← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تقول للكوكبين القريبين منه: كلباه، والباقي غنمه، وربما قالوا: قلاصه «١» ، ويقولون في خرافاتهم: إن الدّبران خطب الثريّا إلى القمر فقالت: ما أصنع بسبروت «٢» ؟ فساق إليها الكواكب المسماة بالقلاص مهرا فهربت منه فهو يطلبها أبدا، ولا يزال تابعا لها، ومن ثمّ قالوا في أمثالهم: «أوفى من الحادي «٣» وأغدر من الثريّا» . الخامسة الهقعة ، سميت بذلك تشبيها بدائرة تكون في عنق الفرس، وقد مر القول عليها في الكلام على أوصاف الخيل؛ وهي ثلاثة كواكب محابية صغار تسمّى الأثافيّ، وهي على أعلى القدم اليسرى من التوأم المعبر عنه بالجوزاء. السادسة الهنعة ، وهي خمسة أنجم على شكل الصّولجان، أربعة منها على خط مستقيم، الثالث منها يسمّى قوس الجوزاء، والخامس منعطف الى جهة الجنوب مقدار شبر في رأى العين، وسميت هنعة لأنعطافها أخذا من قولهم: هنعت الشيء إذا عطفته، وبعضهم يسميها التحية «٤» ، وهي عند أصحاب الصّور خلاف لأحد التوأمين المعبر عنهما بالجوزاء، ويقال: الهنعة قوس، الجوزاء يرمى بها ذراع الأسد، وقائل ذلك يزعم أنها ثمانية أنجم في صورة قوس، من مقبضها النجمان اللذان يقال لهما: الهنعة، وبعضهم يقول: إن الهنعة كوكبان مقترنان، الشّماليّ منهما أضوؤهما، وحذاءهما ثلاثة كواكب تسمّى التّحايي ربّما عدل القمر فنزل بها. السابعة الذّراع : وهي كوكبان: أحدهما نيّر والآخر مظلم، بينهما قدر سوط

стр. 737

في رأي العين، وفيما بينهما كواكب صغار تسميها العرب الأظفار، وسميت هذه المنزلة بالذراع لأنها عندهم ذراع الأسد وللأسد ذراعان، مقبوضة، وفيها ينزل القمر وهي جنوبية؛ وسميت مقبوضة لأن الأخرى أرفع منها في السماء، ولهذا سميت مبسوطة، وهي مثلها في الصورة، وأصحاب الصور يجعلون هذه الذراع في صورة الكلب الأصغر، وربما عدل القمر عن المقبوضة فنزل بها. الثامنة النّثرة ، وهي لطخة كقطعة سحاب يجعلها أصحاب الصّور على صدر السّرطان؛ وسميت نثرة لأن إلى جانبها نجمين صغيرين هما عند العرب على منخري الأسد، وتسميهما الحمارين، وقيل إنها لما كانت أمام جبهة الأسد شبهت بشيء نثره من أنفه، ويقال إنها فم الأسد ومنخراه، وتسمّى اللهاة أيضا وتشبّه بالمعلف. التاسعة الطّرف ، وهي كوكبان خفيان مقترنان بين يدي الجبهة، سميا بذلك لموقعهما موقع عيني الأسد، وقدّامهما ستة كواكب صغار تسميها العرب الأشفار، أثنان منها في نسق الطّرف، والأربعة البواقي بين يديه. العاشرة الجبهة ، ثلاثة كواكب نيرة قد عدل أوسطها إلى الشرق، فهي لذلك على شكل مثلّث مستطيل القاعدة قصير الساقين، وإلى الجنوب عنها نجم أحمر مضيء جدّا يسمّى قلب الأسد يرسمه المنجمون في الاسطرلاب «١» ، وأصحاب الصور يجعلون الجبهة على كتف الأسد. الحادية عشرة الخراتان ، وتسمّى الزّبرة وعرف الأسد والزبرتين، وهما كوكبان نيّران بينهما في رأي العين مقدار ذراعين، وهما معترضان ما بين المشرق

стр. 738

والمغرب، يمتدّان عند التوسط مع خط الاستواء، وسميا الخراتين تشبيها بثقبين في السماء، ومنه خرت الإبرة، وتحت هذين النجمين تسعة أنجم صغار. وسميت الزّبرة لشعر يكون فوق ظهر الأسد مما يلي خاصرته، وعدّوا الجميع أحد عشر كوكبا، منها نجمان هما الخراتان والتسعة الشعر. الثانية عشرة الصّرفة ، وهي كوكب نيّر، وهو عند أصحاب الصور قنب الأسد، والقنب: وعاء القضيب، وبالقرب من هذا الكوكب سبعة أنجم صغار طمس ملاصقة له، وسمّي هذا الكوكب بالصّرفة لانصراف الحرّ عند طلوعه مع الفجر من المشرق، وانصراف البرد إذا غرب مع الشمس؛ ويقال الصّرفة ناب الدّهر لأنّها تفترّ عن فصل الزمانين، ويشكّل مع الخراتين مثلّثا له زاوية قائمة وإحدى ساقيه أطول من الأخرى وفي قاعدته قصر. الثالثة عشرة العوّاء ، وهي خمسة كواكب نيّرة على شكل «١» لام، وكان اعتبر ابتداؤها من الشّمال وعطفها من جهة الجنوب، لكن المصطف منها أربعة والمنعطف واحد، ويقال لها أيضا وركا الأسد، وتشبهها العرب بكلاب تعوي خلف الأسد لأنها وراءه، ولذلك سميت العوّا، وأصحاب الصور يجعلونها في السّنبلة على صدرها. الرابعة عشرة السّماك ، وهو السّماك الأعزل: وهو كوكب نيّر يميل لونه إلى الزّرقة، وسمي سماكا لكونه قريبا من سمت الرأس، وسمت الرأس أعلى ما يكون من الفلك، وسمته العرب الأعزل لأنه يطلع إلى جانبه نجم مضيء يسمونه السّماك الرامح لكوكب صغير بين يديه، والأعزل لا شيء بين يديه ففرق بينهما، وأحدهما جنونيّ، وهو المنزلة، وأصحاب الصّور يثبتون السماكين: الأعزل والرامح في صورة العذراء، وهي السنبلة، والعرب تجعلهما ساقي الأسد، وربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهو أربعة كواكب بين يدي السّماك الأعزل يقال لها عرش

стр. 739

السّماك، وتسمّى أيضا الخباء، والأحمال، والغراب؛ وهذه المنزلة حدّ ما بين المنازل اليمانية والمنازل الشامية، فما كان أسفل من مطلعه فهو يماني وهو شق الجنوب، وما كان فوقه فهو شامي وهو شقّ الشّمال. الخامسة عشرة الغفر ، ثلاثة كواكب خفية على خطّ فيه تقويس، وسميت بذلك لخفائها، مأخوذة من المغفرة التي تستر الذّنب وتخفيه يوم القيامة، ومنه المغفر الذي فوق الرأس، وقيل لأنها زبانى العقرب، وقيل مأخوذة من الغفرة وهي الشعر الذي في طرف ذنب الأسد، وأصحاب الصور يجعلونها بين ساقي الأسد. السادسة عشرة الزّبانان ، وهما كوكبان نيّران هما عند العرب يد العقرب يترس بهما: أي يدفع عن نفسه، وأصحاب الصّور يجعلونهما كفّتي الميزان، وبينهما في رأي العين قدر قامة الرجل. السابعة عشرة الإكليل ، وهو ثلاثة كواكب مجتمعة في خفاء الغفر، مصطفّة معترضة، بين كل كوكب وكوكب منها قدر ذراع في رأي العين، سميت بذلك لأنها فوق جبهة العقرب كالتاج، وهي عند أصحاب الصّور على عمود الميزان. الثامنة عشرة القلب ، وهو كوكب أحمر نيّر مضطرب قريب من الجبهة بين كوكبين خفيين تسميهما العرب نياطي القلب أي علاقتيه، وسمّته أصحاب الصّور قلبا لوقوعه موضع القلب من صورة العقرب، والقلوب أربعة هذا أحدها، والثاني قلب السمكة، والثالث قلب الثور، والرابع قلب الأسد. وحيث ذكر القلب على الإطلاق دون إضافة فالمراد قلب العقرب هذا. التاسعة عشرة الشّولة ، وهي كواكب متقاطرة على تقويس في برج العقرب أشبه شيء بذنب العقرب إذا شالته، ولذلك سميت الشّولة، وفي الشولة كوكبان خفيّان ملتصقان يظهران كأنهما كوكب واحد مشقوق يسميان الإبرة والحمة، وخلفهما نجم صغير لا يزايلهما يقال له التابع. وقال قوم: إنما ينزل القمر الشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنها منحدرة عن طريقه، وربما نزل بالسفار فيما بين القلب والشّولة، وهي ستة كواكب بيض منعطفة.

стр. 740

العشرون النّعائم ، وكواكبها ثمانية، منها أربعة يمانية نيّرة تشكل مربّعا فيه أطراف تسمى الواردة وهي المنزلة، وسميت واردة: لأنها لما كانت قريبة من المجرّة شبهت بنعام وردت نهرا، والأربعة الأخرى تسمّى النعائم الصادرة، لأنها لما كانت بعيدة من المجرّة شبهت بنعام وردت ثم صدرت، والواردة التي هي المنزلة عند أصحاب الصّور واقعة في يد الرامي الذي يجذب بها القوس. الحادية والعشرون البلدة ، وهي فرجة في السماء مستديرة شبه الرّقعة ليس فيها كواكب، والبلدة في كلام العرب الفرجة من الأرض، ويقال لصدر الإنسان: البلدة، لأنها قطعة مستطيلة، ويدل عليها ستة كواكب مستديرة صغار خفية تشبه القوس، وبعضهم يسميها الأدحيّ لأن بالقرب منها كواكب تسميها العرب البيض لقربها من النعائم، وربما عدل القمر فنزل بالأدحيّ، وأصحاب الصور يجعلون البلدة على جبهة الرامي. الثانية والعشرون سعد الذّابح ، وهو كوكبان صغيران بينهما في رأي العين أقلّ من قدر ذراع، أحدهما مرتفع في ناحية الشّمال والآخر منخفض في ناحية الجنوب، سمي سعدا لا نهمال الأمطار في أيام طلوعه، وسمي ذابحا لقوّة البرد في إبّان طلوعه فتموت المواشي ببرده، وقيل سمي ذابحا لأن بالقرب من نجمه الشّماليّ نجما صغيرا كأنه ملتصق به، تقول العرب: هو شاته التي تذبح، ولذلك جعلوا الذابح صفة لسعد بخلاف سائر السعود، فإنها يضاف إليها ما بعدها كما قاله الزجاج «١» في مقدمة أدب الكاتب «٢» ؛ وأصحاب الصّور يثبتون هذا السعد في موضع قرني الجدي من الصورة. الثالثة والعشرون سعد بلع ، وهو نجمان أيضا يشبهان سعدا الذابح في

стр. 741

المسافة التي بينهما، لكن أحد الكوكبين خفيّ وهو الذي بلعه، وهذا السعد عند أصحاب الصّور على كعب ساكب الماء القريب من صورة الدّلو، وسمي بلع لأنه في أيام طلوعه تغيض الأنهار وتزيد الآبار، فكأن الأرض ابتلعت ماءها، وقيل لأنه يطلع في الوقت الذي قيل فيه «يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي» «١» زمن نوح ﵇ . الرابعة والعشرون سعد السّعود ، وعدّته كوكبان أيضا على ما تقدّم في السعدين من البعد، وقيل هو ثلاثة كواكب أحدها نيّر والآخران دونه في النور؛ وأصحاب الصّور يثبتونه على صدر ساكب الماء القريب من صورة الدّلو، وربما قصر القمر فنزل سعد ناشرة، وهو أسفل من سعد السعود، ويسمّي أصحاب الصور نجميه بالمحبّين، وهما في مؤخر الجدي، ومنهم من يثبت سعد السعود نجما واحدا. الخامسة والعشرون سعد الأخبية ، والناس مختلفون فيه، فمنهم من يقول: إنه كوكب واحد حوله ثلاثة كواكب مثلثة تشبه رجل بطّة والكوكب هو السعد والثلاثة الخباء، ومنهم من يجعل الكوكب الذي في وسط الثلاثة عمود الخباء، وهو عند أصحاب الصّور على الكتف الشرقية من جسد ساكب الماء، وسمي سعد الأخبية لخروج المخبّات فيه من الثمار والحشرات، وكانت العرب تتبرك به لاخضرار العود فيه. السادسة والعشرون الفرغ المقدم ، ويقال فيه مقدّم الدّلو والفرغ الأوّل والفرغ الأعلى وعرقوة الدّلو العليا، وهو كوكبان نيّران بينهما في رأى العين نحو من خمسة أذرع؛ وأصحاب الصّور يزعمون أن الشّماليّ منهما على متن الفرس. السابعة والعشرون الفرغ المؤخّر ، ويقال له مؤخر الدّلو السفلي، وهو كوكبان يشبهان ما تقدّم، أحدهما شماليّ والآخر جنوبيّ، وهما عند أصحاب

стр. 742

الصّور على مؤخر الفرس، وربما قصر القمر فنزل في الكرب الذي في وسط العراقي، وربما نزل ببلدة «١» الثعلب. الثامنة والعشرون الحوت ، وهو آخر المنازل، ويقال لها السّمكة، وتسمى الرّشاء أيضا، وهي ثمانية عشر كوكبا تشكل شكل سمكة رأسها في جهة الشّمال وذنبها في جهة الجنوب، وفي الشرقّي منها كوكب نيّر يسمى سرّة الحوت، وبطن الحوت، وبطن السمكة، وقلب السمكة، وربما عدل القمر فنزل بالسمكة الصّغرى، وهي من السمكة الكبرى في الشّمال مثل صورتها إلا أنها أعرض منها وأقصر، وأصحاب الصّور يجعلون الكوكب النّيّر من الحوت في حدّ المرأة المسلسلة، ورأسها هو الشّمالي من الفرع المؤخّر. الصنف الثالث من النجوم الثوابت ما ليس داخلا في شيء من البروج ومنازل القمر مما هو مشهور . مما ذكرته العرب في شعرها وشبهت به وضربت به الأمثال وهي عدّة نجوم: منها بنات نعش، وهي سبعة أنجم على القرب من القطب الشّماليّ، منها أربعة في صورة نعش وثلاثة أمامه مستطيلة وهي المعبّر عنها بالبنات، وتعرف هذه ببنات نعش الكبرى، وبالقرب منها سبعة أنجم على شكلها. ومنها الجدي الذي تعرف به القبلة، وهو نجم صغير على القرب من القطب الشّماليّ يستدلّ به على موضع القطب، ويقال له جدي بنات نعش الصغرى. ومنها الفرقدان، وهما كوكبان متقاربان معدودان في بنات نعش. ومنها السّها، وهو كوكب خفيّ في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم لخفائه.

стр. 743

ومنها السّماك الرامح، وهو غير الأعزل المقدّم ذكره في منازل القمر، سمي رامحا لكوكب يقدمه، تقول العرب: هو رمحه بخلاف الأعزل فإنه الذي لا رمح معه. ومنها النّسر الواقع، وهو ثلاثة أنجم كأنها أثافي، سمي الواقع لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه ويقولون: قد ضمهما إليه كأنه طائر وقع. ومنها النّسر الطائر، سمي بذلك لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه ويقولون: قد بسطهما كأنه طائر، والعامّة تسميه الميزان. ومنها الكفّ الخضيب، وهو كف الثّريّا المبسوطة، ولها كف أخرى يقال لها الجذماء، وهي أسفل من الشّرطين. ومنها العيّوق، وهو في طرف المجّرة الأيمن، وعلى أثره ثلاثة كواكب بيّنة يقال لها الأقلام، وهي من مواقع العيّوق. ومنها سهيل، وهو كوكب أحمر منفرد عن الكواكب، ولقربه من الأفق كأنه أبدا يضطرب، وهو من الكواكب اليمانية، قال ابن قتيبة: ومطلعه عن يسار مستقبل قبلة العراق. قال: وهو يرى في جميع أرض العرب، ولا يرى في شيء من بلاد أرمينية. ومنها الشّعريان: العبور، وكانت تعبد في الجاهلية بقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى «١» وهي في الجوزاء، والشّعرى الغميصاء، ومع كل واحدة منهما كوكب يقال له المرزم. ومنها سعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر، وكل سعد منها كوكبان، بين كل كوكبين في رأي العين قدر ذراع فهي متناسقة، وهذه السعود الستة غير السعود الأربعة المتقدّمة في منازل

стр. 744

القمر؛ تكون جملة السعود عشرة «١» . فإذا عرف الكاتب أحوال الأفلاك والكواكب وأسماءها وصفاتها، عرف كيف يصفها عند احتياجه إلى وصفها، وكيف يعبّر عنها عند جريان ذكرها كما قال بعضهم يمدح بعض الرؤساء: لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدا ... ما دام للسبعة الأفلاك أحكام مهر وماه وكيوان وتير معا ... وهرمس وأناهيد وبهرام مشيرا بذلك إلى ذكر الأفلاك السبعة، وما لها من الكواكب السبعة السيارة بالأسماء الفارسية المقدّم ذكرها. وكما قال الطّغرائي «٢» في لامية العجم: وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل مشيرا إلى كون فلك زحل أعلى من فلك الشمس لما تقدّم أنها في الرابع، وهو في السابع. وكما قال بعضهم يصف خضرة السماء وما لها من الكواكب: كأنّ سماءنا والشّهب فيها ... وأصغرها لأكبرها مزاحم بساط زمرّد نثرت عليه ... دنانير يخالطها دراهم وكما قال ذو الرّمة «٣» وقد ذكر الثريّا:

стр. 745

يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق بعشرين من صغرى النجوم كأنها ... وإيّاه في الخضراء لو كان ينطق قلاص حداها راكب متعمّم ... إلى الماء من جوز التّنوفة مطلق مشيرا إلى ما تقدّم من خطبة الدّبران الثريّا وهربها منه وإمهاره إياها بالقلائص، هي النجوم التي حولها. وكما قال أبو الفرج الببّغا «١» ذاكرا حال مختف يرجى له الظهور: ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى في السّرار فما خلص مشيرا بذلك إلى حالة تواري القمر حالة السّرار ثم خلوصه عند إهلاله. النوع التاسع مما يحتاج الكاتب إلى وصفه العلويّات مما بين السماء والأرض، وهي على أصناف الصنف الأوّل الريح وهي مؤنثة، يقال هبّت الريح تهبّ هبوبا، وتجمع على رياح، وقد دل الاستقراء على أنها حيث وردت في القرآن الكريم في معرض العذاب، كانت بلفظ الإفراد، وحيث وردت في معرض الرحمة كانت بلفظ الجمع. قال تعالى في جانب العذاب: فأرسلنا عليهم الرّيح العقيم «٢» وقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً «٣» وقال في جانب الرحمة: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ

стр. 746

رَحْمَتِهِ «١» وقال جلّت قدرته: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً «٢» إلى غير ذلك من الآيات. ومن ثمّ كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّت الريح قال: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وقد ورد القرآن الكريم بأن الله تعالى هو الذي يرسلها، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً «٣» . وذهبت الفلاسفة إلى أنها تحدث عن الطبيعة، وأن سبب ذلك دخان يرتفع من الأرض فيضربه البرد في ارتفاعه فيتنكّس ويتحامل على الهواء ويحرّكه الهواء بشدّة فيحصل الريح. وأصول الرياح أربعة: الأولى «الصّبا» : وهي التي تأتي من المشرق، وتسمّى القبول أيضا، لأنها في مقابلة مستقبل المشرق. قال في صناعة الكتّاب «٤» : وأهل مصر يسمونها الشرقية، لأنها تأتي من مشرق الشمس، وهي التي نصر بها النبيّ ﷺ يوم الأحزاب كما أخبر ﷺ بقوله: «نصرت بالصّبا» . الثانية «الدّبور» : ومهبّها من مغرب الشمس إلى حدّ القطب الجنوبيّ، وسميت الدّبور لأن مستقبل المشرق يستدبرها، وتسمّى الغربية لهبوبها من جهة المغرب، وبها هلكت عاد كما أخبر ﵇ بقوله: «وأهلكت عاد بالدّبور» . الثالثة «الشّمال» : ويقال فيها شمال وشمأل وشامل وشأمل مهموزا وغير مهموز؛ ومهبّها من حدّ القطب الشماليّ إلى مغرب الشمس، وسميت شمالا لأنها على شمال من استقبل المشرق.

стр. 747

قال في صناعة الكتّاب: وتسمى البحرية لأنها يسار بها في البحر على كل حال. الرابعة «الجنوبية» : ومهبّها من حدّ القطب الأسفل إلى مطلع الشمس وتسمّى بالديار المصرية: القبليّة، لأنها تأتي من القبلة فيها، وتسمّى بها أيضا المريسيّة لأن في الجهة القبلية بلاد المريس «١» ، وهم ضرب من السّودان، وهي أردأ الرياح عند أهل مصر. وقال النحاس «٢» : وكل ريح جاءت من مهبّي ريحين تسمّى النّكباء، سميت بذلك لأنها نكبت عن مهابّ هذه الرياح وعدلت عنها. قال في «فقه اللغة» «٣» : وإذا جاءت بنفس ضعيف وروح فهي النسيم، وإن ابتدأت بشدّة قيل لها: النافجة؛ فإن حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار قيل: زعزع؛ فإن جاءت بالحصباء قيل: حاصبة؛ فإذا هبّت من الأرض كالعمود نحو السماء قيل لها: إعصار. وقد ورد بها القرآن في قوله تعالى: فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ «٤» والعامّة تسميها: الزّوبعة، ويزعمون أن الشيطان هو الذي يثيرها، ومن ثمّ سماها الترك نعيم بك يعني الشيطان؛ فإذا كانت باردة، فهي: الصّرصر. وقد وقع ذكرها في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً «٥» ، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهي العقيم. وقد قال تعالى في قصة عاد: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ «٦» كانت لا مطر فيها. الصنف الثاني السحاب وهو الأجرام التي تحمل المطر بين السماء والأرض ينشئها الله سبحانه

стр. 748

وتعالى كما أخبر بقوله: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ «١» ويسوقها إلى حيث يشاء، كما ثبت في الصحيح أنّ رجلا سمع صوتا من سحابة: اسق حديقة فلان. وذهب الحكماء إلى أنه بخار متصاعد من الأرض مرتفع من الطبقة الحارّة إلى الطبقة الباردة فيثقل ويتكاثف وينعقد فيصير سحابا. قال الثعالبيّ في «فقه اللغة» : وأوّل ما ينشأ يقال له: النّشء؛ فإذا انسحب في الهواء، قيل له: سحاب؛ فإذا تغيرت به السماء، قيل له: غمام، فإن سمع صوت رعده من بعيد قيل فيه: عقر؛ فإذا أظل، قيل: عارض. وقد أخبر تعالى عن قوم عاد بقوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا «٢» ؛ فإن كان بحيث إذا رؤي ظنّ أنّ فيه مطرا قيل له: مخيّلة؛ فإن كان السحاب أبيض قيل له: مزن؛ فإذا هراق ما فيه قيل: جهام، وقيل الجهام: هو الذي لا مطر فيه. وقد أولع أهل النظم والنثر بوصفه وتشبيهه. الصنف الثالث الرعد وهو صوت هائل يسمع من السحاب، وقد اختلف في حقيقته فروي أنه صوت ملك يزجر به السحاب، وقيل غير ذلك؛ والنصيرية من الشّيعة يزعمون أنه صوت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ حيث زعموا أنّ مسكنه السحاب؛ وذهبت الفلاسفة إلى أنه دخان يتصاعد من الأرض ويرتفع حتّى يتصل بالسحاب ويدخل في تضاعيفه ويبرد فيصير ريحا في وسط الغيم، فيتحرّك فيه بشدّة فيحصل منه صوت الرعد، ويقال منه: رعدت السماء؛ فإذا زاد صوتها،

стр. 749

قيل: ارتجست؛ فإذا زاد قيل: أرزمت ودوّت؛ فإذا اشتدّ قيل: قصفت وقعقعت؛ فإذا بلغ النهاية قيل: جلجلت وهدهدت. الصنف الرابع البرق وهو ضوء يرى من جوانب السحاب، وقد اختلف فيه أيضا فروي أنّ الرعد صوت ملك يزجر به السحاب وأنّ البرق ضحكه؛ والنصيرية من الشّيعة يزعمون أنه ضحك أمير المؤمنين عليّ ﵁ أيضا، والفلاسفة يقولون: إنه دخان يرتفع من الأرض حتّى يتصل بالسحاب كما تقدّم في الرعد، ثم تقوى حركته فيشتعل من حرارة الحركة الهواء والدخان فيصير نارا مضيئة وهو البرق؛ ويقال: ومض البرق إذا لمع لمعانا قويّا، وأومض إذا لمع لمعانا خفيّا؛ فإن أطمع في المطر ثم ظهر أن لا مطر فيه قيل: خلّب. الصنف الخامس المطر وهو الماء الذي يخلقه الله تعالى في السحاب ويسوقه إلى حيث يشاء، وقد ذهب الحكماء إلى أنه بخار يتصاعد من الأرض أيضا فيه أو في حرارة الشمس أو فيهما «١» فيجتمع، وربما أعانت الريح على جمعه بأن تسوق البعض إلى البعض حتّى يتلاحق؛ فإذا انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف وصار ماء وتقاطر كالبخار الذي يتصاعد من القدر وينتهي إلى غطاء القدر، وعند أدنى برودة ينعقد قطرات. ثم للمطر زمان يكثر فيه، وزمان يقلّ فيه؛ وقد رتب العرب ذلك على أنواء الكواكب التي هي منازل القمر، وجعلوا لكل منها نوءا ينسب إليه. قال أبو حنيفة الدّينوريّ» «في كتاب الأنواء الكبير» : كانت العرب تقول: لا بد

стр. 750

نوء كوكب من أن يكون فيه مطر، أو ريح، أو غيم، أو حر، أو برد، ينسبون ما كان فيه من ذلك إليه؛ وقد اختلف في معنى النّوء فذهب ذاهبون إلى أنّ النّوء في اللغة: النّهوض؛ وذهب الفرّاء «١» إلى أنه: السّقوط والميلان؛ وذهب آخرون إلى أنه يطلق على النهوض والسقوط جميعا، على أنهم متفقون أنّ العرب كانت ترى الأمر للسقوط دون الطلوع، فمن ذهب إلى أن المراد بالنّوء: السقوط، يجريه على بابه، ومن ذهب إلى أنّ المراد بالنوء: النهوض، يقول: إنما سمي نوءا لطلوع الكوكب لا لسقوط الساقط، ومنهم من يطلق النّوء على السقوط وإن كان موضوعه في اللغة النهوض من باب التفاؤل، كما يقال للديغ «٢» : سليم، وللمهلكة: مفازة، على أنّ بعضهم قد ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء بمعنى ينهض ثم يسقط، فإذا سقط فقد مضى نوؤه ودخل نوء الكوكب الذي بعده. قال أبو حنيفة الدّينوري: وهو التأويل المشهور الذي لا ينازع فيه لأنّ الكوكب إذا سقط النجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، وكان أشبه حالا بحال الناهض. وقد عدّها أبو حنيفة ثمانية وعشرين نوءا بعدد منازل القمر المتقدّمة الذكر، وذكر أن بعضها أجهر وأشهر من بعض. الأوّل- «نوء الشّرطين» ، وهو ثلاث ليال، وأثره محمود عندهم. الثاني- «نوء البطين» ، وهو ثلاث ليال، وليس بمذكور عندهم ولا محمود. قال ابن الأعرابي «٣» : يقال إنه ما ناء البطين والدّبران أو أحدهما فكان له نظر، إلا كاد ذلك العام يكون جدبا.

стр. 751

الثالث- «نوء الثريّا» ، وهو خمس ليال وقيل سبع؛ وأثره محمود عندهم مشهور. الرابع- «نوء الدّبران» ، وهو ثلاث ليال وقيل ليلة؛ وليس بمحمود عندهم، ولم يسمع في أشعارهم له ذكر. الخامس- «نوء الهقعة» ، وهو ست ليال، ولا يذكرون نوءها إلا بنوء الجوزاء التي الهقعة رأسها، والجوزاء مذكورة النوء مشهورة. السادس- «نوء الهنعة» ، وهو ثلاث ليال لا يكاد ينفرد عن نوء الجوزاء. السابع- «نوء الذّراع المقبوضة» وهي خمس ليال؛ وقال ابن كناسة «١» : ثلاث ليال، وهو أوّل أنواء الأسد، وأثره محمود عندهم موصوف؛ وربما نسب إلى المرزم، وهو أحد كوكبي الذراع المذكورة، وربما نسب إلى الشّعرى الغميصاء، وهو كوكبها الآخر الذي هو أنور من المرزم؛ وقد ذكر العرب مع الذراع المقبوضة الذراع المبسوطة فتجمعهما معا في النوء، وهما لا ينوءان معا، بل ولا يطلعان معا، لكن لكثرة صحبة إحداهما للأخرى في الذكر واجتماعهما في اسم واحد مع تجاورهما وكونهما عضوي صورة واحدة، وهي صورة الأسد. الثامن- «نوء النّثرة» ، وهو سبع ليال، وله عندهم ذكر مشهور. التاسع- «نوء الطّرفة» ، وهو ست ليال، ولم يسمع به مفردا لغلبة الجبهة الآتية الذكر عليه. العاشر- «نوء الجبهة» ، وهو سبع ليال، وذكره مشهور لديهم. الحادي عشر- «نوء الزّبرة» ، ونوءها أربع ليال، وقلما تنفرد لغلبة الجبهة عليها أيضا. الثاني عشر- «نوء الصّرفة» ، وهو ثلاث ليال، ولا يكاد يوجد لها ذكر عندهم في أشعارهم.

стр. 752

الثالث عشر- «نوء العوّاء» ، وهو ليلة واحدة، وليس من الأنواء المشهورة. الرابع عشر- «نوء السّماك الأعزل» ، وهو أربع ليال، وله ذكر مشهور، وكثيرا ما يذكر معه السّماك الرامح، وليس له نوء معه، ولكنهما متقاربان في الطلوع، وحينئذ فإفراد السّماك الرامح بالنوء خطأ. الخامس عشر- «نوء الغفر» ، وهو ثلاث ليال، وقيل ليلة، وما بينه وبين نوء الهنعة المتقدّمة الذكر من أنواء الأسد، وهي ثمانية أنواء: أوّلها الذراع، وآخرها نوء السماك؛ وليس له في السماء نظير في كثرة الأنواء. السادس عشر «نوء الزّبانى» ، وهو ثلاث ليال. السابع عشر «نوء الإكليل» ، وهو أربع ليال. الثامن عشر- «نوء القلب» ، وهو ليلة واحدة، وليس بمحمود. التاسع عشر- «نوء الشّولة» ، وهو ثلاث ليال، وقلما يذكر. العشرون- «نوء النعائم» ، وهو ليلة واحدة، وليس له ذكر. الحادي والعشرون- «نوء البلدة» ، وهو ثلاث ليال، وقيل ليلة. الثاني والعشرون- «نوء سعد الذابح» ، وهو ليلة واحدة. الثالث والعشرون- «نوء سعد بلغ» ، وهو ليلة واحدة. الرابع والعشرون- «نوء سعد السعود» ، وهو ليلة، وليس بمحمود، ولا مذكور. الخامس والعشرون- «نوء سعد الأخبية» ، وهو ليلة واحدة. السادس والعشرون- «نوء الفرغ المقدّم» ، وهو أربع ليال، وله ذكر مشهور. السابع والعشرون- «نوء الفرغ المؤخر» ، وهو أربع ليال، وله ذكر أيضا. الثامن والعشرون- «نوء الحوت» ، وهو ليلة واحدة، وليس بالمذكور من

стр. 753

حيث إنه يغلب عليه ما قبله وما بعده فلا يذكر. قال أبو حنيفة الدّينوريّ: والأيام في هذه الأنواء تابعة لليالي لتقدّم الليل عليها، قال: وإنما جعلوا لهذه النجوم أنواء موقوتة وإن لم تكن جميع فصول السنة مظنّة الأمطار، لأنه ليس منها وقت إلا وقد يكون فيه مطر. وقال ابن قتيبة: أوّل المطر الوسميّ، سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم. قال الثعالبيّ عن أبي عمرو: إقبال الشتاء الخريف، ثم الوسميّ، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم. الصنف السادس الثلج وهو شيء ينزل من الهواء كالقطن المندوف فيقع على الجبال وعلى سطح الأرض فتذيب الشمس منه ما لا قته شدّة حرارتها، ويبقى في أماكن مخصوصة من أعالي الجبال بالأمكنة الباردة جميع السنة؛ وقد ذكر الحكماء أنه بخار يتصاعد من الأرض إلى الهواء كما يتصاعد المطر فيصيبه برد شديد قبل أن ينعقد قطرات فيتساقط أجزاء لطيفة، ثم ينعقد بالأرض إذا نزل إليها؛ ويوصف بشدّة البرد وشدّة البياض، وسيأتي الكلام على ما ينقل منه من الشأم إلى ملوك الديار المصرية في خاتمة الكتاب إن شاء الله تعالى. الصنف السابع البرد بفتح الراء وهو حب يسقط من الجوّ؛ وقد ذكر الحكماء أنه بخار يتصاعد من الأرض أيضا ويرتفع في الهواء فلا تدركه البرودة حتّى يجتمع قطرات، ثم تدركه حرارة من الجوانب فتنهزم برودتها إلى مواطنها فتنعقد؛ وحبّ هذا البرد متفاوت المقادير، منه ما هو قدر الحمّص فما دونه، ومنه ما هو فوق ذلك؛ ويذكر أنه يقع منه ما هو

стр. 754

بقدر بيض الحمام والدّجاج. قال الحكماء: ولا يتصوّر وقوعه إلا في الخريف والربيع ويوصف بما يوصف به الثلج من شدّة البرد وشدّة البياض، ويشبّه به أسنان الإنسان الناصعة البياض. الصنف الثامن قوس قزح وهو قوس يظهر في الجوّ من حمرة وخضرة؛ وقد ورد النهي عن تسميته قوس قزح، وتسميته قوس الله، لأن قزح اسم للشيطان. قال الحكماء: والسبب فيه أن الهواء إذا صار رطبا بالمطر مع أدنى صقالة صار كالمرآة، والمحاذي له إذا كان الشمس في قفاه يرى الشمس في الهواء كما يرى في الشمس المرآة، ويشتبك ذلك الضوء بالبخار الرطب فيتولد منه هذا القوس. قال الحكماء: ويكون له ثلاثة ألوان، يعنون حمرة بين خضرتين أو خضرة بين حمرتين، وربما لا يكون اللون المتوسط، ويكون مرتفعا ارتفاعا قريبا من الأرض؛ فإن كان قبل الزوال رؤي ذلك القوس في المغرب، وإن كان بعد الزوال رؤي في المشرق، وإن كانت الشمس في وسط السماء، فلا يمكن أن يرى إلا قوسا صغيرا في الشتاء إن اتفق. وفيه تشبيهات للشعراء يأتي ذكرها في آخر المقالة العاشرة إن شاء الله تعالى. الصنف التاسع الهالة وهي الدائرة التي تكون حول القمر. قال الحكماء: والسبب فيها أن الهواء المتوسط بين البصر وبين القمر صقيل رطب، فيرى القمر في جزء منه، وهو

стр. 755

الجزء الذي لو كان فيه مرآة لرؤي القمر فيها، ثم الشيء الذي يرى في مرآة من موضع لو كانت فيه مراء كثيرة محيطة بالبصر، وكانت موضوعة على تلك النسبة فيرى الشيء في كل واحدة من المرائي، فإذا تواصلت المرائي رؤي في الكل، فترى حينئذ دائرة. ولأهل النظم والنثر فيها وصف وتشبيه. الصنف العاشر الحرّ وسلطانه أواخر فصل الربيع وأوائل فصل الصيف، والسبب فيه مسامتة الشمس للرؤوس، فتشتد ثاثرة في الهواء وجرم الأرض، لا سيما الحجاز وما في معناه. وأهل النظم والنثر مولعون بوصف شدّة حره. الصنف الحادي عشر البرد وسلطانه أواخر فصل الخريف وأوائل فصل الشتاء. وأهل النظم والنثر مكثرون من ذكره ووصفه، حتّى إنه ربما أفرد بعض الناس ما قيل فيه وفي وصفه بالتصنيف. الصنف الثاني عشر الهباء وهو الذي يحصل من ضوء الشمس عند مقابلتها كوّة يدخل منها الضوء، فيكون شبه عمود ممتدّ من الكوّة إلى حيث يقع ضوء الشمس من الأرض، وفيه أجزاء لطيفة متفاوتة تحسّ بالنظر دون اللمس؛ وقد شبه الله تعالى به أعمال الكفّار في القيامة فقال جل من قائل: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً

стр. 756

مَنْثُوراً «١» ؛ ومن الناس من يزعم أن الواحدة من أجزائه هي المراد بالذّرّة المذكورة في القرآن بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢» . ولأهل النظم والنثر أيضا فيه الوصف والتشبيه. النوع العاشر مما يحتاج الكاتب إلى وصفه الأجسام الأرضية، وهي على أصناف الصنف الأوّل الجبال، والأودية، والقفار فأما «الجبال» فهي أوتاد الأرض، أرسى الله تعالى بها الأرض حيث مادت لمّا دحاها الله تعالى على الماء. وقد روي أن الكعبة كانت رابية حمراء طافية على وجه الماء قبل أن يدحو الله الأرض، وأن الأرض منها دحيت، فلما مادت وأرسيت بالجبال كان أوّل جبل أرسي منها جبل أبي قبيس بمكة المشرّفة، فلذلك هو أقرب الجبال من الكعبة مكانا. وقد نقل أن قاف جبل محيط بالدنيا «٣» عنه تتفرّع جميع جبال الأرض، والله أعلم بحقيقة ذلك. وتوصف الجبال بالعظمة في القدر والعلوّ وصعوبة المسلك، وما يجري مجرى ذلك. وأما «الأودية» فهي وهاد في خلال الجبال جعلها الله تعالى مجاري للسيل ونبات الزرع ومدارج الطّرق وغير ذلك. وتوصف بالاتساع وبعد المسافة والعمق، وربما وصفت بخلاف ذلك. وأما «القفار» فهي: البراري المتسعة الأرجاء الخالية من الساكن. وتوصف

стр. 757

بالسّعة وبعد السمافة وقلة الماء والإيحاش وصعوبة المسلك، وما يجري مجرى ذلك. الصنف الثاني المياه الأرضية؛ وهي على ضربين الضرب الأوّل الماء الملح ووقع في لغة الإمام الشافعيّ ﵁ الماء المالح؛ وهو أحد العناصر الأربعة، وسيأتي في الكلام على الأرض في المقالة الثانية أنه محيط بالأرض من جميع جهاتها إلا ما اقتضته الحكمة الإلهية لعمارة الدنيا من كشف بعض ظاهرها الأعلى، وأنه تفرّعت منه بحار منبثّة في جهات الأرض لتجري السفن فيها بما ينفع الناس. وقد ذكر الحكماء أن في الماء الملح كثافة لا توجد في الماء العذب، ومن أجل ذلك لا ترسب فيه الأشياء الثقيلة كما ترسب في الماء العذب، حتّى يقال: أن السفن التي تغرق في البحر الملح لا تبلغ أرضه بخلاف التي تغرق في الأنهار فإنها تنزل إلى قعرها، وشاهد ذلك أنك إذا طرحت في الماء العذب بيضة دجاجة ونحوها غرقت فيه، فإذا أذبت في ذلك الماء ملحا بحيث يغلب على الماء وطرحت فيه البيضة عامت، وقد اختلف في الماء الملح هل هو كذلك من أصل الخلقة أو عرضت له الملوحة بسبب مالاقاه من سبخ الأرض على مذهبين. ومن خصائص البحر الملح أنه في غاية الصّفاء حتّى إنه يرى ما في قعره على القرب من شطّه. ويوصف البحر بالسّعة والطول والعرض وكثرة العجائب حتّى يقال في المثل: «حدّث عن البحر ولا حرج» . الضرب الثاني الماء العذب قالت الحكماء: والسبب فيه أن الأبخرة تتصاعد من قعر الأرض فتدخل في

стр. 758

الجبال وتحتبس فيها ولا تزال تتكامل ويتحصل منها مياه عظيمة فتنبعث لكثرتها. وهو على ثلاثة أنماط: النّمط الأوّل- «ماء الأنهار» ، وهي ما بين صغار وكبار وقريبة المدى وبعيدته؛ وقد وردت الأخبار بأن أفضلها خمسة أنهار، وهي: سيحون «١» ، وجيحون «٢» ، والدّجلة، والفرات، ونيل مصر، والنيل أفضل الخمسة وأعذبها وأخفّها ماء على ما سيأتي ذكره في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى. وفي الأنهار الكبار تسير السفن. النمط الثاني- «العيون» ، وهي مياه تنبع من الأرض وتعلو إلى سطح الأرض ثم تسرح في قنيّ «٣» قد حفرت لها، وهي منبثة في كثير من الأقطار. النمط الثالث- «البئار» «٤» ، وهي حفائر تحفر حتّى ينبع الماء من أسفلها ويرتفع فيها ارتفاعا لا يبلغ أعلاها. وقد اختلف في الماء الذي نبع من الأرض هل هو الذي نزل من السماء أو غيره، فذهب ذاهبون إلى أنه هو الذي نزل من السماء محتجين لذلك بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ «٥» الآية. وذهب آخرون إلى أن الذي نبع من الأرض غير الذي نزل من السماء محتجين بقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً «٦» ويوصف الماء للاستحسان بالعذوبة، والصفاء، والرقة، والخفّة، وشدّة البرد؛ وفي معناه الشّبم، ويشبّه في شدّة البرد بالزّلال وهو ما يتربّى داخل الثّلج في تجاويف توجد فيه فيكون من أشدّ الماء بردا،

стр. 759

الصنف الثالث النبات؛ وفيه ثلاثة مقاصد المقصد الأوّل في أصل النبات قد ذكر المسعوديّ في مروج الذهب: أنّ آدم ﵇ لما هبط إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قصيبا مودعة أصناف الثمر، منها عشرة لها قشر وهي الجوز، واللّوز، والجلّوز «١» ، والفستق، والبلّوط، والشاه بلّوط «٢» ، والصّنوبر، والنّارنج، والرّمّان، والخشخاش؛ ومنها عشرة لثمرها نوى وهي الزّيتون، والرّطب، والمشمش، والخوخ، والإجّاص، والغبيراء «٣» ، والنّبق «٤» ، والعنّاب، والمخّيطى «٥» ، والزّعرور؛ ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى وهي التّفّاح، والسّفرجل، والكمّثري، والعنب، والتّين، والأترجّ، والخرنوب، والتّوت، والقثّاء، والبطّيخ. المقصد الثاني فيما تختص به أرض دون أرض من أنواع النبات إعلم أن النبات منه ما يوجد في كثير من الآفاق، ومنه ما يختصّ ببعض الأماكن دون بعض، وقد حكى أبو بكر بن وحشيّة في كتاب الفلاحة النبطيّة: أن

стр. 760

ببلاد سجلماسة من جنوبي بلاد المغرب الأقصى شجرة ترتفع نصف قامة أو أرجح، ورقها كورق الغار، إذا عمل منها إكليل ولبسه الرجل على رأسه ومشى أو عدا أو عمل عملا لم ينم ما دام ذلك الإكليل على رأسه، ولا يناله من ضرر السّهر وضعف القوّة ما ينال من سهر وعمل. وفي بلاد إفرنجة «١» شجرة إذا قعد الإنسان تحتها نصف ساعة مات، وإن مسّها ماسّ أو قطع منها غصنا أو ورقة أو هزّها مات. قلت: ومما يختصّ بأرض دون أرض البلسان وهو: شجرة لطيفة على نحو ذراع تتفرع فروعا، لا تنبت في سائر الدنيا إلا في الديار المصرية بموضع مخصوص من بلدة يقال لها المطرية، على القرب من مدينة عين شمس، وتسقى من بئر هناك؛ ويقال: إنه اغتسل فيها المسيح ﵇، ولذلك النصارى يعظمون البلسان ويتبرّكون به. المقصد الثالث في ذكر أصناف النبات التي أولع الكتّاب والشعراء بوصفها وتشبيهها، وهي على أضرب الضرب الأوّل ما له ساق وهو الشجر، وأكثر ما أولع أهل النظم والنثر بثمارها أو نورها في الوصف والتشبيه نثرا ونظما، كاللّوز، والفستق، والجلّوز وهو البندق، والشاة بلّوط وهو القصطل، والصّنوبر، والرّمّان، والجلّنار، والإجّاص، والقراصيا، والزّعرور

стр. 761

والخوخ، والمشمش، والعنّاب، والنّبق، والعنب، والتّين، والتّوت، والتّفّاح، والسّفرجل، والكمّثري، واللّفّاح «١» ، والخرّوب، والأترجّ، والنارنج، واللّيمون، والطّلع «٢» ، والبلح، والبسر «٣» ، والتمر، والرّانج وهو جوز الهند؛ والتّجّار يسمّونه النارجيل. وربما وقع الوصف والتشبيه لبعض أصول الشجر، كالنخل والكرم وغيرها. الضرب الثاني ما ليس له ساق وقد أولعوا بالوصف والتشبيه منه، فمن ذلك: الزرع من البرّ والشعير ونحوهما، ويتبع ذلك نور الباقلاء، وكذلك الخشخاش، والكتّان، والبطّيخ الهندي وهو الأخضر، والخراساني وهو العبدلي؛ نسبة إلى عبد الله بن طاهر «٤» ، فإنه أوّل من نقله من خراسان إلى مصر، والبطّيخ الصيني وهو الأصفر، والرسنيتو وهو المعروف باللّفّاح، والقثّاء، والخيار، والباذنجان، والسّلجم وهو اللّفت، والجزر، والثّوم، والبصل، والكرّاث، والرّيباس، والهليون، والنّعناع، وغير ذلك. الضرب الثالث الفواكه المشمومة والذي أولع بوصفه وتشبيهه منه الورد على اختلاف ألوانه: من أحمر، وأبيض، وأصفر، وأزرق، وأسود؛ والنّسرين، والبان، والخلاف «٥» والنّيلوفر،

стр. 762

والبنفسج، والنّرجس، والياسمين، والآس، والزّعفران، والرّيحان. الضرب الرابع الأزهار والذي وقع الولوع بوصفه وتشبيهه من ذلك الخيريّ وهو المنثور من أصفر أو أزرق، والسّوسن، والآذريون وهو ورد أصفر له ريح، والخزم وهو الخزامى، والشّقيق «١» ، ويسمّى: الشقاق، ويقال له: شقائق النّعمان، لأن النّعمان بن المنذر حمى ظهر الكوفة وبه هذا النبات فعرف به، والبهار وهو نور أحمر، والأقحوان، وغير ذلك. الضرب الخامس الرياض وهي الأماكن المشتملة على الأشجار، والأزهار، والمياه الجارية ونحو ذلك. وقد اتفق جوّابو الأرض على أن منتزهات «٢» الأرض أربعة مواضع وهي: سغد سمرقند «٣» ، وشعب بوّان «٤» ، ونهر الأبلّة «٥» ، وغوطة» دمشق. وقد أكثر الشعراء في وصف الرياض وولع الكتّاب بمثل ذلك.

стр. 763

الطرف الثالث من الباب الأوّل من المقالة الأولى في صنعة الكلام، ومعرفة كيفية إنشائه، ونظمه، وتأليفه، وفيه مقصدان المقصد الأوّل [في الأصول التي يبنى الكلام عليها وهي سبعة أصول] الأصل الأوّل [المعرفة بالمعاني، والنظر فيه من وجهين] الوجه الأوّل [في شرف المعاني، وفضلها] إعلم أن المعاني من الألفاظ بمنزلة الأبدان من الثّياب، فالألفاظ تابعة، والمعاني متبوعة، وطلب تحسين الألفاظ إنما هو لتحسين المعاني، بل المعاني أرواح الألفاظ وغايتها التي لأجلها وضعت، وعليها بنيت؛ فاحتياج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى أشدّ من احتياجه إلى تحسين اللفظ، لأنه إذا كان المعنى صوابا واللفظ منحطّا ساقطا عن أسلوب الفصاحة كان الكلام كالإنسان المشوّه الصورة مع وجود الرّوح فيه، وإذا كان المعنى خطأ كان الكلام بمنزلة الإنسان الميّت الذي لا روح فيه؛ ولو كان على أحسن الصّور وأجملها. قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» «١» : ومما رأيته من المدّعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثّة، التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت هذه الحالة عليهم؛ وقيل لهم: إنّ الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعدّدة، فإذا سمعوا ذلك أنكروه لخلوّهم عن معرفته،

стр. 764

وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني، يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة؛ فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ، ولم يعتنوا بالمعاني إعتناءهم بالألفاظ. فلم يكفهم جهلهم فيما أرتكبوه حتّى ادّعوا الأسوة بالعرب فيه فصارت جهالتهم جهالتين. قال: ولم يعلموا أن العرب، وإن كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذّبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرا في نفوسها. ولما كانت الألفاظ عنوان المعاني وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها، وزيّنوها وبالغوا في تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدّلالة على القصد. ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع؛ فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورقّقوا حواشيها وصقلوا أطرافها، فلا تظنّ أن العناية أذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، فصار ذلك كإبراز صورة الحسناء في الحلل الموشّاة والأثواب المحبّرة، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما شوّه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه. قال أبو هلال العسكري ﵀: ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللّغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام ما تهيأ له في الأولى. ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسيّ، وحوّلها إلى اللسان العربيّ. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمّل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال. قال في «المثل الثائر» : واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان؛ غير أن الحصر كليّ لا جزئيّ، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرّع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدويّ

стр. 765

الباديّ راعي الإبل ما كان يمرّ شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا؛ فإنه كان يأتي بالسّحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا. قال: ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي عليّ بن سينا في الخطابة والشّعر، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي عليّ ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طوّل فيه وعرّض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربيّ شيئا، ثم مع هذا جميعه فإن معوّل القوم فيما يذكر من الكلام الخطابيّ أنه يورد على مقدّمتين ونتيجة «١» ، وهذا مما لم يخطر لأبي عليّ بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله، وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدّمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه فكّر أوّلا في المقدّمتين والنتيجة، ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك، لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه. قال: بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم، لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنّفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: قعاقع ليس لها طائل ... كأنّها شعر الأبيوردي «٢»

стр. 766

الوجه الثاني في تحقيق المعاني؛ ومعرفة صوابها من خطئها، وحسنها من قبحها . وقد قسم صاحب الصناعتين «١» المعاني على خمسة أصناف الصنف الأوّل ما كان من المعاني مستقيما حسنا ، كقولك رأيت زيدا وهو أعلى الأنواع الخمسة وأشرفها قال في «الصناعتين» : والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحته حتّى يوجد المعنى فيه خطيبا. فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم، فمن الوعظ قول النّمر بن تولب «٢» يذم طول الحياة: يودّ الفتى طول السّلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل «٣» يكاد «٤» الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت: وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا! وفي وصف الأيام قول أبي تمّام: على أنها الأيّام قد صرن كلّها ... عجائب حتّى ليس فيها عجائب ومن المدح قول أمية بن أبي الصّلت: عطاؤك «٥» زين لأمريء إن حبوته ... بسيب وما كلّ العطاء يزين

стр. 767

وليس بشين لأمريء بذل وجهه ... إليك كما بعض السّؤال يشين وقول أبي تمام: يستعذبون مناياهم كأنّهم ... لا ييأسون من الدّنيا إذا قتلوا وقول الآخر: هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا ومن الفخر قول معن بن أوس «١» . لعمرك ما أهديت «٢» كفّي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي! ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي! وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة ... من الدّهر إلا قد أصابت فتى قبلي! ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي! ولا مؤثر «٣» نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام، على أهلي! وقول الآخر: ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر وقول الشنفرى «٤» : أطيل مطال «٥» الجوع حتّى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لديّ ومأكل

стр. 768

ومن الغزل قول جرير: إن العيون التي في طرفها حور «١» ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به «٢» ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا وقول النظام «٣» : توهّمه طرفي فآلم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر وصافحه قلبي فآلم كفّه ... فمن صفح قلبي في أنامله حفر ومرّ بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر ومن التشبيب قول القائل: ومن عجب أنّي أحنّ إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي وقول الآخر: إن لم أزر ربعكم سعيا على حدقي ... فإنّ ودّي منسوب إلى الملق تبّت يدي إن ثنتني عن زيارتكم ... بيض الصّفاح ولو سدّت بها طرقي ومن الحكمة قول المتنبي: والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم وقول الآخر: إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه؟

стр. 769

وقول الآخر «١» : ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟ ومن الهجو قول الطّرمّاح «٢» في تميم: تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت وقول الآخر «٣» : لو اطّلع الغراب على تميم ... وما فيها من السّوءات شابا إلى غير ذلك من معاني الشعر الحسنة البهيجة الرائقة. ومما ينخرط في هذا السلك من النثر ما يحكى أن أعرابيا وقف على عبد الملك بن مروان برملة اللّوى «٤» فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامي، وقدّم معاذه من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة، والحال مسغبة، والحياء زاجر، يمنع من كلامكم، والفقر عاذر، يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرأ أمر بمير، أو دعا بخير. ومعاني القاضي الفاضل «٥» هي التي ترقص لها القلوب، وتطرب لها الألباب، ويهجم قبولها على النفوس من غير حاجب ولا بوّاب؛ فمن ذلك قوله: «يا بني أيّوب، لو ملكتم الدهر لا متطيتم لياليه أداهم، وقلّدتم أيامه صوارم، وأفنيتم شموسه وأقماره في الهبات دنانير ودراهم؛ وأيّامكم أعراس وما ثمّ

стр. 770

فيها على الأموال مآتم، والجود في أيديكم خاتم، ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم» . فهذا هو السّحر الحلال، والمعاني التي تخضع لها شمّ الجبال، ولا يقال فيه قيل ولا قال. الصنف الثاني ما كان مستقيما قبيحا كقولك قد زيدا رأيت قال في «الصناعتين» : وإنما قبح لأنك أفسدت نظام اللفظ بالتقديم والتأخير. وهذا النوع يسميه علماء المعاني: التعقيد. وسماه ابن الأثير في «المثل السائر» المعاظلة «١» المعنوية، وهو تقديم ما الأولى به التأخير، كتقديم الصفة أو ما يتعلّق بها على الموصوف، وتقديم الصّلة على الموصول ونحو ذلك؛ وهو من المذموم المرفوض عند أهل الصنعة، لأن المعنى يختلّ به ويضطرب. قال في «المثل السائر» : وهو ضدّ الفصاحة، لأن الفصاحة هي الظّهور والبيان، وهذا عار عن هذا الوصف؛ فمن ذلك قول بعضهم: فأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها فقدم خبر كأنّ وهو خطّ عليها فجاء مختلّا مضطربا، وأقبح منه وأكثر اختلالا قول الفرزدق: إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره يريد إلى ملك أبوه ما أمّه من محارب، والمعنى ما أم أبيه من محارب، يمدحه بذلك ذمّا لمحارب. وكذلك قوله، يمدح خال «٢» هشام بن عبد الملك:

стр. 771

وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه يريد وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملّكا أبو أمه أبوه؛ وهو خاله، فلما استعمل فيه التقديم والتأخير في غير موضعه جاء مشوّها رثّا كما تراه. قال الوزير «ضياء الدين بن الأثير» : وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا كأنه يقصد ذلك ويتعمّده لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد؛ ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى؛ فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به. ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما. الصنف الثالث ما كان مستقيما ولكنه كذب كقولك حملت الجبل، وشربت ماء البحر، وما أشبه ذلك واعلم أن المعاني المستعملة في الشعر والكتابة أكثرها جار على هذا الأسلوب خصوصا المعاني الشعريّة، فإنه مقدّمات تخييلية توجب في النفس انقباضا وانبساطا على ما هو مقرّر في علم المنطق. وقد قال في «الصناعتين» : إن أكثر الشعر مبني على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادة، والألفاظ الكاذبة: من قذف المحصنات، وشهادة الزّور، وقول البهتان، ولا سيما الشعر الجاهليّ الذي هو أقوى الشعر وأفحله. قال: وليس يراد منه إلا حسن اللفظ وجودة المعنى؛ فهذا الذي سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه. وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب في شعره، فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصدق يراد من الأنبياء ﵈. قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع ﵀ في كتابه «تحرير

стр. 772

التحبير» «١» : وأنا أقول قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون إن أجود الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه، ويحتجّون بما جرى للنابغة الذبيانيّ مع حسان بن ثابت ﵁ في استدراك النابغة عليه تلك المواقع الحجية في قوله: لنا الجفنات «٢» الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة؛ والقصة مشهورة. قال: والصواب مع حسان وإن روي عنه انقطاعه في يد النابغة؛ وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام، ولا يرون محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق، وجاء على منهج الحق؛ ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى، أو يفرّع معنى من معنى؛ أو يحلي كلامه شيئا من البديع، أو ينتخب ألفاظا موصوفة بصفات الحسن، ويجيد تركيبها، فإذا عجز عن ذلك كله عدل إلى المبالغة يسدّ بها خلله ويتم نقصه؛ لما فيها من التهويل على السامع، ويدّعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها عن حدّ الإمكان إلى حدّ الامتناع. قال: وعندي أن هذين المذهبين مردودان، أما الأوّل فلقول صاحبه إن خير الكلام ما بولغ فيه، وهذا قول من لا نظر له، لأنا نرى كثيرا من الكلام والأشعار جاريا على الصدق المحض خارجا مخرج البحث، وهو في غاية الجودة، ونهاية الحسن، وتمام القوّة؛ وكيف لا والمبالغة ضرب واحد من المحاسن، والمحاسن لا تحصر ضروبها؛ فكيف يقال: إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر ضروب المحاسن على كثرتها! وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان، ومن كان مذهبه توخّي الصدق في شعره غالبا، ليس فوق أشعارهم غاية لمترقّ، ألا ترى إلى قول زهير: ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإن حالها تخفى على الناس تعلم

стр. 773

وإلى قول طرفة: لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول «١» المرخى وثنياه في اليد وإلى قوله: ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وإلى قوله الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة، وإن خلت من المبالغة؛ والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصّدق في أشعارهم على الكذب ما روي عن الحرورية امرأة عمران بن حطّان قاضي الصّفريّة من الخوارج أنها قالت له يوما: أنت أعطيت الله تعالى عهدا ألّا تكذب في شعرك، فكيف قلت: فهناك مجزأة «٢» بن ثور ... كان أشجع من أسامه «٣» ؟ فقال: يا هذه، إن هذا الرجل فتح مدينة وحده وما سمعت بأسد فتح مدينة قط، وهذا حسان يقول: وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس، إن كيسا وإن حمقا وإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا على أن هؤلاء الفحول وإن رجّحوا هذا المذهب لا يكرهون ضدّه، ولا يجحدون فضله، وقلّما تخلو بعض أشعارهم منه؛ إلا أن توخّي الصدق كان الغالب

стр. 774

عليهم، وكانوا يكثرون منه، ومن أكثر من شيء عرف به، كما أن النابغة ومن تابعه على مذهبه لا يكرهون ضدّ المبالغة، وإلا فكلّ احتجاج جاء به على النّعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة كقوله: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطيء، وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب، وخير الأمور أوساطها. والتحقيق أن المبالغة إذا لم تخرج عن حدّ الإمكان، ولم تجر مجرى الكذب المحض، فإنها لا تذمّ بحال، كقول قيس بن الخطيم «١» : طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ملكت بها كفّي فأنهرت «٢» فتقها ... يرى قائم من دونها من «٣» وراءها فإن ذلك من جيد المبالغة، إذ لم يكن خارجا مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة، وكذلك قول أبي تمّام: تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل فإنه لم يقنع بصحيح المبالغة وقربها من الوقوع فضلا عن الجواز بتقديم كاد، حتّى قال: لو تركت، قال: وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه؛ وعلى حدّه ورد قول شاعر الحماسة، وقد بالغ في مدح ممدوحه فقال: رهنت يدي بالعجز عن شكر برّه ... وما فوق شكري للشّكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد

стр. 775

فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه، واعترف بقصوره عن شكر برّ هذا الممدوح، وفطن أنه لو اقتصر على ذلك، لاحتمل أن يقال له: عجزك عن شكره لا يدل على كثرة برّه لاحتمال أن يكون لضعف مادّتك عن الشكر، إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء، ولا بدّ لاحتمال أن يكون العجز لضعف الانسان، فاحترز عن ذلك بقوله: وما فوق شكري للشّكور مزيد ثم تمم المعنى بأن قال للشّكور للمبالغة في الشكر، فإن شكورا معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدّم، ثم أظهر عذره في عجزه بأن قال في البيت الذي يليه: ولو كان مما يستطاع استطعته ثم ذيّل هذا المعنى بإخراج بقية البيت مخرج المثل السائر ليكثر دورانه على الألسنة فيحصل تجديد مدح الممدوح كل حين، والتنويه بذكره في كل زمان، حيث قال: ولكنّ ما لا يستطاع شديد أما إذا خرجت المبالغة عن حدّ الإمكان، وجرت مجرى الكذب المحض، فإنها مذمومة في الشرع وإن كان الشعراء يستبيحون مثل ذلك ولا يتحاشون الوقوع فيه. وقد أخبر تعالى عنهم بالكذب بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ «١» وفي قوله ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل «٢» إشارة لذلك أيضا.
следующие страницы →