلامة الخواطر، وطهارة الضّمائر، ورفع ما خالف ذلك من أسباب المنافسة، وجرائر المضاغنة، وجوالب النّبوة، ودواعي الفرقة، والإقران لأعداء الدّولة، والإرصاد لهم، والاجتماع على دفع كلّ ناجم، وقمع كلّ مقاوم، وإرغام أنف كلّ ضار متجبّر، وإضراع خدّ كلّ متطاول مستكبر، حتّى يكون الموالي لأحدهم منصورا من جماعتهم، والمعادي له مقصودا من سائر جوانبهم، فلا يجد
стр. 6506
المنابذ على أحدهم مفزعا عند أحد من الباقين ولا اعتصاما له، ولا التجاء إليه، لكن يكون مرميّا بجميع سهامهم، ومضروبا بأسياف نقمتهم، ومأخوذا بكلّيّة بأسهم وقوّتهم، ومقصودا بغالب نجدتهم وشدّتهم؛ إذ كانت هذه الآداب القويمة، والطّرائق السّليمة، جارية للدّول مجرى الجنن «١» الدّافعة عنها، والمعاقل المانعة لها، وبمثلها تطمئنّ النعم وتسكن، كما أنّ بأضدادها تشمئزّ وتنفر.
ولما وفّق الله تعالى شرف الدّولة وزين الملّة أبا الفوارس، وصمصام الدّولة وشمس الملّة أبا كاليجار اعتقاد هذه الفضائل وإيثارها، والتّظاهر بها واستشعارها، ودعاهما مولاهما الطائع لله أمير المؤمنين إلى ما دعاهما إليه من التّعاطف والتآلف، والتّصافي والتّخالص، وأمر صمصام الدّولة أبا كاليجار بمراسلة شرف الدّولة أبي الفوارس في إحكام معاقد الأخوّة، وإبرام وثائق الألفة- امتثل ذلك وأصغى إليه شرف الدّولة وزين الملّة أبو الفوارس: أصغى إليه شرف الدّولة إصغاء المستوثق المستصيب، وتقبّله تقبّل العالم اللّبيب، وأنفذ إلى باب أمير المؤمنين رسوله أبا نصر «خرشيد بن ديار بن مأفنة» بالمعروف من كفايته، والمشهور من اصطناع الملك السّعيد عضد الدّولة وتاج الملّة رضوان الله عليه له، وإيداعه إيّاه وديعة الإحسان التي يحقّ عليه أن يساوي في حفظها بين الجهتين، ويوازي في رعايتها بين كلا الفريقين.
فجرت بين صمصام الدّولة وشمس الملة أبي كاليجار وبينه مخاطبات استقرّت على أمور أتت المفاوضة عليها، وأثبت منها في هذه المواصفة ما احتيج إلى إثباته منها [أمر] «٢» عامّ للفريقين، وقسمان يختصّ كلّ واحد منهما بواحد منهما.
стр. 6507
فأما الأمر الذي يجمعهما عمومه، ويكتنفهما شموله، فهو: أن يتخالص شرف الدّولة وزين الملّة أبو الفوارس، وصمصام الدّولة وشمس الملّة أبو كاليجار في ذات بينهما، ويتصافيا في سرائر قلوبهما، ويرفضا ما كان جرّه عليهما سفهاء الأتباع: من ترك التّواصل، واستعمال التّقاطع، ويرجعا عن وحشة الفرقة، إلى أنس الألفة، وعن منقصة التّنافر والتّهاجر، إلى منقبة التّبارّ والتّلاطف، فيكون كلّ واحد منهما مريدا لصاحبه من الصّلاح مثل الذي يريده لنفسه، ومعتقدا في الذّبّ عن بلاده وحدوده مثل الذي يعتقده في الذّبّ عما يختصّ به، ومسرّا مثل ما يظهر: من موالاة وليّه، ومعاداة عدوّه، والمراماة لمن راماه، والمصافاة لمن صافاه؛ فإن نجم على أحدهما ناجم، أو راغمه مراغم، أو همّ به حاسد، أو دلف إليه معاند، اتّفقا جميعا على مقارعته: قريبا كان أو بعيدا، وترافدا على مدافعته: دانيا كان أو قاصيا، وسمح كلّ منهما لصاحبه عند الحاجة إلى المواساة في ذلك في سائر أحداث الزّمان ونوبه، وتصاريفه وغيره، بما يتّسع ويشتمل عليه طوقه من مال وعدّة، ورجال ونجدة، واجتهاد وقدرة، لا يغفل أخ منهما عن أخيه، ولا يخذله ولا يسلمه، ولا يترك نصرته، ولا ينصرف عن مؤازرته ومظاهرته بحال من الأحوال التي تستحيل بها النّيّات: من إرغاب مرغب، وحيلة محتال، ومحاولة محاول، ولا يقبل أحدهما مستأمنا إليه من جهة صاحبه: من جنديّ، ولا عامل، ولا كاتب، ولا صاحب، ولا متصرّف في وجه من وجوه التصرفات كلّها، ولا يجير عليه هاربا، ولا يعصم منه مواربا، ولا يتطرّف له حسدا، ولا يتحيّفه حقّا، ولا يهتك له حريما، ولا يتناول منه طوفا «١» ، ولا يخيف له سبيلا، ولا يتسبّب إلى ذلك بسبب باطن، ولا باعتلال ظاهر، ولا يدع موافقته، وملاءمته، ومعاونته ومظافرته في كلّ قول وفعل، وسرّ وجهر، على سائر الجهات، وتصرّف الحالات، ووجوه التّأويلات. يلتزم كلّ
стр. 6508
واحد منهما ذلك لصاحبه التزاما على التماثل والتّعادل، والتّوازي والتّقابل.
وأما الأمر الذي يختصّ شرف الدّولة وزين الملّة به، ويلتزمه صمصام الدّولة وشمس الملّة له، فهو أن يقدّمه صمصام الدّولة وشمس الملّة على نفسه، ويعطيه ما أعطاه الله له من فضل سنّه، ويطيعه في كلّ ما أفاد الدّولة الجامعة لهما صلاحا، وهاض من عدوّهما جناحا، وعاد على وليّهما بعزّ، وعلى عدوّهما بذلّ، وأن يقيم صمصام الدّولة الدّعوة على منابر ما في يده من مدينة السّلام وسائر البلدان والأمصار، التي أحاطت بهما حقوقه، وضربت عليهما حدوده، لأمير المؤمنين ثم لشرف الدّولة وزين الملّة أبي الفوارس، ثم لنفسه، ويجري الأمر في نقش سكك دور الضّرب التي يطبع بها الدّينار والدّرهم في جميع هذه البلاد على المثال، ويوفّي صمصام الدّولة وشمس الملّة أبو كاليجار شرف الدّولة وزين الملّة أبا الفوارس في المكاتبات والمخاطبات حقّ التّعظيم، وشعار التّفخيم، على التّقرير بينه وبين خرشيد بن ديار بن مأفنة في ذلك.
وأما الأمر الذي يختصّ صمصام الدّولة وشمس الملة أبو كاليجار به، ويلتزمه شرف الدولة وزين الملّة أبو الفوارس له، فهو ترك التّعرّض لسائر ممالكه، وما يتّصل بها من حدودها الجارية معها، والإفراج منها عما يودّه ويسرع إليه أصحاب شرف الدولة وزين الملّة، وتجنّب التّحيّف لها أو لشيء من الحقوق الواجبة فيها، ومراعاته في الأمور التي يحتاج فيها إلى نظره وطوله، وإجماله وفضله، وما يجب على الأخ الأكبر مراعاة أخيه وتاليه فيه، ممّا ثبتت في هذه المواصفة جملته، واشتملت المفاوضة مع خورشيد بن ديار ابن مأفنة على تفصيله.
اتّفق شرف الدّولة وزين الملّة أبو الفوارس، وصمصام الدّولة وشمس الملّة أبو كاليجار، بأمر أمير المؤمنين الطائع لله، وعلى الاختيار منهما، والانشراح من صدورهما من غير إكراه ولا إجبار، ولا اصطبار ولا
стр. 6509
اضطرار- على الرّضا بذلك كلّه، والالتزام له، ويصير جميعه عهدا مرجوعا إليه، وعقدا معمولا عليه، وحلف كلّ منهما على ما يلتزمه من ذلك يمينا عقدها بأن يحلف صاحبها بمثلها، على ما يلتزمه منه. فقال صمصام الدّولة:
والله الذي لا إله إلا هو (ويستتم اليمين) .
النوع الثاني (ممّا يجري عقد الصّلح فيه بين ملكين مسلمين- ما يكون العقد فيه من جانب واحد)
وللكتّاب فيه مذهبان:
المذهب الأوّل (أن يفتتح عقد الصّلح بلفظ: «هذا» كما في النوع السابق)
وهذه نسخة عقد صلح من ذلك، كتب بها أبو إسحاق الصّابي، بين الوزير أبي نصر سابور بن أزدشير «١» ، والشّريفين: أبي أحمد الحسين بن موسى، وأبي الحسن محمد ابنه الرّضيّ، بما انعقد من الصّلح والصّهر بين الوزير المذكور، وبين النّقيب أبي أحمد الحسين وولده محمد، حين تزوّج ابنه محمد المذكور بنت سابور المذكور، وجعله على نسختين، لكلّ جانب نسخة، بعد البسملة ما صورته:
هذا كتاب لسابور بن أزدشير، كتبه له الحسين بن موسى الموسويّ، وولده محمد بن الحسين الموسويّ.
إنّا وإيّاك- عندما وصله الله بيننا من الصّهر والخلطة، ووشجه من
стр. 6510
الحال والمودّة- آثرنا أن ينعقد بيننا وبينك ميثاق مؤكّد، وعهد مجدّد، تسكن النفوس إليهما، وتطمئنّ القلوب معهما، وتزداد الألفة بهما على مرّ الأيّام، وتعاقب الأعوام، ويكون ذلك أصلا مستقرّا نرجع جميعا إليه، ونعوّل ونعتمد عليه، وتتوارثه أعقابنا، وتتبعنا فيه أخلافنا.
فأعطيناك عهد الله وميثاقه، وما أخذه على على أنبيائه المرسلين، وملائكته المقرّبين، صلّى الله عليهم أجمعين، عن صدور منشرحة، وآمال في الصّلاح منفسحة- أنّا نخلص لك جميعا وكلّ واحد منّا إخلاصا صحيحا يشاكل ظاهره باطنه، ويوافق خافيه عالنه، وأنّا نوالي أولياءك، ونعادي أعداءك، ونصل من وصلك، ونقطع من قطعك، ونكون معك في نوائب الزمان وشدائده، وفي فوائده وعوائده، وضمنّا لك ضمانا شهد الله بلزومه لنا، ووجوبه علينا، وأنا نصون الكريمة علينا، الأثيرة عندنا، فلانة بنت فلان- أدام الله عزّها- المنتقلة إلينا، كما تصان العيون بجفونها، والقلوب بشغافها، ونجريها مجرى كرائم حرمنا، ونفائس بناتنا، ومن تضمّه منازلنا وأوطاننا، ونتناهى في إجلالها وإعظامها، والتّوسعة عليها في مراغد عيشها وعوارض أوطارها، وسائر مؤنها ومؤن أسبابها، والنّهوض والوفاء بالحقّ الذي أوجبه الله علينا لها ولك فيها، فلا نعدم شيئا ألفته: من إشبال عليها، وإحسان إليها، وذبّ عنها، ومحاماة دونها، وتعهّد لمسارّها، وتوخّ لمحابّها، ونكون جميعا وكلّ واحد منا مقيمين لك ولها على جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب في حياتك- أطالها الله- وبعد الوفاة إن تقدّمتنا، وحوشيت من السّوء في أمورك كلّها، وأحوالك أجمعها.
ثم إنا نقول- وكلّ واحد منا، طائعين مختارين، غير مكرهين ولا مجبرين، بعد تمام هذا العقد بيننا وبينك، ولزومه لنا ولك-: والله الذي لا إله إلّا هو الطّالب الغالب، المدرك المهلك، الضّارّ النّافع، المطّلع على السّرائر، المحيط بما في الضمائر، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وحقّ محمد النّبيّ، وعليّ الرضيّ- صلى الله عليهما وسلّم وشرّف
стр. 6511
ذكرهما، وسادتنا الأئمّة الطيبين، الطاهرين، رحمة الله عليهم أجمعين، وحقّ القرآن العظيم، وما أنزل فيه من تحليل وتحريم، ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب، لنفينّ لك يا سابور بن أزدشير، والكريمة الأثيرة ابنتك فلانة- أحسن الله رعايتها- بجميع ما تضمّنه هذا الكتاب، وفاء صحيحا، ولنلتزمنّ لك ولها شرائطه ووثائقه، فلا نفسخها، ولا ننقضها، ولا نتتبّعها، ولا نتعقّبها، ولا نتأوّل فيها، ولا نزول عنها، ولا نلتمس مخرجا ولا مخلصا منها، حتّى يجمعنا الموقف بين يدي الله، والمقدم على رحمة الله، ونحن يومئذ ثابتان عليها، ومؤدّيان للأمانة فيها، أداء يشهد الله تعالى به وملائكته يوم يقوم الأشهاد، ويحاسب العباد؛ فإن نحن أخللنا بذلك أو بشيء منه، أو تأوّلنا فيه أو في شيء منه، أو أضمرنا خلاف ما نظهر، أو أسررنا ضدّ ما نعلن، أو التمسنا طريقا إلى نقضه، أو سبيلا إلى فسخه، أو ألممنا بإخفار ذمّة من ذممه، أو انتهاك حرمة من حرمه، أو حلّ عصمة من عصمه، أو إبطال شرط من شروطه، أو تجاوز حدّ من حدوده- فالذي يفعل ذلك منّا يوم يفعله أو يعتقده، وحين يدخل فيه ويستجيزه- بريء من الله جلّ ثناؤه، ومن نبوّة رسوله محمد، ومن ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلّى الله عليهما وسلّم، ومن القرآن الحكيم العظيم، ومن دين الله الصحيح القويم، ولقي الله يوم العرض عليه، والوقوف بين يديه، وهو به- سبحانه- مشرك، ولرسوله ﷺ مخالف، ولأهل بيته معاد، ولأعدائهم موال، وعليه الحجّ إلى بيت الله الحرام العتيق الذي بمكّة: راجلا، حافيا، حاسرا، وإماؤه عواتق، ونساؤه طوالق، طلاق الحرج والسّنّة، لا رجعة فيه ولا مثنويّة، وأمواله- على اختلاف أصنافها- محرّمة عليه، وخارجة عن يديه، وحبيسة في سبيل الله، وبرّأه الله من حوله وقوّته، وألجأه إلى حوله وقوّته.
وهذه اليمين لازمة لنا، وقد أطلق كلّ واحد منا بها لسانه، وعقد عليها ضميره؛ والنّية في جميعها نيّة فلان بن فلان، لا يقبل الله من كلّ واحد منّا إلا الوفاء بها، والثّبات عليها، والالتزام بشروطها، والوقوف على حدودها،
стр. 6512
وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده ومثيبا. وذلك في يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
المذهب الثاني (أن يفتتح عقد الصّلح بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» وربّما كرّر فيها التحميد إعلاما بعظيم موقع النّعمة)
وهذه نسخة عقد صلح كتب بها أبو الحسين أحمد بن سعد عن بعض الأمراء لمن كان ... «١» ...
ونصّها على ما ذكره في «كتاب البلاغة» «٢» في الترسل، بعد البسملة:
الحمد لله الذي خلق العباد بقدرته، وكوّن الأمور بحكمته، وصرّفها على إرادته. لم يلطف عنه خفيّ، ولا امتنع عنه قويّ؛ ابتدع الخلائق على اختلاف فطرها، وتباين صورها، من غير مثال احتذاه، ولا رسم اقتفاه، وأيّدهم بنعمته، فيما ركبه فيهم من الأدوات الدّالّة على ربوبيّته، الناطقة بوحدانيّته، واكتفوا بالمعرفة به- ﷻ بخبر العقول، وشهادة الأفهام، ثم استظهر لهم في التّبصرة، وغلبهم في الحجّة، برسل أرسلها، وآيات بيّنها، ومعالم أوضحها، ومنارات لمسالك الحقّ رفعها، وشرع لهم الإسلام دينا وارتضاه واصطفاه، وفضّله واجتباه، وشرّفه وأعلاه، وجعله مهيمنا على الدّين كلّه، وقدّر العزّ لحزبه وأهله، فقال ﷻ : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*
«٣» وأيّده بأنبيائه الدّاعين إليه، والنّاهجين لطرقه، والهادين لفرائضه، والمخبرين عن شرائعه، قرنا بعد قرن، وأمّة بعد أمّة، في فترة بعد فترة «٤» ،
стр. 6513
وبيّنة بعد بيّنة، حتّى انتهى تقديره- ﷻ أن بعث النّبيّ الأمّيّ، الفاضل الزّكيّ، الذي قفّى به على الرّسل، ونسخ بشريعته شرائع الملل، وبدينه أديان الأمم، على حين تراخي فترة، وترامي حيرة؛ فأباخ «١» به نيران الفتن بعد اضطرامها، وأضاء به سبل الرّشاد بعد إظلامها، على علم منه- تعالى ذكره- بما وجده عنده من النّهوض بأعباء الرّسالة، والقيام بأداء الأمانة، فأزاح بذلك العلّة، وقطع المعذرة، ولم يبق للشّاكّ موضع شبهة، ولا للمعاند دعوى مموّهة، حتى مضى حميدا تشهد له آثاره، وتقوم بتأييد سنّته أخباره، قد خلّف في أمّته، ما أصارهم به إلى عطف الله ورحمته، والنّجاة من عقابه وسخطه، إلّا من شقي بسوء اختياره، وحرم الرّشاد بخذلانه، صلّى الله عليه وعلى آله الطيبين أفضل صلاة وأتمّها، وأوفاها وأعمّها.
والحمد لله الذي خصّ سيدنا الأمير بالتّوفيق، وتوحّده بالإرشاد والتّسديد، في جميع أنحائه، ومواقع آرائه، وجعل همّته (إذ كانت الهمم منصرفة إلى هشيم الدّنيا وزخارفها، التي يتحلّى بها الأبناء وتدعوها إلى نفسها) مقصورة على ما يجمع له رضا ربّه، وسلامة دينه، واستقامة أمور مملكته، وصلاح أحوال رعيّته، وأيّده في هذه الحال المعارضة، والشّبهة الواقعة، التي تحار في مثلها الآراء، وتضطرب الأهواء، وتتنازع خواطر النفوس، وتفتلج وساوس الصّدور، ويخفى موقع الصّواب، ويشكل منهج الصّلاح- بما اختار له من السّلم والموادعة، والصّلح والموافقة، الذي أخبر الله تعالى في كتابه على فضله، والخير الذي في ضمنه، بقوله جلّ وعزّ:
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
«٢» وقوله جلّ ذكره: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
«٣» حتّى أصبح السّيف مغمودا، ورواق الأمن ممدودا، والأهواء
стр. 6514
متّفقة، والقلوب مؤتلفة، والكلمة مجتمعة، ونيران الفتن والضّلالة خامدة، وظنون بغاتها والسّاعين لها كاذبة، وطبقات الأولياء والرّعيّة- بما أعيد إليهم من الأمنة تعقب الخيفة، والأنسة من بعد الوحشة- مستبشرة، وإلى الله في إطالة بقاء الأمير وإدامة دولته، وحراسة نعمته وتثبيت وطأته- راغبين، وفي مسالمته مخلصين. ولو لم يكن السّلم في كتاب الله مأمورا به، والصّلح مخبرا عن الخير الذي فيه، لكان فيما ينتظم به: من حقن الدّماء، وسكون الدّهماء، ويجمع من الخلال المحمودة، والفضائل الممدودة، المقدّم ذكرها- ما حدا عليه، ومثّل للعقول السّليمة والآراء الصّحيحة موضع الخير فيه، وحسن العائدة على الخاصّ والعامّ به، فيما يتجلّى للعيون، من مشتبهات الظّنون، إذ الدّين واقع، والشّكّ جانح بين المحقّ والمبطل، والجائر والمقسط. وقد قال الله جلّ ثناؤه: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
«١» ناظرا للمسلمين من معرّة أو مضرّة تلحق بعضهم بغير علم، ومؤثرا تطهيرهم من ظنّ العدوان، مع رفعه عنهم فرطات النّسيان، وكافّا أيدي المسلمين عن المشركين، كما كفّ أيديهم عن المسلمين، تحنّنا على بريّته، وإبقاء على أهل معصيته، إلى أن يتمّ لهم الميقات الذي أدناه، والأمر الذي أمضاه، وموقع الحمد في عاقبته، والسّلامة في خاتمته، وبلّغهم من غاية البقاء أمدها، ومن مرافق العيش أرغدها، مقصورة أيدي النّوائب عما خوّله، ومعصومة أعين الحوادث عما نوّله، إنه جواد ماجد.
قلت: وعلى هذا المذهب كتب عقد الصّلح بين السّلطان الملك النّاصر أبي السّعادات «فرج» بن السّلطان الملك الظّاهر «برقوق» ، وبين المقام الشّريف القطبيّ تيمور كوركان «٢» صاحب ماوراء النّهر، بعد طروقه
стр. 6515
الشّام وفتحه دمشق وتحريقها وتخريبها، وإرسال كتابه في معنى طلب الصّلح، وإرسال الأمير أطلمش لزمه، المأسور «١» في الدّولة الظاهريّة «برقوق» صحبة الخواجا نظام الدين مسعود الكججاني. جهّز ذلك إليه قرين كتاب من الأبواب السلطانية صحبة الخواجا مسعود المذكور، والأمير شهاب الدين بن أغلبك، والأمير قانبيه، في جمادى الأولى «٢» سنة خمس وثمانمائة، بإشارة المقرّ الفتحيّ صاحب ديوان الإنشاء الشريف، من إنشاء الشيخ زين الدّين طاهر، ابن الشيخ بدر الدين حبيب الحلبيّ، أحد كتّاب الدّست الشّريف بالأبواب السلطانية، وهو مكتوب في قطع ... «٣» ...
بقلم ... «٤» ... وفي طرّته ما صورته:
«مرقوم «٥» شريف جليل عظيم، مبجّل مكرّم جميل نظيم، مشتمل على عقد صلح افتتحه المقام الشريف، العاليّ، القطبيّ، نصرة الدّين، تيمور كوركان، زيدت عظمته، يكون بينه وبين المقام الشريف، السّلطان، المالك، الملك النّاصر أبي السّعادات «فرج» بن السلطان الشّهيد، الملك الظّاهر أبي سعيد «برقوق» خادم الحرمين الشريفين، خلّد الله تعالى
следующие страницы →