Полный текст (7 500 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الكلام على أبراج الحمام بالديار المصرية في المقالة العاشرة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
النوع الخامس ما يحتاج إلى وصفه من نفائس الأحجار
ويحتاج الكاتب إليه من وجهين: أحدهما من حيث مخالطة الملوك، فلا بدّ أن يكون عارفا بصفات الجواهر وأثمانها والنّفيس منها وخواصّها، لأنه ربما جرى ذكر شيء من ذلك بحضرة ملكه، فتكون مشاركته فيه زيادة في رفعة محله، وعلوّ مقداره، وهذا هو الذي عوّل عليه صاحب «موادّ البيان» »
في احتياج الكاتب إلى ذلك.
والثاني: أن يحتاج إلى وصف شيء من ذلك مع هدية تصدر عن ملكه أو هدية تصل إليه، مع ما يحتاج إليه من ذلك لمعرفة التشبيهات والاستعارات التي هي عمود البلاغة؛ فمن لم يكن عارفا بأوصاف الأحجار، ونفائس الجواهر، لا يحسن التعبير عنها، ألا ترى إلى تشبيهات ابن المعتز «٢» ووصفه للجواهر كيف تقع في نهاية الحسن وغاية الكمال لمعرفته بالمشاهدة فهو يقول عن علم، ويتكلم عن معرفة «وليس الخبر كالمعاينة» وقد اعتنى الناس بالتصنيف في الأحجار في القديم والحديث.
فممن صنف فيه في القديم من حكماء الفلاسفة: أرسطوطاليس «٣» ؛ وبلينوس «٤» ، وياقوس الأنطاكي.
стр. 667
وممن صنّف فيه من الإسلاميين: أحمد بن أبي خالد المعروف بابن الجزار «١» ، ويعقوب بن إسحاق الكندي وغيرهما، وأحسن مصنّف فيه مصنّف أبي العباس أحمد بن يوسف التّيفاشيّ «٢» .
والذي يتعلق الغرض منه بذلك اثنا عشر صنفا:
الصنف الأول اللؤلؤ
وهو يتكوّن في باطن الصّدف، وهو حيوان من حيوان البحر الملح له جلد عظميّ كالحلزون، ويغوص عليه الغوّاصون فيستخرجونه من قعر البحر، ويصعدون به فيستخرجونه منه. وله مغاصات كثيرة، إلا أن مظانّ النفيس منه بسرنديب من الهند، وبكيش «٣» ، وعمان، والبحرين من أرض فارس، وأفخره لؤلؤ جزيرة خارك، بين كيش والبحرين.
أمّا ما يوجد منه ببحر القلزم وسائر بحار الحجاز فرديء ولو كانت الدّرّة منه في نهاية الكبر؛ لأنه لا يكون لها طائل ثمن. وجيّد اللؤلؤ في الجملة هو الشّفّاف الشديد البياض، الكبير الجرم، الكثير الوزن، المستدير الشكل، الذي لا تضريس فيه، ولا تفرطح، ولا اعوجاج. ومن عيوبه أن يكون في الحبة تفرطح، أو اعوجاج، أو يلصق بها قشر أو دودة، أو تكون مجوّفة غير مصمته، أو يكون ثقبها متسعا.
стр. 668
ثم من مصطلح الجوهريين أنه إذا اجتمع في الدرّة أوصاف الجودة، فما زاد على وزن درهمين ولو حبة يسمّى درّا؛ فإن نقصت عن الدرهمين ولو حبة سمّيت حبّة لؤلؤ؛ وإذا كانت زنتها أكثر من درهمين وفيها عيب من العيوب فإنها تسمّى حبّة أيضا؛ ولا عبرة بوزنها مع عدم اجتماع أوصاف الجودة فيها. وتسمّى الحبة المستديرة الشكل عند الجوهريين: الفأرة، وفي عرف العامّة: المدحرجة. ومن طبع الجوهر أنه يتكون قشورا رقاقا طبقة على طبقة حتّى لو لم يكن كذلك فليس على أصل الخلقة بل مصنوع.
ومن خواصه أنه إذا سحق وسقي مع سمن البقر نفع من السّموم.
وقال أرسطوطاليس: من وقف على حل اللؤلؤ من كباره وصغاره حتّى يصير ماء رجراجا ثم طلى به البرص أذهبه. وقيمة الدرّة التي زنتها درهمان وحبة مثلا أو وحبتان، مع اجتماع شرائط الجودة فيها، سبعمائة دينار؛ فإن كان اثنتان على هذه الصفة كانت قيمتهما ألفي دينار، كل واحدة ألف دينار لاتفاقهما في النظم؛ والتي زنتها مثقال وهي بصفة الجودة قيمتها ثلاثمائة دينار، فإن كان اثنتان زنتهما مثقال وهما بهذه الصفة على شكل واحد لا تفريق بينهما في الشكل والصورة، كانت قيمتهما أكثر من سبعمائة دينار.
وقد ذكر ابن الطوير في تاريخ الدّولة الفاطمية: أنه كان عند خلفائهم درّة تسمّى اليتيمة زنتها سبعة دراهم تجعل على جبهة الخليفة بين عينيه عند ركوبه في المواكب العظام على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب دولتهم في المسالك والممالك إن شاء الله تعالى.
ويضرّه جميع الأدهان، والحموضات بأسرها لا سيما الليمون، ووهج النار، والعرق، وذفر الرائحة، والاحتكاك بالأشياء الخشنة؛ ويجلوه ماء حماض الأترج، إلا أنه إذا أثجّ «١» عليه به قشره ونقص وزنه، فإن كانت صفرته من أصل تكوّنه في البحر فلا سبيل إلى جلائها.
стр. 669
الصنف الثاني الياقوت
قال بلينوس: وهو حجر ذهبيّ، وهو حصى يتكوّن بجزيرة خلف سرنديب من بلاد الهند بنحو أربعين فرسخا، دورها نحو ستين فرسخا في مثلها، وفيها جبل عظيم يقال له جبل الرّاهون، تحدر منه الرياح والسيول الياقوت فيلتقط، والياقوت حصباؤه؛- وهو الجبل الذي أهبط الله تعالى عليه آدم ﵇ فإذا لم تحدر السيول منه شيئا عمد أهل ذلك الموضع إلى حيوان فذبحوه وسلخوا جلده وقطّعوه قطعا كبارا وتركوه في سفح ذلك الجبل فيختطفه نسور تأوي إلى ذلك الجبل فتصعد باللحم إلى أعلاه فيلصق بها الياقوت؛ ثم تأخذه النسور وتنزل به إلى أسفل فيسقط منه ما علق به من الياقوت؛ فإذا أخذ كان لونه مظلما ثم يشف بملاقاة الشمس ويظهر لونه على أيّ لون كان.
ثم هو على أربعة أضرب:
الضرب الأوّل «الأحمر» -
ومنه البهرمان؛ ولونه كلون العصفر «١» الشديد الحمرة الناصع في القوّة الذي لا يشوب حمرته شائبة؛ ويسمّى: الرّمّانيّ لمشابهته حبّ الرّمان الرائق الحب؛ وهو أعلى أصناف الياقوت وأفضلها وأغلاها ثمنا.
ومنه: الخيريّ؛ وهو شبيه بلون الخيريّ «٢» ؛ وهو المنثور؛ ويتفاضل في قوّة الصبغ وضعفه حتى يقرب من البياض.
ومنه الورديّ: وهو كلون الورد ويتفاضل في شدّة الصبغ وضعفه حتّى يقرب من البياض.
стр. 670
وأردأ ألوانه الورديّ الذي يضرب إلى البياض، والسّمّاقي الذي يضرب إلى السّواد.
الضرب الثاني «الأصفر» -
وأعلاه الجلّناريّ؛ وهو أشدّه صفرة، وأكثره شعاعا ومائية؛ ودونه الخلوقيّ، وهو أقلّ صفرة منه؛ ودونه الرقيق وهو قليل الصفرة كثير الماء ساطع الشّعاع. وأردأ الأصفر ما نقص لونه ومال إلى البياض.
الضرب الثالث «الأبيض» -
ومنه المهانيّ: وهو أشدّها وأكثرها ماء وأقواها شعاعا؛ ومنه الذكر؛ وهو أثقل من المهانيّ وأقلّ شعاعا وأصلب حجرا؛ وهو أدون أصناف الياقوت وأقلها ثمنا. وأجود الياقوت الأحمر البهرمانيّ والرمانيّ والورديّ النيّر المشرق اللون الشّفّاف الذي لا ينفذه البصر بسرعة. وعيوبه الشّعرة؛ وهي شبه تشقيق يرى فيه، والسوس؛ وهو خروق توجد فيه باطنة ويعلوها شيء من ترابية المعدن.
ومن أردأ صفاته قبح الشكل.
ومن خواصّ الياقوت: أنه يقطع كل الحجارة كما يقطعها الماس؛ وليس يقطعه هو على أيّ لون كان غير الماس.
ومن خواصه أيضا: أنه لا ينحكّ على خشب العشر الذي تجلى به جميع الأحجار؛ بل طريق جلائه أن يكسّر الجزع «١» اليماني ويحرق حتّى يصير كالنّورة «٢» ثم يسحق بالماء حتّى يصير كأنه الغراء ثم يحك على وجه صفيحة من نحاس حجر الياقوت، فينجلي ويصير من أشدّ الجواهر صقالة.
ومن خواصه: أنه ليس لشيء من الأحجار المشفّة شعاع مثله، وأنه أثقل من سائر الأحجار المساوية له في المقدار، وأنه يصبر على النار فلا يتكلّس بها كما يتكلس غيره من الحجارة النفيسة؛ وإذا خرج من النار برد بسرعة حتّى إنّ الإنسان
стр. 671
يضعه في فيه عقب إخراجه من النار فلا يتأثر به؛ إلا أن لون غير الأحمر منه كالصفرة وغيرها يتحوّل إلى البياض؛ أمّا الحمرة فإنها تقوى بالنار، بل إذا كان في الفص نكتة حمراء، فإنها تتّسع بالنار وتنبسط في الحجر بخلاف النكتة السوداء فيه، فإنها تنقص بالنار، فما ذهبت حمرته بالنار فليس بياقوت، بل ياقوت أبيض مصبوغ أو حجر يشبه الياقوت.
ومن منافعه ما ذكره أرسطاطاليس: أن التختم به يمنع صاحبه أن يصيبه الطاعون إذا ظهر في بلد هو فيه، وأنه يعظم لابسه في عيون الناس، ويسهل عليه قضاء الحوائج، وتتيسر له أسباب المعاش، ويقوّي قلبه ويشجعه، وأن الصاعقة لا تقع على من تختم به. وإذا وضع تحت اللسان، قطع العطش. وامتحانه أن يحكّ به ما يشبهه من الأحجار، فإنه يجرحها بأسرها ولا تؤثر هي فيه.
قال التيفاشيّ: وقيمة الأحمر الخالص على ما جرى عليه العرف بمصر والعراق أن الحجر إذا كان زنته نصف درهم كانت قيمته ستة مثاقيل من الذهب الخالص؛ والحجر الذي زنته درهم قيمته ستة عشر دينارا؛ والحجر الذي زنته مثقال قيمته بدينارين القيراط؛ والحجر الذي زنته مثقال وثلث قيمته ثلاثة دنانير القيراط إلى ثلاثة ونصف؛ ويزيد ذلك بحسب زيادة لونه ومائيته وكبر جرمه، حتّى ربما بلغ ما زنته مثقال من جيّده مائة مثقال من الذهب إذا كان بهرمانا نهاية في الصّبغ والمائية والشعاع، قد نقص منه بالحك كثير من جرمه؛ وقيمة الأصفر منه زنة كل درهم بدينارين؛ وقيمة الأزرق والماهانيّ كل درهم بأربعة دنانير؛ وقيمة الأبيض على النصف من الأصفر. ويختلف ذلك كله بالزيادة والنقص في الصّبغ والمائية مع القرب من المعدن والبعد عنه.
وقد ذكر ابن الطوير في ترتيب مملكة الفاطميين: أنه كان عندهم حجر ياقوت أحمر في صورة هلال زنته أحد عشر مثقالا يعرف بالحافر، يجعل على جبين الخليفة بين عينيه مع الدّرّة المتقدّمة الذكر عند ركوبه.
стр. 672
الصنف الثالث البلخش
قال في مسالك الأبصار «١» : ويسمّى اللّعل.
قال بلينوس: وانعقاده في الأصل ليكون ياقوتا إلا أنه أبعده عن الياقوتية علل من اليبس والرطوبة وغيرهما، وكذلك سائر الأحجار الحمر. ومعدن البلخش الذي يتكوّن فيه بنواحي بلخشان. والعجم تقول: بذخشان بذال معجمة وهي من بلاد الترك تتاخم الصين «٢» .
قال التيفاشي: وأخبرني من رأى معدنه من التّجار أنه وجد منه في المعدن حجرا وفي باطنه ما لم يكمل طبخه وانعقاده بعد، والحجر مجتمع عليه؛ وهو على ثلاثة أضرب: أحمر معقرب، وأخضر زبرجديّ، وأصفر؛ والأحمر أجوده.
قال التيفاشي: وليس لجميعه شيء من خواص الياقوت ومنافعه؛ وإنما فضيلته تشبهه به في الصّبغ والمائية والشعاع لا غير. قال: وقيمته في الجملة غالبا على النصف من قيمة الياقوت الجيد.
قال في مسالك الأبصار: وهو لا يؤخذ من معدنه إلا بتعب كثير وإنفاق زائد، وقد لا يوجد بعد التعب والإنفاق، ولهذا عز وجوده، وغلت قيمته، وكثر طالبه، والتفتت الأعناق إلى التحلي به. قال: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في أيام العادل كتبغا «٣» وأحضرت إليه وهو بدمشق، وكانت قطعة جليلة مثلثة على هيئة المشط العوديّ، وهي في نهاية الحسن وغاية الجودة، زنتها خمسون درهما، كاد المجلس يضيء منها، فأحضر الصاحب نجم
стр. 673
الدين الحنفيّ الجوهريّ وسأله عن قيمتها، فقال له نجم الدين الجوهريّ: إنما يعرف قيمتها من رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان ومن حضر لم نر مثلها فكيف نعرف قيمتها؟ فأعجب بكلامه، وصالح عليها صاحبها.
الصنف الرابع عين الهرّ
قال التيفاشي: وهو في معنى الياقوت إلا أن الأعراض المقتصرة به أقعدته عن الياقوتية، ولذلك إنما يوجد في معدن الياقوت المتقدّم ذكره، وتخرجه الرياح والسيول كما تخرج الياقوت على ما تقدّم، قال: ولم أجده في كتب الأحجار، وكأنه محدث الظهور بأيدي الناس، والغالب على لونه البياض بإشراق عظيم ومائية رقيقة شفافة، إلا أنه ترى في باطنه نكتة على قدر ناظر الهر الحامل للنور المتحرك في فصّ مقلته، وعلى لونه- على السواد- وإذا تحرّك الفصّ إلى جهة، تحركت تلك النكتة بخلاف جهته؛ فإن مال إلى جهة اليمين، مالت النكتة إلى جهة اليسار وبالعكس، وكذلك الأعلى والأسفل؛ وإن كسر الحجر أو قطع على أقلّ جزء، ظهرت تلك النكتة في كل جزء من أجزائه، ولذلك يسمّى: عين الهر.
وأجوده ما اشتدّ بياض أبيضه وشفيفه، وكثرت مائية النكتة التي فيه مع سرعة حركتها وظهور نورها وإشراقها؛ ولا يخفى أن حسن الشكل وكبر الجرم يزيدان في قيمته كسائر الأحجار.
قال التيفاشي: والمشهور من منافعه عند الجمهور أنه يحفظ حامله من أعين السوء. ونقل عن بعض ثقات الجوهريّين: أنه يجمع سائر الخواصّ التي في الياقوت البهرمانيّ في منافعه، ويزيد عليه بألا ينقص مال حامله ولا تعتريه الآفات، وأنه إذا كان في يد رجل وحضر مصافّ حرب وهزم حزبه فألقى نفسه بين القتلى رآه كل من يمرّ به من أعدائه كأنه مقتول متشحط في دمه، وأن ثمنه بالهند مع قرب معدنه أغلى من ثمنه ببلاد المغرب بكثير، لعلمهم بخواصه؛ وقيمته تختلف بحسب الرغبة فيه؛ وإذا وقع ببلاد المغرب بيع المثقال منه بخمسة دنانير، ويزيد
стр. 674
على ذلك بحسب الغرض.
وذكر التيفاشي عن بعض التجار أن حجرا منه بيع في المعبر من بلاد الهند بمائة وخمسين دينارا، وأنه بيع منه حجر ببلاد الفرس بسبعمائة دينار.
الصنف الخامس الماس
قال بلينوس في كتاب الأحجار: وابتدأ في معدنه لينعقد ذهبا، فأبعدته العوارض عن ذلك؛ وهو يتكوّن في معدن الياقوت المقدّم ذكره، وتخرجه الرياح والسيول من معدنه كما تخرج الياقوت؛ وهو ضربان: أحدهما أبيض شديد البياض يشبه البلّور يسمّى البلّوريّ لذلك؛ والثاني يخالط بياضه صفرة فيصير كلون الزّجاج الفرعوني، ويعبر عنه: بالزيتي.
قال الكنديّ: والذي عاينته من هذا الحجر ما بين الخردلة إلى الجوزة ولم أر أعظم من ذلك.
ومن خواصه: أنه يقطع كل حجر يمرّ عليه؛ وإذا وضع على سندال «١» حديد ودقّ بالمطرقة لم ينكسر، وغاص في وجه السندال والمطرقة وكسرهما، ولا يلتصق بشيء من الأجساد إلا هشم؛ ويمحو النقوش التي في الأحجار كلّها؛ وإنما يكسر بأحد طريقين: أحدهما أن يجعل داخل شيء من الشمع ويدخل في أنبوب قصب وينقر بمطرقة أو غيرها برفق بحيث لا يباشر جسمه الحديد، فينكسر حينئذ؛ أو يجعل في أسربّ وهو الرّصاص ويفعل به ذلك فيكسر أيضا.
ومن خواصه: أن الذباب يشتهي أكله فما سقطت منه قطعة صغيرة إلا سقط عليها الذباب وابتلعها أو طار بها؛ ومتى ابتلع منه الإنسان قطعة، ولو أصغر ما يكون حرقت أمعاءه وقتلته على الفور.
قال أرسطوطاليس: وبينه وبين الذهب محبة يتشبّث به حيث كان.
ومن خاصته: أن كلّ قطعة تؤخذ منه تكون ذات زوايا قائمة الرأس: ستّ
стр. 675
زوايا وثمان زوايا وأكثر، وأقله: ثلاث زوايا، وإذا كسر لا ينكسر إلا مثلّثا، وبه يثقب الدرّ والياقوت والزّمرّد وغيرها من جميع ما لا يعمل فيه الحديد من الأحجار كما يثقب الحديد الخشب، بأن يركّب في رأس منقار حديد منه قطعة بقدر ما يراد من سعة الثّقب وضيقه ثم يثقب به، فيثقب بسرعة.
ومن منفعته فيما ذكره أرسطوطاليس: أن من كان به الحصاة الحادثة في المثانة في مجرى البول إذا أخذ حبة من هذا الحجر وألصقها في مرود «١» نحاس بمصطكى «٢» إلصاقا محكما ثم أدخل المرود إلى الحصاة فإنها تثقبها.
قال أحمد بن أبي خالد «٣» : وبذلك عالجت وصيفا الخادم من حصاة أصابته وامتنع من الشق عليها بالحديد.
وقال ابن بوسطر: وإذا علّق على البطن من الخارج نفع من المغس «٤» الشديد، ومن فساد المعدة. وقيمته الوسطى فيما ذكره التيفاشي أنّ زنة قيراط منه بدينارين. ونقل عن الكنديّ: أن أغلى ما شاهد منه ببغداد المثقال بثمانين دينارا، وأرخص ما شاهد منه ببغداد أيضا المثقال بخمسة عشر دينارا؛ وأنه إذا بدرت منه قطعة كبيرة تصلح لفصّ قدر نصف مثقال يضاعف ثمنها على ما هو قدر الخردلة أو الفلفلة ثلاثة أضعاف وأربعة وخمسة.
الصنف السادس الزّمرّد
يقال بالذال المعجمة والمهملة؛ قال بلينوس: والزّمرّد ابتدأ لينعقد ياقوتا، وكان لونه أحمر إلا أنه لشدّة تكاثف الحمرة بعضها على بعض عرض له
стр. 676
السواد، وامتزجت الحمرة والسواد فصار لونه أخضر. ومعدنه الذي يتكوّن فيه في التخوم بين بلاد مصر والسودان خلف أسوان من بلاد الديار المصرية، يوجد في جبل هناك ممتدّ كالجسر فيه معادن.
قال في مسالك الأبصار: وبينه وبين قوص «١» ثمانية أيام بالسير المعتدل، ولا عمارة عنده ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنده على مسيرة نصف يوم أو أكثر في موضع يعرف بغدير أعين. فمنه ما يوجد قطعا صغارا كالحصى منبثة في تراب المعدن وهي الفصوص، وربما أصيب العرق منه متصلا فيقطع وهو القصب، وهو أجوده.
قال في مسالك الأبصار: وتلك العروق منبثة في حجر أبيض تستخرج منه بقطع الحجر. قال التيفاشي: ويوجد على بعضه تربة كالكحل الشديد السواد، وهو أشدّه خضرة وأكثره ماء. وقد ذكر المؤيد صاحب حماه في تاريخه: أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب ﵀ لما استولى على قصر الفاطميين بعد موت العاضد «٢» ، وجد فيه قصبة من زمرّد طولها أربعة أذرع أو نحوها. وهو على ثلاثة أضرب:
الأوّل «الذّبابي» -
وهو شديد الخضرة، لا يشوب خضرته شيء آخر من الألوان من صفرة ولا سواد ولا غيرهما، حسن الصّبغ، جيد المائية، شديد الشّعاع، ويسمّى: ذبابيّا، لمشابهة لونه في الخضرة لون كبار الذّباب الأخضر الربيعيّ؛ وهو من أحسن الألوان خضرة وبصيصا.
قال في مسالك الأبصار: وهو أقلّ من القليل بل لا يكاد يوجد.
الثاني «الرّيحانيّ» -
وهو مفتوح اللون، شبيه بلون ورق الرّيحان.
الثالث «السّلقيّ» -
وخضرته أشبه شيء بلون السّلق.
стр. 677
الرابع «الصابونيّ» -
ولونه كلون الصابون الأخضر.
قال في «مسالك الأبصار» : وإذا استخرج الزّمرّد من المعدن جعل في زيت الكتّان ثم لفّ في قطن وصرّ في خرقة كتّان ونحوها؛ ولم يزل العمل في هذا المعدن إلى أثناء الدّولة الناصرية محمد بن قلاوون فترك لكثرة كلفته.
وأفضل أنواعه وأشرفها: الذبابيّ، ويزداد حسنه بكبر الجرم واستواء القصبة، وعدم الاعوجاج فيها. ومن عيوب الذبابيّ: اختلاف الصّبغ بحيث يكون موضع منه مخالفا للموضع الآخر، وعدم الاستواء في الشكل، والتشعير، وهو شبه شقوق خفية إلا أنه لا يكاد يخلو منه، والرّخاوة، وخفة الوزن، وشدة الملاسة والصّقال والنّعومة، وزيادة الخضرة والمائية إذا ركب على البطانة، وهو ينحل بالنار ويتكلس فيها ولا يثبت ثبات الياقوت.
ومن خاصّيّة الذبابيّ التي امتاز بها عن سائر الأحجار: أن الأفاعيّ إذا نظرت إليه ووقع بصرها عليه انفقأت عيونها؛ قال التيفاشي: وقد جربت ذلك في قطعة زمرّد ذبابيّ خالص فحصّلت أفعى وجعلتها في طشت وألصقته بشمع في رأس سهم وقرّبته من عينها فسمعت قعقعة خفية كما في قتل صؤابة «١» ، فنظرت إلى عينيها فإذا هما قد برزتا على وجهها وضعفت حركتها؛ وبهذه الخاصّة يمتحن الزّمرّد الخالص من غيره كما يمتحن الياقوت بالصّبر على النار.
ومن منافعه: أن من أدمن نظره أذهب عن بصره الكلال؛ ومن تختم به دفع عنه داء الصّرع إذا كان قد لبسه قبل ذلك؛ ومن أجل ذلك كانت الملوك تعلقه على أولادها؛ وإذا كان في موضع لم تقر به ذوات السموم؛ وإذا سحل منه وزن ثمان شعيرات وسقيته شارب السمّ قبل أن يعمل السم فيه، خلصته منه؛ وإذا تختم به نفث الدم أو إسهاله منع من ذلك؛ وإذا علّق على المعدة من خارج نفع من وجعها؛ وشرب حكاكته ينفع من الجذام.
стр. 678
وقيمة الذبابيّ الخالص في الحجر الذي زنته درهم: أربعة دنانير القيراط، ويتضاعف بحسب كبره، وينقص بحسب صغره؛ إلا أنه لا ينقص بالصّغر نقص غيره من الأحجار، لوجود خاصيته في الكبير والصغير والمعوجّ والمستقيم. أما بقية أصناف الزّمرّد فإنه لا يعتدّ بها لعدم المنافع الموجودة في الذبابيّ.
الصنف السابع الزّبرجد
وهو حجر أخضر يتكوّن في معدن الزّمرّد؛ ولذلك يظنه كثير من الناس نوعا منه إلا أنه أقلّ وجودا من الزّمرّد.
قال التّيفاشيّ: أما في هذا الزمان فإنه لا يوجد في المعدن أصلا، وإنما الموجود منه بأيدي الناس فصوص تستخرج بالنبش من الآثار القديمة بالإسكندرية؛ وذكر أنه رأى منه فصّا في يد رجل أخبره أنه استخرجه من هنا لك، زنته درهم، لا يكاد البصر يقلع عنه لرقة مائه وحسن صفائه.
وأجوده: الأخضر المعتدل الخضرة، الحسن المائية، الرقيق المستشفّ، الذي ينفذه البصر بسرعة، ودونه الأخضر المفتوح اللون؛ وليس فيه شيء من خواص الزّمرّد إلا أن إدمان النظر إليه يجلو البصر. وقيمة خالصه نصف درهم بدينار.
الصنف الثامن الفيروذج
وهو حجر نحاسيّ يتكون في معادن النّحاس من الأبخرة الصاعدة منها، إلا أنه لا يوجد في جميع معادن النّحاس، ومعدنه الذي يوجد فيه بنيسابور، ومنه يجلب إلى سائر البلدان، ومنه نوع آخر يوجد في نشاور «١» إلا أن النيسابوري خير منه.
стр. 679
وهو ضربان: بسحاقيّ «١» وخلنجيّ؛ والخالص منه العتيق هو البسحاقيّ.
وأجوده: الأزرق الصافي اللون، المشرق الصفاء، الشديد الصّقالة، المستوي الصّبغ؛ وأكثر ما يكون فصوصا؛ وذكر الكنديّ أنه رأى منه حجرا زنته أوقية ونصف.
ومن خاصته: أنه يصفو بصفاء الجوّ ويكدر بكدرته؛ وإذا مسه الدّهن أذهب حسنه وغيّر لونه؛ والعرق يطفىء لونه، والمسك إذا باشره أفسده وأذهب حسنه؛ وإذا وضع الفصّ الجيد منه إلى جانب ما هو دونه في الجودة أذهب بهجته؛ وإذا وضع إلى جانب الدّهنج «٢» غلب الدهنج على لونه فأذهب بهجته، ولو كان الفصّ الفيروزج في غاية الحسن والجودة.
ومن منافعه: أنه يجلو «البصر بالنظر إليه؛ وإذا سحق وشرب نفع من لدغ العقارب. وقيمته تختلف باختلاف الجودة اختلافا كثيرا، فربما كان الفصّان منه زنتهما واحدة وثمن أحدهما دينار وثمن الآخر درهم.
وبالجملة: فالخلنجيّ الجيد على النصف من البسحاقي الجيد.
قال التيفاشيّ: وأهل المغرب أكثر الناس له طلبا وأشدّهم في ثمنه مغالاة، وربّما بلغوا بالفصّ منه عشرة دنانير مغربية، ويحرصون على التختم به، وربما زعموا أنه يدخل في أعمال الكيمياء.
الصنف التاسع الدّهنج
وقد ذكر أرسطوطاليس: أنه أيضا حجر نحاسيّ يتكوّن في معادن النحاس يرتفع من أبخرتها وينعقد، لكنه لا يوجد في جميع معادن كرمان وسجستان من بلاد
стр. 680
فارس. قال: ومنه ما يؤتى به من غار بني سليم من برية المغرب، في مواضع أخرى كثيرة.
وأجود أنواعه أربعة: وهي الإفرنديّ «١» ، والهنديّ، والكرمانيّ، والكركيّ؛ وأجوده في الجملة الأخضر المشبع الخضرة، الشبيه اللون بالزّمرّد، معرّق بخضرة حسنة، فيه أهلّة، وعيون بعضها من بعض حسان، وأن يكون صلبا أملس يقبل الصّقالة.
ومن خاصته في نفسه: أن فيه رخاوة بحيث أنه إذا صنع منه آنية أو نصب للسكاكين ومرت عليه أعداد سنين، ذهب نوره لرخاوته وانحل، ولذلك إذا حكّ انحك سريعا، وإذا خرط خرزا أو أواني أو غير ذلك كان في خرطه سهولة، وإذا نقع في الزيت اشتدت خضرته وحسن، فإن غفل عنه حتّى يطول لبثه في الزيت مال إلى السواد.
ومن منافعه: أنه إذا مسح به على مواضع لدغ العقرب سكنه بعض السكون، وإذا سحق منه شيء وأذيب بالخل ودلك به موضع القوبة «٢» الحادثة من المرّة «٣» السوداء أذهبها.
ومن عجيب خواصّه أنه إذا سقي من سحالته شارب سمّ نفعه بعض النفع؛ وإن شرب منه من لم يشرب سمّا كان سمّا مفرطا ينفّط «٤» الأمعاء، ويلهب البدن،
стр. 681
ويحدث فيه سمّا «١» لا يبرأ سريعا، لا سيما إذا حكّ بحديدة، ومن أمسكه في فيه ومصه أضرّ به. وقيمته أن الأفريديّ «٢» الخالص منه كل مثقال بمثقالين من الذهب، ويوجد منه فصوص وغيرها. وقد ذكر يعقوب بن إسحاق الكنديّ: أنه رأى منه صحفة تسع ثلاثين رطلا.
الصنف العاشر البلّور
قال بلينوس: وهو حجر بورقيّ «٣» وأصله اليوقوتية «٤» إلا أنه قعدت به أعراض عن بلوغ رتبة الياقوت؛ وقد اختلف أصحابنا الشافعية ﵏ في نفاسته على وجهين: أصحهما أنه من الجوهر النفيس كالياقوت ونحوه؛ والثاني أنه ليس بنفيس لأن نفاسته في صنعته لا في جوهره.
ويوجد بأماكن، منها برّية العرب من أرض الحجاز وهو أجوده، ومنه ما يؤتى به من الصين وهو دونه، ومنه ما يكون ببلاد الفرنجة وهو في غاية الجودة ومنه معادن توجد بأرمينية تميل إلى الصفرة الزجاجية.
وقد ذكر التيفاشيّ: أنه ظهر في زمنه معدن منه بالقرب من مرّاكش من المغرب الأقصى إلا أن فيه تشعيرا، وكثر عندهم حتّى فرش منه لملك المغرب مجلس كبير، أرضا وحيطانا، ونقل عن بعض التّجّار: أن بالقرب من غزنة من بلاد الهند على مسيرة ثلاثة عشر يوما منها بينها وبين كاشغر جبلين من بلور خالص مطلّين على واد بينهما، وأنه يقطع في الليل لتأثير شعاعه إذا طلعت عليه الشمس بالنهار في الأعين.
стр. 682
وأجوده: أصفاه وأنقاه وأشفّه وأبيضه وأسلمه من التشعير؛ فإن كان مع ذلك كبير الجرم- آنية أو غيرها- كان غاية في نوعه.
وقد ذكر الكندي: أن في البلور قطعا تخرج كل قطعة منه من المعدن أكبر من مائة منّ «١» . ونقل التيفاشيّ: أنه كان بقصر شهاب الدين الغوري صاحب غزة «٢» أربع خواب للماء كلّ خابية تسع ثلاث روايا ماء على محامل من بلور، كل محمل ما بين ثلاثة قناطير إلى أربعة؛ وذكر أيضا أنه رأى منه صورة ديك مخروط من صنعة الفرنج إذا صبّ فيه الشراب ظهر لونه في أظفار الديك.
ومن خاصّته: ما ذكره أوفرسطس الحكيم أنه يذوب بالنار كما يذوب الزجاج، ويقبل الصّبغ.
ومن خاصته أيضا: أنه إذا استقبل به الشمس ووجه موضع الشعاع الذي يخرج منه إلى خرقة سوداء احترقت وظهر فيها النار.
ومن منافعه: أن من تختم به أو علقه عليه لم ير منام سوء. وقيمته تختلف بحسب كبر آنيته وصغرها وإحكام صنعتها.
قال التيفاشي: وبالجملة فالقطعة التي تحمل «٣» منه رطلا إذا كانت شديدة الصّفاء سالمة من التشعير، تساوي عشرة دنانير مصرية.
الصنف الحادي عشر المرجان
وهو حجر أحمر في صورة الأحجار المتشعبة الأغصان؛ ومعدنه الذي
стр. 683
يتكوّن فيه بموضع من بحر القلزم بساحل إفريقيّة، يعرف بمرسى الخرز، ينبت بقاعه كما ينبت النبات، وتعمل له شباك «١» قوية مثقّلة بالرّصاص، وتدار عليه حتّى يلتفّ فيها، ويجذب جذبا عنيفا فيطلع فيها المرجان. وربما وجد ببعض بلاد الفرنجة إلا أن الأكبر والأكثر والأحسن بمرسى الخرز؛ ومنه يجلب إلى بلاد المشرق.
ولأهل الهند فيه رغبة عظيمة؛ وإذا استخرج حك على مسنّ الماء؛ ويجلى بالسّنباذج «٢» المعجون بالماء على رخامة فيظهر لونه ويحسن؛ ويثقب بالفولاذ أو الحديد المسقى.
وأجوده ما عظم جرمه، واستوت قصباته، واشتدت حمرته، وسلم من التسويس- وهو خروق توجد في باطنه حتّى ربما كان منه شيء خاو كالعظم- وأردؤه: ما مال منه إلى البياض أو كثرت عقده وكان فيه تشطيب، ولا سبيل إلى سلامته من العقد لوجود التشعب فيه؛ فإن اتفق أن تقع منه قطعة مصمتة مستوية لا عقد فيها ولا تشطيب كانت في نهاية الجودة.
وقد يوجد منه قطع كبار فتحمل إلى صاحب إفريقيّة فيعمل له منها دويّ وأنصبة سكاكين.
قال التيفاشيّ: رأيت منها محبرة طول شبر ونصف، في عرض ثلاث أصابع، وارتفاع مثلها بغطائها، في غاية الحمرة وصفاء اللون. وقد ذكر ابن الطوير في تاريخ الدّولة الفاطمية بالديار المصرية وترتيبها: أنه كان لخلفاء الفاطميين دواة من المرجان تحمل مع الخليفة إذا ركب في المواكب العظام أمام راكب على فرس، كما سيأتي ذكره في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 684
ومن خاصته في نفسه: أنه إذا ألقي في الخل لان وابيضّ، وان طال مكثه فيه انحلّ، وإذا اتخذ منه خاتم أو غيره ولبّس جميعه بالشمع ثم نقش في الشمع بإبرة بحيث ينكشف جرم المرجان وجعل في خل الخمر الحاذق يوما وليلة أو يومين وليلتين ثم أخرج وأزيل عنه الشمع ظهرت الكتابة فيه حفرا بتأثير الخل فيه، وبقية الخاتم على حاله لم يتغير.
قال التيفاشيّ: وقد جر بنا ذلك مرارا. ومتى ألقي في الدهن ظهرت حمرته وأشرق لونها.
ومن منافعه فيما ذكره الإسكندر «١» : أنه إذا علق على المصروع أو من به النّقرس «٢» نفعه؛ وإن أحرق واستنّ به زاد في بياض الأسنان وقلع الحفر منها وقوّى اللّثّة؛ وطريق إحراقه أن يجعل في كوز فخار ويطيّن رأسه ويوضع في تنّور ليلة. وإذا سحق وشربه من به عسر البول نفعه ذلك؛ ويحلل أورام الطحال بشربه؛ وإذا علق على المعدة نفع من جميع عللها كما في الزّمرّد؛ وإذا أحرق على ما تقدّم وشرب منه ثلاثة دوانق مع دانق «٣» ونصف صمغ عربيّ ببياض البيض وشرب بماء بارد نفع من نفث الدم.
قال التيفاشيّ: وقيمته بإفريقية غشيما الرطل المصريّ من خمسة دنانير إلى سبعة مغربية، وهي بقدر دينارين إلى ما يقار بهما من الذهب المصري،
стр. 685
وبالإسكندرية على ضعفي ذلك وثلاثة أضعافه، ومن الإسكندرية يحمل إلى سائر البلاد؛ ويختلف سعره بحسب قرب البلاد وبعدها، وقلّته، وكثرته، وصغره، وجودته، ورداءته، وحسن صنعته.
الصنف الثاني عشر البادزهر الحيوانيّ
وهو حجر خفيف هشّ. وأصل تكوّنه في الحيوان المعروف بالأيّل بتخوم الصين؛ وإن هذا الحيوان هناك يأكل الحيات، قد اعتاد ذلك غذاء له، فيحدث عن ذلك وجود هذا الحجر منه على ما سيأتي بيانه؛ وقد اختلف الناس في أيّ موضع يكون من هذا الحيوان، فقيل: إنه يتكوّن في مآقي عينيه من الدموع التي تسقط من عينيه عند أكل الحيات، ويتربّى الحجر حتّى يكبر فيحتكّ فيسقط عنه؛ وقيل: يكون في قلبه فيصاد لأجله ويذبح ويستخرج منه؛ وقيل: في مرارته.
قال أرسطاطاليس: وله ألوان كثيرة منها: الأصفر والأغبر المشرب بالحمرة والمشرب بالبياض. وأعظم ما يوجد منه من مثقال «١» إلى ثلاثة مثاقيل.
وأجوده: الخالص الأصفر الخفيف الهشّ، ويستدلّ على خلوصه بكونه ذا طبقات رقاق متراكبة كما في اللؤلؤ، وبه نقط خفية سود، وأن يكون أبيض المحكّ مرّ المذاق.
قال التيفاشيّ: وكثيرا ما يغشّ فتصنع حجارة صغار مطبقة من أشياء مجموعة تشبه شكل البادزهر الحيوانيّ، ولكنها تتميّز عن البادزهر الحقيقيّ بأن المصنوع أغبر كمد اللون ساذج غير منقط؛ والبادزهر الحقيقيّ الخالص: أصفر أو أغبر بصفرة فيه نقط صغار كالنّمش، وطبقاته أرقّ من طبقات المصنوع بكثير، وهو أحسن من المصنوع وأهش ومحكّه أبيض.
стр. 686
ومن خاصته في نفسه: أن احتكاكه بالأجسام الخشنة يخشّنه ويغيّر لونه وسائر صفاته حتّى لا يكاد يعرف. وقد ذكر التيفاشي: أنه كان معه حجر منه، فجعله مع ذهب في كيس وسافر به فاحتك بالذهب فتغير لونه ونقص وزنه حتّى ظنّ أنه غيّر عليه؛ وأنه ربطه بعد ذلك في خرقة وتركه أياما فعاد في الصفة إلى ما كان، إلا أنه بقي على نقص ما ذهب منه.
ومن منافعه: دفع السموم القاتلة وغير القاتلة، حارّة كانت أو باردة، من حيوان كانت أو من نبات، وأنه ينفع من عضّ الهوامّ ونهشها ولدغها، وليس في جميع الأحجار ما يقوم مقامه في دفع السموم. وقد قيل: إن معنى لفظ بادزهر:
النافي للسم؛ فإذا شرب منه المسموم من ثلاث شعيرات إلى اثنتي عشرة شعيرة مسحوقة أو مسحولة أو محكوكة على المبرد بزيت الزيتون أو بالماء أخرج السم من جسد بالعرق، وخلصه من الموت. وإذا سحق وذرّ على موضع النهشة جذب السم إلى خارج وأبطل فعله.
قال ابن جمع «١» : وإن حكّ منه على مسنّ في كل يوم وزن نصف دانق وسقيته الصحيح على طريق الاستعداد والاحتياط قاوم السموم القتّالة ولم تخش له غائلة ولا إثارة خلط. ومن تختم منه بوزن اثنتي عشرة شعيرة في فصّ خاتم ثم وضع ذلك الفص على موضع اللدغة من العقارب وسائر الهوامّ ذوات السموم نفع منها نفعا بيّنا، وان وضع على فم الملدوغ أو من سقي سمّا نفعه.
قلت: هذه هي الأحجار النفيسة الملوكية التي تلتفت الملوك اليها وتعتني بشأنها، أما غيرها من الأحجار كالبنفش، والعقيق، والجزع «٢» ، والمغناطيس،
стр. 687
واليشم «١» ، والسبج «٢» ، واللّازورد، وغيرها مما ذكره المصنفون في الأحجار فلا اعتداد به ولا نظر إليه ولذلك أهملت ذكره.
النوع السادس نفيس الطيب
ويحتاج الكاتب إلى وصفه عند وصوله في هديّة وما يجري مجرى ذلك؛ والمعتبر منه أربعة أصناف:
الصنف الأوّل المسك
وهو أجلّها. قال محمد بن أحمد التميميّ المقدسي في كتابه «طيب العروس» «٣» : وأصل المسك من دابة ذات أربع، أشبه شيء بالظبي الصغير؛ قيل: لها قرن واحد، وقيل: قرنان، غير أن له نابين رقيقين أبيضين في فكه الأسفل خارجين من فيه، قائمين في وجهه كالخنزير.
قال بعص أهل المعرفة بالمسك: وهو فضل دمويّ يجتمع من جسمها إلى سرتها، بمنزلة المواد التي تنصبّ إلى الأعضاء في كل سنة في وقت معلوم، فيقع الورم في سرّتها ويجتمع إليها دم غليظ أسود فيشتدّ وجعها حتّى تمسك عن الرّعي وورود المياه حتّى يسقط عنها.
ثم قيل: إن تلك الظباء تصاد وتذبح وتؤخذ سررها بما عليها من الشعر،
стр. 688
والمسك فيها دم عبيط «١» ؛ وهي النوافج؛ فإن كانت النافجة «٢» كثيرة الدم اكتفي بما فيها، وإن كانت واسعة قليلة الدم زيد فيها من غيرها، ويصب فيها الرصاص المذاب وتحاط بالخوص وتعلق في حلق مستراح أربعين يوما، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتّى يتكامل جفافها وتشتد رائحتها، ثم تصيّر النوافج في مزاود صغار وتخيطها التّجّار وتحملها، وقيل: إنه يبنى لهذه الظباء حين يعرض لها هذا العارض بناء كالمنارة في طول عظم الذراع لتأتي الظباء فتحك سررها بذلك البناء فتسقط النوافج، حتّى إنه يوجد في تلك المراغة ألوف من النوافج ما بين رطب وجامد.
ثم قيل: إن هذه الظباء توجد بمفازات بين الصين وبين التّبّت «٣» والصّغد «٤» من بلاد الترك؛ وإن أهل التّبّت يلتقطون ما قرب إليهم، وقد قيل: إن المسك يحمل إلى التّبّت من أرض بينها وبين التّبّت مسيرة شهرين.
وبالجملة فإنه تختلف أسماء أنواعه باختلاف الأماكن التي ينسب إليها؛ إما باعتبار أصل وجوده فيها، وإما باعتبار مصيره إليها.
وأجوده في الجملة: ما طاب مرعى ظبيه؛ ومرعى ظبيه؛ ومرعى ظبائه النبات الذي يتخذ منه الطيب كالسنبل ونحوه؛ ولا يخفى أن بعض نبات الطيب أطيب رائحة من بعض، حتّى يقال إن منه ما رائحته كرائحة المسك. وقيل أجوده: ما كمل في الظبي قبل بينونته عنه.
стр. 689
وقال أحمد بن يعقوب: وأجود المسك في الرائحة والنظر ما كان تفّاحيّا تشبه رائحته رائحة التفاح اللّبنانيّ، وكان لونه يغلب عليه الصّفرة، ومقاديره وسطا بين الجلال والرّقاق، ثم ما هو أشدّ سوادا منه إلا أنه يقاربه في الرأي والمنظر، ثم ما هو أشدّ سوادا منه، وهو أدناه، قدرا وقيمة. قال وبلغني عن تجّار الهند: أن من المسك صنفين آخرين يتّخذان من نبات أرض: أحدهما لا يفسد بطول المكث، والثاني يفسد بطول المكث؛ والمشهور منه عشرة أصناف.
ونحن نوردها على ترتيبها في الفضل مقدّما منها في الذكر الأفضل فالأفضل على ما رتّبه أحمد:
الأوّل: التّبّتي -
وهو ما حمله التّجار من التّبّت إلى خراسان على الظهر لطيب مرعاه وحمله في البر دون البحر.
الثاني: الصّغديّ -
وهو ما حمل من الصّغد من بلاد التّرك على الظهر إلى خراسان.
الثالث: الصّينيّ -
وإنما نقصت رتبته لأن مرعاه في الطّيب دون مرعى التّبّتيّ، ولما يلحقه من عفونة هواء البحر بطول مكثه فيه. وأفضل الصينيّ: ما يؤتى به من خانفو «١» ؛ وهي مدينة الصين العظمى، وبها ترسو مراكب تجار المسلمين، ومنها يحمل في البحر إلى بحر فارس؛ فإذا قرب من بلد الأبلّة ارتفعت رائحته؛ وإذا خرج من المركب جادت رائحته وذهبت عنه رائحة البحر.
الرابع: الهندي -
وهو ما يحمل من التّبّت إلى الهند ثم يحمل إلى الدّبيل «٢» ثم يحمل في البحر إلى سيراف «٣» من بلاد العجم، وعمان من البحرين، وعدن
стр. 690
من اليمن، وغيرها من النواحي؛ وسبب انحطاط رتبته عن الصينيّ وإن كان من جنس التّبّتى مع أنه أقرب مسافة من الصينيّ ما ذكره المسعوديّ: أنه إذا حمل إلى الهند أخذه كفرة الهند فلطّخوه على أصنامهم من العام إلى العام ثم يبدّلونه بغيره؛ ويبيعه سدنة الأصنام، فبطول مكثه على الأصنام تضعف رائحته؛ على أن محمد بن العباس قد فضّل الهنديّ على الصيني لقرب مسافة حمله في البحر.
الخامس: القنباري -
ويؤتى به من بلد تسمّى قنبار بين الصين والتّبّت.
قال أحمد بن يعقوب: وهو مسك جيد إلا أنه دون التبتي في القيمة، والجوهر، واللون، والرائحة. قال: وربما غالطوا به فنسبوه إلى التبتي.
السادس: الطّغرغزيّ -
وهو مسك رزين يضرب إلى السّواد، يؤتى به من أرض الترك الطغرغز «١» - وهم التتر- وهو بطيء السحق، ولا يسلم من الخشونة إلا أنهم ربما غالطوا به أيضا.
السابع: القصاري -
ويؤتى به من بلد يقال لها القصار بين الهند والصين.
قال ابن يعقوب: وقد يلحق بالصينيّ إلا أنه دونه في الجوهر والرائحة والقيمة.
الثامن: الجزيري -
وهو مسك أصفر حسن الرائحة، يشابه التبّتيّ إلا أن فيه زعارة «٢» .
التاسع: الجبليّ -
وهو مسك يؤتى به من السّند من أرض الموليان، وهو كبير النوافج حسن اللّون إلا أنه ضعيف الرائحة.
стр. 691
العاشر: العصماري -
وهو أضعف أصناف المسك كلها وأدناها قيمة، يخرج من النافجة التي زنتها أوقية زنة درهم واحد من المسك.
قلت: أمّا المسك الداريّ فإنه منسوب إلى دارين، وهي جزيرة في بحر فارس معدودة من بلاد البحرين ترسو إليها مراكب تجّار الهند، ويحمل منها إلى الأقطار، وليست بمعدن للمسك.
الصنف الثاني العنبر
قال محمد بن أحمد التميمي: والأصل الصحيح فيه أنه ينبع من صخور وعيون في الأرض، يجتمع في قرار البحر، فإذا تكاثف اجتذبته الدّهانة التي هي فيه على اقتطافه من موضعه الذي تعلّق به، وطفا على وجه الماء وهو حارّ ذائب فتقطّعه الريح وأمواج البحر قطعا كبارا وصغارا فترمي به الريح إلى السواحل، لا يستطيع أحد أن يدنو منه لشدّة حره وفورانه، فإذا أقام أياما وضربه الهواء جمد، فيجمعه أهل السواحل.
قال أحمد بن يعقوب: وربما ابتلعته سمكة عظيمة يقال لها: أكيال، وهو فائر فلا يستقرّ في جوفها حتّى تموت فتطفو ويطرحها البحر إلى الساحل فيشقّ جوفها ويستخرج منها؛ ويسمّى: العنبر السّمكيّ، والعنبر المبلوع.
قال التميمي: وهو في لونه شبيه بالنار، رديء في الطيب للسّهوكة «١» التي يكتسبها من السمك. قال: وربما طرح البحر القطعة العنبر فيبصرها طائر أسود كالخطّاف فيرفرف عليها بجناحيه، فإذا سقط عليها ليختطف بمنقاره منها تعلّق منقاره ومخاليبه بها فيموت ويبلى ويبقى منقاره ومخاليبه فيها، ويعرف: بالعنبر المناقيريّ.
стр. 692
قال التميمي: ولأهل سواحل البحر التي يوجد بها العنبر نجب يركبونها مؤدّبة تعرف العنبر، يسيرون عليها في ليالي القمر على شاطىء البحر، فإذا رأت العنبر وقد نام راكبها أو غفل بركت بصاحبها حتّى ينزل عنها فيأخذه.
قال التميمي: وألوان العنبر مختلفة، منها: الأبيض، وهو الأشهب، والأزرق، والرّمادي، والجزازي، وهو الأبرش، والصفايح وهو الأحمر؛ وهما أدنى العنبر قدرا. قال: وأفضل العنبر وأجوده ما جمع قوّة رائحة وذكاء بغير زعارة.
قال أحمد بن يعقوب: وأنواع العنبر كثيرة، وأصنافه مختلفة، ومعادنه متباينة، وهو يتفاضل بمعادنه وبجوهره؛ والذي وقفت على ذكره منه ستة أضرب:
الأوّل: الشّحريّ -
وهو ما يقذفه بحر الهند إلى ساحل الشّحر من أرض اليمن. قال: وهو أجود أنواع العنبر، وأرفعه، وأفضله وأحسنه لونا، وأصفاه جوهرا وأغلاه قيمة.
الثاني: الزّنجيّ -
وهو ما يقذفه بحر البربر الآخذ من بحر الهند في جهة الجنوب إلى سواحل الزّنج وما والاها.
قال التميمي: وزعم الحسين بن يزيد السيرافيّ أنه أجود العنبر وأفضله، ويؤتى به منها إلى عدن، ولونه البياض.
الثالث: السلاهطي -
قال التميمي: وأجوده الأزرق الدّسم الكثير الدّهن، وهو الذي يستعمل في الغوالي.
الرابع: القاقلّيّ -
وهو ما يؤتى به من بحر قاقلّة من بلاد الهند إلى عدن من بلاد اليمن، وهو أشهب جيد الريح، حسن المنظر خفيف، وفيه يبس يسير، وهو دون السلاهطي لا يصلح للغوالي إلا عن ضرورة؛ وهو صالح للذرائر والمكلّسات.
الخامس: الهندي -
وهو ما يؤتى به من سواحل الهند الداخلة، ويحمل إلى البصرة وغيرها؛ ومنه نوع يؤتى به من الهند يسمّى: الكرك بالوس، يأتون به إلى
стр. 693
قرب عمان تشتريه منهم أصحاب المراكب.
السادس: المغربيّ -
وهو ما يؤتى به من بحر الأندلس فتحمله التّجار إلى مصر؛ وهو أردأ الأنواع كلّها، وهو شبيه في لونه بالعنبر الشّحريّ. قال التميمي: ويغالط به فيه.
قال التميمي: ومن العنبر صنف يعرف بالنّدّ؛ ونقل عن جماعة من أهل المعرفة أن دابة تخرج من البحر شبيهة ببقر الوحش فتلقيه من دبرها فيؤخذ وهو ليّن يمتدّ، فما كان منه عذب الرائحة حسن الجوهر فهو أفضله وأجوده. قال: وهو أصناف: أحدها الشّحريّ وهو أسود فيه صفرة، يخضب اليد إذا لمس، ورائحته كرائحة العنبر اليابس، إلا أنه لا بقاء له على النار، وإنما يستعمل في الغوالي إذا عزّ العنبر السلاهطي. ومنه: الزّنجيّ وهو نظير الشّحريّ في المنظر ودونه في الرائحة؛ وهو أسود بغير صفرة. ومنه: الخمريّ وهو يخضب اليد وأصول الشعر خضبا جيدا، ولا ينفع في الطيب.
قلت: أمّا المعروف في زماننا بالعنبر مما يلبسه «١» النساء فإنما يقال له:
النّد، وفيه جزء من العنبر، قال في نهاية الأرب «٢» : وهو على ثلاثة أضرب:
الأوّل: المثلّث- وهو أجودها وأعطرها، وهو يركّب من ثلاثة أجزاء: جزء من العنبر الطيّب، وجزء من العود الهنديّ الطيب، وجزء من المسك الطيّب.
الثاني- وهو دونه؛ أن يجعل فيه من العنبر الخام الطّيب عشرة مثاقيل، ومن النّدّ العتيق الجيد عشرة مثاقيل، ومن العود الجيد عشرون مثقالا.
الثالث- وهو أدناها؛ أن يؤخذ لكل عشرة مثاقيل من الخام عشرة مثاقيل من النّدّ العتيق وثلاثون مثقالا من العود، ومن المسك ما أحب.
стр. 694
الصنف الثالث العود
قال التميميّ: أخبرني أبي عن جماعة من أهل المعرفة أنه شجر عظام تنبت ببلاد الهند، فمنه ما يجلب من أرض قشمير «١» الداخلة؛ من أرض سرنديب، ومن قمار «٢» ، وما اتّصل بتلك النواحي؛ وأنه لا تصير له رائحة إلا بعد أن يعتق؛ ويقشّر فإذا قشر وجفف حمل إلى النواحي حينئذ.
قال: وأخبرني بعض العلماء به أنه لا يكون إلا من قلب الشجرة، بخلاف ما قارب القشر كما في الآبنوس والعنّاب ونحوهما من الأشجار التي داخلها فيه دهانة، وما في خارجها خشب أبيض؛ وأنه يقطع ويقلع ظاهره من الخشب الأبيض، ويدفن في التراب سنين حتّى تأكل الأرض ما داخله من الخشب ويبقى العود لا تؤثر فيه الأرض.
وحكى محمد بن العباس: أنه يكون في أودية بين جبال شاهقة، لا وصول لأحد إليها لصعوبة مسلكها، فيتكسر بعض أشجاره أو يتعفّن بكثرة السيول لممرّ الأزمان، فتأكل الأرض ما فيه من الخشب ويبقى صميم العود وخالصه فتجرّه السيول وتخرجه من الأودية إلى البحر فتقذفه الأمواج إلى السواحل، فيلتقطه أهل السواحل ويجمعونه فيبيعونه.
ويقال: إنه يأتي به قوم في المراكب إلى ساحل الهند فيقفون على البعد بحيث لا ترى أشخاصهم، ثم يطلعون ليلا فيضعونه بفرضة تلك البلاد، ويخرج أهل البلد نهارا فيضعون بإزائه بضائع ويتركونها إلى الليل، فيأتي أصحاب العود فمن أعجبه ما بإزاء متاعه أخذه وإلا تركه، فيزيدونه حتّى يعجبه فيأخذه، كما
стр. 695
يحكى في السّمّور وغيره في ساكني أقصى الشّمال.
وأجود العود ما كان صلبا، رزينا، ظاهر الرّطوبة، كثير المائية والدّهنية، الذي له صبر على النار، وغليان، وبقاء في الثياب.
أمّا اللون فأفضله: الأسود، والأزرق الذي لا بياض فيه، ثم منهم من يفضل الأسود على الأزرق، ومنهم من يفضل الأزرق على الأسود.
وهو على ثمانية عشر ضربا:
الأوّل: المندليّ
- نسبة إلى معدنه، وهو مكان يقال له: المندل من بلاد الهند.
قال محمد بن العباس الخشيكي: وهو أرفع أنواع العود وأفضلها وأجودها وأبقاها على النار وأعبقها بالثياب؛ على أن التّجّار لم تكن تجلبه في الجاهلية وإلى آخر الدولة الأمويّة، ولا ترغب في حمله للمرارة في رائحته إلى أن دخل الحسين»
بن برمك الى بلاد الهند هاربا من بني أمية، ورأى العود المندليّ فاستجاده ورغّب التجار في حمله؛ فلما غلب بنو العباس على بني أمية، وحضر بنو برمك إليهم وقرّبوهم؛ دخل الحسين بن برمك يوما على المنصور فرآه يتبخّر بالعود القماريّ، فأعلمه أن عنده ما هو أطيب منه، فأمره بإحضاره فأحضره إليه فاستحسنه، وأمر أن يكتب إلى الهند بحمل الكثير منه، فاشتهر بين الناس وعز من يومئذ، واحتمل ما فيه من مرارة الرائحة وزعارتها، لأنها تقتل القمل وتمنع من تكوّنه في الثياب.
الثاني: القامرونيّ
- وهو ما يجلب من القامرون؛ وهو مكان مرتفع من الهند. وقيل القامرون: اسم لشجر من العود؛ وهو أغلى العود ثمنا وأرفعه قدرا.
قال التميميّ: وهو قليل لا يكاد يجلب إلا في بعض الحين، وهو عود رطب
стр. 696
جدّا، شديد سواد اللون، رزين «١» ، كثير الماء.
وذكر الحسين بن يزيد السيرافيّ: أنه ربما ختم عليه فانطبع وقبل الختم للينه. قال: ويكون فيه ما قيمة المنّ منه مائتا دينار.
الثالث: السّمندوريّ
- وهو ما يجلب من بلاد سمندور؛ وهي بلد سفالة الهند، ويسمّى لطيب رائحته: ريحان العود، وبعضه يفضل بعضا. قال التميمي:
وتكون القطعة الضخمة منه منّا واحدا.
الرابع: القماريّ
- وهو ما يجلب من قمار، وهي أرض سفالة الهند، وبعضه يفضل بعضا أيضا، وتكون القطعة منه نصف رطل إلى ما دون ذلك.
الخامس: القاقلّيّ
- وهو ما يجلب من جزائر بحر قاقلّة، وهو عود حسن اللون، شديد الصّلابة دسم، فيه ريحانيّة خمرة، وله بقاء في الثياب، إلا أن قتاره «٢» ربما تغير على النار فينبغي ألا يستقصى إلى آخره.
السادس: الصّنفيّ
- وهو ما يجلب من بلد يقال لها الصّنف ببلاد الصين، وهو من أحلى «٣» الأعواد وأبقاها في الثياب.
قال التميمي: ومنهم من يفضله على القاقلّيّ ويرى أنه أطيب وأعبق وآمن من القتار، وربما قدّموه على القماريّ أيضا. قالوا: وأجود الصّنفيّ الأسود الكثير الماء، وتكون القطعة منه منّا وأكثر وأقلّ. ويقال: إن شجره أعظم من شجر الهنديّ والقماريّ.
السابع: الصندفوري
- وهو ما يجلب من بلاد الصندفور من بلاد الصين؛ وهو دون الصّنفيّ، ويقال: إنه صنف منه ولذلك كانت قيمته لاحقة بقيمته، وفيه
стр. 697
حسن لون وحلاوة رائحة، ورزانة، وصلابة، إلا أنه ليس بالقطع الكبار.
الثامن: الصّينيّ
- ويؤتى به من الصّين، وهو عود حسن اللون، أوّل رائحته تشاكل رائحة الهنديّ إلا أن قتاره غير محمود؛ وتكون القطعة منه نصف رطل وأكثر وأقلّ.
التاسع: القطعي
- وهو عود رطب حلو طيب الرائحة، وهو نوع من الصّينيّ.
العاشر: القسور
- وهو عود رطب حلو طيّب الرائحة؛ وهو أعذب رائحة من القطعيّ إلا أنه دونه في القيمة.
الحادي عشر: الكلهي
- وهو عود رطب يمضغ، وفيه زعارة، وشدّة مرارة للدّهانة التي فيه؛ وهو من أعبق الأعواد في الثياب وأبقاها.
الثاني عشر: العولاتي
- وهو عود يجلب من جزيرة العولات بنواحي قمار من أرض الهند.
الثالث عشر: اللوقيني
- وهو ما يجلب من لوقين؛ وهي طرف من أطراف الهند، وله خمرة «١» في الثياب إلا أنه دون هذه الأعواد في الرائحة والقيمة.
الرابع عشر: المانطائي
- وهو ما يجلب من جزيرة مانطاء؛ وقيمته مثل قيمة اللوقيني، وهو خفيف ليس بالحسن اللون.
قال أحمد بن العباس: وهو قطع كبار ملس لا عقد فيها، إلا أن رائحته ليست بطيبة وإنما يصلح للأدوية.
الخامس عشر: القندغلي
- ويؤتى به من ناحية كله «٢» وهي ساحل الزنج- وهو يشبه القماري إلا أنه لا طيب لرائحته.
стр. 698
السادس عشر: السمولي
- وهو عود حسن المنظر، فيه خمرة وله بقاء في الثياب.
السابع عشر: الرانجيّ
- وهو عود يشبه قرون الثيران، لا ذكاء له، ولا بقاء في الثياب.
الثامن عشر: المحرّم
- سمى بذلك لأنه قد وقع بالبصرة فشكّ الناس في أمره، فحرّمه السلطان ومنعه فسمّي المحرّم، وهو من أدنى أصناف العود.
وجعل بعضهم بين الصّنفيّ والقاقلّيّ صنفا يقال له: العطلي، يؤتى به من الصّين، وهو عود صلب خفيف حسن المنظر إلا أنه قليل الصبر على النار. وقد ذكر أحمد بن العباس بعد ذلك أصنافا من العود ليست بذات طائل.
منها: الأفليق؛ وهو عود يؤتى به من أرض الصّين، يكون في العظم مثل الخشب الرانجي الغلاظ يباع المنّ منه بدينار وأقل وأكثر؛ والعود الطيب الريح في قشوره، وداخله خشب خفيف مثل الخلاف «١» ، وإذا وضع على الجمر وجد له في أوّله رائحة حلوة طيبة؛ فإذا أخذت النار منه ظهرت منه رائحة رديئة كرائحة الشعر.
الصنف الرابع الصّندل
وهو خشب شجر يؤتى به من سفالة الهند؛ وهو على سبعة أضرب:
الأوّل: المقاصيري
- وهو الأصفر، الدّسم، الرّزين، الذي كأنه مسح بالزّعفران الذّكي الرائحة.
واختلف في سبب تسميته بالمقاصيريّ فقيل: نسبة إلى بلد تسمّى:
مقاصير؛ وقيل: إن بعض خلفاء بني العباس اتخذ لبعض أمهات أولاده ومحاظيّه
стр. 699
مقاصير منه، وهو شجر عظام يقطع رطبا، وأجوده ما اصفرّ لونه وذكت رائحته ولم يكن فيه زعارة.
قال التميمي: وهو يدخل في طيب النساء الرطب واليابس، وفي البرمكيات، والمثلثات، والذّرائر؛ ويتخذ منه قلائد، ويدخل في الأدوية؛ ويقال: إن صاحب اليمن الآن يعمل له منه الأسرّة، وإنه يأمر بقطع ما يحمل منه من اليمن إلى غيرها من البلاد قطعا صغارا حتّى لا يكون منها ما يعمل سريرا لغيره من الملوك.
الثاني: الأبيض منه الطيب الريح
- وهو من جنس المقاصيري المتقدّم ذكره لا يخالفه في شيء إلا في البياض؛ ويقال: إنّ المقاصيري هو باطن الخشب وهذا الأبيض ظاهره.
الثالث: الجوزي
- وهو صلب العود أبيض، يضرب لونه إلى السّمرة، ويؤتى به من موضع يقال له: الجوز «١» ، وهو طيب الرائحة إلا أنه أضعف رائحة من الذي قبله.
الرابع: الساوس ويقال: الكاوس
- وهو صندل أصفر طيب الرائحة إلا أنّ في رائحته زعارة؛ ويستعمل في الذرائر، والمثلثات، في الطيب والبخورات.
الخامس: يضرب لونه إلى الحمرة
- وهو على نحو من الذي قبله.
السادس: صندل «٢» جعد الشعرة
- لا بساطة فيه إذا شقق بل يكون فيه تجعيد كما في خشب الزيتون؛ وهو أذكى أصناف الصندل إلا أنه لا يستعمل في شيء سور البخورات والمثلثات.
стр. 700
السابع: أحمر اللون
- وهو خشب حسن اللون، ثقيل الوزن لا رائحة له، إلا أنه تتخذ منه المنجورات والمخروطات كالدّويّ وقطع الشّطرنج ونحوها مع ما يدخل فيه من الأعمال الطيبة.
قلت: هذا ما يحتاج الكاتب إلى وصفه من أصناف الطيب النفيسة مما يهدى أو يرد هدية، ويجري ذكره في مكاتبات الملوك، أما ما عدا ذلك من أصناف الطيب كالسّنبل والقرنفل، والكافور، فليس من هذا القبيل.
النوع السابع ما يحتاج إلى وصفه من الآلات، وهي أصناف:
الصنف الأوّل الآلات الملوكية
ويحتاج الكاتب إلى وصفها عند وصف المواكب الحفيلة التي يركب فيها السلطان، وهي عدّة آلات:
منها: الخاتم- بفتح التاء وكسرها- وحكى فيه ابن قتيبة والجوهريّ وغيرهما خيتام وخاتام؛ وهو ما يجعل في الإصبع من الحليّ، وهو مأخوذ من الختم، وهو الطبع؛ سمي بذلك لأنه يختم بنقشه على الكتب الصادرة عن الملوك. وسيأتي في الكلام على ختم الكتب: أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى بعض ملوك الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرأون كتابا غير مختوم، فاتخذ خاتما «١» من ورق «٢» وجعل نقشه «محمد رسول الله» واقتدى به في ذلك الخلفاء بعده؛ ثم توسعوا فيه إلى أن جعلوا للكتب طابعا مخصوصا وأفردوا له ديوانا سموه «ديوان
стр. 701
الخاتم» «١» واقتفى الملوك أثرهم في ذلك، ثم غلب بمملكتنا وما ناهزها الاكتفاء في المكاتبات باللّصاق «٢» ، وصار اسم الخاتم مقصورا على ما يجعل في الإصبع خاصة سواء كان فيه نقش أم لا؛ وصارت الملوك إنما تلبس الخواتم بفصوص الجواهر من اليواقيت ونحوها تجمّلا، وربما بعثت بها في تأمين الخائف علامة للرضا عليه والصفح عما جناه واقترفه.
ومنها: المنديل بكسر الميم؛ وهو منديل يجعل في المنطقة المشدودة في الوسط مع الصولق «٣» وغيره؛ ثم جرى اصطلاح الملوك على البعث به في الأمانات كما تقدم في الخاتم.
والمنديل: آلة قديمة للملوك؛ فقد حكي أنه كان للأفضل بن أمير الجيوش أحد وزراء الفاطميين مائة بدلة مغلقة على أوتاد من ذهب، على كل بدلة منها منديل من لونها؛ ولم يكن المنديل من آلات الخلافة بل إنما كان من آلاتها البردة «٤» على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب الخلافة في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.
ومنها: التّخت، ويقال له: السرير؛ وهو ما يجلس عليه الملوك في المواكب، ولم يزل من رسوم الملوك قديما وحديثا، رفعة لمكان الملك في الجلوس عن غيره حتّى لا يساويه غيره من جلسائه؛ وقد أخبر تعالى في كتابه العزيز
стр. 702
أنه كان لسليمان ﵇ كرسي بقوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً
«١» ورأيت في بعض التواريخ أنه كان له كرسيّ من عاج مغشّى بالذهب.
ثم هذه الأسرّة تختلف باختلاف حال الملوك، فتارة تكون من أبنية رخام ونحوه، وتارة تكون من خشب، وتارة من فرش محشوّة متراكبة، وقد حكي أنه كان لملوك الفرس سرير من ذهب يجلسون عليه، وكان عمرو بن العاص ﵁ وهو أمير مصر يجلس مع قومه على الأرض غير مرتفع عليهم «٢» ، ويأتيه المقوقس ومعه سرير من ذهب، يحمل معه على الأيدي، فيجلس عليه فلا يمنعه عمرو من ذلك، إجراء له على عادته في الملك فيما قيل، لما عقده له من الذمّة واتخذه معه من العهد.
ومنها: المظلّة، واسمها بالفارسية: الجنز- بنون بين الجيم والزاي المعجمة- ويعبر عنها العامّة الآن بالقبّة والطّبر، وهي قبة من حرير أصفر، تحمل على رأس الملك، على رأس رمح بيد أمير يكون راكبا بحذاء الملك، يظلّه بها حالة الركوب من الشمس في المواكب العظام، وسيأتي ذكرها في الكلام على ترتيب المملكة في الدولة الفاطمية. وهذه الدولة في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى.
ومنها: الرّقبة، وهي لباس لرقبة فرس السلطان من حرير أصفر، قد طرّزت بالذهب الزّركش حتّى غلب عليها وصار الحرير غير مرئيّ فيها، تشدّ على رقبة فرس الملك في المواكب العظام لتكون مضاهية لما يركب به من الكنبوش «٣» الزركش المغطّي لظهر الفرس وكفله.
стр. 703
ومنها: الغاشية، وهي غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب، يظنها الناظر كلّها ذهبا، ويلقيها على يديه يمينا وشمالا.
ومنها: الچفتاه «١» ؛ وهي فرسان أشهبان قريبا الشبه، برقبتين من زركش، وعدّة تضاهي عدّة مركوب السلطان، كأنهما معدّان لأن يركبهما السلطان، يعلوهما مملو كان من المماليك السلطانية قريبي الشبه أيضا، على رأس كل منهما قبّعة من زركش مشابه للآخر.
ومنها: المنطقة- بكسر الميم- وهي ما يشدّ في الوسط، وعنها يعبّر أهل زماننا بالحياصة؛ وهي من الآلالات القديمة؛ فقد روي: أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ كان له منطقة. وهذه الآلة قد ذكرها في «التعريف» في الآلالات الملوكية، على أن ملوك الزمان لم تجر لهم عادة بشدّ منطقة وإنما يلبسها الملك للأمراء عند إلباسهم الخلع والتشاريف؛ وهي تختلف بحسب اختلاف الرتب، فمنها ما يكون من ذهب مرصّع بالفصوص، ومنها ما ليس كذلك.
ومنها: الأعلام؛ وهي الرايات التي تحمل خلف السلطان عند ركوبه، وهي من شعار الملك القديمة؛ وقد ورد أن النبي ﷺ كان يعقد لأمراء سراياه الرايات عند بعثها؛ ثم قد يعبّر عن بعضها بالعصائب جمع عصابة، وهي الألوية، أخذا من عصابة الرأس، لأن الراية تعصب رأس الرمح من أعلاه؛ وقد يعبر عنها بالسّناجق جمع سنجق، والسّنجق باللغة التركية معناه الطعن؛ سميت الراية بذلك لأنها تكون في أعلى الرمح؛ والرمح هو آلة الطعن يسمّى بذلك مجازا.
ومنها: الطّبول؛ ويقال لها: الدّبادب، والبوقات، والزمر المعروف بالصهان الذي يضرب به عشيّة كل ليلة بباب الملك وخلفه إذا ركب في المواكب ونحوها، وهي المعبر عنها بالطّبلخاناه، وهي من شعار الملك القديم.
стр. 704
وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن الطبل في بلاد المغرب يختص ضربه بالسلطان دون غيره من كل أحد كما سيأتي ذكره في الكلام على مملكة المغرب في المسالك والممالك إن شاء الله تعالى.
والسر فيها إرهاب العدوّ وتخذيله كما كتب «١» به أرسطو في كتاب «السياسة» للإسكندر، أو تقوية النفوس وتشجيعها على الحرب كما قاله «٢» الغزالي ﵀ في «الإحياء» «٣» ، وكلما كثرت أعدادها كان أفخم لشأن الملك وأبلغ في رفعة شأنه. وقد حكي أن دبادب الإسكندر كانت أربعين حملا.
قلت: وقد ذكر في «التعريف» من جملة الآلات الملوكية الدواة، والقلم، والمرملة «٤» ؛ ولا يخفى أنها بآلات الكتّاب أليق وإن كان السلطان لا يستغني عنها، وسيأتي الكلام عليها في الكلام على آلات الكتابة من هذه المقالة إن شاء الله تعالى.
الصنف الثاني آلات الركوب؛ وهي عدّة آلات
منها: السرج- وهو ما يقعد فيه الراكب على ظهر الفرس؛ وأشكال قوالبه مختلفة، ثم من السرج ما يكون مغشّى بالذهب، وهو مما يصلح للملوك.
ومنها: ما يكون مغشّى بالفضة البيضاء، وكل منها قد يكون منقوشا وقد يكون غير منقوش، ومنها ما يكون بأطراف فضة، ومنها ما يكون ساذجا «٥» .
ومنها: اللّجام- وهو الذي يكون في فكّ الفرس يمنعه من الجماح؛ وقوالبه
стр. 705
أيضا مختلفة، ثم منها ما يكون مطليّا بالذهب، ومنها ما يكون مطليّا بالفضة، ومنها ما يكون ساذجا، ومنها ما يكون رأسه وجنباه محلّى بالفضة، ومنها ما يكون غير محلّى.
ومنها: الكنبوش- وهو ما يستر به مؤخر ظهر الفرس وكفله؛ وهو تارة يكون من الذهب الزركش، وتارة يكون من المخايش، وهي الفضة الملبّسة بالذهب، وتارة يكون من الصوف المرقوم؛ وبه يركب القضاة وأهل العلم.
ومنها: العباءة بالمدّ- وهي التي تقوم مقام الكنبوش.
ومنها: المهماز- وهو آلة من حديد تكون في رجل الفارس، فوق كعبه، فوق الخف وما في معناه، ومؤخره إصبع محدّد الرأس إذا أصاب جانب الفرس تحرّكت وأسرعت في المشي أو جدّت في العدو، وهو تارة يكون من ذهب محض، وتارة يكون من فضّة، وتارة يكون من حديد مطليّ بالذهب أو الفضة؛ وقد اعتاد القضاة والعلماء في زماننا تركه.
ومنها: الكور- وهو ما يقعد فيه الراكب في ظهر النجيب؛ وهو «١» الهجين؛ والعرب تسميه: الرّحل؛ ثم قد يكون مقدّمه ومؤخره مغشّى بالذهب أو الفضة، وقد يكون غير مغشّى.
ومنها: الزّمام- وهو ما يقاد به النّجيب، ويضبطه به الراكب كما يضبط الفارس الفرس بالعنان.
ومنها: الرّكاب- وهو ما تجعل فيه الرّجل عند الركوب، وكانت العرب تعتاده من الجلد والخشب، ثم عدل عن ذلك إلى الحديد.
قال أبو هلال العسكريّ «٢» في كتابه «الأوائل» «٣» : وأوّل من اتخذه من
следующие страницы →