← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ولد ولا صاحب، شهادة تزجر طير الإشراك بهذه الأشراك من كلّ جانب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قرّبه فكان قاب قوسين أو أدنى وهذه أعلى المراتب، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين رقوا في العلياء لمراق لم يسم إليها طير مراقب، صلاة يسبق بها المصلّي إلى بقاع شرف يشرق سناه في المشارق والمغارب، ويرجع طائرا بالسّرور ولا رجوع الطائر الشّارد إلى المشارب. وبعد، فإن الصّيد من أحلّ الأشياء وأحلاها، وأجلّها وأجلاها، وأبهرها وأبهاها، وأشهرها وأشهاها، وأفخرها قيمة، وأغزرها ديمة؛ بورود الطّير فيه إلى المناهل تنشرح الصدور، وبوقوعه في شرور الشّرك يتمّ السّرور؛ يحصّل عند متعاطيه نشاطا، ويزيده انبساطا، ويشرح خاطره، ويسرّح ناظره، ويملأ عينه قرّة، وقلبه مسرّة؛ يشجّع الجبان، ويثبّت الجنان، ويقوّي الشّهوة، ويسوّي الخطوة، ويسوق الظّفر، ويشوق النّظر، ويروق منه الورد والصّدر، ويفوق فيه الخبر على الخبر. قال بعض الحكماء: «قلّما يغمش ناظر زهرة، أو يزمن مريع طريدة» ؛ يعني بذلك من أدمن الحركة في الصّيد ونظر إلى البساتين، فاستمتع طرفه بنضرتها، وأنيق منظرها. ومن ذا الذي ينكر لذّة الاصطياد، والطّرب بالقنص على الإطراد؟ ولله درّ القائل: لولا طراد الصّيد لم تك لذّة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا. هذا الشّراب أخو الحياة وما له ... من لذّة حتّى يصيب عليلا! يا حسنه من فعل اعتلّت بالنّسيم موارده ومصادره، وفاقت أوائله في اللّذاذة أواخره؛ ولله القائل: إنّما الصّيد همّة ونشاط ... يعقب الجسم صحّة وصلاحا ورجاء ينال فيه سرور ... حين يلقى إصابة ونجاحا!

стр. 6722

وما أطيب الاقتناص بعد الشّرود، وكيف يرى موقع الوصل بعد الصّدود: وزادني رغبة في الحبّ أن منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا! تقضي رياضات النّفوس السامية بمعاطاة كاسه، ومصافاة ناسه، لما فيهم من الفتوّة، وكمال المروّة، وصدق اللسان، وثبات الجنان، وطيب الأخلاق، وحفظ الميثاق؛ لا يعرفون غير الصّدق وإن كانوا يميلون إلى الملق، ولا يبغون بصاحبهم بديلا يعطفون عليه عطف النّسق؛ لا سيّما تعاطي صيد طيور الواجب، الذي سنّة الأكابر وجعلوا أمره من الواجب، وتشرّفت به هممهم العالية: تارة إلى السّماء، وآونة إلى مشارع الماء. لا يتمّ سرورهم إلا برؤية تمّ كبدر التّمام، ومصباح الظّلام؛ يفرّ من ظلّه فرارا، ويريك بياض لونه وسواد منقاره شيبا ووقارا؛ ولا يداوي هموم لغبهم مثل كيّ، لأجنحته الخوافق في الخافقين نشر وطيّ، ولا تبتهج نفوسهم النّفيسة إلا بإوزّة، يزدري دلالها بالكاعب المعتزّة، ولا يطرب أسماعهم غير لغات اللّغلغة، حين تمتدّ كأنها مدامة في الزّجاجة مفرغة، ولا يؤنسهم إلا الأنيسة الأنيسة، والدّرّة النّفيسة، ولا يذهب حرجهم غير الحبرج الصّادح، المستوقف بحسنه كلّ غاد ورائح؛ تكاد قلوبهم تطير بالفرح عند رؤية النّسر الطائر، وتجبر خواطرهم بكسر ذلك الكاسر؛ إذا عاينوا عقبانا أعقبهم الفرح، ونزح عنهم التّرح، وإن كرّ كركيّ فرّ عنهم البوس، ورأوا على رأسه ذلك التّاج الذي لم يعل مثله على الرّؤوس؛ وإن عرض غرنوق غرقوا في بحار أفكارهم، وجدّوا إلى أن يقع بمجدول أوتارهم، وإن لاح ضوع كالذّهب المصوغ، ألقوه في الحبال وهو بدمه مصبوغ، وإن مرّ مرزم كالخودة الحسناء، ضربوا له الآلة الحدباء، وإن مرّ السّبيطر أجنحته كالسّحائب، جاءته المرامي من كلّ جانب، وإن عنّ عنز عمدوا إليه، حتّى يسقط في يديه؛ قد تعالوا في رتبها، وتغالوا في وصف وشيها، وجعلوا كلّ آلة

стр. 6723

صنيعة، وربّة جمال منيعة، وبعيدة الرّمي بديعة:- من كلّ قوس هي في العين كالحاجب، أو النّون التي أجادها الكاتب؛ تدوّر الطائر عند الرّمي وتذيبه، وتئنّ أنينا أولى به من تصيبه. وبندق جبلت طينته على صوب الصّواب، يستنزل الطّير ولو استتر بذيل السحاب؛ كأنه النّجم الثّاقب، والشّهاب الصّائب؛ يرى الطّير كالسحاب الواكف، فينقضّ عليه انقضاض البرق الخاطف، ويرجع النّسر من حتفه راتعا، ويغدو بعد أن كان طائرا واقعا، ويصير بعد أن كان كاسرا مكسورا، وفي سوار القسيّ مأسورا؛ فهنالك يلفى الغالب وهو مغلوب، والطير الواجب وهو مندوب؛ فحينئذ تنشرح النفوس، وتطرب ولا طربها بالكؤوس. ولما كان بهذه المنزلة العظيمة، والمرتبة الجسيمة، تعاطته الملوك وأبناء الملوك، ونظموا عقده بحسن السّلوك «١» ، وارتاضت به النفوس الطاهرة، واعتاضت به عن الكؤوس الدّائرة، ورأت به تكميل الأدوات، وسامت به فعل الواجب وإن قيل: إنّ ذلك من الهفوات؛ فهو تعب تنشأ الراحة عنه، ولعب لم يكن شيء أشبه بالجدّ منه. فلذلك قصد الجناب الكريم، العاليّ، الصّلاحيّ، صلاح الدّنيا والدين، ونجاح الطّالبين، سليل الوزراء، ونجل الكبراء، وصدر الرؤساء، وعين العظماء، ابن المقرّ المحيويّ بن فضل الله، أدام الله تعالى علاه،

стр. 6724

وكبت عداه، وأعلى معاليه، وشكر مساعيه، وأطال حياته، وأطاب ذاته- أن يسلك تلك المسالك، ويريض نفسه الكريمة بذلك، ويتحيّل على تحصيل اللذات بالتّحوّل، عملا بقول الشاعر: تنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل! وعمد إلى تحصيل آلاته، سائرا كالبدر في هالاته، فسار مع سرايا كالنّجوم، يتفاكهون في الحديث بالمنثور والمنظوم، ويخلطون جدّ القول بهزله، كلّما خلط لهم طلّ الجود بوبله، وانحدروا في النّيل بجمعهم الصحيح، وقصدوا المرامي العالية ولم يقنعوا من الأيام بالرّيح، وظلّوا يسيرون في تلك المراكب، التي كأنها قطع السّحائب. هذا وهم يتشوّفون إلى المصايد، ويشرفون إلى الشّوارد، فيطلعون أحيانا إلى البرّ متفرّجين، وبطيب ذلك النسيم متأرّجين: نسيم قد سرى فيهم بنشر ... فأذكرهم بمسراه السّريّا! كرامته استقرّت حين وافى ... له نفس يعيد الميت حيّا! ويجتنون من الغصن الزّاهي قدّا، ويجتلون من الورد الزّاهر خدّا، ويتأمّلون ضحك الأرض من بكاء السماء، وشماخة القضب عند خرير الماء؛ لا تذوق أجفانهم طعم الكرى، ولا يميلون عن السّير ولا يملّون السّرى؛ ما منهم إلا من إذا رأى الطّير جائشا، عاد من وقته له حائشا؛ بينما هم يسيرون متفرّقين، حتّى إذا لاح لهم طير تداعوا إليه غير مقصّرين والتفّوا محلّقين؛ ولم يزالوا كذلك ينهمون العيش، بالدّعة والطّيش؛ حتّى إذا أقبل اليوم المبارك الثامن والعشرون من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وهو اليوم الذي عزم فيه الجناب الصّلاحيّ على الاصطياد، بالبنادق الحداد، فتباشرت به الطّيور، وسدّت بأجنحتها الثّغور، وسهل عندها فيه نزول الرئيس، فجادت له بالنّفيس، وخرجت من قشرها، وسمحت عند مدّ القوس بحزّ

стр. 6725

نحرها، ورغب كلّ منها أن يكون له بذلك أوفر القسم، وترجّى أن يكون هو المكتوب له في القدم. ومدّ يده نحو السّما، فأصاب مرزما؛ فيا له من صيد فاق به على الأكابر الصّيد! ويا له من يوم صار بنحر الطّير يوم العيد!! قام فيه بواجب ما شرعه الرّماة من الشّرع، وذكّرنا بهذا الصّرع يوم ذلك الصّرع؛ فلا زال سهمه مسدّد الأغراض، وجوهره محميّا من الأعراض؛ يجري بمراده المقدور، ويطيعه في سائر الأمور. وقد نظمت مخمّسا مشتملا على ذكر طيور الواجب، وطرّزته باسمه، لأن هذه القدمة قد قدّمت له وجعلت برسمه؛ غير أني أعتذر عنها، لعدم مادّة عندي أستمدّ منها: جلّ كؤوسا عطّلت بالرّاح ... ولا تطع فيها كلام لاحي واشرب هنيئا واسقني يا صاح ... واذكر زمانا مرّ بالأفراح هبّت به فيما مضى رياحي! ... أيام كنت أصحب الأكابرا وأغتدي مع الرّماة سائرا ... ولا أزال بالغيار غائرا إذا رأيت في المياه طائرا ... نحوته من سائر النّواحي! فتارة كنت أصيد النّسرا ... وبعده العقاب يحكي الجمرا والكيّ والكركيّ صدت جهرا ... وصدت غرنوقا «١» وعنزا قهرا وكنت بالإوزّ في انشراح! ... وتارة تمّا كبدر التّمّ تتبعه أنيسة كالنّجم

стр. 6726

ولغلغ أسود مسك الهمّ ... وحبرج عن الرّماة محمي والضّوع مع سبيطر «١» سيّاح! ... وكم وكم قد صدت يوما مرزما أنزلته بالقوس من جوّ السّما ... جناحه يحكي طرازا معلما على بياض شية شبه الدّما ... كأنّه ليل على صباح! حيث الصّبا تشفع بالقبول ... وشملنا يجمع بالشّمول في مجلس ليس به فضولي ... وجاءنا التّوقيع في الوصول: فسادكم يغفر بالصّلاح ... السّيّد الفائق في أفعاله والمزدري بالبدر في كماله ... والمشتري حسن الثّنا بماله لا أحد يحكيه في نواله: ... إلا أخوه معدن السّماح! من ساد في الدّنيا على الكتّاب ... وصان سرّ الملك في حجاب عليّ العالي على السّحاب ... الباذل المال بلا حساب! «٢» زاده الله نعما، وأجرى له في النّدى يدا، وثبّت له في العلى قدما؛ بمنّه وكرمه. وهذه نسخة رسالة في صيد البندق، من إنشاء الشيخ شهاب الدّين أبي الثّناء محمود بن سلمان الحلبيّ، ﵀؛ وهي «٣» :

стр. 6727

الرّياضة- أطال الله بقاء الجناب الفلانيّ، وجعل حبّه كقلب «١» عدوّه واجبا، وسعده كوصف عبده للمسارّ جالبا، وللمضارّ حاجبا- تبعث النفس على مجانبة الدّعة والسّكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الرّكون إلى الوكون، وتحضّها على أخذ حظّها من كلّ فنّ حسن، وتحثّها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللّسن، وتأخذ بها طورا في الجدّ وطورا في اللّعب، وتصرفها من ملاذّ السّموّ في المشاقّ التي يستروح إليها التّعب؛ فتارة تحمل الأكابر والعظماء في طلب الصّيد على مواصلة السّرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر؛ وذلك من محاسن أوصافهم التي يذمّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من ميلهم جدّ الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها. وتارة يدعوهم «٢» إلى البروز إلى الملق، ويحدوهم «٣» في سلوك طريقها مع من هو دونهم على ملازمة الصّدق ومجانبة الملق، فيعتسفون إليها الدّجى، إذا سجى، ويقتحمون في بلوغها حرق «٤» النّهار، إذا انهار، ويتنعّمون بوعثاء السّفر، في بلوغ الظّفر، ويستصغرون ركوب الخطر، في إدراك الوطر، ويؤثرون السّهر على النّوم، واللّيلة على اليوم، والبندق على السّهام، والوحدة على الالتئام. ولمّا عدنا من الصّيد الذي اتّصل به «٥» حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه، تقنا إلى أن نشفع صيد السوانح، برمي الصّوادح، وأن نفعل في الطّير الجوانح، بأهلّة القسيّ ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الارتحال، على الإقامة في الرّحال، وأخذا بقولهم:

стр. 6728

لا يصلح النّفس إذ كانت مدبّرة ... إلّا التّنقّل من حال إلى حال! فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتسير «١» من الأفق الغربيّ إلى موضع «٢» رمسها، وتغازل عيون النّور بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد، فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق، أو عليل يقضي بين صحبه بقايا مدّة الرّمق؛ وقد اخضلّت عيون النّور لوداعها، وهمّ الرّوض بخلع حلّته المموّهة بذهب شعاعها: والطّلّ في أعين النّوّار تحسبه ... دمعا تحيّر لم يرقأ ولم يكف: كلؤلؤ ظلّ عطف الغصن متّشحا ... بعقده وتبدّى منه في شنف يضمّ من سندس الأوراق في صرر ... خضر ويجنى من الأزهار في صدف والشّمس في طفل الإمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفي كعاشق سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراآهم على شرف إلى أن نضّى المغرب عن الأفق حلي «٣» قلائدها، وعوّضه عنها من النّجوم بخدمها وولائدها؛ فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلّة، ومنعنا جفوننا أن ترد النّوم إلا تحلّة؛ ونهضنا وبرد اللّيل موشّع، وعقده مرصّع؛ وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر؛ وبدره في خدر سراره مستكنّ، وفجره في حشا مطالعه مستجنّ؛ كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل، وكأنّ ثريّاه لامتداده معلّقة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل «٤» : ولا حت نجوم اللّيل زهرا كأنّها ... عقود على خود من الزّنج تنظم محلّقة في الجوّ تحسب أنّها ... [طيور] «٥» على نهر المجرّة حوّم

стр. 6729

إذا لاح بازي الصّبح ولّت يؤمّها ... إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم! إلى حدائق ملتفّة، وجداول محتفّة؛ إذا خمش النّسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب، وإذا فرك مرّ المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب، ورقصت في المناهل رقص الحباب؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران: وطلّها في خدود الورد منبعث ... طورا وفي طرر الرّيحان حيران! وطائرها غرد، وماؤها مطّرد؛ وغصنها تارة يعطفه النّسيم إليه فينعطف، وتارة [يعتدل] «١» تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين التّرتيب، إذ كلّما اعتلّ النّسيم صحّ الأرج وكلّما خرّ الماء شمخ القضيب: فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت ... أعطافها ريح «٢» الصّبا أحباب: فلها إذا افترقت من استعطافها ... صلح ومن سجع الحمام عتاب وكأنّها حول العيون موائسا ... شرب وهاتيك المياه شراب! فغديرها كأس وعذب نطافها ... راح وأضواء النّجوم حباب! يحيط بملق نطاقها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد وفي رأي العين طاف؛ إذا دغدغها النّسيم حسبت ماءها بتمايل الظّلال فيه يتبرّج ويميل؛ وإذا طّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون تارة تتموّج وتارة تسيل: فكأنه محبّ هام بالغصون هوى فمثّلها في قلبه، وكأنّ النسيم كلف بها غار من دنوّها إليه فميلها عن قربه:

стр. 6730

والنّور «١» مثل عرائس ... لفّت عليهنّ الملاء شمّرن فضل الأزرعن ... سوق خلاخلهنّ ماء والنّهر كالمرآة تنظر «٢» ... وجهها فيه السّماء!!! وكأن صوافّ الطّيور المتّسقة «٣» بتلك الأرض «٤» خيام، أو ظباء بأعلى الرّقمتين قيام، أو أباريق فضّة رؤوسها لها أقدام «٥» ، ومناقيرها المحمرّة أوائل ما انسكب من المدام، وكأن رقابها رماح أسنّتها من ذهب، أو شموع أسود رؤوسها ما انطفى وأحمره ما التهب؛ وكنا كالطّير الجليل عدّة، وكطراز العمر الأوّل جدّة: من كلّ أبلج كالنّسيم لطافة ... عفّ الضّمير مهذّب الأخلاق مثل البدور ملاحة، وكعمرها ... عددا، ومثل الشّمس في الإشراق! ومعهم قسيّ كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلّة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبّجة، ومتونها مدرّجة؛ كأنها كواكب الشّولة في انعطافها، أو أرواق الظّباء في التفافها؛ لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها [في] «٦» الحواصل أوكار؛ إذا انتضيت لصيد «٧» ذهب من الحياة نصيبه، وإن انتضت لرمي بدا لها أنها أحقّ به ممن يصيبه؛ ولعلّ ذاك الصّوت زجر لبندقها أن يبطيء في سيره، أو يتخطّى الغرض إلى غيره، أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها، أو أسف على خروج بنيها من يدها؛ على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التّحذير بالإغراء:

стр. 6731

مثل العقارب أذنابا معقّدة ... لمن تأمّلها أو حقّق النّظرا! إن مدّها قمر منهم وعاينه ... مسافر الطّير فيها أو نوى «١» سفرا فهو المسيء اختيارا إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعا في العقرب القمرا! ومن البنادق كرات متّفقة السّرد، متّحدة العكس والطّرد، كأنما خرطت من المندل الرّطب أو عجنت من العنبر الورد؛ تسري كالشّهب في الظلام، وتسبق إلى مقاتل الطّير مسدّدات السّهام: مثل النّجوم إذا ما سرن في أفق ... عن الأهلّة لكن نونها راء ما فاتها من نجوم اللّيل إن رمقت ... إلا ثبات يرى فيها وأضواء تسري ولا يشعر اللّيل البهيم بها ... كأنّها في جفون اللّيل إغفاء وتسمع الطّير إذ تهفو قوادمه ... خوافقا في الدّياجي وهي صمّاء!!! يصونها جراوة «٢» كأنها درج درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر، أو كنانة نبل، أو غمامة وبل؛ حالكة الأديم، كأنّما رقمت بالشّفق حلّة ليلها البهيم: كأنّها في وضعها مشرق ... تنبثّ منه في الدّجى الأنجم أو ديمة قد أطلعت قوسها ... ملوّنا وانبثقت تسجم! فاتّخذ كلّ له مركزا، وتقضّى من الإصابة وعدا منجزا، وضمن له السّعد أن يصبح لمراده محرزا: كأنّهم في يمن أفعالهم ... في نظر المنصف والجاحد: قد ولدوا في طالع واحد ... وأشرقوا من مطلع واحد! فسرت علينا من الطّير عصابة، أظلّتنا من أجنحتها سحابة، من كلّ طائر

стр. 6732

أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفّ يبتغي ماء جمّا فوجد ولكن السّمّ منقعا، وحلّق في الفضاء يبغي ملعبا فبات هو وأشياعه سجّدا لمحاريب القسيّ وركّعا؛ فتبرّكنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل. فاستقبل أوّلنا تمام بدره، وعظم في نوعه وقدره؛ كأنه برق كرع في غسق، أو صبح عطف على بقيّة الدّجى عطف النّسق؛ تحسبه في أسداف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدّجى طرّة صبح؛ عليه من البياض حلّة وقار، وله كدهن «١» عنبر فوق منقار من قار؛ له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرّفه نسيم: كلون المشيب، وعصر الشّباب ... ووقت الوصال، ويوم الظّفر! كأنّ الدّجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثم فرّ! فأرسل إليه عن الهلال نجما، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما؛ فاستبشر بنجاحه، وكبّر «٢» عند صياحه، وحصّله «٣» من وسط الماء بجناحه. وتلاه كيّ نقيّ اللّباس، مشتعل شيب الرّاس، كأنّه في عرانين شيبه لا وبله كبير أناس؛ إن أسفّ في طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النّسيم زمام؛ ذو عيبة كالجراب، ومنقار كالحراب، ولون يغرّ في الدّجى كالنّجم ويخدع في الضّحى كالسّراب؛ ظاهر الهرم، كأنما يخبر عن عاد ويحدّث عن إرم: إن عام في زرق الغدير حسبته ... مبيضّ غيم في أديم سماء أو طار في أفق السّماء ظننته ... في الجوّ شيخا عائما في ماء متناقض الأوصاف فيه خفّة الجهّال ... تحت رزانة العلماء!

стр. 6733

فثنى الثاني إليه عنان بندقه، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه، فخّر كمارد انقضّ عليه نجم من أفقه؛ فتلقاه الكبير بالتّكبير، واختطفه قبل مصافحة الماء «١» من وجه الغدير. وقارنته إوزّة حلباء دكناء، وحلّتها حسناء «٢» ؛ لها في الفضاء مجال، وعلى طيرانها خفّة ذوات التّبرّج وخفر ربّات الحجال؛ كأنّما عبّت في ذهب، أو خاضت في لهب؛ تختال في مشيتها كالكاعب، وتتأنّى في خطوها كاللّاعب، وتعطف «٣» بجيدها كالظّبي الغرير، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير: إذا أقبلت تمشي فخطرة كاعب ... رداح، وإن صاحت فصولة حازم «٤» وإن أقلعت قالت لها الرّيح: ليت لي ... خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم فأنعم بها في البعد زاد مسافر ... وأحسن بها في القرب تحفة قادم! فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه إقباله «٥» عليها، فلجّت في ترفّعها ممعنة، ثم نزلت على حكمه مذعنة؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط. وحاذتها لغلغة تحكي لون وشيها، وتصف حسن مشيها، وتربي عليها بغرّتها، وتنافسها في المحاسن كضرّتها؛ كأنها مدامة قطبت بمائها، أو غمامة شفّت عن بعض نجوم سمائها: بغرّة بيضاء ميمونة ... تشرق في اللّيل كبدر التّمام! وإن تبدّت في الضّحى خلتها ... في الحلّة الدّكناء برق الغمام!

стр. 6734

فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها؛ فجدّت في العلوّ مبتذّة «١» ، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصّيد لم تك لذّة؛ وانقضّ عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفّة طيرانها من خلفها، فوقعت من الأفق في كفّه، ونفر ما في بقايا صفّها عن صفّه. وأتت في إثرها أنيسة آنسة «٢» ، كأنّها العذراء العانسة، أو الأدماء «٣» الكانسة، عليها خفر الأبكار، وخفّة ذوات الأوكار، وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار، ولها أنس الرّبيب، وإدلال الحبيب، وتلفّت الزائر المريب من خوف الرّقيب؛ ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشّقيق، وصدر بهيّ الملبوس، شهيّ إلى النفوس، كأنّما رقم فيه النهار باللّيل أو نقش فيه العاج بالآبنوس، وجناح ينجيها من العطب، يحكي لونها المندل الرّطب لولا أنه حطب: مدبّجة الصّدر تفويفه ... أضاف إلى اللّيل ضوء النهار لها عنق خاله من رآه ... شقائق قد سيّجت بالبهار! فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدّرّة اليتيمة، وحصل بتحصيلها بين الرّماة على الرّتبة الجسيمة. وأتى على صوتها حبرج تسبق همّته جناحه، ويغلب خفق قوادمه صياحه؛ مدبّج المطا، كأنّما خلع حلّة منكبيه على القطا؛ ينظر من لهب، ويخطو على رجلين من ذهب: يزور الرّياض، ويجفو الحياض ... ويشبه في اللّون كدر القطا

стр. 6735

ويغوي «١» الزّروع ويلهو بها ... ولا يرد الماء إلا خطا! فبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه، فخرّ على الألاء كبسطام بن قيس «٢» ، وانقضّ عليه راميه [فحصّله] «٣» بحذق وحمله بكيس. وتعذّر على السّابع مرامه، ونبا [به] «٤» عن بلوغ الأرب مقامه؛ فصعد هو وترب له إلى جبل، وثبت في موقفه من لم يكن له بمرافقتهما قبل. فعنّ له نسر ذو قوائم «٥» شداد، ومناسر حداد، كأنّه من نسور لقمان بن عاد؛ تحسبه في السماء ثالث «٦» أخويه، وتخاله في الفضاء قبّته المنسوبة إليه؛ قد حلق كالفقراء رأسه، وجعل مما قصّر من الدّلوق الدّكن لباسه، واشتمل من الرّياش العسليّ إزارا، وألف العزلة فلا تجد له إلا في قنن الجبال الشّواهق مزارا؛ قد شابت نواصي اللّيل وهو لم يشب، ومضت الدّهور وهو من الحوادث في معقل أشب: مليك طيور الأرض شرقا ومغربا ... وفي الأفق الأعلى له أخوان! له حال فتّاك، وحلية ناسك ... وإسراع مقدام، وفترة وان! فدنا من مطاره، وتوخّى ببندقه عنقه فوقع في منقاره؛ فكأنّما هدّ منه

стр. 6736

صخرا، أو هدم به بناء مشمخرّا؛ ونظر إلى رفيقه، مبشّرا له بما امتاز به عن فريقه. وإذا به قد أظلته عقاب كاسر، كأنّما أضلّت صيدا أفلت من المناسر؛ إن حطّت فسحاب انكشف، وإن أقامت فكأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف «١» ، بعيدة ما بين المناكب: إذا أقلعت لجّت علوّا كأنّما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب «٢» يرى الطّير والوحش في كفّها ... ومنقارها ذا عظام مزاله فلو أمكن الشّمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمّت غزاله! فوثب إليها الثامن وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأوّل بندقة فما أخطأ قادمة جناحها؛ فأهوت كعود صرع، أو طود صدع؛ قد ذهب باسها، وتذهّب بدمها لباسها؛ وكذلك القدر يخادع الجوّ عن عقابه، ويستنزل الأعصم من عقابه، فحملها بجناحها المهيض، ورفعها بعد التّرفّع في أوج جوّها من الحضيض، ونزل إلى الرّفقة، جذلا بربح الصّفقة. فوجد التّاسع قد مرّ به كركيّ طويل الشّفار، سريع النّفار، شهيّ الفراق، كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق؛ لقوادمه في الجوّ حفيف، ولأديمه لون سماء طرأ عليها غيم خفيف؛ تحنّ إلى صوته الجوارح، وتعجب من قوّته الرّياح البوارح؛ له أثر حمرة في رأسه كوميض جمر تحت رماد، أو بقيّة جرح تحت ضماد، أو فصّ عقيق شفت عنه بقايا ثماد؛ ذو منقار كسنان، وعنق كعنان؛ كأنّما ينوس، على عودين من آبنوس:

стр. 6737

إذا بدا في أفق مقلعا ... والجوّ كالماء تفاويفه: حسبته في لجّة مركبا ... رجلاه في الأفق مجاديفه! فصبر له حتّى جازه مجلّيا، وعطف عليه مصلّيا، فخرّ مضرّجا بدمه، وسقط مشرفا على عدمه؛ وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبّة من حمإ مسنون؛ فكثر التكبير من أجله، وحمله على وجه الماء برجله «١» . وحاذاه غرنوق حكاه في زيّه وقدره، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنيه مكان شنفه «٢» : له من الكركيّ أوصافه ... سوى سواد الصّدر والرّاس إن شال رجلا وانبرى قائما ... ألفيته هيئة برجاس! فأصغى العاشر له منصتا، ورماه متلفّتا؛ فخرّ كأنّه صريع الألحان، أو نزيف بنت الحان؛ فأهوى إلى رجله بيده [وأيده] «٣» ، وانقضّ عليه انقضاض الكاسر على صيده. وتبعه في المطار ضوع «٤» ، كأنّه من النّضار مصنوع، تحسبه عاشقا قد مدّ صفحته، أو بارقا قد بثّ لفحته: طويلة رجلاه مسودّة ... كأنّما منقاره خنجر مثل عجوز رأسها أشمط ... جاءت وفي رقبتها معجر «٥» !

стр. 6738

فاستقبله الحادي عشر ووثب، ورماه حين «١» حاذاه من كثب، فسقط كفارس تقطّر عن جواده، أو وامق «٢» أصيبت حبّة فؤاده؛ فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه. واقترن به مرزم له في السماء سميّ «٣» معروف، ذو منقار كصدغ معطوف، كأن رياشه فلق اتّصل به شفق، أو مآء صاف علق بأطرافه علق: له جسم من الثّلج ... على رجلين من نار: إذا أقلع ليلا قلت ... برق في الدّجى ساري! فانتحاه الثاني عشر ميمّما، ورماه مصمّما، فأصابه في زوره، وحصّله من فوره، وحصل له من السّرور ما خرج به عن طوره. والتحق به سبيطر، كأنه [مدية] «٤» مبيطر؛ ينحطّ كالسّيل، ويكرّ على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونيه بين ضدّين يقبل منهما بالنّهار ويدبر باللّيل؛ يتلوّى في منقاره الأيم «٥» ، تلوّي التّنّين في الغيم: تراه في الجوّ ممتدّا وفي فمه ... من الأفاعي شجاع أرقم ذكر: كأنّه قوس رام عنقه يدها ... ورجله رجلها «٦» والحيّة الوتر! فصوّب الثالث عشر إليه بندقه، فقطع لحيه وعنقه؛ فوقع كالصّرح الممرّد، أو الطّراف الممدّد.

стр. 6739

واتّبعه عناز «١» أصبح في اللّون ضدّه، وفي الشّكل ندّه؛ كأنّه ليل ضمّ الصّبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره: تراه في الجوّ عند الصّبح حين بدا ... مسودّ أجنحة مبيضّ حيزوم «٢» : كأنّه حبشيّ «٣» عام في نهر ... وضمّ في صدره طفلا من الرّوم! فنهض تمام القوم إلى التّتمّة، وأسفرت عن نجح الجماعة تلك اللّيلة المدلهمّة؛ وغدا ذلك الطّير الواجب واجبا، وكمل العدد به قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا؛ فيا لها ليلة حضرنا بها الصادح في الفضاء المتّسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كلّ شمل مجتمع، وأصبحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النّظام، أو شرب كأنّ رقابها من اللّين لم يخلق لهنّ عظام؛ وأصبحنا مثنين على مقامنا، منثنين بالظّفر إلى مستقرّنا ومقامنا، داعين للمولى جهدنا، مذعنين له قبلنا أوردّنا، حاملين ما صرعنا إلى بين يديه، عاملين على التّشرّف بخدمته والانتماء إليه: فأنت الذي لم يلف من لا يودّه ... ويدعى له في السّرّ أو يدّعى له: فإن كان رمي، أنت توضح طرقه ... وإن كان جيش: أنت تحمى قبيله «٤» ! والله تعالى يجعل الآمال منوطة به وقد فعل، ويجعله كهفا للأولياء وقد جعل، بمنّه وكرمه. [إنما أثبتّ هذه الرسالة بكمالها لكثرة ما اشتملت عليه من الأوصاف، ولتعلق بعضها ببعض] «٥» .

стр. 6740

الفصل الرابع من الباب الأوّل من المقالة العاشرة (في الصّدقات؛ وفيه طرفان) الطرف الأوّل (في الصّدقات الملوكيّة وما في معناها) قد جرت العادة أنه إذا تزوّج سلطان أو ولده أو بنته أو أحد من الأمراء الأكابر وأعيان الدّولة أن تكتب له خطبة صداق تكون في الطّول والقصر بحسب صاحب العقد، فتطال للملوك وتقصّر لمن دونهم بحسب الحال. وهذه نسخة صداق، كتب به للملك السّعيد بركة، ابن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، على بنت الأمير سيف الدّين قلاوون الصالحيّ الألفيّ قبل سلطنته، بالقلعة المحروسة، من إنشاء القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر؛ وهي: الحمد لله موفّق الآمال لأسعد حركة، ومصدّق الفأل لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقّق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه، الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا نصيرا، وميّز أقدارهم باصطفاء تأهّله حتّى حازوا نعيما وملكا كبيرا، وأفرد فخارهم بتقريبه حتّى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها نورا، وشرّف به وصلتهم حتّى أصبح فضل الله عليهم بها عظيما وإنعامه كثيرا، مهيّيء أسباب التّوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل ربوع

стр. 6741

كلّ إملاك من الأملاك بالشّموس والبدور والأهلّة آهلة، جامع أطراف الفخار لذوي الإيثار حتّى حصلت لهم النّعمة الشاملة وحلّت عندهم البركة الكاملة. نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنّعمة الاستيداع، وأجمل لتأميلهم الاستطلاع، وكمّل لأخيارهم الأجناس من العزّ والأنواع، وأتى آمالهم بما لم يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتّخويل والابتداع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حسنة الأوضاع، مليّة بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع، ونصلّي على سيدنا محمد الذي أعلى الله به الأقدار، وشرّف به الموالي والأصهار، وجعل كرمه دارّا لهم في كلّ دار، وفجره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرق الأنوار، صلّى الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار، يانعة الثّمار. وبعد، فلو كان اتصال كلّ شيء بحسب المتّصل به في تفضيله، لما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئا من الرّياض لهطوله، ولا الذّكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئا من التّيجان لحلوله؛ لكن ليتشرّف بيت يحلّ به القمر، ونبت يزوره المطر، ولسان يتعوّذ بالآيات والسّور، ونثار يتجمّل باللآليء والدّرر؛ ولذلك تجمّلت برسول الله ﷺ أصهاره وأصحابه، وتشرّفت أنسابهم بأنسابه، وتزوّج ﷺ منهم، وتمّت لهم مزيّة الفخار حتى رضوا عن الله ورضي عنهم. والمرتّب على هذه القاعدة الفاضلة نور يستمدّه الوجود، وتقرير أمر يقارن سعد الأخبية منه سعد السّعود، وإظهار خطبة تقول للثّريّا لانتظام عقودها: كيف، وإبراز وصلة يتجمّل بترصيع جوهرها متن السّيف الذي يغبطه على إبداع هذا الجوهر به كلّ سيف، ونسج صهارة يتمّ بها- إن شاء الله- كلّ أمر

стр. 6742

سديد، ويتّفق بها كلّ توفيق تخلق الأيّام وهو جديد، ويختار لها أبرك طالع: وكيف لا تكون البركة في ذلك الطّالع وهو السّعيد؟. وذلك بأن المراحم الشريفة السلطانية أرادت أن تحصّن المجلس الساميّ بالإحسان المبتكر، وتفرده بالمواهب التي يرهف بها الحدّ المنتضى ويعظم الجدّ المنتظر، وأن ترفع من قدره بالصّهارة مثل ما رفعه ﷺ من قدر صاحبيه: أبي بكر وعمر، فخطب إليه أسعد البريّة، وأمنع من تحميها السيوف المشرفيّة، وأعزّ من تسبل عليها ستور الصّون الخفيّة، وتضرب دونها خدور الجلال الرّضيّة، وتتجمّل بنعوتها العقود: وكيف لا؟ وهي الدّرّة الألفيّة؛ فقال والدها وهو الأمير المذكور: هكذا ترفع الأقدار وتزان، وكذا يكون قران السّعد وسعد القران!!!؛ وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة!، وأشرف سيفا غدت منطقة بروج سمائها له حميلة!، وما أعظمها معجزة آتت الأولياء من لدنها سلطانا!، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا! وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لإبرامها: ليت!، وأشرفها عبوديّة كرّمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت «١» !. وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر المملوك، وخصّصته بهذه المزيّة التي تقاصرت عنها آمال أكابر الملوك؛ فالأمر لملك البسيطة في رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتّصدّق بما يتفوّه به هذا الإنشاء؛ وهو: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخطّ وأقلام الخطّ على تحريره، وتنافست مطالع النّوّار ومشارق الأنوار على نظم سطوره، فأضاء نوره

стр. 6743

بالجلالة وأشرق، وهطل نوءه بالإحسان فأغدق، وتناسبت فيه أجناس تجنيس لفظ الفضل فقال الاعتراف: هذا ما تصدّق، وقال العرف: هذا ما أصدق مولانا السلطان: أصدقها ما ملأ خزائن الأحساب فخارا، وشجرة الأنساب ثمارا، ومشكاة الجلالة أنوارا، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشّرع لكان أقاليم ومدائن وأمصارا، فبذل لها من العين المصريّ ما هو باسم والدها قد تشرّف، وبنعوته قد تعرّف، وبين يدي هباته وصدقاته قد تصرّف. وهذه نسخة صداق المقام الشّريف العالي السّيفيّ «أنوك» ، ولد السلطان الشّهيد الملك النّاصر «محمد بن قلاوون» على بنت المقرّ المرحوم السّيفيّ «بكتمر الساقي» . وكان العاقد قاضي القضاة جلال الدّين القزوينيّ، والقابل السلطان الملك الناصر والد الزّوج؛ وهي: الحمد لله مسيّر الشّمس والقمر، وميسّر حياة كلّ شيء باتصال الرّوض بالمطر، ومبشّر المتّقين من دراريّ الذّراري بأسعد كوكب ينتظر، وأحمد عاقبة تهتزّ لها أعطاف عظماء الملوك على كبر، وتنجاب عن الأنجاب كما تتفتّح الأكمام عن الثّمر، الذي مدّ من الشّجرة المباركة الملوكيّة فروعا التفّت بعضها على بعض، ورفّت على من استظلّ بها فراقب السماء على الأرض. نحمده على نعمه التي أطابت لنا جنى الغروس، وأطالت منا منى النّفوس، وأطافت بملوكنا حتّى مدّت لسؤالهم الأيدي وخضعت لأمرهم الرّؤوس، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نتّخذها عصمة نافعة، ونعمة لحسن العاقبة جامعة، ورحمة تبارك على أئمّتنا وعلى أبنائهم البدور الطالعة، والأنوار الساطعة، والبروق اللامعة، والغيوث الهامعة، والسّيول الدّافعة، والسّيوف القاطعة، والأسود التي هي عن حرم حضرتها مانعة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أزان من تمسك له بحسب،

стр. 6744

وشرّف من اعتزى إليه بالقربى أو اعتزّ منه بصهر أو نسب، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذي أرضاهم ورضي عنهم، وكرّمهم بصلته الشريفة لما زوّجهم وتزوّج منهم، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإنّ من عادة الغمام أن يتفقّد الأرض بمطره، والبحر أن يسقي الزّروع بما فاض من نهره، والمصابيح أن تمدّ بأنوارها ما يتوقّد، والسّماء أن لا يخلو أفقها من اتّصال فرقد بفرقد؛ ولو توقّفت القربى على مقاربة كبير، أو مقارنة نظير، لما صلحت الأغماد لمضاجع السّيوف ولا دنت الكواكب من الشّمس والقمر المنير، ولا صافحت يمين شمالا، ولا جاورت جنوب شمالا، ولا حوت الكنائن سهاما، ولا جمع السّلك للجواهر نظاما، ولا طمح طرف إلى غاية، ولا قدر لسان إنسان على تلاوة سورة ولا آية؛ وإنّما الصّدقات الشّريفة الملوكية لها في البرّ عوائد، وفي الخير سجايا يقتدي فيها الولد بالوالد. ولم يزل من المقام الشريف، الأعظم، العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، النّاصريّ، أعزّ الله سلطانه على من لاذ به تسبل ذيول الفخار، وتودع في هالات أقمارهم ودائع الأنوار، وتؤهّل أهلّتهم لأن يكون منها أحد الأبوين لذرّيّته الأطهار، وتخطب من حجبهم كلّ مصونة يغور بها بدر الدّجى وتغار منها شمس النّهار. وكان من تمام النّعمة الشريفة السلطانية، النّاصريّة، على من تعرّض لسحابها الماطر، ووقف للاغتراف من بحرها الزّاخر- ما رفعت به ذكره إلى آخر الأبد، وأتمّت له السعادة إذ كان يعدّ في جدود من ينسب إليه من ولد، وأكّدت له بالقربى مزيّة مزيد، واستخرجت من بحره جوهرة لا يطمع في التّطوّق بها كلّ جيد، وقالت: نحن أحقّ بتكميل ما بيننا، وتخويل الخؤولة من أولينا، وتأهيل من قرّ بنا عينا وقرّبناه إلينا، وتفضيل غرس نعمة نحن غرسناه واجتنينا ثمراته بيدينا، فاقتضى حسن الاختيار الشريف الملكيّ

стр. 6745

الناصريّ، لولده المقام العاليّ السّيفيّ، أحسن الله لهما الاختيار، وأجرى بإرادتهما اقتدار الأقدار- أن تزفّ أتمّ الشموس إلى ستوره الرفيعة، وتصان أكمل معاقل العقائل بحجبه المنيعة، وتحاط أشرف الدّرر في مستودعه، وتناط أشرف الدّراريّ بمطلعه، وتساق إليه الكريمة حسبا، العظيمة بأبيه- عظّم الله سلطانه- أبا، الذي كم له في خدمة الدولة القاهرة من مناقب كالنجوم، ومذاهب تشبّه بها البرق فتشبّث بأذيال الغيوم، ومراتب تقدّم فيها على كلّ نظير قال: وما منّا إلّا من له مقام معلوم؛ من قدره لا يسامى ولا يسام، ورأيه لا يرامى ولا يرام، وسيفه في غير طاعتنا الشّريفة لا يشيم ولا يشام، وهو «سيف الدولة» لا كما يسمّى به من استعار «١» هذا اللّقب في سالف الأيام؛ كم له في مراضي سلطانه من رغبة بذل بها ما لديه، وسمح فيها بولده وهو أحبّ شيء إليه، وجاد بروحه أو بما هو أعزّ عليه؛ كم نبّهت بعزائمه السّيوف من سناتها، [و] كم وهبت من مكارمه الأيام ما يعدّ من حسناتها؛ كم التهبت صوارمه نارا فجرت أنهارا فجّرت من جنباتها؛ كم لسماء الملك بشهبه من حرس، وبقضبه من قبس، وكم قام وقعد في مصلحة وكان أدناهم من ملكه مقاما لمّا قام وأعلاهم مجلسا لمّا جلس، فسمع المقام العاليّ السّيفيّ وأطاع، وانتهى إلى ما برزت به مراسم والده- أنفذها الله- وامتثل أمره المطاع، وعمل برأيه الشريف وهو ناصر السّنّة فقدّم فيها ما استطاع، وسارع إلى ما أمر الله به من الألفة والاجتماع، واتّبع السّنّة النّبويّة في تكثير الأمّة بذرّية أئمّة ملوكيّة كلّ واحد منها له الأمّة أتباع، لعلمه اليقين أنه لو خطب له والده في أقطار الأرض إلى جميع الملوك، لم يجد منهم إلا كلّ ملك عظيم وهو له عبد مملوك، فأحيى سنّة شريفة ملوكيّة ما برحت الخلفاء والملوك تحفظ بها قلوب أوليائها على أمداد المدى، ويكفي من هذا ميمون فعل «المأمون» لمّا

стр. 6746

تزوّج «بوران» من أبيها «ابن سهل» وخطب «المعتضد» إلى «ابن طولون» ابنته «قطر النّدى» . ورأى والدها أعزّه الله تعالى قدرا هاله مهابة فسلّم وقال: للمالك التّصرّف وللملك التّصريف، وإذا اقتضى حسن النّظر الشّريف تشريف عبد فياحبّذا التّشريف، ويا حبّذا السّبب الذي اتصلت له بالمقام الشّريف الأسباب، واحتفلت ديم النّعم واحتفّت للاجتماع على سنّة وكتاب، فتحاسدت على إثباته صفر الأصائل وحمر النّعم، وتنافست على رقم سطوره صحائف السّحاب وصفيح الماء وصليل السّيف وصرير القلم، وتمنّت الكواكب لو اجتمعت مواكب في يومه المشهود، والمناقب لو أنها حوله بمقانب خافقة البنود، وودّت نسمات الأسحار لو كانت هي التي سعت بالاتّفاق، والحمائم لو أبيح لها أن تغرّد وتخلع ما في أعناقها من الأطواق، بل السّيوف لمّا رأت مقام الجلالة أغضت وغضّت الأحداق، والرّماح لمّا بدالها سرير الملك مائلا وقفت على ساق. فبرزت المراسم الشريفة- زادها الله شرفا- بتحرير هذا الكتاب الكريم، وتنضيد ما يصلح من الدّرر لهذا العقد النظيم، ونفّذ المرسوم العاليّ المولويّ السلطانيّ ما أمر به وصدّق، وتأدّب إجلالا لمقام أبيه الشريف فأطرق، وتواضع لله فلم يقل: هذا ما تصدّق، بل قال: هذا ما أصدق المقام العاليّ السّيفيّ أنوك ابن مولانا السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم، الملك النّاصر، السّيّد الأجلّ، العالم، العادل، الغازي، المجاهد، المؤيّد، المرابط، المثاغر، المظفّر، المنصور، الشّاهنشاه، ناصر الدنيا والدّين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، ملك البسيطة، ناصر السّنّة، ركن الشريعة، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، وارث الملك، ملك العرب والعجم

стр. 6747

والتّرك، خداوند عالم پادشاه بني آدم «١» ، بهلوان جهان «٢» ، شهريار إيران «٣» ، إسكندر الزّمان «٤» ، مملّك أصحاب المنابر والأسرّة والتّخوت والتّيجان، فاتح الأقطار، واهب الممالك والأقاليم والأمصار، مبيد البغاة والطّغاة والكفّار، صاحب البحرين، حامي الحرمين، خادم القبلتين، كفيل العبّاد والعباد، مقيم شعائر الحجّ والجهاد، إمام المتّقين، قسيم أمير المؤمنين، أبي المعالي محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور، السّيّد، الأجلّ، العالم، العادل، المجاهد، المؤيّد، سيف الدّين، والد الملوك والسلاطين، أبي الفتح «قلاوون» ، خلّد الله سلطانه، ونصر جنوده وجيوشه وأعوانه-: الحجاب «٥» الكريم، الرفيع، المنيع، المصون، المكنون، الجهة المكرّمة، المفخّمة، المعظّمة، بنت الجناب الكريم، العاليّ، الأميريّ، الأجليّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، المقدّميّ، الغياثيّ، الغوثيّ، الذّخريّ، الأوحديّ، الظّهيريّ، الكافليّ، السّيفيّ، ركن الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدّم العساكر، عون الأمة، غياث الملّة، ممهّد الدّول،

стр. 6748

مشيّد الممالك، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين، بكتمر الساقي الناصريّ، ضاعف الله نعمته. أصدقها ما تلقّت به أنسابها إجلالا، وبلغت به أحسابها جمالا، وطلعت في سماء الملك هلالا، ولبست فخارا، وقبست أنوارا، وأوت إلى حصن حصين، ووصلت إلى مقام أمين، [وآبت] «١» بأموال وبنين، ما لولا أدب الشّرف، وتجنّب السّرف، والعمل بالشّرع في تعيين معلوم، وتبيّن مقدار مفهوم، لخرج عن كلّ وصف محدود، وقدر معدود، ولما قام به موجود، ولكان مما تقلّ له الممالك ولا يستكثر لأجله الوجود. قدّم لها من الذّهب العين المصريّ المسكوك ما هو بنقد ممالك والده معروف، ومن حقوقه مقبوض وفي هباته مصروف، ما يحمد مآلا، وينمّى مالا، ويأتي كلّ دينار منه ووجهه بذكر الله واسم أبيه يتلالا. أصدقها على بركة الله تعالى وعونه وتوفيقه كذا وكذا، عجّل لها كذا وكذا، قبضه وكيل والدها من وكيله، قبضا تامّا كاملا، وتأخّر بعد ذلك كذا وكذا دينارا حالّا، على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «٢» . وولي تزويجها منه على الصّداق المعيّن بإذن والدها- أعزّة الله تعالى- المقدّم ذكره:- العبد الفقير إلى الله تعالى، قاضي القضاة، حاكم الحكّام، خطيب خطباء المسلمين، جلال الدّين، خالصة أمير المؤمنين، أبو المعالي، محمد ابن قاضي القضاة سعد الدّين أبي القاسم، عبد الرحمن ابن الشّيخ الإمام العالم العلّامة إمام الدّين، أبي حفص عمر بن أحمد القزوينيّ الشافعيّ، الحاكم بالديار المصرية المحروسة وأعمالها وبلادها، وجندها

стр. 6749

وضواحيها، وسائر الممالك المضافة إليها، بالولاية الشّرعية، أدام الله أيّامه، وأعزّ أقضيته وأحكامه، فقبل مولانا السلطان- خلّد الله ملكه- لولده المسمّى- أدام الله تعالى نعمته- ذلك منه قبولا شرعيّا، يخاطب عليه شفاها بحضور من تمّ العقد بحضوره، في دار الملك بالقصر الأبلق، بقلعة الجبل، حرسها الله تعالى، بكرة يوم السّبت حادي عشرين من صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وهذه نسخة صداق المقرّ الشّريف إبراهيم ابن السلطان الشهيد الملك الناصر محمد بن قلاوون، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله؛ وهي: الحمد لله مغني الملوك بالمظافرة، ومكثّر زينة الأسماء بنجومهم الزّاهره، ومكبّر أقدار الأولياء بما تمّت النّعمة به من شرف المصاهرة. نحمده على نعمه التي شرّفت قدرا، وصرّفت أمرا، وأطلعت من هالة البدر المنير شمسا لا تتخذ غير الأفق خدرا، ولا تتمنّى الليالي والأيام إلا أن تقلّدها من الأشعّة ياقوتا ومن الكواكب درّا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تجمع من حماة الدّين نسبا وصهرا، وترفع في أنباء الأبناء لها حسبا وذكرا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي عصم به، وخصّ صفوة الخلق في المصاهرة باختلاط نسبهم بنسبه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تستوثق بها الأسباب، وتستوسق الأنساب، وتبقى أنوارها بملك أبناء الملوك كلمة باقية في الأعقاب، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فلمّا جمع الله بملوك البيت الشريف المنصوريّ- كثّر الله عددهم- شتات الإسلام، ومحا ببوارق جهادهم ما امتدّ من ظلام، حتّى انتهت النّوبة إلى من أصبحت به الدولة القاهرة وكلّ أوقاتها أنوار صباح، ونوّار أقاح، وسماء سماح، وأسمى نعم لا تعدّ إلا معاقد تيجان الملوك على كلّ جبين وضّاح، المقام الشريف العاليّ المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ،

стр. 6750

النّاصريّ، زاد الله شرفه، وأعلى على شرفات بروج السماء غرفه، فأحبّ- لما أجراه الله به وبمن سلف من ملوك بيته الشريف من تأييد هذه الأمّة، وتأييد ما شملها بفتوحاتهم المذهبات الفتوح من سوابغ النّعمة،- أن يعمل بقول نبيّه المشرّف بموافقه اسمه ومتابعة حكمه في التزويج، وأن تقع مواقع أمطاره على كلّ أرض حرّه فتنبت كلّ زوج بهيج. وكان من بنيه- أدام الله سعودهم- من يطيع في كلّ أمر أمره العالي أدام الله تمكينه، ولولا هذا لما رضي سوى أقران الفرسان له قرينة، وكان من نجبائهم إذا عدّت الأولاد، وأحبّائهم إذا كان كما يقال: الولد ثمرة الفؤاد؛ ومن هو لجملتهم جمال، ولدولتهم دلال، ولغابهم أسد الأشبال- من يعترف كلّ من عرفه بفضله، ويؤمّل في أبنائه ما لأبناء سميّه إبراهيم ﷺ من بركة نسله. برز المرسوم الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، أنفذه الله في الأقطار- بأن يتخير لمغرسه الكريم، ونسبه الصّميم، وصباحه المشرق، وسماحه المغدق، فصادف الإحسان موضعه، وانتخب له من مشرق البدر التّمام مطلعه، ومن هو من هذه الدّولة القاهرة على الحقيقة باليمين، ومن هو البحر الزّاخر ومن مكنونه يستخرج أفخر الثّمين، فبادر الخاطب إليه إلى اغتنام هذا الشّرف الذي لا يطاول، وعاجل هذه النّعمة التي لولا فضل الله وصدقات سلطانه- خلّد الله ملكه- ما كانت مما تحاول، وقال: إن رضيت تلك السّتور بهذه المخطوبة، أو أهلّت تلك السماء العلياء هذه المحجوبة، فهي لما أهلّت له في خدمة ذلك المقام الأمين، وهي كما شاء مالكها المتصدّق من ذوات العفّة وإلا فهي مما ملكت اليمين، فأتمّت الصدقة الشريفة عوارفها بما هو أشرف مقاما، وأعظم لها في رتبة الفخار فهي تسمو بهذا ولا تسامى، وشرّفته بما وصلت إليه عند المقرّ الشريف من المقام الكريم، ولم تكن إلا من ذوات العقود ولا كيد ولا كرامة لما ينجلي به اللّيل البهيم، ولا لما يتحلّى في جيد الجوزاء من عقد درّها النّظيم؛ ولولا إجلال المقام عن التطويل لما اختصر القائل فقال:

стр. 6751

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أصدق.. الخ........... الطرف الثاني (في صدقات الرّؤساء والأعيان وأولادهم) وهي على نحو من الصّدقات الملوكيّة في التّرتيب، إلا أنها أخصر، ومن الألقاب بحسب أحوال أصحابها من أرباب السيوف والأقلام. وهذه نسخة صداق جمال الدّين عبد الله [بن سيف الدين أبي سعيد أمير حاجب] «١» على بنت بيدمر العمريّ، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله؛ وهي: الحمد لله مبلّغ كلّ آمل ما يرجوه، وراعي ذمم من لم ينسوا عهده ولم يخلفوه، ومكمّل الخير لكل ذي [.. «٢» .] يصدّ من يجفوه، ومجيب كلّ منيب يدعوه قائما وقاعدا: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ «٣» . نحمده حمدا نكرّر فضله ونتلوه، ونحلّ معضله ونجلوه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يتظافر عليها الآمر المسلم وبنوه، وتبيضّ بها وجوه الأودّاء، وتسودّ وجوه الأعداء، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الذي سعد به ذووه، وصعد قدر صهره وحموه، وشرّف نسبا ما التقى فيه على سفاح هو ولا أوّلوه، صلّى الله عليه

стр. 6752

وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال بها الرّوض الأرج يفوه، والسّحر يبلّغها ولو سكت وختم بالبرق فوه، وسلّم تسليما. وبعد، فإن أزهى زهر طاب مجتنوه، وطال باعا في الفخار مجتبوه، زهر كمامة جرت عنها لأمة كميّ، وأبرزتها سنّة الإسلام من حجاب ذي أنف حميّ، وطلعت من أفق بدريّ طالما سنح مجتلوه، وحمى سيف أمن في كلئه بكلاءته مختلوه. وكان الجناب الجماليّ عبد الله ابن المرحوم سيف الدّين أبي سعيد أمير حاجب، أدام الله تعالى علاه، ورحم أباه، هو ولد ذلك الوالد، وطارف ذلك التالد، ونشو هذه الدولة الشريفة الكاملية التي أخذ منها حظّه بالتمام والكمال، وأصبحت به كالغادة الحسناء ذات الحسن والجمال، ولم يمت أبوه في أيّام سلطانها- خلّد الله ملكه- حتّى قرّت به عينه، وساواه في الإمرة لولا تفاوت العدّة وقدم المدّة بينه وبينه، وجاء منه ولد نجيب، وابن شاع وذاع سرّ أبيه وحمد وهذا عجيب!!!. ولما انتقل والده رحمه الله تعالى إلى رحمة ربّه، وشرب بالكأس الذي لا بدّ لكلّ حيّ من شربه- تطلّب مثل ذلك الأب ولم يزل يجدّ حتّى وجد، وظفر بوالد إن لم يكن ولده حقيقة فإنه عنده مثل الولد، وهو المقرّ بيدمر، وهو الوالد الذي لم يفقد معه من والده ذرّة، والأب الذي هو أرأف من كلّ أمّ برّة، والنّيّر البدريّ الذي سعد قرانا، وصعد وداس بقدمه أقرانا، وقسّم دهره شطرين: نهاره للضّيوف قرى وليله لله قرآنا. هذا إلى أنه طالما طيّب لزكاة أمواله وثمّرها، وزيّن في أعماله بمدرسة عمّرها، وقيّد شوارد حسناته وثقّفها، مع أنه شيّد الممالك وسدّد أمورها، وسدّ ثغورها، وحمى ببيض سيوفه السّواد الأعظم، ورمى بصوائب سهامه

стр. 6753

النّوائب ولم تستعظم، ولم تزل نوب الأيام تجرّب منه مسوريّا «١» ، وتجرّد حرّا كريما جاء في أوّل السّنة صقرا بدريّا، فكان من تمام برّه بمن سلف إجابة ولده، وإجالة الرّأي فيما يكون سببا لصيانة عزمته وذات يده، فأنعم له بعقيلته الممنّعة، وربيبته التي غدت الشمس منها سافرة مقنّعة، وقال: على الخير والخيرة، وابن أخ كريم وجدع الحلال أنف الغيرة؛ وما أسنى عقدا يكون متولّيه، ومنشئه إحسانا منه ومسنيه، مولى به نظمت عقود الّلآلي، ورقمت بعلمه أعلام الأيّام وذوائب اللّيالي، وسلّمت القضايا به إلى منفّذ أحكامها، ومنيل الفضل لحكّامها، البحر الزّاخر، والنّجم الذي كم ترك الأوّل منه للآخر، والغمام إلا أنه قضت صواعقه على الخصوم، والإمام الذي أجمعت عليه السّنّة ولم تنكر الشّيعة أنه الإمام المعصوم، والعالم الذي ما برحت بروقه تشام، وحقوقه على أهل مصر والشّام، والذي ولّى الظّلم منذ ولي، واعترف ذوو الفضل والفصل في القضاء أنّ أتقاهم تقيّ الدّين وأقضاهم: قاضي القضاة أبو الحسن ... ببقائه يجلى الحزن و [هو] «٢» الذي في حكمه ... يجري على أقوى [سنن] «٣» ! طود إذا وازنته ... بالطّود في حكم وزن! والبحر طيّ ردائه ... قلد «٤» العقود بلا ثمن! فأضاء المحفل به وبالحاضرين، وقام شعار الدين حتّى قال القائل: هذه سيوف المجاهدين وهذا سيف المناظرين، وقيل: هذا وقت جود قد حضر، وموضع سرور ينبغي أن يعجّل منه ما ينتظر، فابتدأ السعد محياه الوسيم، وافتتح فقال:

стр. 6754

بسم الله الرحمن الرحيم هذا........... وهذه نسخة صداق ناصر الدّين محمد بن الخطيريّ، من إنشاء المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله؛ وهي: الحمد لله الذي زاد الأصول الطّيّبة قربا، وزان الأنساب الطّاهرة بصلة تتأكّد حبّا، وصان كرائم البيوت القديمة الفخار بمن يناضل عن حسبه ذبّا، ويناظر العلياء فلم يبن إلا بين منازل النّجوم بيوتا ولم يسبل سوى السّمر سمر القنا حجبا. نحمده حمد من دعاه قبل بثّ النّسم فلبّى، واستدعاه لأخذ العهد عليه أمام تفريق القسم فما تأبّى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تستنطق ألسنة وتشكر قلبا، وتستغدق أنواء السّرور فتضيء البشائر بروقا وتمطر الرّحمة سحبا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام في تكثير الأمّة حتى زاد عددها على مواقع القطر وأربى، وقال مما أمر به: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى أقربائه صلاة تضمّ آلا وصحبا، ما سارت الشّهب تقطع الآفاق شرقا وغربا، وسلّم تسليما. وبعد، فإنّ أولى ما اشتبك وشيجه، واشتبه في منابت الأيك بهيجه، وانتبه في أرائك الخمائل أريجه، وانتدب لإتيانه الأفق وظهر عليه من ذهب العشاء تمويهه ومن لمع الصّباح تدبيجه- ما اتّبعت فيه الشريعة المطهّرة حيث لا تختلف الأئمّة، والسّنة النبويّة على من سنّها أفضل الصلاة والسّلام فيما تأتلف به البعداء وتكثر لمباهاته الأمم يوم القيامة هذه الأمّة، وتدنو به الأجانب بعضهم من بعض ويجعل بينهم مودّة ورحمة، وتعدّ به أياد جمّة لا

стр. 6755

تحصر ويخلّد به في العاقبة شرف الذّكر ويتعجّل به شرف النّعمة؛ وهو النّكاح الذي تشتدّ به الأواصر، وتعتدّ به الموارد لتمثيل أكثر الصّور من أزكى العناصر، وتمتدّ به همم الأبطال لما يستخرجه بحفدة أبنائه من أتمّ قوّة وناصر. وأكمله ما تماثلت في أشرف البيوت العريقة وجوه فخاره، وتقابلت في مطالع السّعود- حيث البدر المنير والشّرف الخطير- مشارق شمومه ومطالع أقماره. وكان الأبوان في أهل الفخار من جرثومة بسقا، وأرومة تفرّقت فروعها ثم تلاقى منها غصنان واعتنقا، من بيت ما حجبه إلا مواضي الصّفاح، ولا شهبه إلا طلائع الأسنّة في رؤوس الرّماح، ولا سحبه إلا ما يفيض على جنباته من النّفوس أو يفيض من السّماح، ولا سجفه إلا المناقب لولا أن الثّريّا جاذبت ما يعرض في السماء أثناء الوشاح؛ وكان هو الرّاغب إلى عمّه، الخاطب إليه ما لم يكن يخبأ إلا لقسمه، الطّامح بنظره إلى عقيلة الفخار في غرفها، الطّامع بخطبة الشّمس شمس النّهار إلا أنها في بيت شرفها، المتوقّع من كرم عمّه الإجابة التي لحظها بأمله، وتولية يد كريمة لا يعتدل الزمان إلا إذا حملت شمسها في بيت حمله، توقّعا لنسل لا يزال به شرف هذا البيت الكريم موجودا، ونسب إذا عدّ ولد منه الآباء عدّ جدّين سعيدين هذا مسعودا وهذا محمودا، فتلقى قصده بإكرام بوّأه أكناف الشّرف، وأوطأه فرش الكرامة ممتّعا بنعيم التّرف، ابتداعا للكرم المألوف، واتّباعا للسّنّة الشّريفة إذ كان الأقربون أولى بالمعروف. فتباريا جودا سارع كلّ منهما في أداء حقّه إلى الواجب، وتجاريا إليه ليلحقا شأو أبويهما وكلّ منهما يعلم أنه العين والعين لا ترتفع على الحاجب؛ وأتمّ الجناب الشّرفيّ محمود- أدام الله نعمته بحسن إجابته، ويمن رغبته في أهل عصبته، وأهّل جنوده إلى أن ساروا إلى الهيجاء تحت عصابته- بأن فوّض هذا الأمر إلى أخيه الكبير والد الخاطب، وسكت وقال: هو في التّصرف وعنّي المخاطب، وله الأمر ولولا الشّرف بنسبة الأخوّة إليه لما قلنا:

стр. 6756

إلا أنّنا ملك يده، وإذا كان العمّ صنو الأب فأيّ فرق بين ولدي وولده؟، ولئن اختصّ في نسبة هذه الزّوجة في يومه هذا فإنّ أولادها لا تعرف إلّا به في غده؛ فكمل هذا العقد، وأشرق به السّعد الطالع أضوأ ممّا قدّم وأخّر من النّقد، وكان من تمام التّكريم، أن قال قائله: بسم الله الرحمن الرحيم......... وهذه نسخة صداق القاضي تقيّ الدّين؛ وهي: الحمد لله الذي رفع إلى المنازل العليّة من كان تقيّا، وجمع شمل من لم يبرح لسنن السّنن تابعا وبها حفيّا، وخلع أثواب الثّواب على من سرّح طرف طرفه في روض التّأهّل وجعله وضيّا. نحمده على نعمه التي من هزّ جذع نخلها تساقط عليه رطبا جنيّا، ونشكره على فضله الذي كم أجرى لقاصده من بحره المعروف سريّا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تمنح قائلها في غرف الجنّة مكانا عليّا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي آتاه الله الكتاب وجعله نبيّا، الآمر بالنّكاح ليكاثر بهم الأمم يوم يقرّبه الله نجيّا، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كان يحلّ منهم في حالتي الكرم والكرامات وليّا، ما أطلع التوفيق في آفاق الاتّصال من الأنساب الكريمة كوكبا درّيّا؛ وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن أولى السّنن بالاتباع سنّة النّكاح، التي أخفى نور مصباحها شمس الصّباح، وخفقت على معالمها أعلام النّجاة والنّجاح، وحمد المسير إلى ربوعها الآهلة بأهلّة العصمة في الغدوّ والرّواح؛ يا لها سنّة سنّة وجهها جميلة، وأصابع نيل نيلها بل أياديه جزيلة، بها تحمى أشجار النّسب ويطيب جناها، وتبلغ النفوس من الصّيانة أقصى مناها، ويظفر أولو الرّغبة فيما أحلّ الله بمطلوبهم، وتؤلّف بين من لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين

стр. 6757

قلوبهم؛ وهي الوسيلة التي تكثّر سواد هذه الأمّة، والذّريعة إلى [بقاء] «١» النّوع الذي أظهر الله في سماء التّكريم نجمه، وإليها الإشارة في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «٢» . ولما كان كذلك رغب في اقتناء آثارها، واهتدى بالضّوء اللّامع من أقمارها، من يتشرف المكان بذكر وصفه، ويتعطر ما انتشر في طيبه من طيب عرفه، ماجد عمر البلاد السّاحليّة بدوام ديمه، وجواد ما جاوره البحر إلا ليقتبس من كرمه، ورئيس امتطى ذروة العلياء بحسن السّلوك، وأريحيّ لو لم يكن صدرا لما أودع سرّ الملوك، إن تكلّم أبرز لك الجوهر المصون، وإن كتب ضحكت لبكاء قلمه ثغور الثّغور والحصون؛ لله نسبه المشهور بين الأكابر الأعيان، وبيته المعمور بالعين المرفوع خبرها إلى فتيان «٣» ، فخطب من علا قدرها، واشتهر بالحسن الجميل ذكرها، وجلّت عن أن ترى العيون لها في الصّون شبيها، وعمّت البقاع سحب بركة أبيها؛ أكرم به عالما عاملا، وإماما لم يزل يبدي فضلا ويسدي نائلا؛ كم له من آثار مشهورة، ومناقب مأثورة، وصدقات مبرورة، ومواطن بذكر الله معمورة. فقوبل بالبشر قول رسوله، وردّ رائده مخبرا ببلوغ سوله، وقيل له بلسان الحال: هذا ما كانت تنتظر الآمال؛ يا له عقدا غلت جواهر عقوده، وأنارت في آفاق الاتّفاق أنجم سعوده، وتمايلت قدود أغصان الأفراح،

стр. 6758

وزهت مجالس السّرور بالانشراح، وهبّت قبول الإقبال، وقام القلم خطيبا على منبر الطّرس فقال: هذا ما أصدق......... وهذه نسخة صداق من إنشاء الشيخ صلاح الدين الصّفديّ، للقاضي بدر الدين خطيب بيت الآثار، على بنت شمس الدّين الخطيب من بيت الآثار، تسمّى سولي، في مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، في مجلس مولانا قاضي القضاة تقيّ الدين السّبكيّ الشافعيّ، أدام الله أيّامه؛ وهي: الحمد لله الذي زيّن سماء المعالي ببدرها، وأنبت في رياض السّعادة يانع زهرها، وألهم ذوي الهمم أن يبذلوا في الكرائم غوالي مهرها. نحمده على نعمه التي جلّلت ما ضفا من لباسها، وسوّغت ما صفا من رضاب كاسها، وخصّنا بما عمّت به من أنواع أجناسها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلمنا في الإيمان نصّها بالأداء، وبنى اسمها على الفتح كما فتح المضاف في النّداء، ورفع خبرها: إمّا على رأي الرّواة للشّهرة وإما على رأي النّحاة بالابتداء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي شرع النّكاح لهذه الأمّة، ومنع السّفاح فلم يكن أمرنا علينا غمّة، ونهج الصّواب فما ظنّك بالصّباح إذا ابتلج عقيب اللّيلة المدلهمّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تلقّوا أوامره بالطاعة، واجتنبوا نواهيه حتّى بلغوا جهد الاستطاعة، وفهموا مراده بمكاثرة الأمم فكان البضاع «١» عندهم خير بضاعة، صلاة رضوانها يضيء إضاءة الكواكب في أبراجها، وغفرانها يكاثر البحار في

стр. 6759

أعداد موجها، ما اتّصل سبب بالنكاح، وانفصل نسب بالسّفاح، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. وبعد، فإن النّكاح من محاسن هذا الدين القيّم، وفضائل هذا الشّرع الذي لا زال شرفه بدرا بين مشرقات النّجوم وهو مخيّم؛ به يحفظ النّسب الشّرود، ويرعى عهد القرينة الولود الودود. وكان فلان ممن أشبه أباه، وأبين ما أودعه من نفائس العلوم وحباه؛ تصدّر في المجالس، ودرّس في المدارس، وأورد ما عنده من النّفائس؛ كيف لا؟ وهو سبط شيخ الإسلام وإمام المسلمين، وقاضي قضاة الشّافعيّة وأوحد المجتهدين؛ وقد أراد الآن إحصان فرجه، وأن تنزل الزّهرة مع بدره في برجه. فلذلك رغب المجلس العالي (المسمّى) وخطب الجهة «١» المصونة المحجّبة، النّقيّة، التّقية، العفيفة، الخاتون «٢» غصن الإسلام، شرف

стр. 6760

الخواتين، جمال ذوات السّتور، قرّة عين الملوك والسلاطين، السّيّدة «سولي» بنت فلان، صان الله حجابها- فأكرم موارد قصده، وحباه أنفس درّة في عقده. فلذلك قام خطيب هذا الحفل الكريم، والنّجم الذي لم يزل نجمه بالطّالع المستقيم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم............ قلت: وهذه نسخة صداق زين الدّين صدقة السّيفيّ أزدمر، على بنت أمير المؤمنين «المتوكّل على الله» ، أنشأته له في خلافة أخيها المستعين بالله العبّاسيّ؛ وهي: الحمد لله مستخرج الدّوحة الهاشميّة من أطيب العناصر، ومفرّع النّبعة العبّاسيّة من أكرم صنو انعقدت على فضله الخناصر، ومخصّص بيت الخلافة منها بأعزّ جانب ذلّت لعزّه عظماء الملوك ما بين متقدّم ومعاصر. نحمده على أن صان عقائل الخلفاء بمعاقل الحسب، وحصر كفاءتها في العلم والدّين حيث لم يكافآ بحرفة ولا نسب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي سنّ النّكاح وشرعه، وأرغم بالحلّ أنف الغيرة لدى الإباء وقمعه، شهادة يستنشق من ريّا عبيرها كلّ شذى أريج، وتجتنى ثمار ينعها بشريف النّتاج من كلّ زوج بهيج، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ وفر في الفضل سهمه حتى لم يساهم، وأكرم رسول رخّص في تزويج بناته من صحابه وإلا فأين كفء رسول الله من العالم؟، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين شرّفهم بقربه، وقرن الصّهر بالنّسب فيهم فخصّ مصاهرته أخصّهم به، صلاة تصل سبب قائلها بسببه، وتجعل الفخار بها كلمة باقية في عقبه، وسلّم تسليما كثيرا.
следующие страницы →