← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9438

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم = الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين

عبد المحسن المطيري

Полный текст (449 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على كتابه ورسوله ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الايمان، وكان انتهي إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين، فلم يصادف عنده ما يشفيه، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه، وظن المسلم أنه بضربه يداويه، فسطا به ضربا وقال: هذا هو الجواب. فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم، إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب، فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب، فشمر المجيب ساعد العزم، ونهض على ساق الجد، وقام لله قيام مستعين به، مفوض إليه، متكل عليه في موافقة مرضاته، ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إن الكفار إنما يعاملون بالجلاد دون الجدال، وهذا فرار من الزحف، وإخلاد إلى العجز والضعف، وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة، وإزاحة للعذر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، والسيف إنما جاء منفذا للحجة، مقوما للمعاند، وحدا للجاحد قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد: ٢٥] فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي، ونفذه السيف الماضي: فََمَا هُوَ إلاَّ الوَّحْيُ أو حَدُّ مُرْهَفٍ (١) يُقيمُ ظَبَاهُ (٢) أخْدَعَيْ (٣) كل مائلِ فهذا شفاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عالمٍ وهذا دواءُ الدَّاءِ مَنْ كُلِّ جاهِلِ) (٤)

стр. 107

المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن لنا في التعامل مع المطاعن التي تثار حول كتاب الله قواعد عدة، وهي كالتالي: أولا: اليقين التام بأن جميع هذه المطاعن مفتراة مكذوبة، لا أصل لها من الصحة، ولا أساس لها من الواقع، وإنما هي محض أوهام بل أضغاث أحلام، جاءت من قلب امرئ حاقد أو جاهل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، فما كان لنا إن نكذب ربنا ونصدق ملحدا حاقدا أو مجادلا جاهلا، وهذه القضية في غاية من الأهمية؛ إذ أن كل من تأثر بالمستشرقين من المعاصرين لم تكن عنده هذه القضية من المسلمات، بل ضعف يقينهم في هذا الباب أدى بهم إلى هذه المزالق. ثانيا: إن عدم قدرة إنسان معين على الرد، ليس معناه الهزيمة والعجز وإثبات الطعن، بل إنه لا يخلو زمان من قائم لله بالحجة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

стр. 108

ثالثا: قانون العمل عند وجود الطعن لسبب ما: ١- الجمع بين مدلولات النصوص والتوفيق بينها ما أمكن: فالخاص يقدم على العام، والمطلق يقيد بالمقيد. . إلخ. ٢- فإن تعذر الجمع، فالنسخ إن أمكن ذلك، وعلم المتقدم والمتأخر. ٣- فإن تعذر ذلك لجأنا إلى الترجيح، فيقدم الراجح للعمل. مسلك الترجيح بين الآيات يقوم على الأتي: ١- تقديم المدني على المكي. ٢- أن يكون الحكم على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب حال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحوال أهل المدينة. ٣- أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب. ٤- أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر. ٥- أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه. ٦- ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا. قال الزركشي (١) :

стр. 109

(فصل في القول عند تعارض الآي: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تعارضت الآي، وتعذر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ، وترك المتقدم منهما بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا له. وإن لم يوجد التاريخ، وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين، علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها. قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين. وذكروا عند التعارض مرجحات: الأول: تقديم المدني على المكي، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه ﷺ بعد عوده إلى مكة، والمدنية قبلها، فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم؛ إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة. الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب أحوال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة، كقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (مع قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [سورة البقرة ١٧٨] فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل، جعل التخصيص في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ [سورة المائدة: ١] ونهيه (عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [سورة المائدة: ٤] فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم، وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه. الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه، والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب، كقوله

стр. 110

تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] مع قوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر، وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله (على ما عارضه من الآية. الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر، كقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين (بقوله: (وما ملكت أيمانكم (فيخص الجمع بملكه اليمين بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] فتحمل آية الجمع على العموم، والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال. الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه، كقوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦] مع قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( [الحجرات: ٦] الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم، أو مسلم فاسق على كافر، وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا، أو يحمل ظاهر قوله: (أو آخران من غيركم (على القبيلة دون الملة، ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ، وتخصيص الغير بالقبيلة؛ لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير. السادس: ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا، كتقديم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] على قوله: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] فإن قوله: (وأحل (يدل على حل البيع

стр. 111

ضرورة، ودلالة النهي على فساد البيع إما ألا تكون ظاهرة أصلا، أو تكون ظاهرة منحطة عن النص) اهـ. وقد ذكر الشوكاني في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول " في باب أنواع الترجيح (١) طرقا كثيرة للترجيح: فباعتبار المتن ذكر ثمانية وعشرين نوعا، وباعتبار المدلول تسعة أنواع، والترجيح باعتبار أمور خارجة ذكر عشرة أنواع؛ فالمجموع سبعة وأربعون نوعا للترجيح. يقول الشوكاني: (واعلم أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار المدلول، وقد يكون باعتبار أمر خارج، فهذه أربعة أنواع) (٢) . (فأما باعتبار السند فهذه لا يلتفت إليها في القرآن؛ لأنه قطعي الثبوت، وإنما تكون في التعارض بين الأحاديث. وأما المرجحات باعتبار المتن فهي أنواع، فمن الأنواع التي لها أثر فيما ظاهره التعارض في القرآن: ١-تقديم الحقيقة على المجاز، لتبادرها إلى الذهن، هذا إذا لم يغلب المجاز كقوله تعالى (. . بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. . (فيكون المراد بها اليد الحقيقية لا المجاز بمعنى القوة والكرم، لاسيما والتثنية تأباه. ٢- أنه يقدم المجاز الذي هو أشبه بالحقيقة على المجاز الذي لم يكن كذلك.

стр. 112

٣- أنه يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية. ٤- أنه يقدم ما كان مستغنيا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه. ٥-أنه يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالا على المراد من وجه واحد. ٦- أنه يقدم ما دل على المراد بغير واسطة على ما دل عليه بواسطة. ٧- أنه يقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة. وأما المرجحات باعتبار المدلول فهي أنواع: ١- أنه يقدم ماكان ناقلالحكم الأصل والبراءة علىماكان مبقيا على البراءة الأصلية. ٢- أنه يقدم ما فيه تأسيس على ما فيه تأكيد. وأما المرجحات بحسب الأمور الخارجة فهي أنواع: ١- أنه يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر. ٢- أنه يقدم ما كان فيه التصريح بالحكم على ما لم يكن كذلك كضرب الأمثال ونحوها فإنها ترجح العبارة على الإشارة) (١) . يضاف لهذا ما ذكره الزركشي.

стр. 113

الباب الثاني (تطبيقي) : موقف الطاعنين من آيات القرآن والرد عليهم وفيه فصلان: الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن . الفصل الثاني: الردود التفصيلية على من طعن في القرآن.

стр. 114

الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن -وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الأدلة على صدق الرسول ﷺ . (*) المبحث الثاني: الأدلة على صدق القرآن وما فيه. المبحث الثالث: ردود القرآن على الطاعنين. المبحث الرابع: ردود إجمالية أخرى.

стр. 115

المبحث الأول: الأدلة على صدق الرسول ﷺ (*) النبي ﷺ هو الذي نزل عليه القرآن، وهو الذي كان يقول إنه من عند الله تعالى، وإنه المعجزة الخالدة والآية الباقية، فإن كان النبي ﷺ صادقا فما يقوله حق، لذا أردت في هذا المبحث أن أذكر بعض أدلة صدق النبي ﷺ ، التي منها نستفيد صدق القرآن وأنه من عند الله حقا. وكتوطئة لهذا المبحث، فإن إرسال الرسل واجب عقلي؛ لأن الفِطر والعقول دلتنا على وجود الخالق سبحانه وأنه المستحق للعبادة، ولكن العبادة لا يمكن الاهتداء لمعرفة صفتها وتفصيلها إلا عن طريق واسطة عن الله ، يخبرنا بصفتها التي يحبها الله سبحانه، ويخبرنا عن ما يحل وما يحرم وما ينفعنا وما يضرنا (١)، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]، وقال ﷻ : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [الإسراء:١٣٤]، وقال جل في علاه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]. إذن فإرسال الرسل واجب عقلي، وهو أيضا واقع عملي؛ فإن التاريخ لا يزال يخبرنا عن الكثير من الرسل والأنبياء وحالهم مع قومهم، وكيف كانت لهم الغلبة والنصرة دائما؛ لذلك لما أنكرت قريش على النبي ﷺ رسالته، قال له الله تعالى آمرا له بالاستدلال بالتاريخ والواقع: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ... ﴾ [الأحقاف:٩]. فإذا كان العقل والواقع يدلان على أهمية إرسال الرسل (٢)؛ لم يجز إذن إنكار بعثة الرسل، بل الواجب هو طلب الدليل من مدعي الرسالة والنبوة على رسالته، من باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. وهذا ما فعله الكثير من الأمم السابقة إذا أرسل إليهم أحد، أو ادعى النبوة قالوا: ﴿ ... لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ... ﴾ [البقرة:١١٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ .. ﴾ [الأنعام:٣٧]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا .. ﴾ [الأنعام:١٠٩]، ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ... ﴾ [يونس:٢٠]. وفي المطالب الآتية نذكر بعض الآيات والدلائل على صدق رسالة النبي ﷺ : المطلب الأول: بشارة الكتب السابقة به: أعني شهادة التوراة والإنجيل والكتب السابقة بصدق الرسول ﷺ ومعجزته (القرآن)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]. يقول القرطبي: (أي وإن ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني الأنبياء، وقيل: أي إن ذكر محمد ﵇ في كتب الأولين ; كما قال تعالى: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] والزبر الكتب، الواحد زبور، كرسول ورسل) (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦].

стр. 116

وقال تعالى مبينا أن النبي ﷺ وأصحابه ليسوا فقط مذكورين في التوراة والإنجيل بأسمائهم، بل بصفتهم كذلك: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]. بل بلغ من وصف الله تعالى لنبيه (في الكتب السابقة، أنهم أصبحوا يعرفونه كما يعرف أحدهم ابنه؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]. وقد ألف العديد من العلماء كتبا جمعوا فيها النصوص من التوراة والإنجيل، وغيرها من الكتب السابقة، التي تشهد على صدق نبوة نبينا (، منهم: إبراهيم خليل أحمد ألف كتاب " محمد في التوراة والإنجيل والقرآن " (١). والداعية أحمد ديدات ألف كتاب " ماذا تقول التوراة والإنجيل عن محمد ﷺ " (٢). ود. أحمد حجازي السقا ألف كتاب " البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل " (٣). ود. صلاح صالح الراشد ألف كتاب "البشارات العجاب في صحف أهل الكتاب؛ ٩٩ دليلا على وجود النبي المبشر به في التوراة والإنجيل " (٤). وفي كتاب ابن القيم ﵀ (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى) فصل بعنوان (نصوص الكتب المتقدمة في البشارة بالنبي ﷺ ) (٥) وكذا في كتاب شيخه ابن تيمية "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (٦). وفيما يلي بعض نصوص التوراة والإنجيل (٧): - في التوراة في سفر التثنية الأصحاح (١٨) فقرة (١٥ - ٣٠): يقول الرب تعالى لموسى: (سأقيم لبني إسرائيل نبيا من أخوتهم (٨) مثلك (٩) أجعل كلامي في فيه (١٠)، ويقول لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه (١١) ومن سبطه). وفي سفر التثنية، الأصحاح (١٨) فقرة (٩ - ١٣): (قال موسى لبني إسرائيل لا تطيعوا العرافين ولا المنجمين، فسيقيم لكم الرب نبيا من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي). - وفي الإنجيل: في إنجيل يوحنا الأصحاح (١٤) فقرة (١٥): (إن المسيح قال للحواريين إني ذاهب وسيأتيكم الفارقليط (١٢) روح الحق، لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليَّ وأنتم تشهدون؛ لأنكم معي من قبل الناس). وقد ذكر الدكتور حجازي أكثر من خمسين نصاً في الإنجيل على البشارة بنبينا ﷺ . وقد أخفى النصارى إنجيل برنابا الذي يصرح فيه باسم النبي ﷺ محمد وأنه النبي المبشر به من قبل المسيح وأنه آخر الرسل (١٣). وصدق الله إذ يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].

стр. 117

وعَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) (١) وزاد الإمام أحمد: قَالَ عَطَاءٌ لَقِيتُ كَعْبًا (٢) فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ إِلَّا أَنَّ كَعْبًا يَقُولُ بِلُغَتِهِ: أَعْيُنًا عُمُومَى وَآذَانًا صُمُومَى وَقُلُوبًا غُلُوفَى) (٣). وعَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ قَالَ: جَلَبْتُ جَلُوبَةً (٤) إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعَتِي قُلْتُ: لَأَلْقَيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ. قَالَ: فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ، فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَؤُهَا، يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَلَى ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ، كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «َنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِكَ ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي». فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا أَيْ لَا. قَالَ ابْنُهُ: إِنِّي وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «أَقِيمُوا الْيَهُودَ عَنْ أَخِيكُمْ، ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَحَنَّطَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ» (٥). ومن أعجب ما قرأت في هذا الباب قصة الإمام أبي محمد عبد الله الميورقي الترجمان (المتوفى سنة ٨٣٢ هـ)، الذي كان من أكبر قساوسة النصارى في وقته، بل كان مهيئا لأن يصبح البابا الأكبر، ثم أسلم عندما وقع على آية في الإنجيل تبشر بقدوم النبي ﷺ ، ثم ألف كتاب " تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب "، وقسمه قسمين؛ القسم الأول: في ذكر قصة إسلامه، والثانية في الردود المفصلة على النصارى (٦)، وذكر قصة انتقاله إلى الإسلام في سبع عشرة صفحة هذا مختصرها:

стр. 118

قال: اعلموا رحمكم الله أن أصلي من مدينة ميورقة (١)، وكان والدي محسوبا من أهل حاضرة ميورقة، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين، قرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثره في مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعمل المنطق في ست سنوات، ثم ارتحلت من بلدي إلى مدينة لاردة من أرض القسطلان (٢)، وهي مدينة العلم عند النصارى في ذلك القطر، ويجتمع فيها طلبة العلم من النصارى، وينتهون إلى ألف وخمسمائة ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرؤون عليه، فقرأت فيها علم الطبيعيات والنجامة مدة ست سنين، ثم تصدرت فيها أقرأ الإنجيل ولغته ملازما ذلك مدة أربع سنين، ثم ارتحلت إلى مدينة بلونية من أرض الأنبردية، وهي مدينة كبيرة جدا، وهي مدينة علم ويجتمع بها كل عام من الآفاق أزيد من ألفي رجل يطلبون العلوم، ولا يلبسون إلا الملف الذي هو صباغ الله، فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم كبير القدر اسمه: (نقلاو مرتيل)، وكانت منزلته فيهم في العلم والدين والزهد رفيعة جدا، انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة في دينهم تَرد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم، ويصحب الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية في بابه، ويرغبون في التبرك به، وفي قبوله لهداياهم، ويتشرفون بذلك. فقرأت على هذا القسيس علم أصول النصرانية وأحكامه، ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه، وانتهيت في خدمتي له وتقربي إليه إلى أن دفع إلىَّ مفاتيح مسكنه وخزائن مأكله ومشربه، وصير جميع ذلك على يدي، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلو فيه بنفسه، والظاهر أنه بيت خزانة أمواله التي كانت تهدى إليه، والله أعلم. فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشر سنين، ثم أصابه مرض يوما من الدهر، فتخلف عن حضور مجلس إقرائه، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله على لسان نبيه عيسى ﵇ في الإنجيل -: (إنه يأتي من بعده نبي اسمه (البارقليط) (٣)، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء، وقال كل واحد منهم بحسب علمه، وعظم مقالهم وكثر جدالهم، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة، فأتيت مسكن القسيس، فقال: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ فأخبرته باختلاف القوم في اسم (البارقليط) وسردت له أجوبتهم، فقال لي: وبماذا أجبت أنت؟ فقلت: بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل. فقال لي: ما قصرت وقربت، وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب، ولكن الحق خلاف هذا كله؛ لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل، فبادرت قدميه أقبلهما وقلت له: يا سيدي قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد، ولي في خدمتك عشر سنين، حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا علي بمعرفة هذا الاسم. فبكى الشيخ وقال لي: يا ولدي، والله أنت لتعز علي كثيرا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إليَّ، في معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكني أخاف عليك أن يظهر ذلك عليك، فتقتلك عامة النصارى في الحين. فقلت له: يا سيدي، والله العظيم، وحق الإنجيل ومن جاء به، لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك. فقال لي: إذن فاعلم يا ولدي أن البارقليط هو اسم من أسماء نبي المسلمين محمد ﷺ ، وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال ﵇، وأخبر أنه نزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل. فقلت: وما تقول في دين هؤلاء النصارى؟ فقال لي: يا ولدي لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول، لكانوا على دين الله؛ لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله، ولكن بدلوا وكفروا.

стр. 119

فقلت: يا سيدي وكيف الخلاص من هذا الأمر؟ فقال: يا ولدي بالدخول في دين الإسلام. فقلت: وهل ينجو الداخل فيه؟ قال: نعم ينجو في الدنيا والآخرة. فقلت: يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم؛ فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه؟ فقال: يا ولدي إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به إلا بعد كبر سني، ووهن جسمي، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك، لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى، من رفعة الجاه والعز، والترف، وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام، لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم وخلصت إلى المسلمين، فأقول لهم: إني جئتكم مسلما. فيقولون لي: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت فيه نفسك من عذاب الله. فأبقى فيهم شيخا كبيرا فقيرا ابن تسعين، لا أفقه لسانهم، ولا يعرفون حقي (١). فقلت: يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل دينهم؟ فقال: إن كنت عاقلا، طالبا للنجاة، فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن، فاكتمه بغاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة لحينك، ولا أقدر على نفعك، ولا ينفعك أن تنقله عني، فإني أجحده وقولي مصدق عليك، وقولك غير مصدق علي، وأنا برئ من ذلك إن فهت بشيء، فعاهدته بما يرضيه. ثم أخذت في أسباب الرحلة وودعته، فدعا لي عند الوداع بخير، فانصرفت إلى بلدي ميورقة، ثم سافرت إلى جزيرة صقلية، وأقمت فيه خمسة أشهر وأنا انتظر مركبا يتوجه لأرض المسلمين، فحضر مركب يسافر إلى مدينة تونس، فسافرت فيه من صقلية وأقلعنا عنها قرب مغيب الشفق، فوردنا مرسى تونس قبل الزوال، فلما نزلت بديوان تونس، وسمع بي الذين بها من أحبار النصارى أتوا بمركب وحملوني معهم إلى ديارهم، وصحبتهم أيضاً بعض التجار الساكنين أيضاً بتونس، فأقمت عندهم في ضيافتهم على أرغد عيش أربعة أشهر، وبعد ذلك سألتهم هل بدار السلطان أحد يحفظ لسان النصارى، وكان السلطان آنذاك مولانا أبا العباس أحمد ﵀ فذكر لي النصارى أن بدار السلطان المذكور رجلاً فاضلاً من أكبر خدامه اسمه يوسف الطبيب وكان طبيبه، ومن خواصه، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وسألت عن مسكن هذا الرجل الطبيب، فدللت عليه واجتمعت به، وذكرت له شرح حالي، وسبب قدومي للدخول في الإسلام، فسر الرجل بذلك سروراً عظيماً بأن يكون تمام هذا الخير على يديه، ثم ركب فرسه وحملني معه لدار السلطان، ودخل عليه فأخبره بحديثي، فاستأذنه لي فأذن لي، فمثلت بين يديه، فأول ما سألني السلطان عن عمري، فقلت له: خمسة وثلاثون عاماً، ثم سألني عما قرأت من العلوم فأخبرته، فقال لي: قدمت قدوم خير، فأسلم على بركة الله. فقلت للترجمان -وهو الطبيب المذكور-: قل لمولانا السلطان إنه لا يخرج أحد من دين إلا ويكثر أهله القول فيه والطعن فيه، فأرغب من إحسانكم أن تبعثوا إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأحبارهم، وتسألوهم عني وتسمعوا ما يقولون في جنابي، وحينئذ أسلم إن شاء الله تعالى، فقال لي بواسطة الترجمان: أنت طلبت ما طلب "عبد الله بن سلام" من النبي ﷺ .

стр. 120

ثم أرسل إلى أحبار النصارى وبعض تجارهم وأدخلني في بيت قريب من مجلسه، فلما دخل النصارى عليه قال لهم: ما تقولون في هذا القسيس الجديد الذي قدم في هذا المركب؟ قالوا له: يا مولانا هذا عالم كبير في ديننا، وقالت شيوخنا: إنهم ما رأوا أعلى من درجته في العلم والدين في ديننا، فقال لهم: وما تقولون فيه إذا أسلم؟ قالوا: نعوذ بالله من ذلك هو ما يفعل ذلك أبداً. فلما سمع ما عند النصارى بعث إليّ، فحضرت بين يديه (وشهدت) شهادتي الحق بمحضر النصارى، فصلّبوا على وجوههم، وقالوا: ما حمله على هذا إلا حب التزويج، فإن القسيس عندنا لا يتزوج. وخرجوا مكروبين محزونين، فرتب لي السلطان ﵀ ربع دينار كل يوم في دار المختص، وزوجني ابنة الحاج محمد الصفار، فلما عزمت على البناء بها، أعطاني مائة دينار ذهباً وكسوة جيده كاملة، فبنيت بها، وولد لي منها ولد سميته محمد على وجه التبرك باسم نبينا (١) (. المطلب الثاني: شهادة المنصفين: الكثير من المخالفين لديننا -سواء كانوا أهل كتاب أو ملاحدة- شهدوا لنبينا (بالصدق وأنه نبي من الله حقا، وبعضهم أسلم، وبعضهم لم يسلم ولكنه أنصف، وإذا كان المخالف المتربص المتصيد للأخطاء أقر بصحة مذهب خصمه، فإن هذا من أقوى الأدلة على صدق النبي ﷺ ، وقد قيل سابقا: وشمائلُ شَهِدَ العَدُوُ بفضِلها والفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعْدَاءُ وقيل: ما قولُ مولانا الإمامُ البدرُ مَن بعلومِه شهد العدوُ الحاسدُ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠]؛ قال القرطبي: (قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سلام، شهد على اليهود أن رسول الله ﷺ مذكور في التوراة، وأنه نبي من عند الله، وفي الترمذي عنه: نزلتْ فيَّ آيات من كتاب الله؛ نزلت في: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (. ولما جاء ابن سلام مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا رسول الله, اجعلني حكما بينك وبين اليهود, فسألهم عنه: «أي رجل هو فيكم». قالوا: سيدنا وعالمنا. فقال: «إنه قد آمن بي»، فأساءوا القول فيه (٢).

стр. 121

روي أَنَس قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، (١) فَأَتَى النَّبِيَّ (فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ؛ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا» قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... («أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ» قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي. فَجَاءَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ (: «أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ». فَقَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) (٢).

стр. 122

وأخرج الإمام الترمذي عن أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ (فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ، قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ. فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِن الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ؛ فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ. فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ، بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَبَايَعُوهُ. وَأَقَامُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ. قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ) (١). وهذه شهادة أخرى من خير قساوسة النصارى في وقته للنبي (:

стр. 123

أخرج الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ (١)، مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، أَيْ مُلَازِمَ النَّارِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا، لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا. وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ، لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ، دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ فقُلْتُ: يَا أَبَتِ مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ. فقُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيَّ النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَآذِنُونِي بِهِمْ. فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الْأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: فَادْخُلْ.

стр. 124

فَدَخَلْتُ مَعَهُ، فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ؛ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا شيئاً اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ، وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ. قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ. قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ، وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ (١)، وَهُوَ فُلَانٌ فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ.

стр. 125

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ، وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا بِنَصِيبِينَ (١)، وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ. وَقَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُّورِيَّةَ (٢)، فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ. قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي. فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ، هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى؛ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ. قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ. فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ؟ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ. قَالُوا: نَعَمْ.

стр. 126

فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي، أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فُلَانُ: قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ (١) وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ (٢) حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي. قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «كُلُوا». وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ: وَقَدْ تَبِعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ. لِي قَالَ: فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَحَوَّلْ». فَتَحَوَّلْتُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ... الحديث) (٣). شهادة النجاشي:

стр. 127

وهذه شهادة النجاشي الذي كان ملك الحبشة، وسيد النصارى، بل إنه أسلم؛ فقد أخرج الإمام أحمد أيضا عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَبُو مُوسَى، فَأَتَوْا النَّجَاشِيَّ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ، بِهَدِيَّةٍ فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ، ثُمَّ ابْتَدَرَاهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَا لَهُ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَمِّنَا نَزَلُوا أَرْضَكَ وَرَغِبُوا عَنَّا وَعَنْ مِلَّتِنَا. قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ فِي أَرْضِكَ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ. فَاتَّبَعُوهُ فَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْجُدْ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ لَا تَسْجُدُ لِلْمَلِكِ؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ . قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولَهُ (، وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَالَ: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ؟ قَالُوا: نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ؛ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ، وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ. قَال: َ فَرَفَعَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ وَالْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ، وَاللَّهِ مَا يَزِيدُونَ عَلَى الَّذِي نَقُولُ فِيهِ مَا يَسْوَى هَذَا -يعني العود- مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَإِنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ، لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَحْمِلُ نَعْلَيْهِ وَأُوَضِّئُهُ. وَأَمَرَ بِهَدِيَّةِ الْآخَرِينَ فَرُدَّتْ إِلَيْهِمَا. ثُمَّ تَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَدْرَكَ بَدْرًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ (اسْتَغْفَرَ لَهُ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ) (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا (٢). فصلاة النبي ﷺ عليه تدل على إسلامه. ومن هذه الشهادات أيضاً:

стр. 128

ما رواه ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ». فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ». قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ». قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ». قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ، الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا». قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَالَ: «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ؟. قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ». قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ» (١). يقول الجلندي ملك غسان -لما بلغه رسول رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام-: (والله لقد دلني على هذا النبي الأمي؛ أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي) (٢). وفي قصة الميورقي أيضا شهادة واضحة -كما تقدم - من أكبر علماء النصارى في عصره على صدق النبي ﷺ . وقد شهد له هرقل عظيم الروم - وكان من علماء النصارى- بأنه نبي صادق كما سيأتي. وإليك بعض هذه النصوص من المعاصرين: - (كان محمد ﷺ خاتم النبيين، وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله .. ) [واشنجتون ايرقنج (٣)] (٤). -إن أشد ما نتطلع إليه بالنظر إلى الديانة الإسلامية، ما اختص منها بشخص النبي محمد ﷺ ، وبذلك قصدت أن يكون بحثي أولا في تحقيق شخصيته، وتقرير حقيقته الأدبية علَّني أجد في هذا البحث دليلا جديدا على صدقه وأمانته، المتفق تقريبا عليها بين جميع مؤرخي الديانات، وأكبر المتشيعين للدين المسيحي .. [هنري دي فاستري (٥)] (٦).

стр. 129

- هل رأيتم قط رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجيبا؟ إنه لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب، فهو لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب، وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه بيت، إنما هو تل من الأنقاض، وكثيب من أخلاط المواد؛ وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس (١)، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم، فكأنه لم يكن، وأني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة، وإلا أبت أن تجيبه طلبته، كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيلوه حق، ومحنة أن ينخدع الناس -شعوبا وأمما- بهذه الأضاليل .. [توماس كارلايل (٢)] (٣). -ويقول كارلايل أيضاً: (لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر، أن يصغي إلى القول بأن دين الإسلام كذب، وأن محمدا خداع مزور، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرجل، ومازالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لمئات الملايين من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا. أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والعد أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول، فما الناس إذاً إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث؛ كان الأولى ألا تُخلق) (٤). - ومن أعظم الشهادات هذا الموج المترادف من قوافل الداخلين في الإسلام، الذي يقدر بمئات الألوف سنويا على مستوى العالم، بل نستطيع أن نقول وبكل ثقة، أنه لا تمر خمس دقائق إلا ويسلم فيها إنسان على مستوي العالم. - وقد ألف د. جفري لانغ الأمريكي كتابا بعنوان (الصراع من أجل الإيمان)، يتكلم فيه عن سبب إسلامه، وأنه كان بعد تأمل طويل في الدين، ثم عقد فصلا بعنوان (رسول الله) تكلم فيه كلاما طويلا في كيفية إعجابه بشخصية الرسول ﷺ ، وكيف استدل على صدقه (٥). إلى غير ذلك من الشهادات الصادقة التي ما تركتها إلا إيثارا للاختصار، وقد جمعت في كتب كثيرة منها كتاب (قالوا عن الإسلام) الذي أصدرته الندوة العالمية للشباب، وهو كتاب حافل ملئ بالنقول والشهادات والاعترافات من جميع الملل. وقد ألف د. خالد السيوطي كتابا حافلا بعنوان "المهتدون إلى الإسلام من قساوسة النصارى وأخبار اليهود حتى القرن التاسع الهجري" (٦). المطلب الثالث: الآيات التي يجريها الله على يديه يخرق فيها العادة: وقد ألف العديد من العلماء في دلائل ومعجزات النبي ﷺ منهم: البيهقي وأبو نعيم وأبو بكر الفرياني وأبو حفص بن شاهين، وأعلام النبوة لأبي داود السجستاني، "ودلائل الرسالة" لأبي المطرف بن أصبغ القرطبي (٧)، ومن المعاصرين: "الصحيح من معجزات النبي " (لخير الدين وانلي (٨)، "والصحيح المسند من دلائل النبوة "لمقبل ابن هادي الوادعي (٩) وغيرهم، ومجموع هذه الأدلة تربو على الألف دليل (١٠).

стр. 130

وهذه الآيات والمعجزات لاشك أنها حجة قاطعة على صدق رسالته ونبوته؛ لأن خرق العادة ومخالفة قانون الطبيعة، وتغير ناموس الحياة لا يمكن أن يفعله مخلوق، بل لا يكون إلا من الخالق للعادة سبحانه، والله تعالى لا يخرق العادة لكاذب، بل إنما يؤيد بها مرسليه للتدليل على صدقهم في دعوتهم، كما حصل من قلب النار بردا وسلاما على إبراهيم، وقلب عصى موسى إلى أفعى، وإحياء الموتى لعيسى، وغير ذلك من الآيات؛ لذلك كان القوم إذا أرسل إليهم أحد، أو ادعى النبوة قالوا: ﴿ ... لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ... ﴾ [البقرة:١١٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ .. ﴾ [الأنعام:٣٧] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا .. ﴾ [الأنعام:١٠٩] ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ... ﴾ [يونس:٢٠]. ولهذا كان من أنكر الآية بعد أن رآها في غاية من الكفر ومستحقا للعذاب؛ كما قال تعالى عن صالح: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود:٦٤]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٤]. وقال ﷻ : ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١]، يعني أن رؤية هذه الآيات لا تُبقي لأحد حجة. من هذه الآيات والمعجزات - غير معجزة القرآن التي سنتكلم عنها مفصلة -: ١ - خطاب الأشجار والأحجار وانقيادها للنبي (: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ (بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ - أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ (١). وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ.» (٢). وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ، قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ جبريل: محمد مَا لَكَ؟ قَالَ: «فَعَلَ بِي هَؤُلاءِ وَفَعَلُوا». قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ أَرِنِي». فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: قُلْ لَهَا فَلْتَرْجِعْ. فَقَالَ لَهَا فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَسْبِي حسبي» (٣). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: «إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنْ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ (، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ». فَعَادَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ (٤).

стр. 131

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ» . فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ -أي الذي وضع فيه قيد- الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ» . فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ» . فَالْتَأَمَتَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدْ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ (١) . ٢-أدب الحيوان معه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فيه جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ (حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، وجاء إليه، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَاك إِلَيَّ وزعم أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ " (٢) .

стр. 132

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ لَنَا جَمَلٌ نُسْنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ اسْتُصْعِبَ عَلَيْنَا وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ، وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا» . فَقَامُوا فَدَخَلَ الْحَائِطَ وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَةٍ، فَمَشَى النَّبِيُّ (نَحْوَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْكَلْبِِ الكَلِبِِ (١) ، وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ صَوْلَتَهُ. فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ» . فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ قَطُّ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ بَهِيمَةٌ لَا تَعْقِلُ تَسْجُدُ لَكَ، وَنَحْنُ نَعْقِلُ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ. فَقَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةً تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» (٢) . عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْشٌ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَدَّ وَلَعِبَ فِي الْبَيْتِ، فَإِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَنَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ) (٣) . وأخرج الحاكم عن سفينة مولى رسول الله (قال: (ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة (٤) فيها الأسد، فأقبل يريدني، فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله (فطأطأ رأسه، وأقبل إليَّ يدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق، وهمهم فظننت أنه يودعني، فكان آخر عهدي به) (٥) . ٣-تكثير الطعام:

стр. 133

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ (خَمَصًا شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ (١) إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا؟ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ (٢) فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ. فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ. فَصَاحَ النَّبِيُّ (فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ» . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ» . فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فقلت لها: ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار. فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ. فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا» . وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ) (٣) . وعن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عَنَاقاً (٤) حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن. فقال: «ادع بها، فدعا بها فاعتقلها النبي ﷺ ، ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت» . قال: وجاء أبو بكر ﵁ بمحجن فحلب، فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط؟ قال: «أو تراك تكتم علىَّ حتى أخبرك؟» . قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله» . فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: «إنه ليقولون ذلك» . قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك. قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا» (٥) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ (بِتَمَرَاتٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَقَالَ: «خُذْهُنَّ وَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ هَذَا، أَوْ فِي هَذَا الْمِزْوَدِ (٦) كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ فَخُذْهُ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا» . فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حِقْوِي (٧) ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ انْقَطَعَ) (٨) .

стр. 134

عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ (بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَ مِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِ مِائَةٍ) (١) . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ» . فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ» . فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ) (٢) . ٤-شفاء الأمراض على يديه: في يوم خيبر دعا النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وكان أرمد فبصق في عينيه فبرأ (٣) . وعن يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ ابن الأكوع، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ (فنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ) (٤) . وعبد الله بن عتيك لما قتل أبا رافع انكسرت قدمه، فمسحها النبي ﷺ ، فكأنها لم تشتك قط (٥) . ٥-انشقاق القمر: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فدعا النبي ربه أن يشق القمر، فانشق القمر فلقتين، فلقة عن يمين الجبل والأخرى عن شماله، فقال النبي: «اشهدوا اشهدوا» . فقالوا: سحر أعيننا محمد. فقال بعضهم: إن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس أجمعين، فاسألوا الركبان إذا جاءوا من الأسفار. فكلما جاء أحد سألوه: هل رأيت القمر انشق؟ فيقولون: نعم رأينا) (٦) . ٦-حنين الجذع: كان مسجد النبي ﷺ مبني على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا أراد أن يخطب يستند إلى أحد هذه الجذوع دائما، ومكث على هذه مدة، فلما كثر الناس وأصبح المسجد يمتلئ بالمصلين، وكان الذين في الصفوف الأخيرة لا يرون النبي ﷺ لا سيما من النساء، فجاءت إحدى نساء الأنصار إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن لي غلاما نجارا، فإن شئت أمرته ليصنع لك منبرا. فوافق النبي ﷺ على هذا الأمر، فصنعتْ للنبي منبرا من ثلاث درجات، ووضعته في المسجد بجانب ذلك الجذع الذي كان النبي ﷺ يخطب إليه دائما، فلما خرج النبي ﷺ للخطبة، مر بجانب ذلك الجذع ولم يخطب عنده، وتعداه ورقى المنبر ليخطب عليه، فلما أحس الجذع أن النبي ﷺ تركه، حزن وجزع وأخذ يبكي ويصيح حتى كاد أن يتصدع حزنا على رسول الله (، فقال النبي ﷺ : «ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟» فأقبل الناس وارتج المسجد من حنينها حتى كثر البكاء في المسجد، فنزل النبي ﷺ فوضع يده عليها يهدهدها (٧) ثم ضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يُسكّت حتى سكتت، فقال النبي: «أما والذي نفس محمد بيده، لو لم أحتضنه لحن هكذا إلى يوم القيامة حزنا على رسول الله» . ثم أمر النبي ﷺ به فدفن تحت منبره. يقول جابر: بكت على ما كانت تسمع من الذكر) (٨) . ٧-عقوبة من خادع النبي ﷺ :

стр. 135

عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّاً فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ (، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا ولحق بأهل الكتاب، فعظموه ورفعوه وقالوا: هذا رجل يكتب لمحمد فأعجبوا به، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ. فما لبث أن قصم الله عنقه ومات، فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ. فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ) (١) . وغير ذلك من الأدلة والآيات والبراهين والمعجزات على صدقه (وتأييد الله تعالى له. وبعض الطاعنين أنكر معجزات النبي ﷺ وقال: إنه لا يقبلها عقل. ومما يؤسف له أن كثيرا من المعاصرين على ذلك: يقول محمد رشيد رضا: (وأما تلك العجائب الكونية، فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها، وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين في كل زمان، والمنقول منها عن صوفية الهنود المسلمين أكثر من المنقول عن العهدين العتيق والجديد، وعن مناقب القديسين، وهي من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر) (٢) . وقال: (لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى ﵉ لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأسرع) (٣) . وهذا الكلام في غاية الخطورة، فكأنه يشير إلى أن الله تعالى صد الناس عن الإيمان بسبب ذكره هذه الآيات، ونقول له: (قل أأنتم أعلم أم الله (؟ وإن المرء ليعجب أشد العجب؛ إذ كيف لرجل مثل رشيد رضا أن يتهم القرآن لأجل أحرار الإفرنج. وقال الشيخ مصطفى المراغي في تقديمه لكتاب "حياة محمد" لمحمد حسين هيكل: (ولم تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية، وما أبدع قول البوصيري: لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا الْعُقُولُ بِهِ حِرْصاً عَلَيْنَا، فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمِ (٤) . وبمعنى هذا الكلام قال محمد حسين هيكل، وعبد العزيز جاويش، ومحمد فريد وجدي، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد عبده (٥) . وغالب المدرسة العقلية على هذا الرأي؛ وهو إنكار جميع المعجزات إلا القرآن، وبعضهم لا ينكرها ولكن يقول: هي ليست بذات أهمية، فضلا أن تكون دليلا على صحة نبوة النبي ﷺ . وقد استخدم بعضهم تأويلات باردة في إنكار المعجزات؛ فبعضهم يتكئ على قضية ورودها في أحاديث آحاد، وأحاديث الآحاد لا تُقبل في العقائد (٦) ، فإن كانت متواترة أنكر تواترها، ولكنهم شرقوا في بعض الآيات التي نص عليها القرآن مثل انشقاق القمر (٧) ؛ وهي معجزة قد تواترت عن النبي ﷺ أيضا، فإليك ملخص ما قاله محمد رشيد رضا في إنكار هذه الآية (٨) : أولا: الطعن في السند: ١-إنكار التواتر: قال: زعم بعض العلماء المتقدمين أن الروايات في انشقاق القمر بلغت درجة التواتر، وهو زعم باطل. وقال: فلو وقعت لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتر؛ لشدة غرابته عند جميع الناس في جميع البلاد ومن جميع الأمم. ٢-التشكيك في صحة السند: قال: فأما الشيخان فالذي صح عندهما مسند على شرطهما إنما هو عن واحد من الصحابة، يخبر عن رؤية وهو عبد الله بن مسعود.

стр. 136

وأما رواية أنس وابن عباس في الصحيحين، فهي مرسلة؛ لأن هذه الحادثة حصلت بمكة قبل أن يولد ابن عباس، وأنس كان في المدينة ولم يشهدها، وأما ما انفرد به مسلم عن ابن عمر، فإن ابن عمر لم يصرح أنه رأى هذه الآية، وأما ما رواه الترمذي عن جبير بن مطعم فهو ضعيف. ثانيا: الطعن في المتن: إذن لم يسلم مما سبق إلا حديث ابن مسعود؛ فهو حديث متفق عليه، وقد شاهد هذه الآية بنفسه، فكان أن طعن فيه في متنه؛ فقال: ١-في بعض الروايات: انشق القمر ونحن في مكة، وفي بعضها: ونحن في منى. ٢-الروايات فيها اختلاف؛ ففيها: (رأيت القمر منشقا شقتين، شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء) ، ورواية (انشق القمر فرقتين فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه) ورواية (رأيت القمر على الجبل وقد انشق، فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر) ورواية (فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما) ورواية (فانشق القمر نصفين، نصفا على الصفا، ونصفا المروة) . ثم يقول: (والقاعدة المشهورة عند العلماء في الأدلة المتعارضة، التي يتعذر الجمع بينها تساقطها، ومن الدائر على ألسنتهم تعادلا فتساقطا) . ثالثا: إشكال فلكي: قال: لا يشك عاقل أن خلق السماوات وأجرامها في غاية الإبداع، والنظام لا تفاوت فيه ولا خلل، وأن سنته تعالى لا تتبدل ولا تتحول، فلا يصدق خبر وقوع تغير فيها إلا بخبر قطعي ثابت. رابعا: الإشكال الأصولي الأعظم: هكذا يصف السيد رشيد ما يورده هنا من شبهة على انشقاق القمر حيث يقول: (وثبت بالآيات المحكمة الكثيرة القطعية، الدلالة أن الكفار طالبوا النبي ﷺ بآية من الآيات الكونية، التي أوتي مثلها الرسل على الإبهام، وأنهم اقترحوا عليه آيات معينة أيضا، فلم يجابوا إلى طلبهم، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] وقال سبحانه: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا () أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا () أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا () أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ( [الإسراء:٩٠-٩٣] فكيف يمكننا أخذ رواية أنس في الصحيحين بالقبول، فنصدق أن المشركين طلبوا من النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر، وجملة القول: إنه لو صح أن قريشا سألوا النبي ﷺ آية فأجابهم إلى طلبهم، ثم كفروا لعذبهم، ولكنه لم ينقل أن الله تعالى عذب أحدا منهم عقب ذلك التكذيب) (١) . هذا ما قاله رشيد رضا في نفي هذه المعجزة، ولكن بقي إشكال وهو: ما الذي يقال إذن في معنى الآية (وانشق القمر) ؟ قال رشيد رضا: (فإذا أنت راجعت لغة القرآن في معاجمها، لتفهم الآية منها دون هذه الروايات، وجدت في "لسان العرب" ما نصه: "والشق الصبح، وشق الصبح يشق شقا إذا طلع وفي الحديث (فلما شق الفجر أمرنا بإقامة الصلاة) ، يقال: شق الفجر وانشق إذا طلع ا. هـ، فعلى هذا يقال: انشق القمر بمعنى طلع وانتشر نوره، ويكون في الآية بمعنى ظهر الحق ووضح كالقمر يشق الظلام بطلوعه ليلة البدر) .

стр. 137

ثم يختم حديثه في هذه المسألة بقوله: (ومن اطمأنت نفسه من المسلمين بقبول سائر تلك الروايات على علاتها، وكان ممن يرى مخالفة النقل القطعي والعقل أهون من مخالفة زيد وعمرو، وصدق عقله أن تقع هذه الآية، ولا يحدث أحد من الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من قدماء الصحابة برؤيتها والاحتجاج بها، فضلا عن تواترها، فليس له أن يجعلها من عقائد المسلمين. وينفر مستقلي الفكر ومتبعي الدليل من المسلمين وغير المسلمين منه) . إلى هنا انتهى رشيد رضا من تقرير هذه المسألة. والذي يبدو للوهلة الأولى أن له حظا من النظر، ولكن حقيقة الأمر على الضد من ذلك، فإليك الجواب عن كل ما قال: أولا: طعنه في السند: ١-إنكاره تواتر الحديث: لقد نص على تواتر الحديث جهابذة هذا الفن وأمراء الحديث في القديم والحديث؛ نذكر من ذلك: قال الإمام ابن كثير- ﵀: (قد كان هذا في زمان رسول الله (، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة) (١) . وقال الكتاني: (قال التاج ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب الأصلي: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان بن مهران، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخرى شتى بحيث لا يُمترى في تواتره. وقال القاضي عياض في الشفا -بعد ما ذكر أن كثيرا من الآيات المأثورة عنه (معلومة بالقطع - ما نصه: أما انشقاق القمر، فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر بوجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب ضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه. وفي أمالي الحافظ ابن حجر: أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه، قال: ورواه من الصحابة: عليُّ، وابن مسعود، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وغيرهم. وقال القرطبي في المفهم: رواه العدد الكثير من الصحابة، ونقله عنهم الجم الغفير من التابعين، فمن بعدهم ا. هـ. وفي المواهب اللدنية: جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم. وقال ابن عبد البر: روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، وتأيد بالآية الكريمة. وقال المناوي في شرحه لألفية السير للعراقي: تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان، كما حققه التاج السبكي وغيره.) (٢) وبنحوه قال ابن حجر (٣) . ٢-طعنه في صحة السند: ولو سلمنا بعدم تواتره، فهو لا شك بصحته، وأما محاولة رشيد رضا تضعيف السند، فهي محاولات بائسة، ويكفي في صحته اتفاق البخاري ومسلم على تخريجه في كتابيهما عن طريق ثلاثة من الصحابة، وتصحيح الأئمة له. وقد نقل الحافظ ابن الصلاح اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه الشيخان بالقبول والصحة، ووافقه العراقي على ذلك، ونقله عن جمع غفير من الأئمة (٤) . وأما دعواه أن حديث أنس وابن عباس من قبيل مرسل الصحابي. فنقول ماذا في هذا؟! فمرسل الصحابي مقبول عند علماء الحديث: قال ابن الصلاح: (ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله (ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند) (٥) . وقال الحافظ العراقي: (المحدثون وإن ذكروا مراسيل الصحابة، فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها) (٦) . ثم لو سلمنا بعدم قبول رواية مرسل الصحابي، فقد رواه ابن مسعود مشاهدة، وهو ليس بمرسل في حقه، وكذلك رواه ورآه علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر (٧) . ثانيا: طعنه في متن الحديث:

стр. 138

وأما تضعيفه حديث ابن مسعود المتفق عليه بسبب اضطراب ألفاظه، فهو في غاية من العجب. فرواية (انشق القمر ونحن في مكة) ورواية (ونحن في منى) لا تعارض بينهما إذ منى من مكة، أو أن المراد بمكة يعني قبل الهجرة. قال ابن حجر: (وَالْجَمْعُ بَيْن قَوْل اِبْن مَسْعُود " تَارَة بِمِنى وَتَارَة بِمَكَّة " إِمَّا بِاعْتِبَارِ التَّعَدُّد إِنْ ثَبَتَ، وَإِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى، وَمَنْ قَالَ: كَانَ بِمَكَّة لَا يُنَافِيه؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِمِنًى كَانَ بِمَكَّة مِنْ غَيْر عَكْس، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمِنًى قَالَ فِيهَا: " وَنَحْنُ بِمِنًى " وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمَكَّة لَمْ يَقُلْ فِيهَا " وَنَحْنُ " وَإِنَّمَا قَالَ: " اِنْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة " يَعْنِي أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ وَهُمْ بِمَكَّة قَبْل أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَبِهَذَا يَنْدَفِع دَعْوَى الدَّاوُودِيّ أَنَّ بَيْن الْخَبَرَيْنِ تَضَادًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (١) . وقال: (وَقَدْ وَقَعَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ بَيَان الْمُرَاد فَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ: " اِنْشَقَّ الْقَمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه (وَنَحْنُ بِمَكَّة قَبْل أَنْ نَصِيرَ إِلَى الْمَدِينَة " فَوَضح أَنَّ مُرَاده بِذِكْرِ مَكَّة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل الْهِجْرَة , وَيَجُوز أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ لَيْلَتئِذٍ بِمِنًى) (٢) . ورواية (رأيت القمر على الجبل وقد انشق، فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر) ورواية (فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما) ، لا تعارض بينهما ألبتة، وكذا رواية (انشق القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه) فإنها قريبة من معناهما. فلم يبق إلا ما ظاهره التعارض بين هاتين الروايتين (رأيت القمر منشقا شقتين؛ شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء) ، ورواية (فانشق القمر نصفين؛ نصفا على الصفا، ونصفا المروة) . وهذا ليس فيه إشكال؛ فإن نظر الإنسان يختلف بحسب الزاوية التي ينظر منها، فمرة يرى القمر فوق أبي قبيس، ثم إذا تحرك رآه على الصفا وهكذا، أو هو بحسب اختلاف جهة الناظرين، فبعضهم يراه من زاوية والآخرين من زواية أخرى. وقال ابن حجر: (لَفْظِ " رَأَيْت الْقَمَر مُنْشَقًّا شُقَّتَيْنِ: شُقَّة عَلَى أَبِي قُبَيْس، وَشُقَّة عَلَى السُّوَيْدَاء " وَالسُّوَيْدَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير نَاحِيَة خَارِجَة مَكَّة عِنْدهَا جَبَل، وَقَوْل اِبْن مَسْعُود": عَلَى أَبِي قُبَيْس ". يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِمِنًى، كَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِع بِحَيْثُ رَأَى طَرَف جَبَل أَبِي قُبَيْس، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر اِسْتَمَرَّ مُنْشَقًّا حَتَّى رَجَعَ اِبْن مَسْعُود مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّة، فَرَآهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ بَعْد، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه غَالِب الرِّوَايَات أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ قُرْب غُرُوبه، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِسْنَادهمْ الرُّؤْيَة إِلَى جِهَة الْجَبَل، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِانْشِقَاق وَقَعَ أَوَّل طُلُوعه؛ فَإِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْبَدْر، أَوْ التَّعْبِير بِأَبِي قُبَيْس مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة؛ لِأَنَّ الْغَرَض ثُبُوت رُؤْيَته مُنْشَقًّا، إِحْدَى الشِّقَتَيْنِ عَلَى جَبَل، وَالْأُخْرَى عَلَى جَبَل آخَر، وَلَا يُغَايِر ذَلِكَ قَوْل الرَّاوِي الْآخَر: رَأَيْت الْجَبَل بَيْنهمَا. أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَتْ فِرْقَة عَنْ يَمِين الْجَبَل، وَفِرْقَة عَنْ يَسَاره مِثْلًا صَدَقَ أَنَّهُ بَيْنهمَا، وَأَيّ جَبَل آخَر كَانَ مِنْ جِهَة يَمِينه أَوْ يَسَاره صَدَقَ أَنَّهَا عَلَيْهِ أَيْضًا) (٣) .

стр. 139

وفي رواية لمسلم من حديث أَنَسٍ: (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ) (١) . وهذه الرواية تقضي على جميع الإشكالات، فهي تدل أن الانشقاق حصل مرتين، فمرة رأوه فوق جبل أبي قبس ومرة عند الصفا، وإن كان بعض العلماء يشكك في هذه اللفظة (مرتين) ويرى أنها (فرقتين) (٢) . ولو سلمنا التعارض التام بين هاتين اللفظتين من كل جهة، فهذا لا يضر في أصل الحديث، وأقصى ما فيه أن ابن مسعود، أو أحد الرواة عنه كان يهم في اسم الجبلين، فتارة يقول (شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء) ، وتارة (فانشق القمر نصفين، نصفاً على الصفا، ونصفاً المروة) ، وأما أصل الحديث وهو الشاهد منه، أن القمر انشق، فليس فيها أي اضطراب أو نسيان أو وهم. ولو سلمنا أن هذا الاضطراب يسقط الاحتجاج بالحديث، فما القول إذن بحديث علي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر ﵃ أجمعين. ثالثا: الإشكال الفلكي: دعواه وجوب وجود النقل القطعي على هذه الحادثة، فنقول: قد وجد. فالحديث منقول في أصح الكتب، بل نص العلماء على تواتره، بل ذكره الله في كتابه، بل أجمع العلماء على وقوعه، بل حتى الكفار قد ذكروه في كتبهم ممن عاصروا الحادثة. فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: (إنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بُني في الليلة التي انشق القمر فيها) (٣) . ويؤيد هذا ما نقله السيد رشيد رضا نفسه حيث قال: (على أن الحافظ المزي نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أن بعض المسافرين ذكر أنه رأى في بلاد الهند بناء قديما مكتوبا عليه أنه بُني ليلة انشق القمر) . ثم قال رشيد رضا: (وأذكر أنني رأيت في بعض الكتب أو الصحف، أن هذا رؤي في بلاد الصين) (٤) . و (في مقابلة تليفزيونية للأستاذ الدكتور زغلول النجار، سأله مقدم البرنامج عن هذه الآية؛ (اقتربت الساعة وانشق القمر (: هل فيها إعجاز قرآني علمي؟ فأجاب الدكتور زغلول قائلا: هذه الآية لها معي قصة. فمنذ فترة كنت أحاضر في جامعة كارديف (Cardif) غرب بريطانيا، وكان الحضور خليطا من المسلمين وغير المسلمين، وكان هناك حوار حي للغاية عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي أثناء هذا الحوار، وقف شاب من المسلمين وقال: يا سيدي هل ترى في قول الحق ﵎: (اقتربت الساعة وانشق القمر (لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ فأجبته: لا؛ فالأعجاز العلمي يفسره العلم، أما المعجزات فلا يستطيع العلم أن يفسرها، فالمعجزة أمر خارق للعادة فلا تستطيع السنن أن تفسرها، وانشقاق القمر معجزة حدثت لرسول الله (تشهد له بالنبوة والرسالة، والمعجزات الحسية شهادة صدق على من رآها، ولولا ورودها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله (ما كان علينا نحن مسلمي هذا العصر أن نؤمن بها ولكننا نؤمن بها لورودها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله (؛ ولأن الله تعالى قادر على كل شيء، قال: ثم ذكرت لهم الروايات الثابتة في انشقاق القمر.

стр. 140

يقول الدكتور زغلول: وبعد أن أتممت حديثي وقف شاب مسلم بريطاني عرف بنفسه وقال: أنا داود موسى بيتكوك رئيس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم قال: يا سيدي هل تسمح لي بإضافة؟ قلت له: تفضل. قال: وأنا ابحث عن الأديان -قبل أن يسلم- أهداني أحد الطلاب المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، فشكرته عليها وأخذتها إلى البيت، وحين فتحت هذه الترجمة كانت أول سورة اطلعت عليها سورة القمر، وقرأت: (اقتربت الساعة وانشق القمر (فقلت: هل يعقل هذا الكلام؟! هل يمكن للقمر أن ينشق ثم يلتحم؟! وأي قوة تستطيع عمل ذلك؟! يقول الرجل: فصدتني هذه الآية عن مواصلة القراءة، وانشغلت بأمور الحياة، لكن الله تعالى يعلم مدى إخلاصي في البحث عن الحقيقة، فأجلسني ربي أمام التلفاز البريطاني، وكان هناك حوار يدور بين معلق بريطاني وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين، وكان هذا المذيع يعاتب هؤلاء العلماء على الإنفاق الشديد على رحلات الفضاء، في الوقت الذي تمتلئ فيه الأرض بمشكلات الجوع والفقر والمرض والتخلف، وكان يقول: لو أن هذا المال أنفق على عمران الأرض لكان أجدى وأنفع، وجلس هؤلاء العلماء الثلاثة يدافعون عن وجهة نظرهم، ويقولون: إن هذه التقنية تطبق في نواحي كثيرة في الحياة، حيث إنها تطبق في الطب والصناعة والزراعة، فهذا المال ليس مالا مهدرا، لكنه أعاننا على تطوير تقنيات متقدمة للغاية.. في خلال هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر باعتبار أنها أكثر رحلات الفضاء كلفة؛ فقد تكلفت أكثر من مائة ألف مليون دولار، فصرخ فيهم المذيع البريطاني وقال: أي سفه هذا؟! مائة ألف مليون دولار لكي تضعوا العلم الأمريكي على سطح القمر؟ فقالوا: لا، لم يكن الهدف وضع العلم الأمريكي فوق سطح القمر، كنا ندرس التركيب الداخلي للقمر فوجدنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المال لإقناع الناس بها ما صدقنا احد، فقال لهم: ما هذه الحقيقة؟ قالوا: هذا القمر انشق في يوم من الأيام ثم التحم. قال لهم: كيف عرفتم ذلك؟ قالوا: وجدنا حزاما من الصخور المتحولة يقطع القمر من سطحه إلى جوفه إلى سطحه، فاستشرنا علماء الأرض وعلماء الجيولوجيا، فقالوا: لا يمكن أن يكون هذا قد حدث إلا إذا كان هذا القمر قد انشق ثم التحم!! يقول الرجل المسلم «رئيس الحزب الإسلامي البريطاني» : فقفزت من الكرسي الذي أجلس عليه وقلت: معجزة تحدث لمحمد ﷺ قبل ألف وأربعمائة سنة يسخر الله تعالى الأمريكان لإنفاق أكثر من مائة ألف مليون دولار لإثباتها للمسلمين؟! لابد أن يكون هذا الدين حقا. يقول: فعدت إلى المصحف، وتلوت سورة القمر، وكانت مدخلا لقبول الإسلام دينا) (١) . ولو سلمنا أنه لم يوجد النقل عند غير المسلمين؛ فإنه قد يكون بسبب اختلاف مطالع القمر، ولأنه لم يستمر لمدة طويلة، بل للحظات ثم رجع، فلم يره إلا من استعد له ورصده، وغير ذلك من العلل التي ذكرها ابن حجر في الفتح (٢) . يقول المباركفوري شارح الترمذي - رحمه:

стр. 141

(اِعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي ثُبُوتِ مُعْجِزَةِ اِنْشِقَاقِ الْقَمَرِ. قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَمْثَالُهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَيْنَا، وَيُؤَيَّدُ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِاسْتِبْعَادِ مَنْ اِسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ عُذْرٌ، وَقَدْ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ طُلُوعِهِ عَلَى آخَرِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَنَ الِانْشِقَاقِ لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى آفَاقِ مَكَّةَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَتْ السُّفَّارُ وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْلِ غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ: أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُوَافِقِينَ لِمُخَالِفِي الْمِلَّةِ اِنْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَلَا إِنْكَارَ لِلْعَقْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ، كَمَا يُكَوِّرُهُ يَوْمَ الْبَعْثِ وَيُفْنِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَوْ وَقَعَ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا وَاشْتَرَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَلَمَا اِخْتَصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَيْلًا وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يُرَاصِدُ السَّمَاءَ إِلَّا النَّادِرَ، وَقَدْ يَقَعُ بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْكَشِفَ الْقَمَرُ وَتَبْدُوَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ وَلَا يُشَاهِدُهَا إِلَّا الْآحَادُ، فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاقُ كَانَ آيَةً وَقَعَتْ فِي اللَّيْلِ لِقَوْمٍ سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّبْ

стр. 142

غَيْرُهُمْ لَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَمَرُ لَيْلَتَئِذٍ، كَانَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ الَّتِي تَظْهَرُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْآفَاقِ دُونَ بَعْضٍ، كَمَا يَظْهَرُ الْكُسُوفُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اِنْشِقَاقُ الْقَمَرِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَكَادُ يَعْدِلُهَا شَيْءٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ طِبَاعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الطَّبَائِعِ، فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَعُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَانُ بِهِ أَظْهَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجزْ أَنْ يَخْفَى أَمْرُهُ عَلَى عَوَامِّ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ صَدَرَ عَنْ حِسٍّ وَمُشَاهَدَةٍ، فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ كُلِّ غَرِيبٍ، وَنَقْلِ مَا لَمْ يُعْهَدْ فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ أَصْلٌ لَخُلِّدَ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّسْيِيرِ وَالتَّنْجِيمِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ إِطْبَاقُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ وَإِغْفَالِهِ مَعَ جَلَالَةِ شَأْنِهِ وَوُضُوحِ أَمْرِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّةِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، لِأَنَّهُ شَيْءٌ طَلَبهُ خَاصٌّ مِنْ النَّاسِ فَوَقَعَ لَيْلًا؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ لَا سُلْطَانَ لَهُ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ شَأْنِ اللَّيْلِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ، وَالْبَارِزُ بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَشْغُولًا فَمَا يُلْهِيهِ مِنْ سَمَرٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِدِ مَرْكَزِ الْقَمَرِ نَاظرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنْ اِقْتَرَحَ وُقُوعَهُ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي قَدْرِ اللَّحْظَةِ الَّتِي هِيَ مُدْرَكُ الْبَصَرِ. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ -بَعْدَ مَا أَثْبَتَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ- مَا لَفْظُهُ: وَأَمَّا الْمُؤَرِّخُونَ تَرَكُوهُ، لِأَنَّ التَّوَارِيخَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُنَجِّمُ وَهُوَ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ قَالُوا بِأَنَّهُ مِثْلُ خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَظُهُورِ شَيْءٍ فِي الْجَوِّ عَلَى شَكْلِ نِصْفِ الْقَمَرِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَتَرَكُوا حِكَايَتَهُ فِي تَوَارِيخِهِمْ. وَالْقُرْآنُ أَدَلُّ دَلِيلٍ، وَأَقْوَى مُثْبِتٍ لَهُ، وَإِمْكَانُهُ لَا يُشَكُّ فِيهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ فَيَجِبُ اِعْتِقَادُ وُقُوعِهُ. وَحَدِيثُ اِمْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ حَدِيثُ اللِّئَامِ. وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْخَرْقِ وَالتَّخْرِيبِ عَلَى السَّمَوَاتِ، وَذَكَرْنَاهُ مِرَارًا فَلَا نُعِيدُهُ) (١) . -رابعا: الإشكال الأصولي: فالرد على هذا الإشكال بالمنع والتسليم:

стр. 143

أ -أما المنع؛ فنمنع أن هذه الآية جاءت بعد سؤال المشركين؛ قال ابن حجر ﵀: (ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس) (١) ، وأنس لم يعاصر القصة بشهادة رشيد رضا. ولو سلمنا أنه كان بعد سؤال المشركين، فنمنع أنه لم يأتهم العذاب، فقد أخذهم الله بالسنين حتى أكلوا الميتات، فقد ذكر ابن مسعود: أن قريشا أَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ. فقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (إِلَى قَوْلِهِ (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ) (٢) . وعذبهم أيضا في غزوة بدر بقتل سبعين وأسر سبعين، وهي البطشة كما في حديث ابن مسعود (. وفي غزوة الأحزاب بالريح الباردة التي أكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وردتهم مغلوبين، مدحورين مهزومين، كما في سورة الأحزاب. وفي فتح مكة حين هزموا وجردوا من ملكهم لمكة، وكانت خاتمة لطغيانهم، ونهاية لعزهم وشرفهم، فكل هذا من العذاب. ب -أما التسليم؛ فيتضح من النقاط التالية: ١-لو سلمنا أنهم لم يعذبوا، فإنما كان ذلك لعلة، وهي وجود النبي ﷺ بين أظهرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] . ٢-وأجاب الخطابي على هذا بجواب آخر؛ فقال ما ملخصه: إن الذين سألوا هذه الآية ليسوا كل أهل مكة، بل هم أعداد قليلة (٣) ، فهذه الآية لم يجمع لها الناس في صعيد واحد، كما حصل مع موسى ﵇، بل هي حادثة عابرة. ٣-ومن أسباب تخلف العذاب أن النبي ﷺ هو آخر الأنبياء، وأمته هي آخر الأمم، كما قال (: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة» (٤) . فلو أهلكها الله تعالى لما بقي أحد يعبد الله تعالى، وتذهب كثير من السنن الكونية مثل سنة الاختلاف، وسنة المدافعة، وغيرها. ٤-ومن الأسباب أيضا أن النبي ﷺ دعا ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة؛ كما جاء عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٥) .

стр. 144

٥-هذه الآية تختلف عن آيات الأمم السابقة، فهي ليست آية النبي ﷺ الكبرى-كما هو الحال في نبي الله صالح ﵇ مثلا- بل كانت آية عارضة سأله بعض أهل مكة، فمن حرص النبي ﷺ على هداية قومه سأل الله أن يحقق له هذه الآية، فاستجاب الله تعالى لنبيه وحبيبه، ليس لأجلهم ولكن لأجل نبيه. وذلك لأن منهج القرآن عند سؤال الكفار آية أن يرجعهم لأمرين؛ إما الآيات الشرعية (القرآن) أو الآيات الكونية (مخلوقات الله) (١) ؛ فمن الرد إلى الآيات الشرعية قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ () أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( [العنكبوت:٥٠، ٥١] . ومن الرد إلى الآيات الكونية قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ () وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( [الأنعام:٣٧، ٣٨] . وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آية فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٥] . وأغلب آيات سورة الأنعام من هذا الباب، كقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( [الأنعام:٩٥-٩٨] . وتستمر الآيات في هذا النحو إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩] . ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١] . وذلك أن من لم يؤمن بسبب هذين الأمرين-الآيات الشرعية والآيات الكونية- فلن يؤمن أبدا، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١] .

стр. 145

وقال سبحانه مؤكدا على هذه الحقيقة: (ومنهم من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ (١) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آية لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( [الأنعام:٢٥] ، فهو يستمع للقرآن-وهو الآيات الشرعية- ويرى كل آية - وهي الآيات الكونية- ومع هذا يقول أساطير الأولين. ويقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ () وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آية حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ( [يونس:٩٦-٩٧] . ويقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آية لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] . يعني سبب ذلك أنهم كانوا يكذبون بآيات الله الكونية والشرعية، فالله سبحانه يعلم أن هذه الآية-انشقاق القمر- لن تؤثر فيهم، ولكن استجابة لنبيه حتى يرى بعينه هذه الحقيقة، فينتقل من علم اليقين إلى حق اليقين، لذلك لم يسأل النبي ﷺ ربه آية أخرى (٢) . ٦-هذه الآية لم تكن مشروطة بالعذاب، كما حصل من عيسى عندما سأل ربه أن ينزل على قومه مائدة من السماء، فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] . وعلى هذا تكون أمة محمد مستثناة من هذا الحكم. خامسا: نزيد على ذلك أنه قد تم إجماع العلماء على وقوعه: قال ابن كثير في تفسيره: (وهذا أمر متفق عليه بين العلماء؛ أي انشقاق القمر، قد وقع في زمان النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات) (٣) . وقال في البداية والنهاية: (وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد الرسول ﷺ ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة) (٤) ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، وقرر بعدها (فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز) (٥) . وفي نظم السيرة لأبي الفضل العراقي: فصار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين (٦) بالإجماع والنص والتواتر السماعي (٧) (وقال الحافظ ابن حجر: أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه) (٨) . -وأما قول رشيد رضا - فيما نقلناه عنه تحت عنوان الإشكال الأصولي الأعظم (٩) -: (فليس له أن يجعلها من عقائد المسلمين) . فهذا كلام غريب؛ إذ فكيف لا يكون من عقائد المسلمين، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه، وتواترت سنة النبي ﷺ في ذكره وتتابع علماء المسلمين على جعلها من عقائد المسلمين، وذكرها في دلائل النبوة، كما فعل البيهقي وأبو نعيم، وكل من تكلم عن دلائل النبوة ذكر فيه هذه الآية (١٠) ؟ ثم لو سلم لرشيد رضا كل ما تقدم، وأن هذه المعجزة غير ثابتة، فماذا يقول في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ... ﴾ [الإسراء:١] فهل يُنكر أيضا حادثة الإسراء والمعراج؟ وهل ينكر حادثة الفيل؟ وكلها ثابت في القرآن. ونحن نسأل من أنكر معجزات النبي ﷺ ، هل هو ينكر مبدأ المعجزات، وأنه لا يوجد شيء اسمه خرق عادة، أم أنه ينكر آحاد هذه المعجزات التي حصلت للنبي (؟
следующие страницы →