← Акыда

Акыда · id 9430

التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (120 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه كما قاله الكلاّبية والأشعرية فقد قال بنصف قول المعتزلة. فالقرآن كلام الله حيث تصرف، سواء كان محفوظًا في الصدور أو متلوًا بالألسنة أو مكتوبًا في المصاحف، فلا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، كما قال المصنف. فإن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدءا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا. وقول السلف: (كلام الله منه بدأ) أي: هو الذي تكلم به لا غيره وقوله: (إليه يعود) أي يرجع، أي يوصف الله به. وقيل: إن المراد بذلك ما ورد من أن من أشراط الساعة أن يرفع القرآن من الصدور والمصاحف، والأول أولى. وهذه المسألة - مسألة الكلام- عظيمة تكلم فيها الناس على اختلاف طرائقهم. ولكن المصنف ذكر في هذا الفصل كلامًا في التكلم جامعًا نافعًا مأخوذًا من الأدلة الشرعية العقلية والنقلية.

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما كون هذا داخلا في الإيمان بكتبه فإن الإيمان بالكتب وخصوصا القرآن يقتضي أن يؤمن العبد بكل ألفاظها ومعانيها وما دلت عليه من العقائد والمعاني الجليلة، فمن لم يؤمن بجميع ذلك فلن يتم إيمانه. واعلم أن المؤمنين بالقرآن على قسمين: كاملين، وناقصين. أما الكاملون: فإنهم أقبلوا على القرآن فتفهموا معانيه، ثم آمنوا بها واعتقدوها كلها، وتخلقوا بأخَلاقها، وعملوا بما دل عليه امتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، ولم يفرقوا بين نصوصه كحال أهل البدع الذين آمنوا ببعض دون بعض. وأما الناقصون: فهم قسمان: قسم مبتدعون، وقسم فاسقون ظالمون. أما المبتدعون: فكل من ابتدع بدعة ترك لها شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وهؤلاء على مراتبهم في البدعة بحسب ما خالفوا فيه. وأما الفاسقون فهم الذين عرفوا

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه يجب عليهم الإيمان بالكتاب والعمل به، فاعترفوا بذلك ولكن أعمالهم ناقضت أقوالهم فتجرءوا على مخالفة الكتاب بترك كثير من واجباته والاقتحام على كثير مما نهى عنه من غير أن يجحدوا، ولكن نفوسهم الأمارة بالسوء غلبتهم واستولت عليهم. فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن آمن بكتابه إيمانًا صحيحًا حتى نكون لجميع نصوصه معتقدين، ولأوامره ونواهيه خاضعين، إنه جواد كريم.) (وهذا ضابط جامع يدخل فيه الإيمان بالنصوص الواردة في حالة الإحتضار وفي القبر والقيامة والجنة والنار وجميع

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما احتوت عليه من التفاصيل التي صنفت فيها المصنفات المطولة والمختصرة، وكلها داخلة في الإيمان باليوم الآخر. ثم أشار المصنف إلى شيء منها فقال:) (وهذا الابتلاء والامتحان لكل عبد، فأما من كان مؤمنا إيمانًا صحيحًا ثبته الله ولقنه الجواب الصحيح للملكين، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] فذكر أن تثبيته لهم جزاء لهم على إيمانهم في الدنيا، فالمؤمن يجيب الجواب الصحيح وإن كان عاميا أو أعجميا، وأما الكافر

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمنافق ممن كان في الدنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول فإنه يستعجم عليه الجواب، ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ومن حكمة الله أن نعيم البرزخ وعذابه لا يحس به الإنس والجن بمشاعرهم؛ لأن الله تعالى جعله من الغيب، ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة.) (ذكر المصنف ﵀ هذا الكلام النفيس المتعلق باليوم الآخر المأخوذ من نصوص الكتاب والسنة، وهو واضح جامع، وأحال على الكتاب والسنة في بقية اليوم الآخر. وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة فيما يتعلق باليوم الآخر وبالجنة والنار وتفاصيل ذلك كثير، وصنفوا المصنفات المطولة والمبسوطة. والمهم أن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر. واعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل وواقع بالسمع، فإن الله نبه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب، وذكر بما هو مستقر في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثًا لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشد الإنكار، وهذا شيء مشاهد محسوس

стр. 76

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا - اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها. وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. والصراط منصوب على متن

стр. 77

جهنم؛ وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة أمته ﷺ . [شفاعات النبي ﷺ ] وله ﷺ ثلاث شفعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء، آدم ونوح وإبراهيم

стр. 78

وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة، حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقيين وغيرهم (١) فيشفع فيمن ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 79

استحق النار أن لا يدخلها وفيمن دخلها أن يخرج منها. ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة. فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة. وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكور في الكتب المنزلة من السماء. وفي الآثار من العلم الموروث عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يكفي ويشفي، فمن ابتغاه وجده [الإيمان بالقدر خيره وشره] وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين) (١) : ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ متناقل بين الناس بالتواتر الذي لا يقبل الشك. ولا يزال الله يري عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبين به الحق لأولي العقول والألباب. وأما تفاصيل الجزاء ومقاديره فلا يدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن الحكمة في محاسبة الخلق على أعمالهم ووزنها وظهورها مكتوبة في الصحف مع إحاطة علم الله بذلك ليري عباده كمال حمده وكمال عدله وسعة رحمته وعظمة ملكه؛ ولهذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] مع أن ملكه عام مطلق لهذا اليوم ولغيره. قال المصنف ﵀:) (اعلم أن الإيمان بالقدر أمره عظيم وشأنه مهم جدًا، وهو أحد أركان الإيمان الستة، وقد انحرف فيه طوائف من أهل البدع والضلال، فضلا عن المنكرين من الملحدين وغيرهم، وقد فصله الشيخ في هذا الفصل بهذا الكلام الجامع النفيس الذي لا يوجد له نظير في تحقيقه وتفصيله وجمعه وتوضيحه، وهو مجموع من نصوص الكتاب والسنة، ومن العقيدة السلفية الخالصة. فذكر أنه لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق هذه الأمور الأربعة التي يفتقر كل منها إلى البقية، وقد ارتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم إلا بالانحراف إلى الأقوال المنحرفة. وذلك أنه ثبت في نصوص الكتاب والسنة إحاطة علم الله بجميع الموجودات السابقة والحاضرة والمستقبلة من أعيان وأوصاف وأفعال للمكلفين وغيرهم. وتثبت النصوص أيضا أن الله أثبت علمه بالكائنات والموجودات دقيقها وجليلها باللوح المحفوظ في نصوص

стр. 81

فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله يعلم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم

стр. 82

جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] وهذا التقدير تابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات؛ فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك. فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا ومنكره اليوم قليل.

стр. 83

وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات ولا في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق

стр. 84

قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] وهذه الدرجة. من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها) (١) [فصل في أن الإيمان قول وعمل] فصل قال المصنف ﵀ ومن أصول أهل السنة أن ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يمكن إحصاؤها. وتثبت النصوص أيضًا أن مشيئة الله عامة، وإرادته القدرية شاملة، لا يخرج عنها حادث صغير ولا كبير ولا عين ولا فعل ولا وصف، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والنصوص على شمول قدرة الله ومشيئته لكل حادث لا تحصى. وتثبت النصوص أيضًا أن العباد مختارون غير مجبورين على أفعالهم، وأن أعمالهم خيرها وشرها واقعة بمشيئتهم وقدرتهم التي خلقها الله لهم، وخالق السبب التام خالق للمسبب. وبهذا ينحل عن العبد الإشكال، ويتسع قلبه لمجمع بين إثبات عموم مشيئته وقدرته وشمولهما لأفعال العباد مع وقوعها شرعًا وحسًا وعقلًا باختيارهم. فمتى جمع العبد هذه المراتب الأربع وآمن بها إيمانًا صحيحًا كان هو المؤمن بالقدر حقًا الذي يعلم أن الله بكل شيء عليم، وعلمه بالحوادث قد أودعه في اللوح المحفوظ، والحوادث كلها

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تجري على ما علمه الله وكتبه وتقع بأسباب ربطها العزيز الحكيم بمسبباتها، والأسباب والمسببات من قضاء الله وقدره. ولهذا لما قال النبي ﷺ لأصحابه: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار" فقالوا يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] » متفق عليه. وتوضيح ذلك أن العبد إذا صلى وصام وعمل الخير أو عمل شيئًا من المعاصي كان هو الفاعل لذلك العمل الصاع وذلك العمل السيئ، وفعله المذكور بلا ريب واقع باختياره، وهو يحس ضرورة أنه غير مجبور على الفعل

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل، وكما أن هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه في كتابه ونص عليه رسوله، حيث أضاف الأعمال صالحها وسيئها إلى العباد وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم محمودون عليها إن كانت صالحة ومثابون عليها، ومذمومون إن كانت سيئة ومعاقبون عليها. فقد تبين بهذا واتضح أنها واقعة منهم وباختيارهم وأنهم إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلًا وحسًا وشرعًا ومشاهدة، ومع ذلك فإذا أردت أن تعرف أنها كذلك واقعة منهم واعترض معترض وقال: كيف تكون داخلة في القدر وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال: بأي شيء وقعت هذه الأعمال الصادرة من العباد خيرها وشرها، فهي بقدرتهم وإرادتهم، وهذا يعترف به كل أحد، ويقال أيضا: إن الله خلق قدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم. والجواب كذلك يعترف به كل أحد، وأن الله هو الذي خلق قدرتهم وإرادتهم وهو الذي خلق ما به تقع الأفعال كما

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه الخالق للأفعال، وهذا هو الذي يحل الإشكال ويتمكن العبد أن يعقل بقلبه اجتماع القدر والقضاء والاختيار. ومع ذلك فهو تعالى أمد المؤمنين بأسباب وألطاف وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع كما قال ﷺ : «أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة» وكذلك خذل الفاسقين ووكلهم إلى أنفسهم ولم يعنهم؛ لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه فولاهم ما تولوه لأنفسهم. ولما ضاق تحقيق هذا المقام على قلوب كثير من الخلق انحرفت هنا طائفتان من الناس: طائفة يقال لهم الجبرية؛ غلو في إثبات القدر وتوهموا أن العبد ليس له فعل حقيقة، وأنه لا يمكن أن يثبت للعبد عموم المشيئة، ولا يثبت له أيضًا عموم الاختيار. والطائفة الأخرى: القدرية، قابلتهم فشهدت وقوع أفعالهم بقدرتهم واختيارهم، وتوهموا أنه لا يمكن مع ذلك

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يدخل ذلك في قضاء الله وقدره. ولم تتسع قلوب الجبرية والقدرية للجمع بين الأمرين. فرد كل منهما قسمًا كبيرًا من نصوص الكتاب والسنة المؤيدة للقول الصحيح، وهدى الله أهل السنة والجماعة فآمنوا بجميع الكتاب والسنة، وآمنوا بقضائه وقدره وشمولهما لكل موجود وبشرعه وأمره، وأن العباد فاعلون حقيقة مختارون. فإيمانهم بعموم القدر يوجب لهم الاستعانة التامة بربهم؛ لعلمهم أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن له في عباده المؤمنين ألطافا وتيسيرا لا يناله أحد منهم إلا بقوة الإيمان والتوكل، وأوجب لهم إيمانهم بالشرع والأمر والنهي والأسباب وأنها مرتبطة بمسبباتها شرعًا قدرًا - الجد والاجتهاد في فعل الأسباب النافعة، وبذلك تعرف أن الإيمان الصحيح سبب لكل خير. ومن فوائد الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يوجب للعبد سكون القلب وطمأنينته وقوته وشجاعته؛ لعلمه أن ما أصابه

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. كما أنه يسلي العبد عن المصائب ويوجب له الصبر والتسليم والقناعة بما رزقه الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم. ومن فوائده: أنه يوجب للعبد شهود منة الله عليه فيما يمن به عليه من فعل الخيرات وأنواع الطاعات، فلا يعجب بنفسه ولا يدلي بعمله؛ لعلمه أنه تعالى هو الذي تفضل عليه بالتوفيق والإعانة وصرف الموانع والعوائق، وأنه لو وكل إلى نفسه لضعف وعجز عن العمل. كما أنه سبب لشكر نعم الله بما ينعم عليه من نعم الدين والدنيا. فإنه يعلم أنه ما بالعبد من نعمة إلا من الله وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمة.) قد دل الكتاب والسنة على ما قاله الشيخ، وأجمع على ذلك سلف الأمة، فكم من آية قرآنية وأحاديث نبوية أطلقت على كثير من الأقوال والأعمال اسم الإيمان، فالإيمان المطلق يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه،

стр. 91

الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله:

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصوله وفروعه، ويدخل فيه العقائد التي يجب اعتقادها في كل ما احتوت عليه من هذا الكتاب، ويدخل أعمال القلوب كالحب لله ورسوله. والفرق بين أقوال القلب وبين أعماله: أن أقواله هي العقائد التي يعترف بها القلب ويعتقدها، وأما أعمال القلب فهي حركته التي يحبها الله ورسوله، وضابطها محبة الخير وإرادته الجازمة، وكراهية الشر والعزم على تركه، وهذه الأعمال القلبية تنشأ عنها أعمال الجوارح، فالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد- من الإيمان، وبر الوالدين وصلة الأرحام والقيام بحقوق الله وحقوق خلقه المتنوعة- كلها من الإيمان. وكذلك الأقوال؛ فقراءة القرآن وذكر الله والثناء عليه والدعوة إلى الله والنصيحة لعباد الله وتعلم العلوم النافعة - كلها داخلة في الإيمان؛ ولهذا لما كان الإيمان اسمًا لهذه الأمور ترتب عليه أنه يزيد وينقص، كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر مشاهد في تفاوت

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المؤمنين في عقائدهم وأعمال قلوبهم وجوارحهم. ومن زيادته ونقصه أن قَسّم المؤمنين إلى ثلاث طبقات: سابقون بالخيرات: وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فهؤلاء المقربون. ومقتصدون: وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات. وظالمون لأنفسهم: وهم الذين تجرءوا على بعض المحرمات، وقصروا فيِ بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم. فهذا من أكبر البراهين على زيادة الإيمان ونقصه. فما أعظم التفاوت بين هؤلاء الطبقات. ومن وجوه زيادته ونقصه: أن المؤمنين متفاوتون في علوم الإيمان وتفاصيله، فمنهم من وصل إليه من تفاصيله وعقائده خير كثير، فازداد به إيمانه وتم به يقينه، ومنهم ما هو دون ذلك ودون ذلك، حتى تصل الحال إلى أن من المؤمنين من معه إيمان إجمالي ولم يتيسر له من التفاصيل شيء، وهو مع ذلك مؤمن. ومعلوم الفرق بين هذه المراتب.

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن وجوه زيادة الإيمان ونقصه: أن المؤمنين متفاوتون تفاوتًا كبيرًا في أعمال القلب والجوارح وكثرة الطاعات وقلتها، وهذا شيء محسوس. ومن وجوه زيادته ونقصه: أن من المؤمنين من لم تجرح المعاصي إيمانه وإن وقع منه شيء من ذلك بادر إلى التوبة والإنابة. ومنهم من هو متجرئ على كثير من المعاصي، ومعلوم الفرق بينهما. ومن وجوه زيادته ونقصه: أن من المؤمنين من هو واجد حلاوة الإيمان، وقد ذاق طعمه واستحلى الطاعات، وتأثر قلبه بالإيمان، ومنهم من لم يصل إلى ذلك؛ ولهذا قال المصنف ﵀: وهذا تحقيق مذهب السلف الذي باينوا فيه الخوارج المارقين الذين يسلبون العصاة اسم الإيمان ويخلدونهم في النار. وباينوا فيه المعتزلة الذين وافقوا الخوارج في المعنى وخالفوهم في اللفظ. أما الكتاب والسنة فإنهما دلا من وجوه كثيرة على أن العبد يكون فيه خير وشر، وإيمان، وخصال كفر، وخصال نفاق، لا تخرجه عن الإيمان بالكلية. وأن الإيمان

стр. 95

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] وقوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» . ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم [فصل في سلامة قلوب أهل السنة والجماعة وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ] فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وطاعة النبي ﷺ في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والاجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح- وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله، كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵁، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المطلق إنما يتناول الإيمان الممدوح الكامل في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٢ - ٣] ونحو ذلك من النصوص. وأما مطلق الإيمان الذي يدخل فيه الإيمان الكامل والإيمان الناقص، فإنه قد ثبت في الكتاب والسنة إطلاقه على العصاة من المؤمنين وأجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ومن المعلوم دخول أي مؤمن من الأرقاء في هذا النص، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فسماهم إخوة بعد وجود الاقتتال. ويقال أيضًا في توضيح ذلك: إن الإيمان الممدوح الذي يؤتى به في سياق الثناء على أهله إنما يتناول الإيمان الكامل، والإيمان الذي يقال لصاحبه إنه من المؤمنين يدخل فيه هذا وهذا. ويقال أيضًا الإيمان الذي

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يمنع صاحبه من التجرئ على الزنا وشرب الخمر والسرقة ونحوها من الفواحش هو الإيمان الكامل. والإيمان الذي لا يمنع من ذلك هو الناقص. وهذا وجه الحديث الذي ذكره المنصف: (لا يزني الزاني. . .) إلخ. ويقال أيضًا: الإيمان الذي يمنع دخول النار هو الإيمان الكامل، والإيمان الذي يمنع من الخلود فيها يكون إيمانًا ناقصًا. وقد تواترت الأحاديث بخروج من في قلبه حبة خردل من إيمان. ويقال أيضًا: الأحكام الأصولية والفروعية تدور مع أسبابها وعللها، وإذا وجد في العبد أسباب متعارضة عمل كل سبب في مسببه، فالطاعات سبب لدخول الجنة والثواب، والمعاصي سبب لدخول النار والعقاب، فأعمل كل واحد في مقتضاه. ولكن لما كانت رحمة الله قد سبقت غضبه، وفضله على العباد قد غمرهم وتنوع عليهم من كل وجه، كان أقل القليل من الإيمان له الأثر المستقر الذي يضمحل ضده من كل وجه، وإن

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان معه شيء من الإيمان فإن مآله إلى الخلود في دار النعيم. وهذا

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدعاء الصادر ممن اتبع المهاجرين والأنصار بإحسان يدل على كمال محبتهم لأصحاب رسول الله وثنائهم عليم؛ لأن من سعى في أمر من الأمور فهو ساع في تحقيقه، فاجتهد في طلبه متضرعًا لربه أن يتم ذلك له، وأولى من دخل في هذا الدعاء الصحابة الذين سبقوا إلى الإيمان، وحققوه وحصل لهم من براهينه وطرقه ما لم يحصل لغيرهم، ونفي الغل من جميع الوجوه يقتضي تمام المحبة لهم، فهم يحبون الصحابة لفضلهم وسبقهم واختصاصهم لصحبة الرسول ولإحسانهم إلى جميع الأمة؛ لأنهم هم المبلغون جميع ما جاء به نبيهم، فما وصل لأحد علم ولا خير إلا على أيديهم وبواسطتهم. فعلى الأمة أن يطيعوا النبي ﷺ في كل أمر، وخصوصًا في هذا الأمر الخاص، وأن يوقروا

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحابه ويحترموه، ويعتقدوا أن العمل القليل منهم يفضل العمل الكثير من غيرهم، كما في هذا الحديث، وهذا من أعظم براهين فضلهم على غيرهم. وقد ذكر الله ورسوله للصحابة فضائل كثيرة على الأمة، فيجب على الأمة الإيمان بها، وأن يحبوا الصحابة لأجلها. وقيل لصلح الحديبية فتح؛ لما ترتب عليه من المصالح والخير الكثير ودخول الكثير في الإسلام؛ ولهذا كان من أسلم قبل ذلك وأنفق وقاتل أفضل ممن فعل ذلك بعده؛ لما حصل لهم من السبق في الإسلام وقت ضعف المسلمين، وكثرة الأعداء، ووجود الموانع والمصاعب الكثيرة في طريق الإسلام . ثم قال المصنف وهذا لأن المهاجرين جمعوا

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوصفين النصرة والهجرة، ولهذا كان الخلفاء الراشدون وبقية العشرة من المهاجرين. وقد قدم الله ذكر المهاجرين على الأنصار في سورة التوبة والحشر، وهذا التفضيل للجملة على الجملة لا لكل فرد من هؤلاء على كل فرد من الآخرين. أي ﵃ في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وكان عددهم يتراوح ما بين ألف وأربعمائة أو خمسمائة، فأهل بدر وأهل بيعة الرضوان يشهد لهم بالجنة والنجاة من النار على وجه أخص من الشهادة بذلك لجميع الصحابة في قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ؛ ولهذا قال

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المصنف : وهذا من أعظم الفضائل؛ تخصيص النبي ﷺ لهم بالشهادة بالجنة، وهو من جملة براهين رسالته ﷺ ؛ فإن جميع من عينه النبي ﷺ بالشهادة له بالجنة ولوازمها لم يزالوا مستقيمين على الإيمان حتى وصلوا إلى ما وعدوا به رضى الله عنهم. أي: والخلافة، وخلافة أحد الاثنين لم تكن إلا بعد مشاورة جميع المسلمين على اختلاف طبقاتهم، والقصة مشهورة في كتب التاريخ. يريد المؤلف ﵀ أن الخلاف الكائن بين الأمة على وجهين: أحدهما: الخلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية التي إذا اجتهد فيها الحاكم من قاض ومفتٍ ومصنف ومعلم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. الوجه الثاني: الخلاف في المسائل الأصولية، كمسائل

стр. 103

وعلي ﵃ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، وقدم قوم عليا وتوقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة- مسألة عثمان وعلى - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية محمد ﷺ حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي» وقال أيضا للعباس عمه، وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصًا خديجة أم أكثر أولاده وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة الطيبة. والصديقة بنت الصديق التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذرون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى أنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحوا السيئات ما ليس لمن بعدهم.

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صفات الباري والقدر والإيمان ونحوها، وهذا يضلل فيها المخالفون؛ لما دل عليه الكتاب والسنة. وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فمسألة الخلافة وتقديم علي على عثمان فيها يعد من البدع التي من اعتقدها فهو في الغالب متشيع، وقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، كما قال ذلك غير واحد من السلف. وأما التفضيل بينهما: فإنها مسألة خفيفة من جنس مسائل الخلاف في المسائل الاجتهادية. فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة من وجوه: - منها: أولًا لإسلامهم وفضلهم وسوابقهم. ومنها: لما تميزوا

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به من قرب النبي ﷺ واتصالهم بنسبه. ومنها: لما حث عليه ورغب فيه. ولما في ذلك من علامة محبة الرسول ﷺ وقد قال: «إن اللهّ اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» فهو ﷺ خيار من خيار من خيار، وقد جمع الله له أنواع الشرف من كل وجه. فإن جميع أولاده الذكور والإناث منها إلا إبراهيم، فإنه من سريته مارية القبطية. وعائشة وخديجة هما أفضل نساء النبي ﷺ . وقد اختلف العلماء أيهما أفضل. والتحقيق أن لكل واحدة

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منهن من الفضائل والخصائص ما ليس للأخرى؛ فلخديجة من السبق ومعاونة النبي ﷺ على أمره في أول الأمر وتثبيته، وكون أكثر أولاد النبي ﷺ منها- ما ليس لعائشة. ولعائشة من العلم والتعليم ونفع الأمة ما ليس لخديجة، رضى الله عنهما. وأول من سمى الروافض بهذا اللقب زيد بن علي الذي خرج في أوائل (١) دولة بني العباس، وبايعه كثير من الشيعة، ولما ناظروه في أبي بكر وعمر وطلبوا منه أن يتبرأ منهما فأبى ﵀ تفرقوا عنه، فقال: (رفضتموني) فمن يومئذ قيل لهم: الرافضة، وكانوا فرقًا كثيرة؛ منهم الغالية، ومنهم من هم دون ذلك، وفرقهم معروفة.

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما النواصب فهم الذين نصبوا العداوة والأذية لأهل بيت النبي ﷺ ، وكان لهم وجود في صدر هذه الأمة؛ لأسباب وأمور سياسية معروفة، ومن زمن طويل ليس لهم وجود والحمد لله. ثم قال المصنف ﵀: أي: وهذه الأمور إذا قوبلت بالمساوئ - على فرض أن هناك مساوئ- اضمحلت تلك المساوئ معها، ولا يقاربهم أحد في شيء من ذلك رضى الله عنهم. وهذا كلام نفيس في غاية التحقيق والإبداع، ولا زيادة عليه في إقامة البرهان على كمال فضل الصحابة رضى الله عنهم، لا يحتاج إلى شرح أو بيان. تواترت نصوص الكتاب والسنة

стр. 108

وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته ﷺ ، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة

стр. 109

والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهما به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله [فصل في التصديق بكرامات الأولياء] فصل قال المصنف ﵀: ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمة في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها

стр. 110

إلى يوم القيامة [فصل في اتباع آثار رسول الله ظاهرا وباطنا] فصل قال المصنف ﵀: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار (١) رسول الله ظاهرًا وباطنًا، واتباع ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →