Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
لقيس: الدّبّاءة، لراعي المباءة «١» ، والأثفيّة، للقدر الكفيّة، نقما على جاعل [عذرها] «٢» كقرون العروس، وجبهتها كمحذّف التّروس «٣» ؛ وأنّى للكنديّ، قواف كهجمة السّعدي «٤» :
إذا اصطكّت بضيق حجرتاها ... تلاقى العسجديّة واللّطيم
«٥» ! فالقسيب «٦» ، في تضاعيف النّسيب، والشّباب في ذلك التّشبيب؛ ليس رويّه «٧» بمقلوب، ولكنّه من إرواء القلوب؛ قد جمع أليل ماء الصّبا، وصليل ظماء الظّبا «٨» ؛ فالمصراع كوذيلة الغريبة «٩» ، حكت الزّينة والرّيبة، وأرت الحسناء سناها، والسّمجة ما عناها؛ فأما الرّاح فلو ذكرها لشفت من الهرم، وأنتفت من الكرم إلى الكرم، ولم ترض دنان العقار، بلباس القار، ونسج العناكب، على المناكب، ولكن تكسى من وشي ثيابا، ويجعل طلاؤها
стр. 6617
زريابا «١» ؛ ولقد سمعته ذكر خيمة يغبط المسك جارها من الشّيام، ويودّ سعد الأخبية أنه سعد الخيام «٢» .
ووقفت على «مختصر إصلاح المنطق» الذي كاد بسماة الأبواب، يغني عن سائر الكتاب، فعجبت كلّ العجب من تقييد الأجمال، بطلاء الأحمال «٣» ؛ وقلب البحر، إلى قلت النّحر «٤» وإجراء الفرات، في مثل الأخرات «٥» ؛ شرفا له تصنيفا شفى الرّيب، وكفى من ابن قريب «٦» ، ودلّ على جوامع اللّغة بالإيماء، كما دلّ المضمر على ما طال من الأسماء.
أقول في الإخبار: أمرت أبا عبد الجبّار؛ فإذا أضمرته، عرف متى قلت: أمرته؛ وأبلّ من المرض والتّمريض، بما أسقط من شهود القريض؛ كأنّهم في تلك الحال، شهدوا بالمحال، عند قاض، عرف أمانتهم بالانتقاض، على حقّ علمه بالعيان، فاستغنى فيه عن كلّ بيان.
وقد تأمّلت شواهد «إصلاح المنطق» فوجدتها عشرة أنواع في عدّة إخوة الصّدّيق، لمّا تظاهروا على غير حقيق، وتزيد على العشرة بواحد، كأخ ليوسف لم يكن بالشّاهد. والشّعر الأوّل وإن كان سبب الأثرة، وصحيفة
стр. 6618
المأثرة، فإنه كذوب القالة، نموم الإطالة؛ وإنّ «قفانبك» [على حسنها] «١» ، وقدم سنّها، لتقرّ بما يبطل شهادة العدل الرّضا، فكيف بالبغيّ الأنثى؟! قاتلها الله عجوزا لو كانت بشريّة، كانت من أغوى البريّة. وقد تمادى بأبي يوسف ﵀ الاجتهاد، في إقامة الأشهاد، حتى أنشد رجز الضّبّ «٢» ، وإن معدّا من ذلك لجدّ مغضب؛ أعلى فصاحته يستعان بالقرض، ويستشهد بأحناش الأرض «٣» ؟! ما رؤبة عنده في نفير «٤» ، فما قولك في ضبّ دامي الأظافير؟! ومن نظر في كتاب يعقوب وجده كالمهمل، إلا باب فعل وفعل، فإنّه مؤلّف على عشرين حرفا: ستّة مذلّقة «٥» ، وثلاثة مطبقة «٦» ، وأربعة من الحروف الشّديدة «٧» ، وواحد من المزيدة «٨» ، ونفيثتين: الثّاء والذّال، وآخر متعال «٩» والأختين العين والحاء، والشّين مضافة إلى حيّز الراء.
فرحم الله أبا يوسف لو عاش لفاظ كمدا، أو احفاظّ حسدا «١٠» ؛ سبق ابن السّكّيت ثم صار السّكيت «١١» ، وسمق ثم حار «١٢» وتدا للبيت؛ كان الكتاب
стр. 6619
تبرا في تراب معدن، بين الحثّ وبين المتّدن «١» ؛ فاستخرجه سيّدنا واستوشاه «٢» ، وصقله فكره ووشّاه، فغبطه النّيّرات على التّرقيش، والآل النّقيش «٣» ؛ فهو محبوب ليس بهين، على أنه ذو وجهين؛ ما نمّ قطّ ولا همّ، ولا نطق ولا أرمّ «٤» ، فقد ناب في كلام العرب الصّميم، مناب مرآة المنجّم في علم التّنجيم؛ شخصها ضئيل ملموم، وفيها القمران والنّجوم.
وأقول بعد في إعادة اللّفظ: إنّ حكم التّأليف في ذكر الكلمة مرّتين، كالجمع في النكاح بين الأختين: الأولى حلّ يرام، والثانية بسل «٥» حرام؛ كيف يكون في الهودج لميسان، وفي السّبّة «٦» خميسان؛ يا أمّ الفتيات حسبك من الهنود، ويا أبا الفتيان شرعك من السّعود؛ عليك أنت بزينب ودعد، وسمّ أيّها الرّجل بسوى سعد؛ ما قلّ أثير، والأسماء كثير.
مثل يعقوب مثل خود «٧» كثيرة الحليّ ضاعفته على التّراق، وعطّلت الخصر والسّاق؛ كان يوم قدوم تلك النّسخة يوم ضريب «٨» حشر الوحش مع الإنس، وأضاف الجنس إلى غير الجنس؛ ولم يحكم على الظّباء، بالسّباء، ولا رمى الآجال، بالأوجال؛ ولكنّ الأضداد تجتمع، فتستمع؛ وتنصرف بلذّات، من غير أذاة؛ وإن عبده موسى لقيني نقابا «٩» ؛ فقال: هلمّ كتابا؛ يكون لك شرفا، وبموالاتك في حضرة سيدنا- أطال الله بقاءه- معترفا؛
стр. 6620
فتلوت عليه هاتين الآيتين: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
«١» . وأحسبه رأى نور السّؤدد فقال لمخلّفيه، ما قاله موسى صلّى الله عليه لأهليه: إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً
«٢» ، فليت شعري: ما يطلب؟ أقبس ذهب؟ أم قبس لهب؟
بل يتشرّف بالأخلاق الباهرة، ويتبرك بالأحساب الطاهرة:
باتت حواطب ليلى يقتبسن «٣» لها ... جزل الجذا غير خوّار ولا دعر!
«٤» وقد آب من سفرته الأولى ومعه جذوة من نار قديمة: إن لمست فنار إبراهيم، أو أونست فنار الكليم؛ واجتنى بهارا حبت به المرازبة كسرى، وحمل في فكاك الأسرى، وأدرك نوحا مع القوم، وبقي غضّا إلى اليوم؛ وما انتجع موسى إلا الرّوض العميم، ولا اتّبع إلا أصدق مقيم «٥» ؛ وورد عبده الزّهيريّ من حضرته المطهّرة وكأنّه زهرة بقيع «٦» ، أو وردة ربيع، كثيرة الورق، طيّبة العرق؛ وليس هو في نعمته كالرّيم، في ظلال الصّريم «٧» ؛ والجاب، في السّحاب المنجاب «٨» ؛ لأن الظلام يسفر، والغمام ينسفر؛ ولكنّه مثل النّون في اللّجّة، والأعفر تحت جربة «٩» .
стр. 6621
وقد كنت عرّفت سيدنا في ما سلف أن الأدب كعهود في غبّ «١» عهود، أروت النّجاد فما ظنّك بالوهود؟؛ وأنّي نزلت من ذلك الغيث ببلد طسم «٢» ، كأثر الوسم؛ منعه القراع، من الإمراع؛ «يابوس، بني سدوس» «٣» العدوّ حازب، والكلأ عازب «٤» ؛ يا خصب بني عبد المدان؛ ضأن في الحربث وإبل «٥» في السّعدان؛ فلما رأيت ذلك أتعبت الأظلّ «٦» ، فلم أجد إلّا الحنظل، فليس في اللّبيد، إلا الهبيد «٧» ؛ جنيته من شجرة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار. لبن الإبل عن المرار مرّ، وعن الأراك طيّب حرّ «٨» .
هذا مثلي في الأدب، فأما في النّشب «٩» ، فلم تزل لي بحمد الله تعالى وبقاء سيّدنا بلغتان: بلغة صبر، وبلغة وفر، أنا منهما بين اللّيلة المرعيّة، واللّقوح الرّبعيّة «١٠» ، هذه عام، وتلك مال وطعام، والقليل، سلّم إلى
стр. 6622
الجليل، كالمصلّي يريغ الضّوء «١» ، بإسباغ الوضوء، والتّكفير، بإدامة التّعفير، وقاصد بيت الله يغسل الحوب، بطول الشّحوب.
وأنا في مكاتبة حضرة سيّدنا الجليلة، والميل عن حضرة سيّدنا الأجلّ والده- أعزّ الله نصره- كسبا بن يعرب، لما ابتهل في التّقرّب، إلى خالق النّور، ومصرّف الأمور، نظر فلم ير أشرق «٢» من الشّمس يدا، فسجد لها تعبّدا. وغير ملوم سيّدنا لو أعرض عن شقائق النّعمان الرّبيعيّة «٣» ، ومدائحه اليربوعيّة «٤» ؛ مللا من أهل هذه البلد المضاف إلى هذا الاسم؛ فغير معتذر، من أبغض لأجلهم بني المنذر، وهم إلى حضرته السّنيّة رجلان: سائل، وقائل؛ فأمّا السّائل فألحّ، وأما القائل فغير مستملح؛ وقد سترت نفسي عنها ستر الخميص، بالقميص؛ وأخي الهتر، بسجوف السّتر، فظهر لي فضله الذي مثله مثل الصّبح إذا لمع تصرّف الحيوان في شؤونه وخرج من بيته اليربوع، وبرز الملك من أجلّ الرّبوع، وقد يولع الهجرس «٥» ، بأن يجرس، في البلد الجرد، قدّام الأسد الورد. وإني خبّرت أن تلك الرسالة الأولى عرضت بالمعرض الكريم «٦» : فأوجب ذلك رحيل أختها، متعرّضة لمثل بختها؛ وكيف لا تنفع «٧» ، وفي اليم تقع، وهي بمقصد سيّدنا فاخرة، ولو نهيت الأولى لا نتهت الآخرة.
стр. 6623
كملت الرسالة [التي كتبها أبو العلاء إلى الوزير الكامل أبي القاسم المغربي] «١» قلت: وهذه رسالة أنشأتها في تقريض المقرّ الكريم الفتحيّ «٢» ، أبي المعالي فتح الله، صاحب دواوين الإنشاء بالديار المصرية والممالك الإسلاميّة، أدام الله تعالى معاليه، في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة؛ وهي:
الحمد لله الذي جعل الفتح محطّ رحال القرائح الجائدة، ومستقرّ نواها، ومحيط دائرة الأفكار الواردة، ومركز شعاع كواها، ومادّة عناصر الأفهام الجائلة، وعتاد شكيمة قواها.
نحمده على أنّ خصّ المملكة المصرية من إيداع سرّها المصون بأوسع صدر رحيب، وأنهض بتدبير مصالحها من إذا سرت كتائب كتبه إلى عدوّ أنشد من شدّة الفرق: قفانبك من ذكرى حبيب، وأقام لنصرتها بأسل الأقلام وصفاح المهارق «٣» من إذا طرقها على البعد طارق تلا لسان يراعته: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
«٤» ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تسير بها برد الهداية إلى آفاق الأخلاق فتشيّد لقلاع الإيمان بأقطار القلوب أركانا، وترقم أسرار شعائرها بنقس «٥»
القبول في صحف الإقبال فتبدّل داعيها بإذاعة خبرها من الإسرار إعلانا، وتدين بطاعتها ملوك الممالك
стр. 6624
النائية خضوعا فتتّخذ كتب رسائلها على المفارق بعد اللّثم تيجانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ سنّ المعروف وندب إليه، وأكرم رسول جعل خير بطانتي الملك التي تأمره بالخير وتحثّه عليه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا في السّير سبيله واتّبعوا في السّيرة سننه واقتفوا فيه سننه، واتّبعوا في المعروف آثاره فتلا عليهم تالي الإخلاص: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
«١» ، صلاة تتناقل على مرّ الزمان أخبارها، ويتصدّى لروايتها من الأمّة على تمادي الدّهر أحبارها، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن رياسة أهل الدّول تتفاوت باعتبار قرب الرئيس من ملكه في مخاطبته ومناجاته، واعتماد تصرّفه في أمور دولته وتنفيذ مهمّاته، والاستناد على رأيه في جليل خطوبه وعظيم ملمّاته:
فعال تمادت في العلوّ كأنّما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
ولا خفاء أنّ صاحب ديوان الإنشاء من هذه الرتبة بالمحلّ الأرفع، والمنزلة التي لا تدافع ولا تدفع، والمقام الذي تفرّد بصدارته فكان كالمصدر لا يثنّى ولا يجمع؛ إذ هو كليم الملك ونجيّه، ومقرّب حضرته وحظيّه، بل عميد المملكة وعمادها، وركنها الأعظم وسنادها، حامي حومتها وسدادها، وعقدها المتّسق ونظامها، ورأس ذروتها العلياء وسنامها، وجهينة خبرها، وحقيبة وردها وصدرها، ومبلّغ أنبائها وسفيرها، وزند رأيها الموري ومشيرها.
فحيّهلا بالمكرمات وبالعلى ... وحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض
هذا، وهو الواسطة بين الملك ورعيّته، والمتكفّل لقصيّهم بدرك قصده وبلوغ بغيته، والمسعد للمظلوم من عزائم توقيعاته بما يقضي بنصرته؛
стр. 6625
وحينئذ فلا يصلح لها إلا من كان من كرام الخيم «١» بارز الخيام لاصطناع المعروف، ومع سموّ الرّتبة سامي الهمّة لإغاثة الملهوف، ومع عزّ الجناب لدى ملكه ليّن الجانب لذي المسألة، ومع قربه بحضرة سلطانه قريبا من الرّعيّة حتّى من المسكين والأرملة.
وغير خاف أن كلّ وصف من هذه الأوصاف مع مقابله كالضّدّين اللّذين لا يجتمعان بحال، والنّقيضين اللّذين قضى العقل بأنّ الجمع بينهما محال، وأنّى يجتمع العالي والهابط، والمرتفع والسّاقط؟ أم كيف تتّصل الأرض بالسّماء، أو يقع امتزاح عنصر النّار بعنصر الماء؟ ومن ثمّ عزّ هذا المطلب لهذه الوظيفة حتّى إنّه لأعزّ من الجوهر الفرد، وقلّ وجوده حتّى لم يوجد إلا في الواحد الفذّ [الفرد] ، فلا تراه إن تراه إلا في حيز النّادر، ولا تظفر به إلا ظفرك ببيض الأنوق «٢» إن كان يظفر به ظافر؛ إلا أنه ربّما سمح الدّهر فأتى بالفذّ من هذا النّوع في الزّمن المتباعد، أو أسعد الدّهر فأسعف بالواحد بعد ألف واحد.
ثم قد مضت برهة من الأيام وجيد ديوان الإنشاء من نظر من هو متّصف ببعض هذه الأوصاف عاطل، والدّهر يعد بمن يقوم فيه بتفريج كربة الملهوفين ولكنّه يماطل:
يرفّه ما يرفّه في التّقاضي ... وليس لديه غير المطل نقد!
إلى أن طلع نيّر الزّمان وتوضّح شروقه، وظهرت تباشير صباحه وأفل بطلوع السّعد عيّوقه «٣» ، فأقبلت الدولة الظاهرية بسعادتها، وتلقّتها الأيام الناصرية جارية منها على وفق عادتها، ووفّر للدّولتين من انتخاب الأصفياء
стр. 6626
قسمتها، ومخضت لها الرّأي الصائب حتّى ظهرت في الوجود زبدتها؛ فكان خلاصة اصطفائهما، وزبدة انتقائهما، المقرّ الأشرف، العاليّ، المولويّ، القاضويّ، الكبيريّ، السّفيريّ، المشيريّ، الفتحيّ، نظام الممالك الإسلامية وزمام سياستها، ومنفّذ أمورها، وجامع رآستها؛ أبو المعالي فتح الله صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، زاد الله تعالى في ارتقائه على تعاقب الدّول، وأجراه من خفيّ اللّطف على أجمل العوائد وقد فعل، فألقي إليه من أسرار المملكة مقاليدها، واتّفقت بحسن سفارته باتّفاق الرّواة أسانيدها، فنفذت بتنفيذه أمورها، وكملت بصحيح رأيه كسورها، فجرت الأمور بحسن تدبيره على السّداد، ومشت الأحوال بلطف سفارته على أتمّ المراد، واعترفت له الكافّة بالسّيادة فأطاعت، وعرفت له الرّعية تقدّمه في الرآسة فرعت حرمته وراعت.
وإنّ أمور الملك أضحى مدارها ... عليه كما دارت على قطبها الرّحى!
قد استعبد الخطّ فأصبح له كالخديم، وأتى من المعروف بكلّ غريب فأنسى من أثر عنه ذلك في الزّمن القديم؛ فلو رآه «خالد بن برمك» لأحجم عن ملاقاته عظما، أو ناوأه «يحيى بن خالد» لمات من مناوأته عدما، أو سابقه «الفضل وجعفر» ابناه لسبقهما كرما:
مناقب لو أنّي تكلّفت نسخها ... لأفلست في أقلامها ومدادها!
أو سمع به «الحسن بن سهل» لقطع إليه الحزن والسّهل، أو بصر به «الفضل» أخوه، لما رأى أنه للفضل أهل، أو عاينه «أبو عليّ بن مقلة» لعلم أنه فاقه حظّا وخطّا، أو نظر «ابن هلال» إلى أهلّة نوناته لتحقّق أنه سبقه إلى تحرير هندسة الحروف وما أخطا:
إذا أخد القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا!
فإن تكلّم أتى من بيانه بالسّحر الحلال، أو حاور أتى من البلاغة بما
стр. 6627
يقصّر عن رتبته «سحبان» في المقال، أو ترسّل أعيى «عبد الحميد» في رسائله، أو كتب رتعت من روض خطّه في زهر خمائله:
يؤلّف اللّؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدّرّ بالأقلام في الكتب!
فرأيه السيف لا ما صنع الهند، وعقله الصّارم لا ما استودع الغمد:
ففي رأيه نجح الأمور ولم يزل ... كفيلا بإرشاد الحيارى موفّقا!
أقلامه تزري بالصّوارم وتهزأ بالأسل، وتجري بصلة الأرزاق فتزيد على الأماني وتربو على الأمل:
بت جاره فالعيش تحت ظلاله ... واستسقه فالبحر من أنوائه!
فمكارمه تغني من الإملاق، وبواكره بالإسعاد تبادر الغدوّ والإشراق، وعطاياه تسير سير السّحاب فتمطر الغيث على الآفاق.
كريم مساعي المجد يركب نجدة ... من الشّرف الأعلى وبذل الفواضل
قد خدمته الحظوظ وأسعدته الجدود، وقسمت المنازل السّنيّة فكان له منها سعد السّعود:
لو عدّد الناس ما فيه لما برحت ... تثني الخناصر حتّى ينفد العدد!
فلو غرس الشّوك أثمر العنباء «١» أنّى أرادها، أو حاول العنقاء في الجوّ لصادها، أو زرع في السّباخ «٢» لكان ذلك العام والسّنة الخصبة، ولضوعفت مضاعفة حسناته فأنبتت كلّ حبّة سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة:
وإذا السعادة لا حظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلّهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان!
стр. 6628
قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه، وتقمّص من الفضل جلبابا لا تتطلّع الأيام إلى نزعه، وانتهى إليه المجد فوقف، وعرف الكرم مكانه فانحاز إليه وعطف.
فقصرت عنه خطا من يجاريه، وضاق عنه باع من يباريه:
نالت يداه أقاصي الكرم الّذي ... مدّ الحسود إليه باعا ضيّقا!
فمناقبه تسبق أقلام الكاتب، وتستغرق طاقة الحاسب؛ لسس لارتفاعها غاية، ولا لتداولها نهاية؛ فلا توفي جامعة بشرطها، ولا تقوم جريدة ببسطها:
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل!
قد هتف بمدحه خطباء الأقلام على منابر الطّروس، ونطقت بفضله أفواه المحابر فنكّست لرفعة قدره شوامخ الرّؤوس، وطلعت في أفق المهارق سعود إيالته السعيدة فأفلت لوجوده النّحوس، ورقمت محاسنه بنقس اللّيل على صفحات النّهار فارتسمت، وحملت أخبار معروفه فتزاحمت الآفاق على انتشاق أرج ريحه العبقة واستهمت:
لقد كرمت في المكرمات صفاته ... فما دخلت لاء عليها ولا إلّا!
اتّفقت الألسنة على تقريضه فمدح بكلّ لسان، وتوافقت القلوب على حبّه فكان له بكلّ قلب مكان، واستغرقت ممادحه الأزمنة والأمكنة فاستولى شكره على الزّمان والمكان:
ولم يخل من إحسانه لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريضه بطن دفتر!
على أنّي أستقيل عثرتي من التّقصير في إطرائه، والتّعرّض من مدحه لما لا أنهض بأعبائه؛ فلو أن «الجاحظ» نصيري، و «ابن المقفّع» ظهيري، و «قسّ بن ساعدة» يسعدني، و «سحبان وائل» ينجدني، و «عمرو بن الأهتم» يرشدني، لكان اعترافي بالعجز في مدحه أبلغ مما آتيه، وإقراري بالتّقصير في شكره أولى مما أصفه من توالي طوله وأياديه:
стр. 6629
ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا يطيل الشّكر فيه لقصّرا!
وهذه نسخة رسالة للشيخ الإمام العالم معين الدّين تاج العلماء، خطيب الخطباء، زين الأئمة، قدوة الشّريعة، الصّدر أبي الفضل يحيى بن جعفر «١» بن الحسين بن محمد الحصكفي ﵀، سماها: «عتاب الكتّاب، وعقاب الألقاب، المشتملة على أصول الغريب والإغراب» وهي:
عذيري من وزراء النصبة وكتّابها، وكبراء الدّسوت وأربابها، وأواخي الدّول وأطنابها، ونوّاب الدّواوين وأنيابها «٢» ، وجباة بيوت الأموال، والسّعاة في زمّ نشر الأحوال، وساسة الممالك، وصحف أسرار المآلك «٣» ، الشّامخين بأنوف التّيه والكبرياء، والسّاحبين ذيول العجب والخيلاء، الرّافلين في حلل البهاء، والغافلين عن فروض العلاء، الذين تبوّؤوا السّؤدد من غير سداد، وتسنّموا الرّتب بلا إعداد، فكأنهم الحاصب، وعدوّ الله المناصب؛ شغلهم الأشر والفجور، وكلّ على بسطته يجور؛ همهم محح «٤» الأجراح، وشجّ الراح بالماء القراح، وامتطاء المرد، والعتاق الجرد؛ أملهم تنجيد الأفنية، وتشييد الأبنية، والزّيادة في الرّقيق والكراع والخول والاتباع، وليس بغال، كثرة خيل وبغال، بما باعوه من الورع والدّيانة وأضاعوه من العفة والصّيانة:
قد ملكوا الدّنيا على غرّة ... ونافسوا فيها السّلاطينا!
стр. 6630
توزّعوا الدّولة والملك والحضرة والإسلام والدّينا
شادوا بأعمالهم دورهم ... وأخربوا فيها الدّواوينا
عفّوا وما عفّوا بأقلامهم ... مساكنا تحوي مساكينا
غرّتهم الدّنيا بأن أظهرت ... عن غلظة تضمرها لينا
والدّهر كم جرّع في مرّة ... مرّا وحينا ساقه حينا
يا أنفسا ذلّت بإتيانهم ... ويك أتأتين الأتاتينا
لا ترغبي في رسلهم إنّما ... تمرين في القعب الأمرّينا!
وكان يجدي القصد لو أنّهم ... يدرون شيئا أو يدرّونا.
موتى همو فليك تقريظهم ... إن كنت لا تأبين، تأبينا
لا يعتني الفضل بإطراء من ... يكون فيه الهجو مغبونا
لو رمت شيئا دون أقدارهم ... لهجوهم لم تجد الدّونا!!!
قد أخلدوا إلى الوضاعة، عن تحصيل البضاعة، وكفاهم من البراعة، بري اليراعة، وعنوا باسوداد اللّيقة «١» ، عن سؤدد الخليقة، وأحالوا على الرّمم، عند قصور الهمم؛ ومن أعظم الآفات، فخرهم بالعظم الرّفات.
وكأنّهم لصميم هاشم ... أو من لهاميم العباشم «٢»
غشموا فما يغشاهم ... بالطّوع إلا كلّ غاشم
لا يعين أحدهم على مروّة، ولا ينعش ذا أخوّة، ولا يرعى وارث أبوّة، ولو اعتزى إلى بنوّة؛ فهو غير آس بجوده، ولا مواس بموجوده؛ يروقك كيّسه والغلام، وتروعك دويّه والأقلام؛ فإذا استنطق قلمه الصّامت، أجذل عدوّه الشّامت؛ فزاد أدراجه ناقصا، وعاد على أدراجه ناكصا.
فهو الذي أملى لهم حلمه ... مع الخنا والنّكد الباهض:
стр. 6631
لو أنّني ولّيت تأديبهم ... شفيت صدر النّقه «١» النّاهض!
من ناظر يضحي بلا ناظر ... وعارض يمسي بلا عارض
ومشرف للدين ما قصده ... في الوطب «٢» إلا زبدة الماخض
وخازن إن لفّ مرضاته ... من حلوهم عفّ عن الحامض
ومن خبيث جاءنا ذكره ... في الذّكر بين البكر والفارض
وكاتب لو أنصفوا مهره ... لكان أولى منه بالرّائض!!
إن وقّع، رأيت اللّفظ المرقّع، وإن أطال وأسهب، أذال عرضه وأنهب، وكان أحقّ بتقليد الفهود، عند تقليد العهود، وأولى بشطر المناشير، عن سطر المناشير، وأجدر بقبض الرّوح، إذا انبسط للشّروح، وأخذ في ذكر الوقائع والفتوح، كفّه بالجلم «٣» ، أولى منها بالقلم، وأخلق بالمسحاة، من السّحاة، وأليق بالفؤوس، من الطّروس، يبري ويقطّ، ولا يدري ما يخطّ، إذ ليس في السّفط، غير السّقط؛ إن فاتحته أو طارحته، ظفرت بغصّة الماتح «٤» ، وخشر المفاتح؛ إن خطّ: فنونه كلامه، وخلط فنونه في كلامه.
إن وقّعوا وقعوا في ذمّ كلّ فم ... أو أنفذوا أنفذتهم أسهم الكلم
أو قلّدوا قلّدوا خزيا يجلّلهم ... أو أقطعوا قطّعوا شتما بجعلهم
أراقم المال والأعمال إن رقموا ... جاؤوا من الرّقم والألفاظ بالرّقم
فالله يأخذ منهم للدّواة ... وللأنقاس بالحقّ والقرطاس والقلم!!
فالجديد بهم سمل، والسّوام بينهم همل، ولا علم عندهم ولا عمل؛ لهفي على الفضل المذال، برفعة الأنذال، وضياع الحقوق، وانصياع البيضة عن العقوق.
стр. 6632
ثم ما على سيّدنا الوزير، مع اصطحاب البمّ والزّير «١» ، ونفاق سوقه، وانغماسه في فسوقه، واتّصال صبوحه بغبوقه، وتخلّيه في البهو، للّعب واللهو، من ظهر غيّ يركب، وذي يسار ينكب، وساع يشي، وراع يرتشي، ورسوم حيف تجدّد، وسوآت تعدّد، ما يضرّه من شكوى الجارح البغاث «٢» ، وصريخ لا يغاث، ووال يعسف بأهل مصره، وإن شركه في إصره، وقاض لا ينصف الرّعية، ولا يتّبع القضايا الشّرعية، وفقيه يسفّ إلى تحصيل عرض زائل، وتعجيل غرض من سائل؛ ماله ولحفظ المال، ومحاسبة العمال؟:
أم ما على العامل نمس الدّجاج ... إن نقص الكرم وزاد الخراج؟
عليه أن يحصل في كمّه ... شيء وإن أخلى جميع الخراج
وهو خراج عند ما ينتهي ... يبطّ بالمبضع ما في الخراج!!
شغلهم بالشّهد المشور، لا بمشهد يوم النّشور، وقصدهم الجمع والاكتساب، ومتى الجمع والحساب، إنما هو مال يحتقب «٣» ، لا مآل يرتقب، وفساد في الأرض، لا إعداد ليوم العرض:
وإنّي لأرثي للمراتب تحتوي ... عليها قرود فوقهن برود
سراع إلى السّوآت فيما يشينهم ... ولكنّهم عما يزين ركود
يقاظ إذا ما ثوّب اللّؤم داعيا ... وعند نداء المكرمات رقود
وما غرّني إلّا جلاوز حولهم ... وإلا قيام بينهم وقعود
لقد حسدوا ظلما على ما أتاهم ... وهل لأخي نقص يسود حسود؟
وللسّيّد المحسود كفّ عن العلى ... تذود وأخرى بالنّوال تجود
لحا الله دنيانا التي ضلّ سعيها ... وفيها علينا بالضّلال شهود.
стр. 6633
إذا صغّرت كاسم الحسين محلّة ... علت وعلا فيها يزيد يزيد
إنما الصّدر من صدّره كماله، وحسنت أعماله، وجرّد العزمات، فشرّد الأزمات، ونفى بذبّه الكربات، واصطفى لربّه القربات، فسهّل الغنى، وأفعم الإنا، ووضع مواضع النّقب الهنا؛ فهو يهشّ للنّوال، ويبشّ عند السّؤال؛ لا يشوب ورده القذا، ولا يبطل منّه بالمنّ والأذى؛ يبشر بشره بمحاسن الأخلاق، وينشر نشره الطّيّب في الآفاق، ويحسم بدواته داء الإملاق، ويحرز بقصبته قصب السّباق:
يجرّدها من مثل وفضة نابل ... أجنّتها من نافذات المعابل
وفي خطّه المنسوب تزري شباتها ... بلهذم منسوب إلى الخطّ ذابل
وإن بذرت عن حبّة القلب أنبتت ... من البرّ قبل البرّ سبع سنابل!!
دؤوبه لإقالة العاثر، وعمارة الدّاثر، وإشاعة المآثر؛ همّه في معضلة تراض، ومعدلة تفاض، وخلل يسدّ، وجلل يصدّ، وعان بظهره يعان، وعات بقهره يهان؛ بابه مفتوح، وخيره ممنوح، وما أقلّ اللّائم، لمن أكثر الولائم، وأغفل الجادب، لمن صنع المآدب، وأخلص الإخاء، لمن استخلص السّخاء، فبذل الرّغوة والصّريح، والسّنام الإطريح «١» ، لا كمن يشحّ بالقتار، لفرط الإقتار، ويضنّ بالوضر «٢» ، على المحتضر؛ ويبخل بالعراق «٣» ، عمّن روحه في التّراق، ويسرّ الغميرة «٤» ، لمن يبتغي الميرة، ويبطن الدّاء، لمن ينتظر الغداء، ويسعر الأحشاء، لمن ترقّب العشاء:
стр. 6634
مسلط سيرته نقمة ... وجائر قسمته ضيزى «١»
ليس بذي لبّ يملّ الثّأى ... ولا لباب يملأ الشّيزى «٢» !
يحقد على الإخوان، عند ظهور الخوان؛ فتراه يحدّق، إلى من يشدّق، وينتقم، ممن يلتقم، ويذلّ الأكيل، ويحلّ به التّنكيل، ويبغض الشّرّيب، وإن كان الخدن القريب؛ فالحائن «٣» من يرد، فيزدرد، والخائن من ينبسط، فيسترط «٤» ؛ يشنأ من الأجراس، صوت الأضراس، وحشرجة البلاعم، بدحرجة المطاعم، وهرهرة الشّدوق، وجرجرة الحلوق، وقد صدّت حواجز بلواه، أفواها تصدّت لحلواه، وحكمت لجامه، بحكمة لجامه، وعدّت بكيوانه، لهى وعدت بألوانه؛ رغيفه أعرز «٥» من الغريف، وأغرب من الشّيء الطّريف؛ صريف «٦» بابه، دون صريف نابه، ويحكم صكّ بابه، عن كبابه، ويعدّ سديف جفانه، من سديف أجفانه، يمانع بلديده، عن سفّود قديده، ويصافح بصفحة وريده، عن صحفة ثريده؛ حمله من نجوم الحمل، وسمكه فوق السّماك الأعزل، وحوته بين الحوت والأسد، وجديه عند جدي الفرقد؛ دون عجّته ارتفاع العجاجة، وتحت دجاجته ذنب الدّجاجة:
يدرج في القدر درّاجه ... ليلقط الحبّ وطيهوجه «٧»
ففي السّموات سماناته ... وعند ديك العرش فرّوجه
стр. 6635
يحرس مائدته الدّلو والعقرب، وهما منّا أدنى وأقرب؛ يعجبه التّثمير والاحتجان، ويلذّ له التّوفير والاختزان؛ وقصر مفاجأة أحوال، تصرّح عن أهوال؛ وكأنّك بالأيام بعد الابتسام، شاهرة للحسام؛ قد كشرت عن أنيابها العصل، في بكرها والأصل، وأجلت عن سليب مسحوب، لتنكّر مصحوب؛ وآخر يتردّد في البوس، ويخلّد في الحبوس؛ قد حصل على سلّة الحاوي، من سلة الحلاوي، ومن طعم العسل، على طعن الأسل، ومن العذب البارد، على حزّ المبارد:
تقبض من خطوه الكبول ... فهو على قيده يبول
خلا من الخير فهو طبل ... وهكذا تضرب الطّبول
يشكو إلى الله مستغيثا ... وما له عنده قبول
ذاك بما كان مستطيلا ... تردي دواهيه والميول!
فهم بين حصى تعصر، وقفا يقصر، وكعاب مثقوبة، وأنواع عقوبة؛ أو يقال فلان أنارته شعوب «١» ، ووارته الجبوب، واكتفى بسلفة الممات، من المقدّمات؛ وما ظنّك بالشّلو الطّريح، في ضنك الضّريح، تحته البرزخ الموصود، وفوقه الجبل المنضود؛ انظر كيف هجر بابه المقصود، وجانبت جنابه الوفود، وأخلقت رباعه، وتفرّقت أتباعه؛ ثم تشويه الحوب «٢» ، أبشع من تشويه الشّحوب؛ وويل للقوم البور، من بعثرة القبور:
ويا خسار الأنفس الغاويه ... من بعد تلك الحفر الهاويه
وكلّ من خفّت موازينه ... فأمّه في بعثه هاويه
وليس يدري ويحه ماهيه ... نار على سكّانها حاميه!
أعاذنا الله من خلال يقضي جهلها بالشّنار، وأفعال تفضي بأهلها إلى النّار، بكرمه وإحسانه، وطوله وامتنانه.
стр. 6636
الصنف الثالث (من الرسائل المفاخرات؛ وهي على أنواع)
منها: المفاخرة بين العلوم.
وهذه نسخة رسالة في المفاخرة بين العلوم، أنشأتها في شهور سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، لقاضي القضاة شيخ الإسلام، علّامة الزمان، جلال الدّين «١» ، عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام، بقيّة المجتهدين، أبي حفص عمر البلقينيّ الكنانيّ، الشّافعيّ،- أمتع الله تعالى المسلمين ببقائه- ذكرت فيها نيّفا وسبعين علما، ابتدأتها بعلم اللّغة، وختمتها بفنّ التاريخ؛ ذاكرا فخر كلّ علم على الذي قبله، محتجّا عليه بفضائل موجودة فيه دون الآخر؛ وجعلت مصبّ القول فيها إلى اشتماله على جميعها، وإحاطته بكلّها، مع الإشارة إلى فضل والده، شيخ الإسلام، ومساهمته له في الفضل، على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى؛ وهي:
الحمد لله الذي جعل للعلم جلالا تودّ جلائل الفضائل أن تكون له أتباعا، وأطلق ألسنة الأقلام من جميل ثنائه بما أنطق به ألسنة العالم ليكون الحكم بما ثبت من مأثور فضله إجماعا، وأجرى من قاموس فكره جداول أنهار العلوم الزّكيّة فنعّش قلوبا ونزّه أبصارا وشنّف أسماعا.
أحمده على أن أفاض نتائج الأفكار على الأذهان السّليمة لذي النّظر الصحيح، وبثّ جياد الألسنة في ميدان الجدال فحاز قصب السّبق منها كلّ لسان ذلق فصيح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي قهرت بيّنات دلائله الملحد المعاند، وبهرت قواطع براهينه الألدّ الخصيم والجدل
стр. 6637
المكايد، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أظهر من واضح الحجج الجليّة ما سقط بحجّيّته دعوى المعارض، وأتى من فصل الخطاب بما أفحم به الخصوم فلم يستطع أشدّهم في البلاغة شكيمة أن يأتي له بمناقض، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من جليل المناقب بكل وصف جميل، واشتهرت في الوجود مفاخرهم فلم يحتج في إثباتها إلى إقامة دليل، صلاة يتمسّك في دعوى الشّرف بمتين حبلها، وتتّفق أدلّة العقل والنّقل على القطع بعلوّ شأنها وتوفّر فضلها.
وبعد، فلما كانت العلوم مشتركة في أصل التّفضيل، متّفقة الفضل في الجملة وإن تفاوتت في التفصيل، مسلّما أصل الشّرف فيها من غير منازع، مجمعا على أنه لا شيء من العلم من حيث هو علم بضّارّ ولا شيء من الجهل من حيث هو جهل بنافع، مع اختلافها في التّفاضل باختلاف موضوعاتها، وتفاوتها في الشّرف بحسب الحاجة إليها أو وثاقة حججها أو نفاسة غاياتها؛ عطس كلّ منها بأنف شامخ غير مسلّم للآخر ولا مسالم، ومدّ إلى العلياء يد المطاولة فتناول الثّريّا قاعدا غير قائم، وادعى كلّ منها أن بحره الطّامي، وفضله النّامي، وجواده الطّامح، وسماكه الرّامح، زاعما أن حسامه القاطع وعضبه القاضب، وقدحه المعلّى وسهمه الصّائب، ونجمه الساري وشهابه الثّاقب، وأنّ نشر الثناء على مجامره موقوف، وخطيب المحامد بمنابره معروف، وفلك الفضل على قطبه دائر، وكلّ شرف عليه محبّس وكلّ فخر عليه قاصر؛ فماس بعطفه ومال، وبسط في الكلام لسانه فقال وطال.
هذا: وإنّها اجتمعت يوما اجتماع معنى لا صورة، وقامت لها سوق بالبحث معروفة وعلى الجدال مقصورة، وتفاوضت بلسان الحال وتخاطبت، وتحاورت في دعوى الشّرف وتجاوبت، وألمّت بالمنافرة فتنافرت، وتسابقت في ميدان الافتخار فتفاخرت، وأخذ كلّ منها في نصرة مذهبه، وتحقيق مطلبه، بأنواع الحجج والاستدلالات، وإقامة البراهين والأمارات، وما
стр. 6638
يتوجّه على ذلك من الأسئلة والاعتراضات. فكان أوّل باديء بدأ منها بالكلام وفتح باب الجدال والخصام، «علم اللّغة» فقال:
قد علمتم معشر العلوم أنّي أعمّكم نفعا، وأوسعكم مجالا وأكثركم جمعا؛ على قطب فلكي تدور الدوائر، وبواسطتي تدرك المقاصد ويستعلم ما في الضمائر، وبدلالتي تعلم المعاني المفردات، ويتميّز ما يدلّ على الذوات مما يدلّ على الأدوات، وتتبيّن دلالات العامّ والخاص، ويتعرف ما يرشد إلى الأنواع والأجناس وما يختصّ بالأشخاص؛ على أن كلّكم كلّ عليّ، ومحتاج في ترجمة مقصوده إليّ؛ فلفظي «المحكم» وأقوالي «الصّحاح» ، وكلامي «الجامع» وسيف لساني «المجرّد» ناهيك من سلاح، وفضلي «المجمل» لا يحتاج إلى بيان. استأثر الله تعالى بتعليمي لآدم ﵇، وآثره بي معرفة على الملائكة فكان خصيصة له على الملائكة الكرام.
فلما انقضى قيله، وبانت للمستبين سبيله، ثاب إليه «علم التّصريف» مبتدرا، ولنفسه ولسائر العلوم منتصرا، فقال: رويدك أيّها المساجل، وعلى رسلك يا ذا المناضل؛ فقد ذلّ من ليس له ناصر، وحطّ قدر من ترفّع على أبناء جنسه ولو عقدت عليه الخناصر، وما يجدي البازي بغير جناح، أو يغني السّاعي إلى الحرب بغير سلاح؛ وأنّى يطعن رمح بغير سنان، أو يقطع سيف لم يؤيّد بقائم ولم تقبض عليه بنان؛ إنّك وإن حويت فضلا، وأعرقت أصلا، وكنت للكلام نظاما، وإلى بيان المقاصد إماما، فأنت غير مستقلّ بنفسك، ولا قائم برأسك؛ بل أنا المتكفّل بتأسيس مبانيك، والملتزم بتحرير ألفاظك وتقرير معانيك، بي تعرف أصول أبنية الكلمة في جميع أحوالها، وكيفية التّصرّف في أسمائها وأفعالها، وما يتّصل بذلك من أحوال الحروف البسيطة وترتيبها، واختلاف مخارجها، وبيان تركيبها، والأصليّ منها والمزيد، والمهموس والرّخو والشّديد؛ و.. «١» تقديره، والصحيح والمعتلّ
стр. 6639
وتحريره، وكيفية التّثنية والجمع، والفصل والوصل والابتداء والقطع، وأنواع الأبنية وتغيّرها عند اللّواحق، وكيفية تصريف الفعل عند تجرّده عن العوائق، وأمثلة الألفاظ المفردة في الزنة والهيئة وما يختصّ من ذلك بالأسماء والأفعال، وتمييز الجامد منها والمشتقّ وأصناف الاشتقاق، وكيف هو على التّفصيل والإجمال.
على أنّك لو خلّيت ومجرّد التعريف، وبيان المقاصد بالاصطلاح أو التّوقيف، لكان «علم الخطّ» يقوم مقامك في الدّلالة الحاليّة لدى الملتقى، ويترجّح عليك ببعد المسافة مع طول البقا؛ مع ما فيه من زيادة ترتيب الأحوال، وضبط الأموال، وحفظ العلوم في الأدوار، واستمرارها على الأكوار، وانتقال الأخبار من زمان إلى زمان، وحملها سرّا من مكان إلى مكان؛ بل ربّما اكتفي عنك بالإشارة والتّلويح، وقامت الكناية منها مقام التصريح.
فعندها غضب علم النّحو واكفهرّ، وزمجر واشمخرّ، وقال: يا لله! «استنّت الفصال حتّى القرعا» «١» ، و «استنسرت البغاث» فكان أشدّ ثلمة وأعظم صدعا، لقد ادّعيت ما ليس لك ففاتك الحبور، و «من تشبّع بما لم ينل فهو كلابس ثوبي زور» ؛ وهل أنت إلا بضعة منّي؟، تسند إليّ وتنقل عنّي، لم يزل علمك بابا من أبوابي، وجملتك داخلة في حسابي، حتّى ميّزك «المازنيّ» فأفردك بالتّصنيف، وتلاه «ابن جنّي» فتبعه في التأليف؛ واقتصر «ابن مالك» منك في تعريفه على الضروريّ الراجب، وأحسن بك «ابن الحاجب» في شافيته فرفع عنك الحاجب، وأنت مع ذلك كلّه مطويّ ضمن كتبي، نسبتك متّصلة بنسبتي وحسبك لا حق بحسبي، أنا ملح الكلام، ومسك الختام، لا يستغني عنّي متكلم، ولا يليق جهلي بعالم ولا متعلم؛ بي
стр. 6640
تتبين أحوال الألفاظ المركّبة في دلالتها على المقاصد، ويرتفع اللّبس عن سامعها فيرجع من فهمها بالصّلة والعائد؛ فلو أتى المتكلّم في لفظه بأجلّ معنى ولحن لذهبت حلاوته، وزالت طلاوته، وعيب على قائله وتغيرت دلالته، وقد كانت الخلفاء تحثّ على النّحو وترشد إليه، وتحذر اللّحن وتعاقب عليه:
وإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلّها عندي مقيم الألسن!
فبينما هو كذلك إذ برزت «علوم المعاني والبيان والبديع» جملة، وحملت عليه بصدق العزم في اللّقاء حملة، وقالت: جعجعة رحا من غير طحن، وتصويت رعد من غير مزن؛ لقد أتيت بغير معرب، وأعربت عن لحن ليس بمطرب، الحقّ أبلج، والباطل لجلج؛ إنّ الفوز لقدحنا، والوري لقد حنا؛ نحن لبّ العربيّة وخلاصتها، والمعترف لنا بالفضل عامّتها وخاصّتها؛ وهل أنت إلا شيء جرى عليك الاصطلاح، وساعدك الاستعمال فأمنت الاطّراح؛ فلو اصطلح على نصب الفاعل ورفع المفعول لم يخلّ بالتّفاهم في المقاصد، وها كلام العامّة لذلك أقوم دليل وأعظم شاهد.
فقال «علم الشعر» : أراكم قد نسيتم فضلي الذي به فضلتم، وصرمتم حبلي الذي من أجله وصلتم؛ أنا حجّة الأدب، وديوان العرب؛ عليّ تردون، وعنّي تصدرون؛ وإليّ تنتسبون، وبي تشتهرون، مع ما اشتملت عليه من المدح الذي كم رفع وضعا، وجلب نفعا، ووصل قطعا، وجبر صدعا؛ والهجو الذي كم حطّ قدرا، وأخمد ذكرا، وجعل بين الرّفيع والوضيع في حطيطة القدر نسبا وصهرا؛ إلى غير ذلك من أنواعي الشّعرية التي شاع ذكرها، وأضواعي العطرية التي فاح نشرها؛ بل لا يكاد علم من العلوم الأدبيّة يستغني عن شواهدي، ولا يخرج في أصوله عن قوانيني وقواعدي، حتّى «علم النّثر» الذي هو شقيقي في النّسب، وعديلي في لسان العرب، لم يزل أهله يتطفّلون عليّ في بيت يحلّونه، ويقفون من بديع محاسني عند حدّ لا يتعدّونه.
стр. 6641
فقال «علم القافية» : إنّك وإن تألّق برق مباسمك، وطابت أيّام مواسمك، فأنت موقوف على مقاصدي، ومغترف من رويّ مواردي؛ أنا عدّة الشّاعر، وعمدة الناثر؛ لا يستغني عني شعر ولا خطابة، ولا يستنكف عن الوقوف على أبوابي ذو ترسّل ولا كتابة؛ طالما عثر الفحول في ميداني، وتشعّبت عليهم طرقي فضلّوا السّبيل واختلفت عليهم المباني؛ فلم يفرّقوا بين التّكاوس «١» والتّراكب في التّعارف، ولم يميّزوا بين التّدارك والتّواتر والتّرادف.
فقال «علم العروض» : لقد أسمعت القول في الدّعوى من غير توجيه فدخل عليك الدّخيل، وأوقعك الوصل دون تأسيس في هوّة النّقص: فهل إلى خروج من سبيل؟؛ أنا معيار القريض وميزانه، وعليّ تبنى قواعده وأركانه؛ لم يزل الشّعر في علوّ رتبته بفضلي معترفا ولحقّي متحقّقا، ومن بحوري مغترفا، وبأسبابي متعلّقا؛ فأبياته بميزاني محرّرة، وأجزاؤه بقسطاس تفاعيلي مقدّرة، وبفواصلي متّصلة، وبأوتادي مرتبطة غير منفصلة.
فقال «علم الموسيقى» : لقد أسرفت في الافتخار فضللت الطّريق وبنت عنها، وورّطت نفسك فيما لا فائدة فيه فلزمت دائرة لا تنفكّ عنها، وأتيت من طويل الكلام بما لا طائل تحته فثقل قولا، وجئت من بسيط القول بما لو اقتصرت منه على المتقارب لكان بك أولى؛ فأنت بين ذي طبع وزّان لا يحتاج إلى معيارك في نظم قريضه، وآخر نبت طباعه عن الوزن فلم ينتفع من علمك بضربه ولا عروضه؛ فإذا لا فائدة فيك ولا حاجة إليك، ولا عبرة
стр. 6642
بك ولا معوّل عليك؛ وكفى بك هضما، ونقيصة وذمّا، واستدلالا على دحض حجّتك، وضعف أدلّتك، قول ابن حجّاج:
مستفعلن فاعلن فعول ... مسائل كلّها فضول
قد كان شعر الورى صحيحا ... من قبل أن يخلق الخليل!
على أنه إن ثبتت لك فائدة، وعاد منك على الشّعر أو الشّعراء عائدة، فإنّما تفاعيلك مقدّمة لألحاني، وأوزانك وسيلة إلى أوزاني؛ نعم أنا غذاء الأرواح، وقاعدة عمود الأفراح، والمتكفّل ببسط النّفوس وقبضها، والقائم من تعديلها وتقويتها بنفلها وفرضها؛ أحرّك النّفس عن مبدئها فيحدث لها السّرور وتظهر عنها الشّجاعة والكرم، وأبعثها إلى مبدئها فيحدث لها الفكر في العواقب وتزايد الهموم والنّدم؛ فتارة أستعمل في الأفراح وزوال الكروب، وتارة في علاج المرضى وأخرى في ميادين الحروب، وآونة في محلّ الأحزان واجتماع المآتم، ومرّة يستعملني قوم في بيوت العبادات فأبعثهم على طلب الطاعات واجتناب المحارم؛ وآتي من غريب الألحان، بما يشبع به الجائع ويروى به الظّمآن، ويأنس به المستوحش وينشط به الكسلان، وتدنو لسماعه السّباع، ويعنو له بعد الشّدّة الشّجاع، مع ما يتفرّع عني من «علم الآلات الرّوحانيّة» التي تنعش الأرواح، وتجلب الأفراح، وتنفي الأتراح، وتؤثر في البخيل السّماح، وتفعل في الألباب ما لا تفعل في اللّبّات «١» بيض الصّفاح.
فقال «علم الطّب» : لقد أضعت الزّمان في اللهو، وملت مع الأريحية فماس بك العجب وزاد بك الزّهو، وداخلك الطّيش فقنعت بالإطراب، وعنيت بمعرفة اللّحن ففاتك الإعراب؛ تذكّر العشّاق أحوال النّوى فيسلمها الهوى إلى الهوان، وتتنقّل في نواحي الإيقاع تنقّل الهائم
стр. 6643
فتمسي في حجاز وتصبح في أصبهان؛ وأنت وإن ادّعيت أنك العلم الرّوحانيّ، والمستولي بتحريك الطبائع الأربع على النّوع الإنسانيّ وغير الإنسانيّ، فأنت غير مستغن عني، ولا فنّك في الحقيقة منفكّ عن فنّي؛ بل قواعدك مرتّبة على قواعدي، وفوائدك مستفادة من فوائدي، وأهل صناعتك يتطفّلون في معرفة الملائم والمنافي على ساقط لباب موائدي؛ وأنّى تنبسط بك الروح مع وجود السّقم، أو يستريح إليك القلب مع شدّة مقاساة الألم؟؛ بل أنا قوام الأبدان، وغاية ملاك الإنسان؛ بي تحفظ صحّة الأجسام، وتتمكّن النفس من استكمال قوّتيها النظرية والعملية بواسطة زوال الأسقام وانتفاء الآلام، مع ما يتّضح بالنظر في التّشريح الذي هو أحد أنواعي من سرّ قوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ
«١» ، وما يظهر من حال الصّحة والمرض وسرّ الموت من أنه تعالى بدأ الخلق أوّل مرّة وإليه يحشرون- مع ما يلتحق بي من «علم خواصّ العقاقير» الغريبة، والأحجار التي تؤثّر بتمزيجها الصّناعيّ التآثير العجيبة، وتأتي من نوادر الأفعال بالأعمال الغريبة؛ على أنّي لست بمختصّ في الحقيقة ببدن الإنسان، ولا قاصر على نوع من أنواع الحيوان، وإنما أفردت بنوع البشر اهتماما بشانه، وتنبيها على جلالة قدره وعلوّ مكانه.
ثم ألحق بالإنسان في الاعتناء به الخيول فاشتقّ لها منّي «علم البيطرة» ، وتلاها في الاعتناء جوارح الطيور لاهتمام الملوك بشأنها فاستنبط لها من أجزائي «علم البيزرة» ، وأهمل ما سوى ذلك من جنس الحيوان، فلم يعتن بأمره ولم يهتمّ له بشان.
فقال علم القيافة «٢» : لقد ارتقيت مرتقى صعبا، وولجت مولجا صلبا،
стр. 6644
وأتيت من مشكلات القضايا بما ضاقت مطالبه، وعرّضت نفسك لمغالبة الموت والموت لا شيء يغالبه، واقتصرت في تشريحك الأعضاء على ذكر منافعها وصفاتها، وأضربت عما تدلّ عليه بصورها وكيفياتها؛ أين أنت من إلحاق الابن بالأب بالصّفات المتماثلة، والحكم بثبوت النّسب بدلائل الأعضاء كما يحكم بالبيّنة العادلة؟؛ فهذه هي الفضيلة التي لا تساوى، والمنقبة التي لا تعادل ولا تناوى؛ وكفاك لذلك شاهدا، وعلى ثبوته في الشّريعة المطهّرة مساعدا؛ وأنه لا يعتور ذلك معارضة ولا نقض، استبشار النّبيّ ﷺ بقول مذحج المدلجيّ: «إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض» .
فقال «علم قصّ الأثر» «١» : نعم إنّ شأنك لغريب، وإنّ اجتهادك لمصيب؛ غير أنّي أنا أغرب منك شأنا، وأدقّ في الإدراك معنى؛ إذ أنت إنما تلحق المحقّق بالمشاهدة بمثله، وتقيس فرعا على أصل ثم تلحق الفرع بأصله؛ وأنا فأدرك المؤثّر من الأثر، وأستدلّ على الغائب بما يظهر من اللّوائح في الرّمل والمدر؛ وربّما ميّزت أثر البعير الشّارد من المراتع، وفرّقت بالنّظر فيه بين الصحيح والظّالع «٢» ، فأدركت من الأمر الخفيّ ما تدركه أنت من الظّاهر، وقضيت على الغائب بما تقضي به على الحاضر.
فقال «علم غضون الكفّ والجبهة» : ما الذي أتيت به من الغريب، أو أظهرته بعلمك من العجيب؟؛ فلو ابتليت بأرض صلبة لوقفت آمالك، أو محت الرّيح معالم الأثر لبطلت أعمالك، أو ولج من تقفّي أثره الماء لفات حدسك الصائب، أو جعل الماشي مقدّم نعله مؤخّره لقلت: إنّ الذّاهب قادم والقادم ذاهب؛ لكن أنا كاشف الأسرار الخفيّة، والمستدلّ على لوازم
стр. 6645
الإنسان بما ركّب فيه من الدلائل الخلقيّة؛ أستخرج من أسارير الجبهة وغضون الكفّ أمورا قد أرشدت الحكمة الإلهيّة إليها، وجعلت تلك العلامة في الإنسان دلالة عليها.
فقال «علم الكتف» : إنه ليس في الاستدلال على الشّيء بلازمه أمر مستغرب، ولا ما يقال فيه: هذا من ذاك أعجب، وإنما الشّأن أن يقع الاستدلال على الشّيء بما هو أجنبيّ منه، وخارج عنه، كما أستدل أنا بالخطوط الموجودة في كتف الذّبيحة على الحوادث الغريبة، والأسرار العجيبة، مما أجرى الله به العادة في ذلك، وجعله علامة دالة على ما هنالك.
فقال «علم خطّ الرّمل» : لقد علمت أنك لست بمحقّق لما أنت له متوسّم، ولا واثق بالإصابة فيما أنت عنه تترجم؛ وغايتك الوقوف مع التجارب، والرّجوع فيما تحاوله إلى التقارب، مع ما أنت عليه من الرّفض والإهمال، وما رميت به من القطيعة وقلّة الاستعمال؛ أما أنا ففارس هذا الميدان، ومالك زمام هذا الشان؛ فكم من ضمير أبرزته، وأمر خفيّ أظهرته، ومكان عيّنته فوافق، وأمد قدّرته فطابق؛ على أنه ليس لك أصل ترجع إليه، ولا دليل تعتمد عليه؛ فأنا أثبت منك قواعد، وأوضح عند الاعتبار في الدلالة على المقاصد؛ فإن عدوت طورك، أو جزت في الاحتجاج خصمك، فمداك، أنه كان نبيّ يخطّ فمن وافق خطّه فذاك.
فقال «علم تعبير الرّؤيا» «١» : إنّك وإن أظهرت السّرائر، وأبرزت الضمائر، فإنّ أمرك موقوف في حدسك على الدّلالة الحاليّة، ومقصور في تخمينك على الأمور الاحتمالية؛ أين أنت منّي حين أعبّر عما شاهدته النفس في النّوم من عالم الغيب؟ وكيف أكشف عنه الحجب بالتّأويل فيقع كفلق
стр. 6646
الصّبح من غير شكّ ولا ريب، فأخبر بحوادث تقع في العالم قبل وجودها، وآتي من حقائق النّذارة والبشارة بما ينبّه على التحذير من نحوسها والتّرقّب لموافاة سعودها.
فقال «علم أحكام النّجوم» : حقيق ما أوّلت، وصحيح ما عنه عبّرت وعليه عوّلت؛ إلا أنك قاصر على وقائع مخصوصة ترشد إليها، وأمور محدودة تنبّه عليها؛ على أنه ربّما نشأت الرؤيا عن فكرة وقعت في اليقظة فاتّصلت بالمنام، أو حدثت عن سوء مزاج أو رداءة مطعم ونحو ذلك فكانت أضغاث أحلام؛ أما أنا فإني أدلّ بما أجراه الله تعالى من العادة، على الحوادث العامّة مصاحبا لمقتضيات الإرادة، ليظهر ما في الحكمة الإلهيّة من قضايا التّدبير، ويتبيّن ما اشتملت عليه الأفلاك العلويّة من تقدير التّرتيب وترتيب التّقدير، مع ما يترتّب على ذلك من الأعمال العجيبة، والأحوال الغريبة، التي تبهر العقول، ويمتنع إليها من غير طريقي الوصول: من «علم السّحر» على الإطلاق، و «علم الطّلّسمات» «١» الغريبة و «علم الأوفاق» ، وكذلك «علم النيرنجيات» و «علم السّيمياء» الأخذ بالأحداق.
فقال «علم الهيئة» : مالك ولأباطيل تنمّقها، وأكاذيب تزخرفها وتزبرقها «٢» وأماثيل يعتمدها المعتمد فتخيب، وأقاويل تارة تخطيء وتارة تصيب؛ ولقد وردت الشريعة المطهّرة بالنّهي عن اعتبارك، وجاءت السّنّة الغرّاء بمحو أخبارك وإعفاء آثارك؛ وناهيك بفساد هذا الاعتقاد وردّ هذا
стр. 6647
المذهب، ما ثبت في الصحيح من أنه من قال: مطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب؛ على أنك في الحقيقة نوع من أنواعي، معدود من جندي ومحسوب من أتباعي؛ نعم أنا القائم من دليل الاعتبار في القدرة بتمام الفرض، والقائد بزمام العقل إلى التّفكّر في خلق السموات والأرض؛ عنّي يتفرّع علم الزيجات والتقاويم الذي به يعرف موضع كلّ واحد من الكواكب السّيّارة ومدّة إقامتها، وزمن تشريقها وتغريبها ومقدار رجوعها واستقامتها، وحال ظهورها واختفائها في كلّ زمان، وما يتّصل بذلك من الاتّصال والانفصال والخسوف والكسوف واختصاص ذلك بمكان دون مكان.
فقال «علم كيفيّة الأرصاد» : ما علم الزّيجات والتّقاويم الذي تقدّمه في الذّكر عليّ، وتؤثره من الفضل بما لديّ؛ إذ بي تتعرّف كيفية تحصيل مقادير الحركات الفلكيّة، والتوصّل إليها بالآلات الرّصدية، التي عليها يترتب علم الزّيجات، ويعرف في التقويم الاتّصالات والانفصالات والامتزاجات، مع ما يلتحق بي من «علم الكرة» الذي منه تعرف كيفية اتخاذ الآلات الشّعاعيّة، ويتوصّل به إلى استخراج المطالب الفلكيّة.
فقال «علم المواقيت» : كيف وأنا سيّد علوم الهيئة وزعيمها، وشريفها في الشريعة وكريمها؛ بي تعرف أوقات العبادات، وتستخرج جهة القبلة بل سائر الجهات، وتعلم أحوال البلدان ومحلّها من المعمور في الطّول والعرض، ومقادير أبعادها وانحراف بعضها عن بعض، مع ما ينخرط في هذا السّلك من معرفة السماوات وارتفاع الكواكب، ومطالعها من أجزاء البروج والطّالع منها والغارب، وغير ذلك من الشّعاعات المخروطة، والظّلال القائمة والمبسوطة، إلى غير ذلك مما يلتحق بي، وينسب إليّ ويتعلّق بسببي:
من علم «الآلات الظّلّيّة» التي تعرف بها ساعات النهار، ويظهر منها الماضي والباقي بأقرب ملتمس وألطف اعتبار، من نحو الرّخامات القائمات، والمبسوطات منها والمائلات.
стр. 6648
فقال «علم الهندسة» : إن فضلك لمشهور، ومقامك في الشّرف غير منكور؛ إلا أن آلاتك بي مقدّرة، وأشكالك بأوضاعي محرّرة؛ فأنا إمامك الذي به تقتدي، ونجمك الذي به تهتدي؛ بل جميع علوم الهيئة في الحقيقة موقوفة علي، وراجعة في قواعدها إليّ؛ لولاي لم يعرف السّطح والكرة، ولم يميّز بين الخطوط والقسيّ والدّوائر المقدّرة، مع ما ينشأ عني، ويستملى من صحابي ويقتبس منّي، من أحوال المقادير ولواحقها، ومعرفة ظواهرها الواضحة ودقائقها، وأوضاع بعضها عند بعض ونسبها، وخواصّ أشكالها والطّرق إلى عمل ما سبيله أن يعمل لها، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينيّة القاطعة، وإظهارها إلى الحسّ بالأشكال البيّنة والحدود الجامعة المانعة.
فقال «علم عقود الأبنية» : نعم، إلا أنّي أنا أجلّ مقاصدك، وأعذب مواردك، ونور عيونك، وعروس فنونك؛ منّي يستفاد بناء الحصون والأسوار، ويتعرّف شقّ الأقنية وحفر الأنهار، وعمارة المدن وعقد القواصر، وسدّ البثوق وبناء القناطر، وتنضيد المساكن ووضع المنازل، ونصب الأشجار وترتيب الرّياض ذوات الخمائل.
فقال علم «جرّ الأثقال» : صدقت ولكنّي أنا أساس مبانيك وقاعدة سنادك، وحامل أثقالك وعمود اعتمادك؛ بي تعرف كيفية نقل الثّقل العظيم بالقوّة اليسيرة، حتّى تنقل مائة ألف رطل بقوّة خمسمائة وذلك من الأسرار النّفيسة والأعمال الخطيرة.
فقال «علم مراكز الأثقال» : إلا أنّك محتاج إليّ في أعمالك، ومتوقّف عليّ في جميع أحوالك، من حيث استخراج مراكز الأجسام المحمولة، وبيان معادلة الجسم العظيم بما هو دونه لتوسّط المسافة بالآلات المعمولة.
فقال «علم المساحة» : أراك قد غفلت عن معرفة المقادير
стр. 6649
والمسافات التي هي مقدّمة عليك في وضع المباني، ومنفردة عنك بكثير من المعاني؛ من [أنواع] الخراج والزراعات، وتقدير الرّساتيق والبياعات، وكيفيّة ذرع المثلّثات، والمربّعات، والمدوّرات، والمستطيلات، وغير ذلك من دقائق الأعمال، وإدراك كمّيات المقادير على التفصيل والإجمال.
فقال «علم الفلاحة» : فإذا قد اعترفت أنّك من جملة لواحقي، مندرج في حقوقي وداخل تحت مرافقي؛ فأنا في الحقيقة المقصود منك في الوضع بالقياس، والمتّحد بك دون غيري من غير التباس، مع ما أنا عليه من معرفة كيفية تدبير النّبات من بدء كونه إلى تمام تدبيره، وتنمية الحبوب والثّمار بإصلاح الأرض وما تخلّلها من المعفّنات كالسّماد وغيره، وما أبديه من اللّطائف في إيجاد بعض الفواكه في غير فصله، وتركيب بعض الأشجار على بعض واستخراج بعضها من غير أصله.
فقال علم «إنباط المياه» : إلا أنّي أنا بداية عملك، وغاية منتهى أملك؛ لا يتم لك أمر بدوني، ولا تنبت لك خضراء ما لم تسق من بئاري وعيوني؛ فأنا الكفيل بإحياء الأرض الميّتة وإفلاحها، والقائم بتلطيف مزاجها وإصلاحها.
فقال «علم المناظر» : ما الذي تجدي أنت وطرفي عنك مرتدّ، ونظري إليك غير ممتدّ؛ وأنّى تستطيع مياهك التّرقي من الأغوار إلى النّجود، وتتنقّل عيونك وأنهارك بين الهبوط والصّعود، إذا لم أكن لك ملاحظا، وعلى الاعتناء بأمرك محافظا، مع ما أشتمل عليه غير ذلك من تحقيق المبصرات في القرب والبعد على اختلاف معانيها، وما يغلط فيه البصر كالأشجار القائمة على شطوط المياه حيث ترى وأسافلها أعاليها.
فقال علم «المرايا «١» المحرقة» : إنّك وإن دقّقت النّظر، وحقّقت كلّ
стр. 6650
ما وقع عليه حاسّة البصر، فأنا مقصدك الأعظم، ومهمّك المقدّم؛ طالما أحرقت القلاع بشعاعي، وحصّنت الجيوش بدفاعي، وقمت بما لم يقم به الجيش العرمرم والعسكر الجرّار، وأغنيت مع انفرادي عن كثرة الأعوان ومعاضدة الأنصار.
فقال «علم الآلات الحربيّة» : وإنّ حدّك لكليل، وإنّ جداك لقليل، وإنّ المستنصر بك لذليل؛ وماذا عسى تصل في الإحراق إليه، أو تسلّط في الحروب عليه؟؛ أنا باع الحرب المديد، والمحصّن من كلّ بأس شديد، والتّالي بلسان الصّدق على الأعداء: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
«١» . فأنا نفس المقصود وعين المراد، وعمود الحقّ وقاعدة الجهاد.
فقال «علم الكيماء» : ما أنت والقتال، ومواقعة الحروب وقوارع النّزال؛ وهل أنت إلا آلة من الآلات، لا تستقلّ بنفسك في حالة من الحالات؛ وأنّي يغني السّلاح عن الجبان مع خور الطّباع، أو يحتاج إليه البطل الصّنديد والمجرّب الشّجاع؛ فالعبرة بالمقاتل، لا بالذّوابل، والعمدة على الرّجال، لا ببوارق السّيوف عند النّزال؛ وبكلّ حال فالعمدة في الحروب وجمع العساكر على النّقدين دون ما عداهما، والاستناد إلى الذّهب والفضّة بخلاف ما سواهما؛ وإليّ هذا الحديث يساق وعليّ فيه يعتمد، وعنّي يؤخذ وإليّ في مثله يستند، أحاول بحسن التدبير، ما طبخته الطبيعة على ممرّ الدّهور «٢» ، فآتي بمثله في الزّمن القريب، وأجانس بين المعادن في ممازجتها فيظهر عنها كلّ معنى غريب، وأبرز من خصائص الإكسير ما يقلب المرّيخ قمرا من غير لبس، ويحيل الزّهرة شمسا وناهيك بإحالة الزّهرة إلى الشّمس؛ فصاحبي أبدا عزيز المنال، شريف النّفس عن الطّلب عفيف اللسان عن السّؤال.
стр. 6651
فقال «علم الحساب المفتوح» : إنّك وإن دفعت عنا، وجلبت غنى، فأموالك الجمّة، وحواصلك الضّخمة، محتاجة إلى حسّابي، غير غنيّة عن كتّابي؛ أنا جامع الأموال وضابط أصولها، والمتكفّل بحفظ جملتها وتفصيلها، مع احتياج كثير من العلوم إليّ في الضّرب والقسمة والإسقاط. قد أخذت من «علم الارتماطيقي» الذي هو أصل علوم الحساب بجوانبه، وتعلّقت منه بأسهل طرقه وأقرب مذاهبه؛ وناهيك بشرف قدري، ورفعة ذكري، قول أبي محمد الحريريّ في بعض مقاماته، منبّها على شرف قلمي وسنيّ حالاته:
«ولولا قلم الحسّاب لأودت ثمرة الاكتساب، ولا تّصل التّغابن إلى يوم الحساب» «١» .
فقال «علم حساب التّخت والميل» : مه! فما أنت إلا علم العامّة في الأسواق، تدور بين الكافّة على العموم وتتداول بينهم على الإطلاق؛ تكاد أن تكون بديهيّا حتّى للأطفال، وضروريّا للنساء والعبيد في جميع الأحوال؛ يتّسع عليك مجال الضّرب فتقصر عنه همّتك المقصّرة، وتتشعّب عليك مدارك القسمة فتأتي بها على التّقريب غير محرّرة؛ أين أنت من سعة باعي، وامتداد ذراعي، وتحرير أوضاعي؟؛ لا يعتمد أهل الهيئة في مساحة الأفلاك والكواكب غير حقائق أموري، ولا يعوّلون فيها- على سعة فضائها- إلا على صحاحي وكسوري.
فقال «علم حساب الخطأين» : مالي ولعلم لا يوصّل إلى المقصود إلا بعد عمل طويل؟ ويحتاج صاحبه مع زيادة العناء إلى استصحاب تخت وميل، وقد قيل: كلّ علم لا يدخل مع صاحبه مع الحمّام فجداه قاصر ونفعه قليل؛ على أنّ غيرك يشاركك فيما أنت فيه، ويوصل إلى مقصودك بطريق لا يدخله الغلط ولا يعتريه؛ وإنما الشّأن في استكشاف غامض أو إظهار غريب،
стр. 6652
ولا أعجب من أن تصيب إخراج المجهول من الأعداد بخطأين فيقال: أتى بخطأين وهو مصيب.
فقال «علم الجبر والمقابلة» : حسبك! فإنّما أنت في استخراج المجهولات كنقطة من قطر، أو نغبة من بحر؛ تقتصر منها بطرقك القاصرة وأعمالك النّاكبة، على ما أمكن صيرورته من العدد في أربعة أعداد متناسبة؛ نعم أنا أبو عذرتها، وابن بجدتها، وأخو نجدتها؛ أستخرج جميع المجهولات، من مسائل المعاملات، والوصايا والتّركات، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وينحو هذا النّحو ويسري هذا المسرى، مما يدخل تحت الأموال والجذور، والأعداد المطلقة من الصّحاح والكسور.
فقال «علم حساب الدّرهم والدّينار» : مالك ولادّعاء التّعميم في استخراج المجهولات وكشف الغوامض؟ وإنّما أنت قاصر على استعلام المجهولات العدديّة المعلومة العوارض، دون ما تزيد عدّته على المعادلات الجبريّة، فقد فاتك حينئذ الدّعاوى الحصرية؛ لكنّي أنا كاشف هذه الحقائق، ومبيّن سبلها بألطف الطّرائق؛ فبي إليها يتوصّل، وعلى قواعدي لاستخراج مقاصدها يجمل ويفصّل.
فقال «علم حساب الدّور والوصايا» : إنّ استخراج المجهولات وإن عظم نفعا، وحسن وضعا، فأنا أعظم منه فائدة، وأجلّ منه عائدة؛ أبيّن مقدار ما يتعلّق بالدّور من الوصايا، حتى يتّضح لمن يتأمّل، وأقطع الدّور فتعود المسألة من أظهر القضايا، ولولا ذلك لدار أو تسلسل.
فقال «علم الفقه» : وهل أنت إلا نبذة من الوصايا التي هي بارقة من بوارقي، تتعلّق بأطنابي وتدخل تحت سرادقي؛ بي تتميّز معالم الأحكام، ويتبيّن الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، ويتعرّف ما يتقرّب به إلى الله تعالى من العبادات، وسائر أنواع التّكاليف الشّرعيّة العملية مما تدعو إليه الضرورات وتجري به العادات؛ فأنا إمام العلوم الذي به يقتدى،
стр. 6653
وعميدها الذي عليه يعتمد ونجمها الذي به يهتدى؛ فلولا إرشادي لضلّ سعي المكلّفين، ولأمسوا في ديجاء مدلهمّة فأصبحوا عن ركائب الخير مخلّفين.
وناهيك أن من جملة أفرادي، وآحاد أعدادي:- «علم الفرائض» الذي حضّ الشارع على تعلّمه وتعليمه، وأخبر بأنّه نصف العلم منبّها على تعظيم شأنه وتفخيمه، وبالغ في إثبات قواعده وإحكام أسّه، فقال: «إنّ الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل بل تولّاها فقسمها بنفسه» .
فقال «علم أصول الفقه» : إن مقالك لعال، وإنّ جيدك لحال؛ غير أنّي أنا المتكفّل بتقرير أصولك، وتوجيه المسائل الواقعة في خلال أبوابك وفصولك؛ بي تعرف مطالب الأحكام الشّرعيّة العملية وطرق استنباطها، ومواد حججها واستخراجها بدقيق النّظر وتحقيق مناطها؛ فبأصولي فروعك مقرّرة، وبمحاسن استدلالي حججك منقّحة محرّرة؛ قد مهّدت طرقك حتى زال عنها الإلباس، وبنيت على أعظم الأصول فروعك فاسندتها للكتاب والسّنّة والإجماع والقياس.
فقال «علم الجدل» : قد علمت أن الدّليل لا يقوم برأسه، ولا يستقلّ بنفسه، بل لا بدّ في تقريره من النّظر في معرفة كيفيّة الاستدلال، والطّريق الموصّل إلى المطلوب على التّفصيل والإجمال؛ وأنا المتكفّل بذلك، والموصّل بكشف حقائق البحث إلى هذه المدارك؛ بي تعرف كيفيّة تقرير الحجج الشّرعيّة، وقوادح الأدلة وترتيب النّكت الخلافيّة؛ فموضوعك عليّ محمول، ونظرك إلى نظري بكلّ حال موكول.
فقال «علم المنطق» : خفّض عليك! فهل أنت إلا نوع من قياساتي المنطقيّة أفردت بالتّصنيف، وخصصت بالمباحث الدّينية فخالطت أصول الفقه في التأليف؟؛ فأنت إذا فرد من أفرادي، وواحد من أعدادي، مع ما اشتمل عليه سواك من القياسات البرهانيّة القاطعة في المناظرات،
стр. 6654
والقياسات الخطابيّة والبلاغات النّافعة في مخاطبات الجمهور على سبيل المخاصمات والمساورات؛ وكذلك حال القياسات الشّعريّة، وكيف يستعمل التّشبيه المفيد للتّخيّل الموجب للانفعالات النّفسانيّة: كالإغراء والتّحذير، والتّرغيب والتّرهيب والتّعظيم والتّحقير، وغير ذلك من معرفة الألفاظ والمعاني المفردة من حيث هي عامّة كلّيّة، وتركيب المعاني المفردة بالنسبة إلى الإيجابية والسّلبية؛ تعصم مراعاتي الفكر عن الخطإ فلا يزلّ، وتهديه سواء السّبيل فلا يحيد عن الصّراط السّويّ ولا يضلّ، وأسري في جميع المعقولات فأتصرّف فيما يدقّ منها ويجلّ.
فقال علم «دراية الحديث» : قد علمت بما ثبتت به الأدلّة بالتّلويح والتّصريح، أنه لا مجال للعقل في تحسين ولا تقبيح؛ وحينئذ فلا بدّ من نصّ شرعيّ تعتمد عليه، وتستند في مقدّماتك إليه؛ ولا أقوى حجّة، وأوضح محجّة، من كلام الرّسول ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى إذا تكلّم؛ فإذا استندت إلى نصوصه، واعتمدت عليه في عمومه وخصوصه، فقد حسن منك المقدّم والتّالي، وكانت مقدّماتك في البحث أمضى من المرهفات ونتائجك أنفع من العوالي؛ وقد تحققت أنّي إمام هذا المقام، ومالك قياد هذا الزّمام.
فقال «علم رواية الحديث» : لقد ذكرت من الصّحيح المتّفق عليه بما لا طعن فيه لمريب، وتعلّقت من كلام النّبوّة بأوثق سبب فأتيت بكل لفظ حسن ومعنى غريب؛ إلا أن الدّراية، موقوفة على الرّواية؛ وكيف يقع نظر الناظر في حديث قبل وصوله إليه، أو يتأتّى العلم بمعناه قبل الوقوف عليه؟؛ وهل يثبت فرع على غير أصل في مقتضى القياس، أو يرقى من غير سلّم أو يبنى على غير أساس؟؛ فعلى المحدّث تقديم العلم بالرواية بشرطها، ومعرفة أقواله ﷺ بالسّماع المتّصل وتحريرها وضبطها.
فقال «علم التّفسير» : قد تبيّن لدى العلماء بالشّريعة أن حكم الكتاب والسّنّة واحد، وإن اختلفت في الأسماء فلم تختلف في المقاصد؛ إلا أنهما
стр. 6655
وإن اتّفقا في الدّلالة والإرشاد، فقد اختصّ الكتاب في النّقل بالتّواتر وجاء أكثر السّنّة بالآحاد.
فقال «علم القراآت» : إلا أنه لا ينبغي للمفسّر أن يقدم على التّفسير ما لم يكن بقراءة السّبع والشّاذّ عالما، وبلغاتها عارفا وللنّظر في معانيها ملازما؛ مع ما يلتحق بذلك من علم قوانين القراءة المتعلّق من المصاحف بخطّها، والأشكال والعلامات المتكفّلة بتحريرها وضبطها.
فقال «علم النّواميس» : (وهو العلم بمتعلّقات النّبوةّ) : إنّك لفرع من فروع الكتاب المبين، وما نزل به الرّوح الأمين على قلب سيّد المرسلين؛ وإليّ النّظر في أحوال النّبوة وحقيقتها، ومسيس الحاجة إليها في بيان الشّريعة وطريقتها، والفرق بين النّبوة الحقّة، والدّعاوى الباطلة غير المحقّة، ومعرفة المعجزات المختصّة بالأنبياء والرّسل ﵈، والكرامات الصّادرة عن الصّدّيقين الأبرار والأولياء الكرام؛ فأنا المقدّم على سائر العلوم الشّرعية، وإمام الأصليّة منها والفرعيّة.
فقال «العلم الإلهي» : لقد تحقّقت أنّ اللازم المحتّم، والواجب تقديمه على كلّ مقدّم، العلم بمعرفة الله تعالى والطّريق الموصّل إليها، وأثبات صفاته المقدّسة وما يجب لها ويستحيل عليها، وأنه الواجب الوجود لذاته، وباعث الرّسل لإقامة الحجّة على خلقه بمحكم آياته؛ وأنا الزّعيم بإقامة الأدلّة على ذلك من المعقول والمنقول، والمتكفّل بتصحيح مقدّماته البرهانيّة بتحرير المقدّم والتّالي والموضوع والمحمول.
فقال «علم أصول الدّين» : فحينئذ قد فزت من جمعكما بالشّرفين، وجمع لي منكما الفضل بطرفيه فصرت بكما معلم الطّرفين، وميّزت بين صحيح الاعتقاد وفاسده فكان لي منهما أحسن الاختيارين، وبيّنت طريق الحقّ لسالكها فكنت سببا للفوز والنّجاة في الدّارين؛ فانا المقصود للإنسان بالذّات في كمال ذاته، وكلّ علم يستمدّ منّي في مباديه ويفتقر إليّ في مقدّماته.
следующие страницы →