← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف فضلك «١» لم يبق شيئا منه؛ فإن العبودية بعيدة عن مشاكلة منه. ومنها التطويل، فيما ذكر قدامة وغيره: وهو أن يجيء الجزء الأوّل طويلا فيحتاج إلى إطالة الثاني بالضرورة، كما حكى قدامة أن كاتبا كتب في تعزية: إذا كان للمحزون في لقاء مثله كبير الراحة في العاجل، وكان طويل «٢» الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. قال في «الصناعتين» : وذلك أنه لما أطال الجزء الأوّل، وعلم أن الجزء الثاني ينبغي أن يكون مثله أو أطول، احتاج إلى تطويل الثاني فأتي باستكراه وتكلف. قال في «موادّ البيان» : والإطالة بقوله «وغير زائل» . الأصل الخامس حسن الاتباع، والقدرة على الاختراع واعلم أن لكاتب الإنشاء مسلكين: المسلك الأوّل طريقة الاتباع وهي نظر الكاتب في كلام من تقدّمه من الكتّاب، وسلوك منهجهم، واقتفاء سبيلهم، وسماها ابن الأثير التقليد، وهي على صنفين: الصنف الأوّل الاتباع في الألفاظ وهو اعتماد الكاتب على ما رتبه غيره من الكتّاب، وأنشأه سواه من أهل صناعة النثر، بأن يعمد إلى ما أنشأه أفاضل الكتّاب ورتبه علماء الصناعة: من نثر أو نظم، فيأخذه برمّته، ويأتي عليه بصيغته؛ وغايته أن يكون ناسخا ناقلا لكلام غيره،

стр. 877

حاكيا له. ولمثل ذلك توضع الدساتر، وتدوّن الدواوين؛ على أنه ربما غيّر وبدّل، وحرّف وصحّف، وأزال اللفظ عن وضعه؛ وأحال المعنى عن حكمه؛ وبعضهم ربما حملته الأنفة والخوف من أن يقال أخذ كلام فلان برمته، فعدل إلى كلام غيره، فالتقط من كل مكان سجعتين أو سجعات، ورتب بعضها على بعض حتّى تقوم بمقصوده، وينتهي إلى مراده. فإن كان لطيف الذوق، حسن الاختيار، رائق الترتيب، فاختار من خلال السجع لطيفه، وأحسن رصفه وتأليفه، جاء بهجا رائقا، لأنه أتى من كل كلام بأحسنه، إلا أن فيه إخراج الكلام عن وضعه الذي قصده الناثر، وتفريق ما دوّن من كلام الأفاضل وتبديد شمله، وخروج الكلام عن أن يعرف قائله، ويعلم منشئه، فيقع من القلوب بمكان صاحبه ويهتدي بهديه، وينسج على منواله. وإن لم يكن لطيف الذوق، ولا حسن الاختيار، جاء مالفقّه من كلام غيره رثّا ركيكا، نابيا عن الذوق، بعيدا عن الصنعة، يعاد من النسخ إلى المسخ، وأخرج الكلام عن موضوعه، وأفسده في وضعه وتركيبه، فإن صحبه التصحيف والتحريف فتلك الطامّة الكبرى، والمصيبة العظمى؛ ثم لا يكتفي بذلك حتى يتبجح به ويعتقد أن ذلك عين الإنشاء وحقيقته، محتجّا في ذلك بقول الحريري: «إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق، وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق» ظانّا أن التفليق هو ضم سجعات منتظمة، وفقرات مؤلّفة بعضها إلى بعض، ولم يعلم أن المراد بالتلفيق ضم لفظة إلى أختها، وإضافة كلمة إلى مشاكلتها وشتّان ما بين التلفيقين، وبعدا لما بين الطريقين: وللزّنبور والبازي جميعا ... لدى الطّيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزّنبور فرق وقد عابوا أخذ المعنى إذا كان ظاهرا مكشوفا، فما ظنّك بمن يأخذ الكلام برمته، واللفظ بصورته، فيصير ناسخا لكلام غيره، وناقلا له! فأيّ فضيلة في ذلك؟

стр. 878

وقد قيل: من أخذ معنى بلفظه كان سارقا «١» ، ومن أخذ بعض لفظه كان سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده كان أولى به ممن تقدّمه، وأين من هو أولى بالشيء ممن سبقه إليه ممن يعدّ سارقا وسالخا؟ ويقال إن أبا عذرة «٢» الكلام من سبك لفظه على معناه، ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب. هذا فيمن أخذ سجعة أو سجعتين في خطبة أو رسالة، أو بيتا أو بيتين في قصيدة وما قارب ذلك؛ أما من أخذ القصيدة بكمالها، أو الخطبة أو الرسالة برمّتها، أو لفّقها من خطب أو رسائل فذاك إنما يعدّ ناسخا إن أحسن النقل، أو ماسخا إن أفسده. واعلم أن الناثر الماهر، والشاعر المفلق قد يأتي بكلام سبقه إليه غيره، فيأتي بالبيت من الشعر، أو القرينة من النثر، أو أكثر من ذلك بلفظ الأوّل من غير زيادة ولا نقصان، أو بتغيير لفظ يسير، وهذا هو الذي يسميه أهل هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر. وقد سئل أبو عمرو بن العلاء «٣» عن الشاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. والواقع من ذلك في كلامهم على قسمين: القسم الأوّل ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا . كقول الفرزدق: وغرّ قد وسقت مشمّرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا

стр. 879

بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغر ... غرائبهنّ تنتسب انتسابا بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا ووافقه جرير فقال مثل ذلك من غير زيادة ولا نقص. ويروى أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد ابن عباس ﵁: تشطّ غدا دار جيراننا فقال ابن عباس ﵁: وللدّار بعد غد أبعد فقال عمر: والله ما قلت إلا كذلك. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين» : وأنشدت الصاحب إسماعيل بن عبّاد ﵀: كانت سراة الناس تحت أظلّه «١» فسبقني وقال: فغدت سراة الناس فوق سراته وكذلك كنت قلت: قال الوزير ضياء الدين بن الأثير ﵀ في كتابه «المثل السائر» : ويحكى أن امرأة من عقيل يقال لها ليلى كان يتحدّث إليها الشّباب، فدخل الفرزدق إليها وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك فقال للفتى: أتصارعني؟ فقال: ذاك إليك، فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط، فوثب الفتى عنه وقال: يا أبا فراس هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت ما جرى، قال: وحيك! والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، (يعني جريرا) وقد بلغه خبري فقال يهجوني: جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون

стр. 880

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شدّ جربان الدّلاص قيون «١» فما مضى إلا أيام حتّى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين. قال: وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه؛ قال في «الصناعتين» : وإذا كان القوم في قبيلة واحدة، في أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة. قال في «المثل السائر» : ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. قال: وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدّم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده، علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه؛ وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ؟ وكلام العسكريّ في «الصناعتين» يوافقه بالعتب على المتأخر، وإن ادّعى أنه لم يسمع كلام الأوّل في مثل ذلك. القسم الثاني ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ، وهو على ضربين الضرب الأوّل ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ كقول امرىء القيس: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل وقول طرفة: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد

стр. 881

فالتخالف بينهما في كلمة القافية فقط. وقول البعيث «١» : أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها؟ وقول الفرزدق: أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها؟ فالتخالف بينهما في موضعين من البيت، كلمة القافية واسم القبيلة. وقول بعض المتقدّمين يمدح معبدا صاحب الغناء: أجاد طويس والسّريجيّ بعده ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «٢» وقول «٣» الفرزدق بعده: محاسن أصناف المغنّين جملة ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «٤» فاتفقا في النصف الثاني واختلفا في النصف الأوّل، إلى غير ذلك من الأشعار التي وقعت خواطر الشعراء عليها، وتوافقت عقولهم عندها.

стр. 882

الضرب الثاني ما اتفق فيه المعنى مع يسير اللفظ «١» فمن ذلك قول البحتريّ في وصف غلام: فوق ضعف الصغير «٢» إن وكل الأمر ... إليه، ودون كيد الكبار «٣» أخذه من قول أبي نواس: لم يجف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصّغر وقول أبي تمّام: لم أمدحك تفخيما بشعري ... ولكنّي مدحت بك المديحا أخذه من قول حسان بن ثابت يمدح النبيّ ﷺ : ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمّد «٤» وقول أبي الطّيّب: أين أزمعت أيّها ذا الهمام ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام أخذه من قول بشّار: كأنّ الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار الصنف الثاني التقليد في المعاني وهذا مما لا يستغني عنه ناظم ولا ناثر. قال أبو هلال العسكريّ ﵀ في

стр. 883

كتابه «الصناعتين» : ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصّبّ على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم، ويوردوها في غير حليتها الأولى، ويزيدوا عليها في حسن تأليفها وجودة تركيبها، وكمال حليتها ومعرضها، فإذا فعلوا ذلك فهم أولى بها ممن سبق إليها. قال: ولولا أن القائل يؤدّي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول، وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين؛ وقد قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: لولا أن الكلام يعاد لنفد. ومن كلام بعضهم: كل شيء إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك إذا ثنيته طال، والمعاني مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيّد للسّوقيّ والنّبطيّ والزّنجيّ. وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها، وتأليفها ونظمها، وقد أطبق المتقدّمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، فليس على أحد فيه عيب إلا إذا أخذه بكل لفظه، أو أفسده في الأخذ وقصّر فيه عمن تقدّمه. قال في «الصناعتين» : وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخر وطلب الشركة فيه معه، إلا بيت عنترة: وخلا الذّباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنّم «١» هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم «٢» فإنه ما نوزع فيه على جودته. قال: وقد رامه بعض المحدثين «٣» فاتضح مع العلم بأن ابتكار المعنى والسبق إليه ليس فيه فضيلة ترجع إلى المعنى، وإنما ترجع الفضيلة فيه إلى الذي ابتكره وسبق إليه؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه،

стр. 884

والوسط وسط والرديء رديء وإن لم يكن مسبوقا إليهما. على أن بعض علماء الأدب قد ذهب إلى أنه ليس لأحد من المتأخرين معنى مبتدع، محتجّا لذلك بأن قول الشعر قديم مذ نطق باللغة العربية، وأنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا. قال في «المثل السائر» : والصحيح أن باب الابتداع مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له؟ إلا أنّ من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأوّل قبل آخر لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأوّل، كقولهم في الغزل: عفت الديار وما عفت ... آثارهنّ من القلوب وقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر أو كالسّحاب، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود بماله من غير مسألة؛ وأشباه ذلك. وقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أوّل حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإنّ بعد هذا الذاهب لا يعدّ للمنيّة ذنب، وما أشبه ذلك. وكذلك سائر المعاني الظاهرة التي تتوارد عليها الخواطر من غير كلفة، ويستوي في إيرادها كلّ بارع. قال: ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأوّل، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمّام: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والباس فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس فإن هذا معنى ابتداعه مخصوص بأبي تمّام، وذلك أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السنيية التي مطلعها: ما في وقوفك ساعة من باس انتهى إلى قوله منها:

стр. 885

إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس «١» فقال الحكيم الكنديّ: وأيّ فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق أبو تمّام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إيّاه بعمرو وحاتم وإياس. فالحال يشهد بابتداعه هذا المعنى، فمن أتى بعده بهذا المعنى أو بجزء منه كان سارقا له، وكذلك كلّ ما جرى هذا المجرى. ولم يزل الشعراء والخطباء يقتبسون من معاني من قبلهم، ويبنون على بناء من تقدّمهم. فمما وقع للشعراء من ذلك قول أبي تمّام: خلقنا رجالا للتّجلّد «٢» والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم أخذه من قول عبد الله بن الزّبير لما قتل مصعب بن الزبير: وإنما التسليم والسّلو لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربّات الحجال؛ وقوله أيضا: تعجّب «٣» أن رأت جسمي نحيفا «٤» ... كأنّ المجد يدرك بالصّراع أخذه من قول زياد ابن أبيه لأبي الأسود الدؤلي: لولا أنك ضعيف لاستعملتك، وقول أبي الأسود له في جواب ذلك: إن كنت تريدني للصّراع فإني لا أصلح له، وإلا فغير شديد أن آمر وأنهى، وقوله من قصيدة البيت المتقدّم: أطال يدي على الأيّام حتّى ... جزيت صروفها «٥» صاعا بصاع أخذه من قول أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه:

стр. 886

فإن تقتلا أو يمكن الله منكما «١» ... نكل لكما «٢» صاعا بصاع المكايل وقول أبي الطّيّب المتنبي: وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام أخذه من قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة. وقول الخاسر «٣» : من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور أخذه من قول بشّار: من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج فلما سمع بشّار بيت الخاسر قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي. ومثل هذا وأشباهه مما لا ينحصر كثرة، ولا يكاد أن يخلو عنه بيت إلا نادرا. ومما وقع للكتّاب من ذلك ما كتب به إبراهيم بن العبّاس من قوله في فصل من كتاب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسيء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن في الإحسان رغبة، وانقاد المسيء للحقّ رهبة. أخذه من قول عليّ كرم الله وجهه: يجب على الوالي أن يتعهّد أموره، ويتفقّد أعوانه، حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء، ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل. وما كتب به بعض الكتّاب في فصل وهو: لو سكت لساني عن شكرك، لنطق

стр. 887

أثرك عليّ. وفي فصل آخر: ولو جحدتك إحسانك، لأكذبتني آثارك، ونمّت عليّ شواهدها؛ أخذه من قول نصيب: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «١» وما كتب به أحمد بن يوسف «٢» من فصل وهو: أحقّ من أثبت لك العذر في حال شغلك، من لم يخل ساعة من برّك في وقت فراغك. أخذه من قول عليّ ﵁: لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أولي، ويلتمس الزيادة فيما بقي. والاقتباس من الأحاديث والآثار كثير، وقد تقدّم الكلام عليه قبل ذلك. قال في «الصناعتين» : ومن أخفى أسباب السرقة أن يأخذ معنى من نظم فيورده في نثر، أو من نثر فيورده في نظم، أو ينقل المعنى المستعمل في صفة خمر فيجعله في مديح، أو في مديح فينقله إلى وصف؛ إلا أنه لا يصل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم. وقال في «المثل السائر» : أشكل سرقات المعاني، وأدقّها وأغربها، وأبعدها مذهبا، أن يؤخذ المعنى مجرّدا من اللفظ. قال: وذلك مما يصعب جدّا ولا يكاد يأتي إلا قليلا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. فمن ذلك قول أبي تمّام في المدح: فتى مات بين الضّرب والطّعن ميتة ... تقوم مقام النّصر إذ فاته النّصر أخذه من قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح

стр. 888

ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح فعروة جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، وأبو تمّام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدوّ قائما مقام الانتصار؛ قال في «المثل السائر» : وكلا المعنيين واحد، غير أن اللفظ مختلف. وأظهر من ذلك أخذا قول القائل: وقد عزّى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود أخذه من قول ابن المقفّع في باب المراثي من الحماسة: وقد جرّ نفعا فقدنا لك أننا ... أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع على أنه ربما وقع للمتأخر معنى سبقه إليه من تقدّمه من غير أن يلمّ به المتأخر ولم يسمعه؛ ولا استبعاد في ذلك كما يستبعد اتفاق اللفظ والمعنى جميعا. قال أبو هلال العسكريّ: وهذا أمر قد عرفته من نفسي فلا أمتري فيه، وذلك أني كنت عملت شيئا في صفة النساء فقلت: سفرن بدورا وانتقبن أهلّة وظننت أني لم أسبق إلى جمع هذين التشبيهين حتّى وجدت ذلك بعينه لبعض البغداديين فكثر تعجبي، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخر بالسرقة من المتقدّم حكما حتما. إذا تقرر ذلك فسرقة المعنى المجرّد عن اللفظ لا تخرج عن اثني عشر «١» ضربا. الضرب الأوّل أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إيّاه . قال في «المثل

стр. 889

السائر» : وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة، ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول المتنبي: وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشّهادة لي بأنّي كامل «١» وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض «٢» شعراء الحماسة، وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول: لقد زادني حبّا لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امريء غير طائل «٣» قال في «المثل السائر» : والمعرفة بأنّ هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبيّن إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر، وغاص على استخراج المعاني. قال: وبيان ذلك أن الأوّل يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إيّاي قد زاد نفسي حبّا إليّ، أي قد جمّلها في عيني وحسّنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي؛ والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده. وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتريّ في قصيدة «٤» يفخر فيها بقومه: شيخان قد ثقل السّلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر

стр. 890

ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر أخذه من قول أبي تمّام في وصف جمل: رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه فأبو تمّام ذكر أن الجمل رعى الأرض، ثم سار فيها فرعته أي أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها؛ والبحتريّ نقله إلى وصف الرجل بعلوّ السنّ والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال، ثم صار يركب الرّمح أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ الكبير. وأوضح من ذلك وأكثر بيانا في الأخذ قول البحتريّ أيضا: أعاتك ما كان الشّباب مقرّبي ... إليك فألحى الشّيب إذ هو مبعدي «١» أخذه من قول أبي تمّام: لا أظلم النّأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النّوى عندي نوى قذفا «٢» الضرب الثاني أن يؤخذ المعنى فيعكس «٣» ؛ قال في «المثل السائر» : وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حدّ السرقة.

стр. 891

فمن ذلك قول أبي نواس: قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبّة لؤلؤ لم تثقب؟ وقول ابن الوليد في عكسه: إن المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزّمام وتركبا والدّرّ ليس بنافع أربابه ... حتّى يزيّن بالنّظام ويثقبا ومنه قول ابن جعفر: ولمّا بدا لي أنها لا تريدني ... وأنّ هواها ليس عنّي بمنجلي؟ تمنّيت أن تهوى سواي لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لي وقول غيره في عكسه: ولقد سرّني صدودك عنّي ... في طلابيك، وامتناعك مني حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت، كنت التّمنّي أما ابن جعفر فإنه ألقى عن منكبيه رداء الغيرة؛ وأما الآخر فإنه جاء بالضدّ من ذلك وبالغ غاية المبالغة. ومنه قول أبي الشّيص «١» : أجد الملامة في هواك لذيذة «٢» ... شغفا بذكرك، فليلمني اللّوّم وقول أبي الطيب في عكسه: أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه

стр. 892

ومنه قول أبي تمّام: ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم وقول الوزير ضياء الدين بن الأثير في عكسه: لولا الكرام وما سنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح الضرب الثالث أن يؤخذ بعض المعنى دون بعض «١» فمن ذلك قول أميّة بن أبي الصّلت يمدح عبد الله بن جدعان «٢» : عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... ببذل، وما كلّ العطاء يزين «٣» وقول أبي تمّام بعده: تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتّى رأيت سؤالا يجتنى شرفا فأمية بن أبي الصّلت أتى بمعنيين أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن عطاء غيرك ليس بزين، وأبو تمّام أتى بالمعنى الأوّل فقط. ومنه قول عليّ بن جبلة «٤» :

стр. 893

وأثّل ما لم يحوه متقدّم ... وإن نال منه آخر فهو تابع وقول أبي الطّيّب بعده: ترفّع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا «١» فابن جبلة أتى بمعنيين، أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدّمه، وإن نال الآخر شيئا فهو مقتد به وتابع له؛ وأبو الطّيّب أتى بالمعنى الأوّل فقط، وهو أنه فعل ما لم يفعله غيره مشيرا إلى ذلك بقوله: فما يفعل الفعلات إلا عذاريا أي يستبكرها ويزيل عذرتها. ومنه قول الآخر: أنتج الفضل أو تخلّ عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم وقول البحتريّ بعده: ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف فالبحتريّ اقتصر على بعض المعنى ولم يستوفه. الضرب الرابع أن يؤخذ المعنى فيزداد عليه معنى آخر «٢» . قال في «المثل السائر» : وهذا النوع من السّرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره. فمن ذلك قول الأخنس بن شهاب:

стр. 894

إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وقول مسلم بن الوليد بعده: إن قصر الرّمح لم نمش الخطا عددا ... أو عرّد السيف لم نهمم بتعريد أخذ مسلم المعنى الذي أورده الأخنس «١» وهو وصل السلاح إذا قصر بالخطا إلى العدوّ وزاد عليه عدم تعريدهم أي فرارهم إذا عرّد السيف. ومنه قول جرير في وصف أبيات من شعره: غرائب «٢» آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما وقول أبي تمام بعده: غرائب «٣» لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب فزاد أبو تمام على جرير قران ذلك بالممدوح ومدحه مع الأبيات. ومنه قول المعذّل بن غيلان «٤» : ولست «٥» بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر وقول أبي تمام بعده: يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سودد ... ولو برزت في زيّ عذراء ناهد

стр. 895

فزاد عليه قوله: ولو برزت في زيّ عذراء ناهد ومما اتفق لي نظمه في هذا الباب أنه لما عمّرت مدرسة «١» الظاهر برقوق بين القصرين بالقاهرة المحروسة، وكان القائم بعمارتها الأمير جركس الخليليّ أميراخور «٢» الظاهريّ، وكان قد اعتمد بناءها بالصّخور العظيمة التي لا تقلّها الجمال حملا، ولا تحمل إلا على العجل الخشب، فأولع الشعراء بالنظم في هذا المعنى؛ فنظم بعض الشعراء أبياتا عرّض فيها بذكر الخليليّ وقيامه في عمارتها، ثم قال في آخرها: وبعض خدّامه طوعا لخدمته ... يدعو الصّخور فتأتيه على عجل وألزمني بعض الإخوان بنظم شيء في المعنى، فوقع لي أبيات من جملتها: وبالخليليّ قد راجت عمارتها ... في سرعة بنيت من غير ما مهل كم أظهرت عجبا أسواط حكمته ... وقد غدت مثلا ناهيك من مثل وكم صخور تخال الجنّ تنقلها ... فإنّها بالوحا تأتي وبالعجل فزدت عليه ذكر الوحا الذي معناه السرعة أيضا وصار مطابقا لما يأتي به المعزّمون في عزائمهم من قولهم: الوحا الوحا العجل العجل مع ما تقدّم له من التوطئة بقولي: تخال الجنّ تنقلها. على أني لست من فرسان هذا الميدان، ولا من رجال هذا الوغى. الضرب الخامس أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى ؛ قال في «المثل

стр. 896

السائر» : وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة؛ فمن ذلك قول أبي تمام: إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا أخذه البحتريّ فقال: قلّ الكرام فصار يكثر فذّهم ... ولقد يقلّ الشيء حتّى يكثرا ومنه قول أبي نواس: يدلّ على ما في الضّمير من الفتى ... تقلّب عينيه إلى شخص من يهوى «١» وقول أبي الطيب بعده: وإذا خامر الهوى قلب صبّ ... فعليه لكلّ عين دليل ومنه قول أبي العلاء بن سليمان «٢» في مرثيّة: وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنّها في وجهه أثر اللّطم وقول القيسرانيّ «٣» بعده: وأهوى الّذي يهوي له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر التّرب ومنه قول ابن الروميّ: إذا شنأت عين امريء شيب نفسه ... فعين سواه بالشّناءة أجدر وقول من بعده:

стр. 897

إذا كان شيبي بغيضا إليّ ... فكيف يكون إليها حبيبا الضرب السادس أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا ، قال في «المثل السائر» : وهو من أحسن السرقات: لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول وسعة باعه في البلاغة، فمن ذلك قول أبي تمام: برّزت في طلب المعالي واحدا ... فيها تسير مغوّرا أو منجدا عجبا بأنّك سالم من وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردا وقول ابن الرومي بعده: غرّبته الخلائق الزّهر في النّا ... س وما أوحشته بالتّعريب فأخذ معنى البيتين في بيت واحد، ومنه قول أبي العتاهية: وإنّي لمعذور على فرط حبّها ... لأنّ لها وجها يدلّ على عذري أخذه أبو تمام فقال: له وجه إذا أبصرته ... ناجاك عن عذري فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز؛ ومنه قول أبي تمام يمدح أحمد بن سعيد: كانت مساءلة الرّكبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر حتّى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري أخذه أبو الطيب فأوجز في أخذه فقال: وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر «١»

стр. 898

ومن قول بعض الشعراء: أمن خوف فقر تعجّلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع؟ فصرت الفقير وأنت الغنيّ ... وما كنت تعدو الذي تصنع أخذه أبو الطيب فقال: ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر «١» الضرب السابع زيادة البيان مع المساواة في المعنى ، بأن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه، فمن ذلك قول أبي تمام: هو الصّنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللرّيث في بعض المواطن أنفع أخذه أبو الطيب فقال: ومن الخير بطء سيبك عنّي ... أسرع السّحب في المسير الجهام فزاده وضوحا بضرب المثال له بالجهام وهو السحاب الذي لا مطر فيه. ومنه قول أبي تمام أيضا: قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدّة التّعبيس مبتسما أخذه أبو الطيب فقال: وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يد فرّاسة وفم

стр. 899

إذا رأيت نيوب اللّيث بارزة ... فلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم «١» فضرب له مثالا بظهور أنياب الليث فزاده وضوحا. ومنه قول أبي تمام أيضا: وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتّى يجاورها الزّمان بحال أخذه البحتريّ فقال: وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيّب وحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من اللّيل غيهب فضرب له مثالا بالكواكب في ظلام الليل فأوضحه وزاده حسنا. الضرب الثامن اتحاد الطريق واختلاف المقصود ، مثل أن يسلك الشاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر. فمن ذلك قول النابغة: إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير يهتدي بعصائب جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب وهذا المعنى قد توارده الشعراء قديما وحديثا وأوردوه بضروب من العبارات، فقال أبو نواس: يتوخّى الطّير غزوته ... ثقة باللّحم من جزره وقال مسلم بن الوليد: قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل

стр. 900

وقال أبو تمام: وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدّماء نواهل «١» أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنها لا تقاتل «٢» وكل هؤلاء قد أتوا بمعنى واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز. قال: ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذا الطريق مع اختلاف مقصده إلا مسلم بن الوليد فقال: أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير لو حاكمتك فطالبتك بذحلها «٣» ... شهدت عليك ثعالب ونسور فهذا قد فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، ولما انتهى الأمر إلى أبي الطيب سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدّمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره فقال: سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه «٤» فحوى طرفي الإغراب والإعجاب. الضرب التاسع بياض بالأصل «٥» .

стр. 901

الضرب العاشر أن يكون المعنى عامّا فيجعل خاصّا أو خاصّا فيجعل عامّا ، وهو من السرقات التي يسامح صاحبها؛ فأما جعل العامّ خاصّا فمن ذلك قول الأخطل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «١» أخذه أبو تمام فقال: أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا فالأخطل نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا فجاء بالخلق منكّرا فجعله شائعا في بابه، وأبو تمام خصّص ذلك بالبخل وهو خلق واحد من جملة الأخلاق. وأما جعل الخاص عامّا، فمن ذلك قول أبي تمام: ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعن الدّرّ والضّرع حافل «٢» أخذه أبو الطيب فجعله عامّا فقال: وما يؤلم الحرمان من كفّ حارم ... كما يؤلم الحرمان من كفّ رازق الضرب الحادي عشر قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة . قال في «المثل السائر» : وهذا لا

стр. 902

يسمى سرقة بل يسمّى إصلاحا وتهذيبا، فمن ذلك قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللّعب بالكرة والصّولجان فقال من جملتها: جنّ على جنّ وإن كانوا بشر ... كأنّما خيطوا عليها بالإبر أخذه المتنبي فقال: فكأنّها نتجت قياما تحتهم ... وكأنّهم خلقوا على صهواتها «١» فهذا في غاية العلوّ والارتقاء بالنسبة إلى قول أبي نواس، ومنه قول أبي الطّيب: لو كان ما تعطيهمو من قبل أن ... تعطيهمو لم يعرفوا التّأميلا وقول ابن نباتة السعديّ: لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل فكلام ابن نباتة أحسن في الصورة من كلام المتنبي هنا وإن كان مأخوذا منه «٢» . الضرب الثاني عشر قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة ، وهو الذي يعبّر عنه أهل هذه الصناعة بالمسخ، وهو من أرذل السرقات وأقبحها، فمن ذلك قول أبي تمام:

стр. 903

فتى لا يرى أنّ الفريصة مقتل ... ولكن يرى أنّ العيوب مقاتل أخذه أبو الطيب فمسخه فقال: يرى أنّ ما بان منك لضارب ... بأقتل ممّا بان منك لعائب ومنه قول عبد السلام بن رغبان «١» : نحن نعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والصّبر مستقبل أخذه أبو الطيب فمسخه فقال من أبيات: وبألفاظك أهتدي فإذا عزّا ... ك قال الّذي له قلت قبلا «٢» المسلك الثاني طريقة الاختراع قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» : فهي ألّا يتصفح كتابة المتقدّمين ولا يطّلع على شيء منها، بل يصرف همّته إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدّة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من القرآن والأخبار النبوية والأشعار فيقوم ويقع، ويخطىء ويصيب، ويضلّ ويهتدي، حتّى يستقيم إلى طريق يفتتحها لنفسه؛ وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدّمين فيها! قال: وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعدّ إماما في الكتابة كما يعدّ الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من المجتهدين في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، لا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجّاما، وخاطرا

стр. 904

رقّاما «١» . قال: ولا أريد بهذا الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار، بحيث أنه لا ينشيء كتابا إلا في ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم، وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلع على معانيه، مفتش على دفائنه، وقلبه ظهرا لبطن، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية. على أنه لا بدّ للكاتب المرتقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة مع حفظ القرآن الكريم، والاستكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار المختارة، من العلم بأدوات الكتابة وآلات البيان: من علم اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، ليتمكن من التصرف في اقتباس المعاني واستخراجها فيرقى إلى درجة الاجتهاد في الكتابة؛ كما أن المجتهد من الفقهاء إذا عرف أدوات الاجتهاد: من آيات الأحكام، وأحاديثها، ونعتها، وعرف النحو والناسخ والمنسوخ من الكتاب والسّنّة، والحساب والفرائض وإجماع الصحابة، وغير ذلك من آلات الاجتهاد وأدواته، استخرج بفكره حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده؛ فالمجتهد في الكتابة يستخرج المعاني من مظانّها من القرآن الكريم، والأخبار النبوية، والأشعار، والأمثال، وغير ذلك بواسطة آلة الاجتهاد، كما أن المجتهد في الفقهيات يستخرج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة بواسطة آلة الاجتهاد. فإذا أراد الكاتب المتصف بصفة الاجتهاد في الكتابة إنشاء خطبة أو رسالة أو غيرهما مما يتعلق بفنّ الانشاء بياض بالأصل. الأصل السادس وجود الطبع السليم، وخلو الفكر عن المشوش أما وجود الطبع فقال في «موادّ البيان» : أوّل معاون هذه الصناعة الجليلة

стр. 905

القريحة الفاضلة، والغريزة الكاملة، التي هي مبدأ الكمال، ومنشأ التمام، والأساس الذي يبنى عليه، والركن الذي يستند إليه، فإن المرء قد يجتهد في تحصيل الآداب، ويتوفّر على اقتناء العلوم واكتسابها، وهو مع ذلك غير مطبوع على تأليف الكلام فلا يفيده ما اكتسبه، بخلاف المطبوع على ذلك، فإنه وإن قصّر في اقتباس العلوم واكتساب الموادّ فقد يلحق بأوساط أهل الصناعة؛ وذلك أن الطبع يخص الله تعالى به المطبوع دون المتطبّع، والمناسب بغزيرته للصناعة دون المتصنّع، ولا سبيل إلى اكتساب سهولة الطبع ولا كزازته «١» ، بل هو موهبة تخصّ ولا تعمّ، وتوجد في الواحد وتفقد في الآخر. قال ابن أبي الأصبع في «تحرير التحبير» «٢» : ومن الناس من يكون في البديهة أبدع منه في الرّوية، ومن هو مجيد في الرّوية وليست له بديهة، وقلّما يتساويان. ومنهم من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصّر، ومن هو بضدّ ذلك، ومن قوي نثره ضعف نظمه، ومن قوي نظمه ضعف نثره، وقلما يتساويان. وقد يبرّز الشاعر في معنى من مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد، ولهذا قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، وعنترة إذا كلب «٣» ، والأعشى إذا طرب. قال في «المثل السائر» : بل ربما نفذ في بعض أنواع الشعر دون بعض، فيرى مجيدا في المدح دون الهجو أو بالعكس، أو ماهرا في المقامات ونحوها دون الرسائل، أو في بعض الرسائل دون بعض. قال ابن أبي الأصبع: ولربما واتاه العمل في وقت دون وقت؛ ولذلك قال الفرزدق: إني ليمرّ عليّ الوقت ولقلع ضرس من أضراسي أيسر عليّ من قول الشعر، ولذلك عزّ تأليف الكلام ونظمه على كثير من العلماء باللغة، والمهرة في معرفة حقائق الألفاظ، من حيث نبوّ طباعهم عن تركيب بسائط الكلام الذي قامت صور معانيه في نفوسهم،

стр. 906

وصعب الأمر عليهم في تأليفه ونظمه، فقد حكي أن الخليل بن أحمد مع تقدّمه في اللغة، ومهارته في العربية، واختراعه علم العروض، الذي هو ميزان شعر العرب، لم يكن يتهيأ له تأليف الألفاظ السهلة لديه الحاصلة المعاني في نفسه على صورة النظم إلا بصعوبة ومشقّة، وكان إذا سئل عن سبب إعراضه عن نظم الشعر يقول يأباني جيّده وآبى رديئه، مشيرا بذلك إلى أن طبعه غير مساعد له على التأليف المرضيّ الذي تحسن نسبته إلى مثله. وقيل للمفضّل الضّبيّ «١» : ألا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ فقال: علمي به يمنعني من قوله، وأنشد: أبى الشّعر إلا أن يفيء رديئه ... عليّ ويأبى منه ما كان محكما فيا ليتني إن لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما وأنشد أبو عبيدة خلفا الأحمر «٢» شعرا له فقال اخبأ هذا كما تخبأ السّنّورة حاجتها، مع ما كان عليه أبو عبيدة من العلم باللغة وشعر العرب وأمثالها وأيام حروبها، وما يجري مجرى ذلك من موادّ تأليف الكلام ونظمه. ويحكى عن أبي العباس المبرّد «٣» أنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسي: لأن الناس يعلمون أنه ليس أحد بين الخافقين تختلج في نفسه مسألة مشكلة إلا لقيني بها وأعدّني لها، فأنا عالم ومعلّم، وحافظ ودارس، ولا يخفى عليّ مشتبه من الشعر، والنحو، والكلام المنثور، والخطب، والرسائل، ولربما احتجت الى اعتذار من فلتة، أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذي أقصد نصب عيني ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد

стр. 907

ولا لسان، ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان «١» ذكرني بجميل فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها وأعرّض ببعض أموري، فأتعبت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى غيره، ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة. فقد تبين لك أن العبرة وبالطبع وأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك؛ على أن الطبع بمفرده لا ينهض بالمقصود من ذلك نهوضه مع اشتماله على الموادّ المساعدة له على ذلك من الأنواع السابقة فيما تقدّم في أوّل هذه المقالة، من العلم باللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع، وحفظ كتاب الله تعالى، والإكثار من حفظ الأحاديث النبوية، والأمثال والشعر والخطب، ورسائل المتقدّمين وأيام العرب وما يجري مجرى ذلك مما يكون مساعدا للطبع، ومسهّلا طريق التأليف والنظم، بل يتفاوت في العلوّ والهبوط بحسب التفاوت في ضعف المساعد من ذلك وقوّته؛ إذ معرفته هذه الأمور قائمة من الإنشاء مقام المادة، والطبع قائم منه مقام الآلة، فلا يتم الفعل وإن قامت الصورة في نفس الصانع ما لم توحد المادّة والآلة جميعا، ولو كان حصول المادّة كافيا في التوصل إلى حسن التأليف الذي هو نظم الألفاظ المتناسبة وتطبيقها على المعاني المساوية لكانت صناعة الكلام المؤلّف من الرسائل والخطب والأشعار سهلة، والمشاهد بخلاف ذلك، لقصور الأفاضل عن بلوغ هذه الدرجة. وأما خلوّ الفكر عن المشوّش فإنه يرجع إلى أمرين: الأمر الأوّل صفاء الزمان فقد قال أبو تمام الطائيّ في وصيته لأبي عبادة البحتريّ مرشدا له للوقت

стр. 908

المناسب لذلك: تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السّحر، فإن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخفّ عنها ثقل الغذاء، وصفا الدّماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة، وسكنت الغماغم «١» ، ورقّت النسائم، وتغنّت الحمائم. وخالف ابن أبي الأصبع في اختيار وقت السحر، وجنح إلى اختيار وسط الليل أخذا من قول أبي تمّام في قصيدته البائية: خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى ... واللّيل أسود رقعة الجلباب مفسرا للدّجى بوسط الليل، محتجّا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة، ونالت قسطها من النوم، وخفّ عنها ثقل الغذاء، فيكون الذّهن حينئذ صحيحا، والصدر منشرحا، والبدن نشيطا، والقلب ساكنا، بخلاف وقت السحر فإنه وإن كان فيه يرقّ النسيم وينهضم الغذاء، إلا أنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات، الناطق وغيره، ويرتفع معظم الأصوات، ويجري الكثير من الحركات، وينقشع بعض الظّلماء بطلائع أوائل الضوء، وربنا انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحرّكت الشهوة لإخلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته، فكان ذلك داعيا الى شغل الخاطر، وباعثا على انصراف الهمّ إلى تدبير الحدث الحاضر، فيتقسم الفكر، ويتذبذب القلب، ويتفرّق جميع الهمّ، بخلاف وسط الليل فإنه خال من جميع ذلك. الأمر الثاني صفاء المكان وذلك بأن يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات، عاريا عن

стр. 909

المخوفات والمهولات والطوارق، وأن يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا، رقيق الحواشي، فسيح الأرجاء، بسيط الرّحاب، غير غمّ ولا كدر، فإن انضمّ إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر: من ماء وخضرة وأشجار وأزهار وطيب رائحة، كان أبسط للفكر وأنجح للخاطر. وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينبغي خلوّ المكان من النقوش الغريبة، والمرائي المعجبة، فإنها وإن كانت مما ينشّط الخاطر فإن فيها شغلا فيتبعه القلب فيتشتّت. المقصد الثاني من الطرف الثالث في بيان طرق البلاغة ووجوه تحسين الكلام ، وكيفية إنشائه وتأليفه، وتهذيبه، وتأديته، وبيان ما يستحسن من الكلام المصنوع، وما يعاب به أما إنشاؤه وتأليفه فقد قال ابن أبي الأصبع في «تحرير التحبير» : يجب على كل من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يتعهد أوّلا نفسه ويمتحنها بالنظر في المعاني، وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات؛ فإذا وجد لها فطرة سليمة، وجبلّة موزونة، وذكاء وقّادا، وخاطرا سمحا، وفكرا ثاقبا، وفهما سريعا، وبصيرة مبصرة، وألمعيّة مهذّبة، وقوة حافظة، وقدرة حاكية، وهمة عالية، ولهجة فصيحة، وفطنة صحيحة، أخذ حينئذ في العمل، وإن كان بعض ذلك غير لازم لرب الإنشاء، ولا يضطرّ إليه أكثر الشعراء، ولكن إذا كملت هذه الصفات في الكاتب والشاعر، كان موصوفا في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفيسة. قال أبو هلال العسكري في «الصناعتين» : إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، ونقّ له كرائم اللفظ فاجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال، فأمسك، فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس، والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من

стр. 910

الرّيّ، وتنال أربك من المنفعة، فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، فقلّ عنك غناؤها. وينبغي أن تخرج مع الكلام معارضه، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلقت بذيله. وتحرّز أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تطلّبه، ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدّأب، وهذا الشاعر يقول: إذا ضيّعت أوّل كلّ شيء «١» ... أبت أعجازه إلّا التواء وقد قالوا: ينبغي لصانع الكلام ألا يتقدّم الكلام تقدّما، ولا يتتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا، فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه، وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره، وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه في محاسنه، ولكنه يجري معه فلا تندّ عنه نادّة تعجبه سمنا إلا كبحها، ولا تتخلف عنه مثقلة هزيلة إلا أرهقها، وطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناوله من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه، ولا الإكثار على فكره، فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره آبيا، ولا يدفع آتيا. وإيّاك والتعقيد والتوعّر، فإنّ التوعّر هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ «٢» معنى كريما، فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما، ويفسدهما ويهجّنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس البلاغة، وترتهن نفسك في ملابستها؛ وليكن لفظك شريفا عذبا، فخما سهلا، ومعناه ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا؛ فإن وجدت اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب أماكنها، والنزول في غير أوطانها؛ وإن بليت بتكلف القول، وتعاطي الصناعة، ولم تسمح

стр. 911

لك الطبيعة في أول وهلة، وعصت عليك بعد إجالة الفكر، فلا تعجل ودعه سحابة يومك، ولا تضجر، وأمهله سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرف؛ وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وأقدار الحالات، فتجعل لكل طبقة كلاما، ولكل حال مقاما، حتّى تقسم أقدار المستعمين على أقدار الحالات، فإن المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال «١» . قال في «موادّ البيان» «٢» : ويكون استعمال كلّ من جزل الألفاظ وسهلها، وفصيحها وسلسلها وبهجها في موضعه، وأن يسلك في تأليف الكلام الطريق الذي يخرجه عن حكم الكلام المنثور العاطل الذي تستعمله العامّة في المخاطبات والمكاتبات إلى حكم المؤلّف الحالي بحلي البلاغة والبديع، كالاستعارات، والتشبيهات، والأسجاع، والمقابلات، وغيرها من أنواع البديع. قال في «الصناعتين» : وإن عملت رسالة أو خطبة فتخطّ ألفاظ المتكلّمين كالجسم، والجوهر، والعرض، واللون «٣» ، والتأليف، واللاهوت، والناسوت، فإن ذلك هجنة. قال في «موادّ البيان» : وذلك بأن يقصد الكاتب إلى ألفاظ الصّناعة فيخرج منها إلى ألفاظ غريبة عن الصناعة غير مجانسة لها. قال: وإنما يؤتي الكاتب في هذا الباب من جهة أن يكون له شركة في صناعة غير الكتابة، كصناعة الفقه والكلام وغيرهما، مثل صناعة أصحاب الإعراب ونحوها؛ فلكل طبقة من هذه الطبقات ألفاظ خاصة بها، يستعملونها فيما بينهم عند المحاورة والخوض في الصناعة؛

стр. 912

ومن عادة الإنسان إذا تعاطى بابا من هذه الأبواب أن يسبق خاطره إلى الألفاظ المتعلّقة به، فيوقعها في الكتب التي ينشئها لغلبة عادة استعماله إياها، فيهجّنها بإدخاله فيها ما ليس من أنواعها. قال في «الصناعتين» : وتخيّر الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام، وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك انتظامه من حروف سهلة المخارج كان أحسن له، وأدعى للقلوب إليه، وإن اتفق له أن يكون موقعه في الإطناب أو الإيجاز أليق بموقعه، وأحق بالمقام والحال، كان جامعا للحسن، بارعا في الفضل؛ فإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام. قال في «موادّ البيان» : وإذا سلكت طريقا فمرّ فيها، ولا تتنازل عنها إن كانت رفيعة، ولا ترتفع عنها إن كانت وضيعة. وخالف ابن أبي الأصبع، فقال: ولا تجعل كل الكلام شريفا عاليا، ولا وضيعا نازلا، بل فصّله تفصيل العقود، فإن العقد إذا كان كله نفيسا لا يظهر حسن فرائده، ولا يبين جمال واسطته، فإن الكلام إذا كان متنوّعا في البلاغة، أفتنت الأسماع فيه، ولا يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه، ولا يخرج عن عرض إلى غيره حتّى يكمل كل ما ينتظم فيه، كما إذا كان ينشيء كتابا في العذل والتوبيخ، فيشوب ألفاظه بألفاظ أخرى تخرج عن الخشونة إلى اللّين، فإن اختلاف رقعة الكلام من أشدّ عيوبه. قال في «الصناعتين» : ولا تجعل لفظك حوشيّا بدويّا، ولا مبتذلا سوقيّا، ورتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا، فتقدّم منها ما يحسن تقديمه، وتؤخر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخر ما كان التقديم به أليق، ولا تكرر الكلمة الواحدة في كلام قصير، كما كتب سعيد بن حميد: «ومثّل خادمك بين يديه ما يملك فلم يجد شيئا يفي بحقّك، ورأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان وإن كان مقصرا عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك» . فكرر ذكر الحق مرتين في مقدار يسير. على أن أبا جعفر النحاس قد ذكر في «صناعة الكتاب» أنّ

стр. 913

ذلك ليس بعيب عند كثير من أهل العربية، وهو الحق، فقد وقع مثل ذلك من التكرير في القرآن الذي هو أفصح كلام، وآنق نظام، في قوله تعالى: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ «١» فكرر ذكر الميزان ثلاث مرات في مقدار يسير من الكلام، وأمثاله في القرآن الكريم كثير. قال في «الصناعتين» : فإن احتاج إلى إعادة المعاني أعادها بغير اللفظ الذي ابتدأ به كما قال معاوية: «من لم يكن من بني عبد المطلب جواد فهو دخيل، ومن لم يكن من بني الزّبير شجاعا فهو لزيق، ومن لم يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد» . فقال: دخيل، ثم قال: لزيق، ثم قال: سنيد، والمعنى واحد، والكلام على ما ترى حسن؛ ولو قال لزيق ثم أعاد لسمج. على أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» قد ذكر ما ينافي ذلك، وتعقّب أبا إسحاق الصابي في قوله في تحميدة كتاب: الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدّهور بكرورها؛ وقوله بعد ذلك في الصلاة على النبي ﷺ : لم ير للكفر أثرا إلّا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه؛ فقال لا فرق بين مرور العصور، وكرور الدهور؛ وكذلك لا فرق بين محو الأثر وإعفاء الرسم؛ ويحتمل أن يقال إنما كره صاحب «المثل السائر» ذلك لتوافق القرينتين في جميع المعنى بخلاف كلام معاوية فإنه متوافق في اللفظة الأخيرة فقط. قال في «الصناعتين» : وتجنّب كلّ ما يكسب الكلام تعمية كما كتب سعيد ابن حميد يذكر مظلمة إنسان في كتابه: لفلان- وله بي حرمة- مظلمة، يريد لفلان مظلمة وله بي حرمة، بمعنى أنه راعى حرمته. قال: واعلم أن الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ولا يلزمك فيها

стр. 914

السجع، فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر وتعقيد؛ وكثيرا ما يقع ذلك في السجع، وقلّما يسلم إذا طال من استكراه وتنافر. قال ابن أبي الأصبع: ولا تجعل كلامك كلّه مبنيّا على السجع فتظهر عليه الكلفة، ويتبيّن فيه أثر المشقّة، وتتكلّف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط، واللفظ النازل؛ وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع فجاءت نافرة من أخواتها، قلقة في مكانها. بل اصرف كلّ النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني، واجهد في تقويم المباني، فإن جاء الكلام مسجوعا عفوا من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان، وإن عزّ ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه، وتباينت في التقفية مقاطعه، فقد كان المتقدّمون لا يحتفلون بالسّجع جملة، ولا يقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتّفق من غير قصد ولا اكتساب؛ وإنما كانت كلماتهم متوازية، وألفاظهم متساوية، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائعة، وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة؛ وتلك طريقة الإمام علي ﵁ ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام، كابن المقفّع، ويزيد بن هارون «١» ، وإبراهيم بن العباس «٢» ، والحسن بن سهل «٣» ، وعمرو بن مسعدة «٤» ، وأبي عثمان الجاحظ، وغيرهم من الفصحاء البلغاء. قال في «موادّ البيان» : وأقلّ ما يكون من الازدواج قرينتان. قال في «الصناعتين» : وينبغي أن يجتنب إعادة حروف الصّلات والرباطات في موضع واحد إذا كتب، في مثل قول القائل له منه عليه، أو عليه منه،

стр. 915

أو به له منه، وحقه له عليه. قال: وسبيله أن يداويه حتّى يزيله، بأن يفصل ما بين الحرفين مثل أن يقول: أقمت به شهداء عليه، كقول المتنبي: وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد «١» قال ابن أبي الأصبع: وليراع الإيجاز في موضعه، والإطناب في موضعه، بحسب ما يقتضيه المقام، ويتجنّب الإسهاب والتطويل غير المفيد. قال العسكري: وينبغي أن يأتي في تأليفه الكلام بآيات من الكتاب العزيز في الأمور الجليلة للترصيع والتحلية، والاستشهاد للمعاني على ما يقع في موقعه، ويليق بالمكان الذي يوقع فيه، ولكنه لا يستكثر منه حتّى يكون هو الغالب على كلامه، تنزيها لكلام الله تعالى عن الابتذال، فإنه إنما يستعمله على جهة التبرّك والزينة، لا ليجعل حشوا في الكلام؛ وإذا استعير منه شيء أتي به على صورته؛ ولا ينقله عن صيغته، ليسلم من تحريفه، ومخالفة اختيار الله تعالى فيه. قال: وكما لا يجوز الإكثار منه لا يجوز أن يخلّي كلامه من شيء منه تحلية له، فإن خلوّ الكلام من القرآن يطمس محاسنه، وينقص بهجته؛ ولذلك كانوا يسمّون الخطبة الخالية من القرآن بتراء. وينبغي ألّا يستعمل في كتابته ما جاء به القرآن العظيم من الحذف ومخاطبة الخاص بالعامّ، والعامّ بالخاص، والجماعة بلفظ الواحد، والواحد بلفظ الجماعة، وما يجري هذا المجرى، لأن القرآن قد نزل بلغة العرب، وخوطب به فصحاؤهم بخلاف الرسائل. قال في «الصناعتين» : لا يجوز أن يستعمل فيها ما يختص بالشّعر من صرف ما لا ينصرف، وحذف ما لا يحذف، وقصر الممدود، ومدّ المقصور، والإخفاء في موضع الإظهار، وتصغير الاسم في موضع تكبيره، إلا أن يريد تصغير
следующие страницы →