Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
فقال «علم الحساب المفتوح» : إنّك وإن دفعت عنا، وجلبت غنى، فأموالك الجمّة، وحواصلك الضّخمة، محتاجة إلى حسّابي، غير غنيّة عن كتّابي؛ أنا جامع الأموال وضابط أصولها، والمتكفّل بحفظ جملتها وتفصيلها، مع احتياج كثير من العلوم إليّ في الضّرب والقسمة والإسقاط. قد أخذت من «علم الارتماطيقي» الذي هو أصل علوم الحساب بجوانبه، وتعلّقت منه بأسهل طرقه وأقرب مذاهبه؛ وناهيك بشرف قدري، ورفعة ذكري، قول أبي محمد الحريريّ في بعض مقاماته، منبّها على شرف قلمي وسنيّ حالاته:
«ولولا قلم الحسّاب لأودت ثمرة الاكتساب، ولا تّصل التّغابن إلى يوم الحساب» «١» .
فقال «علم حساب التّخت والميل» : مه! فما أنت إلا علم العامّة في الأسواق، تدور بين الكافّة على العموم وتتداول بينهم على الإطلاق؛ تكاد أن تكون بديهيّا حتّى للأطفال، وضروريّا للنساء والعبيد في جميع الأحوال؛ يتّسع عليك مجال الضّرب فتقصر عنه همّتك المقصّرة، وتتشعّب عليك مدارك القسمة فتأتي بها على التّقريب غير محرّرة؛ أين أنت من سعة باعي، وامتداد ذراعي، وتحرير أوضاعي؟؛ لا يعتمد أهل الهيئة في مساحة الأفلاك والكواكب غير حقائق أموري، ولا يعوّلون فيها- على سعة فضائها- إلا على صحاحي وكسوري.
فقال «علم حساب الخطأين» : مالي ولعلم لا يوصّل إلى المقصود إلا بعد عمل طويل؟ ويحتاج صاحبه مع زيادة العناء إلى استصحاب تخت وميل، وقد قيل: كلّ علم لا يدخل مع صاحبه مع الحمّام فجداه قاصر ونفعه قليل؛ على أنّ غيرك يشاركك فيما أنت فيه، ويوصل إلى مقصودك بطريق لا يدخله الغلط ولا يعتريه؛ وإنما الشّأن في استكشاف غامض أو إظهار غريب،
стр. 6652
ولا أعجب من أن تصيب إخراج المجهول من الأعداد بخطأين فيقال: أتى بخطأين وهو مصيب.
فقال «علم الجبر والمقابلة» : حسبك! فإنّما أنت في استخراج المجهولات كنقطة من قطر، أو نغبة من بحر؛ تقتصر منها بطرقك القاصرة وأعمالك النّاكبة، على ما أمكن صيرورته من العدد في أربعة أعداد متناسبة؛ نعم أنا أبو عذرتها، وابن بجدتها، وأخو نجدتها؛ أستخرج جميع المجهولات، من مسائل المعاملات، والوصايا والتّركات، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وينحو هذا النّحو ويسري هذا المسرى، مما يدخل تحت الأموال والجذور، والأعداد المطلقة من الصّحاح والكسور.
فقال «علم حساب الدّرهم والدّينار» : مالك ولادّعاء التّعميم في استخراج المجهولات وكشف الغوامض؟ وإنّما أنت قاصر على استعلام المجهولات العدديّة المعلومة العوارض، دون ما تزيد عدّته على المعادلات الجبريّة، فقد فاتك حينئذ الدّعاوى الحصرية؛ لكنّي أنا كاشف هذه الحقائق، ومبيّن سبلها بألطف الطّرائق؛ فبي إليها يتوصّل، وعلى قواعدي لاستخراج مقاصدها يجمل ويفصّل.
فقال «علم حساب الدّور والوصايا» : إنّ استخراج المجهولات وإن عظم نفعا، وحسن وضعا، فأنا أعظم منه فائدة، وأجلّ منه عائدة؛ أبيّن مقدار ما يتعلّق بالدّور من الوصايا، حتى يتّضح لمن يتأمّل، وأقطع الدّور فتعود المسألة من أظهر القضايا، ولولا ذلك لدار أو تسلسل.
فقال «علم الفقه» : وهل أنت إلا نبذة من الوصايا التي هي بارقة من بوارقي، تتعلّق بأطنابي وتدخل تحت سرادقي؛ بي تتميّز معالم الأحكام، ويتبيّن الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، ويتعرّف ما يتقرّب به إلى الله تعالى من العبادات، وسائر أنواع التّكاليف الشّرعيّة العملية مما تدعو إليه الضرورات وتجري به العادات؛ فأنا إمام العلوم الذي به يقتدى،
стр. 6653
وعميدها الذي عليه يعتمد ونجمها الذي به يهتدى؛ فلولا إرشادي لضلّ سعي المكلّفين، ولأمسوا في ديجاء مدلهمّة فأصبحوا عن ركائب الخير مخلّفين.
وناهيك أن من جملة أفرادي، وآحاد أعدادي:- «علم الفرائض» الذي حضّ الشارع على تعلّمه وتعليمه، وأخبر بأنّه نصف العلم منبّها على تعظيم شأنه وتفخيمه، وبالغ في إثبات قواعده وإحكام أسّه، فقال: «إنّ الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل بل تولّاها فقسمها بنفسه» .
فقال «علم أصول الفقه» : إن مقالك لعال، وإنّ جيدك لحال؛ غير أنّي أنا المتكفّل بتقرير أصولك، وتوجيه المسائل الواقعة في خلال أبوابك وفصولك؛ بي تعرف مطالب الأحكام الشّرعيّة العملية وطرق استنباطها، ومواد حججها واستخراجها بدقيق النّظر وتحقيق مناطها؛ فبأصولي فروعك مقرّرة، وبمحاسن استدلالي حججك منقّحة محرّرة؛ قد مهّدت طرقك حتى زال عنها الإلباس، وبنيت على أعظم الأصول فروعك فاسندتها للكتاب والسّنّة والإجماع والقياس.
فقال «علم الجدل» : قد علمت أن الدّليل لا يقوم برأسه، ولا يستقلّ بنفسه، بل لا بدّ في تقريره من النّظر في معرفة كيفيّة الاستدلال، والطّريق الموصّل إلى المطلوب على التّفصيل والإجمال؛ وأنا المتكفّل بذلك، والموصّل بكشف حقائق البحث إلى هذه المدارك؛ بي تعرف كيفيّة تقرير الحجج الشّرعيّة، وقوادح الأدلة وترتيب النّكت الخلافيّة؛ فموضوعك عليّ محمول، ونظرك إلى نظري بكلّ حال موكول.
فقال «علم المنطق» : خفّض عليك! فهل أنت إلا نوع من قياساتي المنطقيّة أفردت بالتّصنيف، وخصصت بالمباحث الدّينية فخالطت أصول الفقه في التأليف؟؛ فأنت إذا فرد من أفرادي، وواحد من أعدادي، مع ما اشتمل عليه سواك من القياسات البرهانيّة القاطعة في المناظرات،
стр. 6654
والقياسات الخطابيّة والبلاغات النّافعة في مخاطبات الجمهور على سبيل المخاصمات والمساورات؛ وكذلك حال القياسات الشّعريّة، وكيف يستعمل التّشبيه المفيد للتّخيّل الموجب للانفعالات النّفسانيّة: كالإغراء والتّحذير، والتّرغيب والتّرهيب والتّعظيم والتّحقير، وغير ذلك من معرفة الألفاظ والمعاني المفردة من حيث هي عامّة كلّيّة، وتركيب المعاني المفردة بالنسبة إلى الإيجابية والسّلبية؛ تعصم مراعاتي الفكر عن الخطإ فلا يزلّ، وتهديه سواء السّبيل فلا يحيد عن الصّراط السّويّ ولا يضلّ، وأسري في جميع المعقولات فأتصرّف فيما يدقّ منها ويجلّ.
فقال علم «دراية الحديث» : قد علمت بما ثبتت به الأدلّة بالتّلويح والتّصريح، أنه لا مجال للعقل في تحسين ولا تقبيح؛ وحينئذ فلا بدّ من نصّ شرعيّ تعتمد عليه، وتستند في مقدّماتك إليه؛ ولا أقوى حجّة، وأوضح محجّة، من كلام الرّسول ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى إذا تكلّم؛ فإذا استندت إلى نصوصه، واعتمدت عليه في عمومه وخصوصه، فقد حسن منك المقدّم والتّالي، وكانت مقدّماتك في البحث أمضى من المرهفات ونتائجك أنفع من العوالي؛ وقد تحققت أنّي إمام هذا المقام، ومالك قياد هذا الزّمام.
فقال «علم رواية الحديث» : لقد ذكرت من الصّحيح المتّفق عليه بما لا طعن فيه لمريب، وتعلّقت من كلام النّبوّة بأوثق سبب فأتيت بكل لفظ حسن ومعنى غريب؛ إلا أن الدّراية، موقوفة على الرّواية؛ وكيف يقع نظر الناظر في حديث قبل وصوله إليه، أو يتأتّى العلم بمعناه قبل الوقوف عليه؟؛ وهل يثبت فرع على غير أصل في مقتضى القياس، أو يرقى من غير سلّم أو يبنى على غير أساس؟؛ فعلى المحدّث تقديم العلم بالرواية بشرطها، ومعرفة أقواله ﷺ بالسّماع المتّصل وتحريرها وضبطها.
فقال «علم التّفسير» : قد تبيّن لدى العلماء بالشّريعة أن حكم الكتاب والسّنّة واحد، وإن اختلفت في الأسماء فلم تختلف في المقاصد؛ إلا أنهما
стр. 6655
وإن اتّفقا في الدّلالة والإرشاد، فقد اختصّ الكتاب في النّقل بالتّواتر وجاء أكثر السّنّة بالآحاد.
فقال «علم القراآت» : إلا أنه لا ينبغي للمفسّر أن يقدم على التّفسير ما لم يكن بقراءة السّبع والشّاذّ عالما، وبلغاتها عارفا وللنّظر في معانيها ملازما؛ مع ما يلتحق بذلك من علم قوانين القراءة المتعلّق من المصاحف بخطّها، والأشكال والعلامات المتكفّلة بتحريرها وضبطها.
فقال «علم النّواميس» : (وهو العلم بمتعلّقات النّبوةّ) : إنّك لفرع من فروع الكتاب المبين، وما نزل به الرّوح الأمين على قلب سيّد المرسلين؛ وإليّ النّظر في أحوال النّبوة وحقيقتها، ومسيس الحاجة إليها في بيان الشّريعة وطريقتها، والفرق بين النّبوة الحقّة، والدّعاوى الباطلة غير المحقّة، ومعرفة المعجزات المختصّة بالأنبياء والرّسل ﵈، والكرامات الصّادرة عن الصّدّيقين الأبرار والأولياء الكرام؛ فأنا المقدّم على سائر العلوم الشّرعية، وإمام الأصليّة منها والفرعيّة.
فقال «العلم الإلهي» : لقد تحقّقت أنّ اللازم المحتّم، والواجب تقديمه على كلّ مقدّم، العلم بمعرفة الله تعالى والطّريق الموصّل إليها، وأثبات صفاته المقدّسة وما يجب لها ويستحيل عليها، وأنه الواجب الوجود لذاته، وباعث الرّسل لإقامة الحجّة على خلقه بمحكم آياته؛ وأنا الزّعيم بإقامة الأدلّة على ذلك من المعقول والمنقول، والمتكفّل بتصحيح مقدّماته البرهانيّة بتحرير المقدّم والتّالي والموضوع والمحمول.
فقال «علم أصول الدّين» : فحينئذ قد فزت من جمعكما بالشّرفين، وجمع لي منكما الفضل بطرفيه فصرت بكما معلم الطّرفين، وميّزت بين صحيح الاعتقاد وفاسده فكان لي منهما أحسن الاختيارين، وبيّنت طريق الحقّ لسالكها فكنت سببا للفوز والنّجاة في الدّارين؛ فانا المقصود للإنسان بالذّات في كمال ذاته، وكلّ علم يستمدّ منّي في مباديه ويفتقر إليّ في مقدّماته.
стр. 6656
فقال «علم التّصوّف» : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، إذ كان كلّ امريء بما عمل مجازى وبما كسب رهينا؛ إنّه يجب على كلّ من كان بمعتقد الحقّ جازما، أن يكون عن دار الغرور متجافيا ولأعمال البرّ ملازما؛ فإنّما الدّنيا مزرعة للآخرة، إن حصلت النّجاة فتلك التّجارة الرّابحة وإن كانت الأخرى فتلك إذا كرّة خاسرة؛ فمن لزم طريقتي في الإعراض عن الدّنيا والزّهد فيها سلّم، ومن اغترّ بزخرفها الفاني فقد خاب في القيامة وندم.
فلما كثرت الدّعاوى والمعارضات، وتتابعت الحجج والمناقضات، نهض «علم السياسة» قائما، وقصد حسم مادّة الجدال وطالما، وقال: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب «١» ، وسائسها الكافي وحاكمها المهذّب؛ لقد ذكر كلّ منكم من فضله ما يشوّق السّامع، وأظهر من جليل قدره ما تنقطع دونه المطامع، وأتى من واضح كلامه بما لا يحتاج في إثباته إلى دليل ظنّيّ ولا برهان قاطع؛ غير أنه لا يليق بالمنصف أن يتخطّى قدره المحدود ولا يتعدّى جزءه المقسوم، ولكلّ أحد حدّ يقف عنده وما منّا إلّا له مقام معلوم؛ فلو سلك كلّ منكم سبيل المعدلة، وأنصف من نفسه فوقف عند ما حدّ له، لكان به أليق، ولمقام العلم أرفق.
فقال «علم تدبير المنزل» : لقد تحرّيت الصّواب، ونطقت بالحكمة وفصل الخطاب؛ لكنّه لا بدّ لكم من حبر عالم، وإمام حاكم، يكون لشملكم جامعا، ولمواقع الشّكّ في محلّ التفاضل بينكم رافعا، محيط من كلّ علم بمقصوده ومراده، عارف بما تشمل عليه مباديه من حدّه وموضوعه وفائدته واستمداده، ليبلغ به من الفضل منتهاه، ويقف به من الشّرف عند حدّ لا يتعدّاه؛ فلا يدّعي مدّع بغير مستحقّ، ولا يطالب طالب ما ليس له بحقّ؛ إلا أنّ المحيط بكلكم علما، والقائم بجميعكم فهما، أعزّ من الجوهر الفرد
стр. 6657
والكبريت الأحمر، وأقلّ وجودا من بيض الأنوق «١» بل بيض الأنوق في الوجدان أكثر.
فقال «علم الفراسة» : على الخبير سقطت، وبابن بجدتها حططت؛ أنا بذلكم زعيم، وبمظنّته عليم؛ فللعلم عرف ينمّ على صاحبه، وتلوح عليه بوارقه وإن أكنّه بين جوانبه؛ فحامل المسك لا تخفى ريحه على غير ذي زكام، والنّهار لا يخفى ضوءه على ذي بصر وإن تسترت شمسه بأذيال الغمام؛ ولقد تصفّحت وجوه العلماء الكملة، الذين طواياهم على أجمل العلوم منطوية وعلى تفاصيلها مشتملة، وسبرت وقسّمت، وتفرّست وتوسّمت، فلم أجد من يليق لهذا المقام، ويصلح لقطع الجدال والخصام، ويعرف بلغة كلّ علم فيجيب بلسانه، ويحكم فلا ينقض حكمه غيره لانحطاطه عن بلوغ مكانه، إلا البحر الزّاخر، و [الفاضل] «٢» الذي لا يعلم لفضله أوّل ولا يدرك لمداه آخر؛ حبر الأمة، وعلّامة الأئمة، وناصر السّنة وحاميها، وقامع البدعة وقاميها «٣» ، نجل شيخ الإسلام، وخلاصة غرر الأيّام، جلال الدّين، بقيّة المجتهدين، أبو الفضل عبد الرحمن البلقينيّ الشّافعيّ، النّاظر في الحكم العزيز بالديار المصرية، وسائر الممالك الإسلامية وما أضيف إلى ذلك من الوظائف الدّينية، لا زالت فواضل الفضائل معروفة: فهو العالم الذي إذا قال لا يعارض، والحاكم الذي إذا حكم لا يناقض، والإمام الذي لا يتخلّل اجتهاده خلل، والمناظر الذي ما حاول قطع خصم إلا كان لسانه أمضى من السّيف أذا يقال: «سبق السّيف العذل» :
стр. 6658
إذا قال بذّ القائلين ولم يدع ... لملتمس في القول جدّا ولا هزلا
إن تكلّم في الفقه فكأنما بلسان «الشّافعيّ» تكلّم، و «الرّبيع» عنه يروي و «المزنيّ» منه يتعلّم، أو خاض في أصول الفقه، قال «الغزاليّ» : هذا هو الإمام باتفاق، وقطع السّيف «الآمديّ» بأنه المقدّم في هذا الفنّ على الإطلاق، أو جرى في التّفسير، قال «الواحديّ» : هذا هو العالم الأوحد، وأعطاه «ابن عطيّة» صفقة يده بأن مثله في التّفسير لا يوجد، واعترف له «صاحب الكشّاف» بالكشف عن الغوامض، وقال الإمام «فخر الدّين» : «هذه مفاتيح الغيب وأسرار التّنزيل» فارتفع الخلاف واندفع المعارض، أو أخذ في القراءات والرّسم أزرى بأبي «عمرو الدّاني» ، وعدا شأو «الشّاطبيّ» في «الرّائية» وتقدّمه في «حرز الأماني» ، أو تحدّث في الحديث شهد له «السّفيانان» بعلوّ الرتبة في الرّواية، واعترف له «ابن معين» بالتّبريز والتّقدّم في الدّراية، وهتف «الخطيب البغداديّ» بذكره على المنابر، وقال «ابن الصّلاح» : لمثل هذه الفوائد تتعيّن الرّحلة وفي تحصيلها تنفد المحابر، أو أبدى في أصول الدّين نظرا تعلّق منه «أبو الحسن الأشعريّ» بأوفى زمام، وسدّ باب الكلام على المعتزلة حتّى يقول «عمرو بن عبيد» و «واصل بن عطاء» ليتنا لم نفتح بابا في الكلام، أو دقّق النظر في المنطق بهر «الأبهريّ» في مناظرته، وكتب «الكاتبيّ» على نفسه وثيقة بالعجز عن مقاومته، أو ألمّ بالجدل رمى «الأرمويّ» نفسه بين يديه، وجعل «العميديّ» عمدته في آداب البحث عليه، أو بسط في اللغة لسانه اعترف له «ابن سيده» بالسّيادة، وأقرّ بالعجز لديه «الجوهريّ» وجلس «ابن فارس» بين يديه مجلس الاستفادة، أو نحا إلى النّحو والتّصريف أربى فيه على «سيبويه» ، وصرف «الكسائيّ» له عزمه فسار من البعد إليه، أو وضع أنموذجا في علوم البلاغة وقف عنده «الجرجانيّ» ، ولم يتعدّ حدّه «ابن أبي الاصبع» ولم يجاوز وضعه «الرّمانيّ» ، أو روى أشعار العرب أزرى ب «الأصمعيّ» في حفظه، وفاق
стр. 6659
«أبا عبيدة» في كثرة روايته وغزير لفظه، أو تعرّض للعروض والقوافي استحقّها على «الخليل» ، وقال «الأخفش» : عنه أخذت «المتدارك» واعترف «الجوهريّ» بأنه ليس له في هذا الفن مثيل، أو أصّل في الطّبّ أصلا قال «ابن سينا» : هذا هو القانون المعتبر في الأصول، وأقسم «الرازيّ» بمحيي الموتى إن «بقراط» لو سمعه لما صنّف «الفصول» ، أو جنح إلى غيره من العلوم الطبيعية فكأنما طبع عليه، أو جذب له ذلك العلم بزمام فانقاد إليه، أو سلك في علوم الهندسة طريقا لقال «أو قليدس» : هذا هو الخطّ المستقيم، وأعرض «ابن الهيثم» عن حلّ الشكوك وولّى وهو كظيم، وحمد «المؤتمن بن هود» عدم إكمال كتابه «الاستكمال» وقال: عرفت قدر نفسي: وفوق كلّ ذي علم عليم، أو عرّج على علوم الهيئة لا عترف «أبو الرّيحان البيرونيّ» أنه الأعجوبة النادرة، وقال «ابن أفلح» : هذا العالم قطب هذه الدائرة، أو صرف إلى علم الحساب نظره لقال «السّموأل بن يحيى» : لقد أحيا هذا الفنّ الدّارس، ونادى «ابن مجلي الموصليّ» : قد انجلت عن هذا العلم غياهبه حتى لم يبق فيه عمه لعامه ولا غمّة على ممارس.
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل!
وكيف لا تلقي إليه العلوم مقاليدها، وتصل به الفضائل أسانيدها، وهو ابن شيخ الإسلام وإمامه، وواحد الدّهر وعلّامه، وجامع العلوم المنفرد، ومن حقّق وجوده في أواخر الأعصار أنّ الزّمان لا يخلو من مجتهد، ومن لم يزل موضوع الأوضاع المعتبرة عليه محمولا، ومن كان على رأس المائة الثّامنة مضاهيا لعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى؛ فالخناصر عليه وعلى ولده تعقد، ولا غرو إن قام منشدهما فأنشد:
إن المائة الأولى على رأسها أتى ... لها عمر الثّاني لذا الدّين صائنه
ووالى رجال بعد ذاك كمثله ... فها عمر وافى على رأس ثامنه
стр. 6660
يظاهره نجل سعيد غدت به ... معاقل علم في ذرا الحقّ آمنه
إذا شيخ إسلام أضاء سراجه ... رأيت جلالا من سنا الفضل قارنه!
فلا يعدم الإسلام جمع علاهما ... ولن يبرحا للدّين دأبا ميامنه!
فقال «علم الأخلاق» : أصبت سواء الثّغرة وجئت بالرّأي الأكمل، وعرفت من أين تؤكل الكتف فطبّقت المفصل بالمفصل؛ إلا أنّ من محاسن الأخلاق، ومعالم الإرفاق، أن تعودوا بفضلكم، وترجعوا بمعروفكم وبرّكم، إلى من جرى بكم في التّفاخر مجرى الإنصاف، وبسط لسان كلمه بما اشتمل عليه كلّ منكم من جميل الأوصاف؛ ثم كان من شأنه أن وصل بالاتّفاق والالتئام حبلكم، وجمع بالمحلّ الكريم بعد التباعد شملكم، وذكركم بحسن المصافاة أصل الوداد القديم، وتلا بلسان الألفة فيكم: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
«١» ، بأن ينتصب كلّ منكم له شفيعا إلى هذا السّيّد الجليل، ويكون له وسيلة إلى هذا الإمام الحفيل، أن يصرف إليه وجه العناية، وينظر إليه بعين الإقبال والرّعاية، ليعزّ في الناس جانبه، ويطلع في أفق السّعد بعد الأفول غاربه، ويبلغ من منتهى أمله ما له جهد، ويسعد بالنّظر السعيد جدّه فقد قيل: «من وقع عليه نظر السّعيد سعد» .
على أنه- أمتع الله الإسلام ببقائه وبقاء والده، وجمع بينهما في دار الكرامة كما جمع لهما بين طارف المجد وتالده- قد فتح له من التّرقّي أوّل باب، ولا شكّ أنّ نظرة منه إليه بعد ذلك ترقّيه إلى السّحاب.
فأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب!
فقال «علم التاريخ» : اهبطوا مصرا فإنّ لكم ما سألتم، وقرّوا عينا فإلى القصد الجليل وصلتم، وعلى غاية الأمل- ولله الحمد- حصلتم؛ فقد بلوت الأوائل والأواخر، وخبرت حال المتقدّم والمعاصر، فلم أر فيمن مضى
стр. 6661
وغبر، وشاع ذكره واشتهر، من ذوي المراتب العليّة، والمناصب السّنيّة، من يساوي هذا السّيّد الجليل فضلا! أو يدانيه في المعروف قولا وفعلا؛ قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه، ولا يتطلّع الزمان إلى نزعه، وانتهى إليه المجد فوقف، وعرف الكرم مكانه فانحاز إليه وعطف، وحلّت الرّآسة بفنائه فاستغنت به عن السّوى، وأناخت السّيادة بأفنائه فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى، فقصرت عنه خطا من يجاريه، وضاق عنه باع من يناويه، واجتمعت الألسن على تقريضه فمدح بكلّ لسان، وتوافقت القلوب على حبّه فكان له بكلّ قلب مكان:
ولم يخل من إحسانه لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريظه بطن دفتر!
فهو الحريّ بأن يكتب بأقلام الذّهب جميل مناقبه، وأن يرقم على صفحات الأيام حميد مطالبه؛ فلا يذهب على ممرّ الزمان ذكرها، ولا يزول على توالي الدّهور فخرها.
ولما تمّ للعلوم هذا الاجتماع الذي قارن السّعد جلاله، وتفجّرت ينابيع الفضل خلاله، أقبلوا بوجوههم على الشّعر معاتبين، وبما يلزمه من تقريض هذا الحبر ومدحه مطالبين، وقالوا: قد أتى النّثر من مدحه بقدر طاقته، وإن لم يوف بجليل قدره ورفيع مكانته، فلا بدّ من أن تختم هذه الرسالة بأبيات بالمقام لائقة، ولما نحن فيه من القضيّة الواقعة مطابقة، قائمة من مدحه بالواجب، سالكة من ذلك أحسن المسالك وأجمل المذاهب، لتكمل هذه الرسالة نظما ونثرا، وتفتنّ في صناعة الأدب خطابة وشعرا، فقال: سمعا وطاعة، واستكانة وضراعة؛ ثم لم يلبث أن قام عجلا، وأنشد مرتجلا:
بشراكم معاشر العلوم أن ... جمعتم بصدر حبر كامل!
فنونه لم تجتمع لعالم ... وفضله لم يكتمل لفاضل!
يشفي الصّدور إن غدا مناظرا ... وبحثه فزينة المحافل!
كم عمّرت دروسه من دارس ... وزيّنت بحليها من عاطل!
стр. 6662
وو أوضحت أقواله من مشكل ... لمّا أتى بأوضح الدّلائل!
وكم غدت آراؤه حميدة ... ونبّهت بجدّها من خامل.
وحكمه فكم أقال عثرة ... وجوده ففوق قصد الآمل!
هذا: وقد فاق الورى رآسة ... محفوفة بألطف الشّمائل!
من ذا يروم أن ينال شأوه؟ ... أنّى له بأمثل الأماثل؟
مولى علا فوق السّماك رتبة ... قد زيّنت بأفضل الفواضل!
فما له في فضله من مشبه، ... وما لبحر جوده من ساحل!
حاشى لراج فضله أن ينثني ... صفر اليدين أو ممنّى الآجل!
قلت ولم أرمن تعرّض للمفاخرة بين العلوم سوى القاضي الرّشيد أبي الحسين بن الزبير في مقالته المقدّم ذكرها «١» ؛ على أنّها لم تكن جارية على هذا النّمط، ولا مرتّبة على هذا التّرتيب، مع الاقتصار فيها على علوم قليلة، أشار إلى المفاضلة بينها على ما تقدّم ذكره. ولكنّ الله تعالى قد هدى بفضله إلى وجوه التّرجيح التي يرجح بها كلّ علم على خصمه، ويفلج به على غيره؛ والمنصف يعرف لذلك حقّه. والذي أعانني على ذلك جلالة قدر من صنّفت له وعلوّ رتبته، واتساع فضله، وكثرة علومه، وتعداد فنونه، إذ صفات الممدوح تهدي المادح وترشده.
ومنها المفاخرة بين السّيف والقلم؛ وقد أكثر الناس منها: فمن عال وهابط، وصاعد وساقط.
وهذه رسالة في المفاخرة بين السّيف والقلم، أنشأتها للمقرّ الزّيني أبي يزيد «٢» الدّوادار الظّاهريّ، في شهور سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وسمّيتها:
«حلية الفضل وزينة الكرم، في المفاخرة بين السّيف والقلم» ؛ وهي:
стр. 6663
الحمد لله الذي أعزّ السّيف وشرّف القلم، وأفردهما برتب العلياء فقرن لهما بين المجد والكرم، وساوى بينهما في القسمة فهذا للحكم وهذا للحكم.
أحمده على أن جمع بخير أمير بعد التّفرّق شملهما، ووصل بأعزّ مليك بعد التّقاطع حبلهما، وأرغب إليه بشكر يكاثر النجوم في عديدها، ويكون للنّعمة على ممرّ الزّمان أبا يزيدها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يأتمّ الإخلاص بمذهبها، ولا ينجو من سيفها إلا من أجاب داعيها وأقرّبها، وأن محمدا عبده ورسوله الذي خصّ بأشرف المناقب وأفضل المآثر، واستأثر بالسؤدد في الدّارين فحاز أفخر المعالي ونال أعلى المفاخر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قامت بنصرتهم دولة الإسلام فسمت بهم على سائر الدّول، وكرعت في دماء الكفر سيوفهم فعادت بخلوق النّصر لا بحمرة الخجل، صلاة ينقضي دون انقضائها تعاقب الأيام، وتكلّ ألسنة الأقلام عن وصفها ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام.
وبعد، فإنّه ما تقارب اثنان في الرّتبة إلا تحاسدا، ولا اجتمعا في مقام رفعة إلا ازدحما على المجد وتواردا، ورام كلّ منهما أن يكون هو الفائز بالقدح المعلّى، وأن يكون مفرقه هو المتوّج وجيده هو المحلّى، وادّعى كلّ منهما أن جواده هو السابق في حلبة السّباق، والفائز بقصب السّبق بالاتّفاق، وأن نجمه هو الطالع الذي لا يأفل، وسؤدده هو الحاكم الذي لا يعزل، وأن المسك دون عبيره، والبحر لا يجيء نقطة في غديره، والدّرّ لا يصلح له صدفا، ونفيس الجوهر لا يعادله شرفا، وأن منابر المعالي موقوفة على قدمه، ومجامر المفاخر فائحة بنشر كرمه.
ولمّا كان السّيف والقلم قد تدانيا في المجد وتقاربا، وأخذا بطرفي الشّرف وتجاذبا؛ إذ كانا قطبين تدور عليهما دوائر الكمال، وسعدين يجتمعان في دائرة الاعتدال، ونجمين يهديان إلى المعالي، ومصباحين
стр. 6664
يستضاء بهما في حنادس اللّيالي، وقاعدتين تبنى الدّول على أركانهما، وشجرتين يجتنى العزّ من أغصانهما؛ جرّ كلّ منهما ثوب الخيلاء فخرا فمشى وتبختر، وأسبل رداء العجب تيها فما تخبّل ولا تعثّر، واتسع له المجال في الدّعوى فجال، وطاوعته يد المقال فقال وطال، وتطرّقت إليهما عقارب الشّحناء ودبّت، وتوقّدت بينهما نار المنافسة وشبّت، وأظهر كلّ منهما ما كان يخفيه فكتب وأملى، وباح بما يكنّه صدره والمؤمن لا يكون حبلى؛ وبدأ القلم فتكلم، ومضى في الكلام بصدق عزم فما توقف ولا تلعثم، فقال:
باسم الله تعالى أستفتح، وبحمده أتيمّن وأستنجح؛ إذ من شأني الكتابة، ومن فنّي الخطابة؛ وكلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أجذم، وكلّ كلام لا يفتتح بحمده فأساسه غير محكم ورداؤه غير معلم؛ والعاقل من أتى الأمر من فصّه، وأخذ الحديث بنصّه؛ والحقّ أحقّ أن يتّبع، والباطل أجدر أن يترك فلا يصغى إليه ولا يستمع؛ إني لأوّل مخلوق بالنّص الثابت والحجّة القاطعة، والمستحقّ لفضل السّبق من غير منازعة؛ أقسم الله تعالى بي في كتابه، وشرّفني بالذّكر في كلامه لرسوله وخطابه، فقال جلّ من قائل: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
»
، وقال جلّت قدرته: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
«٢» ، فكان لي من الفضل وافر القسمة، وخصصت بكمال المعرفة فجمعت شوارد العلوم وكنت قيّم الحكمة.
فقال السّيف: بسم الله والله أكبر: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
«٣» .
لكلّ باغ مصرع، وللصّائل بالعدوان مهلك لا ينجو منه ولا ينجع؛ وفاتح باب
стр. 6665
الشّرّ يغلق به، وقادح زند الحرب يحرق بلهبه؛ أقول بموجب استدلالك، وأوجب الاعتراض عليك في مقالك:
نعم أقسم الله تعالى بالقلم ولست بذلك، وكان أوّل مخلوق ولست المعنيّ بما هنالك؛ إنّ ذلك لمعنى يكلّ فهمك عن إدراكه، ويضلّ نجمك أن يسري في أفلاكه؛ وأنت وإن ذكرت في التنزيل، وتمسكت من الامتنان بك في قوله: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
بشبهة التّفضيل؛ فقد حرّم الله تعالى تعلّم خطّك على رسوله، وحرمك من مسّ أنامله الشريفة ما يؤسى على فوته ويسرّ بحصوله؛ لكنّي قد نلت في هذه الرتبة أسنى المقاصد، فشهدت معه من الوقائع ما لم تشاهد، وحلّاني من كفه شرفا لا يزول حليه أبدا، وقمت بنصره في كلّ معترك: وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا!!!؛ ذكر الله تعالى في القرآن الكريم جنسي الذي أنا نوعه الأكبر، ونبّه على ما فيه من المنافع التي هي من نفعك أعمّ وأشهر، وما اجتمع فيه من عظيمي الشّدّة والباس، فقال تقدّست عظمته: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
«١» . على أنك لو اعتبرت جنسي القصب والحديد، وعرفت الكليل منهما والجليد، لتحققت تسلط الحديد عليك قطّا وبريا، وتحكّمه فيك أمرا ونهيا.
فقال القلم: فررت من الشريعة وعدلها، وعوّلت على الطبيعة وجهلها، فافتخرت بحيفك وعدوانك، واعتمدت في الفضل على تعدّيك وطغيانك، فملت إلى الظّلم الذي هو إليك أقرب، وغلب عليك طبعك في الجور:
و «الطّبع أغلب» ؛ فلا فتنة إلا وأنت أساسها، ولا غارة إلا وأنت رأسها، ولا شرّ إلا وأنت فاتح بابه، ولا حرب إلا وأنت واصل أسبابه؛ تؤكّد مواقع الجفاء، وتكدّر أوقات الصّفاء، وتؤثّر القساوة، وتؤثر العدواة؛ أما أنا فالحقّ مذهبي، والصّدق مركبي، والعدل شيمتي، وحلية الفضل زينتي؛ إن حكمت أقسطت، وإن استحفظت حفظت وما فرّطت؛ لا أفشي سرّا يريد صاحبه
стр. 6666
كتمه، ولا أكتم علما يبتغي متعلّمه علمه؛ مع عموم الحاجة إليّ، والافتقار إلى علمي والاكتساب مما لديّ؛ أدير في القرطاس كاسات خمري فأزري بالمزامير وأهزأ بالمزاهر، وأنفث فيه سحر بياني فألعب بالألباب وأستجلب الخواطر، وأنفذ جيوش سطوري على بعد فأهزم العساكر:
فلكم يفلّ الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلّت من الأغماد!
فقال السّيف: أطلت الغيبة، وجئت بالخيبة، وسكتّ ألفا، ونطقت خلفا.
السّيف أصدق أنباء «١» من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
إنّ نجادي لحلية للعواتق، ومصاحبتي آمنة من البوائق؛ ما تقلّدني عاتق إلا بات عزيزا، ولا توسّدني ساعد إلا كنت له حرزا حريزا؛ أمري المطاع وقولي المستمع، ورأيي المصوّب وحكمي المتّبع؛ لم أزل للنّصر مفتاحا، وللظلام مصباحا، وللعزّ قائدا، وللعداة ذائدا؛ فأنّى لك بمساجلتي، ومقاومتي في الفخر ومنافرتي؟؛ مع عري [جسمك] «٢» ونحافة بدنك، وإسراع تلافك وقصر زمنك، وبخس أثمانك على بعد وطنك، وما أنت عليه من جري دمعك، وضيق ذرعك، وتفرّق جمعك، وقصر باعك، وقلّة أتباعك.
فقال القلم: مهلا أيّها المساجل، وعلى رسلك أيها المغالب والمناضل؛ لقد أفحشت مقالا، ونمّقت محالا، فغادرتك سبل الإصابة، وخرجت عن جادّة الإنابة، وسؤت سمعا فأسأت جابة «٣» ؛ إنّي لمبارك الطّلعة
стр. 6667
وسيمها، شريف النّفس كريمها، آخذ بالفضائل من جميع جهاتها، مستوف للممادح بسائر صفاتها؛ فطائري ميمون، وغولي مأمون، وعطائي غير ممنون؛ أصل وتقطع، وأعطي وتمنع، وتفرّق وأجمع؛ وإنّ ازدراءك بي من الكبر المنهيّ عنه، وغضّك عنّي من العجب المستعاذ منه؛ ومن حقّر شيئا قتله، ومن استهان بفاضل فضله؛ وإنّي وإن صغر جرمي فإني لكبير الفعال، وإن نحف بدني فإني لشديد البأس عند النّزال؛ وإن عري جسمي فكم كسوت عاريا، وإن جرى دمعي فكم أرويت ظاميا، وإن ضاق ذرعي فإني بسعة المجال مشهور، وإن قصر باعي فكم أطلقت أسيرا وأنا في سجن الدّواة مأسور؛ إذا امتطيت طرسي، وتدرّعت نقسي، وتقلدت خمسي، وجاشت على الأعداء نفسي:-
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنّى وسمينا خطبه وهو ناحل!
أنسيت إذ أنت في المعدن تراب تداس بالأقدام؟ وتنسفك الرّياح وتزري بك الأيام؟ ثم صرت إلى القين «١» تقعد لك السّنادين بالمراصد، وتدمغك المقامع وتسطو بك المبارد؛ ثم لولا صقالك لأذهبك الجرب وأكلك الصّدى، مع قلّة صبرك على المطر والنّدى.
فقال السّيف: إنّا لله! لقد استأسدت الثّعالب، واستنسرت البغاث فعدّ العصفور نفسه من طير الواجب «٢» ، وجاء الغراب إلى البازيّ يهدّده، ورجع ابن آوى على الأسد يشرّده؛ فلو عرفت قدر نفسك، ولزمت في السّكينة طريق أبناء جنسك، ووقفت عند ما حدّ لك، وذكرت عجزك وكسلك، لكان أجدر بك، وأحمد لعاقبتك، وأليق بأدبك.
إن الملوك لتعدّني لمهمّاتها، وتستنجد بي في ملمّاتها، وتتعالى في
стр. 6668
نسبي، وتتغالى في حسبي، وتتنافس في قنيتي وتتحاسد، وتجعلني عرضة لأيمانها فتتعاقد بالحلف عليّ وتتعاهد، وتدّخرني في خزائنها ادّخار الأعلاق، وتعدّني أنفس ذخائرها على الإطلاق، فتكلّلني الجواهر، وتحلّيني العقود فأظهر في أحسن المظاهر؛ أبرز للشّجعان خدّي الأسيل فأنسيهم الخدود ذوات السّوالف، وأزهو بقدّي فأسلبهم هيف القدود مع لين المعاطف، وأوهم الظّمآن من قرب أن بأنهاري ماء يسيل، وأخيّل للمقرور من بعد أنّي جذوة نار فيطلبني على المدى الطّويل؛ ويخالني متوقّع الغيث برقا لامعا، ويظنّني الجائز في الشّرق نجما طالعا؛ فالشّمس من شعاعي في خجل، واللّيل من ضوئي في وجل، وما أسرعت في طلب ثار إلا قيل: «فات ما ذبح» و «سبق السّيف العذل» .
فقال القلم: برّق لمن لا عرفك، وروّج على غير الجوهريّ صدفك؛ فما أنت من بزّي ولا عطري، ولست بمساو حدّك القاطع بقلامة ظفري؛ إنّ برقك لخلّب، وإن ريحك لأزيب «١» ، وإن ماءك لجامد، وإن نارك لخامد؛ ومن ادّعى ما ليس له فقد باء بالفجور، ومن تشبّع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور.
ومن قال: إنّ النّجم أكبرها السّهى ... بغير دليل كذّبته ذكاء «٢» !
أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، وكريمها المبجّل وعالمها المهذّب؛ يختلف حالي في الأفعال السّنية باختلاف الأعراض، وأمشي مع المقاصد الشريفة بحسب الأغراض، وأتزيّا بكلّ زيّ جميل، فأنزل في كلّ حيّ وأسير في كلّ قبيل؛ فتارة أرى إماما عالما، وتارة لدرّ الكلام ناثرا وأخرى
стр. 6669
لعقود الشّعر ناظما، وطورا تلفيني جوادا سابقا، ومرّة تجدني رمحا طاعنا وسهما راشقا، وآونة تخالني نجما مشرقا، وحينا تحسبني أفعوانا مطرقا؛ قد فقت الشّبّابة في الطّرب، وبرّزت عليها في كلّ معنى وإن جمع بيننا جنس القصب؛ فكانت للأغاني، وكنت للمعاني، وجاءت بغريب النّغم، وجئت ببديع الحكم، ولعبت بالأسماع طربا، وولعت بالألباب فاتّخذت لدهرها مما عراها عجبا.
فقال السّيف: ذكّرتني الطّعن وكنت ناسيا، وطلبت التّكثّر فازددت قلّة وعدت خاسيا، فكنت كطالب الصّيد في عرّيسة «١» الأسد إن لقيه أهلكه، وخالفت النّصّ فألقيت بيديك إلى التّهلكة؛ فاقنع من الغنيمة بالإياب، وعدّ الهزيمة مع السّلامة من أربح الأكساب؛ فلست ممن يشقّ غباري، ولا يقابل في الهيجاء ضرمي ولا يصطلي بناري؛ فكم من بطل أبطلت حراكه، وكم من شجاع عجلت هلاكه، وكم صنديد أرقت دمه، وكم ثابت الجأش زلزلت قدمه.
وأراد القلم أن يأخذ في الكلام، ويرجع إلى الجدال والخصام، فغلب عليه رقّة طبعه وحسن موارده، وسلاسة قياده وجميل مقاصده، فمال إلى الصّلح وجنح إلى السّلم، وأعرض عن الجهل وتمسّك بالحلم، وأقبل على السّيف بقلب صاف، ولسان رطب غير جاف، فقال: قد طالت بيننا المجادلة، وكثرت المراجعة والمقاولة، مع ما بيننا من قرابة الشّرف، وأخذ كلّ منّا من الفضل بطرف؛ فنحن في الكرم شقيقان، وفي المجد رفيقان؛ لا يستقلّ أحدنا بنفسه، ولا يأنس بغير صاحبه وإن كان من غير جنسه؛ وقد حلبت الدّهر أشطره، وعلمت أصفاه وأكدره، وقلّبته ظهرا وبطنا، وجبت فيافيه سهلا وحزنا؛ وإنّ معاداة الرّفيق، ومباينة الشّقيق، توجب شماتة العدوّ وتغمّ الصديق؛ فهل لك أن تعقد للصلح عقدا لا يتعدّى حدّه، ولا يحلّ على طول
стр. 6670
الزّمان عقده؟ لنكون أبدا متآلفين، وعلى السّرّاء والضّرّاء متصاحبين، حتى لا يضرب بنديمي جذيمة «١» مع اصطحابنا مثل، ولا يتشبّه بنا الفرقدان إلا باءا بالخطل.
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب «٢»
فقال السّيف: لقد رأيت صوابا، ورفعت عن وجه المحجّة نقابا، وسريت أحسن مسرى وسرت أجمل سير، وصحبك التّوفيق فأشرت بالصّلح:
والصّلح خير.
وقد يجمع الله الشّتيتين بعدما ... يظنّان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا!
ثم قالا: لا بدّ من حكم يكون الصّلح على يديه، وحاكم نرجع في ذلك إليه، لنحظى بزيادة الشّرف، ونظفر من كمال الرّفعة بغرف من فوقها غرف؛ ولسنا بفائزين بطلبتنا، وظافرين ببغيتنا، إلا لدى السّيّد الأكمل، والمالك الأفضل، الماجد السّريّ، والبطل الكميّ، والبحر الخضمّ، والغيث الأعمّ، مولى المعالي ومولي النّعم، وممتطي جواد العزّ ورافع أعلام الكرم، جامع أشتات الفضائل ومالك زمامها، وضابط أمر الدّولة الظاهرية وحافظ نظامها، المقرّ الكريم، العاليّ، المولويّ، الزّينيّ، أبي يزيد الدّوادار الظّاهريّ: ضاعف الله تعالى حسناته المتكاثرة، وزاده رفعة في الدّارين ليجمع له الارتقاء بين منازل الدّنيا والآخرة؛ فهو قطب المملكة الذي عليه تدور، وفارسها الأروع وأسدها الهصور، وبطلها السّميدع وليثها
стр. 6671
الشهير، وأبو عذرتها حقّا من غير نكر وابن بجدتها السّاقطة منه على الخبير، ومعقلها الأمنع وحرزها الحصين، وعقدها الأنفس وجوهرها الثّمين، وتلادها العليم بأحوالها، والجدير بمعرفة أقوالها وأفعالها، وترجمانها المتكلّم بلسانها، وعالمها المتفنّن في أفنانها، وطبيبها العارف بطبّها، ومنجدها الكاشف لكربها.
هذا: وإنّه لمالك أمرنا، ورافع قدرنا، والصّائل منا بالحدّين، والجامع منا بين الضّدّين؛ فلو لقيه «فارس عبس» لولّى عابسا، أو طرق حمى «كليب» لبات من حماه آيسا، أو قارعه «ربيعة بن مكدّم» «١» لعلا بالسّيف مفرقه، أو نازله «بسطام» «٢» لبدّد جمعه وفرّقه؛ كما أنه لو قرن خطّه بنفيس الجوهر لعلاه قيمة، أو قاسمه «ابن مقلة» في الكتابة لما رضي أن يكون قسيمه، أو فاخره «ابن هلال» لرأى انه سبقه إلى كلّ كريمة.
وبالجملة فعزّه الظاهر وفضله الأكمل، وسماكه الرّامح وسماك غيره الأعزل؛ فلا يسمح الزمان أن يأتي له بنظير، ولا أراد مدّع بلوغ شأوه إلا قيل: اتّئد فلقد حاولت الانتهاض بجناح كسير:
فحيّهلا بالمكرمات وبالعلى ... وحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض
فالحمد لله الذي جمعنا بأكرم محلّ وأفضل، وأحسن مقام وأجمل؛ فهلمّ إليه يعقد بيننا عقد الصّلح، ونبايعه على ملازمة الخدمة والنّصح.
ثم لم يلبثا أن كتبا بينهما كتابا بالصّلح والمصافاة، وتعاهدا على الودّ والموافاة، وأعلن بعقد الصّلح مناديهما، وحدا بذكر التّعاضد والتّناصر حاديهما، وراح ينشد:
стр. 6672
حسم الصّلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسّاد!
وزالت عنهما الأحقاد والإحن، وباتا في أعزّ مكان وأشرف وطن، وثلّث قرانهما فأسعد، ثم قام منشدهما فأنشد:
لا ينكر الصّلح بين السّيف والقلم ... فعاقد الصّلح عالي القدر والهمم!
أبو يزيد نظام الملك مالكنا ... وواصل العلم في علياه بالعلم.
فهو المراد بما أبديه من مدح ... وغاية القصد من ترتيب ذا الكلم!
وإن جرى مدح سيف أو علا قلم، ... فذاك وصف لما قد حاز من كرم!
قلت: وسبب إنشائي لهذه الرسالة أن الأمير أبا يزيد الموضوعة له، تغمّده الله تعالى بالرحمة والرضوان، كان من جودة الخطّ وتحرير قواعده في الطّبقة العليا، وعظمت مكانته عند سلطانه الملك الظاهر «برقوق» وعلت رتبته حتى ولّاه وظيفة الدّواداريّة بإمرة تقدمة ألف، ولم يزل مقدّما عنده حتى مات هو متولّيها، وأولاني عند عملها له من الصّلة والبرّ المتوالي ما يقصر عنه الوصف، ويكلّ عنه اللّسان.
الصّنف الرابع
الصّنف الخامس «١» (من الرسائل- الأسئلة والأجوبة؛ وهي على ضربين)
الضرب الأوّل «٢» (الأسئلة الامتحانيّة)
قد جرت عادة مشايخ الأدب وفضلاء الكتّاب أنهم يكتبون إلى الأفاضل بالمسائل يسألون عنها: إمّا على سبيل الاستفهام واستماحة ما عند المكتوب إليه في ذلك، وأمّا على سبيل الامتحان والتّعجيز. ثم تارة يجاب
стр. 6673
عن تلك الأسئلة بأجوبة فتكتب، وتارة لا يجاب عنها، بحسب ما تقتضيه الحال.
وهذه رسالة كتبها الشيخ جمال الدين بن نباتة المصريّ إلى الشيخ شهاب الدّين محمود الحلبيّ صاحب ديوان الإنشاء بالمملكة الشّامية، وقد بلغه أن بعض أهل الديوان نال منه، وأن الشيخ شهاب الدّين المذكور ناضل عنه ودافع، فكتب إليه يشكره على ذلك ويسأل كتّاب الدّيوان عن أسئلة بعضها يرجع إلى صنعة الإنشاء، وأكثرها يرجع إلى فنّ التّاريخ. وقد بيّنت بعضها ونبهت عليه في مواضعه في خلال هذا الكتاب، وهي:
لا يخرج الكره منّي غير نائبة «١» ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني!
الاستفتاح ب «لا» تيمّن ببركة الشّهادة، وهي ههنا مقراض يقطع من العيب المدّة ويحسم المادّة؛ فحسم الله عن سيدنا الإمام العلّامة القدوة، شهاب الدّين، مكمّل الآداب، وملك الشّعراء والكتّاب، شرّ كلّ عين حاسد ولو أنها عين الشّمس، وحماه عن مدّ ألسنة ذوي الاغتياب والارتياب من الهمج والهمس، وهيّأ له أسباب الخير حتى يكون يومه فيه مقصّرا عن الغد زائدا على الأمس، واستخدم له الأقدار حتّى تكون فرائض تقبيل أنامله العشر عندهم كفرائض الخمس، وجعل ما يردّ عنه العين من العيب- بعد شأنه عن المتناول- وقاية عن اللّمس، حتّى يكون المعنيّ بقول القائل:
стр. 6674
ولا عيب فيه غير أنّ علاءه «١» ... إذا حدّدوه كان قد جاوز الحدّا
ولا عيب أيضا في مآثر بيته ... سوى أنّها تروى بألسنة الأعدا!
وحتّى يؤمّن عليه القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقّيه من العين!
ويقبل من الآخر قوله:
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شرّ أعينهم بعيب واحد!
العبد يخدم بسلام ما روضة نقّطها الجوّ بدرّ سحائبه، وأفرغ عليها الأفق سفط كواكبه، وامتدّ نوء الذّراع لتدبيج سمائها، وتأريج أرجائها، وتخميش معاصم أنهارها المنشقّة بأفنائها، وصقال نسماتها السّحرية، ومغازلة عيونها السّحريّة، وهوان الغالية «٢» بنفحاتها الشّجريّة، تصرف دنانير أزهارها الصّروف، ويسلّ جدولها على الهموم السّيوف، وتجذب حمائمها القلوب بالأطواق، ويتشفّع دوحها إلى النواظر بالأوراق؛ قد ترقرق في وجناتها ماء الشّباب، وغنّى مطرب حمامها وعنتره «٣» في حك من الذّباب، وبحرها رونق السّيف وفي قلب روضته الذّباب.
فما كلّ أرض مثل أرض هي الحمى ... وما كلّ نبت مثل نبت هو البان!
يوما بأبهج منه أشواقا، وأطيب منه انتشاقا واتّساقا؛ والطّيّبون للطيبات، ولكلّ غيث نبات، وما لذلك الغيث إلا هذا النّبات.
ونعود فنقول: لا أدري أأتعجّب:
стр. 6675
على أنّها الأيّام قد صرن كلّها ... عجائب حتّى ليس فيها عجائب!!
من قوم هم ما هم: شرب مناسب، وطيب مكاسب، قد أمكنتهم المعالي، وطاوعتهم الأيام واللّيالي، وخدمتهم جواري السّعود، وتطامنت لكلّ منهم مراقي الصّعود؛ كابر بسكون الجأش منحدر «١» (؟) وكنت قد استجديت كلّا منهم ولكن بالكلام، واستسقيت ولكن قطرة من غمام الأقلام:
وأيسر ما يعطي الصّديق صديقه ... من الهيّن الموجود أن يتكلّما!
«وليسعد النّطق إن لم يسعد الحال» فضنّ وظنّ ما ظنّ، واستعطف بنسيم الكلام غصن يراعه فما عطف ولا حنّ؛ وبخل بما رزقه الله فإنّ الفضيلة من الرّزق، وحرمني لذّة ألفاظه فإنها التي إذا أدخلت في رقّ دخل حرّ البلاغة تحت ذلك الرّق؛ وهل هو البحر فكيف شحّ بمدّة من مدّه، والغيث ولا أقول: إن الذي حبسه إلا ما قسمه الله تعالى من الحظّ عند عبده:
وإذا الزّمان جفاك وهو أبو الورى ... طرّا فلا تعتب على أولاده!
فأعلى الله كلمة سيدنا العلّامة في الدّارين، وشكر غنيّ جود كرمه وكلمه الدّارّين؛ [فهو] صاحب ديوانهم، وحجّة زمانهم؛ فلقد وصفني بما يزيد على الجواب، وشافهني من الشّكر بما لا يتوارى من الرّزق بحجاب، وأمّنني العزّ والزمان حرب، ونصرني والأيام سيوف تتنوّع من الضّرب في كلّ ضرب، وأعطاني كرمه والمحلّ محل، وفي قلب الزّمان ذحل «٢» ، ونحلني شهدة إحسانه والأوقات كإبر النّحل، حتى عذرني في حبّه من كان من اللائمين، واهتديت من لفظه وفضله بقمرين لا يميل أحدهما ولا يمين، وصلت من جاهه وماله بيدين إلا أن كلتيهما في الإعراض يمين:
ويلومني في حبّ علوة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها!
стр. 6676
وحرس الله سيّدنا شهاب زمانهم، كما حرس به سماء ديوانهم؛ فلقد أسمعنى من الشّكر ما أربى على الأرب، وجعلني كحاجب «١» حين دخل على كسرى وهو واحد من العرب خرج وهو سيّد العرب، وهدتني أنواره وأنا أخبط من ليل القريحة في عشواء، وجادت عليّ أنواؤه وناهيك بتلك الأنوار من الأنواء، ورفعتني ألفاظه ولكن على السّماك برغم حسودي العوّاء؛ وهذه قصائده فيّ تتدارسها ألسنة الأقلام، وتكتب بأنقاس اللّيالي على صفحات الأيّام؛ من كلّ بيت هو بيت مال لا ينقصه الإنفاق، ولولا التّقى لقلت: إنّه البيت الذي أمر الله تعالى بحجّه الرّفاق من الآفاق؛ فمتى أتفرّغ لطلب مدحه، وقد شغلني بمنحه؟ ومتى أجاريه بامتداح وإنما مدحي له من فوائد مدحه:
وما هو إلّا من نداه وإنّما ... معاليه تمليني الذي أنا كاتبه!
أم أتعجّب ممن ثنيت عنان الثّناء إليه، وجلوت عرائس المدائح عليه، وعاديت في تنضيد أو صافه الكرى، وأنضيت بالقلم له في نهار الطّرس وليل النّقس من السّير والسّرى، ومدحته بملء فيّ واجتهدت في وصفه وكان سواء علىّ أن أجهدت، في وصفه أو اجتهدت، فجازاني مجازاة السّنمّار «٢» ، وأوقعني من عنت عتبه في النّار، وجعل محاسني التي أدلي بها ذنوبا فكيف يكون الاعتذار؟:
وكان كذئب السّوء إذ قال مرّة ... لعمروسة «٣» والذّئب غرثان مرمل:
стр. 6677
أأنت التي من غير سوء شتمتنى؟ ... فقالت: متى ذا؟ قال: ذا عام أوّل
فقالت: ولدت الآن بل رمت غدرة ... فدونك كلني لا هنالك مأكل!
وحلّ هذا المترجم، وتحقيق هذا الظّنّ المرجّم، أنه بلغني أن جماعة من الذين استفتيتهم استنباطا لفوائدهم، والتقاطا لفرائدهم، لا تكليفا لهم فيما لا يقوم به إلّا الأقوى من الأقوام، ولا يستنجد به في هذا الوقت إلا بأرباب صفحات السّيوف لا أرباب قصبات الأقلام، أرادوا الغضّ منّي، ونفي الإحسان عنّي؛ وهيهات!
أنا أبو النّجم وشعري شعري
هأنا وبضاعتي، وهذه يدي لا أنّي ألقيت بها إلى السّلم ولكن لأعرض صناعتي:
هو الحمى ومغانيه مغانيه
وإنهم اجتمعوا بالميدان على حديثي، وذكروا قديمي وحديثي، وتسابقوا في الغيبة أفراس رهان، وأعجب كلّا منهم أن يقول: هذه الشّقراء في يدي وهذا الميدان؛ ولاموا وعذلوا، وهمّوا بالسّبّ وفعلوا، واستطابوا لحم أخيهم فسلقوه بألسنة حداد وأكلوا، حتى تعدّى ذلك إلى من جاد عليّ بالجواب، وفعله إمّا جزاء للمدح وإمّا للثّواب:
فقلت لها عيثي جعار «١» وجرّري ... بلحم امريء لم يشهد اليوم ناصره!
وما كان المليح أن يغري بي من سبق مدحه إليّ، ومن انتصر بعزّه لنفسه فما انتصر لديّ «وهذا لعمري جهد من لاله جهد» وما تخلو هذه الأفعال: إمّا
стр. 6678
أن تكون مجازاة على مدحهم، فأين الكرام وفضلهم، والمنصفون وعدلهم؟، أو ظنّا أنّي عرّضت بهم فيمن عرّضت، فأين ذكاء الألبّاء وأين عقلهم؟ وهل تظنّ السّماء أن يدا تصل إليها، والنّجوم أن خلقا تحكم عليها؟
والذّهب محروس لا يصدا جرمه، والجوهر معروف لا يجهل حكمه؛ ومن الذي تحدّثه نفسه أن يجحد الشّمس فضلها الطّائل، أو يحسّن له عقله أن يقول: سحبان وائل كباقل «١» ؟؛ [فقلت] «٢» أدركني ذلك اليوم ولمّا أمزّق، وأنجدني بكلّ لفظة هي أمضى من السّهم وأرشق، وأضوء من النّجم وأشرق؛ وما أعرف كيف صبري على هذا الحرب في صورة السّلم؟ وما أظنّه أراد إلا أن يعلّم قلبي الذي في يده الحكم، كما علمه للقلم؛ وحيث قضى الحديث ما قضى، ومضى الوقت وما كان إلا سيفا في عرض العبد مضى:
فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السّباعا
فأنا أنشد الله تعالى هؤلاء السادة الغائبين، أو القوم العاتبين، هل يعرفون أنّ الذي عرّضت به منهم قوم قد استولى عليهم العيّ بجريضه «٣» ، ونزل فيهم الجهاد بقضّه وقضيضه، وأصبح بابهم لهم كبستان بلا ثمار، وديوانهم على رأي أبي العلاء كديوان أبي مهيار؛ لا يحسن أحدهم في الكتابة غير العمامة المدرّجة، والعذبة المعوّجة، والعباءة الضّيّقة والأثواب المفرّجة، ويتناول السلم باليمين وكتابه إن شاء الله تعالى بالشمال، ومشى هذا على هذا ولكن على الضّلال؛ لو سئل أحدهم عن «البديع» في الكتابة لم يعرف من السؤال غير التّرديد، وعن «عبد الحميد» لزاد في الفكر ونقص:
وعبد الحميد عبد الحميد، و «الصّاحب» لقال: إنه تبرقع بمجلسي، و
стр. 6679
«الخوارزميّ» لقال: سرج فرسي، و «الفاضل» لقال: ها هو ذا ذيل ملبسي. فإن كان الأمر كذلك ففيم الملام والتفنيد:
علّقوا اللّحم للبزاة ... على ذروتي حضن»
ثمّ لاموا البزاة أن ... قطّعت نحوها الرّسن
لو أرادوا صيانتي ... حجبوا وجهك الحسن!
والوجه الحسن ههنا وجه المنصب وحجابه عن شين تلك الآثار، وتخميش تلك الألفاظ.
وإن كان غير ذلك فما مثلي مع من ذكرني إلا قول القائل:
سافر بطرفك حيث شئت فلن ترى إلّا بخيلا! فقيل له: بخّلت الناس، فقال: كذّبوني بواحد. وهأنا فلتكذّبوني بواحد ممّن عرّضت، وصحيح ممّن أمرضت، وليبرز إلى مضجعه، وليكن على يقين من مصرعه؛ ولا يترك شيئا من أدواته، ولا يأتي إلّا ومعه نادبته من حمائم همزاته.
وأنا أقترح عليه من مسائل الكتابة بعض ما اقترحه الفضلاء، ونبّه عليه العلماء؛ وإلّا فما أنا أبو عذرته، ومالك إمرته، ولا يلوم إلّا القائل:
من تحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الإمتحان!
فإنه الذي نبهّني عليه وإن لم أكن ساهيا، وذكّرني الطّعن وما كنت ناسيا، حتى رميته من هذه المسائل، في مجاهل، لا يهتدى فيها بغير الذّهن الواقد، واقتحمت به في بحار لا يعصم منها جبل الفكر الجامد؛ على أنّها فيما أغفلت كالثّمد من البحار، واللّمحة من النّهار، ولولا الاختصار، لأتيت منها بالجمع الجمّ فلنحمد الله والاختصار، فأقول:
стр. 6680
من كتب في الورق واستنبطه؟ ومن ختم الكتاب بالطّين وربطه؟
ومن غيّر طين الكتاب بالنّشا وضبطه؟ ومن قال: أمّا بعد في كتابه؟ ومن جعلها في الخطب وأسقطها في ابتدائه في المكاتبة وجوابه؟، ومن كره الاستشهاد في مكاتبات الملوك بالأشعار؟، وكيف تركها على ما فيها من الاثار، ومن الّذي أراد أن يكتب نثرا فجاء شعرا؟، ومن وضع هذه الطّرّة في التقاليد واخترعها؟، وما حجّته إذ قدّمها على اسم الله ورفعها؟، ومن الّذي باعد بين السّطور ووسّعها؟، وكيف ترك بالتعاظم في كتبه سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم يسعه من التّواضع ما وسعها؟، ومن استغنى بكتابة آية من كتاب الله عن الجواب؟، ومن اكتفى ببيت من الشّعر عما يحتاج من تطويله الكتاب؟، ومن الّذي عانى المترجمات ورتّبها؟ وأخفى ملطّفات الجواسيس وغيّبها؟، ومن الّذي سنّ البرد وبعثها في الملماّت؟، وما أوجز مكاتبة كتب بها عن خليفة في معنى؟، وما أبلغ جواب وأوجزه أجاب به عن خليفة من لا سمّى لا كنّى؟، ولم أرّخ بهجرة النّبي صلّى الله عليه وآله؟ وكيف لم يؤرّخ بمولده أو غير ذلك من الأيام؟، ومن الذي أمره الخليفة بكتابة معنى فارتجّ عليه الكلام ولقّنه في المنام؟، ومن الذي وصف برسالة طويلة شيئا لم يصفه بنثار ولا نظام؟، وكيف جاز للكاتب أن يكتب آية من الكتاب في لفظة يحسبها من لا يحفظ أنّها من عنده لا من حفظه؟، مثل قوله مع الرسول: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
«١» ، وقول الآخر في كتابه: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ
«٢» ، وكثير من هذا؟ وهل يؤخذ عليه في مثل ذلك ما أخذ على الحجّاج في أسماء «٣» المستغيثين به من أهل السّجن:
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«٤» ؟، وما الفرق بينهما؟
стр. 6681
وعلام يطوّل الكاتب باء البسمله؟، ولا يثبت إلا قليلا واو الحسبله؟، ولا يحمدل ولا يبسمل على ما ألف، وكيف يعلّم في بعض السّجعات على الأسماء المقصورة بالياء والأصل فيها الألف؟؛ وأسأله كيف يصف القراطيس والأقلام ويستدعيها؟، والسّكّين والدّواة ويستهديها، وكيف يكتب ملك طلب منه عدوّ قطيعة عن جيشه يعطيها؟، وكيف يكتب عن خليفة استسقى ولم يمطر؟، وخليفة صارع فصرع كالمعتصم وكيف يعذر؟، وما الذي يكتب في نار وقعت في حرم النّبيّ ﷺ ؟ وما الّذي يكتب عن المهزوم إلى من هزمه في معنى ركونه إلى الإحجام؟، وكيف يهنّي خليفة خلع فرجع، وغرّب عن السّجن وطلع؟، وأسره العدوّ ثم تخلص واستقام بعد ما نهضه الدّهر بمرض، أو تمرّض فانتهض؟، وكيف يهنّي من زوّج بعد موت أبيه أمّه، ويعزّي والدا قتل ولده وولدا قتل والده ويصوّب حكمه؟، ويكتب عمن حاصر حصنا وتركه بعد تسهيل المسالك، وكيف يكتب في نيل لم يوف لا أحوج الله لذلك؟، ويعزّي كافرا عن بعض الأعزّاء الألزام، وينشيء عهد يهوديّ بوزارة أمير المؤمنين ﵇؟، ويكتب تقليدا لثلاثة أو أربعة من الحكّام، ويستنجد بأموال أو مساكين (؟) من عدوّ كافر على كافر؟ ويبشّر عدوّا بأخذ بلاده منه، ويعتذر عن ملك أخذت شوانيه وحجزت عنه؟، ويهنّي خصيّا بزواجه، ويعتذر عمن فرّ وترك ولده تحكم الظّبا في أوداجه؟، ويكتب لملك بنى مباني فاحترقت أو وقعت، أو أجرى خيول رهان فسبقت خيله وانقطعت؟، أو خرج لصيد فلم يجد ما يصاد، أو لبرزة بندق احتفل فيها ولم يصرع شيئا من الواجب المعتاد؟، أو ركب أوّل يوم من تملّكه فتقطّر «١» به الجواد، أو وضعت له أنثى فضّلها بكلام على ما يرجوه من ذكور الأولاد.
ومن ههنا أكفّ القلم عن شوطه، وأرفع عنه ما وضعه اللسان من سوطه، خوفا من الملال والصّخب، وكفى بالغرفة عن معرفة النهر.
стр. 6682
فإذا نشط هذا الكاتب من هذا العقال، وتصرّف في فنون هذا المقال، وخرج من هذه الأسئلة خروج السّيف من الصّقال، امتدّت كفّ الثّريّا في هذا النّسيان بمسح جبهته، وجاء بجواب هذا النكث كما يقال: برمّته، وأماط لثامها، وشمّر عن أزهارها أكمامها- انقطعت الأطماع دون غايته، وبسطت أيدي رسائل البلغاء لمبايعة رسالته، بل أتته وحمل قلمه على أقلام فرسان الكلام سوداء رايته، وبان هنالك ظلم العائب وحيفه، فكان كمن سلّ لنحره سيفه، وعذر على توالي التّأنيب مؤنّبه، وكان يومئذ له الويل لا لمن يكذّبه، وامتاز هذا الفاضل بما تحدثه هذه الواقعة من الفخر وتجلبه:
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب!
والمسؤول من إحسان سيّدنا أن يسدّ الخلل كيف ما وجده، ويصلح الخطأ والخطل كما عوّدته منه وكما عوّده؛ فإنّه أمير هذه الصّناعة ونحن الرعايا، وشيخ الفصاحة ونحن الفقراء الذين كم وجدنا في زواياه منها خبايا؛ وما هذه الرسالة إلا يد امتدّت تسأل من الحلم ما يسعها، وهذه السّطور إلا حبائل تتصيّد من عوائده ما ينفعها ويرفعها.
فأرخ عليها ستر معروفك الّذي ... سترت به قدما عليّ عواري!
والله تعالى العالم أنها وردت عن قلب مذهول عن حسن الإيقان، معدّد عليه نوائب الدّهر بأنامل الخفقان، مرميّ بسهام الأعادي في قسيّ الضّلوع، غائص في بحر الهمّ وكلما رمت أن يلقي إليّ درّ الكلام ألقى درّ الدّموع:
أبكي فتجري مهجتي في عبرتي ... وكأنّ ما أبكيته أبكاني!
لا يدع لي الفكر في قلّة [مصافاة] «١» الإخوان وقتا أستنبط فيه معنى، ولا
стр. 6683
يفسح لي التّعجّب من أبناء الزّمان لنقصهم أن أصحّح نقدا ولا وزنا؛ أجنح لسلم الأيّام فكأنّي لحربها جنحت، وأقدح فكرتي في استعطاف الزّمان فكأنّي فيه قد قدحت؛ فلو قضى الله لي بالمنية من المنيّة لأرحت الزّمان واسترحت:
فالأرض تعلم أنّني متصرّف ... من فوقها وكأنني من تحتها!
ولا فرق فيما بيننا غير أنّنا ... بمسّ الأذى ندري ومن مات لا يدري
ولا بدّ لي أن أطلّق هذه الصّناعة طلاقا قطعيّا، لا طلاقا رجعيّا، وأجاهرها جهارا حربيّا لا جهارا عينيّا، وأضع صعدة حملها من أدب عن بدني، وأتولى قوس داله مع سهم بائها فما أصبت غير كبدي؛ «كأنّما القوس منها موضع الوتر» ، و «وقلت اذهبي يا صبوتي بسلام» فماذا لقيت من آفاتها، ومنيت به من الخوف في عرفاتها، ومطرت لا من عوارض قطرها ولكن من عوارض مرجفاتها:
وإنّي رأيت الحبّ في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب!
ومع هذا الحديث لم أشكّ أنّ أحدا سينتقد على تشبيهي، وطرقه قديمة في استفتاح المكاتبة، واستنجاح المخاطبة، ويقول: تلك أمّة قد خلت، ودولة فاضليّة أدبرت مثل ما أقبلت؛ فكيف تبعها وترك طريقة فضلاء عصره، وأبناء مصره؛ فالجواب ما قاله القاضي السّعيد بن سناء الملك رحمه الله تعالى، فما كان أسعد خاطره!، وأكثر ذهب لفظه وجواهره!!:
إنّي رأيت الشّمس ثم رأيتها ... ماذا عليّ إذا عشقت الأحسنا؟!
(وذكرت أن الاس عدره ونسيت أن الاس أفعلها) «١» .
انتهت إلى هذا الموضع، والدّيك قد نعى بعيد الظّلام، وبلّغ عن
стр. 6684
الصّبح السّلام، والأزهار قد سلبته عينه فقام من كراه يصيح، وميدان الغصون قد أصخب بمغنى الأطيار وشغب الرّيح، ونسر السّماء قد فرّ من الغداة وبازيها، والنّجوم قد حملت إلى ملحدها من الغرب على نعوش دياجيها، والمجرّة من الجوزاء عاطلة الخصر، وخاقان الصّبح قد حمل على نجاشيّ الظّلام راية النّصر.
لا برح سيّدنا معصوم الرّويّة والارتجال، مسجلا بشجاعة اليراعة والحرب سجال، محمود المواقف والمساعي «والنّقس نقع والطّروس مجال» ، والسّلام.
[الصّنف الخامس]
(الصنف السادس (من الرسائل ما تكتب به الحوادث والماجريات)) ويختلف الحال فيها باختلاف الوقائع: فإذا وقعت للأديب ماجرية وأراد الكتابة بها إلى بعض إخوانه، حكى له تلك الماجرية في كتابه مع تنميق الكلام في ذلك، إما ابتداء وإما جوابا، عند مصادفة ورود كتابه إذ ذاك إليه.
وهذه نسخة رسالة أنشأها الإمام قاضي قضاة المسلمين محيي الدّين، أبو الفضل يحيى، ابن قاضي القضاة الإمام محيي الدّين أبي المعالي محمد، بن عليّ، بن محمد، بن الحسين، بن عليّ، بن عبد العزيز، بن عليّ، بن الحسين، ابن محمد، بن عبد الرحمن، بن القاسم، بن الوليد، بن القاسم، بن عبد الرحمن، بن أبان، بن عثمان، بن عفّان ﵁، لمّا ورد إلى القاهرة المحروسة في التّاسع من جمادى الأولى من سنة تسع وعشرين وستمائة وتعرف «برسالة النّمس» ؛ وهي:
وردت رقعة سيّدنا أسعده الله بتوفيقه، وأوضح في اكتساب الخيرات
стр. 6685
سبل طريقه، فوقفت عليها وقوف السّارّ «١» بورودها، المستسعد بوفودها، المبتهل إلى الله في إبقاء مهجته التي يتشرّف الوجود بوجودها:
وليس بتزويق اللّسان وصوغه ... ولكنّه قد مازج اللّحم والدّما!
وفضضتها عن مثل النّور تفتحه الصّبا، وبرود الرّياض تساهمت في اكتساء وشيها الأهضاب والرّبا؛ يكبو جواد البليغ في مضمار وصفها، وينبو عضب لسانه عن مجاراتها في رصفها؛ يخجل محيّا النهار بياض طرسها، ويودّ الليل لو نفضت عليه صبغة نقسها، وتحسد الكواكب رائق معانيها، وتتمنّى لو أعيرت فضل إشراقها وتلاليها، في كلّ فقرة روضة وكلّ معنى كأس مدام، وكلّ ألف ساق وكلّ سين طرّة غلام، وكلّ واو عطفة صدغ وكلّ نون تقويس حاجب، وكلّ لام مشقة عذار وكلّ صاد خطّة شارب؛ تصيب من سامعها أقصى ما يراد بالنّفث في العقد، وتستولي بلفظها على لبّه استيلاء الجواد على الأمد.
فلما اجتليت منها المعاني المسهبة في اللّفظ الموجز، وأجلت طرفي منها ما بين نزهة المطمئنّ وعقلة المستوفز، وأسلمت قيادي إلى سحرها المحلّل وإن جنى قتل العاشق المتحرّز- علمت أن سيّدنا أجرى في حلبة السّباق فحاز قصب سبقها، وذلّلت له البلاغة فتوغّل في شعابها وطرقها، وحكّمت يده في أعنّة الفضائل فسلّمت القوس إلى باريها، ودرجات العلى إلى مستحقّيها؛ فمن وائل؟ ومن سحبان؟ ومن عبد الحميد؟ وابن صوحان، وأيّ خبر يقابل العيان؟ ومن يقاوم ما هو كائن بما كان؟؛ فسألت خاطري الجامد أن يعارض بوابله طلّها، وأن يقابل بجثمانه ظلّها، وأن يجاريها في حلبة المساجلة وإن دعي بالسّكيت، ولقد أسمعت لو ناديت حيّا وكيف بنطق من ميت؛ وأنّى يطمع في مجاراة البحر ولات حين لعلّ أوليت؛ فوجدته أصلد من
стр. 6686
الصّخرة مسّا، وألفيت «باقلا» لديه «قسّا» ؛ فما كلّ من طرق قرى، ولا من إذا خلق فرى؛ وهذا المعهود من خاطري إذا كان جامّا فكيف وقد نضب ماؤه وكدّرت الحوادث بحر علمه والغير، فمن دون أن تستخرج منه الدّرر أن يلين لضرس الماضغ الحجر؛ فبذل جهده لما شعّبت الهموم سبله، وتقنّع بالخلق من لا جديد له.
هذا مع واقعة وقعت له فأصبح متشتّتا، وثنى عنانه عن كلّ شيء إليها متلفّتا، وذلك أنّه في بارحته استولى عليه القلق بسلطانه، واستلبت يد الأرق كراه من بين أجفانه، كأنّه ساورته ضئيلة سمّها ناقع «١» ، أو مدّت إليه خطاطيف حجن «٢» لها أيدي الخطوب نوازع:
إذا اللّيل ألبسني ثوبه ... تقلّب فيه فتى موجع
فتارة فكرته متوجّهة نحو قلّة حظّه، وآونة لا يقع إلّا على ما يقذفه طارف لحظه؛ وإنّ يد الخمول قد استولت عليه، وأزمّة المطالب صرفت عنه وحقّها أن تصرف إليه، والسعادة شاردة عنه وما أجدرها أن تطيف ببابه وتستقرّ بين يديه:
لئن كان أدلى حابل فتعذّرت ... عليه وكانت رادة فتخطّت
لما تركته رغبة عن حباله ... ولكنّها كانت لآخر خطّت!!
ولقد جهد في سلّم الدّهر وهو يحاربه، «وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه» ؟ فما شام بارقة أمل إلا أخفقت ورجع بخفّي حنين، وقرّت أعين
стр. 6687
أعاديه كلّما سخنت منه العين، فلقد أصبح «أفرغ من حجّام ساباط» «١» وإن كان «أشغل من ذات النّحيين» «٢» .
وكلما تأمّل جدّه «٣» العاثر النّاكص، ونظر رزقه النّاضب النّاقص، وقابله الدّهر بالوجه العابس الكالح، ومنّى نفسه عقبى يوم صالح، ربع عليها فمن لي بالسّانح بعد البارح «٤» ؟ وناجى نفسه بإعمال الركائب، والاضطراب في المشارق والمغارب، وأن يرى بالجود طلعة نائر وبالعرمس «٥» غرّة آئب، ويصل التّهجير بالسّرى، ويبتّ من قيد الأوطان موثقات العرى؛ وإن كسدت فضيلة من فضائله، أو رثّت وسيلة من وسائله، اكتسب بأخرى من أخواتها، ونفث في عقدها ومتّ بها وقال: أنا ابن بجدتها؛ فإلام وعلام وحتّى متى، أجاور من أنا فيهم أضيع من قمر الشّتا؟ وحالي أظهر من أن يقام عليه دليل، و «إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل» :
وما أنا كالعير المقيم بأهله ... على القيد في بحبوحة الدّار يرتع
ثم استهول تقحّم الإغوار والإنجاد، واستفتح لقادح زناد الحظّ
стр. 6688
الإكداء والإصلاد، وأقول: أخطأ مستعجل أو كاد، فأثوب مثاب من حلب الدّهر أشطره، وأخذ إذا ارتفع عن الدّنيّة من حظّه أيسره، وبنى كما بنى سلفه وقرّر ما قرّره، فأقول: ارفض الدّنيّة ولا تلو عليها، فتكون «أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها» «١» «فالحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها» :
ولسنا بأوّل من فاته ... على رفقه بعض ما يطلب
وقد يدرك الأمر غير الأريب ... وقد يصرع الحوّل القلّب!
وتارة يخطر أن لو شكوت حالي إلى أصدقائي من ذوي الجاه، وسألتهم بإلحاقي بهم في الابتغاء من فضل الله، وأحضّهم على انتهاز فرصة الإحسان قبل الفوت، وأضرب لهم: «أعن أخاك ولو بالصّوت» فليس على مثلي ممن يخيفه الدّهر في ذلك من جناح، «وهل ينهض البازيّ بغير جناح» ؛ ثم أرى أنهم لو فضل عنهم شيء لجادوا، بل لو زويت «٢» الأرض لهم لازدادوا، ولو ملّكوا ظلّ الله لأصبحت لديهم ضاحيا، وما حالي بخاف عليهم وكفى برغائها مناديا، وقبلي بغى «٣» عليّ ففاته وأدرك الجدّ السّعيد معاويا؛ وإلى كم أعلّل تعليل الفطيم بالخضاب:
سئمت العيش حين رأيت دهري ... يكلّفني التّذلّل للرّجال!
وأخرى يسلّي نفسه عن مصابها ومصائبها، ويمنّيها كرّ الأيام بتعاقبها، ويقصّ عليها تقلّب اللّيالي بالأمم الماضية في قوالبها، وأنها ما قدّمت لأحد سعادة إلا عقّبتها بتغيير، وما سقت صفو الأماني بشرا إلا شابت كأسه بتكدير،
стр. 6689
وأنّ سبيل كلّ أحد منها سبيل ذي الأعواد «١» ، وقصاراي ولو اتخذت الأرض مسكنا وأهلها خولا سبيل ربّ القصر من سنداد «٢» ، ولو عمّرت عمر نوح كنت كأنّي وآدم وقت الوفاة على ميعاد؛ فإن شئت فارفع عصا التّسيار أوضع؛ فما هو إلّا: «حارب بجدّ أودع» .
فبينا أنا أعوم في هذه الخواطر متفكّرا، وأقرع سنّ النّدم على تقضّي عمري في غير مآربي متحسّرا، وأتسلّى بمصارع الأوّلين أخرى معتبرا:
ولو أنجزتني الأيام مواعيد عرقوب، لأفضت بي إلى أحلى من ميراث العمّة الرّقوب، ولقد تقاعس أملي حتى قنعت بحالي «وشرّ ما ألجأك «٣» إلى مخّة عرقوب» ثم يخاطبني حجاي بأن تثبّت واصبر، فالليل طويل وأنت مقمر، فستبلغ بك الأسباب، وينتهي بك إلى المقدور الكتاب؛ فلا تعجل «فجري المذكيات غلاب» «٤» .
فاستروحت إلى فتح باب كان مرتجا، وارتدت باستجلاء محيّا السماء من بعض همّي فرجا، وانتشقت من نسيم السّحر ما وجدت به من ضيق فكري مخرجا، ففتحته عن شبّاك كتخطيط الأوفاق، أو كرقعة شطرنج وضعت بين الرّفاق؛ ألبس من صبغة اللّيل شعارا، واتّخذ لاستجلاء وجه الغزالة نهارا؛ جلد على القيام والكدّ، صبور على الحالين في الحرّ والبرد؛ يحوّل
стр. 6690
جثمان المرء عما واراه، ويبيخ إنسان الطّرف رعي حماه؛ يديل من ظلمة اللّيل ضوء النهار، وينمّ بما استودعته من الأسرار؛ يشرف إلى غيضة قد التفّت أشجارها، وتهدّلت ثمارها، ورقصت أغصانها إذ غنّت أطيارها، واطّردت بصافي الزّلال أفهارها، ونمّت بعرف العنبر الشّحريّ «١» أزهارها؛ وقد قامت عرائس النّارنج على أرجلها، تختال في حليها وحللها؛ قد ألبست من أوراقها خلعا خضرا، وحلّيت من ثمارها تبرا، ونظّم قداحها في جيادها لؤلؤا رطبا، ورنّحها نسيم السّحر فمالت عجبا؛ وقد مدّت في أرضها من البنفسج مفارش سندس فروزت «٢» بالجداول، كبساط أخضر سلّت أيدي القيون «٣» عليه صقيلات المعاول، وقد حدّقت عيون الرّقباء من النّرجس قائمة على ساق، ولعبت بها يد النّسيم فتمايلت كعناق المحبّين عند الفراق؛ فاجتلينت محيّا وسيما تتبلّج أسرّته، ومنظرا جسيما تروق بهجته؛ قد مدّ السّماط بساطا أزرقا، بزهر الكواكب مشرقا، وطرّزه بالشّفق طرازا مذهبا، وأبدى تحته للأصباح مفرقا أشيبا:
ورث قميص اللّيل حتّى كأنّه ... سليب بأنفاس الصّبا متوشّح
ورقّع منه الذّيل صبح كأنّه ... وقد لاح شخص أشقر اللّون أجلح
ولاحت بقيّات النّجوم كأنّها ... على كبد الخضراء نور يفتّح!
وجنح البدر للغروب فتداعت الكواكب تتبعه كوكبا فكوكبا، فكأنه ملك اتّخذ المجرّة عليه مضربا، وتوّج بالثّريا إكليلا، وخنست «٤» الكواكب بين يديه توقيرا له وتبجيلا، واصطفّت حوله خدما وجنودا، ونشرت من أشعّتها ألوية وبنودا، وأخذت مقاماتها في مراكزها كجيوش عبّئت للقاء مناجزها، ومسابقها أخذ فرصة النّصر ومناهزها:
следующие страницы →