← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9438

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم = الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين

عبد المحسن المطيري

Полный текст (449 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاّ أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( [آل عمران: ٧-٨] . فالمؤمنون رغبوا إلى ربهم أن لا يزيغ قلوبهم كما زاغت قلوب أهل الزيغ، إذ هو - أي المتشابه - فتنة للعقول والقلوب، وسألوا أن ينزل عليهم رحمة يربط بها على قلوبهم وعقولهم فلا تزيغ، وفي هذا الإشارة إلى أن أهل الزيغ والبدعة محرومون من بركة هذا الدعاء، كل بحسب بدعته، وبعده عن السنة. وقد ذكر الله في القرآن أنه ينزل ما يمتحن به عباده؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانا؛ ويضل غيرهم من أهل الضلال، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاُ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] . قال الإمام عبد الرحمن السعدي في تفسيره: (يقول تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاُ ما (أي مَثَلٍ كان (بعوضة فما فوقها (لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق، الله لا يستحيي من الحق (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم (فيفهمونها ويتفكرون فيها،

стр. 72

فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، إزداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلاّ علموا أنها الحق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها، لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة ونعمة سابغة، (وأما الذي كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً (فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفراً إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيماناً إلى إيمانهم، ولهذا قال: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً (فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناُ وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥] فلا أعظم من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة، وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم) (١) . ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادِ الذين أمنوا إلى صراط مستقيم﴾ [الحج ٥٢ - ٥٤] . قال ابن القيم: (والمقصود أن قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض (هي لام التعليل على بابها، وهذا الاختبار

стр. 73

والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة، فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر، والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء) (١) . ومن هذا القبيل أيضاً قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلّا طغياناً كبيراً﴾ [الاسراء: ٦٠] . قال ابن كثير - بعدما ذكر تفسير ابن عباس: أن الرؤيا هي ليلة الإسراء، والشجرة هي شجرة الزقوم -: (وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وتقدم أن ناساً رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق؛ لأنه لم تحتمل عقولهم وقلوبهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتاً ويقيناً لآخرين، ولهذا قال: (إلاّ فتنة (. أي اختبارًا وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل - لعنه الله-: هاتوا تمرا وزبداً، فجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا) (٢) . فهذا كله يدل على أن الله يختبر عباده بما شاء، وإنزاله المتشابه من هذا فإنه فتنة، وقد ضل به كثير ممن ضل عن الحق، كما رفع الله به أهل الإيمان بيقينهم، ورسوخهم درجات من عنده.

стр. 74

الثاني: إن في إنزال المتشابه إظهارا لفضل العلماء وتفاضلهم فيما بينهم، وفيه أيضاً تعريضهم لمزيد من المشقة والصعوبة في معرفة الحق منها، فيعظم أجرهم، ويرتفع عند الله شأنهم. وأيضاً فإنه يدعوهم لتحصيل علوم كثيرة، نيط بها استنباط ما أريد بالمتشابه من الأحكام الحقة، فتتسع بذلك علومهم. وأيضاً فإنه يدرب العلماء على استنباط المعاني الدقيقة، فتقوى بذلك بصائرهم، ولو أنزل القرآن كله محكماً، لاستوى في معرفته العالم والجاهل، ولم يكن في استنباط ما فيه مشقة توجب عظيم المثوبة (١) . وقال الإمام فخر الدين الرازي: "من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات. وقال: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة. ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هوالمرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا؟ الجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد منها: أنه يوجب المشقة في الوصول إلى المراد، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب (٢) .

стр. 75

الثالث: أنه لو كان القرآن كله محكما، لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد، وكان بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه والانتفاع به، فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه، طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه، وينصر مقالته، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب، وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، وبهذه الطرق يتخلص المبطل من باطله ويتوصل إلى الحق. الرابع: أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه، افتقر إلى العلم بطريق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان، في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة. . . (١) . الخامس: أن المشتبهات ليست في الأمور المطلوبة من المكلف العمل بها، وإنما هي في بعض الأمور العقدية التي يطالب فيها المكلف بالتفويض والتسليم لله تعالى فيها، ويقول: (آمنا به كل من عند ربنا (. ومما قيل - وهو ضعيف - ما نقله السيوطي ﵀ عن بعضهم قال: (وإن كان مما لا يمكن علمه، ففيه فوائد؛ منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده، والتوقف فيه، والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ، وإن لم يجز العمل بما فيه، وإقامة الحجة عليهم؛ لأنه منزل بلسانهم ولغتهم، وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم

стр. 76

وأفهامهم، فدل على أنه منزل من عند الله، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف) (١) . وهو ضعيف؛ لأنه قد تقرر تضعيف القول باشتمال القرآن على ما لا يمكن معرفة معناه، لكن إذا قيل: إن هذا من حكمة إنزال المتشابه بالنسبة لبعض العباد، وهو البعض الذي لم يعلم معنى المتشابه، صح من هذه الجهة. وأما قوله: (إقامة الحجة عليهم. . . إلى آخر ما ذكر) فبعيد؛ وذلك لأن ما لا يفهم له معنى، فاحتجاج المشركين به على الطعن في القرآن، أقرب من الاحتجاج به عليهم أنه معجز، ولا يخفى أنهم لو قالوا: لو أنزل هذا القرآن كله بلغتنا ولساننا، لما عجزنا عن فهم بعضه. ولجاءوا بقوي من الحجة تسوغ لهم الطعن في القرآن، فكيف يجعل عدم فهمهم لمعناه دليلاً على نزوله بلغتهم؟! ولكن بلغ من الإعجاز بحيث لا يفهمون معناه؛ فما أبعد هذا. ومما قيل في الحكمة وهو باطل قطعاً، قولان: الأول: وهو أبطل قول، ونعني به ما ذكره الرازي وجعله الأقوى، قال: (والخامس وهو السبب الأقوى: أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص، والعوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق العلمية المحضة، فمن سمع من أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم محض، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وتوهموه، ويكون مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات،

стр. 77

والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو من المحكمات) (١) . ولازم هذا القول أن الله أنزل المتشابه؛ ليضل به جمهور المؤمنين المعظمين للقرآن، باعتقاد ظاهره، ثم بعد ذلك يبين لهم أن ما أُخبرتم به أولاً كان كذبا لمصلحتكم. القول الثاني: وهو قريب من الأول في البطلان، أو مثله، ونعني قول القاضي عبد الجبار: (ومنها - أي الحِكَم - أن كون القرآن كذلك - أي محكماً ومتشابها - يصرفه أن يعول على تقليده؛ لأنه يرى أنه ليس بأن يقلد كلامه في نفي التشبيه؛ لقوله : (ليس كمثله شيء (أولى من أن يقلده في خلافه لقوله : (وجاء ربك (. فكما أن اختلاف العلماء في الديانات، وقول بعضهم في المذهب بخلاف قول صاحبه، يصرف المميز عن تقليدهم؛ لأنه ليس تقليد بعضهم بأولى من تقليد سائرهم، فكذلك انقسام القرآن إلى الوجهين اللذين ذكرناهما، يصرف من ذلك لا محالة، وما صرف عن التقليد المحرم، وبعث على النظر والاستدلال، فهو في الحكمة أولى) (٢) . وهذا الكلام غاية في البطلان؛ فإن القرآن إنما أنزل ليتبع ويقلد؛ قال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ [الأنعام: ١٥٥] ، وقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ [الأعراف: ٣] وقال: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ [الزمر: ٥٥] ، وقال: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلّا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥] . وقال: ﴿واتبع ما يوحى إليك من ربك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ [يونس: ١٠٩] .

стр. 78

فإلى الله المشتكى، وهو الحاكم فيمن يجعل اتباع القرآن تقليداً محرماً، إنه لعجب كيف أمكن أن يقال هذا الباطل من المنتسبين إلى علماء الملة الحنيفية، وقد عظَّم الله شأن القرآن ورفعه فوق زبر الأولين، وجعله إماماً لخير الأمم. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨] . وقال: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً﴾ [الإسراء: ٩] . وكيف يكون القرآن حاكماً إذا كان نزوله من أجل أن يصرف الناس عن تحكيمه في عقيدتهم؟! قال : ﴿آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: ١] . وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النمل: ٨٩] . وقال: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 79

المبحث الثالث: أنواع المطاعن الطاعنون في القرآن كثر، ومطاعنهم وشبهاتهم كثيرة، وحصرها قد يعيي الباحث، ويكل المجد، ولكن حقيقة هذه الطعون أنها تدور في أفلاك محددة، وتنبع من مشكاة واحدة، ويمكننا أن نرجعها إلى أصول وقواعد تلملم شعث هذه الطعون، والرد على هذه الأصول يتكفل بالرد على جميع ما تحته من طعونات لا تعد ولا تحصر (١) ، ويمكننا أن نرد المطاعن إلى أربعة أصول يتفرع من بعضها فروع؛ وهي: ١- نفي نسبة القرآن لله تعالى: ويشمل عدة طعون: -نسبته إلى النبي ﷺ وأنه من تأليفه (٢) . -نسبته إلى الاقتباس من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل (٣) .

стр. 80

-دعوى عدم قدسيته وإمكانية نقده ومخالفته (١) ؛ يعني قد يقر بأنه ليس من النبي ﷺ وأنه من الله تعالى، ولكن يقول هو ليس مقدسا، بل يمكن نقده، وهذا الكلام حقيقته نفي القرآن عن الله تعالى؛ لأن ما كان من الله سبحانهفهو مقدس ولا يمكن نقده، وما كان من غيره فينطبق عليه ما يجري على كلام البشر من خطأ أو عجز أو جهل، إلى غير ذلك من نقائض البشر. ٢- زعم عدم حفظه: يعني قد يقر بأن القرآن من الله ﷻ ، ولكن يزعم عدم حفظه فيدعي: - أنه ليس هو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، بل قد غير وبدل، وأما الأصل فلا وجود له (٢) . - أنه زيد فيه ونقص (٣) ؛

стр. 81

يعني قد يقر بأن القرآن الموجود هو الكتاب الذي نزل من الله، ولكن يقول إنه زيد فيه أو نُقص منه. ٣- اتهام القرآن بالتناقض: - تناقض الآيات بعضها مع بعض (١) . ٤- اتهام القرآن بمعارضة الحقائق: - معارضة الحقائق الشرعية (٢) . - معارضة الحقائق التاريخية (٣) .

стр. 82

- معارضة الحقائق الكونية، أوحقائق العلم التجريبي الحديث (١) . والملاحظ في هذه الطعون هو التدرج فيها، فكلما انتفت شبهة انتقلوا إلى التي تليها. ولو علم المسلمون هذه الشبه الأربع والرد عليها لما حصل ما نراه الآن من تأثر كثير من المسلمين بها، بل والاعتقاد فيها أو التسليم بها. والمطاعن من حيث صراحتها تنقسم إلى نوعين: ١- طعون واضحة وصريحة، وهذا هو الغالب في طعون المستشرقين. ٢- طعون غامضة وملتوية وغير مباشرة، وهذا الغالب في طعون العلمانيين.

стр. 83

المبحث الرابع: أسباب الاختلاف في القرآن ذكرنا في المبحث السابق الطعون العامة التي يوردها الطاعنون، ونشير هنا إلي الأسباب التي كانت وراءها، أو التي دفعت هؤلاء إلي الخوض في قضايا تمس القرآن الكريم، ومن ثم يمكن القول بأن اختلافهم في القرآن يرجع إلى مجموعة من الاعتبارات؛ نذكر أهمها فيما يلى: أما نفي نسبة القرآن إلى الله تعالى، وزعم عدم حفظ القرآن، وما يندرج تحتهما من طعونات، فإنها دعاوى من غير أدلة ولا برهان، وسببها الحقد المحض، ولعل سببها الوحيد لديهم دعواهم وجود التناقض في القرآن، والتناقض دليل على عدم قدسيته. وأما دعوى تناقض القرآن فإنها ترجع لخمسة أسباب، كما ذكرها الزركشي، فقد قال ﵀: الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى: كقوله تعالى في خلق آدم إنه ﴿من تراب﴾ [آل عمران: ٥٩] ، ومرة ﴿من حمأ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦] ، ومرة ﴿من طين لازب﴾ [الصافات: ١١] ، ومرة ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤] ، وهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها في أحوال مختلفة؛ لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر، وهو التراب، ومن التراب

стр. 84

تدرجت هذه الأحوال. ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الشعراء: ٣٢] ، وفي موضع ﴿تهتز كأنها جان﴾ [القصص: ٣١] ، والجان الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها؛ وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته. السبب الثاني: اختلاف الموضوع: كقوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ [الصافات: ٢٤] ، وقوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ [الأعراف: ٦] ، مع قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٦] ؛ قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه. وحمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار، وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون. وقوله: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ [البقرة: ١٧٤] ، مع قوله: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] وقيل: المنفي كلام التلطف والإكرام، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة،

стр. 85

فلا تنافي، وقيل: إن المنفي كلامهم في النار، والمثبت كلامهم في الحساب. وكقوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] ، مع قوله: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ [النساء: ٤٢] ، فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق، والجواب من وجهين؛ أحدهما: أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب، وفي بعضها لا يقع، كما سبق، والثاني: أن الكذب يكون بأقوالهم، والصدق يكون من جوارحهم، فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق. ومنه قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، مع قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] ، يحكى عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي، ﵀، أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد، والثانية على الأعمال، والمقام يقتضي ذلك؛ لأنه قال بعد الأولى (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (. وقيل: بل الثانية ناسخة؛ قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته (إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي ﷺ حق تقاته بأن قال: «هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر» . فقالوا: أينا يطيق ذلك. فنزلت (فاتقوا الله

стр. 86

ما استطعتم (وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس، كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار، ولم ينحط من درجاته، وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: وفي كون ذلك منسوخا نظر، وقوله: (ما استطعتم (هو (حق تقاته (إذ به أمر فإن (حق تقاته (الوقوف على أمره ودينه، وقد قال بذلك كثير من العلماء اهـ. والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره (حق تقاته (لم يثبت مرفوعا، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي، وليس فيه قول الصحابة: أينا يطيق ذلك، ونزول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم (. ومنه قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: ٣] مع قوله في أواخر السورة: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩] فالأولى تُفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه؛ والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن، وهذا ممكن الوقوع وعدمه، والمراد به في الثانية الميل القلبي؛ فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض، وقد كان يقسم بين نسائه ثم يقول: " اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تؤاخذني بما لا أملك ". يعني ميل القلب،

стр. 87

وكان عمر يقول: اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل. ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام؛ أشار إليه ابن عطية، وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير، فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥] ثم قال سبحانه: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (والأصل في الأولى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة، والأصل في الثانية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات. وكقوله تعالى: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ [الأعراف: ٢٨] مع قوله: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] ، والمعنى أمّرناهم وملّكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا، والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء؛ لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد، وفرقٌ بين الأمر الكوني والديني. الثالث: الاختلاف في جهتي الفعل: كقوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ [الأنفال: ١٧] ؛ أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم باعتبار التأثير؛ ولهذا قال الجمهور: إن الأفعال مخلوقة لله تعالى، مكتسبة للآدميين، فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى. وكذا قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال:١٧] أي ما رميت خلقا إذ

стр. 88

رميت كسبا. وقيل: إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي، وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله ؛ قال ابن جرير الطبري: وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد؛ فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه، وذلك فعل واحد؛ لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال، وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة، فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد، ومن الخلق الاكتساب بالقوى. ومثله قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤] وقال تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل. الرابع: الاختلاف في الحقيقة والمجاز: كقوله: ﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ [الحج: ٢] ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ [إبراهيم: ١٧] وهو يرجع لقول المناطقة: الاختلاف بالإضافة. أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة. ومثله في الاعتبارين قوله تعالى: ﴿آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة:٨] وقوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ [الأنفال: ٢١] ، وقوله تعالى: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ [الأعراف: ١٩٨] ، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار، لجواز قولهم: نظرت إليه فلم أبصره.

стр. 89

الخامس: بوجهين واعتبارين: وهو الجامع للمفترقات، كقوله: ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ [ق: ٢٢] وقال: ﴿خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] ، قال قطرب: (فبصرك (: أي علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم: بصر بكذا وكذا. أي علم، وليس المراد رؤية العين، قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم الحديد (وصف البصر بالحدة. وكقوله تعالى: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك﴾ [الأعراف: ١٢٧] مع قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ؛ فقيل: يجوز أن يكون معناه: ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم، ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه، ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى، كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل، فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له، فيحسن قولهم: (وآلهتك ((١) ، وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله﴾ [الرعد: ٢٨] مع قوله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢] فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة؛ وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣] فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم، ووثقوا به، فانتفى عنهم الشك.

стр. 90

وكقوله: ﴿خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] وفي موضع ﴿ألف سنة﴾ [السجدة: ٥] ، وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل ﴿وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ [الفرقان: ٢٦] . وكقوله: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩] وفي آية أخرى ﴿بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران: ١٢٤] ، قيل: إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف، وكان الأكثر مددا للأقل، وكان الألف (مردفين) بفتحها ... ) (١) . إذن فأسباب إيهام التناقض عند الزركشي خمسة: - السبب الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى. السبب الثاني: اختلاف الموضوع. السبب الثالث: اختلافهما في جهتي الفعل. السبب الرابع: اختلافهما في الحقيقة والمجاز. السبب الخامس: الاختلاف لوجهين واعتبارين. وذكر صاحب كشف الأسرار أن من أسباب الاختلاف في القرآن: (١- (الغُمُوض فِي المعنى) أَيْ الْإشكال إنَّمَا يَقَعُ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى , وَمِنْ نَظَائِرِهِ قولُه تعالى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (, اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ أَوْ بِمَعْنَى أَيْنَ، فَعُرِفَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ، بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ وَبِدَلَالَةِ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ , وَهُوَ الْحَيْضُ فَفِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى. ٢- (والاستعارة البديعة) وَأَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ (, فَالْقَوَارِيرُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِضَّةِ،

стр. 91

وَمَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَكُونُ قَوَارِيرَ، وَلَكِنْ لِلْفِضَّةِ صِفَةُ كَمَالٍ, وَهِيَ نَفَاسَةُ جَوْهَرِهِ وَبَيَاضُ لَوْنِهِ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تَصْفُو وَلَا تَشِفُّ وَلِلْقَارُورَةِ صِفَةُ كَمَالٍ أَيْضًا، وَهِيَ الصَّفَاءُ وَالشَّفِيفُ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ , وَهِيَ خَسَاسَةُ الْجَوْهَرِ، فَعُرِفَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ صِفَةُ كَمَالِهِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ , وَهِيَ مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (, فَاللِّبَاسُ لَا يُذَاقُ وَلَكِنَّهُ يَشْمَلُ الظَّاهِرَ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَالْإِذَاقَةُ أَثَرُهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا شُمُولَ لَهَا، فَاسْتُعِيرَتْ الْإِذَاقَةُ لِمَا يَصِلُ مِنْ أَثَرِ الضَّرَرِ إلَى الْبَاطِنِ وَاللِّبَاسُ بِالشُّمُولِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَأَذَاقَهُمْ مَا غَشِيَهُمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. أَيْ أَثَرُهُمَا وَاصِلٌ إلَى بَوَاطِنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ شَامِلًا لَهُمْ.) (١) ولعل أضبط التقاسيم بالنسبة لأسباب الطعون هو ما ذكره الراغب الأصبهاني (٢) ؛ حيث قال: (والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره؛ إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى؛ فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه.

стр. 92

فالمتشابه في الجملة (١) ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما. - والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: ١- أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك: أ-إما من جهة غرابته نحو: الأبّ (٢) ، ويزفون (٣) . ب-وإما من جهة مشاركة اللفظ كاليد، والعين (٤) . ٢- والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: أ- ضرب لاختصار الكلام نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ... ﴾ [النساء: ٣] ، أي فلا تتزوجوهن وانكحوا ... ، ب- وضرب لبسط الكلام نحو: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى-١١] ، لأنه لو قيل: ليس مثله شيء. كان أظهر للسامع. ج - وضرب لنظم الكلام نحو ﴿أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما﴾ [الكهف/١-٢] ، تقديره: أنزل الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجاً. وقوله: (لولا رجالٌ مؤمنون (إلى قوله: ﴿لو تزيّلوا﴾ [سورة الفتح /٢٥] .

стр. 93

- والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه. -والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعاً خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص (١) نحو: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة٥] . والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب (٢) ، نحو: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء/٣] . والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ (٣) نحو: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] .

стр. 94

والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧] ، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية. والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح. وهذه الجملة إذا تصورت، علم أن كل ما ذكره المفسرون من تفسير المتشابه، لا يخرج عن هذه التقاسيم. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة ونحو ذلك. وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة. وضرب متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله ﵊ لابن عباس "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل ". وإذا عُرفت هذه الجملة عُلم أن الوقف على قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله (ووصله بقوله (والراسخون في العلم (جائز، وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. اهـ.

стр. 95

الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن وفيه ثلاثة مباحث هي: المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن. المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن. المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن.

стр. 96

المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن في هذا المبحث نبين عقيدة من عقائد المسلمين الثابتة، ولكن قل من يعرف أدلتها من الكتاب، فأحببت في هذا المبحث أن أجمع جميع الآيات التي تدل على تنزيه كلام الله - تعالى - من المطاعن وشرح معناها. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، فالتدبر للقرآن، ومعرفة أنه ليس فيه أدنى اختلاف، يورث الإنسان العلم أنه من عند الله، إذ لو كان من عند البشر لكان فيه اختلاف كثير، قال البغوي: (أي أفلا يفكرون فيه فيعرفوا-بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر-أنه كلام الله تعالى؛ لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن التناقض والاختلاف) (١) . وقال تعالى: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١-٢] أي لا شك فيه، وكلمة (ريب (نكرة في سياق النفي فتعم، فنفى الله جميع أنواع الريب والشك كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها، قال القرطبي: (لا ريب نفي عام، والريب هو الشك والتهمة، فكتاب الله لاشك فيه ولا ارتياب.) (٢) .

стр. 97

وهذا أمر عجيب، فالعادة في كتب بني البشر أن يستفتح أحدهم كتابه بالاعتذار وإظهار العجز، وأن كتابه فيه أخطاء، والمرجو تقبل الحق الذي فيه، والتماس العذر لأخطائه، وبعضهم يطالب القارئ بإصلاح ما يجد، وبعضهم يقول: إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا ولكن الله - تعالى - استفتح كتابه بهذه الكلمة، معلنا فيها التحدى لكل من يقرأ أن يجد فيه خطأ أو ريبا أو شكا. وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] ، فليس فيه أدنى اعوجاج، وما كان كذلك فلا يمكن أن يتطرق الطعن فيه، قال القاسمي ﵀: ((عوجا (أي شيئا من العوج، باختلال في نظمه وتناف في معانيه، أو زيغ وانحراف عن الدعوة إلى الحق، بل جعله مزيلا للعوج إذ جعله (قيما (( (١) . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] . فهذا القرآن هو أحسن الحديث وأجمله، فلا كتاب أحسن منه، وإذا كان القرآن أحسن الحديث، فإنه لا يمكن لما هو أحسن الحديث، أن يكون فيه تناقض أو إشكال أو مجال للطعن. وقال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، قال ابن كثير ﵀: (أي ليس للبطلان

стр. 98

إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين) (١) ، وهذا نص صريح على استحالة وجود الباطل في كتاب الله، بل على استحالة افترائه عليه، فإن الله يوكل من عباده من ينفي عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وذلك مصداقا لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، فـ ﴿مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] ، بل هو كتاب عظيم فصل (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ () وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ( [الطارق: ١٣-١٤] . فهذا الكتاب (مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ( [الشعراء: ٢١٠-٢١١] ، والدليل أنهم لا يستطيعون التحدي لهم بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سراء: ٨٨] . ومن الأدلة على أن هذا الكتاب من عند الله قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . فما كان لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بمثل هذا الكلام، ويتحدى به الثقلين، ولم يقدر أحد على معارضته وإجابة هذا التحدي. وقد شهد على صحة هذا القرآن أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٧] . ( ... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

стр. 99

() وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( [المائدة: ٨٢-٨٣] . ثم إنه ما كان لبشر أن يفتري كلاما وينسبه إلى الله، ويضل به الملايين من الناس، ثم بعد ذلك لا يعاجله الله تعالى بالعقوبة: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] وقال تعالى: (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ () وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ () لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ () ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ () فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( [الحاقة: ٤٤-٤٧] . ونحن نقول -على سبيل التنزل- لمن أنكر أن القرآن كلام الله: افرض أن هذا الكتاب من عند الله حقا، وأنك مخطئ، فما أنت صانع ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] . وقد توعد الله تعالى المكذبين بهذا الكتاب بالنكال والعذاب، فقال: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] . وأخيرا نقول لمن كفر بالقرآن: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧-١٠٨] (١) .

стр. 100

المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن هذا المبحث في غاية من الأهمية؛ لأننا قوم نتبع على بصيرة ولا نبتدع، وقد أُمرنا بالاقتداء بالسلف الصالح، الذين هم خير القرون عند الله، وقضية الحرب على القرآن ليست وليدة اليوم، بل هي حرب قديمة مستمرة وستستمر، فهذه تجارب يجب أن نستفيد منها، حتى نبدأ من حيث انتهوا، فنستفيد علما ووقتا. فنقول: ينقسم موقف السلف مع من يثيرون الشبه حول القرآن إلى قسمين بحسب حال الشخص: أولاً: إن كان طالبَ حق وسؤالُه سؤال استرشاد، ولكنه قد أشكل عليه، فإنهم معه على النحو التالي: ١- تعليمه التسليم والانقياد للنص: كما ورد عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ (١) أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ

стр. 101

بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) (١) . وفي الصحيحين أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ ابْنُ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ: أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ، أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ. قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) (٢) .

стр. 102

٢- تعليمه بالتي هي أحسن، أخذا من قوله تعالى ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ وَقُولُواءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، والمسلم أولى بالإحسان من الكتابي. وذكر الداوودي في ترجمة الشنبوذي (عن الداني أنه قال: دخل الشنبوذي على عضد الدولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج إن الله تعالى يقول: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذى به؛ والله الصادق في قوله، فقال: أصلح الله الملك، إن الله لم يقل: فيه الشفاء للناس. بالألف واللام، الَّذيْنِ يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنما ذكره مُنَّكرا، فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض. قال الداني: والصواب أن الألف واللام في قوله: (للناس (لا يستغرقان الجنس كله، كما لا يستغرقان في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقوله: ﴿فنادته الملائكة﴾ [آل عمران: ٣٩] وقوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وشبهه) (١) .

стр. 103

٣- الشدة أحيانا على من لا يخاف عليه النفرة بالشدة، وعنده من العلم ما لا ينبغي معه أن يسأل هذا السؤال؛ كحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القدر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (١) . ثانيا: وأما إن كان السائل يسأل تعنتا، فإن لهم معه طرقا كثيرة: ١- تعليمه السؤال الصحيح: عن عامر بن وائلة، أن ابن الكواء سأل عليا ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ قال: ويلك سل تفقها، ولا تسأل تعنتا (٢) . ٢- تأديبه إن كان له عليه قدرة وسلطة: كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ؛ فعن السائب بن يزيد، أن رجلا قال لعمر ﵁: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن، فقال عمر: اللهم أمكني منه. فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة، وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه واحملوه على؛ قتب، وأبلغوا به حيَّه، ثم ليقم

стр. 104

خطيبا فليقل: إن صبيغا طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم (١) . ٣- هَجْره، والتحذير منه، وعدم مناظرته: وهذا لثلاثة أسباب (٢) : أ- لتأديبه: كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ. ب-لأن صاحب الشبهة إن كان مغموسا في باطله، ويطلب نصرته، أو يريد التشكيك في الحق، فإنه لا ينفع معه الجدال: قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (٣) . ج-إذا كان الراد على الشبه لا يأمن على نفسه من التأثر:

стр. 105

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ. وعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: رَآنِي سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ جَلَسْتُ إِلَى طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ فَقَالَ لِي: أَلَمْ أَرَكَ جَلَسْتَ إِلَى طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ لَا تُجَالِسَنَّهُ. وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا تَقْرَأْ ﵇. وعَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، قَالَ: فَوَلَّى وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ، وَأَشَارَ لَنَا سَعِيدٌ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنَى) (١) . ٤- مناظرته والتصدي له إن انتشرت بدعته وراجت، أو كان ذا سلطان: كما حصل مع الإمام أحمد وابن أبي دؤاد في فتنة خلق القرآن، وكما حصل مع عبد العزيز الكناني مع بشر المريسي، وحكيت وقائع هذه المناظرة في كتاب الحيدة، وهذه سنة إبراهيمية شرعية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . ٥- تأليف الكتب التي تنقض بدعته وشبهته، وتبين زيف كلامه. ٦- إقامة حد الله عليه، إن كان تحت ولاية المسلمين. ٧- إن كان الطاعن ذا شوكة فالحرب؛ قال ابن القيم: (ومن بعض حقوق الله على عباده، رد الطاعنين

стр. 106

على كتابه ورسوله ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الايمان، وكان انتهي إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين، فلم يصادف عنده ما يشفيه، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه، وظن المسلم أنه بضربه يداويه، فسطا به ضربا وقال: هذا هو الجواب. فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم، إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب، فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب، فشمر المجيب ساعد العزم، ونهض على ساق الجد، وقام لله قيام مستعين به، مفوض إليه، متكل عليه في موافقة مرضاته، ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إن الكفار إنما يعاملون بالجلاد دون الجدال، وهذا فرار من الزحف، وإخلاد إلى العجز والضعف، وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة، وإزاحة للعذر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، والسيف إنما جاء منفذا للحجة، مقوما للمعاند، وحدا للجاحد قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد: ٢٥] فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي، ونفذه السيف الماضي: فََمَا هُوَ إلاَّ الوَّحْيُ أو حَدُّ مُرْهَفٍ (١) يُقيمُ ظَبَاهُ (٢) أخْدَعَيْ (٣) كل مائلِ فهذا شفاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عالمٍ وهذا دواءُ الدَّاءِ مَنْ كُلِّ جاهِلِ) (٤)

стр. 107

المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن لنا في التعامل مع المطاعن التي تثار حول كتاب الله قواعد عدة، وهي كالتالي: أولا: اليقين التام بأن جميع هذه المطاعن مفتراة مكذوبة، لا أصل لها من الصحة، ولا أساس لها من الواقع، وإنما هي محض أوهام بل أضغاث أحلام، جاءت من قلب امرئ حاقد أو جاهل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، فما كان لنا إن نكذب ربنا ونصدق ملحدا حاقدا أو مجادلا جاهلا، وهذه القضية في غاية من الأهمية؛ إذ أن كل من تأثر بالمستشرقين من المعاصرين لم تكن عنده هذه القضية من المسلمات، بل ضعف يقينهم في هذا الباب أدى بهم إلى هذه المزالق. ثانيا: إن عدم قدرة إنسان معين على الرد، ليس معناه الهزيمة والعجز وإثبات الطعن، بل إنه لا يخلو زمان من قائم لله بالحجة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

стр. 108

ثالثا: قانون العمل عند وجود الطعن لسبب ما: ١- الجمع بين مدلولات النصوص والتوفيق بينها ما أمكن: فالخاص يقدم على العام، والمطلق يقيد بالمقيد. . إلخ. ٢- فإن تعذر الجمع، فالنسخ إن أمكن ذلك، وعلم المتقدم والمتأخر. ٣- فإن تعذر ذلك لجأنا إلى الترجيح، فيقدم الراجح للعمل. مسلك الترجيح بين الآيات يقوم على الأتي: ١- تقديم المدني على المكي. ٢- أن يكون الحكم على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب حال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحوال أهل المدينة. ٣- أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب. ٤- أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر. ٥- أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه. ٦- ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا. قال الزركشي (١) :

стр. 109

(فصل في القول عند تعارض الآي: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تعارضت الآي، وتعذر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ، وترك المتقدم منهما بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا له. وإن لم يوجد التاريخ، وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين، علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها. قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين. وذكروا عند التعارض مرجحات: الأول: تقديم المدني على المكي، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه ﷺ بعد عوده إلى مكة، والمدنية قبلها، فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم؛ إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة. الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب أحوال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة، كقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (مع قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [سورة البقرة ١٧٨] فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل، جعل التخصيص في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ [سورة المائدة: ١] ونهيه (عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [سورة المائدة: ٤] فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم، وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه. الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه، والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب، كقوله

стр. 110

تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] مع قوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر، وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله (على ما عارضه من الآية. الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر، كقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين (بقوله: (وما ملكت أيمانكم (فيخص الجمع بملكه اليمين بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] فتحمل آية الجمع على العموم، والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال. الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه، كقوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦] مع قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( [الحجرات: ٦] الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم، أو مسلم فاسق على كافر، وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا، أو يحمل ظاهر قوله: (أو آخران من غيركم (على القبيلة دون الملة، ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ، وتخصيص الغير بالقبيلة؛ لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير. السادس: ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا، كتقديم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] على قوله: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] فإن قوله: (وأحل (يدل على حل البيع
следующие страницы →