[مقدمة الناشر]
التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناشر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا - قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا - مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا - وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا - مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ١ - ٥]
وأشهد أن لا إله إلا الله المتفرد بالوحدانية والمستحق للعبودية، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا كثيرا.
أما بعد.
فإن علم التوحيد ومعرفة صفات الله من أشرف العلوم وأعظمها قدرًا؛ لأنه يتناول تعريف الخلق بأعظم موجود وهو الله جل وعلا، ويبصر العبد بحقيقة دينه، ويرشده إلى أقوم السبل لتحقيق عبوديته لله إذ هي الغاية من
стр. 2
وجوده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وفق المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه وأمر رسله بإبلاغه.
وهو أساس الدين وأصله، ولا تقبل العبادة مهما عظمت أو جلّت ما لم يوحد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته توحيدًا يصدق فيه القول العمل، ويتواطأ على الإيمان به والإخبات له اللسان والجنان، وتستسلم له الجوارح والأركان، ويتفق فيه الإسرار والإعلان.
ولأن هذا العلم بهذه المكانة من دين الإسلام فقد عُني به أئمة الإسلام تأليفًا وتصنيفًا في القديم والحديث، يوضحون منهج الله لمن أراد الهدى، ويدفعون عن دين الله كل انتحال وتحريف وزيف وغلو وجهل وضلال.
ولا يزال أئمتنا- ولله الحمد- يقتفون أثر سلفهم في الاهتمام بهذا العلم تدريسًا وتأليفًا وشرحًا وتعليقًا، وهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ " التنبيهات
стр. 3
اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة " تظافر عليه ثلاثة من أئمتنا وهم: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ صاحب المتن، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ -مؤلف الشرح، وسماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله وأمد في عمره -الذي علق على الكتاب تعليقات نفيسة ترفع من قيمة الكتاب.
وقد عرضت على سماحته في عام ١٤١٢هـ نسخة من الطبعة الأولى لهذا الكتاب، فراجعها، وصححها، وأضاف عليها تعليقات جيدة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولأن هذا الكتاب يتناول هذا العلم الشريف المنيف، ولأنه من خير ما يستعان به- بعد الله- على معرفة ما يجب اعتقاده- فقد أعدنا طبعه للمرة الثانية طمعًا في الأجر، ورغبة في إرشاد القارئ المسلم إلى المنهج السوي والاعتقاد الصحيح والصراط المستقيم، جعلنا الله
стр. 4
هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
وكالة الطباعة والترجمة
стр. 5
[مقدمة الطبعة الأولى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على أشرف خلقه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن رسالة "العقيدة الواسطية" لمؤلفها شيخ الإسلام العلامة أحمد بن تيمية -قدس الله روحه -هي من أجل وأجمع وأوضح وأبسط ما كتب عن شرح أصول الإيمان على طريقة السلف الصالح، ومهما قيل عن سبب تأليفها وأنها كتبت في جلسة واحدة، أو لتلبية طلب بعض منتسبي أهل السنة، ورغبته في كتابة رسالة مختصرة مفيدة تكون نبراسا له ومحجة؛ لئلا يضل الطريق، ومهما قيل أيضًا بصدد إهماله أو اختصاره لشرح بعض الأصول دون بعض، فإن ذلك كله لا يقلل من قيمتها، بل إنه السر الأكبر والمميز
стр. 6
الوحيد لتفوق هذه الرسالة على ما عداها من رسائل كثيرة كتبت في أزمنة مختلفة، وبأقلام عدد من كبار أهل السنة والجماعة من بينهم المؤلف نفسه.
فكتابتها لشخص واحد من أهل السنة معناه: كتابتها لجميع أهل السنة، واقتصاره في شرح بعض أصول الإيمان وبسطه لبعض الأصول يوحي بأهمية الفصل المبسوط على الفصل المختصر، أو لأن الكلام فيه والأخذ والرد كان قليلا لا يعدو الكلام المشار إليه، أو لوضوح معنى الأصل بحيث لا يحتمل المزيد في رسالة مختصرة.
أما إهماله لشرح بعض أصول الإيمان وإن كان قد أشار إليه في المقدمة كالإيمان بالملائكة مثلا، فيرجع ذلك إلى أن الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد لا يكون موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام.
ولا يغرب عن البال ما قد عرضه بعض فلاسفة المسلمين لموضوع الملائكة، وهل يوصفون بالعقل؟ أو أن ذلك غير
стр. 7
جائز في حقهم. وكاد هذا القول يموت في مهده لولا أن وجد له من أثاره في بعض المناسبات من المعاصرين، وكذلك وصفهم بالذكورية. أما وصفهم بالأنوثية فمعروف كفر من يقول به.
وعندنا أن الشيخ لم يشأ أن يجري في بسط وشرح ما دار في هذا الموضوع من كلام في عقيدة مختصرة كهذه- وإن كان قد بسطه في مواضع كثيرة من مؤلفاته العديدة- حبًا منه في أن لا يشغل القارئ ذهنه بما لا يعود عليه بالنفع، وما لا يترتب عليه مزيد من الإيمان والعمل الصالح، وخوفًا من التوسع في خلاف لا طائل تحته، وتمشيا مع ما تقره أصول أهل السنة من الكراهية للتعرض لما لم يعرض له السلف والتابعون لهم بإحسان.
ومع شهرة هذه العقيدة السلفية ومحبة علماء نجد وغيرهم من علماء السلف منذ زمن قيام المجدد المصلح الشيخ: محمد بن عبد الوهاب - لهذه الرسالة، وعنايتهم بها، وتقريرها في دروسهم، وشرحها شفويا لطلبتهم العديدين-:
стр. 8
لم تحظ بتعليق ولو وجيز لبسط بعض فصولها وتفسير بعض غوامضها.
وكان أن صدر في وقت واحد شرحان كبيران لأستاذين جليلين من أساتذة كلية الشريعة بالرياض هما: الشيخ عبد العزيز بن رشيد، والشيخ زيد بن فياض. فقاما وكأنهما على موعد بكتابة شرحين وافيين عمدَا فيه على بسط كل فصل من فصول الكتاب بكلام شيخ الإسلام نفسه في مواضع من كتبه العديدة، ومن كتب تلاميذه الأجلاء كابن القيم، وابن رجب، وغيرهما، إلا أن جهدهما المشكور كان لرفع مستوى الدارس والباحث أقرب منه لِإفهام الطالب والمستزيد.
ولا ننسى أن نشير إلى شرح موجز للأستاذ السلفي محمد خليل الهراس خرج في الوقت نفسه وسد فراغًا كبيرا، غير أن إلمام الشيخ الهراس بعلم الكلام وتأثره به قد أضفى على الشرح شيئا مما قد يكرهه أهل السنة، بل ويكرهه المؤلف نفسه، ونعني بذلك بعض التعابير المستعملة عند المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم.
стр. 9
ولما كنا على علم بشرح موجز خرج قبل كل هذه الشروح، إلا أنه لم يخرج إلى النور، ولم يتيسر طبعه فيما سبق وذلك هو الكتاب المسمى: (بالتنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة) للعلامة: عبد الرحمن بن سعدي، ﵀.
وكنا قد حصلنا على إذن سابق منه بطباعة هذا الكتاب ونشره، غير أن ظروفًا قسرية حالت بيننا وبين تحقيق ذلك، واليوم وقد واتت الظروف ولله الحمد قمنا بطباعة هذا الكتاب النفيس. وتكملة للفائدة وبإشارة بعض المخلصين قمنا بتعليق بعض الفوائد المقتبسة من تقارير شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز -أمد الله في حياته -وقد كان درَّس لنا هذه العقيدة في السنة الرابعة الثانوية (بمعهد الرياض العلمي) فجاء هذا الشرح مع هذا التعليق وافيًا بمقصود الطالب، ومفيدًا للمدرس. والله نسأل أن ينفع به إنه خير مأمول وأكرم مسئول.
الناشران عبد الرحمن بن رويشد
سليمان بن حماد
стр. 10
[مقدمة المحقق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الحمد لله الموصوف بصفات العظمة والكبرياء والكمال، المنزه عن الشريك، والنقص، والشبه، والمثال، وأشهد أنه المنفرد بالوحدانية المستحق لِإفراده بالعبودية في كل الأحوال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم في العقائد، والأخلاق، والأقوال، والأفعال.
أما بعد: فهذا تعليق لطيف على عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة بـ (الواسطية) التي جمعت على اختصارها ووضوحها جميع ما يجب اعتقاده من أصول الإيمان وعقائده الصحيحة، وهي وإن كانت واضحة المعاني محكمة المباني - تحتاج إلى تعليق يزيد في توضيح بعض ما فيها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتبين وجه
стр. 11
دلالتها على المقصود، وبيان وجه ارتباط بعض المسائل ببعض، وجمع ما يحتاج إلى جمعه في موضع واحد والإشارة إلى بعض آثارها وفوائدها في القلوب والأخلاق، والتنبيه لكل ما يحتاج إلى التنبيه عليه. وأرجو الله أن يكون هذا التَعليق على هذا الوصف، وأن يكون خالصا لوجهه الكريم مقربا إليه نافعا، سهلا في ألفاظه ومعانيه.
[معنى الحمد]
قال المصنف ﵀: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا إقرارًا به وتوحيدًا وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا مزيدًا
[اعتقاد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات]
ثم قال المصنف: أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية (١) المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة وهو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره
ــ
الحمد لله؛ أي أن جميع أوصاف الكمال ثابتة لله على أكمل الوجوه وأتمها، ومما يحمد عليه نعمه على العباد التي لا يحصي أحد من الخلق تعدادها، وأعظمها إرساله محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي هو العمل الصالح، ليظهره على جميع الأديان بالحجة والبرهان وبالعز والسلطان، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسوله وحقيقة ما جاء به، وشهادته
стр. 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى بقوله وفعله، وتأييده لرسوله بالنصر والمعجزات والبراهين المتنوعة الدال كل واحد منها - فكيف بجميعها- على رسالته وصدقه، وأن جميع ما جاء به هو الحق من عقائد وأخلاق وآداب وأعمال وغيرها
أي: أقر وأعترف مصدقًا ومعتقدًا أنه لا يستحق الألوهية- وهي التفرد بكل كمال- إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. ولهذا قال:
أي: بالقلب واللسان،
أي: إخلاصًا لله في كل عبادة قولية أو عملية أو اعتقادية، وأعظم ما يوحد به ويتقرب إليه به تحقيق العقيدة السلفية المحتوي عليها هذا الكتاب، وبتحقيق العقيدة تصلح الأعمال وتقبل وتستقيم الأمور
الشهادة للرسول بالرسالة والعبودية مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد، لا تكفي إحداهما عن الأخرى، ولا بد فيها من اعتراف العبد بكمال عبودية
стр. 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ لربه وكمال رسالته المتضمنة لكماله ﷺ وأنه فاق جميع البشر في كل خصلة كمال، ولا تسمى شهادة حتى يصدقه العبد في كل ما أخبر، ويطيعه في كل ما أمر وينتهي عما نهى عنه، وبهذه الأمور تتحقق الشهادة لله بالتوحيد، وللرسول بالرسالة.
يقول المصنف ﵀: إن ما احتوت عليه هذه الرسالة هو العقيدة المنجية من الهلاك والشرور، المحصلة لخيري الدنيا والآخرة
стр. 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموروثة عن محمد ﷺ ، المأخوذة عن كتاب الله وسنة رسوله، وهي التي عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، الذين ضمن الله لهم على لسان رسوله النصر إلى قيام الساعة. والنصر إنما حصل لهم ببركة هذه العقيدة والعمل بها وتحقيقها بالقيام بجميع أمور الدين. وأصلها الذي تبنى عليه: هو الإيمان بهذه الأصول الستة التي صرح بها الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جملة وتفصيلًا وتأصيلًا وتفريعًا، وهي المذكورة في حديث جبريل المشهور حين قال جبريل للنبي ﷺ : ما الإيمان؟ فأجابه بذلك. فهذه الرسالة من أولها إلى آخرها تفصيل لهذه الأصول الستة.
ذكر المصنف ﵀ هذا الأصل والضابط العظيم في الإيمان بالله إجمالا قبل أن يشرع في التفصيل؛ ليبنى العبد على هذا الأصل جميع ما يرد عليه من الكتاب والسنة، فيستقيم له إيمانه ويسلم من الانحراف. فذكر أنه يجب ويتعين الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ إيمانًا صحيحًا سالمًا من التحريف والتعطيل، وسالمًا من التكييف والتمثيل، بل يثبت ما أثبته الله ورسوله
стр. 15
[فصل في الإيمان بالله] [ الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ]
فصل في الأصل الأول وهو أصل الأصول كلها وأعظمها وأهمهما وعليه تنبني جميع الأصول والعقائد وهو: الإيمان بالله. قال المصنف ﵀ ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف (١) ولا تعطيل (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 16
ولا تكييف (١) ولا تمثيل (٢) بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كُفُؤَ له،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 17
ولا يقاس بخلقه سبحانه.
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب
[الإثبات المفصل والنفي المجمل في أسماء الله وصفاته]
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي (١) والإثبات، فلا عدول لأهل السنة عما جاء
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يزيد على ذلك ولا ينقص، فإن الكلام على ذات الباري وصفاته واحد، فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات، فله تعالى صفات لا تشبه الصفات، فمن مال إلى نفي الصفات أو بعضها فهو نافٍ معطل محرف، ومن كيّفها أو مثّلها بصفات الخلق فهو ممثل مشبه. والفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. والتحريف: تفسير للنصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها بوجه من الوجوه.
فالتحريف والتعطيل قد يكونان متلازمين إذا أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، وقد يوجد التعطيل بلا تحريف كما هو قول النافين للصفات، الذين ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسنة ويقولون: ظاهرها غير مراد. ولكنهم لا يعينون معنى آخر، ويسمون أنفسهم مفوضة، ويظنون أن هذا مذهب السلف، وهو غلط فاحش، فإن السلف يثبتون الصفات. وإنما يفوضون علم كيفيتها إلى الله
стр. 19
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيقولون: الوصف المذكور معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وإثباته واجب، والسؤال عن كيفيته بدعة، كما قال الإمام مالك وغيره في الاستواء. وأما قوله: (من غير تكييف ولا تمثيل) فالفرق بينهما: أن التكييف هو تكييف صفات الله والبحث عن كنهها، والتمثيل: أن يقال فيها مثل صفات المخلوقين. ونفي الكُفُؤ والند والسمي ينفي ذلك التكييف والتمثيل. وقوله: السميع والبصير ونحوها من إثبات أسماء الله وصفاته تنفي التعطيل والتحريف.
فالمؤمن الموحد يثبت الصفات كلها على الوجه اللائق بعظمة الله وكبريائه. والمعطل ينفيها أو ينفي بعضها، والمشبه الممثل يثبتها على وجه يليق بالمخلوق.
ونصوص الكتاب والسنة التي يتعذر إحصاؤها كلها تشترك في دلالتها على هذا الأصل وهو: إثبات الصفات على وجه الكمال الذي لا يشبهه كمال أحد، وهي في غاية الوضوح والبيان وأعلى مراتب الصدق، فإن الكلام
стр. 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما يقصر بيانه ودلالته لأمور ثلاثة: إما جهل المتكلم وعدم علمه وقصوره. وإما عدم فصاحته وبيانه. وإما كذبه وغشه. أما نصوص الكتاب والسنة فإنها بريئة من هذه الأمور الثلاثة من كل وجه، فكلام الله ورسوله في غاية الوضوح والبيان وفي غاية الصدق، كما قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] والرسول ﷺ في غاية النصح والشفقة العظيمة على الخلق، وهو من أعلم الخلق وأصدقهم وأفصحهم، وأنصح الخلق للخلق، وهل يمكن أن يكون في كلامه شيء من النقص أو القصور؟ بل كلامه هو الغاية التي ليس فوقها غاية في الوضوح والبيان للحقائق، وهذا برهان على أن كلام الله وكلام رسوله يوصل إلى أعلى درجات العلم واليقين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحق النافع هو ما اشتمل عليه كلام الله وكلام رسوله في جميع الأبواب، لا سيما في هذا الباب الذي هو أصل الأصول كلها،
стр. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا معنى قول المصنف في إيراده للآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فسبح نفسه عما قاله المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ثم قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] لدلالة الحمد على الكمال المطلق من جميع الوجوه.
هذا الذي ذكر المصنف ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنه مبني على أصلين أحدهما النفي وثانيهما الإثبات؛ أما النفي فإنه ينفي عن الله ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص، وينفي عنه أيضًا أن يكون له شريك أو نديد أو شبيه في شيء من صفاته أو في حق من حقوقه الخاصة، فكل ما ينافي صفات الكمال فإن الله منزه عنه مقدس، والنفي مقصود لغيره، والقصد منه إثبات ما لم يرد نفي شيء منه في الكتاب والسنة عن الله إلا بقصد إثبات ضده، فنفي الشريك والنديد عن الله لكمال عظمته وتفرده بالكمال؛ ونفي السِّنة والنوم والموت لكمال حياته ونفي عزوب شيء عن علمه وقدرته (١) . ولهذا كان التنزيه والنفي لأمور مجملة عامة.
стр. 22
به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن (١) حيث يقول:
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما الإثبات فإنه يجمع الأمرين: إثبات المجملات كالحمد المطلق، والكمال المطلق، والمجد المطلق ونحوها. وإثبات المجملات: كتفصيل علم الله وقدرته وحكمته ورحمته، ونحو ذلك من صفاته، فأهل السنة والجماعة لزموا هذا الطريق الذي هو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وبلزومهم لهذا الطريق النافع تمت لهم النعمة، وصحت عقائدهم، وكملت أخلاقهم، أما من سلك غير هذا السبيل فإنه منحرف في عقيدته وأخلاقه وآدابه.
هذا شروع في تفصيل النصوص الواردة في الكتاب والسنة الداخلة في الإيمان بالله، وأنه يجب فيها إثباتها ونفي التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل عنها، فثبت عنه ﷺ في الصحيح أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، وذلك كما قال أهل العلم: إن القرآن يحتوي على علوم عظيمة كثيرة وهي ترجع إلى ثلاثة علوم:
أحدها: علوم الأحكام والشرائع الداخل فيها علوم الفقه، كلها عبادات ومعاملات وتوابعهما.
стр. 24
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] ودخل في ذلك ما وصف به نفسه في أعظم آية من القرآن، حيث يقول:
стр. 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: علوم الجزاء على الأعمال، والأسباب التي يجازى بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفصيل الثواب والعقاب.
الثالث: علوم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفته والإيمان به، وهو أشرف العلوم الثلاثة، وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده.
فإن قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أي: الله متفرد بالعظمة والكمال، ومتوحد بالجلال والجمال والمجد والكبرياء، يحقق ذلك قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أي: الله السيد العظيم الذي قد انتهى في سؤدده ومجده وكماله، فهو العظيم الكامل في عظمته، العليم الكامل في علمه، الحكيم الكامل في حكمه، فهو الكامل في جميع نعوته وأسمائه وصفاته، ومن معاني الصمد أنه الذي تصمد إليه الخلق كلها وتقصده في جميع حاجاتها ومهماتها، فهو المقصود، وهو الكامل المعبود. فإثبات الوحدانية لله ومعاني الصمدية كلها يتضمن إثبات تفاصيل جميع الأسماء
стр. 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسنى والصفات العلي، فهذا أحد نوعى التوحيد، وهو الإثبات وهو أعظم النوعين، والنوع الثاني: التنزيه لله عن الولادة والند والكفؤ والمثل، وهذا داخل في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] أي: ليس له مكافئ ولا مماثل ولا نظير، فمتى اجتمع للعبد هذه المقامات المذكورة في هذه السورة، بأن نزه الله وقدسه عن كل نقص وند وكفؤ ومثيل، وشهد بقلبه انفراد الرب بالوحدانية والعظمة والكبرياء وجميع صفات الكمال التي ترجع إلى هذين الاسمين الكريمين وهما الأحد، الصمد، ثم صمد إلى ربه وقصده في عبوديته وحاجته الباطنة والظاهرة، متى كان كذلك- تم له التوحيد العلمي الاعتقادي والتوحيد العملي، فحق لسورة تشتمل على هذه المعارف أن تعدل ثلث القرآن.
(وذلك لاشتمالها على أجل المعارف وأكمل الصفات، فأخبر أنه المتوحد في الألوهية، المستحق لإخلاص العبودية، وأنه الحي الكامل، كامل الحياة، وذلك يقتضي كمال عزته وقدرته، وسعة علمه، وشمول حكمته، وعموم رحمته، وغيرها من صفات الكمال الذاتية، وأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع المخلوقات وقام بالموجودات كلها، فخلقها وأحكمها ورزقها ودبرها وأمدها بكل ما تحتاج إليه، وهذا الاسم يتضمن جميع الصفات الفعلية، ولهذا ورد أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى؛
стр. 27
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولهذا من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح (وقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وهو العلي الحكيم، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدلالة الحي على الصفات الذاتية والقيوم على الصفات الفعلية، والصفات كلها ترجع إليهما. ومن كمال قيوميته وحياته أنه لا تأخذه سنة -وهي النعاس- ولا نوم، ثم ذكر عموم ملكه للعالم العلوي والسفلي، ومن تمام ملكه أن الشفاعة كلها له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ففيها ذكر الشفاعة التي يجب إثباتها وهي التي تقع بإذنه لمن ارتضى.
والشفاعة المنفية التي يعتقدها المشركون وهي ما كانت تطلب من غير الله وبغير إذنه، فمن كمال عظمة الله أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وبين أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ثم ذكر سعة علمه فقال: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، أي: علمه محيط بالأمور الماضية والمستقبلة، فلا يخفى عليه منها شيء، وأما الخلق فلا يحيطون بشيء من علم الله، لا قليل ولا كثير، إلا بما شاء أن يعلمهم الله على ألسنة رسله وبطرق وأسباب متنوعة. وسع كرسيه
стр. 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قيل: إنه العرش، وقيل: إنه غيره، وإنه كرسي بلغ من علمته وسعته أنه وسع السماوات والأرض، ومع ذلك فلا يئوده أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظهما؛ أي: حفظ العالم العلوي والسفلي، وذلك لكمال قدرته وقوته. وفيها بيان لعظيم نعمة الله على الخلق، إذ خلق لهم السماوات والأرض وما فيهما، وحفظهما وأسكنهما عن الزوال والتزلزل، وجعلهما على نظام بديع جامع للأحكام والمنافع المتعددة التي لا تحصى، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات بكونه فوق جميع المخلوقات على العرش استوى. وعلو القدر: إذ إن له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعلاها وغايتها. ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء، وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه الذي لا أعظم منه ولا أجل ولا أكبر، فحقيق بآية تحتوي على هذه المعاني الجميلة أن تكون أعظم آيات القرآن، وأن يكون لها من
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المنع وحفظ قارئها من الشرور والشياطين ما ليس لغيرها.
قد فسر النبي ﷺ هذه الأسماء الأربعة بتفسير مختصر جامع واضح حيث قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» . وهذا يدل على كمال عظمته وأنه لا نهاية لها، وبيان إحاطته من كل وجه. ففي الأول والآخر إحاطته الزمانية، وفي الظاهر والباطن إحاطته المكانية. ثم صرح بإحاطة علمه بكل شيء من الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة، ومن العالم العلوي والسفلي، ومن الظواهر والبواطن والواجبات والجائزات والمستحيلات، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء،
ذكر المصنف ﵀ في هذا الموضوع عدة آيات، وكلها داخلة في الإيمان بالله، ويتضح معناها عمومًا وخصوصًا بذكر أصول وضوابط نوضحها فيما يأتي، منها: أن هذه النصوص القرآنية تنطبق عليها القاعدة المتفق عليها بين السلف؛ وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى وما دلت عليه من الصفات، وما نشأ عنها من الأفعال، مثال ذلك: القدرة، يجب علينا الإيمان بأنه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرة الله، والإيمان بأن قدرته شاملة لجميع الكائنات، وبأنه عليهم ذو علم محيط، وأنه يعلم الأشياء كلها. وهكذا بقية الأسماء الحسنى على هذا النمط، في هذه الآيات التي ذكر المصنف من الأسماء الحسنى، فإنها داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الصفات، مثل عزة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وإرادته، ومشيئته، وكلامه، وأمره، وقوله، ونحوها، فإنها
من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق) . وقوله ﷺ : «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيدة، مثل ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ويعلم كذا وكذا، ويحكم، ويريد، وسمع، ويسمع، ويرى، وأسمع وأرى وقال ويقول، وكلم ويكلم، ونادى وناجى، ونحوها من الأفعال، فإنها داخلة في الإيمان بأفعاله تعالى، فعلى العبد الإيمان بكل ذلك إجمالًا وتفصيلًا وإطلاقًا وتقييدًا على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، وأن يعلم أن صفاته لا تشبهها صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبهها ذوات المخلوقين.
ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلت عليها هذه النصوص أن صفات الباري قسمان: صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، ونحوها كالعلو المطلق.
وصفات فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان