← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9438

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم = الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين

عبد المحسن المطيري

Полный текст (449 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جمهورية مصر العربية جامعة القاهرة كلية دار العلوم قسم الشريعة الإسلامية الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري رسالة لنيل درجة الدكتوراة مقدمة من الطالب: عبد المحسن بن زبن بن متعب المطيري المعيد بكلية الشريعة - جامعة الكويت إشراف: أ. د / إبراهيم عبد الرحيم حفظه الله

стр. 2

أصل هذا الكتاب رسالة علمية قدمت إلى جامعة القاهرة - كلية دار العلوم قسم الشريعة الإسلامية، نال بها المؤلف درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وذلك في العام ٢٠٠٣ م

стр. 3

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد عرف أعداء الإسلام أن مصدر عزة هذا الدين وأهله، وسر تجدده في نفوس المسلمين هو هذا القرآن العظيم، الذي لا يخلق من كثرة الترداد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يمله القارئ والسامع ولا يزداد به المؤمن إلا يقينا بدينه وتعلقا به، هذه المعجزة الخالدة، والآية الباقية ما بقي الليل والنهار، هذا الكتاب الذي وعد الله تعالى بحفظه بقوله: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . ولما كانت هذه منزلة القرآن، اجتهد أعداء الدين بالطعن في هذا القرآن؛ حتى يسلخوا المسلمين من التعلق به، فيصبحوا صيدا سهلا وغنيمة باردة. وحرب أعداء الدين هذه ليست فقط على القرآن، بل على كل أساساته وقواعده؛ فهناك الحرب على الرسول ﷺ وسنته (١) ، والطعن في عدالة الصحابة، والحرب على المرأة المسلمة (٢) وحجابها وعفافها،

стр. 4

والحرب على بعض الشعائر كالجهاد (١) ، وغيرها من الجبهات، ولكن الحرب على القرآن هي أخطرها وأشدها وأشرسها؛ لأن القرآن هو الذي يدل على الأصول السابقة ويحث عليها، فهو أصلها وهي فروعه، وبذهاب الأصل تذهب الفروع؛ ومن هنا عزمت في هذه الرسالة على جمع هذه المطاعن والإشكالات التي تثار الآن، والتي هي عبارة - في غالبها - عن ترديد لما سبق، فلو عرفها الناس وتحصنوا منها لما حصل هذا الاضطراب من هذه الشبه. ومن أهداف الرسالة أيضا الرد على المستشرقين الذين يطعنون في هذا الدين، ويشككون في قدسية وعصمة كتابه. وكذلك الرد على المعاصرين الذين تأثروا بهذه الشبه وبدأوا يرددونها. فاخترت أن تكون أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة بعنوان: الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري. ومن الأسباب التي لأجلها اخترت هذا الموضوع: ١- كثرة المطاعن في هذا الزمن خاصة على القرآن، واتهامه بالتناقض، سواء من المستشرقين، أو من أعداء الدين، أو ممن ينتسبون للإسلام. ٢- تأثر بعض المسلمين بهذه الشبه التي تثار، فكان لزاما على طلبة العلم وأهله كشف هذه الشبه، وبيان فسادها للناس أجمعين. ٣- إثبات إعجاز القرآن، وأنه من عند الله، وأن الله تكفل بحفظه حقا.

стр. 5

٤- كشف شبه الطاعنين وأكاذيبهم، وبيان أنها ترديد لما أورده الطاعنون السابقون. ٥- كشف المنافقين المندسين بين المسلمين للطعن في هذا الدين. ٦- امتثالا لأمر النبي ﷺ كما في حديث أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ (قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وأَلْسِنَتِكُمْ» (١) . ٧- الدخول في حزب جند الله المدافعين عن كتابه؛ لعله يكون لنا شافعا يوم القيامة. وأما أهمية الموضوع فتتضح من أمور كثيرة منها: ١- عموم نفعه للمسلمين. ٢- أن الموضوع يعالج مشكلة معاصرة ومستمرة. ٣- أن هذا الباب لم يُخدم بما يستحقه. ٤- خطورة الطعن في القرآن؛ حيث إنه من نواقض العهد مع أهل الذمة، بل من نواقض الإسلام. وقد حَذَّر النبىُّ (من خطورة فتح هذا الباب، حين وجد نفرًا من أصحابه يخوضون فيه ببابه، وذلك فيما ورد من حديث عَمْرِو بْنِ

стр. 6

شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القَدَر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، إِنَّمَا ضَلَّتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (١) . ٥- مما يكسب هذه الرسالة أهمية أني لخصت فيها كتبا كثيرة، سواء من كتب الطاعنين أو الرادين عليهم، فهي خلاصة جهود علماء كبار، وعصارة كتب متفرقة. وبعد القراءة التحضيرية، واستشارة الأساتذة، والمشايخ، والاستنارة بعلمهم، جاءت خطة البحث على النحو التالي: المقدمة: التمهيد: وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: تعريف الطعن في القرآن. المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن. المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري. الباب الأول (النظري) : الطعن في القرآن: نشأته، أسبابه، مواجهته

стр. 7

- الفصل الأول: تاريخ الطعن في القرآن والكتب المؤلفة فيه. المبحث الأول: أول من تكلم فيه. المبحث الثاني: أول من ألف فيه. المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال. المبحث الرابع: الكتب المؤلفة فيه. - الفصل الثاني: أسباب الطعن في القرآن. المبحث الأول: لماذا هذه الحرب على القرآن؟. المبحث الثاني: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن؟. المبحث الثالث: أنواع المطاعن.. - الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن. المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن. المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن. المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن. الباب الثاني (تطبيقي) : موقف الطاعنين من آيات القرآن والرد عليهم: - الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن: المبحث الأول: الأدلة على صدق الرسول ﷺ : المطلب الأول: بشارة الكتب السابقة به. المطلب الثاني: شهادة المنصفين من المخالفين على صدقه. المطلب الثالث: الآيات التي يجريها الله تعالى على يديه. المطلب الرابع: إقرار الله تعالى له ولدعوته واستجابته لدعائه. المطلب الخامس: من أدلة صدقه كمال أخلاقه. المطلب السادس: استعداده الدائم لأي اختبار يطرح عليه. المطلب السابع: عدم استغلال فرص التعالي. المطلب الثامن: المباهلة على ما عنده. المطلب التاسع: حمايته من كل ما يكاد له. المطلب العاشر: انتفاء الغرض الشخصي. المطلب الحادي عشر: إخباره بالنهايات في البدايات. المطلب الثاني عشر: إخباره بالغيب. المطلب الثالث عشر: إحكام التشريع. المطلب الرابع عشر: الإعجاز العلمي. المطلب الخامس عشر: الوصف الدقيق للغيب. المطلب السادس عشر: تأليف قلوب العرب. المطلب السابع عشر: الإلزام. المبحث الثاني: الأدلة على صدق القرآن وما فيه: المطلب الأول: إعجاز القرآن. المطلب الثاني: التحدي أن يُؤتى بمثله.

стр. 8

المطلب الثالث: شهادة الكفار وأهل الكتاب وأعدائه بصدقه. المطلب الرابع: الوحدة الموضوعية لكل سورة. المطلب الخامس: عدم التناقض. المبحث الثالث: ردود القرآن على الطاعنين. المبحث الرابع: ردود إجمالية أخرى: المطلب الأول: عدم معارضة كفار مكة. المطلب الثاني: قل هاتوا برهانكم. المطلب الثالث: مخالفة الواقع. المطلب الرابع: إجماع الأمة. -. المبحث الأول: التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى: المطلب الأول: دعوى أن القرآن من عند نبينا محمد ﷺ . المطلب الثاني: دعوى أن القرآن نقل من غيره. المطلب الثالث: جواز نقده ومخالفته. المبحث الثاني: زعم عدم حفظه: المطلب الأول: شبهة أنه ليس هو القرآن الذي أنزل. المطلب الثاني: شبهة أنه زيد فيه ونقص. المطلب الثالث: النسخ فى القرآن والطعن فيه من هذا الباب. المبحث الثالث: اتهام القرآن بالتناقض: المطلب الأول: هل في القرآن تناقض حقيقي؟. المطلب الثاني: زعم تناقض بعض الآيات مع بعض.

стр. 9

المبحث الرابع: اتهام القرآن بمعارضة الحقائق: المطلب الأول: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الشرعية. المطلب الثاني: دعوى تعارض القرآن مع الوقائع التاريخية. المطلب الثالث: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الكونية. ثم الخاتمة، وذيلت الرسالة بعدة فهارس لكمال الاستفادة من البحث. وكان المنهج المتبع في هذه الرسالة كالتالي: ١- لقد اجتهدت اجتهادا كبيرا في محاولة حصر الطعون؛ حيث جمعت ما أمكنني من كتب تطعن في القرآن أو ترد على الطاعنين، وحرصت على أن أحضر معظم معارض الكتاب التي تقام؛ لعلي أجد شيئا ليس عندي، وذهبت إلى الكثير من الجامعات للبحث عن رسائل مقاربة لما كتبته، وبحثت في الإنترنت، ودخلت الكثير من المواقع المتخصصة في الطعن في الإسلام، مثل بعض غرف النصارى في البالتوك وغيرها، وسألت الكثير من المتخصصين في هذا الباب والمهتمين، فاتضح لي أن حصر الطاعنين من الصعوبة بمكان؛ فبعضهم مشاهير، وبعضهم مغمور نكرة لا يعرف، فتسميته والرد عليه تشهير له، وبعضهم بل أكثرهم مردّد لما قيل سابقا من الطعون، فاتجهت لحصر الطعون لا الطاعنين - مع عدم إغفال ذكرهم إن وجدوا لاسيما المشاهير منهم - لأن الطعون واحدة في الغالب، وأما الطاعنون فهم كالببغاوات يرددون ما سمعوا، وهذا أيضا منهج نبوي فقد كان النبي ﷺ يرد على الخطأ لا على المخطئ، بقوله: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» (١) .

стр. 10

٢- ليس من منهجي أن أجمع كل ما أثير، بل أجمع ما كان فيه شبهة وقد يقع فيه اللبس عند بعض الناس، وأما بعض الطعون التي يوردها الطاعنون بسبب جهلهم باللغة، أو سوء فهمهم، أو تحريف المعنى، أو الكذب، أو الدعوى المجردة عن الدليل، أو نسبب الحقد الدفين، فهذا يكفي ذكره في إبطاله، ويكفيك من شر سماعه، مثل إنكارهم بلاغة القرآن وهم أبعد الناس عن تذوق بلاغة القرآن، أو تفسير بعضهم قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر:٧٥] ؛ فقد قال بعض المستشرقين في تفسير معنى (حافين (: أي بدون أحذية (١) . (وفسر بعض المستشرقين قوله تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه (] الإسراء: ١٣] بقوله: يأتي الكافر وفي رقبته حمامة. ومنهم عَلََََّامة تصدى لوضع المعجمات الكبرى (٢) , فكتب في مادة (أخذ) أنها تأتي بمعنى نام لقوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم ( ﴿٣﴾ [البقرة:٢٥٥] ) . ومثل ادعاء بعضهم

стр. 11

أنه وجد مخطوطة بخط النبي ﷺ ، وبالتالي يثبت أنه لم يكن أميا (١) ، وقول بعضهم: إن معنى قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه..﴾ [الأعراف:١٥٧] أن أمي بمعنى وثني (٢) . وادعاء بعضهم أن الوحي عبارة عن صرع كان يصيب النبي ﷺ (٣) . أو النزول إلى الدرك الأسفل من الدناءة بإطلاق لفظ (الخراء) على القرآن، كما في كتاب حيدر حيدر (٤) (وليمة لأعشاب البحر) (٥) ، وغير ذلك من السفاهات. ٣- الطعون على القرآن تنقسم قسمين، طعون حول القرآن، وطعون في القرآن؛ الطعون حول القرآن من مثل الطعن في

стр. 12

جمع القرآن، وتواتر القرآن، تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، نزول القرآن على سبعة أحرف، معنى المتشابه في القرآن، النسخ في القرآن، ترجمة القرآن، إعجاز القرآن، قراءات القرآن ... إلخ تلك الشبه التي تحوم حول القرآن ولا تطعن في آياته طعنا مباشرا، وهذا البحث كفانا فيه عدد من العلماء الأفاضل والباحثين الأجلاء، ومن أفضل هذه الكتب التي اطلعت عليها، كتاب "شبهات حول القرآن وتفنيدها" للدكتور غازي عناية (١) ، وبعضهم أفرد في بعض هذه المباحث مؤلفا، مثل كتاب "المستشرقون وترجمة القرآن الكريم"للدكتور محمد صالح البنداق (٢) . وفي كتاب "القراءات وأثرها في التفسير والأحكام"للدكتور محمد بن عمر بازمول (٣) عقد بابا بعنوان (رد الشبهات التي تثار حول القراءات) أجاب فيها على كل ما يثار حول هذا الموضوع، وكتاب القراءات في نظر المستشرقين والملحدين للشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي (٤) ، وكتاب نزول القرآن على سبعة أحرف للدكتور مناع القطان (٥) ، وفي مجلة لواء الإسلام بحث لعبد الباري إبراهيم أبو عبلة في الجواب على طعون المستشرقين في لغة القرآن ونحوه (٦) . ومن أشد الكتب التي طعنت في هذا الباب كتابان: ١-القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، لبلاشير (٧) .

стр. 13

٢-مقدمة كتاب المصاحف لأبي داود، لآرثر جفري. رد عليهما الدكتور إسماعيل سالم عبد العال في كتابه المستشرقون والقرآن، في جزأين (١) . وأما النوع الثاني وهو الطعن في القرآن نفسه من حيث دلالالته ومعانيه وأخباره وأحكامه وغير ذلك، وهو الذي أبحث فيه، والسبب في ذلك أن هذا النوع هو الذي تولى القرآن الرد فيه على الطاعنين؛ ولأن الرد على هذه الشبه فيه الرد على تلك الشبه بطريق اللزوم، فإنه إذا ثبت أن القرآن ليس من عند النبي ﷺ ، بل من الله تعالي، وهو غير قابل للنقد، وأنه ليس فيه تحريف ولا زيادة، وأنه صادق الأخبار وواجب الاتباع، إذا ثبت هذا فإن الله قال فيه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر:٩] ، إذن فلا مجال للطعن في تواتره وجمعه وقراءاته وما نسخ منه؛ لأنه محفوظ بحفظ الله له. ٤- الإحالة على الآيات في المصحف جعلتها في صلب البحث، حتى لا يتخم الهامش بالحواشي. ٥- حرصت على تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالإحالة عليه؛ وإن كان في غيرهما استقصيت في تخريجه وبينت صحته أو ضعفه، وقد حكمت على هذه الأحاديث بنفسي، ثم قمتُ بتوثيق ذلك من كلام العلماء إن وُجد.

стр. 14

٦- ترجمت لغير المشاهير. ٧- قرأت أحاديث الكتب الستة والموطأ والدارمي، واستخرجت جميع الأحاديث في هذا الباب، ثم طُبع كتاب جامع التفسير الذي جمع مؤلفوه الأحاديث والآثار من الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، التي تفسر أو تذكر سبب نزول الآية، فقرأته للتأكد من أنه لم يفتني حديث في هذا الموضوع. ٨- لقد كان الرد على الطاعنين متنوعًا؛ فقد رددتُ عليهم بداية ردودا عامة تصلح لكل طعن فى فضل الردود الأجمالية على من طعن في القرآن، ثم ردت على الطعون الأربعة الرئيسة ردودا إجمالية، كل طعن بذاته فى مبحث أسباب الأختلاف في القرآن.، ثم في فصل الردود التفصيلية على من طعن في القرآن رددت على كل طعن بنوعين من الردود، الأول رد إجمالي على كل طعن في هذا الفرع ثم رد تفصيلي على كل طعن ذكر. ٩- حرصتُ على الردود الإجمالية لكل طعن فى فصل الردود التفصيلية على من طعن في القرآن؛ لأنها الأهم، فهي صالحة لما قد أُثير ولما يمكن أن يثار في المستقبل، وأما الردود التفصيلية على كل طعن فإنها لا تنتهي، وقد يُفتح لإنسان مالا يُفتح على غيره في الرد، وبعضها طعن ساذج لا يستحق الرد. هذا وقد واجهتني صعوبات كثيرة في مراحل إعداد هذا البحث، نذكر منها: ١- كثرة الطاعنين وصعوبة حصرهم، فهم كثر في كل دولة عربية وإسلامية، وأكثر منهم في دول أوروبا وأمريكا.

стр. 15

٢- من الصعوبات التي واجهتها، محاولة حصر كل ما أُلف في هذا الباب من مطبوع أو مخطوط أو مفقود، فلجأت إلى كتب طبقات المفسرين؛ لمعرفة كل من ألف في طعون القرآن، وجردتها وحصرت منها الكتب التي أُلفت في الرد على الطاعنين. وكتب الطبقات التي وجدتها هي: أ-طبقات المفسرين للسيوطي (١) . ب-طبقات المفسرين للداوودي تلميذ السيوطي (٢) . ج-طبقات المفسرين للأدنوري (٣) . ٣- ومن الصعوبات التي واجهتها التعريف بالمستشرقين؛ فإن الكتب المؤلفة عنهم قليلة. ٤- وهناك مشكلة أخرى تكمن في ترجمة أسمائهم، فإنه لو وجد لهم تعريف فإنه من الصعب معرفة ما هي ترجمة الاسم الحرفية، مثل المستشرق الفرنسي (GANIER) (٤) بعضهم يسميه: جانييه، وبعضهم: جانيير، وبعضهم: كانيير، فلا تعلم هل تبحث عن اسمه في حرف الجيم أم في حرف الكاف، ومثله المستشرق (GIBB) (٥) فبعضهم يسميه: جب، والبعض غب، والبعض الآخر قب، وهكذا، ولقد ترجمت لأكثر من عشرين واحدا منهم وأما الذين لم أجد ترجمتهم فهم اثنان فقط.

стр. 16

٥- ومن الصعوبات أيضا أن أغلب كتب المستشرقين كتبت في غير اللغة العربية، فكنت أجد عناء في ترجمتها أو البحث عن ترجمة لها، وفي الغالب كنت أنقلها من كتب أخرى. ٦- ومن الصعوبات أن بعض كتب المستشرقين التي طبعت بالعربية، لم يعد طبعها منذ زمن طويل، فلا تكاد توجد في أسواق الكتب، لذلك كنت أضطر إلى نقلها من كتب العلماء الذين ردوا عليهم في زمنهم. ٧- ولقد سافرت إلى هولندا للقاء الدكتور نصر حامد أبو زيد

стр. 17

للتأكد من بقائه على آرائه ومناقشته فيها، فكلمته بالهاتف من هولندا فرفض مقابلتي رفضا قطعيا مع محاولاتي الكثيرة في طلب ذلك، وحصل عندما كنت هناك أن قامت امرأة صومالية الأصل هولندية الجنسية، وكانت مسلمة، قامت بسب النبي ﷺ على صفحات الصحف والطعن في دينه وأعلنت أنها ملحدة لا تؤمن بدين، فطلبت من الأخوة في هولندا جمع كل ما قالت وترجمته إلي العربية، وسألتهم هل ذكرت أدلة أو شبها على ما قالت أم أنه كلام عار عن أي مستند، فكانت نتيجة الترجمة هي الثاني، فكلامها مجرد سب وشتم من غير أي حجة، بل هو الهوى المحض، ثم قامت بعد هذه الضجة بترشيح نفسها للمجلس البرلماني في هولندا فعندها اتضح السبب وبطل العجب، ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: ٧] . وفي الختام أسأل الله تعالى أن يوفق ويعين، وأن يجعل هذا البحث مفيدا للناس في الدنيا، ونافعا لي في الآخرة.

стр. 18

التمهيد وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: تعريف الطعن في القرآن . المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن في القرآن. المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن العشرين.

стр. 19

المبحث الأول: تعريف (الطعن في القرآن) : -أولا: تعريف الطعن: (ط ع ن: طَعَنهُ بالرمح، وطَعَنَ في السن كلاهما من باب نصر، وطعن فيه أي قدح من باب نصر أيضا، وطَعَنَاناً أيضا بفتح العين كذا في الصحاح، وفيه أيضا: والفرَّاء يجيز فتح العين من يطعن في الكل، وقال الأزهري في التهذيب: الطَّعنان قول الليث، وأما غيره فمصدر الكل عنده الطعن لا غير، وعين المُضارع مضمومة في الكل عند الليث، وبعضهم يفتح العين من مضارع الطعن بالقول للفرق بينهما. وقال الكسائي: لم أسمع في مضارع الكل إلا الضم. وقال الفرَّاء: سمعت يطعن بالرمح بالفتح. وفي الديوان ذكر الطعن بالرمح، وباللسان في باب نصر، ثم قال في باب: قطع وطَعَن يطعن لغة في طعن يطْعن، فجعل كل واحد منهما من البابين، والمِطْعَانُ: الرجل الكثير الطعن للعدو، وقوم مَطاعينُ، وفي الحديث: «لا يكون المؤمن طَعَّاناً» ؛ يعني في أعراض الناس.

стр. 20

والطَّاعُونُ: الموت من الوباء، والجمع الطَّوَاعِين) (١) . وقال ابن فارس: (طعن: أصل صحيح مطرد، وهو النخس في الشيء بما ينفذه، ثم يحمل عليه، ويستعار من ذلك الطعن في الرمح، ورجل طعان في أعراض الناس، وفي الحديث: «لا يكون المؤمن طعانا» . وقال بعضهم: طعن بالرمح يطعُن بالضم، وطعن بالقول يطعَن فتحا) (٢) . إذن لكلمة طعن معنيان؛ حسي، ومعنوي؛ فالحسي بمعنى الضرب بآلة حادة كالخنجر، وهو المتعدي للمفعول (طعنه) ، والمضارع منه مضموم العين (يطعُن) وبعضهم يفتحه، والمعنوي بمعنى القدح في شيء، سواء كان نسبا، أو كتابا، أو شخصا، أو غير ذلك، وهو اللازم (طعن فيه) ، والمضارع منه مفتوح العين (يطعَن) . - ثانيا: تعريف القرآن: هو كلام الله المعجز المنزل على محمد ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته (٣) . والقرآن من المشهورات التي لا تحتاج الى تعريف.

стр. 21

- ثالثا: تعريف الطعن في القرآن: الطعن في القرآن: هو أحد مباحث علوم القرآن، التي تبحث في الرد على من طعن في كتاب الله، أو زعم تناقضه، أو إشكاله، والرد عليها بالأدلة الشرعية، والعقلية، والحسية (١) .

стр. 22

المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن في القرآن هناك عدة مصطلحات في تسمية هذا العلم، ترادف مصطلح الطعن في القرآن وهي: ١-المتشابه أو المشتبه: حيث إن كثيرا من العلماء يطلقون على هذا العلم (المتشابه) ، مثل كتاب: الآيات المتشابهات لبقي بن مخلد، وأضواء على متشابه القرآن لخليل ياسين، وتأويل متشابهات القرآن لابن شهر آشوب وغيرها (١) . وأخذوا هذا الاسم من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ [آل عمران:٧] . وإنما لم أختر أن تكون الرسالة بهذا العنوان؛ لأن المتشابه يطلق -في علوم القرآن والتفسير-على عدة معان: ١- يطلق المتشابه ويقصد به المشكل من الآيات التي قد تشتبه على فهم القارئ؛ لخلوه من الدلالة الراجحة لمعناه (٢) ، الذي يحتاج للجواب والرد على الطاعن، كما تقدم.

стр. 23

٢- ويطلق ويراد به ضد المحكم، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم (١) ؛ مثل الحروف المقطعة، وحقيقة صفات الله وكيفياتها. ٣- ويطلق ويراد به الآيات المتشابهة لفظا، وقد تفترق بحرف أو كلمة، وتوجيه هذا التفريق. وقد ألف العلماء في هذا الفن كتبا كثيرة؛ منها: " درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز" (٢) ، للخطيب الإسكافي (٣) ، وأشهرها وأفضلها كتاب "البرهان في متشابه القرآن " (٤) للكرماني (٥) . ٤- يطلق ويقصد به تشبيه شيء بشيء، كالحور العين باللؤلؤ، وقد ألف في هذا المعنى ابن ناقيا البغدادي (٦) كتابه " الجمان في

стр. 24

تشبيهات القرآن" (١) ، ولسيد قطب كتاب في هذا المعنى سماه " التصوير الفني في القرآن ". ٥- يطلق المتشابه ويراد به أن القرآن متماثل في النظم والبلاغة والهدف الذي يدعو إليه؛ فلا تجد في أسلوبه اختلافا، ولا في معانيه مناقضة، ولا في سِوَرِه تغايرا، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] . قال القرطبي: (متشابها يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف) (٢) . فلما كان هذا الاسم يشكل في الفهم، ومشتركا بين عدة معان، أعرضت عنه. ٢- موهم الاختلاف أو مختلف القرآن: هكذا سماه الزركشي في البرهان: النوع الخامس والثلاثون:

стр. 25

معرفة موهم المختلف (١) ، وسماه السيوطي في الإتقان: النوع الثامن والأربعون في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض. وقد أخذوا هذا الاسم من الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] . ٣- موهم الاضطراب: ومن هذا كتاب دفع " إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " لمحمد الأمين الشنقيطي. وهذا الاسم والذي قبله يتحدث عن نوع واحد من الطعون، وهو التناقض في الآيات، مع أن الطعون لها أنواع أخر، كنفي نسبة القرآن إلى الله، والطعن في لغته وغير ذلك؛ لهذا لم أُسمِّ به الرسالة؛ لقصوره عن شمول جميع أنواع الطعون. ٤- أسئلة القرآن: أي الأسئلة التي يطرحها بعض الناس بقصد التشكيك في كتاب الله تعالى؛ ومن هذا: كتاب " البرهان في مسائل القرآن " للجماعيلي المقدسي، و " التبيان في مسائل القرآن " لرضي الدين القزويني، وبعضهم

стр. 26

يسميها جوابات القرآن؛ باعتبار الجواب على هذا السؤال، ككتاب " الجوابات في القرآن " لمقاتل بن سليمان، وبعضهم يجمع بين الاسمين مثل " أسئلة القرآن وأجوبتها " لأبي بكر الرازي. ٥-غامض القرآن: ومن هذا كتاب "كشف غوامض القرآن " لفخر الدين الطريحي. ٦-مشكل القرآن: ومن هذا كتاب: " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة -وبعضهم يسميه " مشكل القرآن" (١) ، وهو من أول الكتب المفردة في هذا الفن، وهو مطبوع متداول. و" فوائد في مشكل القرآن " لسلطان العلماء العز بن عبد السلام. و" مشكلات القرآن " لمحمد أنور الكشميري. و" مشكل القرآن " للحكيم الترمذي، وهو أكثر الأسماء تداولا بين العلماء على هذا الفن، فقد وجدت ما يقارب العشرين عالما يطلقون عليه هذا اللفظ كما سيأتي (٢) . فيتحصل لنا من هذا، أن لهذا العلم سبعة أسماء عند العلماء.

стр. 27

المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري الطاعنون في كتاب الله هم المشككون فيه، الذين يوردون عليه الشبه والإشكالات والاضطرابات، يريدن بهذا إسقاط قدسية القرآن من قلوب المسلمين؛ لأن القرآن هو قطب رحى المسلمين الذي عليه يدورون، وهو العروة الوثقى التي بها يتمسكون، وهو المورد العذب الذي إليه يردون ومنه يصدرون. وهو أساس الإسلام وركن الشريعة الركين، الذي إذا سقط سقط كل البناء، وتهدم الصرح، وقوض الإسلام، ولم تبق للمسلمين باقية ولا قوة. وقد كثر الطاعنون في كل قرن، ولكن هذا القرن تميز بنوعين من الطاعنين، وهم: الصنف الأول: المستشرقون. الصنف الثاني: العلمانيون، أو تلاميذ المستشرقين، أو العقلانيون ... وفيما يلى نبذة مختصرة عن كل منهما: أولا: المستشرقون: الاستشراق (Orientalism) : تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل ما يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم، ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن

стр. 28

الشرق، والتي تشمل حضارته، وآدابه، ولغاته، وثقافته (١) . واستُغل في أكثر مراحله لخدمة الاستعمار، وتشويه تعاليم الدين. ونشأ هذا الفكر لما عجز النصارى عن مواجهة المسلمين بالسيف، فرأوا أن أفضل طريقة لمحاربة المسلمين هو الغزو الفكري. ولهم طرق كثيرة للوصول إلى أهدافهم منها: تأليف الكتب، وإصدار المجلات، وإلقاء المحاضرات في المنتديات عن الإسلام، والقرآن، والسنة، وتاريخ المسلمين، وإنشاء الجمعيات والمراكز التي تخدم أغراضهم، وعقد المؤتمرات السرية والعلنية، وإنشاء موسوعة دائرة المعارف الإسلامية وغيرها، وإرسال البعثات، وإنشاء جامعات وكليات غربية في بلاد الشرق، وغير ذلك من الوسائل، ولها آثار أكثرها سلبي وبعضها إيجابي.

стр. 29

فمن الآثار السلبية: ١ - الطعن في القرآن والسنة، وهما مصدر التشريع في الدين. ٢ - محاولة إحياء الفرق المنحرفة الميتة، أو أفكار بعض المنحرفين كالحلاج وغيره. ٣ - صد الناس عن الإسلام بتشويه تعاليمه كما فعلت الموسوعة البريطانية. ٤ - إخراج جيل من أبناء المسلمين منسلخ عن دينه بل محارب له. ٥ - التشكيك في الثوابت؛ كالجهاد، والحجاب، والميراث، والعقوبات الشرعية؛ كرجم الزاني، وقطع يد السارق، وقتل المرتد، وغير ذلك من الثوابت. ٦ - إخراج المرأة من جلبابها بتصوير الحجاب بأنه خرقة لا قيمة لها، ومحاولة مساواة المرأة للرجل في كل شيء، حتى في جواز تعدد الأزواج. وأما الآثار الإيجابية فمنها: ١ -شهادة المنصفين منهم لصدق الإسلام وإعجاز القرآن، حتى دفع الكثير منهم لإعلان إسلامه. ٢ - إخراج بعض الكنوز الإسلامية التي كانت مخطوطة بتحقيقها وطبعها. ٣ - عمل المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي. ودوافع الاستشراق كثيرة ترجع إلى ثلاثة دوافع: استعماري، وديني، وعلمي (١) .

стр. 30

ثانيا: العلمانيون: ونقصد بهم تلاميذ أولئك المستشرقين؛ الذين رضعوا منهم أفكارهم، وطعونهم في كتاب الله، ومع هذا يدّعون الإسلام، ويتكلمون باسمه، ويزعمون أنهم بهذا ما يريدون إلا الإصلاح (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ ( [البقرة:١١، ١٢] . وينسبون أنفسهم للعلم، فيقولون: نحن علمانيون. تلبيسا على عامة الناس. وخطر هؤلاء أشد (١) ؛ لأنهم باسم الإسلام يطعنون في الإسلام، وبزعم الدفاع عنه يحاربونه، وأسماؤهم كأسمائنا، وهم أبناء جلدتنا، فتلبيسهم على عامة الناس، بل على بعض الخاصة شديد، لذلك كان الرد على هؤلاء، وكشف أباطيلهم وتلبيساتهم من أعظم الواجبات، وآكد الفرائض، حتى تحذر الأمة منهم، وتسلم من شرهم؛ ففي الصحيحين عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نعَمْ.» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ.» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ

стр. 31

هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» . قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» . قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ. قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (١) . وهناك نوع ثالث ولكن لا نستطيع أن نعدهم من الطاعنين، وإن كانوا قد عملوا أعمالا-سواء عن قصد أو عن غير قصد- فتحت الباب للطاعنين في القرآن (٢) ؛ من تأويل غير مقبول في تفسير القرآن، أو جواب عن إشكال فيه تنازل وتسليم مبطن به، أو تحريف معاني كثير من الثوابت إلى معانٍ تساير العصر -بزعمهم- أو إلغائها بالكلية، أو تكلف الاستدلال بآية على ما لا تدل عليه من قريب أو بعيد (٣) .

стр. 32

وهم بعض من ينتسب للمدرسة العقلية الحديثة التي تقدم العقل على النقل كالمعتزلة القديمة؛ يقول أستاذنا الدكتور محمد بلتاجي في مقدمة " كتابه مدخل إلى علم التفسير ": وأنه يتضمن عدة (مباحث في عرض وتقويم بعض الدراسات المعاصرة التي تتناول النص القرآني من منطلقات ومناهج باطلة تحاول أن ترتدي ثوب التجديد والتنوير، وإنما هي - في حقيقتها وجوهرها وأهدافها-نفس المزاعم التي طُعن بها في القرآن الكريم منذ أوحى الله تعالى به) (١) . وقال حفظه الله: وقد ظهر في عصرنا الحاضر أفراد استخدموا بعض مصطلحات المعتزلة ومقولاتهم، وتمسحوا بهم لكنهم أمعنوا السير في الطريق، ولم يقفوا عند الحد الذي توقف عنده قدماء المعتزلة، بل

стр. 33

تجاوزوه تجاوزا خطيرا، زعموا فيه أن الفهم الحرفي للعرش والكرسي والملائكة والجن والقلم واللوح والسحر وغيرها، يقدم تصورات ذات طابع أسطوري -تجاوزه التاريخ- نبع من الواقع الثقافي للجماعة في عصر نزول هذه الآيات المتضمنة لهذه النصوص، كما زعموا أن كثيرا من الأحكام القرآنية أصبحت تاريخية، حيث تجاوزتها أوضاع العصر وثقافته، وظروفه ولم تعد صالحة للتطبيق فيه، وتمسحوا في ذلك ببعض اجتهادات عمر بن الخطاب ﵁ (١) .

стр. 34

الباب الأول (النظري) الطعن في القرآن: نشأته، أسبابه، مواجهته الفصل الأول: تاريخ الطعن. الفصل الثاني: أسباب الطعن في القرآن. الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن.

стр. 35

الفصل الأول: تاريخ الطعن في القرآن والكتب المؤلفة فيه وفيه عدة مباحث: المبحث الأول: أول من تكلم فيه . المبحث الثاني: أول من ألف فيه. المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال. المبحث الرابع: الكتب المؤلفة فيه.

стр. 36

المبحث الأول: أول من تكلم فيه وجود الإشكال في فهم القرآن، والطعن فيه بسبب ذلك موجود منذ نزوله؛ لأن القرآن ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم لا يجهله أحد، وقسم تعرفه العرب من لغتها، وقسم يعرفه الراسخون في العلم، وقسم لا يعلمه إلا الله، كما ورد عن ابن عباس (١) . وأقدم نص وجدتُ فيه حدوث الإشكال على الفهم، والطعن في القرآن، واتهامه بالتعارض مع الحقائق، هو حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ (يَا أُخْتَ هَارُونَ (وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ» (٢) . وهذا الطعن الذي ذكر في الحديث، مع أن النبي أجاب عليه، إلا أنه لا يزال يردد إلى يومنا هذا، كما سترى فيما سيأتي إن شاء الله. وقد تكلم القرآن عن كثير من الطاعنين، وذكر طعوناتهم، ثم رد

стр. 37

عليها ردا واضحا بينا مفحما؛ فبعضهم ادعى أنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا.. (َ [الأنفال:٣١] ؛ فتحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. وبعضهم زعم أن هذه القرآن إنما هو من قصص الأولين وأساطير السابقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤] ، فرد الله عليهم أنه لا يعرف أن يقرأ ولا يكتب، فكيف ينقلها؟ ! ثم هذه الأساطير ليست خاصة بمحمد، بل هي كتب للجميع، فلماذا لا تحضرون لنا هذه الكتب التي نقل منها؟ وبعضهم قال: إنه تعلَّمه من غلام نصراني فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] . وهكذا كلما قالوا شُبْهَةً، وطعنوا طعنا، رد الله عليهم بحجة واضحة، وسيأتي مزيد بحث في هذا الموضوع في مبحث مستقل. وحصل طعن في القرآن في عصر الصحابة؛ ففي زمن عمر (كان في أجناد عمرو بن العاص (رجل يقال له صبيغ (١) ، كان يسأل عن متشابه القرآن، فكان يقول: ما المرسلات عرفا، ما العاصفات عصفا. تشكيكا وتعنتا، فأرسل به عمرو (إلى عمر (، فلما علم عمر بقدومه أمر رجلا أن يحضره وقال له: إن فاتك فعلت بك وفعلت. وكان عمر قد جهز له عراجين من نخل، فلما جاءه سأله عن أشياء ثم قال له:

стр. 38

من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ. فقال: وأنا عبد الله عمر. فضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم ضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم ضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم أُحضر فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برئتُ. فأرسله عمر إلى البصرة، وأمر واليها أبا موسى الأشعري بمنع الناس من مجالسته، فاشتد ذلك على الرجل، فأرسل أبو موسى إلى عمر أن الرجل حسنت توبته، فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته، فلما خرجت الحرورية قيل لصبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا، وقد مات عمر. فقال: هيهات قد نفعني الله بموعظة العبد الصالح يعني عمر (١) . و (أَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد، عَنْ أَبِي الضُّحَى، أَنَّ نَافعَ بْنَ الْأَزْرَق، وَعَطِيَّةَ أَتَيَا اِبْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَا: يَا اِبْنَ عَبَّاس، أَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] وَقَوْله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( [الزمر: ٣١] وَقَوْلهِ: ﴿وَاَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الانعام: ٢٣] وَقَوْلهِ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه َحَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْأَزْرَقِ، إِنَّهُ يَوْمٌ طَوِيلٌ وَفِيهِ مَوَاقِفُ، تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةُ لَا

стр. 39

يَنْطِقُونَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَخْتَصِمُونَ، ثُمَّ يَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ يَحْلِفُونَ وَيَجْحَدُونَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهمْ، وَتُؤْمَرُ جَوَارِحُهمْ، فَتَشْهَدُ عَلَى أَعْمَالِهْم بِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ تَنْطِقُ أَلْسِنَتُهُمْ فَيَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا صَنَعُوا، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . وَرَوَى اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْت٠ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ؟ فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ حَالَاتٌ وَتَارَاتٌ، فِي حَال لَا يَنْطِقُونَ وَفِي حَال يَنْطِقُونَ) (١) . وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ قَالَ ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ، وقوله (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ( [النساء: ٤٢] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الانعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ ، وَقَالَ: ﴿ ... أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: ( ... دَحَاهَا ( [النازعات: ٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: ﴿ ... أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ....﴾ [فصلت: ٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ؟. وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٩] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟ فَقَالَ ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (..فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا

стр. 40

مَنْ شَاءَ اللَّهُ ... ( [الزمر ٦٨] فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ (أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿ ... مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الانعام:٢٣] ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ، فقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نقُلْ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] . وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ؛ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ، وَالْجِمَالَ، وَالْآكَامَ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (دَحَاهَا (وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (١) . وغير ذلك من الآثار، وكلما بعد العهد بعصر النبوة، كلما زادت الإشكالات والطعون في القرآن. واشتهر ابن عباس ﵁ بالرد على من طعن في القرآن، كما سبق، وسيأتي التمثيل لذلك بأمثلة أخرى إن شاء الله.
следующие страницы →