من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق) . وقوله ﷺ : «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيدة، مثل ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ويعلم كذا وكذا، ويحكم، ويريد، وسمع، ويسمع، ويرى، وأسمع وأرى وقال ويقول، وكلم ويكلم، ونادى وناجى، ونحوها من الأفعال، فإنها داخلة في الإيمان بأفعاله تعالى، فعلى العبد الإيمان بكل ذلك إجمالًا وتفصيلًا وإطلاقًا وتقييدًا على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، وأن يعلم أن صفاته لا تشبهها صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبهها ذوات المخلوقين.
ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلت عليها هذه النصوص أن صفات الباري قسمان: صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، ونحوها كالعلو المطلق.
وصفات فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولها آثارها في الخلق والأمر، فيؤمنون بأنه تعالى فعال لما يريد، وأنه لم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور، وأن أفعاله تقع شيئًا فشيئًا، تبعًا لحكمه وإرادته، فإن شرائعه وأوامره ونواهيه الشرعية لا تزال تقع شيئًا فشيئًا، وقد دل على هذا الأصل الكبير ما في هذه النصوص من ذكر قال ويقول، وسمع ويسمع، وكلم ويكلم، ونادى وناجى، وعلم، وكتب ويكتب، وجاء ويجيء، وأتى ويأتي، وأوحى ويوحي، ونحوها من الأفعال المتنوعة التي تقع مقيدة بأوقاتها، كما سمعت في هذه النصوص المذكورة آنفًا، وهذا من أكبر الأصول وأعظمها.
لقد صنف فيه المؤلف مصنفًا مستقلًا وهو المسمى بـ" الأفعال الاختيارية ". فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته، كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والقول، ونحوها، والمتعلقة بخلقه كالخلق والرزق وأنواع التدبير.
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الأصول الثابتة في الكتاب والسنة المتفق عليها بين السلف: التفريق بين مشيئة الله وإرادته وبين محبته.
فمشيئة الله وإرادته الكونية تتعلق بكل موجود محبوب لله وغير محبوب، كما ذكر في هذه الآيات أن الله يفعل ما يريد (١) . وما يشاء، وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما محبته فإنها تتعلق بما يحبه خاصة من الأشخاص والأعمال، كما ذكر في هذه الآيات تقييدها بأنه يحب الصابرين والمتقين والمؤمنين والمحسنين والمقسطين ونحوها، فمشيئته عامة للكائنات، ومحبته خاصة ومتعلقة بالمحبوبات.
ويتفرع عن هذا أصل آخر، وهو التفريق بين الإرادة الكونية فإنها تطابق المشيئة، وبين الإرادة الدينية فإنها تطابق المحبة، فالأولى مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤]
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ونحوها. والثانية نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] ونحوها.
ومن أصول أهل السنة والجماعة الثابتة: إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه (١)
فائدة نفيسة: ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته أقسام:
منها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه التسمي به، كالعزيز والحكيم والغفور وشبه ذلك. فهذا القسم يوصف به الرب، ويسمى به ويشتق له منه فعل، ويثبت له منه مصدر؛ كالعزة والحكمة والمغفرة.
ومنها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه الإضافة، فهذا يطلق على الله بلفظ الإضافة ولفظ الفعل، ولا يشتق له منه اسم، مثل قوله تعالى: " يخادعون الله وهو خادعهم " يجوز أن نقول: الله خادع المنافقين، ويخادع من خدعه، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نعد من أسمائه الخادع؛ لعدم وروده، ولأن إطلاق الخادع يحتمل الذم والمدح، فلا يجوز إطلاقه في حق الله.
ومنها: ما ورد بلفظ الفعل فقط، كالكيد والمكر، فهذا لا يطلق على الله إلا بلفظ الفعل، كقوله : " إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا " وقوله: " ومكروا ومكر الله " ولا يجوز أن من أسمائه سبحانه الكائد والماكر، لما تقدم.
وإنما جاز وصف الرب بالخداع والمكر والكيد في الآيات المشار؛ لأنه في مقابل خداع أعدائه ومكرهم وكيدهم، ومعاملتهم بمثل ما فعلوا مدح وعدل يستحق عليه المدح والثناء. * فائدة أخرى ذكرها شيخ الإسلام وغيره:
وهي أن صفات الرب القولية والفعلية قديمة النوع حادثة الآحاد، كالكلام، والخلق والرزق، والنزول، وأشباه ذلك ونحو ذلك، فجنس الكلام والخلق والرزق والنزول قديم، وأنواعه تحدث شيئا فشيئا على حسب حكمة الرب سبحانه، كما في قوله تعالى: " ما يأتهم من ذكر من ربهم محدث " الآية، وكخلق آدم بعد أن لم يكن مخلوقا، وغير ذلك، وهكذا الرزق والكلام.
وأما صفات الذات كاليد والقدم والسمع والبصر فهي صفات قديمة كالذات (٢)
стр. 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن أصول أهل السنة والجماعة إثبات معية الله (١) . كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وهذه المعية تدل على إحاطة علمه بالعباد ومجازاته لهم بأعمالهم. وفيها ذكر المعية الخاصة كقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وهذه الآيات تدل -مع العلم المحيط- على العناية بمن تعلقت الله تلك المعية وأن الله معهم بعونه وحفظه وكلاءته وتوفيقه.
стр. 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا أردت أن تعرف هل المراد المعية العامة أو الخاصة، فانظر إلى سياق الآيات: فإن كان المقام مقام تخويف ومحاسبة للعباد على أعمالهم، وحث على المراقبة، فإن المعية عامة، مثل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، وإن كان المقام مقام لطف وعناية من الله بأنبيائه وأصفيائه، وقد رتبت المعية على الاتصاف بالأوصاف الحميدة، فإن المعية معية خاصة، وهو أغلب إطلاقاتها في القرآن، مثل: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ونحوها.
ومن الأصول العظيمة: إثبات تفرد الرب بكل صفة كمال، وأنه ليس لله شريك ولا مثيل في شيء منها، والنصوص المذكورة التي فيها نفي الند والمثل والكفؤ والسمي عن الله تدل على ذلك، وتدل على أنه منزه عن كل عيب ونقص وآفة.
ومن أصول أهل السنة والجماعة الثابتة: إثبات رؤية
стр. 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المؤمنين لربهم في دار القرار، والتنعم برؤيته وقربه ورضاه. ويدل على ذلك من الآيات التي ذكرها المصنف قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أي جميلة ناعمة حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وهذا صريح في نظرهم إلى ربهم، وكذلك قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أي إلى ما أعطاهم من النعيم الذي أجله وأعظمه النظر إلى ربهم، وكذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ [يونس: ٢٦] أي: وفوا مقام الإحسان ﴿الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] التي هي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وهي النظر إلى الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]
أي: إيمانًا خاليًا من التعطيل والتحريف ومن التكييف والتمثيل، بل إثبات لها على الوجه اللائق بعظمة الرب. وحكم السنة حكم القرآن- في ثبوت العلم واليقين والاعتقاد والعمل، فإن السنة توضح القرآن وتبين مجمله وتقيد مطلقه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]
стр. 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي السنة، وقال تعالى: ٣٠ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
وذلك مثل قوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني أغفر له؟» (متفق عليه.
فهذا الحديث قد استفاض في الصحاح والسنن والمسانيد، واتفق عليه تلقيه بالقبول والتصديق بين أهل السنةَ والجماعة، بل بين جميع المسلمين الذين لم تغيرهم البدع، وعرفوا به عظيم رحمة ربهم، وسعة جوده، واعتنائه بعباده، وترضه لحوائجهم الدينية والدنيوية، وأن نزوله حقيقة كيف يشاء، فيثبتون النزول كما يثبتون جميع الصفات التي تثبت في الكتاب والسنة، ويقفون عند ذلك فلا يكيفون ولا يمثلون ولا ينفون ولا يعطلون، ويقولون: إن الرسول أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل، وقد علمنا أنه فعال لما يريد، وعلى كل شيء قدير؛ ولهذا كان خواص المؤمنيِن يتعرضون في هذا
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوقت الجليل لألطاف ربهم ومواهبه، فيقومون بعبوديته خاضعين خاشعين داعين متضرعين، يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم إياها على لسان رسوله ﷺ ، فيعلمون أن وعده حق، ويخشون أن ترد أدعيتهم بذنوبهم ومعاصيهم، فيجمعون بين الخوف والرجاء، ويعترفون بكمال نعمة الله عليهم، فتمتلئ قلوبهم من التعظيم والإيمان لربهم.
وقوله ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» الحديث. متفق عليه.
وهذا فرح جود وإحسان؛ لأنه ﷻ ينوع جوده وكرمه على عباده في جميع الوجوه، ويحب من عباده أن يسلكوا كل طريق يوصلهم إلى رحمة الله وإحسانه، ويكره لهم ضد ذلك، فإنه تعالى جعل لرحمته وكرمه أسبابا بينها لعباده وحثهم على سلوكها، وأعانهم عليها، ونهاهم عما ينافيها ويمنعها، فإذا عصوه وبارزوه بالذنوب فقد تعرضوا لعقوباته التي لا يحب منهم أن يتعرضوا لها، فإذا رجعوا إلى التوبة والإنابة فرح بذلك
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعظم فرح يقدر، فإنه ليس في الدنيا نظير فرح هذا الذي في أرض فلاة مهلكة، وقد انفلتت منه راحلته التي عليها مادة حياته من طعام وشراب وركوب، فأيس منها، وجلس ينتظر الموت، فإذا هو بها واقفة على رأسه، فأخذ بحطامها وكاد الفرح أن يقضي عليه، وقال من الدهشة وشدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فتبارك الرب الكريم الجواد الذي لا يحصى العباد ثناءًا عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، وهذا الفرح تبع لغيره من الصفات، كما تقدم أن الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات، فهذا فرح لا يشبه فرح أحد من خلقه لا في ذاته ولا في أسبابه ولا في غاياته، فسببه الرحمة واللاحسان، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين.
وقوله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدها الآخر كلاها يدخل الجنة» (متفق عليه) . وهذا أيضًا من: كمال وجمال إحسانه وسعة رحمته.
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن المسلم يقاتل في سبيل الله ويقتله الكافر، فيكرم الله المسلم بالشهادة، ثم يمن الله على ذلك الكافر والقاتل فيهديِه للإِسلام، فيدخلان الجنة جميعا، وهذا من تفريع جوده المتتابع على عباده من كل وجه، والضحك يكون من الأمور المعجبة التي تخرج عن نظائرها، وهذه الحالة المذكورة كذلك، فإن تسليط الكافر على قتل المسلم في بادئ الأمر أمر غير محبوب، ثم هذا المتجرئ على القتل يتبادر لأذهان كثير من الناس أنه يبقى على ضلاله ويعاقب في الدنيا والآخرة، ولكن رحمة الله وإحسانه فوق ذلك كله، وفوق ما يظن الظانون ويتوهم المتوهمون. وكذلك لما دعا النبي ﷺ على أناس من رؤساء المشركين لعنادهم وأذيتهم بالطرد عن رحمة الله أنزل الله قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية، فتاب عليهم بعد ذلك وحسن إسلام كثير منهم.
وهذا العجب الذي وصف الرسول به ربه من آثار رحمة الله، وهو من كماله تعالى، والله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته. فإذا تأخر الغيث عن العباد مع فقرهم وشدة حاجتهم استولى عليهم اليأس والقنوط، وصار نظرهم قاصرًا على الأسباب الظاهرة، وحسبوا أن لا يكون وراءها فرج من القريب المجيب، فيعجب الله منهم، وهذا محل عجب، كيف يقنطون ورحمته وسعت كل شيء، والأسباب لحصولها قد توفرت، فإن حاجة العباد وضرورتهم من الأسباب لرحمته والدعاء لحصول الغيث، والرجاء لله من الأسباب، ووقوع الغيث بعد امتناعه مدة طويلة وحصول الضرورة يعجب أن يكون الفضل لله وإحسانه موقع كبير وأثر عجيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٨ - ٤٩] الآيات. والله تعالى قدر من
стр. 52
فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب» حديث حسن وقوله ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله» وفي رواية: «عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط» (متفق عليه. «فيقول الله
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألطافه وعوائده الجميلة أن الفرج مع الكرب، وأن اليسر مع العسر، وأن الضرورة لا تدوم، فإن حصل مع ذلك قوة التجاء وشدة طمع بفضل الله ودعاء فتح الله عليهم من خزائن جوده ما لا يخطر بالبال، ولفظة: "قرب خيره" رويت في بعض الأحاديث بلفظة "غيره" أي: تغييره الشدة بالرخاء.
وهذه الصفة تجري مجرى بقية الصفات وتثبت لله حقًا على الوجه اللائق بعظمته، وذلك أن الله وعد النار ملئها، كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] فلما كان من مقتضى رحمته أن لا يعذب أحدًا بغير جرم، وكانت النار في غاية الكبر والسعة، حقق وعده تعالى ووضع عليها قدمه، فتلاقى طرفاها ولم يبق فيها فضل عن أهلها. وأما الجنة فإنه يبقى فيها فضل عن أهلها مع كثرتهم
، ففي هذا الحديث إثبات القول من الله والنداء لآدم وأنه نداء حقيقة بصوت، وهذا من فضل الله لا يشكل على المؤمنين، فإن النداء والقول من أنواع الكلام، وكلام الله صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف، وفيها أن القول والنداء يكون في يوم القيامة، وهذا من أدلة الأفعال الاختيارية، وكم لهذه المسألة من براهين من الكتاب والسنة.
وهذا أيضا: إثبات لتكليمه لجميع العباد بلا واسطة.
وتكليمه لعباده نوعان: نوع بلا واسطة: كما في الحديث، فالتكليم هنا تكليم محاسبة ويكون مع البر والفاجر، وأما قوله تعالى: لا يكلمهم الله فالمنفي كلام خاص، وهو الكلام الذي يسر المكلم.
ونوع بواسطة: وهو: كلامه تعالى لرسله من الملائكة
стр. 54
تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: "إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار» (متفق عليه. وقوله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» وقوله: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» حديث حسن. وقوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه ولا عن يمينه
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأمره ونواهيه وإخباره لأنبيائه ورسله من البشر.
وقوله ﷺ في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ» . حديث حسن رواه أبو داود. وقوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» حديث صحيح. وقوله: «والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» حديث حسن رواه أبو داود وغيره. وقوله للجارية: «أين الله؟ " قالت: في السماء فقال: "من أنا" قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مسلم. فهذه النصوص وغيرها المصرحة بأنه تعالى في السماء حق على حقيقتها، و "في" تكون بمعنى: (على) كما قاله كثير من أهل العلم واللغة، وقد وردت في مواضع كثيرة على هذا النحو، قال تعالى:
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها، وقال طائفة من أهل العلم إن معنى "في السماء" أي: في جهة وعلى الوجهين، فهي نص في علو الله على خلقه، وفي حديث الرقية المذكور توسل إلى الله بالثناء عليه بربوبيته وألوهيته وقدسيته وعلوه وعموم أمره الشرعي أمره القدري. فإن الله له الأمر القدري الذي ينشأ عنه الموجودات والحوادث والتدابير القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وله الأمر الشرعي المتضمن الشرائع التي شرعها لعباده على رسله. فتوسل إلى الله بذلك ثم توسل إليه برحمته التي شملت أهل السماوات كلهم أن يجعل لأهل الأرض نصيبا وافرًا منها، ثم توسل إليه بسؤال مغفرة الحوب وهو الذنب العظيم والخطايا وما دونها، ثم بربوبيته الخاصة للطيبين وهم الأنبياء وأتباعهم الذين غمرهم بنعم
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدين والدنيا الظاهرة والباطنة. فهذه الوسائل المتنوعة لا يكاد يرد دعاء من توسل بها؛ فلهذا دعا الله بعدها بالشفاء الذي لا يدع مرضا إلا أزاله.
وفي شهادة الرسول بالإيمان للجارية التي اعترفت بعلو الله ورسالة رسوله دليل على أن من أعظم أوصاف الباري الاعتراف بعلوه على خلقه ومباينته لهم، وأنه على العرش استوى، وأن هذا أصل الإيمان، وأن من أنكر علو الله المطلق من كل وجه فقد حرم هذا الإيمان. وقوله: «والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» فيه الجمع بين الإيمان بعلوه على عرشه وفوق مخلوقاته، وبإحاطة علمه بالموجودات كلها، وقد جمع بين الأمرين في عدة مواضع من كتابه.
هذان الحديثان دلا على أن أفضل الإيمان: مقام الإحسان والمراقبة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتعلم أن الله معك، لا تتكلم ولا تفعل ولا تتصرف إلا والله يراك ويشاهدك ويعلم درك وجهرك، وأن تلزم الأدب مع الله، خصوصا إذا دخلت في الصلاة التي هي أعظم صلة ومناجاة بين العبد وربه، فتخضع وتخشع وتعلم أنك واقف بين يدي الله، فتقلل من الحركات، ولا تسيء الأدب معه بالبصاق أمامك أو عن يمينك، فهذه المعية متى حصل للعبد استحضارها في كل أحواله لا سيما عباداته فإنها أعظم عون على المراقبة التي هي أعلى مراتب الإيمان، فيجمع العبد بين الإيمان بعلو الله واستحضار قربه، ولا منافاة بين الأمرين، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
وقد تواترت النصوص في رؤية الله لأهل الجنة، وأنهم يرون ربهم ويتمتعون بمشاهدته، وهي تدل على أمرين: على علوه على خلقه؛ لأنها صريحة في أنهم يرونه من فوقهم، وعلى أن أعظم النعيم نعيم النظر إلى وجهه الكريم. وحثه ﷺ في هذا الحديث على صلاة العصر وصلاة الفجر خصوصًا: فيه إشارة على أن من حافظ عليهما نال هذا النعيم الكامل الذي يصغر عنده كل نعيم، وهذا يدل على تأكدهما كما دل على ذلك الحديث الآخر: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» . الحديث متفق عليه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فهذه الأمة وسط بين الأمم التي تميل إلى الغلو والإفراط، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك. فمن الأمم من غلا في المخلوقين وجعل لهم من صفات الخالق وحقوقه ما جعل، ومنهم من جفا الأنبياء وأتباعهم حتى قتلهم ورد دعوتهم، وهذه الأمة آمنت بكل رسول أرسله الله، واعتقدت رسالتهم، وعرفت مقاماتهم الرفيعة التي فضلهم الله بها، ولم يغلوا في أحد منهم، ومن الأمم من أحلت كل طيب خبيث، ومنهم من حرم الطيبات غلوًا ومجافاة. وهذه
стр. 58
لكن عن يساره أو تحت قدمه» (متفق عليه. وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
стр. 59
البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل على طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، فافعلوا» (متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما أخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة
стр. 60
والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة وسط في جميع الأمم وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم وفي أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين الجهمية والمرجئة وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج
[فصل في استواء الرحمن على عرشه]
فصل فإن المصنف ﵀: وقد دخل فيما ذكرناه من
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمة أحل الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، ونحو ذلك من الأمور التي منَّ الله على هذه الأمة بالتوسط فيها.
وكذلك أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم
فهم وسط (١)
стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في باب صفات الله تعالى بين الجهمية أهل التعطيل وبين المشبهة أهل التمثيل كما تقدم بيان ذلك، وأن أهل السنة يثبتون جميع ما ثبت في النصوص من صفات الله على حقيقتها اللائقة بعظمة الباري
، فإن الجبرية يزعمون أن العبد مجبور على أفعاله لا قدرة له عليها، وأن أفعاله بمنزلة حركات الأشجار، وكل هذا غلو منهم في إثبات القدر.
والقدرية قابلوهم فنفوا متعلق قدرة الله بأفعال العباد
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنزيهًا لله بزعمهم. فأفعال العباد عندهم لا تدخل تحت مشيئة الله وإرادته، وكل من هاتين الطائفتين ردت طائفة كبيرة من نصوص الكتاب والسنة. وهدى الله أهل السنة والجماعة للتوسط بين الطائفتين المنحرفتين، فآمنوا بقضاء الله وقدره، وشمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي من جملتها أفعال المكلفين وغيرهم، وآمنوا بأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعل للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم على حسب اختيارهم وإرادتهم، فآمنوا بكل نص فيه تعميم قدرة ومشيئة، وبكل نص فيه إثبات أن العباد يعملون ويفعلون كل الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقدرتهم، وعلموا أن الأمرين لا يتنافيان، كما سيأتي توضيح ذلك.
وذلك أن المرجئة جعلت الإيمان تصديق القلب فقط، وأخرجت عنه جميع الأعمال الباطنة والظاهرة،
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجوزوا على الله أن يعذب المطيعين وأن ينعم العاصين، وأما الوعيدية من القدرية فخلدوا في النار كل من مات مصرًا على الكبائر التي دون الشرك، فانحرفت كل واحدة وردت؛ لأجل ذلك من النصوص ما ردت، وهدى الله أهل السنة والجماعة، فتوسطوا، وقالوا: إن الإيمان اسم لجميع العقائد الدينية والأعمال القلبية والبدنية، وأنه يكون ناقصًا إذا تجرأ المؤمن على المعاصي بدون توبة، وأن الله لا يظلم من عباده أحدا، ولا يعذب الطائعين بغير جرم ولا ذنب، وأنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولو فعل الكبائر، كما تواترت بذلك النصوص في الكتاب والسنة.
وقد تقدم ذلك، لكن الفرق بين الحروريه والمعتزلة: أن الحرورية -وهم الخوارج- يطلقون الكفر على العصاة من المؤمنين ويخلدونهم في النار، وأما المعتزلة
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يطلقون عليهم الكفر، بل يقولون: إنهم لا مسلمون ولا كفار، ولكنهم يخلدون في النار، كما تقول الخوارج، والنصوص ترد قولهم جميعًا.
فإن الرافضة تسبهم وتلعنهم، وربما كفرتهم أو كفرت بعضهم، وأما الرافضة الغالية فإنهم مع سبهم لطائفة من الصحابة وللخلفاء الثلاثة فإنهم يغلون في علي ويدعون فيه الألوهية، وهم الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار. وقابلهم الخوارج فقاتلوه وقاتلوا الصحابة وكفروهم واستحلوا دماءهم ودماء المسلمين.
وهدى الله أهل السنة والجماعة، فاعترفوا بفضل الصحابة جميعا، وأنهم أعلى الأمة في كل خصلة، ومع ذلك فلم يغلوا ولم يعتقدوا عصمتهم، بل قاموا بحقوقهم وأحبوهم لما لهم من الحق الأكبر على جميع الأمة. كما سيأتي.
شرح المصنف ﵀ في هذا الفصل مسألة علو الله واستوائه على عرشه، وأن ذلك داخل في الإيمان بالله، وذلك لما حصل في هذه المسألة من الاختلاف والمخاصمات لله بين أهل السنة والجماعة وبين طوائف الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم في هذه المسألة من الأشعرية ونحوهم. فإن مسألة العلو صنفت فيها المصنفات المستقلة، وأورد أهل السنة من نصوص الكتاب والسنة ما لا يمكن أو دفع بعضه، وحققوا ذلك بالعقل الصحيح، وأن
стр. 66
الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة، من أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه، وهو تعالى معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين في ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وليس معنى قوله وهو معكم أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موجود في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الذي ذكر الله من أنه فوق العرش
стр. 67
وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله: "في السماء" أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره
[فصل في الإيمان بأن الله تعالى قريب]
فصل قال المصنف ﵀: (وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا﴾ [البقرة: ١٨٦] وقوله ﷺ : «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو في دنوه قريب في علوه) .
[فصل في أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق]
فصل قال المصنف: ومن الإيمان به وبكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعوده، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك أن يكون كلام الله حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفطر والعقول معترفة بل ومضطرة إلى الإيمان بعلو الله، إلا من غيرت فطرته العقائد الباطلة.
وقد بين المصنف في هذا الموضوع الجمع بين الإيمان بعلو الله وإثبات معيته وعلمه المحيط، وحققه في كلام واضح، مبين بالأمثلة المقربة للمعاني بما لا مزيد عليه.
خصص المصنف ﵀ هذا البحث بهذين الأمرين؛ وذلك لشدة الحاجة إلى الإيمان بقربه وإجابته؛ ليكون العبد مراقبًا لله إذا آمن بقربه إيمانا تامًا، وكان منيبًا إليه على الدوام إذا آمن بإجابته للسائلين وإثابته للمطيعين.
ثم ذكر ﵀ الجمع بين الإيمان بعلو الله وقربه ومعيته؛ لئلا يظن الظان أن ذلك مثل صفات المخلوقين، وأنه إذا قيل إنه علي فوق خلقه كيف يكون معهم وقريبًا منهم؟ فأجاب بما تضمنه هذا الأصل الثابت في الكتاب السنة وإجماع الأمة، وهو أن اللهّ تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، ومن نعوته اللازمة العلو المطلق والقرب العام والخاص، وأن القرب والعلو في حقه يجتمعان لعظمته وكبريائه وإحاطته من كل وجه، فهو العلي في دنوه، القريب في علوه، وهذا الأصل ينفعك في كل ما ورد عليك من صفات اللهّ الثابتة، فأثبتها ولا تتوقف، فإن الذي أثبتها هو الله الذي هو أعلم بنفسه، ورسوله
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي هو أعلم الخلق وأورعهم وأنصحهم للمخلوقين، فإن خطر ببالك تمثيل أو تشبيه فتفطن لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]
وكذلك أيضا فإن الكلام على الصفات مثل الكلام على الذات؛ فكما أنه لا نظير له ولا مثيل له في ذاته، فكذلك لا مثيل له ولا نظير له في صفاته.
(ووجه ذلك وأنه داخل في الإيمان بالله وبكتبه- أن الإيمان بكلام الله على هذا الوصف الذي ذكره المصنف وأنه من الإيمان بالله؛ لأنه وصفه، والكلام صفة للمتكلم. فإن الله تعالى موصوف بأنه متكلم إذا شاء بما شاء، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، وكلامه تعالى لا ينفد ولا يبيد، ونوع الكلام أزلي أبدي ومفرداته لا تزال تقع شيئا فشيئا بحسب حكمة الله تعالى، والله تعالى أضافه إلى نفسه في قوله: " كلام الله " إضافة الصفة لموصوفها، فدل على أنه كلامه لفظه ومعناه ووصفه، وإذا كان كذلك كان غير مخلوق، ومن زعم أنه مخلوق من المعتزلة فقد أعظم الفرية على الله، ونفى كلام الله عن الله وصفا وجعله وصفا للمخلوق، ومن زعم أن القرآن الموجود بيننا عبارة عن كلام الله أو حكاية
стр. 70
إلى من قاله مبتدءا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف فيؤمنون بفتنة القبر وبعذابه ونعيمه: فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: (من ربك؟ وما في دينك؟ وما نبيك) فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي. وأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وتدنوا منهم الشمس، ويلجمهم العرق، وتنصب الموازين، فتوزن فيها أعمال العباد، (١)
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه كما قاله الكلاّبية والأشعرية فقد قال بنصف قول المعتزلة.
فالقرآن كلام الله حيث تصرف، سواء كان محفوظًا في الصدور أو متلوًا بالألسنة أو مكتوبًا في المصاحف، فلا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، كما قال المصنف.
فإن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدءا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا. وقول السلف: (كلام الله منه بدأ) أي: هو الذي تكلم به لا غيره وقوله: (إليه يعود) أي يرجع، أي يوصف الله به. وقيل: إن المراد بذلك ما ورد من أن من أشراط الساعة أن يرفع القرآن من الصدور والمصاحف، والأول أولى. وهذه المسألة - مسألة الكلام- عظيمة تكلم فيها الناس على اختلاف طرائقهم. ولكن المصنف ذكر في هذا الفصل كلامًا في التكلم جامعًا نافعًا مأخوذًا من الأدلة الشرعية العقلية والنقلية.
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما كون هذا داخلا في الإيمان بكتبه فإن الإيمان بالكتب وخصوصا القرآن يقتضي أن يؤمن العبد بكل ألفاظها ومعانيها وما دلت عليه من العقائد والمعاني الجليلة، فمن لم يؤمن بجميع ذلك فلن يتم إيمانه.
واعلم أن المؤمنين بالقرآن على قسمين: كاملين، وناقصين.
أما الكاملون: فإنهم أقبلوا على القرآن فتفهموا معانيه، ثم آمنوا بها واعتقدوها كلها، وتخلقوا بأخَلاقها، وعملوا بما دل عليه امتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، ولم يفرقوا بين نصوصه كحال أهل البدع الذين آمنوا ببعض دون بعض.
وأما الناقصون: فهم قسمان:
قسم مبتدعون، وقسم فاسقون ظالمون.
أما المبتدعون: فكل من ابتدع بدعة ترك لها شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وهؤلاء على مراتبهم في البدعة بحسب ما خالفوا فيه. وأما الفاسقون فهم الذين عرفوا
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنه يجب عليهم الإيمان بالكتاب والعمل به، فاعترفوا بذلك ولكن أعمالهم ناقضت أقوالهم فتجرءوا على مخالفة الكتاب بترك كثير من واجباته والاقتحام على كثير مما نهى عنه من غير أن يجحدوا، ولكن نفوسهم الأمارة بالسوء غلبتهم واستولت عليهم.
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن آمن بكتابه إيمانًا صحيحًا حتى نكون لجميع نصوصه معتقدين، ولأوامره ونواهيه خاضعين، إنه جواد كريم.)
(وهذا ضابط جامع يدخل فيه الإيمان بالنصوص الواردة في حالة الإحتضار وفي القبر والقيامة والجنة والنار وجميع
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما احتوت عليه من التفاصيل التي صنفت فيها المصنفات المطولة والمختصرة، وكلها داخلة في الإيمان باليوم الآخر.
ثم أشار المصنف إلى شيء منها فقال:)
(وهذا الابتلاء والامتحان لكل عبد، فأما من كان مؤمنا إيمانًا صحيحًا ثبته الله ولقنه الجواب الصحيح للملكين، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] فذكر أن تثبيته لهم جزاء لهم على إيمانهم في الدنيا، فالمؤمن يجيب الجواب الصحيح وإن كان عاميا أو أعجميا، وأما الكافر
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمنافق ممن كان في الدنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول فإنه يستعجم عليه الجواب، ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
ومن حكمة الله أن نعيم البرزخ وعذابه لا يحس به الإنس والجن بمشاعرهم؛ لأن الله تعالى جعله من الغيب، ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة.)
(ذكر المصنف ﵀ هذا الكلام النفيس المتعلق باليوم الآخر المأخوذ من نصوص الكتاب والسنة، وهو واضح جامع، وأحال على الكتاب والسنة في بقية اليوم الآخر.
وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة فيما يتعلق باليوم الآخر وبالجنة والنار وتفاصيل ذلك كثير، وصنفوا المصنفات المطولة والمبسوطة. والمهم أن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر. واعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل وواقع بالسمع، فإن الله نبه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب، وذكر بما هو مستقر في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثًا لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشد الإنكار، وهذا شيء مشاهد محسوس