Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
ذكرهما، وسادتنا الأئمّة الطيبين، الطاهرين، رحمة الله عليهم أجمعين، وحقّ القرآن العظيم، وما أنزل فيه من تحليل وتحريم، ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب، لنفينّ لك يا سابور بن أزدشير، والكريمة الأثيرة ابنتك فلانة- أحسن الله رعايتها- بجميع ما تضمّنه هذا الكتاب، وفاء صحيحا، ولنلتزمنّ لك ولها شرائطه ووثائقه، فلا نفسخها، ولا ننقضها، ولا نتتبّعها، ولا نتعقّبها، ولا نتأوّل فيها، ولا نزول عنها، ولا نلتمس مخرجا ولا مخلصا منها، حتّى يجمعنا الموقف بين يدي الله، والمقدم على رحمة الله، ونحن يومئذ ثابتان عليها، ومؤدّيان للأمانة فيها، أداء يشهد الله تعالى به وملائكته يوم يقوم الأشهاد، ويحاسب العباد؛ فإن نحن أخللنا بذلك أو بشيء منه، أو تأوّلنا فيه أو في شيء منه، أو أضمرنا خلاف ما نظهر، أو أسررنا ضدّ ما نعلن، أو التمسنا طريقا إلى نقضه، أو سبيلا إلى فسخه، أو ألممنا بإخفار ذمّة من ذممه، أو انتهاك حرمة من حرمه، أو حلّ عصمة من عصمه، أو إبطال شرط من شروطه، أو تجاوز حدّ من حدوده- فالذي يفعل ذلك منّا يوم يفعله أو يعتقده، وحين يدخل فيه ويستجيزه- بريء من الله جلّ ثناؤه، ومن نبوّة رسوله محمد، ومن ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلّى الله عليهما وسلّم، ومن القرآن الحكيم العظيم، ومن دين الله الصحيح القويم، ولقي الله يوم العرض عليه، والوقوف بين يديه، وهو به- سبحانه- مشرك، ولرسوله ﷺ مخالف، ولأهل بيته معاد، ولأعدائهم موال، وعليه الحجّ إلى بيت الله الحرام العتيق الذي بمكّة: راجلا، حافيا، حاسرا، وإماؤه عواتق، ونساؤه طوالق، طلاق الحرج والسّنّة، لا رجعة فيه ولا مثنويّة، وأمواله- على اختلاف أصنافها- محرّمة عليه، وخارجة عن يديه، وحبيسة في سبيل الله، وبرّأه الله من حوله وقوّته، وألجأه إلى حوله وقوّته.
وهذه اليمين لازمة لنا، وقد أطلق كلّ واحد منا بها لسانه، وعقد عليها ضميره؛ والنّية في جميعها نيّة فلان بن فلان، لا يقبل الله من كلّ واحد منّا إلا الوفاء بها، والثّبات عليها، والالتزام بشروطها، والوقوف على حدودها،
стр. 6512
وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده ومثيبا. وذلك في يوم كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
المذهب الثاني (أن يفتتح عقد الصّلح بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» وربّما كرّر فيها التحميد إعلاما بعظيم موقع النّعمة)
وهذه نسخة عقد صلح كتب بها أبو الحسين أحمد بن سعد عن بعض الأمراء لمن كان ... «١» ...
ونصّها على ما ذكره في «كتاب البلاغة» «٢» في الترسل، بعد البسملة:
الحمد لله الذي خلق العباد بقدرته، وكوّن الأمور بحكمته، وصرّفها على إرادته. لم يلطف عنه خفيّ، ولا امتنع عنه قويّ؛ ابتدع الخلائق على اختلاف فطرها، وتباين صورها، من غير مثال احتذاه، ولا رسم اقتفاه، وأيّدهم بنعمته، فيما ركبه فيهم من الأدوات الدّالّة على ربوبيّته، الناطقة بوحدانيّته، واكتفوا بالمعرفة به- ﷻ بخبر العقول، وشهادة الأفهام، ثم استظهر لهم في التّبصرة، وغلبهم في الحجّة، برسل أرسلها، وآيات بيّنها، ومعالم أوضحها، ومنارات لمسالك الحقّ رفعها، وشرع لهم الإسلام دينا وارتضاه واصطفاه، وفضّله واجتباه، وشرّفه وأعلاه، وجعله مهيمنا على الدّين كلّه، وقدّر العزّ لحزبه وأهله، فقال ﷻ : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*
«٣» وأيّده بأنبيائه الدّاعين إليه، والنّاهجين لطرقه، والهادين لفرائضه، والمخبرين عن شرائعه، قرنا بعد قرن، وأمّة بعد أمّة، في فترة بعد فترة «٤» ،
стр. 6513
وبيّنة بعد بيّنة، حتّى انتهى تقديره- ﷻ أن بعث النّبيّ الأمّيّ، الفاضل الزّكيّ، الذي قفّى به على الرّسل، ونسخ بشريعته شرائع الملل، وبدينه أديان الأمم، على حين تراخي فترة، وترامي حيرة؛ فأباخ «١» به نيران الفتن بعد اضطرامها، وأضاء به سبل الرّشاد بعد إظلامها، على علم منه- تعالى ذكره- بما وجده عنده من النّهوض بأعباء الرّسالة، والقيام بأداء الأمانة، فأزاح بذلك العلّة، وقطع المعذرة، ولم يبق للشّاكّ موضع شبهة، ولا للمعاند دعوى مموّهة، حتى مضى حميدا تشهد له آثاره، وتقوم بتأييد سنّته أخباره، قد خلّف في أمّته، ما أصارهم به إلى عطف الله ورحمته، والنّجاة من عقابه وسخطه، إلّا من شقي بسوء اختياره، وحرم الرّشاد بخذلانه، صلّى الله عليه وعلى آله الطيبين أفضل صلاة وأتمّها، وأوفاها وأعمّها.
والحمد لله الذي خصّ سيدنا الأمير بالتّوفيق، وتوحّده بالإرشاد والتّسديد، في جميع أنحائه، ومواقع آرائه، وجعل همّته (إذ كانت الهمم منصرفة إلى هشيم الدّنيا وزخارفها، التي يتحلّى بها الأبناء وتدعوها إلى نفسها) مقصورة على ما يجمع له رضا ربّه، وسلامة دينه، واستقامة أمور مملكته، وصلاح أحوال رعيّته، وأيّده في هذه الحال المعارضة، والشّبهة الواقعة، التي تحار في مثلها الآراء، وتضطرب الأهواء، وتتنازع خواطر النفوس، وتفتلج وساوس الصّدور، ويخفى موقع الصّواب، ويشكل منهج الصّلاح- بما اختار له من السّلم والموادعة، والصّلح والموافقة، الذي أخبر الله تعالى في كتابه على فضله، والخير الذي في ضمنه، بقوله جلّ وعزّ:
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
«٢» وقوله جلّ ذكره: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
«٣» حتّى أصبح السّيف مغمودا، ورواق الأمن ممدودا، والأهواء
стр. 6514
متّفقة، والقلوب مؤتلفة، والكلمة مجتمعة، ونيران الفتن والضّلالة خامدة، وظنون بغاتها والسّاعين لها كاذبة، وطبقات الأولياء والرّعيّة- بما أعيد إليهم من الأمنة تعقب الخيفة، والأنسة من بعد الوحشة- مستبشرة، وإلى الله في إطالة بقاء الأمير وإدامة دولته، وحراسة نعمته وتثبيت وطأته- راغبين، وفي مسالمته مخلصين. ولو لم يكن السّلم في كتاب الله مأمورا به، والصّلح مخبرا عن الخير الذي فيه، لكان فيما ينتظم به: من حقن الدّماء، وسكون الدّهماء، ويجمع من الخلال المحمودة، والفضائل الممدودة، المقدّم ذكرها- ما حدا عليه، ومثّل للعقول السّليمة والآراء الصّحيحة موضع الخير فيه، وحسن العائدة على الخاصّ والعامّ به، فيما يتجلّى للعيون، من مشتبهات الظّنون، إذ الدّين واقع، والشّكّ جانح بين المحقّ والمبطل، والجائر والمقسط. وقد قال الله جلّ ثناؤه: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
«١» ناظرا للمسلمين من معرّة أو مضرّة تلحق بعضهم بغير علم، ومؤثرا تطهيرهم من ظنّ العدوان، مع رفعه عنهم فرطات النّسيان، وكافّا أيدي المسلمين عن المشركين، كما كفّ أيديهم عن المسلمين، تحنّنا على بريّته، وإبقاء على أهل معصيته، إلى أن يتمّ لهم الميقات الذي أدناه، والأمر الذي أمضاه، وموقع الحمد في عاقبته، والسّلامة في خاتمته، وبلّغهم من غاية البقاء أمدها، ومن مرافق العيش أرغدها، مقصورة أيدي النّوائب عما خوّله، ومعصومة أعين الحوادث عما نوّله، إنه جواد ماجد.
قلت: وعلى هذا المذهب كتب عقد الصّلح بين السّلطان الملك النّاصر أبي السّعادات «فرج» بن السّلطان الملك الظّاهر «برقوق» ، وبين المقام الشّريف القطبيّ تيمور كوركان «٢» صاحب ماوراء النّهر، بعد طروقه
стр. 6515
الشّام وفتحه دمشق وتحريقها وتخريبها، وإرسال كتابه في معنى طلب الصّلح، وإرسال الأمير أطلمش لزمه، المأسور «١» في الدّولة الظاهريّة «برقوق» صحبة الخواجا نظام الدين مسعود الكججاني. جهّز ذلك إليه قرين كتاب من الأبواب السلطانية صحبة الخواجا مسعود المذكور، والأمير شهاب الدين بن أغلبك، والأمير قانبيه، في جمادى الأولى «٢» سنة خمس وثمانمائة، بإشارة المقرّ الفتحيّ صاحب ديوان الإنشاء الشريف، من إنشاء الشيخ زين الدّين طاهر، ابن الشيخ بدر الدين حبيب الحلبيّ، أحد كتّاب الدّست الشّريف بالأبواب السلطانية، وهو مكتوب في قطع ... «٣» ...
بقلم ... «٤» ... وفي طرّته ما صورته:
«مرقوم «٥» شريف جليل عظيم، مبجّل مكرّم جميل نظيم، مشتمل على عقد صلح افتتحه المقام الشريف، العاليّ، القطبيّ، نصرة الدّين، تيمور كوركان، زيدت عظمته، يكون بينه وبين المقام الشريف، السّلطان، المالك، الملك النّاصر أبي السّعادات «فرج» بن السلطان الشّهيد، الملك الظّاهر أبي سعيد «برقوق» خادم الحرمين الشريفين، خلّد الله تعالى
стр. 6516
ملكه، انعقد بمباشرة السّفير عن المقام الشريف القطبيّ، المشار إليه ووكيله في ذلك، الخواجا نظام الدّين مسعود الكججاني، بشهادة من حضر صحبته من العدول بالتوكيل المذكور، على حكم إشارة مرسله إليه ومضمون مكاتبته، وقصده تجهيز الأمير أطلمش لزمه، وحلف المقام القطبيّ على الموافاة والمصافاة، واتّحاد المملكتين، وإجراء الأمور على السّداد، وعمل مصالح العباد والبلاد» .
والبياض ثلاثة أوصال بوصل الطّرّة، والبسملة في أوّل الوصل الرابع بهامش عن يمينها، وتحت البسملة سطر، ثم بيت العلامة، والسّطر الثاني بعد بيت العلامة. والعلامة بجليل الثّلث بالذّهب ما صورته: «الله أملي» .
ونسخة المكتوب بعد البسملة ما صورته:
الحمد لله الذي جعل الصّلح خير ما انعقدت عليه المصالح، والإصلاح بين النّاس أولى ما اتّصلت به أسباب المناجح، وأحقّ ما نطقت به ألسن المحامد وأثنت عليه أفواه المدائح.
نحمده على نعمه التي جمعت أشتات القلوب الطوائح، وأضافت إلى ضياء الشّمس نور القمر فاهتدى بهما كلّ غاد ورائح، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلّغ قائلها أهنى المنائح، وتتعطّر مجالس الذّكر بعرف روائحها الرّوائح، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من آخى بين المتحاكمين فنصح لله ورأى الصّلح من أعظم النّصائح، وأكمل رسول انقادت لأخلاقه الرّضيّة، وصفاته المرضيّة، جوانح النّفوس الجوانح، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما اجتمعت عليه آراء أولي الألباب، وركنت إليه قلوب ذوي المعرفة من أهل المودّة والأحباب- ائتلاف القلوب بعد اختلافها، واتصافها بالتّلبّس بأحسن أوصافها، والعمل على الصّلح الذي هو أصلح للناس، وأربح متاجر الدّنيا والآخرة وأدفع لليأس والباس، إذ هو مفتاح أبواب الخيرات الشّاملة، ومصباح مناهج الفكر الصّحيحة الكاملة،
стр. 6517
والدّاعي إلى كلّ فعل جميل، والسّاعي بكلّ قول هو شفاء صدى الغليل ونجاة من داء العليل.
ولمّا كان المقام الشّريف، العاليّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، المؤيديّ، المظفّريّ، الملجئيّ، الملاذيّ، الوالديّ، القطبيّ، نصرة الدّين، ملجأ القاصدين، ملاذ العابدين، قطب الإسلام والمسلمين، تيمور كوركان، زيدت عظمته- هو الباديء بإحياء هذه السّنّة الحسنة، والحادي إلى العمل بمقتضى مفاوضته الشريفة التي هي لذلك متضمّنة، الواردة إلى حضرة عبد الله ووليّه، السّلطان المالك، الملك النّاصر، زين الدّنيا والدّين، أبي السّعادات «فرج» بن السّلطان الشّهيد الملك الظّاهر، أبي سعيد «برقوق» خادم الحرمين الشّريفين- خلّد الله تعالى ملكه- على يد سفير حضرته، المجلس السّاميّ، الشّيخيّ، النّظاميّ، مسعود الكججانيّ، المؤرّخة بمستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة تاريخه.
وجلّ مضمونها، وسرّ مكنونها- قصد إيقاع الصّلح الشريف بين المشار إليهما، ونسج المودّة والمحبّة والمصادقة بينهما، وإسبال رداء محاسنها عليهما، بمقتضى تفويض المقام الشّريف القطبيّ المشار إليه الأمر في الصّلح المذكور إلى الشّيخ نظام الدّين مسعود المذكور، وتوكيله إيّاه فيه، وإقامته مقام نفسه الشّريفة، وجعل قوله من قوله، وأنّه- عظّم الله تعالى شأنه- أشهد الله العظيم عليه بذلك، وأشهد عليه من يضع خطّه من جماعته المجهّزين صحبة الشّيخ نظام الدّين مسعود المذكور، وهما: الشّيخ بدر الدّين أحمد بن الشّيخ الإمام العالم شمس الدين محمد بن الجزريّ الشّافعي، والصّدر الأجلّ كمال الدّين كمال أغا «١» ، وأنّ ذلك صدر عن المقام الشريف القطبيّ المشار إليه، لموافقته على الصّلح الشريف، وإجابة
стр. 6518
القصد فيه بإطلاق الأمير أطلمش لزم المقام القطبيّ المشار إليه، وتجهيزه إلى حضرته العالية، وأنّه عاهد الله بحضور جمّ غفير من أمراء دولته وأكابرها، ومن حضر مجلسه، باليمين الشّرعية الجامعة لأشتات الحلف:
بالله الذي لا إله إلا هو ربّ البريّة وباريء النّسم، على ذلك جميعه، وعلى أنه لا يدخل إلى البلاد الداخلة في مملكة مولانا السّلطان الملك النّاصر المشار إليه، وأنّه مهما عاهد وصالح وعاقد عليه الشّيخ نظام الدّين مسعود الوكيل المذكور يقضي به المقام القطبيّ المشار إليه، ويمضيه ويرتضيه، وانفصل الأمر على ذلك.
فعند ما وقف مولانا السّلطان الملك النّاصر المشار إليه- خلّد الله تعالى ملكه- على المكاتبة الشّريفة المشار إليها، وتفهّم مضمونها، ورأى أن المصلحة في الصّلح: تبرّكا بما ورد في كتاب الله ، وسنّة رسوله ﷺ استخار الله ، وأمر بتجهيز الأمير أطلمش المذكور، وتسليمه للشّيخ نظام الدّين مسعود المذكور، وأذن لهما في التّوجّه إلى حضرة المقام الشريف القطبيّ المشار إليه: بموافقة مولانا أمير المؤمنين المتوكّل على الله- أدام الله تعالى أيّامه- على ذلك، وحضور الشّيخ الإمام الفرد الأوحد، شيخ الإسلام، سراج الدّين، عمر البلقينيّ- أعاد الله تعالى على المسلمين من بركاته- وقضاة القضاة الحكّام- أعزّ الله تعالى أحكامهم- ومشايخ العلم الشّريف والصّلاح، وأركان الدّولة الشّريفة، ومن يضع خطّه في هذا الصّلح الشّريف بالشهادة بمضمونه.
وعقد الصّلح الشريف بين مولانا السّلطان الملك الناصر المشار إليه- خلّد الله تعالى ملكه- وبين الشّيخ نظام الدّين مسعود الوكيل المذكور عن المقام الشّريف القطبيّ المشار إليه- زيدت عظمته- على حكم مضمون مفاوضته الشريفة المقدّم ذكرها، وما قامت به البيّنة الشّرعية، بشهادة العدلين المذكورين الواصلين صحبة الوكيل المذكور بالتّوكيل المشروح فيه، فكان صلحا صحيحا شرعيّا، تامّا كاملا معتبرا مرضيّا، على أحسن الأمور وأجملها، وأفضل الأحوال وأكملها.
стр. 6519
وحلف مولانا السّلطان الملك النّاصر المشار إليه- خلّد الله ملكه- وعاهد الله نظير ما حلف وعاهد عليه المقام الشّريف القطبيّ المشار وإليه من القول والعمل، واستقرّت بمشيئة الله تعالى الخواطر، وسرّت القلوب وقرّت النّواظر، لما في ذلك من حفظ ذمام العهود الشريفة، وإقامة منار الشّرع الشريف وامتداد ظلال أعلامه الوريفة، وإجراء كلمة الصّدق، على لسان أهل الحقّ، وصون أمانة الله تعالى وشعار دينه بين الخلق، فلا يتغيّر عقد هذا الصّلح الشريف على مدى الليالي والأيام، ولا ينقضي حكمه ولا ينحلّ إبرامه على توالي السّنين والأعوام.
هذا: على أن لا يدخل أحد من عساكرهما وجندهما ومماليكهما إلى حدود مملكة الآخر، ولا يتعرّض إلى ما يتعلّق به من ممالك وقلاع، وحصون وسواحل وموان وغير ذلك من سائر الأنواع، ورعاياهما من جميع الطوائف والأجناس، وما هو مختصّ ببلاد كلّ منهما ومعروف به بين الناس: حاضرها وباديها، وقاصيها ودانيها، وعامرها وغامرها، وباطنها وظاهرها، ولا إلى من فيها من الرّعيّة والتّجّار والمسافرين، وسائر الغادين والرّائحين في السّبل والطّرق: متفرّقين ومجتمعين.
هذا على أن يكون كلّ من المقامين الشّريفين المشار إليهما مع الآخر على أكمل ما يكون في السّرّاء والضّرّاء: من حسن الوفاء، وجميل المودّة والصّفاء، ويكونا في الاتحاد كالوالد والولد، وعلى المبالغة في الامتزاج والاختلاط كروحين في جسد، مع ما يضاف إلى ذلك من مصادقة الأصدقاء، ومعاداة الأعداء، ومسالمة المسالمين، ومحاربة المحاربين، في السّرّ والإعلان، والظّهور والكتمان؛ وبالله التّوفيق، وهو العالم بما تبدي الأعين وما تخفي الصّدور، وعليه التّكلان «١» في كلّ الأمور، في الغيبة والحضور، والورود والصّدور.
стр. 6520
الباب السادس من المقالة التاسعة (في الفسوخ الواردة على العقود السابقة؛ وفيه فصلان)
الفصل الأوّل (الفسخ؛ وهو ما وقع من أحد الجانبين دون الآخر)
قال في «التعريف» : وقلّ أن يكون فيه إلا ما يبعث به على ألسنة الرّسل. قال: وقد كتب عمّي الصاحب شرف الدّين [أبو محمد] «١» عبد الوهّاب ﵀، سنة دخول العساكر الإسلامية ملطية «٢» ، سنة أربع عشرة وسبعمائة فسخا على «التكفور» متملك سيس «٣» ، كان سببا لأن زاد قطيعته.
ولم يذكر صورة ما كتبه في ذلك.
وقد جرت العادة أنه إذا كان الفسخ من الجانب الواحد أن يذكر الكاتب فيه موجب الفسخ الصادر عن المفسوخ عليه: من ظهور ما يوجب نقض العهد، ونكث العقد، وإقامة الحجّة على المفسوخ عليه من كل وجه.
стр. 6521
قال في «التعريف» : والذي أقول فيه: إنه إن كتب فيه، كتب بعد البسملة:
هذا ما استخار الله تعالى فيه فلان، استخارة تبيّن له فيها غدر الغادر، وأظهر له بها سرّ الباطن ما حقّقه الظّاهر؛ فسخ فيها على فلان ما كان بينه وبينه من المهادنة التي كان آخر الوقت الفلانيّ آخر مدّتها، وطهّر السيوف الذّكور «١» فيها من الدّماء إلى انقضاء عدّتها، وذلك حين بدا منه من موجبات النّقض، وحلّ المعاقدة التي كانت يشدّ بعضها ببعض (وهي كذا وكذا، وتذكر وتعدّ) مما يوجب كلّ ذلك إخفار الذّمّة، ونقض العهود المرعيّة الحرمة، وهدّ قواعد الهدنة، وتخلية ما كان قد أمسك من الأعنّة؛ كتب إنذارا، وقدّم حذارا؛ وممن يشهد بوجوب هذا الفسخ، ودخول ملّة تلك الهدنة في حكم هذا النّسخ، ما تشهد به الأيّام، ويحكم به عليه النّصر المكتتب للإسلام؛ وكتب هذا الفسخ عن فلان لفلان وقد نبذ إليه عهده، وأنجز وعده، وأنفذ إليه سهمه بعد أن صبر مليّا على ممالاته، وأقام مدّة يداري مرض وفائه ولا ينجح فيه شيء من مداواته، ولينصرنّ الله من ينصره، ويحذر من يأمن مكره من يحذره؛ وأمر فلان بأن يقرأ هذا الكتاب على رؤوس الأشهاد، لينقل مضمونه إلى البلاد، أنفة من أمر لا يتأدّى به الإعلان، وينصب به هذا الغادر لواء لا يقال إذا يقال: هذا اللّواء لغدرة فلان بن فلان.
стр. 6522
الفصل الثاني المفاسخة؛ وهي ما يكون من الجانبين جميعا
قال في «التعريف» : وصورة ما يكتب فيها: هذا ما اختاره فلان وفلان من فسخ ما كان بينهما من المهادنة التي هي إلى آخر مدّة كذا. اختارا فسخ بنائها، ونسخ أنبائها، ونقض ما أبرم من عقودها، وأكّد من عهودها، جرت بينهما على رضا من كلّ منهما بإيقاد نار الحرب التي كانت أطفئت، وإثارة تلك الثّوائر التي كانت كفيت، نبذاه على سواء بينهما، واعتقاد من كلّ منهما، أن المصلحة في هذا لجهته، وأسقط ما كان يحمله للآخر من ربقته، ورضي فيه بقضاء السّيوف، وإمضاء أمر القدر والقضاء في مساقات الحتوف، وقد أشهدا عليهما بذلك الله وخلقه ومن حضر، ومن سمع ونظر، وكان ذلك في تاريخ كذا وكذا.
стр. 6523
المقالة العاشرة في فنون من الكتابة يتداولها الكتّاب وتتنافس في عملها، ليس لها تعلّق بكتابة الدّواوين السلطانية ولا غيرها؛ وفيها بابان
الباب الأوّل في الجدّيّات؛ وفيه [ستة] «١» فصول.
الفصل الأوّل في المقامات
وهي جمع مقامة بفتح الميم؛ وهي في أصل اللّغة اسم للمجلس والجماعة من الناس. وسمّيت الأحدوثة من الكلام مقامة، كأنها تذكر في مجلس واحد يجتمع فيه الجماعة من الناس لسماعها. أما المقامة بالضّم، فبمعنى الإقامة، ومنه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
«٢» .
واعلم أن أوّل من فتح باب عمل المقامات، علّامة الدّهر، وإمام الأدب، البديع الهمذانيّ «٣» : فعمل مقاماته المشهورة المنسوبة إليه، وهي
стр. 6524
في غاية من البلاغة، وعلوّ الرّتبة في الصّنعة. ثم تلاه الإمام أبو محمد القاسم الحريريّ «١» ، فعمل مقاماته الخمسين المشهورة، فجاءت نهاية في الحسن، وأتت على الجزء الوافر من الحظّ، وأقبل عليها الخاصّ والعامّ، حتّى أنست مقامات البديع وصيرّتها كالمرفوضة. على أن الوزير ضياء الدّين بن الأثير في «المثل السّائر» لم يوفّه حقّه، ولا عامله بالإنصاف، ولا أجمل معه القول، فإنه قد ذكر أنه ليس له يد في غير المقامات، حتّى ذكر عن الشيخ أبي محمد أحمد بن الخشّاب أنه كان يقول: إن الحريريّ رجل مقامات، أي إنّه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، فإن أتى بغيرها فلا يقول شيئا. وذكر أنه لما حضر بغداد، ووقف على مقاماته، قيل: هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن أثره فيه، فأحضر وكلّف كتابة كتاب فأفحم، ولم يجر لسانه في طويله ولا قصيره، حتّى قال فيه بعضهم:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وفي ... بغداد أضحى الملجوم بالخرس
«٢» !
стр. 6525
واعتذر عنه بأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص، بخلاف المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، من حيث أن المعاني تتجدّد فيها بتجدّد حوادث الأيام، وهي متجدّدة على عدد الأنفاس.
وهذه المقامة التي قدّمت الإشارة إليها في خطبة هذا الكتاب، إلى أنّي كنت أنشأتها في حدود سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، عند استقراري في ديوان الإنشاء بالأبواب الشريفة، وأنها اشتملت- مع الاختصار- على جملة جمّة من صناعة الإنشاء، ووسمتها ب «الكواكب الدّرّيّة، في المناقب البدريّة» ووجّهت القول فيها لتقريظ المقرّ البدريّ، بن المقرّ العلائيّ، بن المقرّ المحيويّ، بن فضل الله، صاحب ديوان الإنشاء «١» بالأبواب السلطانية بالدّيار المصرية يومئذ، جعلت مبناها على أنه لا بدّ للإنسان من حرفة يتعلّق بها، ومعيشة يتمسّك بسببها، وأن الكتابة هي الحرفة التي لا يليق بطالب العلم سواها، ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها، مع الجنوح فيها إلى تفضيل كتابة الإنشاء وترجيحها، وتقديمها على كتابة الدّيونة «٢» وترشيحها.
стр. 6526
وقد اشتملت على بيان ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الموادّ، وما ينبغي أن يسلكه من الجوادّ، مع التّنبيه على جملة من المصطلح بيّنت مقاصده، ومهّدت قواعده، على ما ستقف عليه في خلال مطاويها إن شاء الله تعالى؛ وهي:
حكى النّاثر ابن نظّام، قال: لم أزل من قبل أن يبلغ بريد عمري مركز التّكليف، ويتفرّق جمع خاطري بالكلف بعد التّأليف؛ أنصب لاقتناص العلم أشراك التّحصيل، وأنزّه توحيد الاشتغال عن إشراك التّعطيل، مشمّرا عن ساق الجدّ ذيل الاجتهاد، مستمرّا على الوحدة وملازمة الانفراد، أنتهز فرصة الشّباب قبل تولّيها، وأغتنم حالة الصّحّة قبل تجافيها؛ قد حالف جفني السّهاد، وخالف طيب الرّقاد، أمرّن النّفس على الاشتغال كي لا تملّ فتنفر عن الطّلب وتجمح، مميلا جانب قصدها عن ركوب الأهواء والميل إليها، صارفا وجه غايتها عن المطالب الدّنيويّة والرّكون إليها، متخيّرا أليق الأماكن وأوفق الأوقات، قانعا بأدنى العيش راضيا بأيسر الأقوات، أونس من شوارد العقول وحشيّها، وأشرّد عن روابض المنقول حوشيّها، وألتقط ضالّة الحكمة حيث وجدتها، وأقيّد نادرة العلم حيث أصبتها، مقدّما من العلوم أشرفها، ومؤثرا من الفنون ألطفها، معتمدا من ذلك ما تألفه النفس ويقبله الطّبع، مقبلا منه على ما يستجلي حسنه النّظر ويستحلي ذكره السّمع، منتقيا من الكتب أمتعها تصنيفا، وأتمّها تحريرا وأحسنها تأليفا، منتخبا من أشياخ الإفادة أوسعهم علما وأكثرهم تحقيقا، ومن أقران المذاكرة أروضهم بحثا وألطفهم تدقيقا، عارفا لكلّ عالم حقّه، وموفّيا لكلّ علم مستحقّه؛ قد استغنيت بكتابي عن خلّي ورفيقي، وآثرت بيت خلوتي على شفيقي وشقيقي؛ أجوب فيافي الفنون لتظهر لي طلائع الفوائد فأشهدها عيانا، وأجول في ميدان الأفكار لتلوح لي كمائن المعاني فلا أثني عنها عنانا، وأشنّ غارات المطالعة على كتائب الكتب فأرجع بالغنيمة، وأهجم على حصون الدّفاتر ثم لا أولّي عن هزيمة، بل كلّما لاحت لي فئة من البحث تحيّزت إليها، أو ظهرت لي
стр. 6527
كتيبة من المعاني حملت عليها، إلى أن أتيح لي من الفتح ما أفاضته النّعمة، وحصلت من الغنيمة على ما اقتضته القسمة.
فبينا أنا أرتع في رياض ما نفّلت، وأجتني ثمار ما خوّلت، إذ طلع عليّ جيش التّكليف فحصرني، وخرج عليّ كمين التّكليف فأسرني، فأمسيت في أضيق خناق، وأشدّ وثاق، قد عاقني قيد الاكتساب عن الاشتغال، وصدّني كلّ الكدّ عن الاهتمام بالطّلب والاحتفال، فغشيني من القبض ما غشيني، وأخذني من الوحشة ما أخذني، وتعارض فيّ حكم العقل بين الكسب وطلب العلم، وتساويا في التّرجيح فلم تجنح واحدة منهما إلى السّلم، فصرت مدهوشا لا أحسن صنعا، وبقيت متحيّرا لا أدري أيّ الأمرين أقرب إليّ نفعا:
إن طلبت العلم للكسب فقد أفحشت رجوعا، وإن تركت الكسب للعلم هلكت ضيعة ومتّ جوعا.
فلما علمت أنّ كلّا منهما لا يقوم إلا بصاحبه، ولا يتمّ الواجب في أحدهما ما لم يقم في الآخر بواجبه، التمست كسبا يكون للعلم موافقا، وبحملته لائقا، ليكون ذلك الكسب للعلم موضوعا والعلم عليه محمولا، والجمع ولو بوجه أولى، فجعلت أسبر المعايش سبر متقصّد وأسير في فلوات الصّنائع سير متعهّد، لكي أجد حرفة تطابق أربي، أو صنعة تجانس طلبي.
فبينما أنا أسير في معاهدها، وأردّد طرفي في مشاهدها، إذ رفع لي صوت قرع سمعي برنّته، وأخذ قلبي بحنّته، فقفوت أثره متّبعا، وملت إليه مستمعا، فإذا رجل من أحسن الناس شكلا، وأرجحهم عقلا، وهو يترنّم وينشد:
إن كنت تقصدني بظلمك عامدا ... فحرمت نفع صداقة الكتّاب
السّائقين إلى الصّديق ثرى الغنى ... والنّاعشين لعثرة الأصحاب
والنّاهضين بكلّ عبء مثقل ... والنّاطقين بفصل كلّ خطاب
стр. 6528
والعاطفين على الصّديق بفضلهم ... والطّيّبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثّناء فطالما ... جحد العبيد تفضّل الأرباب!
فلما سمعت منه ذلك، وأعجبني من الوصف ما هنالك، دنوت منه دنوّ الواجل، وجلست بين يديه جلوس السّائل، وقلت: هذه وأبيك صفات الملوك بل ملوك الصّفات، وأكرم الفضائل بل أفضل المكرمات؛ ولم أك أظنّ أنّ للكتابة هذا الخطر الجسيم، وللكتّاب هذا الحظّ العظيم؛ فأعرض مغضبا، ثم فوّق بصره إليّ معجبا، وقال: هيهات فاتك الحزم، وأخطأك العزم؛ إنها لمن أعظم الصّنائع قدرا، وأرفعها ذكرا؛ نطق القرآن الكريم بفضلها، وجاءت السّنّة الغرّاء بتقديم أهلها، فقال تعالى جلّ ثناؤه، وتباركت أسماؤه: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
«١» فأخبر تعالى أنه علّم بالقلم، حيث وصف نفسه بالكرم، إشارة إلى أن تعليمها من جزيل نعمه، وإيذانا بأن منحها من فائض ديمه؛ وقال جلّت قدرته: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
«٢» فأقسم بالقلم وما سطّرته الأقلام، وأتى بذلك في آكد قسم فكان من أعظم الأقسام. وقال تقدّست عظمته: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ
«٣» فجعل الكتابة من وصف الكرام، كما قد جاء فعلها عن جماعة من الأنبياء ﵈؛ وإنما منعها النّبيّ، ﷺ ، معجزة قد بيّن تعالى سببها، حيث ذكر إلحادهم بقوله: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها
«٤» .
هذا: وقد كان النّبيّ ﷺ في كثرة الكتّاب راغبا؛ فقد روي أنه كان له عليه أفضل الصّلاة والسّلام نيّف وثلاثون كاتبا، هم نخبة أصحابه، وخلاصة
стр. 6529
أترابه؛ ومن ائتمنهم على أسرار الوحي والتّنزيل، وخاطب بألسنة أقلامهم ملوك الأرض فأجابوا بالإذعان على البعد والمدى الطّويل؛ وكتب الملوك أيضا إليه ابتداء وجوابا، وكاتب أصحابه وكاتبوه فأحسن استماعا وأفحم خطابا، وبذلك جرت سنّة الخلفاء الراشدين فمن تلاهم، وعلى نهجه مشت ملوك الإسلام ومن ضاهاهم.
فالكتابة قانون السّياسة، ورتبتها غاية رتب الرّياسة؛ عندها تقف الإنافة، وإليها تنتهي مناصب الدّنيا بعد الخلافة؛ والكتّاب عيون الملوك المبصرة وآذانهم الواعية، وألسنتهم النّاطقة وعقولهم الحاوية، بل محض الحقّ الذي لا تدخله الشّكوك؛ وإن الملوك إلى الكتّاب أحوج من الكتّاب إلى الملوك؛ وناهيك بالكتابة شرفا، وأعل بذلك رتبة وكفى، أنّ صاحب السّيف والعلم يزاحم الكاتب في قلمه، ولا يزاحم الكاتب صاحب السّيف والعلم في سيفه وعلمه.
وعلى الجملة فهم الحاوون لكلّ وصف جميل، وشأن نبيل؛ الكرم شعارهم، والحلم دثارهم، والجود جادّتهم، والخير عادتهم، والأدب مركبهم، واللّطف مذهبهم؛ ولله القائل:
وشمول كأنّما اعتصروها ... من معاني شمائل الكتّاب!
فلما انقضى قيله، وبانت سبيله، قلت: لقد ذكرت قوما راقني وصفهم، وشاقني لطفهم، ودعاني طيب حديثهم، وحسن أوصافهم، وجميل نعوتهم، إلى أن أحلّ بناديهم وأنزل بواديهم، فأجعل حرفتهم كسبي، وصنعتهم دأبي، ليجتمع بالعلم شملي، ويتّصل بالاشتغال حبلي، فأكون قد ظفرت بمنيتي، وفزت ببغيتي، فأي قبيل من الكتّاب أردت؟ وإلى أيّ نوع من الكتابة أشرت؟ أكتابة الأموال؟ أم كتابة الإنشاء والخطابة؟، أم غيرهما من أنواع الكتابة؟ فنظر إليّ متبسّما، وأنشد مترنّما:
قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب ... ثم استمدّوا بها ماء المنيّات
стр. 6530
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحدّ المشرفيّات!
فقلت: كأنّك تريد كتابة الإنشاء دون سائر الكتابات، وهي التي تقصدها بالتّصريح وتشير إليها بالكنايات؛ فقال: وهل في أنواع الكتابة جملة نوع يساويها، أو في سائر الصّنائع على الإطلاق صنعة تضاهيها؟ إنّ لها للقدح المعلّى، والجيد المحلّى، والذّروة المنيفة، والرّتبة الشّريفة؛ كتّابها أسّ الملك وعماده، وأركان الملك وأطواده، ولسان المملكة النّاطق، وسهمها المفوّق الرّاشق؛ ولله حبيب بن أوس الطّائيّ «١» حيث يقول:
ولضربة من كاتب ببنانه ... أمضى وأقطع من رقيق حسام!
قوم إذا عزموا عداوة حاسد ... سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام!
قلمها يبلّغ الأمل، ويغني عن البيض والأسل؛ به تصان المعاقل، وتفرّق الجحافل:
فلكم يفلّ الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلّت من الأغماد!
فقلت: إن كتّاب الأموال يزعمون أن لهم في ذلك المقام الأعلى، والطّريقة المثلى، ويستشهدون لفضلها، وتقدّم أهلها، بقول الإمام أبي محمد القاسم الحريريّ، ﵀، في مقاماته «٢» :
«إنّ صناعة الحساب مبنيّة «٣» على التّحقيق، وصناعة الإنشاء مبنيّة على التّلفيق، وقلم الحاسب ضابط، وقلم المنشيء خابط «٤» ؛ وبين إتاوة توظيف المعاملات، وتلاوة طوامير السّجلّات، بون لا يدركه قياس، ولا يعتوره التباس؛ إذ الإتاوة تملأ الأكياس، والتّلاوة تفرّغ الرّاس، وخراج
стр. 6531
الأوارج «١» ، يغني النّاظر، واستخراج المدارج، يعنّي الخاطر؛ والحسبة «٢» حفظة الأموال، وحملة الأثقال؛ والنّقلة الأثبات، والسفرة الثّقات؛ وأعلام الإنصاف والانتصاف، والشّهود المقانع في الاختلاف «٣» ؛ ومنهم المستوفي الذي هو يد السّلطان، وقطب الدّيوان؛ وقسطاس الأعمال، والمهيمن على العمّال؛ وإليه المآب في السّلم والهرج، وعليه المدار في الدّخل والخرج؛ وبه مناط الضّرّ والنّفع، وفي يده رباط الإعطاء والمنع؛ ولولا قلم الحسّاب، لأودت ثمرة الاكتساب، ولاتّصل التّغابن إلى يوم الحساب؛ ولكان نظام المعاملات محلولا، وجرح الظّلامات مطلولا، [وجيد التّناصف مغلولا] «٤» ، وسيف التّظالم مسلولا؛ على أنّ يراع الإنشاء متقوّل، ويراع الحساب متأوّل، والمحاسب مناقش، والمنشيء أبو براقش» «٥» .
فوصف كتابة الأموال بأتمّ الصّفات، ونبّه من شيم أهلها وشياتهم على أكرم الشّيم وأحسن الشّيات.
فقال: هذه الحجّة معارضة بمثلها، بل باطلة من أصلها؛ وأين ذلك من قوله في صدر كلامه؟:
стр. 6532
«اعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع؛ وقلم المكاتبة خاطب، وقلم المحاسبة حاطب «١» ؛ وأساطير البلاغات تنسخ لتدرس، ودساتير الحسبانات تنسخ وتدرس «٢» ؛ والمنشيء جهينة الأخبار «٣» ، وحقيبة الأسرار، ونجيّ العظماء، وكبير النّدماء؛ وقلمه لسان أسرار «٤» الدّولة، وفارس الجولة، ولقمان الحكمة، وترجمان الهمّة؛ وهو البشير والنّذير، والشّفيع والسّفير، به تستخلص الصّياصي «٥» ، وتملك النّواصي، ويقتاد العاصي، ويستدنى القاصي؛ وصاحبه بريء من التّبعات، آمن كيد السّعاة، مقرّظ بين الجماعات، غير معرّض لنظم الجماعات» «٦» .
فهذه أرفع المراتب، وأشرف المناقب، التي لا يعتورها شين، ولا يشوبها مين؛ وصدر الكلام يقتضي التّرجيح، ويؤذن بالتّرشيح؛ والرّفع، أبلغ في الوصف من النّفع؛ فقد ينتفع بالنّزر اليسير، ولا يرتفع إلا بالأمر الكبير، على أنّه لو اعتبر نفع كتابة الإنشاء لكان أبلغ، وإقامة الدّليل عليه أسوغ؛ وأنّى لكتّاب الأموال، من التأثير في فلّ الجيوش من غير قتال، وفتح الحصون من غير نزال؛ فهذه هي الخصّيصى»
التي لا تساوى، والمنقبة التي لا تناوى:
стр. 6533
تلك المكارم لا قعبان «١» من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا!
فقلت: الآن قد انقطعت الحجّة، وبانت المحجّة، فما الذي يحتاج كاتب الإنشاء إلى ممارسته؟ فقال: إذا قد تعلّقت من الصّنعة بأسبابها، وأتيت البيوت من أبوابها.
اعلم أن كاتب الإنشاء لا تظهر فصاحته، وتبين بلاغته، وتقوى يراعته، وتجلّ براعته، إلا بعد تحصيل جملة من العلوم، ومعرفة الاصطلاح والإحاطة بالرّسوم؛ ثم أهمّ ما يبدأ بتحصيله، ويعتمد عليه في جملة الأمر وتفصيله، حفظ كتاب الله العزيز الذي هو معدن الفصاحة، وعنصر البلاغة، وإدامة قراءته وتكرير مثانيه، مع العلم بتفسيره وتدبّر معانيه، حتّى لا يزال دائرا على لسانه حاضرا في ذكره، ولا يبرح معناه ممثّلا في قلبه مصوّرا في فكره، ليكون مستحضرا له في الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها، ويضطرّ إلى إقامة الأدلّة القاطعة عليها، فلله الحجّة البالغة، ولآياته الأجوبة الدّامغة؛ خصوصا السّير والأحكام، وما يتعلّق بذلك من مهمّات الدّين وقواعد الإسلام، وما اشتمل عليه كلام النّبوّة من الألفاظ البديعة التي أبكمت الفصحاء، والمعاني الدّقيقة التي أعيت البلغاء؛ مع النّظر في معانيها ومعرفة غريبها، والاطّلاع على ما للعلماء في ذلك من الأقوال بعيدها وقريبها، لتكون أبدا حجّته ظاهرة، وأدلّته قويّة متظاهرة؛ فإنّ الدّليل إذا استند إلى النّصّ انقطع النّزاع وسلّم المدّعى ولزم؛ والفصاحة والبلاغة غايتهما- بعد كتاب الله تعالى- في كلام من أوتي جوامع الكلم؛ والعلم بالأحكام السّلطانيّة وفروعها، وخصوصها وشيوعها، والتّوغّل في أشعار العرب والمولّدين، وأهل الصّناعة من المحدثين، وما ورد عن كلّ فريق منهم من الأمثال نثرا ونظما، وما جرى بينهم من المحاورات والمناقضات حربا وسلما؛ والتّعويل من ذلك على الأشعار البديعة التي اختارها العلماء بها،
стр. 6534
فتمسّكوا بأوتادها وتعلّقوا بسببها، والأمثال الغريبة التي انتقوها، ودوّنوها ورووها، واستيضاح القسمين واستكشاف غوامضهما، واستظهار النّوعين واستمطار عوارضهما، والاطّلاع على خطب البلغاء، ورسائل الفصحاء، وما وقع لهم في مخاطباتهم، ومكاتباتهم، والعلم بأيّام العرب وحروبهم، وما كان من الوقائع بين قبائلهم وشعوبهم، والنّظر في التّواريخ وأخبار الدّول الماضية، والقرون الخالية، وسير الملوك وأحوال الممالك، ومعرفة مكايدهم في الحرب المنقذة من المهاوي والمنجية من المهالك، مع سعة الباع في اللّغة التي هي رأس ماله، وأسّ مقاله، وكنزه المعدّ للإنفاق، ومعينه بل مغيثه وقت الضّرورة على الإطلاق، والنّحو الذي هو ملح كلامه، ومسك ختامه، والتّصريف الذي تعرف به أصول أبنية الكلمة وأحوالها، وكيفيّة التّصرّف في أسمائها وأفعالها، وعلوم المعاني والبيان والبديع التي هي حلية لسانه، وآية بيانه، ومعرفة أبوابها وفصولها، وتحقيق فروعها وأصولها: من الفصاحة وطرائقها، والبلاغة ودقائقها، واختيار المعاني وترتيبها، ونظم الألفاظ وتركيبها، والفصل والوصل ومواقعهما، والتّقديم والتّأخير ومواضعهما؛ ومواطن الحذف والإضمار، وحكم الرّوابط والأخبار، وغير ذلك من الحقيقة والمجاز، والبسط والإيجاز، والحلّ والعقد، وتمييز الكلام جيّده من رديّه بصحّة النّقد، مع معرفة أنواع البديع وطرائقها، والاطّلاع على غوامض أسرارها وفرائد دقائقها.
على أن آكد شيء يجب تحصيله قبل كلّ حاصل، ويستوي في الاحتياج إلى معرفته المفضول من الكتّاب والفاضل، العلم بالخطّ وقوانينه: من الهجاء والنّقط والشّكل، والفرق بين الضّاد والطّاء المتخالفين في الصّورة والشّكل، مع المعرفة بآلات الكتابة وصفاتها، وتباين أنواعها واختلاف صفاتها.
هذه أصوله التي يبنى عليها، وقواعده التي يرجع إليها؛ فإذا أحاط بهذه الفنون علما، وأتقنها فهما، غزرت عنده الموادّ، واتّضحت له الجوادّ،
стр. 6535
فأخذ في الاستعداد، وسهل عليه الاستشهاد؛ فقال عن علم وتصرّف عن معرفة واستحسن ببرهان، وانتقد بحجّة وتخيّر بدليل وصاغ بترتيب وبنى على أركان، واتّسع في العبارة مجاله، وفتح له من باب الأوصاف أقفاله، وتلقّى كلّ واقعة بما يماثلها، وقابل كلّ قضيّة بما يشاكلها، وعلم المجيد فنسج على منواله، وظهر له القاصر فأعرض عن أقواله، وحصل له القوّة على فهم الخطاب، وأنشأ الجواب بحسب الوقائع والأعراض، على طبق المقاصد والأغراض؛ ومتى أخلّ بشيء من ذلك فاتته الفضائل، وعلقت به الرذائل، وقلّت بضاعته، ونقصت صناعته، وساءت آثاره، وقبحت أخباره؛ وخلط الغرر بالعرر، ولم يميّز بين الصّدف والدّرر، فأخرج الصّنعة عن أماكنها، وطمس من الكتابة وجوه محاسنها، فجرّ اللّوم إلى نفسه، وأمسى مهزأة لأبناء جنسه.
ووراء ذلك علوم هي كالنافلة للكاتب، والزّيادة للرّاغب:
منها ما تكمل به صناعته، وتعظم به مكانته: كعلم الكلام، وأصول الفقه وسائر الأحكام، والمنطق والجدل، وأحوال الفرق والنّحل والملل، وعلم العروض والميزان المحكم، وعلم القوافي وحلّ المترجم؛ والحساب المفتوح وما يترتّب عليه من المعاملة، وما تستخرج به المجهولات: من حساب الخطأين والدّرهم والدّينار والجبر والمقابلة، وحساب الدّور والوصايا، والتّخت والميل وما لأعماله على غيرها من المزايا، والعلم بالفلاحة، وأحوال المساحة، وعلم عقود الأبنية والمناظر المحقّقة، ومراكز الأثقال والمرايا المحرقة، وعلم جرّ الأثقال الأبيّة، والعلم بالآلات الحربيّة، وعلم المواقيت والبنكامات «١» ، والتّقاويم
стр. 6536
والزّيجات، وعلم تسطيح الكرة والتّوصّل بها إلى استخراج المطالب الفلكيّة، وكيفية الأرصاد وأحكام النّجوم والآلات الظّلّيّة، وعلم الطّبّ والبيطرة، وأحوال سائر الحيوان وعلم البيزرة «١» .
ومنها ما تكمل به ذاته، وتتمّ به أدواته، كعلم التّعبير وعلم الأخلاق وعلم السّياسة، وعلم تدبير المنزل وعلم الفراسة، وغير ذلك من العلوم التي أضربنا عن ذكرها خشية الإطالة، وأعرضنا عن إيرادها خوف الملالة؛ فهذه علوم فضلة يعظم بعلمها أمره، وفضيلة يرتفع بتحصيلها ذكره؛ بل لا يستغني عن العلم برؤوس مسائلها، وإشارات أربابها الآخذة من بحارها بأطراف سواحلها؛ على أنّه قد ترد عليه أوقات لا يسعه جهل ذلك فيها، وتمرّ عليه أزمان يودّ لو تشترى فيشتريها.
قلت: قد بانت لي علومها، فما رسومها؟ قال: إن أعباءها لباهظة حملا، وإنها لكبيرة إلّا «٢» ؛ ولكن سأحدث لك مما سألت ذكرا، وأنبّئك بما لم تحط به خبرا.
فمن ذلك: المعرفة بالولايات ولواحقها، على اختلاف مقاصدها وتباين طرائقها، من البيعات وأحكامها، والعهود وأقسامها، والتّقاليد وصفاتها، والتّفاويض ومضاهاتها، والمراسيم وأوضاعها، والتّواقيع
стр. 6537
وأنواعها، والخطب ومناسباتها، والوصايا ومطابقاتها، ثم العلم بالمناشير ومراتبها، والمربّعات الجيشيّة «١» ومعايبها، ومعرفة رتب المكاتبات وطبقاتها، ومن يستحقّ من الرّتب أدناها أو يستوجب الرّفع إلى أعلى درجاتها: من المكاتبات الصادرة عن الأبواب الشريفة الخليفتيّة، والمكاتبات الواردة عليها وعلى أرباب المناصب من سائر الآل والعترة النّبويّة، وملوك المسلمين والقانات، وملوك الكفر وأرباب الدّيانات، وأهل المملكة من النّوّاب والكشّاف والولاة، والأمراء والوزراء والعربان والقضاة، وسائر حملة الأقلام، وأهل الصّلاح وبقيّة الأعلام، ونساء الملوك والخوندات «٢» ، ومكاتبات التّجّار وما عساه يطرأ من المكاتبات المستجدّات، وكتب البشرى بوفاء النّيل والقدوم من الغزو والسّفر، واسترهاف العزائم، والبطائق المحمولة على أجنحة الحمائم، والملطّفات التي يضطرّ إليها، ويعوّل في الأمور الباطنة عليها، وأوراق الجواز في الطّرقات، والإطلاقات في التّسفير والمثالات المطلقات، ومعرفة الأوصاف التي يكثر في المكاتبات تكرارها، ويتّسق في جيد المراسلات إيرادها وإصدارها: كوصف الأنواء والكواكب، والأفلاك العليّة المراتب، والآلات الملوكية الجليلة المقدار، والسّلاح وآلات الحصار، والخيل المسوّمة، والجوارح المعلّمة، وجليل الوحش وسباعه، وطير الواجب «٣» وأتباعه، والأمكنة والرّياض، والمياه والغياض، وغير ذلك مما يعزّ ويغلو، ويرتفع ويعلو؛ وإخوانيّات المكاتبات وطبقاتها، وتميز كلّ طبقة منها عن أخواتها، وما تشتمل عليه من الابتداء والجواب، والتّشوّق والعتاب، والتّرفّق والاعتذار، والشّفاعة وطلب
стр. 6538
الصّفح والعفو عند الاقتدار، والتّهاني والتّعازي، وما يكتب مع الهديّة ويجاب عنها من المجازيّ وغير المجازي.
وغير ذلك من مقاصد المكاتبات التي يتعذّر حصرها، ويمتنع على المستقصي ذكرها؛ ومعرفة الطّغراة «١» والطّرّة والعنوان والتّعريف، والعلامة في الكتب على أماكنها الفارقة بين انحطاط القدر والتّشريف، وتتريب الكتاب وطيّه وختمه، وتعمية ما في الكتب بضرب من الحيلة وإخفاء ذلك وكتمه، ونسخ الأيمان التي يستحلف بها، ويتمسّك للوفاء بسببها، كيمين البيعة العامّة للموافق والمخالف، وما يختصّ من ذلك بالنّوّاب وأرباب الوظائف، وأيمان أصحاب البدع والأهواء، وأهل الملل والحكماء، وكتابة الهدن والمواصفات، والأمانات والدّفن والمفاسخات، ومعرفة الأسماء والكنى والألقاب، وبيان المستندات ومحلّها المصطلح عليه بين الكتّاب؛ وكتابة التّاريخ وما أخذت به كلّ طائفة وثابت إليه تمسّكا، وما يفتتح به في الكتابة تيمّنا ويختتم به تبرّكا؛ ومعرفة قطع الورق: من كامل البغداديّ والشّاميّ والثّلثين والنّصف والثّلث والمنصوريّ والعادة، ومن يستحقّ من هذه المقادير أعلاها أو يوقف به مع أدنى رتبها من غير زيادة؛ والأقلام المناسبة لهذه الأقدار، من الرّقاع والتّواقيع والثّلث ومختصر الطّومار؛ والعلم بالأوضاع وكيفية الترتيب، ومقادير البياض ومباعدة ما بين السّطور والتقريب؛ ومعرفة الرّزاديق «٢» وقطّانها، والنّواحي والبلدان وسكّانها،
стр. 6539
والأمم وممالكها، وطرق الأقاليم ومسالكها، ومراكز البريد ومسافاتها، وأبراج الحمام ومطاراتها، وهجن الثّلج والسّفن المعدّة لنقله، والمحرقات المؤدّية إلى اجتياح العدوّ وتفريق شمله، والمناور وأماكنها، والقصّاد ومكامنها.
هذه رسومها على سبيل الإجمال، والإشارة إلى مصطلحاتها بأخصر الأقوال.
واعلم أنّ حسن الخطّ من الكتابة واسطة عقدها، وقوّة الملكة على السّجع والازدواج ملاك حلّها وعقدها، على أنّ خير الخطّ ما قري، وأحسن السّجع ما سلّم من التّكلّف وبري؛ وللكتّاب في بحر الكتابة سبح طويل، وتفنّن يسفر عن كلّ وجه جميل.
قلت: فهل لهذه الرّتبة الرّئيسة، والمنقبة النّفيسة، سمط يلمّها، أو سلك يضمّها؟ فقال: سبحان الله: إن بيتها لأشهر من «قفانبك» «١» ، وأظهر للعيان من شامخات جبال النّبك «٢» ؛ أيخفى من البدر ضوءه الباهر، ونوره الزّاهر؟ إن ذلك لقاصر على «آل فضل الله» «٣» حقّا، ومنحصر في المقرّ
стр. 6540
البدريّ صدقا؛ فهو قطبها الذي تدور عليه، وابن بجدتها التي ترجع في علومها ورسومها وسائر أمورها إليه، فلو رآه «الفاضل عبد الرحيم» «١» لم ير لنفسه فضلا ولا رضي لفيه مقالا، أو عاينه «عبد الحميد الكاتب» لقال: هكذا هكذا وإلّا فلا لا، أو عاصره «قدامة» «٢» لجلس قدّامه، أو أدركه «ابن قتيبة» لاتّخذه في «أدب الكاتب» شيخه وإمامه، أو بصر به «الصّابيّ» «٣» لصبا إليه ومال، أو قارن زمانه «الحسن بن سهل» بل «الفضل» أخوه لأقام ببابه وما زال، أو جنح «ابن العديم» «٤» إلى مناوأته لأدركه العدم، أو جرى «الصاحب ابن عبّاد» في مضمار فضله لكبا وزلّت به القدم، أو اطّلع «ابن مقلة» «٥» على حسن خطّه لقال: هذا هو الجوهر الثّمين، أو نظر «ابن هلال» «٦» إلى بهجة رونقه لقال: إنّ هذا لهو الفضل المبين؛ إن تكلّم نفث سحرا، أو كتب خلت زهرا أو تخيّلت درّا.
يؤلّف اللّؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدّرّ بالأقلام في الكتب!
قد علا نسبا، وفاق حسبا، وورث الفضل لا عن كلالة، واستحقّ الرّتبة بنفسه وإن كانت له بالأصالة:
فحيّهلا بالمكرمات وبالعلى ... وحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض!
стр. 6541
فلما سمعت ذلك زال عنّي الإلباس، وقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى النّاس. ثم قلت: أقسمت عليك بالذي تشير إليه، إلا تدلّني عليه، فقال: إنّه صفيّ الملك ونجيّه، وكاتب سرّه ووليّه، والقريب منه إذا بعدوا، والمخصوص بالمقام إذا طردوا، والموجّه إليه الخطاب إذا حضروا، والمستأثر بالورود إذا صدروا، والمتكلّم بلسان الملك إذا سكتوا، والناطق بفصل الخطاب إذا بهتوا، والصّائل بحسام لسانه وخطّيّ «١» قلمه، والحامي الممالك بجيوش سطوره وجند كلمه، والمشتّت شمل العدوّ ببديع ألفاظه ودقيق حكمه، والحائز قصب السّبق بكرم فضله وفضل كرمه، والمروي ظمأ الوافدين إليه بواكف وبله وفائض ديمه، والمجلي غياهب الظّلم بنيّر بدره ومضيء أنجمه:
فما زال بدرا في سماء سيادة ... يشار إليه في الورى بالأنامل
بسيط مساعي المجد يركب نجدة ... من الشّرف الأعلى وبذل الفواضل
إذا سال أعيى السّامعين جوابه ... وإن قال لم يترك مقالا لقائل
قلت: حسبك! قد دلّني عليه عرفه، وأرشدني إليه وصفه، وبان لي محتده الفاخر وحسبه الصّميم، وعرفت أصله الزّاكي وفرعه الكريم، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*
«٢» .
ثم عرّجت إلى حماه، وملت إلى حيّه كي أراه، فإذا به قد برز تتلألأ أنواره، وتشرق بالجلالة أقماره؛ قد علته الهيبة وغشيته السّكينة وحفّته الرياسة وجلّلته السعادة، وحكمت بعزّ منال قدره الأقدار كما اقتضته الإرادة.
стр. 6542
فلما رأيته استصغرت الرّتبة مع شرفها الباذخ في جانبه، وعلمت أن ما تقدّم من المدح لم يوفّ حقّه ولم يقم ببعض واجبه؛ فغلبت هيبته إقدامي، وحالت حرمته بيني وبين مرامي، فقلت: إنا لله! قد فاتتني مآربي، ورجعت من فوري إلى صاحبي، فأظهرت له الأسف، وقصصت عليه القصّة قال: لا تخف؛ إنها لمنقبة عمريّة، وأثرة عدويّة؛ فالفاروق جدّه، وبنو عديّ قبيله وجنده «١» .
هذا وإنّه لألطف وأرقّ من النّسيم السّاري، والماء الجاري، وأحيى من العذراء في خدرها، وأشفق من الوالدة إذا ضمّت ولدها إلى صدرها، وأحلم من «معن بن زائدة» ، وإن كان أفصح من «قسّ بن ساعدة» .
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسم!
بالعزائم الفاروقيّة فتحت الأمصار، وبالهيبة العمريّة أقرّ المهاجرون والأنصار؛ ويشهد لذلك قصّة «ابن عبّاس» في العول «٢» وسكوته في خلافة عمر وصمته، وجوابه بعد ذلك للقائل له: هلّا قلت ذلك في زمن عمر؟
بقوله: إنّه كان مهيبا فهبته؛ كيف؟ وما سلك فجّا إلا وسلك الشّيطان فجّا غير فجّه وضاقت عليه الفجاج، ولم تماثل هيبته بهيبة غيره وإن عظمت سطوته حتى قال الشّعبيّ: إن درّة «٣» عمر لأهيب من سيف الحجّاج؛ وهو مع ذلك يلطف بالأرامل والمساكين، ويعين الفقراء والمحتاجين؛ فقد اتضحت لك القضيّة، وتحقّقت أنها سمات إرثيّة.
стр. 6543
فعند ذلك ذهب روعي، وقوي روعي «١» ؛ وقلت: فهل له أتباع من الكتّاب فأتعلق بحبالهم، وأتأسّى بهم في أقوالهم وأفعالهم؟ لكي أتّسم بسمة الكتّاب، وأثبت في جملة غلمان الباب، قال: أجل! رأس الدّست الشريف صنوه الكريم، وقسيمه في حسبه الصّميم؛ به شدّ عضده، وقوي كتده «٢» ، فاجتمع الفضل له ولأخيه، وورثا سرّ أبيهما «والولد سرّ أبيه» ؛ ثم كتّاب ديوان الإنشاء جنده وأتباعه، وأولياؤه وأشياعه؛ وكتّاب الدّست منهم أرفع في المقام «٣» ، وكتّاب الدّرج أجدر بالكتابة وصنعة الكلام.
قلت: القسم الثاني أليق بمقداري، وأقرب إلى أوطاري؛ ثم ودّعت صاحبي شاكرا له على صنيعه وحامدا له على أدبه، وتركته ومضيت وكان ذلك آخر العهد به؛ ثم عدت إليه هو فرفعت إليه قصّتي، وسألته الإسعاف بإجابة دعوتي، فقابلها بالقبول، وأنعم بالمسؤول، وقرّرني في كتابة الدّرج الشّريف، واكتفى بالعرف عن التّعريف؛ وطابق الخبر الخبر، واستغنيت بالعيان عن الأثر؛ ثم قمت عجلا، وأنشدت مرتجلا:
إذا ما بنو الفاروق في المجد أعرقوا، ... ونالوا بفضل الله ما لا كمثله
وجلّت دجى الظّلماء أنوار بدرهم، ... وعمّت بقاع الأرض أنواء فضله
تعالت ذرى العلياء فيهم وأنشدت: ... أبى الفضل إلّا أن يكون لمثله!
ثم تشرفت بتقبيل يده، ومضيت إلى ما أنا بصدده؛ قد منعتني هيبتي من اللّياذ به والقرب إليه، وصيّرت عاطر مدحي وخالص أدعيتي وقفا عليه؛
стр. 6544
وصرت إلى الدّيوان، فوجدت قوما قد حفّهم الحسن وزانهم الإحسان؛ فقلت: الحمد لله! هؤلاء فتية ذاك الكهف بلا امتراء، وأشبال ذاك الأسد من غير افتراء؛ فجلست جلوس الغريب، وأطرقت إطراق الكئيب؛ إذ كنت في هذه الصّنعة عصاميّا لا عظاميّا «١» ، ومتهما لا تهاميّا؛ غير أني تعلقت منها بحبال القمر، واستوقدت نارها من أصغر الشّرر؛ فتلقّوني بالرّحب، وأحلّوني من ديوانهم بالمكان الرّحب، وقابلوني بالجميل قبل المعرفة، وعاملوني بالإحسان والنّصفة.
فلما رأيت ذلك منهم حمدت مسراي، وشكرت مسعاي، ودعوت لصاحبي أوّلا إذ حبّب صنعتهم إليّ وشاقني، ودلّني عليهم وساقني.
ولما تحققت أني قد أثبتّ في ديوانه، وكتبت من جملة غلمانه، رجعت القهقرى عن طلب الكسب، واستوى عندي المحل والخصب، واكتفيت بنظري إليه عن الطّعام والشّراب، وتيقّنت أن نظرة منه إليّ ترقّيني إلى السّحاب، وتلوت بلسان الصّدق على الملإ وهم يسمعون: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
«٢» .
وفيما تضمّنته هذه المقامة من فضل الكتابة وشرف الكتّاب مقنع من غيرها، ومغن عن سواها، والحمد لله والمنّة.
وهذه نسخة مقامة أنشأها أبو القاسم الخوارزميّ في لقائه لأديب يعرف بالهيتيّ، وانقطاعه في البحث، وغلبة الخوارزميّ له. أوردها ابن حمدون في «تذكرته» وهي:
وصيّة لكلّ لبيب، متيقّظ أريب، عالم أديب، يكره مواقف السّقطات،
стр. 6545
ويتحفّظ من مصادف الغلطات، ويتلطّف من مخزيات الفرطات، أن يدّعي دون مقامه، ويقتصر من تمامه، ويغضّ من سهامه، ويظهر بعض شكيمته، ويساوم بأيسر قيمته، ويستر كثيرا من بضاعته، ويكتم دقيق صناعته، ولا يبلغ دقيق غاية استطاعته، وأن يعاشر الناس بصدق المناصحة، وجميل المسامحة، وأن لا يحمله الإعجال بما يحسنه، على الازدراء بمن يستقرنه، والافتراء على من يعترضه ويلسنه، ليكون خبره أكثر من خبره، ونظرته أروع من منظره، ويكون أقرب من الاعتذار، وأبعد من الخجلة والانكسار.
فليس الفتى من قال: إنّي أنا الفتى ... ولكنّه من قيل: أنت كذلكا
وكم مدّع ملكا بغير شهادة ... له خجلة إن قيل: أن لست مالكا!
ولقد نصرت بالاتّضاع، على ذي نباهة وارتفاع؛ وذلك أني أصعدت في بعض الأعوام، مع جماعة من العوام؛ بين تاجر وزائر، إلى العزل والحائر «١» ، حتّى انتهينا إلى قرية شارعة، آهلة زارعة، وما منّا إلا من أملّته السّمريّة «٢» فاعترضته، وأسقمته وأمرضته، وفتّرته فقبضته، وكثر منا الجؤار، واستولى علينا الدّوار، فخرجنا منها خروج المسجون، وقد تقوّسنا تقوّس العرجون، فاسترحنا بالصّعود، من طول القعود:
كأنّنا الطّير من الأقفاص ... ناجية من أحبل القنّاص
طيّبة الأنفس بالخلاص ... منفضات الرّيش والنّواصي!
فما استتمّت الرّاحة، ولا استقرّت بنا الرّاحة، حتى وقف علينا واقف، وهتف بنا هاتف: أيّكم الخوارزميّ؟ فقالوا له: ذلك الغلام المنفرد، والشّابّ المستند؛ فأقبل إليّ، وسلّم عليّ، وقال: إن النّاظر يستزيرك، فليعجّل إليه مصيرك؛ فقمت معه، يتقدّمني وأتبعه، حتّى انتهى بي إلى جلّة من
стр. 6546
الرجال، ذوي بهاء وجلال، وزينة وجمال، من أشراف الأمصار، وأعيان ذوي الأخطار؛ من أهل واسط وبغداد، والبصرة والسّواد.
ترى كلّ مرهوب العمامة لاثما ... على وجه بدر تحته قلب ضيغم!
فقام إليّ ذو المعرفة لإكرامه، وساعده الباقون على قيامه، وأطال في سؤاله وسلامه؛ وجذبوني إلى صدر المجلس فأبيت، ولزمت ذناباه واحتبيت؛ وأخذوا يستخبروني عن الحال، والمعيشة والمال، وداعية الارتجال، وعن النّيّة والمقصد، والأهل والولد، والجيران والبلد.
وما منهم إلا حفيّ مسائل ... وواصف أشواق ومثن بصالح
ومستشفع في أن أقيم لياليا ... أروح وأغدو عنده غير بارح
ثم قال قائلهم: هل لقيت عين الزّمان وقلبه، ومالك الفضل وربّه، وقليب الأدب وغربه، إمام العراق، وشمس الآفاق؟. فقلت: ومن صاحب هذه الصّفة المهولة، والكناية المجهولة، فقالوا: أو ما سمعت بكامل هيت، ذي الصّوت والصّيت؟:
ذاك الذي لو عاش [دهرا] «١» إلى ... زمانه ذا وابن صوحان
وابن دريد وأبو حاتم ... وسيبويه وابن سعدان
وعامر الشّعبيّ وابن العلا ... وابن كريز وابن صفوان
قالوا مجاب كلّهم: إنّه ... سيّدنا، أو قال: غلماني.
فقلت لهم: قد قلّدتّم المنّة، وهيّجتم الجنّة، إلى لقاء العالم المذكور، والسّيّد المشهور، وقد كانت الرياح تأتيني بنفحات هذا الطّيب، وهدر هذا
стр. 6547
الخطيب؛ فالآن لا أثر بعد عين، سأصبّح لأجله عن سرى القين، اغتناما للفائدة، والنّعم الباردة، ووجدانا للضّالّة الشّاردة.
أين أمضي وما الذي أنا أبغي ... بعد إدراكي المنى والطّلابا؟
فإذا ما وجدت عندكم العلم ... قريبا فما أريد الثّوابا
اذهبوا أنتم فزوروا عليّا: ... لأزور الهنيتيّ «١» والآدابا
لن أبالي إن قيل الخوارز ... ميّ أخطا فعله أو أصابا!
فقالت الجماعة: بل أصبت، ووجدت ما طلبت؛ وقديما كنا ننشر أعلاقك، ونتمنّى اتّفاقك، ونتداول أوصافك، ونحب مضافك؛ ونكبر لديه ذكرك، ونعظّم لديه قدرك، فيتحرّك منك ساكنه، وتتقلقل بك أماكنه، ونسأل الله سبحانه أن يجمع بينك وبينه بمحضرنا، وتلامح عينك عينه بمنظرنا، ويلتفّ غبارك بغباره، ويمتزج تيّارك بتيّاره، ويختلط مضمارك بمضماره، فيعرف منكما السّابق والسّكيت، والسّوذانق والكعيت «٢» ، ويتبيّن من الذي يحوي القصب؛ فإنكما كما قال الشاعر:
هما رمحان خطّيّان كانا ... من السّمر المثقّفة الصّعاد
تهال الأرض أن يطا عليها ... بمثلهما نسالم أو نعادي!
فقال [بعض الجماعة] «٣» لقد تنكّبتم الإنصاف، وأخطأتم الاعتراف، وأبعدتم القياس، وأوقعتم الالتباس؛ أين ابن ثلاثين، إلى ابن ثمانين؟ وابن اللّبون، من البازل الأمون «٤» ؟ والرّمح الرّازح، من الجواد القارح، والكودن المبروض «٥» ، من المجرّب المروض.
стр. 6548
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
«١» ! كم لديهم بطائح وسباخ، وساكن صرائف وأكواخ، بين يديه سوادية أنباط، وعلوج أشراط، ورعاع أخلاط، وسفل سقّاط، في بلدة إن رأيت سورها، وعبرت جسورها، صحت: واغربتاه، وإن رأيت وجها غريبا ناديت: واأبتاه؛ لا أعرف غير النّبطيّة كلاما، ولا ألقى سوى والدي إماما، في معشر ما عرفوا التّرحال، ولا ركبوا السّروج والرّحال، ولا فارقوا الجدار والطّلال.
أولئك معشر كبنات نعش «٢» ... خوالف لا تغور مع النّجوم!
[فأنّى له] «٣» بمصاولة رجل جوّال، رحّال حلّال، بهيت وضع، وبالكوفة أرضع، وببغداد أثغر، وبواسط أحفر، وبالحجاز وتهامة فطامه، وبمصر والمغرب كان احتلامه، وبنجد والشّام بقل عارضه، وباليمن وعمان قويت نواهضه، وبخراسان بلغ أشدّه، وببخارى وسمرقند تناهى جدّه، وبغزنة والهند شاب واكتهل، ومن سيحون وجيحون علّ ونهل، وبميسان والبصرة عوّد وقرح، وبالجبال جله وجلح «٤» ؛ فهو يعدّ «المازنيّ» إمامه، وابن «جنّيّ» غلامه، و «المتنبّي» من رواته، و «المعرّي» حامل دواته، و «الصّابي» باري قلمه، و «الصّاحب» رافع علمه، و «ابن مقلة» من ناقلي غاشيته، «وبني أبي حفصة» بعض حاشيته، وقد قرأ الكتب وتلاها، وحفظ العلوم ورواها، ودرس الآداب ووعاها، ودوّن الدّواوين وألّفها، وأنشأ
стр. 6549
الحكم وصنّفها، وفصّل المشكلات وشرحها، وارتجل الخطب ونقّحها؛ فهو البحر المورود، والإمام المقصود، والعلم المصمود، هذا بون ومرتقى شديد.
أتلقون بالأعزل الرّامحا ... وبالأكشف الحاسر الدّارعا
وبالكودن السّابق السّابحا ... وبالمنجل الصّارم القاطعا؟
فما استتم كلامه حتى أقبل: فإذا نحن به قد طلع مهرولا، وأقبل مستعجلا، فرأيت رجلا أجلح، أهتم أفلح، أفلح أردح، طويلا عنطنط، يحكي ذئبا أمعط، أجمع أحبط «١» ، فتلقّوه معظّمين، وله مفخّمين، فقصد في المجلس صدره، وأسند إلى المخدّة ظهره؛ فما استقرّ به المكان، حتى قيل له: هذا فلان؛ فقبض من أنفه، ونظر إليّ بشطر من طرفه، وقال ببعض فيه؛ هلمّوا ما كنتم فيه، تعسا للشّوهاء وجالبيها، والقرعاء وحالبيها:
جاء زيد مجرّرا رسنه ... فحل لا يمنعه سننه «٢» (؟)
أحبّه قومه على شوق ... إن القرنبى في عين أمّها حسنة «٣»
! كان لنا شيخ بالأنبار، كثير الأخبار، قد بلغ من العمر أملاه، ومن السّنّ أعلاه، قرأت عليه جميع الكتاب، وعلم الأنساب، و «مسائل ابن السّرّاج» ، و «ديوان ابن العجّاج» ، و «كتاب الإصلاح» ، و «مشروح الإيضاح» ، وشعر الطّرمّاح، و «العين» للفرهودي، و «الجمهرة» للأزدي؛ وأكثر من المصنّفات، المجهولات والمعروفات؛ ينفخ في شقاشقه، ويزبد في بقابقه،
стр. 6550
ويتعاظم في مخارقه؛ وجعل القوم يقسمون بيننا الألحاظ، ويحسبون الألفاظ؛ وما منهم إلا من اغتاظ لسكوتي وكلامه، وتأخّري وإقدامه.
ثم هذى الشيخ إذ وصف له رجل على الغيب ثم رآه، فاحتقره وازدراه؛ وأنشد متمثّلا:
لعمر أبيك تسمع بالمعيدي «١» ... بعيد الدّار خير أن تراه
فقال: هذا المعيديّ هو ضمرة، بن ضمرة بن جابر، بن قطن، بن نهشل، بن دارم، بن مالك، بن حنظلة، بن مالك، بن زيد مناة، بن تميم، ابن مرّة، بن أدّ، بن طابخة، بن اليأس، بن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان. والمعيديّ تصغير معديّ؛ وهو الذي قالت فيه نادبته:
أنعى الكريم النّهشليّ المصطفى ... أكرم من خامر أو تخندفا!
فقلت: ما بعد هذا المقال، وجه للاحتمال، وما يجب لي بعد هذه المواقحة، غير المكافحة، ولم يبق لي بعد المغالبة، من مراقبة:
ما علّتي وأنا جلد نابل «٢» ... والقوس فيه وتر عنابل
تزل عن صفحته المعابل! ... ما علتي وأنا [رجل] جلد
والقوس فيه وتر عردّ
следующие страницы →