← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

والذين حضروا تحت الغضب- ولد البرواناه المذكور، وولد خواجا يونس، وهو ابن بنت البرواناه، ووالدة البرواناه، والأمير نور الدّين جاجا «١» ، وهو أكبر أمراء الرّوم أصحاب النّعمة والنّعم، والأمير قطب الدّين أحمد أخو الأتابك، والأمير سيف الدّين سنقر حاه الروناسيّ «٢» ، والأمير سراج الدّين إسماعيل بن جاجا، والأمير نصرة الدّين صاحب سيواس، والأمير كمال الدّين عارض الجيش، والأمير حسام الدّين ركاوك «٣» قريب البرواناه، والأمير سيف الدّين الجاويش «٤» ، والأمير سراج الدّين أخو حسام الدّين، والأمير شهاب الدين غازي بن علي شير التّركمانيّ «٥» . ومن المغل: مقدّمي الألوف والمئات- زيرك «٦» وسرطلق» ، وحنوكه «٨» ، وسركده «٩» ، وتماديه «١٠» . ثمّ رحل السلطان في اليوم الثاني ونزل بمنزلة قريب خان السلطان علاء الدّين كيقباذ، ويعرف بكرواني صراي، وهذا الخان بنية عظيمة من نسبة خان قرطاي، وله أوقاف عظيمة. ومن جملة ما وجد قريبا منه أذواد كثيرة من الأغنام عبثت فيها العساكر المنصورة، سألت عنها فقيل: إنها وقف على هذا الخان يذبح نتاجها للواردين على هذا الخان، وهذه الأغنام له من جملة

стр. 6582

الوقوف، قدّر الله استيفادها جملة لمّا كثرت على هذا الخان من الجيوش المنصورة الضّيوف. ورحلنا في اليوم الثالث وهو يوم الأربعاء ثاني عشرين من الشّهر، ونزلنا في وطأة عادة التّتار ينزلون بها تسمّى روران «١» كودلوا، وكودلوا اسم جبال تلك الوطأة. ورحلنا في يوم الخميس ثالث عشرين من ذي القعدة، فعارضنا بها- في وطأة خلف حصن «سمندو» من طريق غير الطريق التي كنّا توجّهنا منها- نهر يعرف بنهر قزل صو، قريب كودلوا الصغير. ومعنى قزل صو النّهر الأحمر؛ وهذا النّهر صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى، بعيد المستقى، لا يجد السّالك من أو حال حافتيه إلا صعيدا زلقا؛ فوقف مولانا السلطان بنفسه، وجرّد سيفه بيده، وباشر العمل بنفسه هو وجميع خواصّه، حتّى تهيّأ المكان جميعه، ووقف راجلا يعبّر الناس أوّلا فأوّلا: من كبير وصغير وغلام، وهو في أثناء ذلك يكرّ على من يزدحم، يكرّر التّأديب لمن يطلب بأذيّة رفيقه ويقتحم؛ وما زال من رابعة هذا النهار لى الساعة الثامنة حتّى عبرت الناس سالمين. ولمّا خفّت البرور، ولم يبق لا المرور، ركب فرسه وعبر الماء والألسنة له داعية، وعليه من الله واقية باقية، فنزل في واد هناك به «مرعى ولا كالسّعدان» ، «ومرأى ولا كشعب وّان» «٢» . ثم رحل في يوم الجمعة فنزل عند صحرات قراجار «٣» حصار، وهي قرية

стр. 6583

كانت عامرة فيما مضى، قريبة من «هدر رجال» «١» قبالة بازار بلّو، وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه كلّ شيء يجلب من الأقاليم، ويقرب من كودلوا الكبير. وسرنا في يوم السّبت سوقا طول النّهار، حتّى نزلنا في وطأة الأبلستين، وفي هذا النهار عبر مولانا السلطان- نصره الله- على مكان المعركة لمشاهدة أمم التّتار، وكيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، وكفّ بأسهم من النّسور مناسرها «٢» ، وكيف أصبحوا لا يندبهم إلا البوم، وتحقّقوا أن الّتي أهلكتهم زرق الأسنّة لا زرق الرّوم، فرآهم لمن بقي عبرة، وعرضوا على ربّهم صفّا وجاؤوه كما خلقوا أوّل مرّة، وأبصر الرّياح لأشلائهم متخطّفة، والهوامّ في أجسادهم متصرّفة، وشاهدهم وقد هذأهم «٣» كلّ شيء حتّى الوحوش والرّياح: فهذه من صديدهم متكرّعة وهذه عليهم متقصّفة. قد سوّدت شجر الجبال شعورهم ... فكأنّ فيه مسفّة الغربان! ولمّا عاينهم مولانا السلطان وعاينهم الناس، أكثروا شكر الله على هذه النّعم التي أمست لكافّة الكفر كافّة وشالّة ودارزة، وأثنوا على مننه التي سنّت «٤» إليهم خيار العساكر المنصورة حتّى أصبحت تلك الأرض بهم بارزة، وحضرت من أهل الأبلستين هنالك جماعة من أهل التّقى والدّين، واستخبرهم مولانا السلطان عن عدّة قتلى المغل فقالوا: فَسْئَلِ

стр. 6584

الْعادِّينَ «١» ، فاستفهم من كبيرهم عن عدّة المغل كم من قتيل، فقال: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ «٢» وقال بعضهم ممن عدّهم وممّن عنده علم من الكتاب «٣» : أنا عددت ستّة آلاف وسبعمائة وسبعين نفرا وضاع الحساب؛ هذا: غير من آوى إلى جبل يعصمه من ماء السّيوف فما عصمه، وغير من اعتقد أن فرسه تسلّمه «٤» فأسلمه: [فلقد غدوا خلل الرماح كأنما ... غضبت رؤوسهم على الأجسام أحجار ناس فوق أرض من دم ... ونجوم بيض في سماء قتام] «٥» فتركهم مولانا السلطان ومضى والفلوات مزرعة لجسومهم، والدّود- لأنّها مؤمنة وهم كفّار- وقد أثّرت كالنواسر في لحومهم، فرسم مولانا السلطان بتقدّم الأثقال والحرّاس والدّهليز «٦» المنصور صحبة الأمير بدر الدّين الخزندار، والدّخول في «أقجه دربند» ، وأقام مولانا السلطان في ساقة العسكر المنصور بقيّة يوم السّبت ويوم الأحد: فهو يوم الطّراد أوّل سابق ... وهو يوم القفول آخر سائق! وانتظر في هذين اليومين صيدا من العدوّ يعنّ، وما من دماءهم إلى السّيف يحنّ؛ فلمّا لم يجد أحدا رحل في يوم الاثنين فنزل قريبا من الخان الذي في الدّربند، وركب يوم الاثنين من طريق غير التي حضر منها، فسلك طريقا من الأوعار يبسا، وسلك من قلل الجبال في هضاب كأنّ كلّا منها ألف حملت من الأنجم قبسا؛ فقاسى العالم في هذا اليوم من الشّدّة ما لا يدخل في

стр. 6585

قياس، وكادوا يهلكون لولا أن الله تدارك النّاس، فتسابقوا ولكن على مثل حدّ السّيف، وتسلّلوا ولكن سلّ حوافر الخيل كيف؟ وهبطوا من جبال يستصعبها كلّ شيء حتّى طارق الطّيف؛ يستصعب الحجر المحلّق من شاهق وقوعه في عقابها، ويستهول النّجم الثّاقب ترفّع شعابها، بالقرب منها جبل شاهق يعرف «بسقر» وما أدراك ما سقر، لا يبقي على شيء من الدّوابّ ولا يذر؛ له عقبة لوّاحة للبشر «١» ، أعان الله على الهبوط منها، وفاز بمشيئة الله وبسعادة مولانا السلطان من زحزح عنها؛ وعدّينا كوكصوا وهو النّهر الأزرق، وبات مولانا السلطان هناك، وكان قضيم البغال تلك اللّيلة ورق البلّوط، إلا من أمست عناية الله أن تيسّر في شعير بخمسة عشر درهما كلّ مدّ يحوط. ورحل مولانا السلطان في يوم الأربعاء تاسع عشرين من ذي القعدة فنزل قريب كسول (؟) المقدّم ذكرها، وعدل إلى طريق مرعش فزال بحمد الله «٢» الداعي، وقالوا للشّعير: ما فينا لك مخاطب ولا منّا فيك بماله مخاطر، وللخيول قد حصل لك في مصر الرّبيع الأوّل في شعبان وفي الشّام في ذي

стр. 6586

الحجّة الرّبيع الآخر، فأرتعت لا يروعها أصحاب الموازين في تلك المساجد، واستمرّت في مروج يتأسف عليها ابن المساجد (؟) ؛ وقسّم مولانا السلطان تلك الأعشاب كما تقسّمت في آفاق السماء النّجوم، وأوقف كلّ أحد في مقام حتّى قال: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «١» ؛ فكم هنالك من مروج أعشبت فأعجبت، وانجابت السماء عنها فأنجبت، وأربت على زهر النّجوم فاهتزّت وربت: يصدّ الشّمس أنّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنّسيم «٢» ! يتخلّلها هنالك أترع الحياض، ويلهو بها كلّ شيء فكم قصف العاصي بها في تلك الرّياض. هذا كلّه: وخير من أرزنجان، حارة برجوان؛ وخير من أراضي توريز، قطعة من إيليز، وكوم من كيمان سفط ميدوم، خير من قصر في قيصريّة الرّوم؛ ونظرة إلى المقياس، خير من سيواس؛ ومناظر اللّوق، خير من كيقباذ آل سلجوق؛ وتربة من ترب القرافة، خير من مروج العرافة؛ وشبر من شبرا، خير من سطا ومرا: وجلوس في باب دارك خير ... من جلوس في [باب] «٣» إيوان كسرى والتماحي لنور وجهك خير ... لي من أنّني أشاهد بدرا! يا وليّا يولي الأيادي سرّا ... ووزيرا فليس يكسب وزرا ما رأينا والله فيمن رأينا ... لك مثلا من البريّة طرّا كم خبرنا الرّجال في كلّ أرض ... فإذا أنت أعظم الخلق قدرا!

стр. 6587

كم فلان قالوا وقالوا فلانا ... فإذا النّاس دون علياك حسرى لك مدح قد طبّق الأرض سبحا ... ن إله به إلى النّاس أسرى! ما رأينا مصرا كمصر ولا مثلك فينا، والحمد لله شكرا! الضرب الثاني (من الرسائل الملوكية رسائل الصّيد) وهذه نسخة رسالة في صيد السّلطان الشّهيد الملك الناصر بن السّلطان الشّهيد الملك المنصور «قلاوون» من إنشاء القاضي تاج الدين البارنباريّ «١» ؛ وهي: الحمد لله الذي نعّم النّفوس الشّريفة بإدراك الظّفر، وأنعم على هذه الأمّة بمحمّدها الذي أنار كوكب نصره وسفر، وشرع لها على لسان نبيّها ﷺ الغنيمة في السّفر، وأسعف هذه الدّولة الشريفة بدوام سلطانها الذي حفّت أيّامه بالعزّ والتّأييد والظّفر. نحمده على أن أقرّ العيون بفضله بما أقر، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة ألانت قلب من نفر، وكرمت أسبابها فلا يتمسّك بها إلّا أعزّ فريق ونفر، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أعزّ من آمن وأذلّ من كفر، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تجاوز الله عن ذنوبهم وغفر، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ في ابتغاء النّصر ملاذا تدركها كلّ ذات شرفت، وتملكها السّجايا التي تعارفت بالفخار وائتلفت، وتنالها النّفوس التي مالت إلى العزّ

стр. 6588

وإلى تلقائه صرفت؛ ومنشؤها من حالتين: إمّا في موقف عزّ عندما تلمع بروق الصّفاح، وتشيب من هول الحرب رؤوس الرّماح، وتسرح جوارح النّبال لتحلّ في الجوارح وتصيد في الأرواح؛ وإمّا في موطن سلّم عندما تنبسط النفوس إلى امتطاء صهوات الجياد في الأمن والدّعة، وتنشرح الصّدور إلى معاطاة الصّيود والمسرّات مجتمعة، وتطلق البزاة فتصيد، وتتصرّف بأمر الملوك الصّيد، وترسل الحوامي الممسكة، وتلقى على ما سنح من الوحش فلا ترى إلا مدركة؛ وتفاض النّعم السّلطانية وتجزل مواهبها، وتلوح العصابة الشّريفة وتنبعث مواكبها. وكان الله تعالى قد جمع للمواقف الشّريفة، المعظّمة، السّلطانية، الملكيّة، النّاصريّة، خلّد الله سلطانها- سعادة الحالتين حربا وسلما، وآتاه فيهما النّصر الأرفع والعزّ الأسمى، ووسم بصدقاته وعزماته الأمرين وسما، ونصره نعتا وعظّمه سمعة وشرّفه اسما، فأيّام حروبه كلّها رفعة وانتصار، واستيلاء واستظهار، وقوة تحيا بها المؤمنون وتفنى الكفّار؛ وأيّام سلمه كلّها عدل وهبة، وصدقات منجية منجبة، ورفع ظلامات متشعبة، وقمع نفوس متوثّبة، وحسم خطوب مستدّة، وحفظ الحوزة الإسلامية من كلّ بأس ووقايتها من كلّ شدّة، وفي خلال كلّ عام تصرف عزائمه الشريفة إلى ابتغاء صيد الوحش والطّير: لما في ذلك من تمرين النّفوس على اكتساب التّأييد، وحصول المسرّة بكلّ ظفر جديد؛ فيرسم- خلد الله سلطانه- في الوقت الذي يرسم به من مشتى كلّ عام بإخراج الدّهليز المنصور فينصب في برّ الجيزة بسفح الهرم، في ساعة مباركة آخذة في إقبال الجود والكرم؛ فتمدّ بالتّأييد أطنابه، وترفع على عمد النّصر قبابه، ويحاط بحراسة الملائكة الكرام رحابه، وتضرب خيام الأمراء حوله وطاقا، وتحفّ به [مثل] «١» النّجوم بالبدر إشراقا؛ ويستقلّ الرّكاب الشريف- شرّفه الله- بعد ذلك بقصد عبور النّيل المبارك فيظهر من القلعة المحروسة والسّلامة تحجبه من المخافة، والحراسة

стр. 6589

تصحبه فيما قرب ونأى من المسافة، ولسان السّعد قد خاطبه بالتّحيّة وشافه، ومماليكه الأمراء قد حفّوا به أطلابا «١» ، وسنيّ موكبه قد بعث أمامه من الإضاءة نجّابا «٢» ؛ ولم يزل حتّى يأتي النّيل المبارك ويستوي على الكرسيّ في الفلك المشحون، محوطا بالنّصر الميمون والجيش المأمون، وقد استبشر باعتلائه البحر والنّون «٣» ، وأضحى لظهر الفلك من الفخار [بحضرته] «٤» المكرّمة، ما لصهوات أجياده العتاق المسوّمة، فلهذا نشر أعلام بشراها، وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها «٥» ، فسارت به في اليمّ، ونصر الله قد تمّ، وصعد من فلكه، على ما يسرّ نفوس المؤمنين في كمال سلطانه وعزّة ملكه، واستقرّ على جواد شرفت صهوته، وقرنت بالأناة والسّكون خطوته، عربيّ النّجار، يختال في سيره كأنّما انتشى من العقار: ويختال بك الطّرف ... كأنّ الطّرف نشوان ترى الطّرف درى أو ... ليس يدري أنّك سلطان! وسار في زروع مخضرّة، وثغور نبات مفترّة؛ وقد طلعت للظّفر شموسه وبدوره، وأعدّت للصّيد بزاته وصقوره، من كلّ متوقّد اللّحظ من الشّهامة، محمول على الرّاحات من فرط الكرامة، يتوسّم فيه النّجاح، قبل خفق الجناح، ويخرج من جوّ السّماء ولا حرج ولا جناح؛ وبازها الأشهب،

стр. 6590

يجيء بالظفر ويذهب بصدر مفضّض وناظر مذهب، له منسر أقنى، طالما أغنى، كأنّما هو شبا السّنان وقد حباه الكماة طعنا: وصارم في يديك منصلت ... إن كان للسّيف في الوغى روح متّقد اللّحظ من شهامته ... فالجوّ من ناظريه مجروح! قد راش النّجح جناحه، وقرن الله باليمن غدوّه ورواحه، ونصره في حربه حيث جعل منسره رمحه ومخلبه صفاحه، في قوادمه السّعد قادم، وفي خوافيه النّصر ظاهر المعالم، كأنّما ألهم قوله ﷺ : «بورك لأمّتي في بكورها» ، فيسرح والطّير جاثمة في وكورها، ويخرج في إغباش السّحر وعليه سواد، فيهابه الصّادح في الجوّ والباغم في الواد، ويأمر- خلّد الله سلطانه- أمراءه فيضربون على الطّير حلقة وهي لاهية في التقاط حبّها، غافلة عمّا يراد بها، فيذعرونها بخفق الطّبول وضربها، ومولانا السلطان- خلّد الله ملكه- لنافرها مترقّب، ولطائرها بالجارح معقّب، فما يدنو الكركيّ مقرورا حتّى يؤوب مقهورا، ساقطا من سمائه إلى أرضه، ومن سعته إلى قبضه، فسبحان من خلق كلّ جنس وقهر بعضه ببعضه؛ هذا: والجارح قد أنشب فيه مخالبه، وسدّ عليه سبله في جوّ السّماء ومذاهبه؛ ولم يزل- خلّد الله تعالى سلطانه- عامّة يومه متوغّلا في التّمتّع بلذّات صيوده، وأوقات سعوده، وحصول أربه ومقصوده، وجنود الملائكة حافّون به وبجنوده، حتّى ينسخ النهار الليل بظلمائه، ويلمع الطّارق بأضوائه، فيعود عند ذلك الرّكاب الشريف إلى المخيّم المنصور والجوارح كاسبة، والأقدار واهبة، والجوارح مسرورة، والطّيور مأسورة، والنّفوس ممتّعة، والمواهب منوّعة، والأرجاء مضوّعة، والله تعالى مع سلطانه بكلاءته: «ومن كان مع الله كان الله معه» ، فيرفع أمامه فانوسان توءمان، كأنهما كوكبان بينهما اقتران، أو فرقدان رفعتهما يدان، فيدنو إلى مخيّمه المنصور في سرادق العزّ الحفيل، وعصابة النّصر الأثيل، وتترجّل الأنصار قبل فسطاطه المعظّم على قدر ميل، ويسعى بالشّموع لتلقّيه، ويسوّى تخت الملك لترقّيه، فعند ذلك

стр. 6591

يطوف بالدهليز أمراء الحرس بالشّموع المرفوعة، والمزاهر المسموعة، فإذا طلع الفجر مستطيلا، وجاء الصّبح شيئا قليلا، عرضت عليه النّعم فأعطاها، والمهمّات الإسلامية فقضاها، وقدّمت له الجياد المسوّمة فامتطاها، ويسرح إلى الصّيد والجوارح التي صادت بالأمس قد استأسدت، وبسعادته إلى ظفرها قد أرشدت؛ فإذا سار ركابه الشّريف فرّقت على أثره عساكر الإسلام، وقوّضت تلك الخيام كأنها الأيّام. ولم يبرح ذلك دأبه في كلّ يوم من أيّام حركته حتّى يأخذ حظّه من صيد الطّير، فعند ذلك يثني عنان السّير، إلى اقتناص الوحش فيعدّ لإمساكها كلّ هيكل قيد الأوابد «١» قد عقد الخير بناصيته فأصبح حسن المعاقد. فمن أشهب: كريم المغار، ذي إهاب من النّهار، وأديم كأنّه صحيفة الأبرار، أبيض مثل الهدى، له في الصّبح إثارة النّصر وإغارة على العدا؛ علا قدرا وغلا قيمة، وله إلى آل أعوج «٢» نسبة مستقيمة، إذا استنّ في مضمار يسبق البروق الخاطفة، ويخلّف الرّيح حسرى وهي واقفة، يجده الفارس بحرا، وله عند مجرى العوالي مع السّوابق مجرى. ومن أحمر: كأنّما صبغ بدم الأعداء أديمه، وكأنّما هو شقيق الشّقيق وقسيمه؛ كرمت غرره وحجوله، وحسنت أعراقه وذيوله، مكرّ مفرّ كجلمود صخر حطّته من عليّ سيوله» ؛ حكى لونه محمرّ الرّحيق، وله كلّ يوم ظفر جديد مع أنه عتيق.

стр. 6592

ومن أدهم: مدرك كاللّيل، منصبّ كالسّيل، كريم النّاصية، جوّاب قاصية، كأنّ غرّته صبح تنفّس في الدّجى الحالك، وكأنّه من اللّيل باق بين عينيه كوكب يضيء المسالك، وكأنّ حجوله بروق تفرّقت في جوانب الغسق فحسن منظرا لذلك؛ سنابكه يوري قدحها «١» ، وغرّته ينير صبحها، وجوارحه مسودّ جنحها، وصهوته كمن فيها العزّ فلا يزال ظاهرا نجحها. وممّا سوى ذلك من الجياد المختبرة، والصّافنات المعتبرة: إذا ما صرفت اللّحظ نحو شياتها ... وألوانها فالحسن عنك مغيّب «٢» ! وإنما هي بصبرها على الظّما، وشدّة عدوها في النّور والظّلما، وسبقها إلى غايات رهانها، وثباتها تحت رايات فرسانها. وتليها الفهود الحسن منظرها، الجميل ظفرها، الكاسب نابها وظفرها؛ تفرّق اللّيل في أهبها المجتمعة، وأدركت العواصم في هضابها المرتفعة، وجوهها كوجوه اللّيوث الخادرة، ووثباتها على الطّريدة وثبات الفئة المؤمنة على الفئة الكافرة، مقلّصة الخواصر، عزماتها على الوحش حواصر؛ ما أطلقت على صيد إلا قنصته سريعا، ولا بصرت بعانة من حمر إلا أخذتها جميعا. ثم الحوامي المعلّمة، والضّواري التي أضحت بالنّجح متوسّمة، ما منها إلّا طاوي الخاصرة، وثباته طائلة غير قاصرة، بنيوب كالأسنّة،

стр. 6593

وساعدين مفتولين تسبق بهما ذوات الأعنّة، لو رآه عديّ بن حاتم ﵁ لضمّه إلى ما لديه، وأكل مما أمسك عليه. وتضرب العساكر حلقة ما يلتقي طرفاها إلا إلى اللّيل في اتّساعها، تحوي سائر الأوابد على اختلاف أنواعها. فمن نعام: خضّب ظليمها «١» لمّا أكل ربيعا، وأحمرّت أطراف ريشه فكأنّها سهام أصابت نجيعا، طالت أعناقها النّاحلة فكأنّها خطّيّة، واشتدّت قوائمها الحاملة فكأنّها مطيّة، شاركت الطّير في وجود الجناح، وفارقتها في كثافة الاشباح، وأشبهت الوحش في مسكن القفار، وشدّة النّفار، قد اجتمع في ظاهرها اللّونان من الوحش والطّير وائتلف في باطنها الضّدّان من ماء ونار. ومن ظباء: مسودّة الأحداق، حكت الحبائب في كحل المقل وحسن سوالف الأعناق؛ ابيضّت بطونها، واحمرّت متونها، وراقت أوراقها، وحلكت آماقها؛ نافرة في صحرائها، طيّب مرعاها فالمسك من دمائها. ومن بقر وحشية: عفر الإهاب، ساكنة الهضاب؛ لها في حقاف الرّمل مرابض، حذرا من قانص قابض؛ كم في ... «٢» ... من لوّى يتهادى، كأنّ إبرة روقه قلم أصاب من الدّواة مدادا. ومن حمر إهابها أقمر منسوبة إلى أحد «٣» ولم تركّب متونها، وقد حكى الجزع «٤» الذي لم يثقّب في دجى اللّيل عيونها.

стр. 6594

وعندما تلتقي حلقة العساكر يلحقها- خلّد الله سلطانه- ومعه الجوارح الصائدة، والحوامي الصائلة، والأسهم النّافذة، والفهود الآخذة، فتموج الوحش ذعرا، وترى مسالكها قد سدّت عليها سهلا ووعرا، وضرب دون نجاتها بسور من الجياد والفرسان، وحيل بينها وبين خلاصها بنبال وخرصان؛ فحينئذ تفرّ النّعام عن رمالها، والظّباء عن ظلالها، والبقر عن جآذرها، والحمر عن بولها؛ ويقبض- خلّد الله سلطانه- من جنس الوحش كلّ نوع، ولو يمسكها بجارح لأمسكها كما تمسك عداة الإسلام بالرّوع؛ وتجزل منها المكاسب، وتملأ منها الحقائب؛ فإذا أخذ حظّه من القبض ولذّة اكتسابه، رسم لأمرائه بالصّيد عند صدور ركابه؛ فيصيدون ويقنصون، زادهم الله من فضله- فإنهم في طاعته مخلصون؛ فيكثر عند ذلك كلّ قنص ذبيح، ويأتي كلّ بما اقتنصه ليظهر التّرجيح؛ فإذا استكمل أوقات الصّيد من الطّير والوحش ثنى ركابه الشّريف إلى جهة القلعة المحروسة والقفار قد شرفت بمرور مواكبه، والوحش والطّير قد افتخرت بكونها أصبحت من مكاسبه. هذا كلّه وإن كانت النفس تراه لهوا، وتبلغ به كلّ ما تهوى، ففي طيّه من تمرين الجنود على الحرب ما تشدّ به العزمات وتقوى؛ فيؤمّ الركاب الشّريف عائدا إلى سرير ملكه بالقلعة المحروسة، والسّلامة قد قضت ما يجب عليها من حراسته، والأقدار قد وفت ما ينبغي من كلاءته؛ فلم يك إلا وهو صاعد إلى القلعة المحروسة وألسنة السّعادة تخاطبه، وسريره قد اهتزت فرحا بمقدمه جوانبه، والصّيد المبارك قد سعدت مباديه وحمدت عواقبه؛ فيلقي أهبة السّفر، ويأخذ فيما بطن من المصالح الإسلامية وظهر، وتنشده ألسنة السلامة ما أملى عليها العزّ والتّأييد والظّفر: ملك البسيطة آب من سفره ... والنّصر والتّأييد في أثره فكأنّه في عزّ موكبه ... بدر تألّق في سنا خفره ما في البريّة مثله ملك ... أوتي الذي أوتيه من ظفره!

стр. 6595

يسري إلى أعدائه رهب ... ممّا يبث الناس من خبره فالله ربّ النّاس فاطرنا ... يؤتيه ما يربي على وطره!! الصنف الثاني (من الرسائل ما يرد منها مورد المدح والتّقريض) إما بأن يجعل المدح مورد الرّسالة ويصدّر بمدح ذلك الشّخص المراد، وإما بأن يصدّر بما جرية «١» يحكيها المنشيء ويتخلّص منها إلى مدح من يقصد مدحه وتقريضه، وما يجري مجرى ذلك. وللكتّاب وأهل الصّناعة في ذلك أفانين مختلفة المقاصد، وطرق متباينة الموارد. وهذه نسخة رسالة أنشأها أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ سمّاها «رسالة الشّكر» قصد بها تقريض وزير المتوكّل وشكر نعمه لديه، مصدّرا لها بذكر حقيقة الشّكر وبيان مقاصده؛ وهي: جعلت فداك، أيّدك الله وأكرمك وأعزّك، وأتمّ نعمته عليك وعندك. ليس يكون الشّكر- أبقاك الله- تامّا، ومن حدّ النّقصان خارجا، حتّى يستصحب أربع خلال، ويشتمل على أربع خصال: [الخصلة الاولى] أوّلها: العلم بموقع النّعمة من المنعم عليه ، وبقدر انتفاعه بما يصل إليه من ذلك: من سدّ خلّة، أو مبلغ لذّة وعلوّ في درجة، مع المعرفة بمقدار احتمال المنعم للمشقّة، والذي حاول من المعاناة والكلفة في بذل جاه مصون، أو مفارقة علق ثمين. وكيف لا يكون كذلك؟ وقد خوّل من نعمه بعض ما كان حبيسا على حوادث عدّة، فزاد في نعم غيره بما انتقص من نعم نفسه وولده. فكلّما تذكّر الشاكر ما احتمل من مؤونة البذل، سهل عليه احتمال ما نهض به من ثقل الشّكر. والخصلة الثانية: الحرّيّة الباعثة على حبّ المكافأة واستحسان

стр. 6596

المجازاة. والشّكر من أكبر أبواب الأمانة، وأبعده من أسباب الخيانة؛ ولن يبلغ أحد في ذلك غاية المجد إلا بمعونة الطمع، وإلا الحرب سجال بينهما، والظّفر مقسوم عليهما. كذلك حكم الأشياء إذا تساوت في القوّة، وتقاربت في بلوغ المدّة. وقد زعم ناس أن الشّاكر والمنعم لا يستويان، كما أن الباديء بالظّلم والمنتصر لا يعتدلان، لأنّ الباديء أخذ ما ليس له، والمنتصر لم يتجاوز حقّه الذي هو له، ولأن الباديء لم يكن مهيّجا على الظّلم بعلّة جناها المنتصر، والمنتصر مهيج على المكافأة بعلّة جناها الباديء، والمثوّر للطباع المغضب، والمستخفّ المهيّج أعذر من السّاكن الوادع المطمئن. فلذلك قالوا: إن الباديء أظلم، والمنتصر أعذر. وزعموا أن المنعم هو الذي أودع صدر الشاكر المحبّة بإنعامه عليه، وهيّجه بذلك على مكافأته لإحسانه إليه، فقد صار المنعم شريك الشّاكر في إحسانه، وتفرّد بفضل إنعامه دون مشاركة غيره؛ والمنعم هو الذي دفع للشاكر أداة الشّكر، وأعاره آلة الوفاء، فهو من ههنا أحقّ بالتقديم، وأولى بالتّفضيل. هذا، وقد قال بعض الحكماء والأدباء والعلماء: من تمام كرم المنعم التّغافل عن حجّته، والإقرار بالفضيلة لشاكر نعمته، لأن المحاجّة مغالبة، ولا تتمّ مودّة إلا مع المسامحة. ولذلك قال الرّبعيّ لناس من العرب يختصمون: هل لكم في الحقّ أو خير منه؟ قالوا: قد عرفنا الحقّ، فما الذي هو خير منه؟ قال: التّغافل فإنّ الحقّ مرّ. ألا ترى إلى بنت هرم بن سنان لما قالت لابنة زهير بن أبي سلمى في بعض المناحات، أو في بعض المزاورات: إنّه ليعجبني ما أرى من حسن شارتكم، ونقاء نفحتكم. قالت ابنة زهير: أما والله لئن قلت ما قلت، فما ذلك إلا من فضول ما وهبتم، ومن بقايا ما أنعمتم. قالت بنت هرم: لا بل لكم الفضل، وعلينا الشّكر؛ أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى. وقيل لعبد الله بن جعفر حين أجزل لنصيب الشّاعر في الهبة، وكثّر له في العطيّة: أتنيل هذا العبد الأسود كلّ هذا النّيل، وتحبوه بمثل هذا الحباء؟ فقال عبد الله بن جعفر: أما والله لئن كان أسود الجلد إنه

стр. 6597

لأبيض الشّعر؛ أعطيناه دراهم تفنى، وثيابا تبلى، ورواحل تنضى، وأعطانا ثناء يبقى، وحديثا يثنى، ومكارم لا تبلى. فلهذه الخصال تكاملت خصال المجد فيهم، فظهر عنوان كرم الخير عليهم، فصاروا في زمانهم منارا، ولمن بعدهم أعلاما. وليس تتمّ معاني كرم المنعم، ومعاني وفاء الشاكر، حتّى تتوافى أقوالهما، وتتّفق أهواؤهما على تدافع الحجة، والإقرار بالمعجزة، فيزداد بذلك المنعم فضلا والشّاكر نبلا. هذا جملة القول في خصلتين من الأربع التي قدّمنا ذكرها، وشهرنا أمرها. والخصلة الثالثة: الدّيانة بالشّكر ، والإخلاص للمنعم في تصفية الودّ، فإن الدّين قائد المروءة، كما أن المروءة خطام «١» الحميّة. وهذه الخصال وإن تشعّبت في بعض الوجوه، وافترقت في بعض الأماكن، فإنها ترجع إلى نصاب يجمعها، وإلى إناء يحفظها، منه نجمت، وعنه انبثّت، وإليه رجعت. ولاجتماع هذه الخصال على مخالفة الهوى، ومجانبة الهوينى، وعلى اتّهام دواعي الشّهوة، والامتناع من كلب الطّبيعة- وفّق الأوّلون بينها في جملة الاسم، وقارنوا بينها في جمهرة الحكم. ولذلك قال عمر بن الخطّاب ﵁: اعتبر عزمه بحميّته، وحزمه بمتاع بيته. ومدار جميع الأحوال المحمودة على الصّبر، ولن يتكلّف مرارة الصّبر من يجهل عاقبة الصّبر. وقالوا: لمّا صار ثقل الشّكر لا يحتمل إلا بالصّبر، صار الشّكر من نتاج الصّبر. وكما أنه لا بدّ للحلم- مع كرم الحلم- من الصّبر، فكذلك لا بدّ للشّكر- مع كرم الشّكر- من الصّبر. فالصّبر يجري مع جميع الأفعال المحمودة، كما يجري الهوى مع جميع الأفعال المذمومة. ولذلك قال رسول الله ﷺ : «خلق الله النّار وحفّها بالشّهوات، وخلق الجنّة وحفّها بالمكاره» .

стр. 6598

والخصلة الرابعة: وصف ذلك الإحسان باللّسان البيّن ، وتخيّره بالبيان النيّر، وباللّفظ العذب الشّهيّ، والمعنى الشّريف البهيّ؛ فإن الكلام إذا كان حسنا، جعلته الحكماء أدبا، ووجدت الرّواة إلى نشره سببا، حتّى يصير حديثا مأثورا، ومجدا مذكورا، وداخلا في أسمار الملوك، وسوقا من أسواق المتأدّبين، ووصلة في المجالس، وزيادة في العقل، وشحذا للسان، وترهيفا للقلب، وتلطيفا للفكر، وعمارة للصّدر، وسلّما إلى العظماء، وسببا إلى الجلّة الكبراء. وإذا لم يكن اللّفظ رائعا، والمعنى بارعا، وبالنّوادر موشّحا، وبالملح مجلوّا، لم تصغ له الأسماع، ولم تنشرح له الصّدور، ولم تحفظه النّفوس، ولم تنطق به الأفواه، ولم يخلّد في الكتب، ولم يقيّد بالدّرس، ولم يجذل به قائل، ولم يلتذّ به سامع. ومتى لم يكن كذلك كان كلاما ككلام اللّغو، ومعاني السّهو، وكالهجر «١» الذي لا يفهم، والمستغلق الذي لا يعلم. وليس- أبقاك الله- شيء أحوج إلى الحذق، ولا أفقر إلى الرّفق، من الشّكر النّافع، والمديح النّاجع، الذي يبقى بقاء الوشم، ويلوح كما يلوح النّجم. كما أنّه لا شيء أحوج إلى وسع الطّاقة، وإلى الفضل في القوّة، وإلى البسطة في العلم، وإلى تمام العزم- من الصّبر. وعلى أن الشّكر في طبقات متفاوتة، ومنازل متباينة؛ وإن جمعها اسم، فليس يجمعها حكم؛ فربّما كان كلاما تجيش به الصّدور، وتمجّه الأفواه، وتجدف به الألسنة، ويستعمل فيه الرّأي المقتضب، والخاطر المحتار، والكلام المرتجل، فيرمى به على عواهنه، وتبنى مصادره على غير موارده، لا يتعذّر فيه الشّاكرون لانتفاع المنعمين، كما تعذّر المنعمون لانتفاع الشّاكرين. وليست غاية القائل إلا أن يعدّ بليغا مفوّها، أو يستزيد به إلى نعمه السّالفة نعما آنفة؛ أو ليس إلا ليغترّ كريما، أو يختدع غنيّا لا يتفقّد ساعات القول، ولا يتعرّف

стр. 6599

أقدار المستمعين؟ وليس غايته إلا الكسب والتّعرّض والانتفاع والتّرنّح؛ وعلى هذا يدور شكر المستأكلين، وإحماد المتكسّبين. وهذا الباب وإن جعلته العوامّ شكرا، فهو بغير الشّكر أشبه، وبذلك أولى؛ وربّما كان شكره عن تأنّق وتذكير، وعن تخيّر وتخيير، وعن تفقّد للحالات، وتحصيل للأمور في المقامات التي تحيط بمهجته، وبحضرة عدوّ لا يزال مترصّدا لنعمته؛ فربّما التمس الزيادة في غبطه، وربّما التمس شفاء دائه وإصلاح قلبه، ونقض المبرم من معاقد حقده، على قدر الرّد، وعلى قدر تصرّف الحالات في المصلحة، لأن الشاكر كالرّائد لأهله، وكزعيم رهطه، والمشار إليه عند مشورته؛ فربّما اختار أن يكون شكره شعرا: لأن ذلك أشهر، وربّما اختار أن يكون كلاما منثورا: لأن ذلك أنبل، وربّما أظهر اليسر وانتحل الثّروة، وجعل من الدّليل على ذلك كثرة النّفقة، وحسن الشّارة، ويرى أن ذلك أصدق المدحين، وأنبل الشّكرين، ويجعل قائده إلى هذا المذهب، وسابقه إلى هذا التّدبير قول نصيب «١» : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب! وممّا يدخل في هذا الباب وليس به- قول العنزيّ «٢» : يابن العلاء ويابن القرم مرداس ... إنّي لأطريك في أهلي وجلّاسي حتّى إذا قيل: ما أعطاك من صفد؟ ... طأطأت من سوء حال عندها راسي! أثني عليك ولي حال تكذّبني ... بما أقول فأستحيي من النّاس! وبين هذين الشّكرين طبقات معروفة، ومنازل معلومة. وموضع الشّكر

стр. 6600

من قلب السّامع في القبول والاستنامة، على قدر حسن النّيّة؛ والذي يعرف به الشّاكر من صدق اللهجة، ومن قلّة السّرف، واعتدال المذاهب، والاقتصاد في القول. وهذا باب سوى الباب الآخر من حسن الوصف، وجودة الرّصف؛ ولذلك لمّا أحسن بعض الواعظين في الموعظة، وأبلغ في الاعتبار وفي ترقيق القلوب، ولمّا لم ير أحدا يخشع، ولا عينا تدمع، قال: يا هؤلاء إما أن يكون بي شرّ، أو يكون بكم شرّ. وقيل لجلساء الفضل الرّقاشيّ «١» ، وعبد الصّمد بن الفضل الرّقاشيّ: ما بال دموعكم عند الفضل أغزر، وعند عبد الصّمد أنزر، وكلام عبد الصّمد أغزر، وكلام الفضل أنزر؟ قالوا: لأن قلب الفضل أرقّ، فصارت قلوبنا أرقّ، والقلوب تتجارى. وقالوا: طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا، وللدّاعي إذا كان للاستجابة أهلا، وللمنعم إذا حظي بالشّكر، وللشّاكر إذا حظي بالقبول. إني لست أحتشم من مدحك، لأني لست أتزيّد في وصفك، ولست أمدحك من جهة معروفك عندي، ولا أصفك بتقديم إحسانك إليّ، حتّى أقدّم الشّكر الذي هو أولى بالتّقديم، وأفضّل الصّنف الذي هو أحقّ بالتّفضيل. وفي الخبر المستفيض، والحديث المأثور: «ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى. وقليل باق خير من كثير فان» . تذاكر الناس عند بعض الحكماء طبقات السّابقين في الفضل، وتنزيل حالاتهم في البرّ، ومن كانت الخصلة المحمودة فيه أكثر، والخصلة الثانية فيه أوفر، فقال ذلك الحكيم: ليس بعجب أن يسبق رجل إلى الإسلام، وكلّ

стр. 6601

شيء، فقد سبق إلى تقديمه ناس وأبطأ آخرون؛ وليس بعجب أن يفوق الرّجل أترابه في الزّهد، وأكفاءه في الفقه، وأمثاله في الذّبّ: وهذا يوجد في كلّ زمان، ويصاب في كلّ البلدان؛ ولكنّ العجب العجيب، والنّادر الغريب، الذي تهيّأ في عمر بن الخطّاب ﵁ واتّسق له؛ وذلك أنه غبر عشر حجج: يفتح الفتوح، ويدوّخ البلاد، ويمصّر الأمصار، ويدوّن الدّواوين، ويفرض الفروض، ويرتّب الخاصّة، ويدبّر العامة، ويجبي الفيء، وترمي إليه الأرض بأفلاذ كبدها، وأنواع زخرفها، وأصناف كنوزها، ومكنون جوهرها، ويقتل ملوكها، ويلي ممالكها، ويحلّ ويعقد، ويولّي ويعزل، ويضع ويرفع، وبلغت خيله إفريقية، ودخلت خراسان: كلّ ذلك بالتّدبير الصّحيح والضّبط، والإتقان والقوّة، والإشراف، والبصر النّافذ، والعزم المتمكّن، ثم قال: لا يجمع مصلحة الأمّة، ولا يحوشهم على حظّهم من الألفة واجتماع الكلمة، وإقامتهم على المحجّة، مع ضبط الأطراف، وأمن البيضة- إلا لين في غير ضعف، وشدّة في غير عنف. ثم غبر بعد ذلك سنيّه كلّها على وتيرة واحدة، وطريقة مطّردة؛ لا ينجرف عنها، ولا يغيّرها، ولا يسأمها، ولا يزول عنها: من خشونة المأكل والملبس، وغلظ المركب، وظلف «١» النّفس عن صغيرها وكبيرها، ودقيقها وجليلها، وكلّ ما يناجز الناس عليه؛ لم يتغيّر في لقاء ولا في حجاب، ولا في معاملة ولا في مجالسة، ولا في جمع ولا في منع، ولا قبض ولا بسط: والدّنيا تنصبّ عليه صبّا، وتتدفّق عليه تدفّقا؛ والخصلة من خصاله، والخلّة من خلاله، تدعو إلى الرّغبة، وتفتح باب الألفة، وتنقض المبرم، وتفيد المروءة وتفسح المنّة، وتحلّ العقدة، وتورث الاغترار بطول السّلامة، والاتّكال على دوام الظّفر، ومواتاة الأيّام، ومتابعة الزّمان. وكان ثباته عشر حجج على هذه الحال أعجوبة، ومن البدائع الغريبة. وبأقلّ من هذا يظهر العجب، ويستعمل الكبر، ويظهر الجفاء، ويقلّ التّواضع.

стр. 6602

ونحن وإن كنّا لا نستجيز أن نلحق أحدا بطباع عمر ومذهبه، وفضل قوّته، وتمام عزمه، فإنّا لا نجد بدّا من معرفة فضل كلّ من استقامت طريقته، ودامت خليقته، فلم يتغيّر عند تتابع النّعم، وتظاهر الصّنع، وإن كانت النّعم مختلفة الأجناس، ومتفاوتة في الطّبقات. وكيف يلحق به أحد؟ مع قوله: «لو أنّ الصّبر والشّكر بعيران ما باليت أيّهما ركبت» ، ولكنّا على حال لا ندع تعظيم كلّ من بان من نظرائه في المرتبة، وأشباهه في المنزلة، إذ كان أدومهم طريقة، وأشدّهم مريرة، وأمضاهم على الجادّة الوسطى، وأقدرهم على المحجّة العظمى. ولا بدّ من أن يعطى كلّ رئيس قسطه، وكلّ زمان حظّه؛ ولا يعجبني قول القائل: لم يدع الأوّل للآخر شيئا، بل لعمري لقد ترك له العريض الطّويل، والثّمين الخطير، واللّقم «١» النّهج، والمنهج الرّحب. ولو أنّ الناس مذ جرت هذه الكلمة على أفواه العوام، وأعجب بها الأغمار من الرّجال- قلّدوا هذا الحكم، واستسلموا لهذا المذهب، وأهملوا الرّويّة، ويئسوا من الفائدة، [إذن] لقد كان ارتفع من الدّنيا نفع كثير، وعلم غزير. وأيّ زمان بعد زمان النّبيّ صلّى الله عليه وآله أحقّ بالتّفضيل، وأولى بالتقديم، من زمان ظهرت فيه الدّعوة الهاشميّة، والدّولة العبّاسيّة، ثم زمان المتوكّل على الله، والنّاصر لدين الله، والإمام الذي جلّ فكره، وكثر شغله بتصفية الدّين وتهذيبه، وتلخيصه وتنقيحه، وإعزازه وتأييده، واجتماع كلمته، ورجوع ألفته. وقد سمعت من يقول- ويستشهد العيان القاهر، والخبر المتظاهر-: ما رأيت في زماننا من كفاة السّلطان وولاته، وأعوانه وحماته، من كان يؤمّل لمحلّك، ويتقدّم في التّأهّب له، إلا وقد كان معه من البذخ والنّفخ، ومن الصّلف والعجب، ومن الخيلاء، ومن إفراط التّغيّر للأولياء، والتّهكّم على الخلطاء، ومن سوء اللقاء، ما لا خفاء به على كاتب

стр. 6603

ولا على عامل، ولا على خطيب ولا على أديب، ولا على خاصّيّ ولا على عامّيّ. فجمعت- والحمد لله على النّعمة فيك- بين التّواضع والتّحبّب، وبين الإنصاف وقلّة التّزيّد؛ فلا يستطيع عدوّ معلن، ولا كاشح مسرّ، ولا جاهل غبيّ، ولا عالم مبرّز، يزعم أنه رأى في شمائلك وأعطافك- عند تتابع النّعم، وتظاهر المنن- تغيّرا في لقاء ولا في بشر عند المساءلة، ولا في إنصاف عند المعاملة، واحتمال عند المطاولة: الأمر واحد، والخلق دائم، والبشر ظاهر، والحجج ثاقبة، والأعمال زاجية، والنفوس راضية، والعيون ناطقة بالمحبّة، والصّدور مأهولة بالمودّة، والدّاعي كثير، والشاكي قليل؛ وأنت بحمد الله تزداد في كلّ يوم بالتّواضع نبلا، وبالإنصاف فضلا، وبحسن اللّقاء محبّة، وبقلة العجب هيبة. وقال سهل بن هارون في دعائه لبعض من كان يعتني بشأنه: «اللهم زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتّى يكون كلّ يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصّرا عن فضيلة غده» «١» . وقال في هذا المعنى أعشى همدان، وهو من المخضرمين: رأيتك أمس خير بني معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس وبعد غد تزيد الخير ضعفا «٢» ... كذاك تزيد سادة عبد شمس! قد- والله- أنعم الله عليك وأسبغ، فاشكر الله وأخلص. محتدك

стр. 6604

شريف، وأرومتك كريمة، والعرق منجب، والعدد دثر «١» ، والأمر جميل، والوجوه حسان، والعقول رزان، والعفاف ظاهر، والذّكر طيّب، والنّعمة قديمة، والصّنيعة جسيمة، وما مثلكم إلا كما قال الشّاعر: إنّ المهالبة «٢» الكرام تحمّلوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه! النعمة محفوظة بالشّكر، والأخلاق مقوّمة بالأدب، والكفاءة محفوفة بالحذق، والحذق مردود إلى التوكّل، والصّنع من وراء الجميع إن شاء الله. هذا إلى ما ألبسك الله من القبول، وغشّاك من المحبّة، وطوّقك من الصّبر، فبقي الآن أن نشتهي ما أنت فيه شهوة في وزن هذه المرتبة، وفي مقدار هذه المنزلة، فإنّ الرغبة وإن قويت، والرّهبة وإن اشتدّت، فإنهما لا يثمران من النشاط، وينتجان من القوّة على المباشرة والكدّ، ما تثمره الشّهوة وإن ضعفت، والحركة من ذات النّفس وإن قلّت، لأن النّفس لا تسمح بمكنونها كلّه، وتجود بمخزون قواها أجمع، إلا بالشهوة دون كلّ علّة محرّكة، وكلّ سبب مهيّج. قال يحيى بن خالد لجعفر بن يحيى حين تقلّد الوزارة، وتكلّف النّهوض بأعباء الخلافة: «أي بنيّ، إنّي أخاف عليك العجز: لعظيم ما تقلّدت، وجسيم ما تحمّلت. إني لست آمن أن تتفسّخ تحت ثقلها تفسّخ الجمل تحت الحمل الثّقيل. قال جعفر: لكنّي أرجو القوّة، وأطمع أن أستقلّ بهذا الثّقل وأنا مبتهل غير مبهور، وأجيء قبل السّوابق وأنا ثاني.

стр. 6605

يقول: وأنا ثاني عناني، لأنّي لم أجهد فرسي ركضا. قال يحيى: إن لكلّ رجاء سببا، فما سبب رجائك؟ قال: شهوتي لما أنا فيه، والمشتهي للعمل لا يجد من ألم الكدّ ما يجده العسيف «١» الأسيف. قال يحيى: إن نهضت بثقلها فبهذا، وإلّا فلا. وأنا أسأل الله أن يصرف شهوتك إلى حبّ ذلك، وهواك إلى الاحتفاظ بنعمتك: بشكر المصلحين، والتوكّل على ربّ العالمين. وحقّ لمن كان من غرس المتوكّل على الله وابتدائه، ومن صنائعه واختياره، أن يخرّج على أدبه وتعليمه، وعلى تثقيفه وتقويمه، وأن يحقّق الله فيه الأمل، وينجز فيه الطّمع، وأن يمدّ له في السّلامة، ويجزل له من الغنيمة، ويطيّب ذكره، ويعلي كعبه، ويسرّ صديقه، ويكبت عدوّه. وهذه نسخة رسالة تسمّى «الإغريضيّة» ، أرسلها أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّي التّنوخي إلى أبي القاسم الحسين بن عليّ المغربي «٢» ؛ وهي:

стр. 6606

[بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة] «١» . السّلام «٢» عليك أيّتها الحكمة المغربيّة، والألفاظ العربيّة؛ أيّ هواء رقاك، وأيّ غيث سقاك؛ برقه كالإحريض، وودقه مثل الإغريض «٣» ؛ حللت الرّبوة، وجللت عن الهبوة «٤» ؛ أقول لك ما قال أخو [بني] «٥» نمير، لفتاة بني عمير: زكا لك صالح وخلاك ذمّ ... وصبّحك الأيامن والسّعود! لأنا آسف على قربك من الغراب الحجازيّ، على حسن الزّيّ، لمّا أقفر، وركب السّفر، فقدم جبال الرّوم في نوّ «٦» ، أنزل البرس «٧» من الجوّ،

стр. 6607

فالتفت إلى عطفه وقد شمط فأسي، وترك النّعيب أو نسي، وهبط إلى الأرض فمشى في قيد، وتمثّل ببيت دريد «١» : صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسه ... فلمّا علاه قال للباطل: ابعد! وأراد الإياب، في ذلك الجلباب، فكره الشّمات، فكمد حتّى مات؛ وربّ وليّ أغرق في الإكرام، فوقع في الإبرام، إبرام السّأم، لا إبرام السّلم «٢» ؛ فحرس الله سيدنا حتّى تدغم الطاء في الهاء «٣» ، فتلك حراسة بغير انتهاء؛ وذلك أن هذين ضدّان، وعلى التّضادّ متباعدان، رخو وشديد، وهاد وذو تصعيد، وهما في الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس؛ وجعل الله رتبته التي [هي] «٤» كالفاعل والمبتدا، نظير الفعل في أنها لا تنخفض أبدا، فقد جعلني: إن حضرت عرف شاني، وإن غبت لم يجهل مكاني، ك «يا» في النّداء، والمحذوف من الابتداء، إذا قلت: زيد أقبل، والإبل الإبل، بعد ما كنت كهاء الوقف إن ألقيت «٥» فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب «٦» . إنّي وإن غدوت [في زمان] «٧» كثير الدّد، كهاء العدد، لزمت المذكّر، فأتت بالمنكر، مع إلف يراني في الأصل، كألف الوصل، يذكرني بغير «٨» الثّناء، ويطّرحني عند الاستغناء، وحال كالهمزة تبدل العين،

стр. 6608

وتجعل بين بين، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصّامت الرّصين، فهي لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة في الحقيقة «١» ، ونوائب ألحقت الكبير بالصّغير، كأنها ترخيم التّصغير، ردّت المستحلس إلى «حليس» ، [وقابوس] «٢» إلى قبيس؛ لأمدّنّ صوتي بتلك الآلاء، مدّ الكوفيّ صوته في هؤلاء، وأخفّف عن حضرة سيدنا [الوزير] «٣» الرّئيس الحبر، تخفيف المدنيّ ما قدر عليه من النّبر «٤» ؛ إن كاتبت فلست «٥» ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشّكر فلست «٦» طالب ثواب، حسبي ما لديّ من أياديه، وما غمر

стр. 6609

من فضل السّيّد الأكبر أبيه، أدام الله لهما القدر «١» ما دام الضّرب الأوّل من الطّويل صحيحا «٢» ، والمنسرح خفيفا سريحا؛ وقبض الله يمين عدوّهما عن كلّ معن، قبض العروض من أوّل وزن «٣» ، وجمع له المهانة إلى التّقييد، كما جمعا في ثاني المديد «٤» ، وقلم قلم الفسيط، وخبل كسباعيّ البسيط «٥» ، وعصب [الله] الشّرّ بهامة شانئهما وهو مخزوّ، عصب الوافر الثّالث «٦» وهو مجزوّ، بل أضمرته الأرض إضمار ثالث الكامل «٧» ، وعداه أمل الآمل،

стр. 6610

وسلّم سيّدانا أعزّ الله نصرهما ومن أحبّاه وقرّباه سلامة متوسّط المجموعات «١» ، فإنه آمن من المروّعات؛ فقد افتننت في نعمهما الرّائعة، كافتنان الدّائرة الرّابعة، وذلك أنّها أمّ ستّة موجودين، وثلاثة مفقودين «٢» . وأنا أعد نفسي مراسلة حضرة سيدنا الجليلة عدة ثريّا اللّيل «٣» ، وثريّا سهيل «٤» ، هذه القمر، وتلك عمر «٥» ، وأعظّمه في كلّ وقت، إعظاما في مقة وبعض الإعظام في مقت «٦» ؛ فقد نصب للآداب قبّة صار الشّام فيها كشامة المعيب، والعراق كعراق الشّعيب «٧» ؛ أحسب ظلالها من البردين «٨» ، وأغنت

стр. 6611

العالم عن الهندين، هند الطّيب، وهند النّسيب، ربّة الخمار، وأرباب قمار، أخدان التّجر، وخدينة الهجر «١» .. «٢» ما حاملة طوق من اللّيل، وبرد من المرتبع مكفوف الذّيل، أوفت الأشاء، فقالت للكئيب ما شاء؛ تسمعه غير مفهوم، لا بالرّمل ولا بالمزموم؛ كأن سجيعها قريض، ومراسلها الغريض؛ فقد ماد لشجوها العود، وفقيدها لا يعود؛ تندب هديلا فات، وأتيح له بعض الآفات «٣» - بأشوق إلى هديلها من عبده إلى مناسمة أنبائه، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه؛ وليست الأشواق، لذوات الأطواق، ولا عند السّاجعة، عبرة متراجعة، إنما رأت الشّرطين «٤» ، قبل البطين، والرّشاء بعد العشاء، فحكت صوت الماء في الخرير، وأتت براء دائمة التّكرير، فقال جاهل فقدت حميما، وثكلت ولدا كريما «٥» : وهيهات يا باكية، أصبحت فصدحت، وأمسيت فتناسيت؛ لا همام لا همام «٦» ، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام: سلم فناح، وصمت وهو

стр. 6612

مكسور الجناح؛ إنّما الشّوق لمن يدّكر في كلّ حين، ولا يذهله مضيّ السّنين. وسيّدنا الوزير أطال الله بقاءه القائل النّظم في الذّكاء مثل الزّهر، وفي النّقاء مثل الجوهر، تحسب بادرته التّاج؛ ارتفع عن الحجاج «١» ، وغابرته الحجل في الرّجل؛ يجمع بين اللّفظ القليل، والمعنى الجليل، جمع الأفعوان في لعابه بين القلّة وفقد البلّة «٢» ؛ خشن فحسن، ولان فما هان؛ لين الشّكير، يدلّ على عتق المحضير «٣» ، وحرش الدّينار آية كرم النّجار؛ فصنوف الأشعار بعده كألف السّلم، يلفظ بها في الكلام، ولا تثبت لها هيئة بعد اللّام، خلص من سبك النّقد خلوص الذّهب من اللهب، واللّجين من يد القين، كأنّه لآل في أعناق حوال، وسواه لطّ في عنق ثطّ «٤» ، ما خانته قوّة الخاطر الأمين، ولا عيب بسناد ولا تضمين «٥» ؛ وأين النّثرة «٦» من العثره،

стр. 6613

والغرقد من الفرقد؟؛ فالسّاعي في أثره فارس عصا بصير، لا فارس عصا قصير «١» . وأنا ثابت على هذه الطّويّة ثبات حركة البناء «٢» ، مقيم تلك الشّهادة بغير استثناء، غنيّ عن الأيمان فلا عدم، مقسم على ما قلت فلا حنث ولا ندم؛ وإنّما تخبأ الدّرّة للحسناء الحرّة، ويجاد باليمين في العلق الثّمين، ما أنفسه خاطرا امترى الفضّة من القضّة، والوصاة من مثل الحصاة «٣» ؛ وربّما نزعت

стр. 6614

الأشباه، ولم يشبه المرء أباه؛ ولا غرو لذلك: الخضرة أمّ اللهيب، والخمرة بنت الغربيب «١» . وكذلك سيدنا: ولد من سحر المتقدّمين، حكمة للحنفاء المتديّنين؛ كم له من قافية تبني السّود «٢» ، وتثني الحسود، كالميت، من شرب العاتقة الكميت: نشوره قريب، وحسابه تثريب «٣» ؛ أين مشبّهو النّاقة بالفدن، والصّحصح برداء الرّدن «٤» ؛ وجب الرّحيل، عن الرّبع المحيل؛ نشأ بعدهم واصف، غودر رأله كالمناصف «٥» ، إذا سمع الخافض صفته للسّهب الفسيح، والرّهب الطّليح، ودّ أنّ حشيّته بين الأحناء، وخلوقه عصيم الهناء «٦» ، وحلم بالقود في الرّقود، وصاغ برى ذوات الأرسان، من برى البيض الحسان، شنفا لدرّ النّحور، وعيون الحور، وشغفا بدرّ بكيّ، وعين مثل الرّكيّ «٧» ، وإعراضا عن بدور، سكنّ في الخدور، إلى [حول] «٨» ،

стр. 6615

كأهلّة المحول؛ فهنّ أشباه القسيّ، ونعام السّيّ «١» ؛ وإن أخذ في نعت [الخيل] «٢» فيا خيبة من سبّه «٣» الأوابد بالتّقييد، وشبّه الحافر بقعب الوليد «٤» ، نعتا غبط به الهجين المنسوب، والبازيّ اليعسوب، إذ رزق من الخير، ما ليس لكثير من سباع الطّير؛ وذلك أنه على الصّغر، سمّي بعض الغرر؛ وقد مضى حرس «٥» ، وخفت جرس؛ وللقالع «٦» ، أبغض طالع، والأزرق، يجنّبك عنه الفرق. فالآن سلمت الجبهة من المعض، وشمل بعضها بركات بعض، فأيقن النّطيح، أنّ ربّه لا يطيح، والمهقوع، نجاء «٧» راكبه من الوقوع، فلن يحرب، قائد [المغرب] «٨» ، ولن يرجل، سائس الأرجل «٩» ، والعاب، وإن لحق الكعاب «١٠» ، فإنّه ناكب، عن ناقلات المراكب. وقالت خيفانة امريء

стр. 6616

لقيس: الدّبّاءة، لراعي المباءة «١» ، والأثفيّة، للقدر الكفيّة، نقما على جاعل [عذرها] «٢» كقرون العروس، وجبهتها كمحذّف التّروس «٣» ؛ وأنّى للكنديّ، قواف كهجمة السّعدي «٤» : إذا اصطكّت بضيق حجرتاها ... تلاقى العسجديّة واللّطيم «٥» ! فالقسيب «٦» ، في تضاعيف النّسيب، والشّباب في ذلك التّشبيب؛ ليس رويّه «٧» بمقلوب، ولكنّه من إرواء القلوب؛ قد جمع أليل ماء الصّبا، وصليل ظماء الظّبا «٨» ؛ فالمصراع كوذيلة الغريبة «٩» ، حكت الزّينة والرّيبة، وأرت الحسناء سناها، والسّمجة ما عناها؛ فأما الرّاح فلو ذكرها لشفت من الهرم، وأنتفت من الكرم إلى الكرم، ولم ترض دنان العقار، بلباس القار، ونسج العناكب، على المناكب، ولكن تكسى من وشي ثيابا، ويجعل طلاؤها

стр. 6617

زريابا «١» ؛ ولقد سمعته ذكر خيمة يغبط المسك جارها من الشّيام، ويودّ سعد الأخبية أنه سعد الخيام «٢» . ووقفت على «مختصر إصلاح المنطق» الذي كاد بسماة الأبواب، يغني عن سائر الكتاب، فعجبت كلّ العجب من تقييد الأجمال، بطلاء الأحمال «٣» ؛ وقلب البحر، إلى قلت النّحر «٤» وإجراء الفرات، في مثل الأخرات «٥» ؛ شرفا له تصنيفا شفى الرّيب، وكفى من ابن قريب «٦» ، ودلّ على جوامع اللّغة بالإيماء، كما دلّ المضمر على ما طال من الأسماء. أقول في الإخبار: أمرت أبا عبد الجبّار؛ فإذا أضمرته، عرف متى قلت: أمرته؛ وأبلّ من المرض والتّمريض، بما أسقط من شهود القريض؛ كأنّهم في تلك الحال، شهدوا بالمحال، عند قاض، عرف أمانتهم بالانتقاض، على حقّ علمه بالعيان، فاستغنى فيه عن كلّ بيان. وقد تأمّلت شواهد «إصلاح المنطق» فوجدتها عشرة أنواع في عدّة إخوة الصّدّيق، لمّا تظاهروا على غير حقيق، وتزيد على العشرة بواحد، كأخ ليوسف لم يكن بالشّاهد. والشّعر الأوّل وإن كان سبب الأثرة، وصحيفة

стр. 6618

المأثرة، فإنه كذوب القالة، نموم الإطالة؛ وإنّ «قفانبك» [على حسنها] «١» ، وقدم سنّها، لتقرّ بما يبطل شهادة العدل الرّضا، فكيف بالبغيّ الأنثى؟! قاتلها الله عجوزا لو كانت بشريّة، كانت من أغوى البريّة. وقد تمادى بأبي يوسف ﵀ الاجتهاد، في إقامة الأشهاد، حتى أنشد رجز الضّبّ «٢» ، وإن معدّا من ذلك لجدّ مغضب؛ أعلى فصاحته يستعان بالقرض، ويستشهد بأحناش الأرض «٣» ؟! ما رؤبة عنده في نفير «٤» ، فما قولك في ضبّ دامي الأظافير؟! ومن نظر في كتاب يعقوب وجده كالمهمل، إلا باب فعل وفعل، فإنّه مؤلّف على عشرين حرفا: ستّة مذلّقة «٥» ، وثلاثة مطبقة «٦» ، وأربعة من الحروف الشّديدة «٧» ، وواحد من المزيدة «٨» ، ونفيثتين: الثّاء والذّال، وآخر متعال «٩» والأختين العين والحاء، والشّين مضافة إلى حيّز الراء. فرحم الله أبا يوسف لو عاش لفاظ كمدا، أو احفاظّ حسدا «١٠» ؛ سبق ابن السّكّيت ثم صار السّكيت «١١» ، وسمق ثم حار «١٢» وتدا للبيت؛ كان الكتاب

стр. 6619

تبرا في تراب معدن، بين الحثّ وبين المتّدن «١» ؛ فاستخرجه سيّدنا واستوشاه «٢» ، وصقله فكره ووشّاه، فغبطه النّيّرات على التّرقيش، والآل النّقيش «٣» ؛ فهو محبوب ليس بهين، على أنه ذو وجهين؛ ما نمّ قطّ ولا همّ، ولا نطق ولا أرمّ «٤» ، فقد ناب في كلام العرب الصّميم، مناب مرآة المنجّم في علم التّنجيم؛ شخصها ضئيل ملموم، وفيها القمران والنّجوم. وأقول بعد في إعادة اللّفظ: إنّ حكم التّأليف في ذكر الكلمة مرّتين، كالجمع في النكاح بين الأختين: الأولى حلّ يرام، والثانية بسل «٥» حرام؛ كيف يكون في الهودج لميسان، وفي السّبّة «٦» خميسان؛ يا أمّ الفتيات حسبك من الهنود، ويا أبا الفتيان شرعك من السّعود؛ عليك أنت بزينب ودعد، وسمّ أيّها الرّجل بسوى سعد؛ ما قلّ أثير، والأسماء كثير. مثل يعقوب مثل خود «٧» كثيرة الحليّ ضاعفته على التّراق، وعطّلت الخصر والسّاق؛ كان يوم قدوم تلك النّسخة يوم ضريب «٨» حشر الوحش مع الإنس، وأضاف الجنس إلى غير الجنس؛ ولم يحكم على الظّباء، بالسّباء، ولا رمى الآجال، بالأوجال؛ ولكنّ الأضداد تجتمع، فتستمع؛ وتنصرف بلذّات، من غير أذاة؛ وإن عبده موسى لقيني نقابا «٩» ؛ فقال: هلمّ كتابا؛ يكون لك شرفا، وبموالاتك في حضرة سيدنا- أطال الله بقاءه- معترفا؛

стр. 6620

فتلوت عليه هاتين الآيتين: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى «١» . وأحسبه رأى نور السّؤدد فقال لمخلّفيه، ما قاله موسى صلّى الله عليه لأهليه: إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً «٢» ، فليت شعري: ما يطلب؟ أقبس ذهب؟ أم قبس لهب؟ بل يتشرّف بالأخلاق الباهرة، ويتبرك بالأحساب الطاهرة: باتت حواطب ليلى يقتبسن «٣» لها ... جزل الجذا غير خوّار ولا دعر! «٤» وقد آب من سفرته الأولى ومعه جذوة من نار قديمة: إن لمست فنار إبراهيم، أو أونست فنار الكليم؛ واجتنى بهارا حبت به المرازبة كسرى، وحمل في فكاك الأسرى، وأدرك نوحا مع القوم، وبقي غضّا إلى اليوم؛ وما انتجع موسى إلا الرّوض العميم، ولا اتّبع إلا أصدق مقيم «٥» ؛ وورد عبده الزّهيريّ من حضرته المطهّرة وكأنّه زهرة بقيع «٦» ، أو وردة ربيع، كثيرة الورق، طيّبة العرق؛ وليس هو في نعمته كالرّيم، في ظلال الصّريم «٧» ؛ والجاب، في السّحاب المنجاب «٨» ؛ لأن الظلام يسفر، والغمام ينسفر؛ ولكنّه مثل النّون في اللّجّة، والأعفر تحت جربة «٩» .
следующие страницы →