← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

نغمة لذيذة كنغمة الأوتار، وصوتا منكرا كصوت الحمار، وأن لها في الفم حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل. ولا حجة لاستعمال العرب لهذه الألفاظ، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه ليس للتقليد فيه مجال؛ وإنما له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه والله أعلم. الأصل الثالث من صناعة إنشاء الكلام، تركيب الكلام، وترتيب الألفاظ والنظر فيه من وجوه الوجه الأوّل في بيان فضل المعرفة بذلك، ومسيس حاجة الكاتب إلى معرفته، والإشارة إلى خفي سره وتوعّر مسلكه قال أبو هلال العسكريّ: وأجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشعر؛ جميعها يحتاج إلى حسن التأليف، وجودة التركيب؛ وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التعمية؛ فإذا كان المعنى سيّئا، ورصف الكلام رديئا «١» ، لم يوجد له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. فإذا كان المعنى وسطا ورصف الكلام جيدا، كان أحسن موقعا وأطيب مستمعا، فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائقا في المرأى، وإن لم يكن مرتفعا نبيلا «٢» ؛ وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا؛ وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكّن من أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّي المعنى، وتضم كل لفظة

стр. 842

منها إلى شكلها وتضاف إلى وفقها «١» ؛ وسوء الرّصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها، ومخالفة الاستعمال في نظمها. وقد قال العتابيّ «٢» : الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت منها مؤخرا وأخرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيرت المعنى، كما أنه لو حوّل رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رأس أو رجل لتحوّلت الخلقة، وتغيّرت الحلية. قال في «الصناعتين» : وقد أحسن في هذا التمثيل. قال الوزير ضياء الدين بن الأثير ﵀ في «المثل السائر» : وهذا الموضع يضلّ في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم منه رائحة! ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار «٣» ، حتّى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في مواضعها؟ وذلك أن تفاوت التفاضل لم يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها، إذ التركيب أعسر وأشقّ، ألا ترى أن ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملتها العرب ومن بعدهم، وهي مع ذلك تفوق جميع كلامهم وتعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب. وانظر إلى قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «٤» وما اشتملت عليه هذه الآية من الحسن والطلاوة والرونق والمائية الّتي لا يقدر البشر على الإتيان بمثلها، ولا يستطيع أفصح الناس وأبلغ العالم مضاهاتها؛ على أن ألفاظها المفردة كثيرة

стр. 843

الاستعمال دائرة على الألسنة، فقوّة التركيب وحسن السبك هو الذي ظهر فيه الإعجاز وأفحمت فيه البلاغة من حيث لاقت اللفظة الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة، وكذلك سائر الألفاظ إلى آخر الآية. ويشهد لذلك أنك لو أخذت لفظة منها من مكانها وأفردتها عن أخواتها لم تكن لابسة من الحسن والرونق ما لبسته في موضعها من الآية، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام. قال ابن الأثير: ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلّان على معنى واحد، كلتاهما في الاستعمال على وزن واحد وعدّة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السّبك؛ وهذا مما لا يدركه إلا من دقّ فهمه، وجلّ نظره. وإذا نظرت إلى قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «١» وقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً «٢» رأيت ذلك عيانا، فإن الجوف والبطن بمعنى واحد، وقد استعمل الجوف في الآية الأولى والبطن في الآية الثانية ولم يستعمل أحدهما مكان الآخر؛ وكذلك قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٣» وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ «٤» فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل أحدهما موضع الآخر. ومما يجري هذا المجرى قول الأعرج «٥» من أبيات الحماسة: نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حمّ الأجل الموت أحلى عندنا من العسل

стр. 844

وقول أبي الطيب المتنبّي: إذا شئت حفّت بي على كل سابح ... رجال كأنّ الموت في فمها شهد فلفظة الشهد ولفظة العسل كلاهما حسن مستعمل، وقد جاءت لفظة الشهد في بيت أبي الطّيّب أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج، على أن لفظة العسل قد وردت «١» في القرآن دون لفظة الشهد فجاءت أحلى من الشهد في موضعها؛ وكثيرا ما تجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وبلغاء الكتّاب ومصاقع الخطباء، وتحتها دقائق ورموز، إذا علمت وقيس عليها كان صاحب الكلام قد انتهى في النظم والنثر إلى الغاية القصوى في وضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها. قال: وأعجب من ذلك أنك ترى اللفظة الواحدة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها؛ وقد جاءت لفظة في آي القرآن الكريم بهجة رائقة، ثم جاءت تلك اللفظة بعينها في كلام آخر فجاءت ركيكة نابية عن الذوق، بعيدة من الاستحسان؛ فمن ذلك لفظة يؤذي فإنها وردت في قوله تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ «٢» فجاءت في غاية الحسن ونهاية الطلاوة، ووردت في قول أبي الطيب: تلذّ له المروءة وهي تؤذى ... ومن يعشق يلذّ له الغرام فجاءن رثّة مستهجنة، وإن كان البيت من أبيات المعاني الشريفة، وذلك لقوّة تركيبها في الآية وضعف تركيبها في بيت الشعر؛ والسبب في ذلك أن لفظة تؤذي إنما تحسن في الكلام إذا كانت مندرجة مع ما يأتي بعدها، متعلقة به كما في الآية الكريمة حيث قال: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ «٣» وفي بيت المتنبي جاءت منقطعة ليس بعدها شيء تتعلق به حيث قال:

стр. 845

تلذّ له المروءة وهي تؤذى ثم استأنف كلاما آخر فقال: ومن يعشق يلذّ له الغرام وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبويّ مضافة إلى كاف خطاب، فأخذت من المحاسن بزمامها، وأحاطت من الطّلاوة بأطرافها؛ وذلك أنه لما اشتكى النبي ﷺ جاءه جبريل فرقاه فقال: «بسم الله أرقيك من كلّ داء يؤذيك» فصارت إلى الحسن بزيادة حرف واحد، وهذا من السّرّ الخفي الذي يدقّ فهمه. وعلى نهج لفظة يؤذي يرد لفظة لي، فإنها لا تحسن إلا أن تكون متعلقة بما بعدها، ولذلك لحقها هاء السّكت في قوله تعالى: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ «١» لما لم يكن بعدها ما تتعلق به، بخلاف قوله: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ «٢» فإنه لم تلحقها هاء السكت اكتفاء بما هي متعلقة به. ومما يجري مثل هذا المجرى لفظة القمّل، فإنها قد وردت في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ «٣» فجاءت في غاية الحسن، ووردت في قول الفرزدق: من عزّه اجتحرت كليب عنده ... زربا كأنّهم لديه القمّل «٤» فجاءت منحطة نازلة، وذلك لأنها قد جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام لم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في البيت قافية انقطع الكلام عندها. هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير، وقال: إنه لم يسبق إليه، وجعل الحاكم

стр. 846

فيه الذوق السليم دون غيره. وعلى الجملة فلا نزاع في أن تركيب الألفاظ يعطي الكلام من القوّة والضّعف ما تزيد به قيمة الألفاظ الفصيحة، ويرتفع به قدرها، أو يحطّ مقدارها عن درجة الفصاحة والحسن إلى رتبة القبح والاستهجان. الوجه الثاني في بيان ما يبنى عليه «تركيب الكلام» وترتيبه . وله ركنان الركن الأول- أن يسلك في تركيبه سبيل الفصاحة والخروج عن الّلكنة والهجنة. والفصاحة في المركب بأن يتصف بعد فصاحة مفرداته بصفات: الصفة الأولى أن يكون سليما من ضعف التأليف بأن يكون تأليف أجزاء الكلام على القانون النحويّ المشتهر فيما بين معظم أصحابه حتّى لا يمتنع عند الجمهور، وذلك كالإضمار قبل الذكر لفظا أو معنى، نحو ضرب غلامه زيدا، فإنه غير فصيح وإن كان ما اتصل بالفاعل فيه ضمير المفعول به مما أجازه الأخفش «١» ، وتبعه ابن جني «٢» لشدّة اقتضاء الفعل المفعول به كالفاعل، واستشهد بقوله: لما عصى أصحابه مصعبا ... أدّى إليه الكيل صاعا بصاع وقوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار «٣»

стр. 847

وقوله: ألا ليت شعري، هل يلومنّ قومه ... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب الصفة الثانية أن يكون سليما من التعقيد وهو ألّا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى الذي يراد منه، وهو على ضربين: الضرب الأوّل - وهو الذي يسميه ابن الأثير: المعاظلة «١» المعنوية- ألّا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، وإن كان ثابتا في الكلام، جاريا على القوانين، كقول الفرزدق في مدح إبراهيم «٢» بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه أي وما مثل هذا الممدوح في الناس حيّ يقاربه ويشبهه في الفضائل إلا مملّكا، أبو أمّ ذلك المملّك أبو الممدوح، فيكون الممدوح خال المملّك، والمعنى أنه لا يماثل أحد هذا الممدوح الذي هو إبراهيم بن هشام إلا ابن أخته هشام، أفسده وعقّد معناه، وأخرجه عن حدّ الفصاحة إلى حدّ اللّكنة؛ وكذلك قوله في الوليد بن عبد الملك: إلى ملك، ما أمّه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره

стр. 848

يريد إلى ملك ما أمّ أبيه من محارب، وقوله: تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من ياذئب يصطحبان يريد نكن يا ذئب مثل من يصطحبان، وقوله: وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد، إذ كان سيفا أميرها يريد أن خالد بن عبد الله كان قد ولي خراسان ووليها أسد «١» بعده، فمدح خالدا بأنه كان سيفا، بعد أن كان أسد أميرها، فكأنه يقول وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها «٢» . قال ابن الأثير: وعلى هذا التقدير ففي كان الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدّم بعض ما إذ مضافة إليه وهو أسد عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به. قال: وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسّرة للضمير، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول؛ وعلى نحو ذلك ورد قول الآخر: فأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأنّ قفرا رسومها قلما يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها، فقدّم خبر كأنّ وهو خطّ عليها فجاء مختلّا مضطربا. قال في «المثل السائر» : وهذا البيت من أقبح هذا النوع لأن معانيه قد تداخلت، وركب بعضها بعضا؛ على أن ذلك قد وقع لجمع من فحول شعراء العرب؛ كقول امرىء القيس:

стр. 849

هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما يريد أخوا من لا أخوي «١» له في الحرب؛ وقول النابغة: يثرن الثّرى حتّى يباشرن برده ... إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «٢» قال أبو هلال العسكريّ: وهذا البيت مستهجن جدّا لأن المعنى تعمّى فيه، يريد يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها، وقول أبي حيّة النّميريّ «٣» : كما خطّ الكتاب بكّفّ، يوما، ... يهوديّ يقارب أو يزيل يريد كما خط الكتاب بكف يهوديّ يوما يقارب أو يزيل؛ وقول ذي الرمة: نضا البرد عنه وهو من، ذو، جنونه ... أجاريّ، صهّال وصوت مبرسم «٤» يريد وهو من جنونه ذو أجاريّ؛ قال في «الصناعتين» : كأنه تخليط كلام مجنون أو هجر مبرسم؛ وقول الشماخ «٥» : تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافي الخيل «٦» في الأمعز الوجي «٧» يريد تخامص حافي الخيل في الوجي، الأمعز «٨» .

стр. 850

قال أبو هلال العسكري: وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها، لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل منه ويستبهم؛ وقد كان عمر ﵁ يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام. قال في «المثل السائر» : والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمّده، لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد، بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما. الضرب الثاني من التعقيد - ألّا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد بخلل في انتقال الذهن من المعنى الأوّل المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود، لإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء القرائن الدالة على المقصود، كقول العبّاس بن الأحنف: سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا يريد إني أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا مني، وتسكب عيناي الدّموع لتجمد وتكفّ الدمع بحصول التلاقي؛ والمعنى أنّي طبت نفسا بالبعد والفراق، ووطّنت نفسي على مقاساة الأحزان والأشواق، وأتجرّع الغصص، وأحتمل لأجلها حزنا يفيض الدّموع من عينيّ، لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم، ومسرّة لا تزول، فتجمد عيني ويرقأ دمعي، فإن الصبر مفتاح الفرج؛ فكنّى بسكب الدموع عن الكآبة والحزن، وهو ظاهر المعنى لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه، يقال: أبكاني الدهر وأضحكني يمعنى ساءني وسرّني، وكنّى بجمود العين عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور؛ فإن المتبادر إلى الذهن من جمود العين بخلها بالدمع عند إرادة

стр. 851

البكاء حال الحزن، بخلاف ما قصده الشاعر من التعبير به عن الفرح والسرور، وإن كانت حالة جمود الدمع مشتركة بين بخل العين بالدمع عند إرادة البكاء، وبين زمن السرور الذي لم يطلب فيه بكاء، وكذلك يجري القول في كل لفظ مشترك ينتقل الذهن فيه من أحد المعنيين إلى الآخر إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى أحدهما، كما صرح به الرمانيّ «١» وغيره، خصوصا إذا كان أحد المعنيين الذي يدلّ عليه اللفظ المشترك مستقبحا كما نبه عليه ابن الأثير في الكلام على فصاحة اللفظ المفرد؛ ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة بين التعظيم والإكرام، وبين الإهانة بسبب الخيانة التي لا توجب الحدّ من الضرب وغيره، والمعنيان ضدّان، فحيث وردت معها قرينة صرفتها إلى معنى التعظيم جاءت حسنة رائقة، وكانت في أعلى درجات الفصاحة؛ وعلى نحو ذلك ورد قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ «٢» وقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ «٣» الآية، فإنه لما ورد معها قرينة التوقير في الآية الأولى وقرينة الإيمان والنصر في الآية الثانية زال اللبس وحسن الموقع؛ ولو وردت مهملة بغير قرينة بإرادة المعنى الحسن لسبق الفهم إلى المعنى القبيح، كما لو قلت عزّر القاضي فلانا وأنت تريد أنه عظمه، فإنه لا يتبادر من ذلك إلى الفهم إلا أنه أهانه، وعلى هذا النّهج يجري الحكم في الحسن والقبح مع القرينة وعدمها. قال ابن الأثير ﵀: فما ورد مع القرينة فجاء حسنا قول تأبط شرّا: أقول للحيان، وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيّق الجحر معور فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه لأن الجحر يطلق على

стр. 852

كل ثقب كجحر الحيّة واليربوع ونحوهما، وعلى المحل المخصوص «١» من الحيوان، فإذا ورد مهملا بغير قرينة تخصّصه سبق إلى الفهم المعنى القبيح لاشتهاره دون غيره. ومما ورد مهملا بغير قرينة فجاء قبيحا قول أبي تمّام: أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حقّ عليك قديم فإن المتبادر إلى الأفهام من قوله وليس لي عقل أنه من العقل الذي هو ضد الجنون، ولو قال وليس لي عليك عقل لزال اللبس. قال: فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع. الصفة الثالثة أن يكون الكلام سلما من تنافر الكلمات وإن كانت مفرداته فصيحة وقد اختلف في معنى هذا التنافر على ثلاثة مذاهب: المذهب الأوّل- أن المراد بتنافر الكلمات أن يكون في الكلام ثقل على اللسان ويعسر النطق به على المتكلم ، وإليه ذهب السّكّاكيّ «٢» وغيره من علماء البيان. وهو على ضربين: الضرب الأوّل- أن يكون فيه بعض ثقل ، كقول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، وإذا مالمته، لمته وحدي فقوله أمدحه أمدحه فيه بعض الثّقل على اللسان في النطق، وذلك أن الحاء والهاء متقاربان في المخرج، وقد اجتمعا في قوله أمدحه، ثم تكررت الكلمة في البيت مع تقارب مخرج الحرفين فثقلت بعض الثقل.

стр. 853

وأوّل من نبه على ذلك الأستاذ ابن العميد «١» ﵀. ومما يحكى في ذلك: أن الصاحب بن عبّاد أنشد هذا البيت بحضرة ابن العميد، فقال له ابن العميد: هل تعرف في هذا البيت شيئا من الهجنة؟ فقال: نعم، مقابلة المدح باللوم، وإنما يقابل المدح بالذم والهجاء، فقال له ابن العميد: غير هذا أريد، قال: لا أرى غير ذلك. فقال ابن العميد: هذا التكرير في أمدحه، أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء وهما من حروف الحلق خارج عن حدّ الاعتدال، نافر كلّ التنافر، فاستحسن الصاحب بن عبّاد ذلك. قال الشيخ سعد الدين التفتازانيّ في شرح تلخيص المفتاح: ولا يجوز أن يراد أن الثقل في لفظة أمدحه دون تكرار، فإنّ مثل ذلك واقع في التنزيل نحو قوله تعالى: فَسَبِّحْهُ* والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجتريء عليه المؤمن. الضرب الثاني- ما كان شديد الثقل بحيث يضطرب لسان المتكلم عند إرادة النطق به ، كقوله: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر قال في عجائب المخلوقات: إن من الجن نوعا يقال له الهاتف، فصاح واحد منهم على حرب بن أميّة «٢» فمات، فقال ذلك الجنّي هذا البيت. قال المسعوديّ في «مروج الذهب» : والدليل على أنه من شعر الجن أمران: أحدهما الرواية، والثاني أنه لا يقوله أحد ثلاث مرات متواليات إلا تعتع فيه. قال ضياء الدين بن الأثير: والسبب في ثقل البيت تكرير حرفي الباء والراء

стр. 854

فيه، فهذه الباءات والراءات فيه كأنها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل. قال: وكذلك يجري الحكم في كل ما تكرر فيه حرف أو حرفان؛ إلا أنه لم يطلق على ذلك اسم التنافر، وجعل التنافر قسما مستقلا برأسه كما سيأتي، وعدّ هذا من أنواع المعاظلة اللفظية؛ ثم ذكر من أمثلته قول الحريري «١» في مقاماته: وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه وقول كشاجم: والزّهر والقطر في رباها ... ما بين نظم وبين نثر حدائق، كفّ كلّ ريح ... حلّ بها خيط كلّ قطر وقول الآخر: مللت مطال مولود مفدّى ... مليح مانع منّي مرادي وقول المتنبي: كيف ترثي التي ترى كلّ جفن ... زاءها غير جفنها غير راقي وعاب بيت الحريريّ لتكرر العين فيه في قوله: وعاف عافي العرف عرفانه وعاب البيت الثاني من بيت كشاجم لتكرر الكاف فيه في كفّ «وكلّ» الأولى و «كلّ» الثانية، وقال: هذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتّى يديره له؛ وعاب البيت الذي يليه لتكرر الميم فيه في أوائل الكلمات، وقال: هذه الميمات كأنها عقد، متصلة بعضها ببعض، وعاب بيت المتنبي لتكرر الجيم والراء في أكثر كلماته، وقال: هذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصّرع التي تنوبه في بعض الأيام. قال: وكان بعض أهل الأدب من أهل عصرنا يستعمل هذا

стр. 855

القسم من المعاظلة كثيرا في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته لسلوك الطريق، كقوله في وصف رجل سخيّ: أنت المريح كبد الريح، والمليح إن تجهّم المليح بالتكليح، عند سائل يلوح، بل تفوق إذ تروق مرأى يوح «١» ، يا مغبوق «٢» كأس الحمد، يا مصبوح ضاق عن نداك اللّوح «٣» ، وببابك المفتوح يستريح ويريح ذو التّبريح، ويرفّه الطليح «٤» . فأنظر إلى حرفي الراء والحاء كيف لزمهما في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاء على ما تراه من الثقل والغثاثة. ثم قال: واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا، فقالوا في جعل لك: جعلّك، وفي تضربونني تضربونّي، وكذلك قالوا: استعدّ فلان للأمر إذا تأهب له، والأصل فيه استعدد، واستتبّ الأمر إذا تهيأ والأصل فيه استتبب، وأشباه هذا كثير في كلامهم حتّى إنهم لشدّة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا الحرفين «٥» المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: أمليت الكتاب، والأصل فيه أمللت، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة وفرارا من الثقل، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا. قلت: ليس تكرار الحروف مما يوجب التنافر مطلقا كما يقتضيه كلامه بل بحسب التركيب، فقد تتكرر الحروف وتترادف في الكلمات المتتابعة مع القطع بفصاحتها وخفّتها على اللسان وسهولة النطق بها، ألا ترى إلى قوله تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ «٦» كيف اجتمع فيه ستّ عشرة ميما في آية واحدة، قد

стр. 856

تلاصق منها أربع ميمات في موضع وميمان في موضع، مع ما اشتملت عليه من الطّلاوة والرّونق الذي ليس في قدرة البشر الإتيان بمثله، والله أعلم. المذهب الثاني- أن المراد بتنافر الكلمات أن تكون أجزاء الكلام غير متلائمة، ومعانيه غير متوافقة ، بأن يكون عجز البيت أو القرينة غير ملائم لصدره، أو البيت الثاني غير مشاكل للبيت الأوّل، وعليه جرى العسكريّ في «الصناعتين» ؛ فمما اختلفت فيه أجزاء البيت الواحد قول السموأل: فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل فليس بين قوله ما في نصابنا كهام وقوله فنحن كماء المزن مناسبة لأن المراد بالكهام الذي لا غناء به ولا فائدة فيه، يقال قوم كهام أي لا غناء عندهم، ورجل كهام أي مسنّ، كذلك سيف كهام أي كليل، ولسان كهام أي عييّ، وفرس كهام أي بطيء، فهو يصف قومه بالنّجدة والبأس، وأنه ليس فيهم من لا يغني، وماء المزن إنما يحسن في وصف الجود والكرم. قال في «الصناعتين» : ولو قال: ونحن ليوث الحرب وأولو الصّرامة والنجدة، ما في نصابنا كهام، لكان الكلام مستويا، أو فنحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ، لكان جيدا. ومن ذلك قول طرفة: ولست بحلّال التّلاع «١» مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد فالمصراع الثاني من البيت غير مشاكل لصورة المصراع الأوّل وإن كان المعنى صحيحا لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السؤال ولكنني أنزل الأمكنة المرتفعة لينتابوني وأرفدهم، وهذا وجه الكلام، فلم يعبر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.

стр. 857

ومنه قول الأعشى: وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «١» لمحقوقة أن تسجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفّق فقوله: وأن تعلمي أن المعان موفق غير مشاكل لما قبله؛ وعلى نحو ذلك ورد قول عنترة: حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع «٢» إنّ الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسلموا ليل التّمام وأوجعوا فليس قوله: «بالأخبار هشّ مولع» من صفة جناحيه ولحييه؛ وقريب منه قول أبي تمّام: محمّد إنّ الحاسدين شهود «٣» ... وإنّ مصاب المزن حيث تريد فليس النصف الثاني من النصف الأوّل في شيء؛ وكذلك قول الطالبيّ «٤» : قوم هدى الله العباد بجدّهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد فلا مناسبة بين صدر البيت وعجزه بوجه. وعدّ بعض الأدباء من هذا النوع قول أمرىء القيس: كأنّي لم أركب جوادا للذّة، ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ولم أسبإ الزّقّ الرّويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال

стр. 858

وقال: لو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين في موضع الآخر لكان أحسن وأدخل في استواء النسج، فكان يقال: كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرة بعد إجفال ولم أسبإ الزق الرويّ للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال لأن ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن. قال في «الصناعتين» : قال أبو أحمد: «١» والذي جاء به امرؤ القيس هو الصحيح لأن العرب تضع الشيء مع خلافه، فيقولون: الشدّة والرخاء، والبؤس والنعيم، ونحو ذلك. وكذلك كل ما يجري هذا المجرى. قال أبو هلال العسكري: أخبرني أبو أحمد قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلم منه الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت: ألا إنّما الدّنيا متاع غرور فأجازه كل واحد منا بشيء فلم يرضه فقلت أنا: وإن عظمت في أنفس وصدور فقال: هذا هو الجيّد المختار. قال «٢» : وأخبرني أبو أحمد الشطنيّ قال: حدثنا أبو العباس بن عربيّ، قال: حدثنا حماد بن «٣» يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله ثم قال: نروح ونغدو كلّ يوم وليلة

стр. 859

ثم قال لبعضهم: أجز فقال: فحتّى متى هذا الرّواح مع الغدوّ فقال مسلمة: لم تصنع شيئا، ثم قال لآخر: أجز فقال: فيالك مغدى مرّة ومراحا «١» فقال: لم تصنع شيئا، ثم قال لآخر: أجز فقال: وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو فقال: الآن تم البيت؛ وأشباه ذلك ونظائره كثيرة. ومما اختلف فيه البيت الأوّل والثاني قول ابن هرمة «٢» : وإنّي «٣» وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّيّ زندا شحاحا «٤» كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا وقول الفرزدق: فإنّك «٥» إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف «٦» العمائم كمهريق ماء بالفلاة، وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم «٧» كان ينبغي أن يكون بيت ابن هرمة الأوّل مع بيت الفرزدق الثاني، وبيت الفرزدق الأوّل مع بيت ابن هرمة الثاني، فيقال في الأوّل:

стр. 860

وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفّيّ زندا شحاحا «١» كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم مع تغيير إحدى القافيتين، ويقال في الثاني: وإنك إذ تهجوا تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سجوف «٢» العمائم كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا مع تغيير إحدى القافيتين حتّى يصح التشبيه للشاعرين جميعا. المذهب الثالث- أن المراد بتنافر الكلمات أن تذكر لفظة أو ألفاظا يكون غيرها مما في معناها أولى بالذكر، فتجيء الكلمة غير لائقة بمكانها، وهو ما أصطلح عليه ابن الأثير في «المثل السائر» . وهو على ضربين: الضرب الأوّل: ما يوجد منه في اللفظة الواحدة فيمكن تبديله بغيره مما هو في معناه سواء كان ذلك الكلام نظما أو نثرا؛ وهو على أنواع شتّى: منها فك الإدغام في غير موضع فكّه، كقول ابن أمّ صاحب «٣» : مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا ففك الإدغام في ضننوا، وكان الأحسن أن يقال: وإن ضنوا أي بخلوا. وعلى حدّ ذلك ورد قول المتنبي: فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم فلو أدغم لجاءت اللفظة في مكانها غير قلقة ولا نافرة، وكذلك كل ما جاء على هذا النهج فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلّ السيف فهو سالل، ولا همّ بالأمر فهو هامم، ولا خط الكتاب فهو خاطط، ولا حنّ إلى كذا فهو حانن، وهذا لو عرض على من لا ذوق له أدركه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي

стр. 861

الطيب؟ لكن لا بدّ لكل جواد من كبوة. ومنها زيادة حرف في غير موضعه كقول دعبل «١» : شفيعك فاشكر في الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق فالفاء في قوله فاشكر زائدة في غير محلها، نافرة عن مكانها. قال الوزير ضياء الدين بن الأثير: أنشدني بعض الأدباء هذا البيت فقلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح لأن سبكه قلق نافر، والفاء في قوله فاشكر كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش، فقال: لهذه الفاء في كتاب الله تعالى أشباه كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢» فقلت له: بين هذه الفاء وتلك فرق ظاهر يدرك بالعلم أوّلا وبالذوق ثانيا، أما العلم فإن الفاء في قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ فهي الفاء العاطفة إذ وردت بعد قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ وهي مثل قولك: امش فأسرع، وقل فأبلغ، وليست الفاء التي في قول دعبل: شفيعك فاشكر من هذا القبيل، بل هي زائدة ولا موضع لها، وإنما نسبتها أن يقال: ربك أو ثيابك فطهر من غير تقدّم معطوف عليه «٣» ، وحاشا فصاحة القرآن من ذلك. فأذعن بالتسليم ورجع إلى الحق. قال: ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطّن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة. ومنها وصل همزة القطع في الشعر وإن كان ذلك جائزا فيه بخلاف النثر كقول أبي تمّام: قراني اللها «٤» والودّ حتّى كأنّما ... أفاد الغني من نائلي وفوائدي فأصبح يلقاني الزّمان من اجله ... بإعظام مولود ورأفة والد

стр. 862

فقوله من اجله بوصل همزة القطع من الكلام النافر؛ وعلى حدّه ورد قول أبي الطّيّب: يوسّطه المفاوز كلّ يوم ... طلاب الطّالبين لا الانتظار فقوله لا الانتظار بوصل همزة الانتظار كلام نافر. ومنها قطع همزة الوصل في الشعر أيضا وإن كان جائزا فيه كقول جميل: ألا لا أرى إثنين أجمل «١» شيمة ... على حدثان الدّهر منّي ومن جمل وقوله أيضا: إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر «٢» وتكثير الوشاة قمين فقطع ألف الوصل في لفظ الاثنين في البيت الأوّل والثاني. ومنها أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدّم ذكره كقول البحتريّ: حلفت لها بالله يوم التّفرّق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلّق تقديره من قلبي المتعلق بها، فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك، ولو قال: من قلب بها متعلق لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة. ونحو ذلك. الأصل الرابع المعرفة بالسجع الذي هو قوام الكلام المنثور وعلوّ رتبته ويتعلق به ستة أغراض الغرض الأوّل- في معرفة معناه في اللغة والاصطلاح، وبيان حكمه في حالتي الدرج والوقف .

стр. 863

أما في اللغة فقال في «موادّ البيان» : إنه مشتق من الساجع: وهو المستقيم لاستقامته في الكلام، واستواء أوزانه، وقيل من سجع الحمامة وهو ترجيعها الصوت على حدّ واحد، يقال منه سجعت الحمامة تسجع سجعا فهي ساجعة، سمّي السجع في الكلام بذلك لأن مقاطع الفصول تأتي على ألفاظ متوازنة متعادلة، وكلمات متوازية متماثلة، فأشبه ذلك الترجيع. وأما في الاصطلاح، فقال في «موادّ البيان» : هو تقفية مقاطع الكلام من غير وزن «١» ، وذكر نحوه في «المثل السائر» فقال: هو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد، ويقال للجزء الواحد منه سجعة، وتجمع على سجعات، وفقرة بكسر الفاء أخذا من فقرة الظهر وهي إحدى عظام الصّلب، وتجمع على فقر وفقرات بكسر الفاء وسكون القاف وفتحها، وربما فتحت الفاء والقاف جميعا، ويقال لها أيضا: قرينة لمقارنة أختها وتجمع على قرائن، ويقال للحرف الأخير منها: حرف الرّويّ والفاصلة. وأما بيان حكمه في الوقف والدّرج فاعلم أن موضوع حكم السجع أن تكون كلمات الأسجاع ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها بالسكون في حالتي الوقف والدّرج؛ لأن الغرض منها المناسبة بين القرائن، أو المزاوجة بين الفقر، وذلك لا يتم إلا بالوقف، ألا ترى أن قولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، لو ذهبت تصل فيه لم يكن بدّ من إعطاء أواخر القرائن ما يعطيه حكم الإعراب فتختلف أواخر القرائن ويفوت الساجع غرضه. الغرض الثاني في بيان حسن موقعه من الكلام قال في «الصناعتين» : لا يحسن منثور الكلام، ولا يحلو حتّى يكون

стр. 864

مزدوجا، ولا «١» تجد لبليغ كلاما محلولا من الازدواج، وناهيك أن القرآن الكريم الذي هو عنصر البلاغة ومناط الإعجاز مشحون به، لا تخلو منه سورة من سوره وإن قصرت، بل ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة، كما في سورة النجم، واقتربت، والرحمن وغيرها من السّور. بل ربما وقع في أوساط الآيات، كقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ «٢» وقوله: لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ «٣» وقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ «٤» وما أشبه ذلك. وكذلك وقع في الكثير من كلام رسول الله ﷺ كقوله ﵇ عند قدومه المدينة الشريفة: «أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلو الأرحام، وصلّوا باللّيل والنّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام» . بل ربما صرف ﷺ الكلمة عن موضعها في تصريف اللغة طلبا للمزاوجة كقوله في تعويذه لابن ابنته: «أعيذه من الهامّة والسامّة، والعين اللّامّة» وأصلها في اللغة الملمّة لأنها من ألمّ، فعبر عنها باللامّة لموافقة الهامّة والسامّة، وكذلك قوله ﷺ للنساء: «انصرفن مأزورات غير مأجورات» والأصل في اللغة أن يقال موزورات أخذا من الوزر، فعبر بمأزورات لموافقة مأجورات؛ وعلى ذلك كان يجري كلام العرب في مهمّ كلامهم من الدعاء وغيره كقول بعض الأعراب وقد ذهب السيل بابنه: اللهم إن كنت قد أبليت، فطالما عافيت. وقول الآخر: اللهم هب لنا حبك، وأرض عنا خلقك، ونحو ذلك. وأما ما ورد من أنه ﷺ حين قضى على رجل في الجنين بغرة عبد أو أمة، فقال الرجل: أأدى من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل «٥» ؟ فقال النبي ﷺ «أسجعا كسجع الكهّان» فليس فيه دلالة على كراهة

стр. 865

السجع في الكلام وإن تمسك به بعض من نبا عن السجع طبعه، ونفرت منه قريحته، إذ يحتمل أنه ﷺ إنما كره السجع من ذلك الرجل لمشابهة سجعه حينئذ سجع الكهّان، لما في سجعهم من التكلّف والتعسّف كما وجهه أبو هلال العسكريّ، وإما لجريانه على عادتهم في الجواب في الأحكام وغيرها بالكلام المسجوع كما وجهه غيره، أو أنه إنما كره حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع بإنكار إيجاب الدية، لانفس السجع المأتي به كما اختاره صاحب «المثل السائر» ؛ ولو كره ﷺ السجع نفسه، لا قتصر على قوله: أسجعا، ولم يقيده بسجع الكهّان. الغرض الثالث في بيان أقسام السجع، وهي راجعة إلى صنفين الصنف الأوّل أن تكون القرينتان متفقتين في حرف الرّويّ، ويسميه الرّمّانيّ السجع الحاني وعليه عمل أكثر الكتّاب من زمن القاضي الفاضل، وهلمّ جرّا إلى زماننا؛ وفيه ثلاث مراتب المرتبة الأوّلى- أن تكون ألفاظ القرينتين مستوية الأوزان متعادلة الأجزاء ويسمّى التصريع «١» ، وهو أحسن أنواع السجع وأعلاها. ومنه في النثر قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ «٢» وقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ «٣» . وقول النبي ﷺ في دعائه: «اللهمّ اقبل توبتي، واغسل حوبتي» . وقوله للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» وقول بعض الأعراب في وصف سنة جدبة: سنة جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، ونحو ذلك. ومثاله في النظم قول الخنساء «٤» :

стр. 866

حامي الحقيقة محمود الخليقة، ... مهديّ الطريقة نفّاع وضرّار جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عدّاد «١» ألوية للخيل جرّار المرتبة الثانية- أن يختص التوازن بالكلمتين الأخيرتين من الفقرتين فقط دون ما عداهما من سائر الألفاظ «٢» ، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ «٣» ثم قال: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ «٤» . وكقول الحريريّ في مقاماته: ألجأني حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط. وقوله: وأودى الناطق والصّامت، ورثى لنا الحاسد والشّامت، وما أشبه ذلك. المرتبة الثالثة- أن يقع الاتفاق في حرف الرّويّ مع قطع النظر عن التّوازن في شيء من أجزاء الفقرة في آخر ولا غيره، ويسمّى المطرّف ، كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً «٥» وقولهم: جنابه محطّ الرّحال، ومخيّم الآمال. وما يجري هذا المجرى. الصنف الثاني أن يختلف حرف الرّويّ في آخر الفقرتين، وهو الذي يعبرون عنه بالازدواج . والرّمانيّ يسميه السّجع العاطل، وعليه كان عمل السلف من الصحابة ومن قارب زمانهم، وهو على ضربين الضرب الأوّل أن يقع ذلك في النثر، وفيه مرتبتان المرتبة الأولى- أن يراعي الوزن في جميع كلمات القرينتين أو في أكثرها

стр. 867

مع مقابلة الكلمة بما يعادلها وزنا، ويسمّى التوازن وهو أحسنها وأعلاها، كقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «١» وكقول الحريريّ: اسودّ يومي الأبيض، وابيضّ فودي الأسود. المرتبة الثانية- ألّا يراعى التوازن إلا في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين فقط ، ويسمّى التوازن أيضا، ومنه قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ «٢» وقولهم: اصبر على حرّ القتال، ومضض النّزال، وشدّة النّصاع، ومداومة البراز «٣» ، وما أشبه ذلك. الضرب الثاني السّجع الواقع في الشّعر ويسمّى التصريع في البيت الأوّل، ومحل الكلام عليه علم البديع، وقد ذكره في «المثل السائر» في أعقاب الكلام على السجع في الكلام المنثور، وجعله على سبع مراتب: المرتبة الأولى- وهي أعلاها درجة- أن يكون كل مصراع من البيت مستقلّا بنفسه ، غير محتاج إلى ما يليه؛ ويسمّى التصريع الكامل، كقول امريء القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل ... وإن كنت قد أزمعت هجري «٤» فأجملي فإن كل مصراع من البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه في الفهم، وليس له به ارتباط يتوقف عليه.

стр. 868

المرتبة الثانية- أن يكون المصراع الأوّل مستقلّا بنفسه، غير محتاج إلى الذي يليه إلا أنه مرتبط به ، كقول امريء القيس أيضا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل فإن المصراع الأوّل منه غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، ولكنه لما جاء الثاني صار مرتبطا به. المرتبة الثالثة- أن يكون الشاعر مخيّرا في وضع كل مصراع موضع الآخر، ويسمى التصريع الموجّه ، كقول ابن حجّاج «١» : من شروط الصّبوح في المهرجان ... خفّة الشّرب مع خلوّ المكان فإنه لو جعل المصراع الثاني أوّلا والآخر ثانيا، لساغ له ذلك. المرتبة الرابعة- أن يكون المصراع الأوّل غير مستقلّ بنفسه، ولا يفهم معناه إلا بالثاني؛ ويسمّى التصريع الناقص ، وليس بمستحسن، كقول المتنبي: مغاني الشّعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزّمان فإنّ المصراع الأوّل لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون المصراع الثاني. المرتبة الخامسة- أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة في الوسط والقافية، ويسمّى التصريع المكرر ؛ ثم اللفظة التي يقع بها التصريع قد تكون حقيقة لا مجاز فيها كقول عبيد بن الأبرص «٢» : وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب وقد تكون اللفظة التي يقع بها التصريع مجازيّة كقول أبي تمّام الطائيّ:

стр. 869

فتى كان شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهنديّة البيض مرتعا المرتبة السادسة- أن يكون المصراع الأوّل معلّقا على صفة يأتي ذكرها في أوّل المصراع الثاني؛ ويسمّى التصريع المعلّق . كقول امريء القيس: ألا أيّها الليل الطّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل فإن المصراع الأوّل معلق على قوله بصبح، وهو مستقبح في الصنعة. المرتبة السابعة- أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته؛ ويسمّى التصريع المشطور ، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها. كقول أبي نواس: أقلني قد ندمت على الذّنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود فإنه قد صرّع في وسط البيت بالباء ثم في آخره بالدال. قلت: وإنما أوردت هذا الصنف مع السجع وإن كان من خصوصيات الشعر لأنه قد يقع مثله في النثر، إذ الفقرة من النثر كالبيت من الشعر، فالفقرتان كالبيتين، وأيضا فإن الشعر من وظيفة الكاتب. الغرض الرابع في معرفة مقادير السّجعات في الطّول والقصر، وهي على ضربين الضرب الأوّل السّجعات القصار وهي ما صيغ من عشرة ألفاظ فما دونها، قال في «حسن التوسل» «١» : وهي تدل على قوّة التمكن وإحكام الصنعة، لا سيما القصير منها للغاية، وأقل ما يكون من لفظتين كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢» .

стр. 870

وقوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً «١» وما أشبه ذلك، وأمثاله في القرآن الكريم كثير إلا أن الزائد على ذلك أكثر. كقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٢» . وقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ «٣» . وقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا «٤» ونحو ذلك. الضرب الثاني السجعات الطوال قال في «حسن التوسل» : وهي ألذّ في السمع، يتشوّق السامع إلى ما يرد متزايدا على سمعه، وأقلّ ما تتركب من إحدى عشرة كلمة فما فوقها، وغالب ما تكون من خمس عشرة لفظة فما حولها، كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ «٥» فالأولى من إحدى عشرة لفظة، والثانية من ثلاث عشرة لفظة، قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «٦» فالأولى من أربع عشرة لفظة، والثانية من خمس عشرة، وقوله: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ

стр. 871

الْأُمُورُ «١» فالأولى عشرون لفظة، والثانية تسع عشرة، وهذا غاية ما انتهى إليه الطّول في القرآن الكريم. وينبغي أن يكون ذلك نهاية الطول في السجع وقوفا مع ما ورد به القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام، وأقوم نظام، وإن كان الوزير ضياء الدين بن الأثير، والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي وغيرهما، قد صرحوا بأنه لا ضابط لأكثره. واعلم أنه قد جرت عادة كتّاب الزمان ومصطلحهم أن تكون السجعة الأولى من افتتاح الولاية من تقليد أو توقيع أو غير ذلك قصيرة بحيث لا يتعدّى آخرها السطر الثاني في الكتابة ليقع العلم بها بمجرّد وقوع النظر على أوّل المكتوب. وعلى هذا فيختلف القصر فيها باختلاف ضيق الورق وسعته في العرض. الغرض الخامس في ترتيب السجعات بعضها على بعض في التقديم والتأخير باعتبار الطول والقصر وله حالتان الحالة الأولى ألا يزيد السجع على سجعتين؛ وله ثلاث مراتب المرتبة الأولى- أن تكون القرينتان متساويتين لا تزيد إحداهما على الأخرى كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ «٢» ، وقوله: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً «٣» وأمثال ذلك. المرتبة الثانية- أن تكون القرينة الثانية أطول من الأولى بقدر يسير كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ

стр. 872

بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً «١» فالأولى ثمان كلمات، والثانية تسع، ونحو ذلك؛ أما إذا طالت الثانية عن الأولى طولا يخرج عن الاعتدال، فإنه يستقبح حينئذ، ووجّهه في «حسن التوسل» بأنه يبعد دخول القافية على السامع فيقلّ الالتذاذ بسماعها. والمرجع في قدر الزيادة والقصر إلى الذوق. المرتبة الثالثة- أن تكون القرينة الثانية أقصر من الأولى . قال في «المثل السائر» : وهو عندي عيب فاحش، لأن السمع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأوّل بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها؛ وفيما قاله نظر، فقد تقدّم في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا «٢» الآيتين، أن الأولى عشرون كلمة والثانية تسع عشرة، بل قد اختار تحسين ذلك أبو هلال العسكريّ في «الصناعتين» محتجّا له بكثرة وروده في كلام النبوّة كقوله ﷺ للأنصار: «إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» وقوله: «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم» وقوله: «رحم الله من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» . الحالة الثانية أن يزيد السجع على سجعتين، ولها أربع مراتب المرتبة الأولى- أن يقع على حدّ واحد في التّساوي وهو مستحسن، وقد ورد في القرآن الكريم بعض ذلك كقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «٣» فهذه السجعات الثلاث مركبة من لفظتين لفظتين.

стр. 873

المرتبة الثانية- أن تكون الأولى أقصر والثانية والثالثة متساويتين كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً «١» فالأولى من ثمان كلمات، والثانية والثالثة من تسع تسع. المرتبة الثالثة- أن تكون الأولى والثانية متساويتين، والثالثة زائدة عليهما ؛ وقد أشار إلى هذه المرتبة في «حسن التوسل» حيث قال: فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة، ولم يمثل لها. المرتبة الرابعة- أن تكون الثانية زائدة على الأولى، والثالثة زائدة على الثانية ؛ قال في «المثل السائر» : وينبغي أن تكون في هذا الحالة زيادة الثالثة متميزة في الطول على الأولى والثانية أكثر من تميز الثانية على الأولى. ثم قال: فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشرة لفظة، ومثّل له في «حسن التوسل» بقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً «٢» فالأولى من ثمان كلمات، والثانية من تسع، والثالثة من عشر، ومثل له في «المثل السائر» بقوله في وصف صديق: فقلت: الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة الحالف، وإذا بلّغته أذنه وشاية أقام عليها حدّ السارق أو القاذف؛ فالأولى: وهي لم يعتض عنك بخالف والثانية بعدها أربع كلمات، والثالثة عشر كلمات. ثم قال: وينبغي أن يكون ما يستعمل من هذا القبيل، فإن زادت الأولى والثانية على هذه العدّة زادت الثالثة بالحساب، وإن نقصت الأولى والثانية، فكذلك. لكن قد ضبط في «حسن التوسل» الزيادة في الثالثة بألّا تجاوز المثل، والأمر فيما بين

стр. 874

الضابطين قريب؛ ولا يخفى حكم الرابعة في الزيادة مع الثالثة. قال في «حسن التوسل» : ولا بدّ من الزيادة في آخر القرائن. الغرض السادس فيما يكون فيه حسن السجع وقبحه أما حسنه، فيعتبر فيه بعد ما يقع فيكون به تحسين الكلام من أصناف البديع ونحوها بأمور أخرى: منها أن يكون السجع بريئا من التكلف، خاليا من التعسف، محمولا على ما يأتي به الطبع وتبديه الغريزة، ويكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، بأن يقتصر من اللفظ على ما يحتاج إليه في المعنى دون الإتيان بزيادة أو نقص تدعو إليه ضرورة السجع، حتّى لو حصلت زيادة أو نقص بسبب السجع دون المعنى، خرج السجع عن حيّز المدح إلى حيز الذم. ومنها أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادّة، لا غثّة ولا باردة، مونقة المعنى حسنة التركيب، غير قاصرة على صورة السجع الذي هو تواطؤ الفقر، فيكون كمن نقش أثوابا من الكرسف «١» ، أو نظم عقدا من الخرز الملوّن. قال في «المثل السائر» : وهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد. قال: ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا، ولولا ذلك كان كل أديب سجّاعا، إذ ما منهم من أحد إلا وقد يتيسر عليه تأليف ألفاظ مسجوعة في الجملة. ومنها أن تكون كلّ واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالّة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها، لأنّ اشتمال السجعتين على معنى واحد يمكن أن يكون في إحداهما بمفردها هو عين التطويل المذموم في الكلام، وهو الدلالة على

стр. 875

المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها على ما هو مقرّر في علم البيان. قال في «المثل السائر» : فلا يكون مثل قول الصابي «١» في وصف مدبّر: «يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح» ولو قال: يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويثخن الجراح في عدوّه وسيفه في الغمد لم يجرح، لسلم من هجنة التكرار، فإنه تصير كل سجعة محتوية على معنى بحياله. ومنها أن يقع التحسين في نفس الفواصل، كقولهم: إذا قلّت الأنصار، كلّت الأبصار؛ وقولهم: ما وراء الخلق الدّميم، إلّا الخلق الذميم، ونحو ذلك. ومنها أن يقع في خلال السجعة الطويلة قرائن قصار فتكون سجعا في سجع، كقوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «٢» . وقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ «٣» فإن قوله: عَلى أَمْوالِهِمْ . وقوله: عَلى قُلُوبِهِمْ سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ . وقوله: بِآخِذِيهِ وقوله: تُغْمِضُوا فِيهِ سجعتان داخلتان في السجعة التي آخرها غَنِيٌّ حَمِيدٌ وعدّ العسكريّ منه قولهم «٤» : عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا. وأما قبحه فيعتبر بأمور: منها التجميع، وهو أن تكون فاصلة الجزء الأوّل بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثاني كما حكى قدامة «٥» أن كاتبا كتب في جواب كتاب: وصل كتابك

стр. 876

فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف فضلك «١» لم يبق شيئا منه؛ فإن العبودية بعيدة عن مشاكلة منه. ومنها التطويل، فيما ذكر قدامة وغيره: وهو أن يجيء الجزء الأوّل طويلا فيحتاج إلى إطالة الثاني بالضرورة، كما حكى قدامة أن كاتبا كتب في تعزية: إذا كان للمحزون في لقاء مثله كبير الراحة في العاجل، وكان طويل «٢» الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. قال في «الصناعتين» : وذلك أنه لما أطال الجزء الأوّل، وعلم أن الجزء الثاني ينبغي أن يكون مثله أو أطول، احتاج إلى تطويل الثاني فأتي باستكراه وتكلف. قال في «موادّ البيان» : والإطالة بقوله «وغير زائل» . الأصل الخامس حسن الاتباع، والقدرة على الاختراع واعلم أن لكاتب الإنشاء مسلكين: المسلك الأوّل طريقة الاتباع وهي نظر الكاتب في كلام من تقدّمه من الكتّاب، وسلوك منهجهم، واقتفاء سبيلهم، وسماها ابن الأثير التقليد، وهي على صنفين: الصنف الأوّل الاتباع في الألفاظ وهو اعتماد الكاتب على ما رتبه غيره من الكتّاب، وأنشأه سواه من أهل صناعة النثر، بأن يعمد إلى ما أنشأه أفاضل الكتّاب ورتبه علماء الصناعة: من نثر أو نظم، فيأخذه برمّته، ويأتي عليه بصيغته؛ وغايته أن يكون ناسخا ناقلا لكلام غيره،

стр. 877

حاكيا له. ولمثل ذلك توضع الدساتر، وتدوّن الدواوين؛ على أنه ربما غيّر وبدّل، وحرّف وصحّف، وأزال اللفظ عن وضعه؛ وأحال المعنى عن حكمه؛ وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته، فعدل إلى كلام غيره، فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات، ورتب بعضها على بعض حتّى تقوم بمقصوده، وينتهي إلى مراده. فإن كان لطيف الذوق، حسن الاختيار، رائق الترتيب، فاختار من خلال السجع لطيفه، وأحسن رصفه وتأليفه، جاء بهجا رائقا، لأنه أتى من كل كلام بأحسنه، إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر، وتفريق ما دوّن من كلام الأفاضل وتبديد شمله، وخروج الكلام عن أن يعرف قائله، ويعلم منشئه، فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه، وينسج على منواله. وإن لم يكن لطيف الذوق، ولا حسن الاختيار، جاء مالفقّه من كلام غيره رثّا ركيكا، نابيا عن الذوق، بعيدا عن الصنعة، يعاد من النسخ إلى المسخ، وأخرج الكلام عن موضوعه، وأفسده في وضعه وتركيبه، فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامّة الكبرى، والمصيبة العظمى؛ ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته، محتجّا في ذلك بقول الحريري: «إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق، وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق» ظانّا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة، وفقرات مؤلّفة بعضها إلى بعض، ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها، وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتّان ما بين التلفيقين، وبعدا لما بين الطريقين: وللزّنبور والبازي جميعا ... لدى الطّيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزّنبور فرق وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا، فما ظنّك بمن يأخذ الكلام برمته، واللفظ بصورته، فيصير ناسخا لكلام غيره، وناقلا له! فأيّ فضيلة في ذلك؟

стр. 878

وقد قيل: من أخذ معنى بلفظه كان سارقا «١» ، ومن أخذ بعض لفظه كان سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده كان أولى به ممن تقدّمه، وأين من هو أولى بالشيء ممن سبقه إليه ممن يعدّ سارقا وسالخا؟ ويقال إن أبا عذرة «٢» الكلام من سبك لفظه على معناه، ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب. هذا فيمن أخذ سجعة أو سجعتين في خطبة أو رسالة، أو بيتا أو بيتين في قصيدة وما قارب ذلك؛ أما من أخذ القصيدة بكمالها، أو الخطبة أو الرسالة برمّتها، أو لفّقها من خطب أو رسائل فذاك إنما يعدّ ناسخا إن أحسن النقل، أو ماسخا إن أفسده. واعلم أن الناثر الماهر، والشاعر المفلق قد يأتي بكلام سبقه إليه غيره، فيأتي بالبيت من الشعر، أو القرينة من النثر، أو أكثر من ذلك بلفظ الأوّل من غير زيادة ولا نقصان، أو بتغيير لفظ يسير، وهذا هو الذي يسميه أهل هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر. وقد سئل أبو عمرو بن العلاء «٣» عن الشاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين: القسم الأوّل ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا . كقول الفرزدق: وغرّ قد وسقت مشمّرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا

стр. 879

بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغر ... غرائبهنّ تنتسب انتسابا بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا ووافقه جرير فقال مثل ذلك من غير زيادة ولا نقص. ويروى أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد ابن عباس ﵁: تشطّ غدا دار جيراننا فقال ابن عباس ﵁: وللدّار بعد غد أبعد فقال عمر: والله ما قلت إلا كذلك. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» : وأنشدت الصاحب إسماعيل بن عبّاد ﵀: كانت سراة الناس تحت أظلّه «١» فسبقني وقال: فغدت سراة الناس فوق سراته وكذلك كنت قلت: قال الوزير ضياء الدين بن الأثير ﵀ في كتابه «المثل السائر» : ويحكى أن امرأة من عقيل يقال لها ليلى كان يتحدّث إليها الشّباب، فدخل الفرزدق إليها وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك فقال للفتى: أتصارعني؟ فقال: ذاك إليك، فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط، فوثب الفتى عنه وقال: يا أبا فراس هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت ما جرى، قال: وحيك! والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، (يعني جريرا) وقد بلغه خبري فقال يهجوني: جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون

стр. 880

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شدّ جربان الدّلاص قيون «١» فما مضى إلا أيام حتّى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين. قال: وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه؛ قال في «الصناعتين» : وإذا كان القوم في قبيلة واحدة، في أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة. قال في «المثل السائر» : ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. قال: وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدّم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده، علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه؛ وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ؟ وكلام العسكريّ في «الصناعتين» يوافقه بالعتب على المتأخر، وإن ادّعى أنه لم يسمع كلام الأوّل في مثل ذلك. القسم الثاني ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ، وهو على ضربين الضرب الأوّل ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ كقول امرىء القيس: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل وقول طرفة: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
следующие страницы →