← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

إلا أنّنا ملك يده، وإذا كان العمّ صنو الأب فأيّ فرق بين ولدي وولده؟، ولئن اختصّ في نسبة هذه الزّوجة في يومه هذا فإنّ أولادها لا تعرف إلّا به في غده؛ فكمل هذا العقد، وأشرق به السّعد الطالع أضوأ ممّا قدّم وأخّر من النّقد، وكان من تمام التّكريم، أن قال قائله: بسم الله الرحمن الرحيم......... وهذه نسخة صداق القاضي تقيّ الدّين؛ وهي: الحمد لله الذي رفع إلى المنازل العليّة من كان تقيّا، وجمع شمل من لم يبرح لسنن السّنن تابعا وبها حفيّا، وخلع أثواب الثّواب على من سرّح طرف طرفه في روض التّأهّل وجعله وضيّا. نحمده على نعمه التي من هزّ جذع نخلها تساقط عليه رطبا جنيّا، ونشكره على فضله الذي كم أجرى لقاصده من بحره المعروف سريّا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تمنح قائلها في غرف الجنّة مكانا عليّا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي آتاه الله الكتاب وجعله نبيّا، الآمر بالنّكاح ليكاثر بهم الأمم يوم يقرّبه الله نجيّا، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كان يحلّ منهم في حالتي الكرم والكرامات وليّا، ما أطلع التوفيق في آفاق الاتّصال من الأنساب الكريمة كوكبا درّيّا؛ وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن أولى السّنن بالاتباع سنّة النّكاح، التي أخفى نور مصباحها شمس الصّباح، وخفقت على معالمها أعلام النّجاة والنّجاح، وحمد المسير إلى ربوعها الآهلة بأهلّة العصمة في الغدوّ والرّواح؛ يا لها سنّة سنّة وجهها جميلة، وأصابع نيل نيلها بل أياديه جزيلة، بها تحمى أشجار النّسب ويطيب جناها، وتبلغ النفوس من الصّيانة أقصى مناها، ويظفر أولو الرّغبة فيما أحلّ الله بمطلوبهم، وتؤلّف بين من لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين

стр. 6757

قلوبهم؛ وهي الوسيلة التي تكثّر سواد هذه الأمّة، والذّريعة إلى [بقاء] «١» النّوع الذي أظهر الله في سماء التّكريم نجمه، وإليها الإشارة في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «٢» . ولما كان كذلك رغب في اقتناء آثارها، واهتدى بالضّوء اللّامع من أقمارها، من يتشرف المكان بذكر وصفه، ويتعطر ما انتشر في طيبه من طيب عرفه، ماجد عمر البلاد السّاحليّة بدوام ديمه، وجواد ما جاوره البحر إلا ليقتبس من كرمه، ورئيس امتطى ذروة العلياء بحسن السّلوك، وأريحيّ لو لم يكن صدرا لما أودع سرّ الملوك، إن تكلّم أبرز لك الجوهر المصون، وإن كتب ضحكت لبكاء قلمه ثغور الثّغور والحصون؛ لله نسبه المشهور بين الأكابر الأعيان، وبيته المعمور بالعين المرفوع خبرها إلى فتيان «٣» ، فخطب من علا قدرها، واشتهر بالحسن الجميل ذكرها، وجلّت عن أن ترى العيون لها في الصّون شبيها، وعمّت البقاع سحب بركة أبيها؛ أكرم به عالما عاملا، وإماما لم يزل يبدي فضلا ويسدي نائلا؛ كم له من آثار مشهورة، ومناقب مأثورة، وصدقات مبرورة، ومواطن بذكر الله معمورة. فقوبل بالبشر قول رسوله، وردّ رائده مخبرا ببلوغ سوله، وقيل له بلسان الحال: هذا ما كانت تنتظر الآمال؛ يا له عقدا غلت جواهر عقوده، وأنارت في آفاق الاتّفاق أنجم سعوده، وتمايلت قدود أغصان الأفراح،

стр. 6758

وزهت مجالس السّرور بالانشراح، وهبّت قبول الإقبال، وقام القلم خطيبا على منبر الطّرس فقال: هذا ما أصدق......... وهذه نسخة صداق من إنشاء الشيخ صلاح الدين الصّفديّ، للقاضي بدر الدين خطيب بيت الآثار، على بنت شمس الدّين الخطيب من بيت الآثار، تسمّى سولي، في مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، في مجلس مولانا قاضي القضاة تقيّ الدين السّبكيّ الشافعيّ، أدام الله أيّامه؛ وهي: الحمد لله الذي زيّن سماء المعالي ببدرها، وأنبت في رياض السّعادة يانع زهرها، وألهم ذوي الهمم أن يبذلوا في الكرائم غوالي مهرها. نحمده على نعمه التي جلّلت ما ضفا من لباسها، وسوّغت ما صفا من رضاب كاسها، وخصّنا بما عمّت به من أنواع أجناسها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلمنا في الإيمان نصّها بالأداء، وبنى اسمها على الفتح كما فتح المضاف في النّداء، ورفع خبرها: إمّا على رأي الرّواة للشّهرة وإما على رأي النّحاة بالابتداء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي شرع النّكاح لهذه الأمّة، ومنع السّفاح فلم يكن أمرنا علينا غمّة، ونهج الصّواب فما ظنّك بالصّباح إذا ابتلج عقيب اللّيلة المدلهمّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تلقّوا أوامره بالطاعة، واجتنبوا نواهيه حتّى بلغوا جهد الاستطاعة، وفهموا مراده بمكاثرة الأمم فكان البضاع «١» عندهم خير بضاعة، صلاة رضوانها يضيء إضاءة الكواكب في أبراجها، وغفرانها يكاثر البحار في

стр. 6759

أعداد موجها، ما اتّصل سبب بالنكاح، وانفصل نسب بالسّفاح، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. وبعد، فإن النّكاح من محاسن هذا الدين القيّم، وفضائل هذا الشّرع الذي لا زال شرفه بدرا بين مشرقات النّجوم وهو مخيّم؛ به يحفظ النّسب الشّرود، ويرعى عهد القرينة الولود الودود. وكان فلان ممن أشبه أباه، وأبين ما أودعه من نفائس العلوم وحباه؛ تصدّر في المجالس، ودرّس في المدارس، وأورد ما عنده من النّفائس؛ كيف لا؟ وهو سبط شيخ الإسلام وإمام المسلمين، وقاضي قضاة الشّافعيّة وأوحد المجتهدين؛ وقد أراد الآن إحصان فرجه، وأن تنزل الزّهرة مع بدره في برجه. فلذلك رغب المجلس العالي (المسمّى) وخطب الجهة «١» المصونة المحجّبة، النّقيّة، التّقية، العفيفة، الخاتون «٢» غصن الإسلام، شرف

стр. 6760

الخواتين، جمال ذوات السّتور، قرّة عين الملوك والسلاطين، السّيّدة «سولي» بنت فلان، صان الله حجابها- فأكرم موارد قصده، وحباه أنفس درّة في عقده. فلذلك قام خطيب هذا الحفل الكريم، والنّجم الذي لم يزل نجمه بالطّالع المستقيم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم............ قلت: وهذه نسخة صداق زين الدّين صدقة السّيفيّ أزدمر، على بنت أمير المؤمنين «المتوكّل على الله» ، أنشأته له في خلافة أخيها المستعين بالله العبّاسيّ؛ وهي: الحمد لله مستخرج الدّوحة الهاشميّة من أطيب العناصر، ومفرّع النّبعة العبّاسيّة من أكرم صنو انعقدت على فضله الخناصر، ومخصّص بيت الخلافة منها بأعزّ جانب ذلّت لعزّه عظماء الملوك ما بين متقدّم ومعاصر. نحمده على أن صان عقائل الخلفاء بمعاقل الحسب، وحصر كفاءتها في العلم والدّين حيث لم يكافآ بحرفة ولا نسب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي سنّ النّكاح وشرعه، وأرغم بالحلّ أنف الغيرة لدى الإباء وقمعه، شهادة يستنشق من ريّا عبيرها كلّ شذى أريج، وتجتنى ثمار ينعها بشريف النّتاج من كلّ زوج بهيج، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ وفر في الفضل سهمه حتى لم يساهم، وأكرم رسول رخّص في تزويج بناته من صحابه وإلا فأين كفء رسول الله من العالم؟، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين شرّفهم بقربه، وقرن الصّهر بالنّسب فيهم فخصّ مصاهرته أخصّهم به، صلاة تصل سبب قائلها بسببه، وتجعل الفخار بها كلمة باقية في عقبه، وسلّم تسليما كثيرا.

стр. 6761

وبعد، فإنّ أولى ما أطال فيه المطيل، وشحذ في وصفه الذّهن الكليل، ورقمت محاسن ذكره على صفحة النّهار بذائب ذهب الأصيل- ما تواصلت به الأنساب، وتوصّل بواسطته في دراريّ الذّراري إلى شرف الأحساب، وتوفّرت عليه الدّواعي فاشتدّت به الأواصر، وحسنت في طريق قصده المساعي فتأكّدت به المودّة في البواطن والظواهر، وهو النّكاح الذي ندب الله تعالى إلى معاطاته، وحضّ على التّحلّي بحليه حتى ألحقه بالعبادة في بعض حالاته، طلبا للتّحصين الكافل بسلوك نهج الاستقامة، ورغبة في تكثير النّسل الواقع [به] مكاثرة الأمم يوم القيامة. هذا وكرائم بيت الخلافة، وربائب محتد المجد والإنافة، في حيّز لو طلب مناو مكافأتها لطلب معوزا، أو رام مقاوم مضاهاتها في علوّ الرّتبة لرام معجزا، لما اختصّت به من السّيادة التي لا يرقى إلى منزلتها، والمعالي التي لا تسمو النّفوس وإن شمخت إلى رتبتها، إذ كان النّظير لشرف أرومتها ممتنعا، والنّقيض بما ثبت من طيب جرثومتها مرتفعا؛ فبرق معاليها في التّطاول لا يشام، وجوهر فخارها في المآثر لا يسامى ولا يسام؛ فعزّ بذلك في الوجود مكافيها، وامتنع- خوف الهجوم بالاختطاب- موافيها؛ إلا أن المواقف الشريفة المقدّسة المتوكّلة- زاد الله تعالى في شرفها، وأدام رعايتها بحلّة الملوك وحمايتها وكنفها- مع ما انفردت به من العزّ الشّامخ الذي لا يساوى، والشّرف الباذخ الذي لا يناوى، قد رغب تفضّلها في أهل الفضل فمال إليهم، واختصّ باقباله أهل الدّين فأقبل بكلّيته عليهم، محلّا لهم من شريف مقامه العليّ محلّ الاصطفاء، ومقدّما لهم في المصاهرة على أبناء الملوك والخلفاء، فوافق في الفضل «شنّ طبقة» ، وحاول سارّة النّعم منها خير خاطب فتلقّى بقبول: إنّ الله تصدّق عليكم بصدقة، فعند ذلك ابتدر القلم منبر الطّرس فخطب، وخطب بالمحامد لسانه اللّسن فكتب: هذا ما أصدق العبد الفقير إلى الله تعالى، الجناب العاليّ، الأميريّ، الكبيريّ، الشّيخيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العابديّ، الخاشعيّ، النّاسكيّ،

стр. 6762

البليغيّ، المفوّهيّ، الصّدريّ، الرئيسيّ، الأصيليّ، العريقيّ، الزّينيّ، أبو المعالي صدقة- الجهة الشّريفة العالية، الكبرى، المعظمة المحجّبة، المصونة، سليلة الخلافة، فرع الشجرة الزّكيّة، جليلة المصونات، جميلة المحجّبات، سارّة، البكر البالغ، ابنة سيّدنا ومولانا المقام الأشرف، المقدّس، العاليّ، المولويّ، السّيّديّ، الإماميّ، النّبويّ، المتوكّل على الله «أبي عبد الله محمد» أمير المؤمنين، ابن المقام الأشرف العاليّ، المولويّ، الإماميّ، المعتضد بالله «أبي الفتح أبي بكر» ابن الإمام المستكفي بالله «أبي الرّبيع سليمان» ابن الإمام الحاكم بأمر الله «أبي العباس أحمد» لا زال شرفه باذخا، وعرنينه «١» الشّريف شامخا، وذكر مناقبه العليّة لكلّ منقبة ناسخا- صداقا جملته كذا وكذا، زوّجها منه بذلك فلان، وقبله فلان، وتمّ على بركة الله تعالى وحسن توفيقه، كاملة شروطه ولوازمه، مباركة عوذه وتمائمه، ميمونة فواتحه وخواتمه، مفتتحة بطيب العيش أزاهره مفترّة عن [نوره] «٢» إن شاء الله تعالى كمائمه.

стр. 6763

الفصل الخامس من الباب الأوّل من المقالة العاشرة (فيما يكتب عن العلماء وأهل الأدب مما جرت العادة بمراعاة النّثر المسجوع فيه، ومحاولة الفصاحة والبلاغة؛ وفيه طرفان) الطرف الأوّل (فيما يكتب عن العلماء وأهل الأدب؛ ثم هو على صنفين) الصنف الأوّل (الإجازات بالفتيا والتّدريس والرّواية وعراضات الكتب ونحوها) أما الإجازة بالفتيا، فقد جرت العادة أنه إذا تأهّل بعض أهل العلم للفتيا والتّدريس- أن يأذن له شيخه في أن يفتي ويدرّس، ويكتب له بذلك. وجرت العادة أن يكون ما يكتب في الغالب في قطع عريض، إما في فرخة الشّاميّ أو نحوها من البلديّ، وتكون الكتابة بقلم الرّقاع أسطرا متوالية، بين كلّ سطرين نحو أصبع عريض. وهذه نسخة إجازة بالفتيا والتّدريس على مذهب الإمام الشافعيّ ﵁ وأرضاه، كتبت لي حين أجازني شيخنا العلّامة سراج الدّين أبو حفص عمر بن أبي الحسن الشهير بابن الملقّن «١» ، سقى الله تعالى عهده،

стр. 6764

عند قدومه ثغر الإسكندرية، وأنا مقيم به في شهور سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وكتب لي بذلك القاضي تاج الدّين بن غنوم موقّع الحكم العزيز بالإسكندرية في درج ورق شاميّ في قطع الشاميّ الكامل، وسنّي يومئذ إحدى وعشرون سنة، فضلا من الله ونعمة. ونسختها بعد البسملة الشريفة: الحمد لله الذي رفع للعلماء مقدارا، وأجزل نعمه عليهم إذ أعلى لهم منارا، ووفّق بسواء الطّريق من اقتدى بهم إيرادا وإصدارا؛ أشرعت هممهم العليّة في حلبة السّباق فهي لا تجارى، وتحلّوا بالمفاخر جهرا وقد عجز غيرهم أن يتحلّى بها إسرارا؛ أبرز بهم في هالات المفاخر أقمارا، وأزال بضياء علومهم ريب الشّكّ حتّى عاد ليل الجهالة نهارا؛ جعلهم لدينه أنصارا، وصيّرهم نخبة أصفيائه إذ أودعهم من المعارف أسرارا، واختصّهم بكونهم ورثة أنبيائه: وناهيك بها فخارا. أحمده حمد من هدي إلى الحقّ فجعله شعارا، واستضاء بنور الهدى فلجأ إلى مولاه في حالتي سرّه وجهره افتقارا، وعجز عن شكر ما أسدى إليه من النّعم لمّا توالى عليه وبلها مدرارا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تصديقا وإقرارا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله والأصنام قد عبدت جهارا، والكفّار قد أعرضوا عن الحقّ استكبارا، فقام بأمر الله انتصارا، وقهر من أعرض عن الله اغترارا، وأخمد بضياء نوره الباطل وأهدره إهدارا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تزيدنا في ديننا استبصارا، وتحطّ عنّا من ثقل الذّنوب أوزارا، وتبوّؤنا إن شاء الله تعالى في دار الخلود قرارا. أما بعد، فقد وضح لذوي الأبصار والبصائر، واتّضح عند ذوي

стр. 6765

الأسرار والسّرائر، واستقرّ عند ذوي القلوب السّليمة، والعقول الرّاجحة المستقيمة، أنّ منزلة علم الشّريعة عند الله تعالى أعلى المنازل، وفضله أفضل المآثر وآثر الفضائل، وخصوصا معرفة تفاصيل أحكام أفعال المكلّفين بالشّريعة المحمّديّة، التي من علمها وعمل بها وعلّمها فقد سعد السّعادة الأبدية؛ إذ هي الشريعة الجامعة لمصالح الدّنيا والآخرة، النّاسخة لما خالفها من الشّرائع الغابرة، الباقية إلى أن يأتي وعيد الله وكلّ شريعة سواها داثرة؛ فقد أعظم الله تعالى على من حفظها على عباده المنّة، إذ جعله وقاية لهم من مهالك الجهل وجنّة، ووعده أن ينزل في أعلى منازل الجنّة، لما شهدت به نصوص الكتاب والسّنّة؛ قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «١» ، فنبّهه على أنّ العلم أقوى أسباب العبادة، إذ خصّه به وحضّه على أن يطلب منه الزّيادة، وقال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ «٢» ، فثنّى بذكرهم بعده، لكونهم أفضل الخلائق عنده، وقال ﵎ اسمه، وتقدّس علمه: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «٣» ؛ فأوضح بذلك أنّ أولياءه من خلقه العلماء؛ إذ وصفهم وخصّهم بأنهم الخائفون منه الأتقياء. وقال ﵇: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» ، وقال أيضا: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنّة» ، وقال أيضا: «ألا إنّ الدّنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالم ومتعلّم» . ولما كان فلان- أدام الله تعالى تسديده وتوفيقه، ويسّر إلى الخيرات طريقه- ممّن شبّ ونشأ في طلب العلم والفضيلة، وتخلّق بالأخلاق المرضيّة الجميلة الجليلة، وصحب السّادة من المشايخ والفقهاء، والقادة من الأكابر

стр. 6766

والفضلاء، واشتغل عليهم بالعلم الشريف اشتغالا يرضي، وإلى نيل السعادة- إن شاء الله تعالى- يفضي- استخار الله تعالى سيّدنا وشيخنا وبركتنا العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العلّامة، الحبر الفهّامة، فريد دهره، ونسيج وحده، جمال العلماء، أوحد الفضلاء، عمدة الفقهاء والصّلحاء، سراج الدّين، مفتي الإسلام والمسلمين، أبو حفص عمر ابن سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العالم، العامل، الأوحد، الكامل، القدوة، المرحوم نور الدين أبي الحسن عليّ، ابن سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الصالح، الزاهد، العابد، الخاشع، الناسك، القدوة، المرحوم شهاب الدّين بركة الصالحين، أبي العبّاس أحمد، ابن سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الصالح، القدوة العارف، المرحوم، شمس الدّين، أبي عبد الله محمد الأنصاريّ الشافعيّ، أدام الله تعالى النّفع به وببركته، وأشركنا والمسلمين في صالح أدعيته، بمحمد وآله وصحبه وعترته. وأذن وأجاز لفلان المسمّى فيه، أدام الله تعالى معاليه، أن يدرّس مذهب الإمام المجتهد المطلق العالم الرّبّاني، أبي عبد الله محمد بن إدريس المطّلبيّ، الشافعيّ، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنّة متقلّبه ومثواه، وأن يقرأ ما شاء من الكتب المصنّفة فيه، وأن يفيد ذلك لطالبيه، حيث حلّ وأقام، كيف ما شاء متى شاء وأين شاء، وأن يفتي من قصد استفتاءه خطّا ولفظا، على مقتضى مذهبه الشريف المشار إليه: لعلمه بديانته وأمانته، ومعرفته ودرايته، وأهليّته لذلك وكفايته. فليتلقّ أيده الله تعالى هذه الحلّة الشريفة، وليترقّ بفضل الله تعالى ذروة هذه المرتبة المنيفة، وليعلم قدر ما أنعم الله تعالى عليه، وأسدى من الإحسان الوافر إليه، وليراقبه مراقبة من يعلم اطّلاعه على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وليعامله معاملة من يتحقّق أنه يعلم ما يخفيه العبد وما يبديه في الورود والصّدور، ولا يستنكف أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم: فذاك

стр. 6767

قول سعد قائله. وقد جاء: «جنّة العالم «لا أدري» فإن أخطأها أصيبت مقاتله» ؛ فالله تعالى يرزقنا وإياه التّوفيق والتحقيق، ويسلك بنا وبه أقرب طريق، ويهدينا إلى سواء السبيل، فهو حسبنا ونعم الوكيل. وكتب في تاريخ كذا. وكتب شيخنا الشيخ سراج الدين المشار إليه تحت ذلك بعد حمد الله تعالى ما صورته: «ما نسب إليّ في هذه الإجازة المباركة من الإذن لفلان- أدام الله تعالى النّفع به، وأجرى كلّ خير بسببه، بتدريس مذهب الإمام المطّلبيّ، محمد بن إدريس الشافعيّ، قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه، والإفتاء به لفظا وخطّا- صحيح. فإنه ممن فاق أقران عصره بذكائه، وبرع عليهم بالاستحضار وتحرير المنقول ووفائه. وقد اعتنى وفّقه الله تعالى وإيّاي من جملة محفوظاته ب «مختصر الجوامع» لشيخنا العلّامة كمال الدّين النشائيّ، تغمده الله تعالى بغفرانه، فاستحضر بحضرتي مواضع منه جمّة، وأزال ببديع فصاحته جملة مدلهمّة، وأظهر من مشكلاته ما يعجز عنه اللبيب، ومن أغاريبه ما يقف عنده البارع الأريب. فليتّق الله حينئذ فيما يبديه، وليتحرّ الصواب في لفظه وخطّه وليراقب الله فيه؛ فإنه موقّع عن الله تعالى فليحذر الزّلل، ومحاولة الخطإ والخطل، ويستحضر ما اشتملت عليه من الجلالة، فإن الله تعالى تولّاها بنفسه حيث قال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «١» . وأجزت له مع ذلك أن يروي عنّي مالي من التآليف، ومنها «جامع الجوامع» أعان الله على إكماله، وكذا شرح «صحيح الإمام أبي عبد الله

стр. 6768

محمد بن إسماعيل البخاريّ» ، ومنها «البدر المنير، في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشّرح الكبير» للإمام أبي القاسم الرّافعيّ، وبه تكمل معرفة الفقيه ويصير محدّثا فقيها. وأجزت له مع ذلك ما جاز لي وعنّي روايته بشرطه عند أهله، زاده الله وإيّاي من فضله؛ ومنها الكتب الستة: «البخاريّ» و «مسلم» و «أبو داود» و «التّرمذيّ» و «النّسائيّ» و «ابن ماجه» ، والمسانيد: «مسند أحمد» و «مسند الشافعي» وغير ذلك. وكان ذلك في تاريخ كذا. وكتب عمر بن عليّ بن أحمد الأنصاريّ الشّافعيّ، غفر الله لهم: حامدا ومصلّيا ومسلّما وأشهد عليه جماعة من أهل العلم بآخره» . قلت: وتكون ألقاب المجاز على قدر رتبته، مثل أن يكتب له: «الفقير إلى الله تعالى، الشيخ، الإمام، العالم العامل، الأوحد، الفاضل، المفيد، البارع، علم المفيدين، رحلة القاصدين، فلان الدين، أبو فلان فلان بن فلان» (بحسب رتب آبائه) . وإنما أهملت ذكر الألقاب في هذه الإجازة، من حيث إنه لا يليق بأحد أن يذكر ألقاب نفسه في مصنّف له، لأنه يصير كأنّه أثنى على نفسه. وأمّا الإجازة بعراضة الكتب، فقد جرت العادة أن بعض الطّلبة إذا حفظ كتابا في الفقه، أو أصول الفقه، أو النّحو، أو غير ذلك من الفنون، يعرضه على مشايخ العصر، فيقطع الشيخ المعروض عليه ذلك الكتاب، ويفتح منه أبوابا ومواضع، يستقرئه إيّاها من أيّ مكان اتّفق، فإن مضى فيها من غير توقّف ولا تلعثم، استدلّ بحفظه تلك المواضع على حفظه لجميع الكتاب، وكتب له بذلك كلّ من عرض عليه، في ورق مربّع صغير، يأتي كلّ منهم بقدر ما عنده من الملكة في الإنشاء، وما يناسب ذلك المقام من براعة الاستهلال ونحوها: فمن عال، ومن هابط. وربّما خفّف بعضهم فكتب:

стр. 6769

«وكذلك عرض عليّ فلان» ، أو: «عرض عليّ وكتبه فلان» : إما رياسة وتأبّيا عن شغل فكره وكدّ نفسه فيما يكتبه، وإما عجزا عن مضاهاة من يكتب معه. وقد اخترت أن أضع في هذا المحلّ ما وافق الصنعة، وجرى على أسلوب البلاغة. فمن ذلك ما كتب به الشيخ الإمام العلّامة، لسان العرب، وحجّة الأدب، بدر الدين محمد بن أبي بكر المخزوميّ المالكيّ «١» للنّجل النبيل الذي تنتهي الألقاب ولا نهاية لمناقبه، شهاب الدّين أبي العباس أحمد ابن سيدنا الفقير إلى الله تعالى، ذي الأوصاف التي تكلّ شبا الألسن عن حدّها، شمس الدّين أبي عبد الله محمد العمريّ الشافعي، حين عرض عليه «عمدة الأحكام» «٢» للحافظ عبد الغنيّ، و «شذور الذّهب» للشيخ جمال الدّين بن هشام، في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة؛ وهو: أما بعد حمد الله على كرمه الذي هو عمدتنا في النّجاة يوم العرض وناهيك بها عمدة، وسندنا الذي لا يزال لسان الذّوق يروي حديث حلاوته عن «صفوان بن عسّال» من طريق «شهدة» «٣» والصلاة والسّلام على سيدنا محمد الذي أحيا بروح سنّته الشريفة كلّ من جاء ومن ذهب، وأعربت كلماته النّفيسة عن عقود الجوهر و «شذور الذّهب» وعلى آله وصحبه الذين

стр. 6770

أحسنوا الرواية والدّراية، وبنوا الأمر على أساس التقوى وأعربوا عن طرق الهداية، ما انهلّ من أفق الكرم المحمديّ كلّ عارض صيّب، وتحلّت الاسماع والأفواه من أخباره بنفائس الشّذور البديعة وحلاوة الكلم الطّيّب- فقد عرض عليّ الجناب العاليّ البارعيّ، الأوحديّ، الألمعيّ، اللّوذعيّ، الشّهابيّ، شهاب الدين، نخبة النّجباء، أوحد الألبّاء، نجل السّادة العظماء، سلالة الأعيان العلماء، أبو العبّاس أحمد ابن سيدنا المقرّ الكريم العاليّ، المولويّ، العالميّ، الفاضليّ، البليغيّ، المفيديّ، الفريديّ، المفوّهيّ، الشّمسيّ، العمريّ، أطاب الله حديثه، وجمع له بالإعراب عن علوّ الهمّة قديم الفضل وحديثه- طائفة متفرّقة من «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ، و «شذور الذّهب» للعلامة جمال الدّين بن هشام رحمة الله عليهما- عرضا قصرت دونه القرائح على طول جهدها، وكانت الألفاظ الموردة فيه لأمة حرب الفئة الباغية عليه فأحسن عند العرض في سردها، وزيّن- أبقاه الله- تلك الأماكن بطيّب لحنه وإعراب لفظه، وآذن امتحانه فيها بأنّ جواهر الكتابين قد حصلت بمجموعها في خزانة حفظه. فحبّذا هو من حافظ روى حديث فضله عاليا، وتلا على الأسماع ما اقتضى تقديمه على الأقران فلله درّه مقدّما وتاليا، وسار في حكم العرض على أعدل طريق وناهيك بالسّيرة العمريّة، وصان منطقه عن خلل المعاني وكيف لا؟ وقد تمسّك بطريقة والده وهي «المقدّمة الشّمسيّة» ، وسابق أقرانه فكانت له زبدة التّفضيل في حلبة السّباق، وطابق بين رفع شأنه وخفض شانيه ولا ينكر لمن هو من هذا البيت حسن الطّباق، واشتغل فلم يقع التنازع في حسن دخوله من باب الاشتغال، ونصب فكره لتحصيل العلم فتعيّن تمييزه على كلّ حال، وتوقّدت نار ذهنه فتلظّى حاسده بالالتهاب، ورويت أحاديثه بالغة في العلوّ إلى سماء الفضل ولا بدع إذا رويت أحاديث الشّهاب، وافتخر من والده بالفاضل الذي ارتفع في ديوان الإنشاء خبره، وهزّ المعاطف بتوقيعه الذي لا يزال يحرّره ويحبّره، ووشّى المهارق فكأنّما هي رياض قد غرّد فيها

стр. 6771

بسجعه، ونحاها بإنشائه الذي هو عمدة المتأدّبين فلا عجب في رفعه، ونظم ببيانه نفائس الدّرر ففدتها بالعين «صحاح الجوهريّ» ، وفتح بجيش بلاغته معاقل المعاني الممتنعة وحسبك بالفتح العمريّ: بيانه السّحر قد أخفى معاقده ... لكن أرانا لسرّ الفضل إنشاء إذا أراد أدار الرّاح منطقه ... نظما ويطربنا بالنّثر إن شاء! والله تعالى يبهج نفسه بما يصبح به الحاسد وهو مكمد، ويقرّ عينه بهذا الولد النّجيب حتى لا يبرح يقول: أشكر الله وأحمد، بمحمد وآله. ومن ذلك ما كتب به الشيخ شمس الدّين محمد بن عبد الدائم، لولدي نجم الدّين أبي الفتح محمد، حين عرض عليه «المنهاج» في الفقه للنّوويّ، في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة؛ وهو: الحمد لله الذي أوضح بنجم الدّين منهاج الفقه وأناره، وأفصح لسانه بكتاب من عند الله وأثاره، فسطعت أنوار شهابه لمن استنبطه وأثاره- من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين ويرفع مناره- والصلاة والسّلام على سيدنا محمد المخصوص بعموم الرّسالة، والمنصوص فضله بجميع أنواع الدّلالة، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى، وشهب التّأسّي والاقتدا. وبعد، فقد عرض عليّ الفقيه الفاضل نجل الأفاضل، وسليل الأماثل، ذو الهمّة العليّة، والفطنة الذّكيّة، والفطرة الزّكية، نجم الدّين، أبو عبد الله محمد بن فلان: نفع الله به كما نفع بوالده، وجمع له بين طارف العلم وتالده- مواضع متعدّدة من «المنهاج» في فقه الإمام الشافعيّ المطّلبيّ- ﵁ وعنّا به- تأليف الحبر العلّامة وليّ الله أبي زكريا بن شرف بن مري النّوويّ، سقى الله تعالى ثراه، وجعل الجنّة مأواه، دلّ حفظه لها على

стр. 6772

حفظ الكتاب، كما فتح الله له مناهج الخير دقّه وجلّه، وكان العرض في يوم كذا. وكتب علّامة العصر الشيخ عزّ الدّين بن جماعة «١» ما صورته: كذلك عرض عليّ المذكور باطنها عرضا حسنا، محرّرا مهذّبا مجادا متقنا؛ عرض من أتقن حفظه، وزيّن بحسن الأداء لفظه، وأجزل له من عين العناية حظّه، مرّ فيه مرور الهملاج الوساع «٢» ، في فسيح ذي السّباع. وقد دلّني ذلك منه- نفعه الله تعالى ونفع به، ووصل أسباب الخير بسببه، على علوّ همّته، ووفور أريحيّته، وتوقّد فكرته، واتّقاد فطنته؛ وأصله في ذلك كلّه عريق: سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق- فاعلم- شرّها البدع! وقد أذنت له أن يروي عنّي الكتاب المذكور، وجميع ما يجوز لي وعنّي روايته من مصنّفاتي وغيرها من منظوم ومنثور، ومنقول ومعقول ومأثور، بشرطه المعتبر، عند أهل الأثر. وكتب فلان في تاريخ كذا. ومن ذلك ما كتبته لمن اسمه «محمد» ولقبه «شمس الدين» من أبناء بعض الإخوان: وقد عرض عليّ «الأربعين حديثا» للشيخ محيي الدّين النّوويّ ﵀، و «الورقات» في الأصول لإمام الحرمين، و «اللّمحة

стр. 6773

البدريّة» في النّحو للشيخ أثير الدّين أبي حيّان دفعة واحدة، وهو لدون عشر سنين؛ وهو: الحمد لله الذي أطلع من دراريّ الأفاضل في أفق النّجابة شمسا، وأظهر من أفاضل الذّراري ما يغضّ به المخالف طرفا ويرفع به المحالف رأسا، وألحق بالأصل الكريم فرعه في النجابة فطاب جنّى وأعرق أصلا وزكا غرسا، وأبرز من ذوي الفطر السليمة من فاق بذكائه الأقران فأدرك العربيّة في لمحة، وسما بفهمه الثاقب على الأمثال فأمسى وفهم «الورقات» لديه كالصّفحة، وخرق بكرم بدايته العادة فجاز الأربعين لدون العشر وأتى على ذلك بما يشهد له بالصّحّة، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد الذي عمّت بركة اسمه الشريف سميّه ففاز منها بأوفر نصيب، وخصّ بإلهام التّسمية به أولو الفضل والنّهى فما سمّي به إلا نجيب، وعلى آله وصحبه الذين أينعت بهم روضة العلم وأزهرت، وأورقت شجرة المعارف وأثمرت. وبعد، فقد عرض عليّ فلان مواضع من كتاب كذا وكتاب كذا، فمرّ فيها مرور الصّبا، وجرى في ميدانها جري الجواد فما حاد عن سنن الطريق ولا كبا «١» . وأما الإجازة بالمرويّات على الاستدعاءات:- فمن ذلك ما كتب به الشّيخ صلاح الدين الصّفديّ ﵀ على استدعاء كتب له به القاضي شهاب الدين أحمد الحنبلي خطيب بيت الآلهة، وكاتب الدّست بالشّأم، يطلب منه فيه الإجازة لنفسه؛ وهو: الحمد لله الذي إذا دعي أجاب، وإذا أنعم على الأديب بذوق أتى في نظمه ونثره بالعجاب، وإذا وهب البليغ فطرة سليمة لم يكن على حجاه حجاب.

стр. 6774

نحمده على نعمه التي منها البلاغة، وأتقان ما لصناعة الإنشاء من حسن الصّياغة، وصيد أوابد المعاني التي من أعمل فكره في اقتناصها أو روّى [أمن] «١» رواغه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة فطر الضمير على إخلاصها، وجبل الفكر على افتناء أدلّتها القاطعة واقتناصها، وجعلت وقاية لقائلها يوم يضيق على الخلائق فسيح عراصها، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفصح من نطق بهذا اللسان، وجاء من هذه اللغة العربيّة بالنّكت الحسان، وحثّ على الخير وحضّ على الإحسان، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين رووا أقواله، وبلّغوا لمن لم يره سننه وأفعاله، وعلموا أنّ هذه الشّرعة المطهّرة أذخرها الله تعالى له فلم تكن تصلح إلا له، صلاة هامية الغفران، نامية الرّضوان، ما أجاب مجيب لمن استدعى، وعملت إنّ في المبتدإ نصبا ولم تغيّر على الخبر رفعا، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. وبعد، فإن [علم] «٢» الرّواية من محاسن الإسلام، وخصائص الفضلاء الذين تخفق لهم ذوائب الطروس وتنتصب رماح الأقلام، ولم تزل رغبة السّلف تتوفّر عليه، وتشير أنامل إرشادهم للأنام بالحثّ إليه. قيل للإمام أحمد بن حنبل- ﵁ ما يشتهي؟ فقال: سند عال، وبيت خال. وما برح الأئمّة الكبار يرتحلون إلى أقاصي الأقاليم في طلبه، ويتحملون المشاقّ والمتاعب فيه ويتجمّلون بسببه؛ فقد ارتحل الإمام الشافعيّ ﵁ وغيره إلى عبد الرّزّاق باليمن، وكان فيمن أخذ عنه ممن هو أحقّ بالتفضيل عليه قمن؛ ولكنه فنّ يحتاج إلى ذوق يعاضد من لا يعانده، وأمر لا يصبر عنه من ألفه وما يعلم الشّوق إلا من يكابده؛ فما عند من طلب الرواية أجلّ من أبناء جنسه، ولا عند المفيد المفيد أحلى من قوله: حدّثنا فلان أو انشدنا فلان لنفسه، ولكن:

стр. 6775

ما كلّ من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كلّ الرّجال فحولا! ولما كان الشيخ الإمام شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد ابن الشيخ ... .... ممّن نظم فودّت الدّرر في أفلاكه لو اتّسقت، وكتب فرقم الطّروس ووشّاها، وغشّاها من زهرات الرّياض ما غشّاها، وحلّ المترجم فسحر عقل كلّ لبيب وخلب لبّه، ووقع على القصد فيه فكأنّه شيء من الغيب خصّ الله به قلبه، وأتى فيه ببدائع ما تساوى ابن الصّيرفيّ ولا ابن [نباتة] «١» عندها بحبّة، وخطب فصدع القلوب، وأجرى ذنوب المدامع من أهل الذّنوب، وحذّر فكانت أسجاعه كألحان إسحاق وسامعه يبكي بأجفان يعقوب؛ كأنّما هو في حلّة الخطابة بدر في غمامة، أو منبره غصن وهو فوقه حمامة، أو بحر وفضائله مثل أمواجه ودرّه يحكي كلامه؛ لو رآه «ابن نباتة» ما أورقت بالفصاحة أعواده، أو «ابن المنيّر» ما رقمت بالبلاغة أبراده، أو «ابن تيميّة» ما حظيت بالجدود أجداده؛ فأراد أن يشرّف قدري، ويعرّف نكري، فطلب الإجازة مني وأنا أحقّ بالأخذ عنه، واستدعى ذلك منّي: وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. فنعم قد استخرت الله تعالى وأجزت له ما يجوز لي تسميعه، وذكرت هنا شيئا من مرويّاتي وأشياخي ﵏ وذكرت مصنّفاتي: إجازة قاصر عن كلّ شيء ... يسير من الرّواية في مفازه: لمن ملك الفضائل واقتناها ... وجاز مدى العلى سبقا وحازه! ومن ذلك ما كتب به الشيخ العلّامة شمس الدّين محمد بن الصائغ «٢» على استدعاء لبعض من سأله الإجازة:

стр. 6776

أقول بعد حمد الله الذي لا يخيّب من استجدى كرمه، ولا يخيب من استدعى نعمه، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه وخدمه وما اسود مدمه «١» : أثرت الجوى بي إذ أردت جوابي ... وعظّمت خطبي إذ قصدت خطابي: ومن أنا في الدّنيا أجيب ومن أنا! ... أجيز؟ مضى الأشياخ تحت تراب! عجيب لطلّاب لدينا تخلّفوا ... وكم قد أتانا دهرنا بعجاب! نحن إلى الموبلحة أمر ناي ... عربناه بالعذيب عذاب «٢» (؟) يا أخانا: إنّ بضاعتنا في العلم مزجاة، وصناعتنا في الوقت مرجاة، ونسيم أخباره عليل، وأدب إخباره قليل، وتصانيفي وجوه أكثرها مسودّة، وآمالي في تبييضها لقصر الهمم ممتدّة؛ سئلت قديما من بعض الفضلاء أن أعدّها، فكتبت فيها رسالة لا أعرف لصقل الأذهان حدّها؛ ومنّ الله بعد ذلك بتصانيف أخر، ومقاطيع إن لم تكن كالزّهر فهي كالزّهر؛ ثم عدّد نيّفا وثلاثين مصنّفا، منها «مجمع الفرائد» في ستّ «٣» عشرة مجلّدة. ثم أنشد في آخر ذلك: ولقد شرّفت قدري ... بنفيس من هدايا: بنظام شنّف السّمع ... بدرّ كالثّنايا فارو منّي وارو عنّي ... واغن عن شدّ المطايا وانتق الفضل وحصّل، ... واحظ منّي بمزايا وتحرّ الصّدق واعلم ... أنه خير الوصايا!!! أجزت لك أن تروي هذه وغيرها عنّي، ولك الفضل في قبول ذلك منّي.

стр. 6777

الصنف الثاني (التّقريضات التي تكتب على المصنّفات المصنّفة والقصائد المنظومة) قد جرت العادة أنه إذا صنّف في فنّ من الفنون أو نظم شاعر قصيدة فأجاد فيها أو نحو ذلك، أن يكتب له أهل تلك الصناعة على كتابه أو قصيدته بالتّقريض والمدح، ويأتي كلّ منهم بما في وسعه من البلاغة في ذلك. فمن ذلك ما كتب به الشيخ صلاح الدين الصّفديّ على مصنّف وضعه الشيخ تاج الدّين عليّ بن الدّرهم الموصليّ الشافعيّ في الاستدلال على أن البسملة من أوّل الفاتحة؛ وهي: وقفت على هذا التصنيف الذي وضعه هذا العلّامة، ونشر به في المذهب الشافعيّ أعلامه، وأصبح ونسبته إليه أشهر علم وأبهر علامة؛ فأقسم ما سام الرّوض حدائقه، ولا شام أبو شامة بوارقه، كلّ الأئمة تعترف بما فيه من الأدلّة، وكلّ التصانيف تقول أمامه: بسم الله؛ كم فيه من دليل لا يعارض بما ينقضه، وكم فيه من حجّة يكلّ عنها الخصم لأنّ عقله على محكّ النّقد يعرضه؛ قد أيّد ما ادّعاه بالحديث والأثر، ونقل مذهب كلّ إمام سبق وما عثر؛ لقد سرّ الشافعيّ بنصّ قوله الذي هذّبه، وجعل أعلام مذهبه مذهبة، وأتى فيه بنكت تطرب من أسرار الحرف، وفوائد عرف بها ما بين ابن الدّرهم وبين البوني من البون في تفاوت الصّرف: أكرم به مصنّفا ... فاق تصانيف الورى! ليل المداد فيه ... بالمعنى المنير أقمرا! كم فيه برد حجّة ... قد حاكه محرّرا، وكم دليل سيفه ... إذا التقى خصما فرى فلم يكن من بعده ... مخالف قطّ يرى!! ومن ذلك ما كتب به المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله على قصيدة ميميّة،

стр. 6778

للشيخ غرس الدّين خليل الصّفديّ المعروف بالصّلاح الصّفديّ، مدح بها الأمير سيف الدين ألجاي الدّوادار النّاصريّ، في شهور سنة تسع وعشرين وسبعمائة؛ وهي: وقفت على هذه القصيدة التي أشرقت معانيها فكادت ترى، وتمكّنت قوافيها فاستمسك بها الأدب لمّا كانت الميمات فيها كالعرا، فوجدتها مشتملة من البلاغة بوزنها على البحر المحيط، لطيفة لا تقاس بأمثالها من الكلام المركّب لأنها من البسيط، فنظرت إليها مكتسبا من بيانها سحر الحدق، متعجّبا من منشئها لغرس يسرع الإثمار في الورق، ثم فطنت إلى أنّ الممدوح بها أعزّه الله تعالى سحّت ديمه فروّضت الطروس، وبرّحت مناقبه بما كان مصونا في أخبية النّفوس؛ وقد استوجب هذا المادح عطّف الله تعالى قلبه عليه من منائحه حظّا جزيلا، وحبّا يقول به لمن قصد المساواة به: لو كنت متّخذا خليلا لا تخذت فلانا خليلا: مدبّر الملك له على العلى مقاعد ... تهوي إلى جنابه القصّاد والقصائد! قلت: وكتبت على قصيدة نظمها شرف الدّين عيسى بن حجّاج الشاعر المعروف بالعالية «١» ، مدح بها النبيّ ﷺ وضمّنها أنواع البديع، ضاهى بها بديعيّة الصّفيّ الحلّيّ، في شهور سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، ما صورته: أما بعد حمد الله الذي أحلّ سحر البيان، وأقدر أهل البلاغة من بديع التّخيّل على ما يشهد بصحّته العيان، وذلّل برائض أفكارهم صعاب الألفاظ

стр. 6779

فامتطوا من متون أحاسنها الجياد، وأوضح لهم طرق الفصاحة فغدت لديهم- بحمد الله تعالى- سهلة القياد، وأحيى ميّت الأدب بروح الأنفاس العيسويّة وعمّر بأنسها ربوعه الخالية، وحمى نفس الفضل في رقعة المساجلة أن تصل إليه فرازنة «١» الدّعاوى ولا غرو أنّ حماها العالية، والصّلاة على رسوله محمد ﷺ أفصح من نطق بالضّاد، وأوتي جوامع الكلم فلن تحصر معاني كلامه الأعداد- فإنّي وقفت على البديعيّة البديعة التي نظمها الفاضل الأرفع، واللّوذعيّ المصقع، أديب الزّمان، وشاعر الأوان، شرف الدّين أبو الرّوح عيسى العالية- أعلى الله تعالى منار أدبه ورفعه على مناويه، وبلغ به من قصب السّبق ما يمتنع أن يراه على البعد مضاهيه- فألفيتها الدّرّة الثمينة غير أنها لا تسام، والخريدة «٢» المخدّرة إلا أنها لا يليق بها الاحتشام: تروم احتشاما ستر لألاء وجهها! ... ومن ذا لذات الحسن يخفي ويستر؟ قد اتّخذت من الاحتشام معقلا وحصنا لا يغشى، وانتبذت من حسّادها مكانا قصيّا فلا تخاف دركا ولا تخشى: ولم أدر- والألفاظ منها شريفة- ... إلى البدر تسمو أم إلى الشّمس ترتقي؟ أراد المدّعي بلوغ شأوها الجري في مضمارها فقيل: كلّا، ورام الملحد في آياتها الغضّ منها عنادا فأبى الله إلّا: ما إن لها في الفضل مثل كائن! ... وبيانها أحلى البيان وأمثل! فأمسوا في معارضتها غير طامعين، وتلت عليهم آيات بلاغتها: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ «٣» :

стр. 6780

كم جدّلت يوم الوغى من جندل ... صاحت به فما أطاق تصبّرا! وكيف لا تخضع لها الأعناق، وتذلّ لها رقاب الشّعراء على الإطلاق، وهي اليتيمة التي أعقمت الأفهام عن مثلها، والفريدة التي اعترف كلّ طويل النّجاد بالقصور عن وصلها: زادت على، من ذا يطيق وصالها؟ ... ومحلّها منه الثّريّا أقرب! وأنّى بذلك وقد أخذت من المحاسن بزمامها، وأحاطت من الطّلاوة بكمامها، وأحدقت رياض الأدب بحدائقها، واقتطفت من أفنان الفنون ثمار معان تلذّ لناظرها وتحلو لذائقها؟: ولا تعر غيرها سمعا ولا نظرا ... في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل وتصرّفت في جميع العلوم وإن كانت على البديع مقصورة، وشرفت بشرف متعلّقها فأصبحت بالشرف مشهورة: أهانت الدّرّ حتّى ماله ثمن، ... وأرخصت قيمة الأمثال والخطبا! لا جرم أضحت أمّ القصائد وكعبة القصّاد، ومحطّ الرّحال ومنهل الورّاد، فأربت في الشّهرة على «المثل السائر» ، واعترف بفضلها جزالة البادي وسهولة الحاضر: فللأ فاضل في عليائها سمر ... إنّ الحديث عن العلياء أسمار! فأعجب بها من بادرة جمعت بين متضادّين سمر وسمر، وقرنت بين متباعدين زهر وزهر، وجادت بمستنزهين روض ونهر، وتفنّنت في أساليب الكلام وجالت، وطاوعتها يد المقال فقالت وطالت، ودعت فرسان العربيّة إلى المبارزة فنكسوا، وتحقّق المفلقون العجز عن مؤاخاتها ولو حرصوا: فأعرب عن كلّ المعاني فصيحها ... بما عجزت عنه نزار ويعرب! إن ذكرت ألفاظها فما الدّرّ المنثور؟ أو جليت معانيها أخجلت الرّوض

стр. 6781

الممطور، أو اعتبر تحرير وزنها فاق الذّهب تحريرا، أو قوبلت قوافيها بغيرها زكت توفيرا وسمت توقيرا، أو تغزّلت أسكتت الورق في الأغصان، أو امتدحت قفت إثر «كعب» وسلكت سبيل «حسّان» ؛ فإطنابها- لفصاحتها- لا يعدّ إطنابا، وإيجازها- لبلاغتها- يمدّ على المعاني من حسن السّبك أطنابا: أبن لي مغزاها أخا الفهم إنّها ... إلى الفضل تعزى أو إلى المجد تنسب؟ هذا وبراعة مطلعها تحثّ على سماع باقيها شغفا، وبديع مخلصها يسترق الأسماع لطافة ويسترقّ القلوب كلفا، وحسن اختتامها تكاد النّفوس لحلاوة مقطعه تذوب عليها أسفا: لها من براهين البيان شواهد ... إذ الفضل ورد والمعالي موارد! وبالجملة فمآثرها الجميلة لا تحصى، وجمائلها المأثورة لا تعدّ ولا تستقصى؛ فكأنّما «قسّ بن ساعدة» يأتمّ بفصاحتها، و «ابن المقفّع» يهتدي بهديها ويروي عن بلاغتها، «وامرؤ القيس» يقتبس من صنعة شعرها، و «الأعشى» يستضيء بطلعة بدرها؛ فلو رآها «جرير» لرأى أنّ نظمه جريرة اقترفها، أو سمعها «الفرزدق» لعرف فضلها وتحقق شرفها، أو بصربها «حبيب بن أوس» لأحبّ أن يكون من رواتها، أو اطّلع عليها «المتنبّي» لتحيّر بين جميل ذاتها وحسن أدواتها: فللبصائر هاد من فضائلها ... يهدي أولي الفضل إن ضلّوا وإن حاروا ولا نطيل فمبلغ القول فيها أنّ آيتها المحكمة ناسخة لما قبلها، وبرهانها القاطع قاض بأن لا تسمح قريحة أن تنسج على منوالها ولا يطمع شاعر أن يسلك سبلها: وآيتها الكبرى التي دلّ فضلها ... على أنّ من لم يشهد الفضل جاحد!

стр. 6782

الطرف الثاني (فيما يكتب عن القضاة؛ وهو على أربعة أصناف) الصنف الأوّل (التقاليد الحكميّة؛ وهي على مرتبتين) المرتبة الأولى (أن تفتتح بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» ) ثم يقال: «أما بعد» ثم يقال: «ولمّا علمنا من حال فلان الفلانيّ كذا وكذا، استخرنا الله تعالى وفوّضنا إليه كذا وكذا، فليباشر ذلك» ويوص بما يناسب. ثم يقال: «هذا عهدنا إليك، وحجّتنا عند الله عليك، فاعلم هذا واعمل به، وكتب ذلك عن الإذن الفلانيّ» . وهذه نسخة تقليد: الحمد لله الوليّ الحميد، الفعّال لما يريد، نحمده على ما أولانا من إحسانه فهو المولى ونحن العبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توصّلنا إلى جنّة نعيمها مقيم، وتقينا من نار عذابها شديد أليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبيّ الكريم، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه المشتملين على الطاعة والقلب السّليم، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن مرتبة الحكم لا تعطى إلّا لأهلها، والأقضية لا ينصب لها إلّا من هو كفء لها، ومن هو متّصف بصفات الأمانة والصّيانة، والعفّة والدّيانة؛ فمن هذه صفته استحقّ أن يوجّه ويستخدم، ويترقّى ويتقدّم. ولمّا علمنا من حال فلان الفلانيّ الأوصاف الحميدة، والأفعال السّديدة، فإنه قد حوى المعرفة والعلوم، والاصطلاح والرّسوم، وجمعت فيه خصال حملتنا على استنابته، وقوّتنا على نيابته- استخرنا الله تعالى وفوّضنا إليه كذا وكذا. فليباشر ذلك متمسكا بحبل الله المتين، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 6783

لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ «١» وليجتهد في إقامة الدّين وفصل الخصومات، وفي النّظر في ذوي العدالات والتّلبس بالشهادات وإقامة البيّنات؛ فمن كان من أهل العدالة نزها، وإلى الحقّ متوجّها، فليراعه ويقدّمه على أقرانه، ومن كان منهم خلاف ذلك فليقصه ويطالعنا بحاله. ولينظر في أمر الجوامع والمساجد ويفعل في ذلك الأفعال المرضيّة، وفي أموال الأيتام يصرف منها اللّوازم الشّرعية؛ فمن بلغ منهم رشيدا أسلم إليه ما عساه يفضل له منها، ويقرّر الفروض، ويزوّج الخاليات من الأزواج والعدد والأولياء، من الأزواج الأكفاء، ويندب لذلك من يعلم ديانته، ويتحقّق أمانته، ويتخيّر لكتابة الصّكوك من لا يرتاب بصحّته، ولا يشكّ في ديانته وخبرته، وينظر في أمر المتصرّفين، ومن عنده من المستخدمين؛ فمن كان منهم على الطريقة الحميدة فليجره على عادته، وليبقه على خدمته، ومن كان منهم بخلاف ذلك فليستبدل به وليقصه. هذا عهدي إليك، وحجّتي غدا عند الله عليك؛ فاعلم هذا واعمل به. وكتب ذلك عن الإذن الكريم الفلانيّ، وهو في محلّ ولايته وحكمه وقضائه، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما، في التاريخ الفلانيّ. (ثم يكتب الحاكم علامته والتاريخ) وحسبنا الله ونعم الوكيل. وهذه نسخة تقليد: الحمد لله الحكم العدل الهادي عباده صراطا مستقيما، الحاكم الذي لا يظلم مثقال ذرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما، المثيب من قدّم له الطاعة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، الرّقيب على ما يصدر من أفعالهم فلا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال.

стр. 6784

أحمده على نعمه التي تنشيء السّحاب الثّقال، وأستعيذه من نقمه التي يرسلها فيصيب بها من يشاء من عباده وهو شديد المحال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تفيد المخلص بها في الإقرار النّجاة يوم المآل، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي نعته بأكرم الشّيم وأشرف الخصال، وعرّفه بما يجب من عبوديّته فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «١» ، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتّبعوه في الأقوال والأفعال، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن من حسنت سريرته، وحمدت سيرته، وعرف بورع وشهر بعفاف، وديانة وخير وإنصاف، وأضحى نزه النّفس عن الأمور الدّنيّة، فقيها دربا بالأحكام الشّرعية، عارفا بالأوضاع المرضية- استحقّ أن يوجّه ويستخدم، ويرقّى ويتقدّم. ولمّا علمنا من حال فلان الفلانيّ من الأوصاف الحميدة، والأفعال السّديدة- استخرنا الله تعالى وفوّضنا إليه كذا وكذا. فليكن متمسّكا معتصما بحبل الله القويّ المتين، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ «٢» وليباشر ما قلّدناه- أعانه الله ويراع حقوق الله تعالى في السّرّ والعلانية: فإنّه معين من استعان به وتوكّل عليه، وهادي من استرشده وفوّض أموره إليه. وليجتهد في فصل الأحكام بين المتنازعين، والمساواة في العدل بين المتحاكمين؛ قال الله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «٣» .

стр. 6785

وأن يثبت في الخصومات، ويفرق بين الحقائق والشّبهات، وينصف كلّ ظالم من ظالمه بالشّريعة المحمّديّة، ليكون ذلك سببا للسعادة الأبديّة، وينظر في أمر الشهود: فمن كان منهم نزها، وإلى الحقّ متوجّها، فليراعه، ومن كان منهم غير ذلك طالعنا بحاله، وينظر في أمر الجوامع والمساجد معتمدا في ذلك قول الله العزيز القاهر: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «١» . وينظر في أمر الأيتام، ويحتاط على ما لهم من الأموال، ويفعل في ذلك على جاري عادة أمثاله من الحكّام: من نفقة وكسوة ولوازم شرعيّة؛ فمن بلغ منهم رشيدا أسلم إليه ما فضل من ماله بالبيّنة المرضيّة، ويقرّر الفروض على مقتضى قول الله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ «٢» ، ويزوّج النّسوة الخالية من العدد والأولياء، ممّن رغب فيهنّ من الأكفاء، ويندب لذلك من يعلم أمانته وخبرته، وينظر في أمر المتصرّفين: فمن كان منهم على الطّريقة المأثورة أجراه على عادته، وأبقاه على حكمه وخدمته، ومن كان منهم خلاف ذلك يبعده ويقصيه، ويستبدل به غيره ليبقى مكانه وفي تصرّفه. هذا عهدي إليك، وحجّتي يوم القيامة عند الله عليك؛ فلتعلم ذلك وتعمل به إن شاء الله تعالى. (ويؤرّخ، ويكون ذلك بخطّ الحاكم) ويكتب: «وحسبنا الله ونعم الوكيل» ويتوّجه بعلامته الكريمة. وهذه نسخة تقليد: الحمد لله ذي الفضل والسخاء، واللّطف في الشّدّة والرّخاء، الذي

стр. 6786

من تواضع إليه رفعه، ومن أطاعه نفعه، ومن أخلص له في العبادة أمال عنه كيد الشيطان ودفعه، الذي أحاط علمه بالموارد والمصادر، واستوت عنده أحوال الأوائل والأواخر، واطّلع على ضمائر النفوس ولا ينبغي لغيره أن يطّلع على الضمائر، الخافض الرّافع، والمعطي المانع؛ فإليه الأمر والتدبير، المقسط الجامع: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» . أحمده حمدا يقضي للسعادة بالتّيسير، وأشكره شكرا يسهّل من المآرب العسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه نعم المولى ونعم النّصير، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أرسله بالهدى والكتاب المنير، وجعله للأمّة خير بشير ونذير، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته شهادة يحلّ المخلصون بها جنّة يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* «٢» . أما بعد، فإنّ من كان عارفا بأحكام الشّريعة، متهيّئا لنيل درجاتها الرّفيعة، مستندا إلى بيت مشكور، وقدر موفور، قلّد الأحكام الدّينيّة، ليعمل فيها بالشريعة المحمّديّة. ولمّا علمنا فلان بن فلان بن فلان الفلانيّ، قلّدناه كذا وكذا. فباشر أعانك الله: محافظا على تقوى الله الذي إليه المرجع والمصير، قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) * «٣» . واستشعر خيفة الله واجعلها نصب عينك، وتمسّك بالحقّ واجعله حجابا بين النار وبينك، وانتصب لتنفيذ الأحكام انتصاب من يراقب الله ويخشاه، وحاسب نفسك محاسبة من يتحقّق أنه يطّلع عليه ويراه، وابذل في إنصاف المظلوم من

стр. 6787

الظالم وسعك، ورحّب للمتحاكمين ذرعك، وانظر في أمر الشّهود وحذّرهم أن يزوغوا عن الحقّ، وحاسبهم فيما جلّ ودقّ، ولا ترخّص لهم، وألزمهم أن يتّخذوا الصّدق منطقهم، وانههم عن التّسمّح فيها، وعرّفهم التّحرّز عما يؤدّي من التّهمة والتّطرّق إليها، وانظر في أمر المتصرّفين بباب الحكم العزيز نظرا يؤدّي إلى صلاحهم، ولا تعوّل في النيابة عنك إلا على من تختاره وترتضيه، ولا تعرّج إلى من هو مستند إلى غاية ولا تمل إليه، وانظر في أمر الأحباس «١» نظرا يحفظ أصولها، ولا تراع في استخلاص ما يتعيّن لها كبيرا ولا صغيرا، ولا تعامل فيها إلّا ذوي الوفاء واليسار، وارفض معاملة من يستند إلى العدم والإعسار، وافعل ما يفعله مثلك من الحكّام، من إنشاء العدالة والفسخ والإنكاح وغير ذلك فقد قلّدناك هذه الأحكام؛ فإن عملت فيها بتقوى الله تعالى وطاعته يعينك على ذلك، وإن عملت غير ذلك فأنت والله هالك ثم هالك؛ واستمع نصيحتي، وافعل ما تبرّد به جلدتك وجلدتي، إن شاء الله تعالى. [المرتبة الثانية] «٢» قلت: وربّما كتب التقليد بصيغة كتاب، مثل أن يكتب إلى الذي يتولّى على قدر مرتبته، من: «صدرت هذه المكاتبة» أو: «هذه المكاتبة» ثم يقال: «تتضمّن إعلامه أنّ المجلس الفلانيّ» بلقبه، ويدعى له: «لمّا علمنا من حاله كذا وكذا- استخرنا الله تعالى وفوّضنا إليه الحكم والقضاء بمكان كذا، فليباشر ذلك» على نحو ما تقدّم في التقليد الذي قبله.

стр. 6788

الصنف الثاني (إسجالات العدالة) قد جرت العادة أن أبناء العلماء والرّؤساء تثبت عدالتهم على الحكّام، ويسجّل لهم بذلك، ويحكم الحاكم بعدالة من تثبت عدالته لديه، ويشهد عليه بذلك، ويكتب له بذلك في درج عريض، إمّا في قطع فرخة الشاميّ الكاملة، وإما في نحو ذلك من الورق البلديّ، وتكون كتابته بقلم الرّقاع وأسطره متوالية، وبين كلّ سطرين تقدير عرض أصبع أو نحو ذلك. قلت: وهذه نسخة سجلّ أنشأته، كتب به لولدي نجم الدّين أبي الفتح محمد، وكتب له بها عند ثبوت عدالته، على الشّيخ العلّامة وليّ الدّين أحمد، ابن الشّيخ الإمام الحافظ زين الدّين عبد الرّحيم العراقيّ، خليفة الحكم العزيز بمصر والقاهرة المحروستين، في شهور سنة ثلاث عشرة وثمانمائة؛ وهي: الحمد لله الذي أطلع نجم العدالة من سماء الفضائل في أفق معاليها، وأنار بدراريّ العلماء من حنادس الجهالة مدلهمّ لياليها، وكمّل عقود النّجابة من نجباء الأبناء بأغلى جواهرها وأنفس لآليها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترقّي قائلها إلى أرفع الذّرا، ويمتطي منتحلها صهوة الثّريّا: وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المخصوص بمحاسن الشّيم، والموصوف بكرم المآثر ومآثر الكرم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تمسّكوا من عرا الدّين بالسّبب الأقوى، وسلكوا جادّة الهداية فحصلوا من أقصى مغيّاها على الغاية القصوى، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فلمّا كانت العدالة هي أسّ الشريعة وعمادها، وركنها الأعظم في الاستناد إلى الصّواب وسنادها، لا تقبل دونها شهادة ولا رواية، ولا يصحّ مع عدمها إسناد أمر ولا ولاية- فقد بنيت الشريعة المطهّرة على أركانها،

стр. 6789

واعتمد الرّواة في صحّة الأخبار على أصولها وتعلقت الحكّام في قبول الشهادة بأحضانها، إذ هي الملكة الحاملة على ملازمة التّقوى، والحفيظة المانعة من الوقوع في هوّة البدع المتمسّك بسببها الأقوى، والحكمة الثّانية عن الجماح إلى ارتكاب الكبائر، والعنان الصّارف عن الجنوح إلى الإصرار على الصغائر، والزّمام القائد إلى صلاح أعمال الظواهر وسلامة عقائد الضّمائر. ولما كان مجلس القاضي الأجلّ، الفقيه، الفاضل، المشتغل، المحصّل، الأصيل، نجم الدّين، سليل العلماء، أبو الفتح محمد بن فلان القلقشنديّ الفزاريّ، الشّافعيّ، خليفة الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة والده، والحاكم بالعمل الفلانيّ وما معهما: أيّد الله تعالى أحكامه، وأقرّ عينه بولده- هو الذي ولد على فراش الدّيانة، وظهرت عليه في الطّفولية آثارها، ونشأ في أحياء الصّيانة، فرويت عنه بالسّند الصحيح أخبارها، وارتضع ثدي العلم حين بزوغ نجمه، وغذيه مع لبان أمّه فامتزج بدمه ولحمه وعظمه، وأعلن منادي نشأته بجميل الذّكر فأغنى فيه عن الاستخبار، ولاحت عليه لوائح النّجابة فقضى له بالكمال قبل أن يبلغ قمر عمره زمن الإبدار: فلم يرد منهل التكليف إلا وقد تزيّن من محاسن الفضائل بأكمل زين، ولم يبلغ مبلغ العلم حتّى صار لوالده- ولله الحمد- قرّة عين- رفعت قصّة مخبرة عن حاله فيها من مضمون السؤال طلب الإذن الكريم بسماع بيّنة المذكور، وكتابة إسجال بعدالته، فشملها الخطّ الكريم العاليّ، المولويّ، القاضويّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العلّاميّ، الشّيخيّ، المحدّثيّ، الحافظيّ، الحبريّ، المجتهديّ، المحقّقيّ، المدقّقيّ، الوحيديّ، الفريديّ، الحجّيّ، الحججيّ، الخطيبيّ، البليغيّ، الحاكميّ، الجلاليّ، الكنانيّ، البلقينيّ، الشافعيّ، شيخ الإسلام، الناظر في الأحكام الشرعية بالديار المصرية، والممالك الشريفة الإسلامية: أدام الله تعالى أيّامه، وأعزّ أحكامه، وأحسن إليه، وأسبغ نعمه في الدّارين عليه- لسيّدنا العبد الفقير

стр. 6790

إلى الله تعالى، الشّيخ الإمام العالم، الحافظ، وليّ الدّين، شرف العلماء، أوحد الفضلاء، مفتي المسلمين، أبي زرعة أحمد ابن سيّدنا العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدّين، شيخ الإسلام، قاضي المسلمين، أبي الفضل عبد الرّحيم، ابن سيّدنا العبد الفقير إلى الله تعالى بدر الدين، شرف العلماء، أوحد الفضلاء، مفتي المسلمين، أبي عبد الله الحسين العراقيّ الشافعيّ، خليفة الحكم العزيز بالقاهرة ومصر المحروستين، والحاكم بالأعمال المنوفيّة، ومفتي دار العدل الشريف بالديار المصرية: أيّد الله تعالى أحكامه، وأحسن إليه بالنظر في ذلك على الوجه الشّرعيّ. فحينئذ سمع سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام، العالم، الحافظ، وليّ الدّين، الحاكم المشار إليه: أحسن الله تعالى إليه- البيّنة بتزكيته، وصرّحت له بالشّهادة بعدالته، وقبلها القبول الشرعيّ السائغ في مثله. ثم أشهد على نفسه الكريمة من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما، وذلك في اليوم المبارك يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة- أنّه ثبت عنده وصحّ لديه: أحسن الله إليه- على الوضع المعتبر الشرعيّ، والقانون المحرّر المرعيّ، بالبينة العادلة المرضيّة، التي تثبت بمثلها الحقوق الشّرعيّة- عدالة القاضي الأجلّ، العدل، الرّضيّ، نجم الدين محمد المسمى أعلاه: زاده الله تعالى توفيقا، وسهّل له إلى الخير طريقا، وما اشتمل عليه من صفاتها، وتحلّى به من أدواتها، ثبوتا صحيحا معتبرا، مستوفى الشرائط محرّرا. وأنه- أيّد الله تعالى أحكامه، وسدّد نقضه وإبرامه- حكم بعدالته، وقبول شهادته، حكما تامّا وجزمه، وقضى فيه قضاء أبرمه، وأذن له- أيّد الله تعالى أحكامه- في تحمّل الشهادة وأدائها، وبسط قلمه في سائر أنديتها

стр. 6791

وأرجائها، وأجراه- أجرى الله تعالى الخيرات على يديه- مجرى أمثاله من العدول، ونظمه في سلك الشّهداء أهل القبول، ونصبه بين الناس شاهدا عدلا، إذ كان صالحا لذلك وأهلا. فليبسط بالشهادة قلمه، وليؤلّف على شروط أدائها كلمه، وليحمد الله تعالى على ما منحه من ملابسها الجميلة، وأناله من التّرقّي لرتبتها الجليلة، وليتّق الله تعالى في موارده ومصادره، وليسلك مسالك التقوى في أوّل أمره وآخره، وليعلم أن من سلك الحقّ نجا، ومن يتّق الله يجعل له مخرجا. أوزعه الله تعالى شكر هذه الرتبة العلية، والمنزلة السّنيّة. وتقدّم أمر سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام، العالم، الحافظ، وليّ الدين، الحاكم المذكور، وقاه الله تعالى كلّ محذور، بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم، متضمّنا لذلك مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، وأشهد على نفسه الكريمة بذلك في التاريخ المقدّم ذكره بأعاليه، المكتوب بخطّه الكريم- شرفه الله تعالى؛ حسبنا الله ونعم الوكيل. قلت: والعادة أن يعلّم فيه الحاكم علامة تلو البسملة، ويكتب التاريخ في الوسط، والحسبلة في الآخر، كل ذلك بخطّه، ويشهد عليه فيه من يشهد عليه من كتّاب الحكم وغيرهم، كما في سائر الإسجالات الحكميّة. الصنف الثالث (الكتب إلى النّوّاب وما في معناها) واعلم أنّ الكتب التي تكتب عن القضاة ألفاظها مرسلة، لا جنوح فيها إلى فنّ البلاغة والسّجع إلا في القليل النّادر. وهذه نسخة كتاب كتب به عن قاضي القضاة فخر الدّين الشافعيّ، إلى الحكّام بالمملكة؛ وهو: أدام الله فضائل الجنابات العالية والمجالس العالية، وجعلهم قادة

стр. 6792

يقتدى بهم في القول والعمل، و [ «١» ] الاحتفال من يعتنى بأمره ويحتفل، ولا سيّما من سارت طريقة فضله المثلى في الآفاق سير المثل؛ ولا زال عرف معروفهم على ذوي الفضائل يفوح، وجياد جودهم تغدو في ميدان الإحسان وتروح، ونيل نيلهم يسري إلى القصّاد فيحمد سراه عند الغبوق كما يحمد سراه عند الصّبوح. هذه المكاتبة إليهم تقريهم سلاما ألطف من النّسيم، وتهدي إليهم ثناء مزاج كاتبه من تسنيم «٢» ، وتبدي لعلومهم الكريمة أن الجناب الكريم، العاليّ، الشّيخيّ، الإماميّ، الفاضليّ، البارعيّ، الأوحديّ، الأكمليّ، البليغيّ، المقدّميّ، الخطيبيّ، البهائيّ، أوحد الفضلاء، فخر العلماء، زين الخطباء، قبلة الأدباء، قدوة البلغاء، صفوة الملوك والسلاطين، خطيب الموصل- أدام الله المسرّة به، ووصل الخير بسببه، ونفع بفوائد فضله وأدبه- ورد علينا بطرابلس المحروسة، فحصلت المسرّة بذلك الورود، وتجدّد بخدمته ما تقدم من وثيق العهود، وأبدى لنا من نظره الفائق الرّقيق، وإنشائه المغني عن نشوة الرّحيق، وكتابته التي هي السّحر الحلال على التّحقيق، ما نزّه الأبصار وشنّف الأسماع، وقطع من فرسان الأدب أسباب الأطماع، فأزال عن القلب الكئيب فكرا، وأخجل من الرّوض الأنيق زهرا، وأخمل من المسك السّحيق عطرا؛ وكيف لا؟ وهو النّفيس الذي جمع فيه قديم الأدب وحديثه، والجليس الذي لا يسأم كلامه ولا يملّ حديثه؛ يا له أديبا ليس فيما يبديه من الأدب تحريف ولا غلط، وفاضلا لو لم يكن بحرا لما كان الدّرّ من فيه يلتقط؛ يمينه وفطنته الكريمتان ذواتا أفنان: فهذه إن رقمت طرسا فروح وريحان، أو بذلت برّا فعينان تجريان، وهذه إن نظمت شعرا

стр. 6793

فياقوت ومرجان، أو نثرت تبرا فثمين الدّرّ ألوان؛ ما برح الفضلاء إلى لقائه يسارعون، وحقّ لهم أن يسارعوا ومن أبواب معروفه يقتبسون؛ وكيف لا؟ وهو الشّهاب السّاطع، والجليل الذي لم نزل نشير إليه بالأصابع، والنّيل الذي تجري لفراقه من عيون اللّبيب المدامع، والنّزيل الذي ينشده العارف عند وداعه: بعيشك خبّرني متى أنت راجع يعرف المحسن إحسانه فينشر له من الثّناء لواء، ويجمل في مدح صفاته ونعوته الإنشاء إن شاء، ويجزل في ذمّ مستحقّ الذّمّ منه الهجاء، فأكرم به مدّاحا وأعظم به هجّاء: العلماء لحضوره يترقّبون، وإليه يتقرّبون، والفضلاء بفضله يعترفون، ومن بحره يغترفون، والأدباء إليه يستبقون، ومنه يقتبسون، والطّلبة بأذيال فضله يتمسّكون، وبنشر أثنيته يتمسّكون، وإخوانه في الله بوجوده يفتخرون، وإلى جوده يفتقرون؛ كلّما عرضت لهم حاجة تمسكوا بإيثاره، وكلّما عاندهم الدّهر سألوه الإمداد بأنصاره، فيجوّد في خدمتهم بيان بنانه، ويجرّد في نصرتهم سيف لسانه. ثم من قبل أن نبلغ منه الوطر، ومن دون أن يكتفي منه السّمع والبصر، عرفنا أنه قصد التّوجّه إلى البلاد الساحليّة، والأعمال الطّرابلسيّة؛ ليملي على أهلها من فضائله الباهرة الباسقة، وألفاظه التي هي كالدّرر المتناسقة، ويجليهم عرائس الأفكار من أفكاره، ويجنيهم غرائس الأثمار من أشجار علمه، ويريهم البديهة البديعة، والقوافي المجيبة المطيعة. فليتقدّم الجماعة- أيدهم الله تعالى- بإكرامه إكرام الأهل والأصحاب، وتلقّيه بالبشر والطّلاقة والتّرحاب، وإحلاله من الإحسان محلّا ساميا، وإنزاله من الإفضال منزلا عاليا، والاعتناء الوافر بأمره، واستجلاب بثّ حمده وشكره، والتقاط درر فوائده، واكتساب غرر فرائده، والإصغاء

стр. 6794

إلى المنثور والمنظوم من أقواله، والتّعجّب من حسن بداهته وسرعة ارتجاله. وليحتفل كلّ يوم بخدمته غاية الاحتفال، ويعتن بأمره اعتناء لا يشاركه تقصير ولا إهمال، ويرع له حقّ الضّيف الجليل، والقادم الذي إذا رحل عن بلده أبقى له بها الذّكر الجميل، ويساعد على ما توجّه بصدده كلّ ساعة يعود نفعها عليه، وينفق مما آتاه الله ويحسن كما أحسن الله إليه. ونحن نؤكّد على الجماعة- أيّدهم الله- في ذلك كلّ التأكيد، ونبالغ فيه مبالغة ما عليها من مزيد، ونحذّرهم من الإهمال والتّسويف والتّقصير، ومن مقابلة جنابه الكريم بالنّزر الحقير والقدر اليسير؛ فإكرام هذا الرجل ليس كإكرام من لم يسر بسيره، وما هو إلا لعلمه وفضله وخيره، وقد قال الإمام الشافعيّ ﵁: «وليس من يكرم لنفسه كالذي يكرم لغيره» . فلتعظّموه كلّ التعظيم وتنزلوه منزلة تليق بأهل الفضل والإفضال، وترفعوا له المقام وتحفظوا له المقال، ليعود محقّق الآمال مبلّغ المقاصد، ناشرا ألوية الثّناء والمحامد، مشمولا بجميل الصّلة والعائد؛ ونحن منتظرون ما يرد عنه من مكاتباته الكريمة بما وصل إليه من [المنازل] «١» الحسنة. وفي هممهم العليّة، ومكارمهم السّنيّة، ما يغني عن التأكيد بسببه والوصيّة؛ والله تعالى يديم عليهم سابغ الإفضال والإنعام، ويجمّل بوجودهم وجودهم الأحكام والحكّام، بمنّه وكرمه. الصنف الرابع (ما يكتب في افتتاحات الكتب) فمن ذلك ما يكتب في أوائل كتب الأوقاف. وهذه نسخة خطبة في ابتداء كتاب وقف على مسجد؛ وهي:

стр. 6795

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنه لا يخلف الميعاد، وناصر الدّين المحمّديّ بنبيّنا ﷺ وعلى آله الكرام الأمجاد، ومشرّف هذه الأمّة بالأئمّة والجمعة والجماعات من أهل الرّشاد، وجاعل من ارتضاه من أرباب سنّة نبيّه المختار من عباده العبّاد، وميسّر القربات إليه لأهل السّداد، ومريد الأعمال الصالحات ممّن أخلصه بالطاعات ومزيد الإرفاد، ومفضّل الأوقاف على أفضل وجوه البرّ من جعله للخير أهلا بالنّفع المتعدّي وكثرة الأمداد، ومعظّم الأجر لمن بنى بيتا لله بنيّة خليّة من الرّياء والعناد؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «من بنى مسجدا لله ولو كمفحص «١» قطاة بنى الله تعالى له به قصرا في الجنّة» ونرجو من كرم الله الازدياد. أحمده على موادّ نعمه التي جلّت عن التّعداد، وأشكره شكرا وافيا وافرا نجعله ذخيرة ليوم التّناد، وأستمدّ من اللّطف لوازم الفضل الخفيّ وهو الكريم الجواد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله الخاتم الحائم على حوضه الورّاد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما أصغي إلى الذّكر وأجيب كلّ داع من حاضر أو باد. وبعد، فلمّا كانت المثوبات مضمونة الأجر عند الكريم، والأعمال متعدّدة في التّقديم، وكان بنيان المساجد وافرا أجرا، لمن أقام بواجب تبيان الظّنّ الجميل وسدّد إلى الخيرات سيرا؛ وقد قال تعالى: «أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا» «٢» ، ورأى العقلاء أنّ الأوقاف على المساجد والجوامع من أنفس قواعد الدّين وأعلى- فلذلك قيل في هذا الإسجال المبارك: هذا ما وقفه وحبّسه، وسبّله وأبّده فلان. وقف وحبّس رغبة في مزيد الثّواب، ورجاء في تهوّن تهويل يوم الحساب، واغتناما للأجر الجزيل من
следующие страницы →