المبحث الثاني: الأدلة على صدق القرآن وما فيه
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» (١) .
(قال العلماء: معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعاصير إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر أنه سيكون، مما يدل على صحة دعواه، وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية؛ تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة؛ فيكون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
стр. 177
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن نظم القولين في كلام واحد؛ فإن محصلهما لا ينافى بعضه بعضا) (١) .
وفي هذا المبحث عدة مطالب كلها تدل على صدق القرآن وصحة ما فيه:
المطلب الأول: إعجاز القرآن:
إعجاز القرآن من الأدلة على صدقه، وأنه من عند الله تعالى حقا، وأوجه إعجاز القرآن كثيرة جدا منها:
١- إخبار القرآن بالغيب:
سواء الغيب الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذا دليل على صدق النبي ﷺ وإعجاز القرآن؛
وهذا الدليل مأخوذ من قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤] .
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] .
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف:١٠٢] .
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ () وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ () وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( [القصص:٤٤-٤٦] .
стр. 178
أي أنك يا محمد لم تكن موجودا في ذلك المكان حتى تستطيع أن تعرف هذه القصة -قصة موسى-ولكن الله تعالى هو الذي أوحى إليك بها، فلعل الناس إذا عرفوا ذلك تذكروا وآمنوا بك، قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى: "وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون" الآية أي وما كنت حاضرا لذلك ولكن الله أوحاه إليك وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه ثم قال تعالى: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين" الآية وقال في آخر السورة "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك" وقال بعد ذكر قصة يوسف "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون" الآية وقال في سورة طه "كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق" الآية وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر" يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية
стр. 179
على شاطئ الوادي "وما كنت من الشاهدين" لذلك ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين وقوله تعالى: "وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا" أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قال لقومه وما ردوا عليه "ولكنا كنا مرسلين" أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك إلى الناس رسولا) (١) .
وقال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ () بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( [العنكبوت:٤٨-٤٩] .
فإذا كان النبي ﷺ ليس موجودا في تلك الأمكنة، ولا يستطيع أن يقرأ ولا يكتب، دل هذا قطعا أن هذه الأخبار إنما هي من عند الله تعالى، الذي لا تخفى عليه خافيه.
ومن إخباره بالغيب المستقبل؛ قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ () فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ () فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ () بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ () وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ( [الروم:٢-٦] ، وقد تحققت غلبت الروم بعد سنوات قليلة.
فعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (ألم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ (قَالَ: غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ
وَهُوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.» (١) .
قال ابن كثير: ((يولون الدبر (أي سيتفرق شملهم ويغلبون، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت (سيهزم الجمع ويولون الدبر (قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله (يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر (فعرفت تأويلها يومئذ. أهـ) (٢) .
ومن هذا إخباره عن بعض المشركين أنه من أهل النار وهو حي، فيموت على الكفر؛ كأبي لهب وامرأته: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ () مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ () سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ () وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ () فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( [المسد:١-٥] .
٢- الإعجاز العلمي:
من مثل قوله تعالى:
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ () بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ( [الرحمن:١٩-٢٠] .
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] .
فقد لاحظ علماء البحار عند التقاء فرعي نهر النيل عند دمياط وعند الرشيد بالبحر الأبيض، حيث تندفع مياه النهر العذبة بقوة شديدة إلى البحر المالحة، ومع هذا كل منهما تحتفظ بمذاقها وأحيائها (٣) .
стр. 182
وهذا الإعجاز في جميع المجالات؛ الطبية، والجغرافية، والاجتماعية، والفضائية، وفي عالم الحيوان، وعالم النبات، وغيرها (١) .
٣- الإعجاز البياني (٢) :
فقد حوى القرآن على القدح المعلى من البلاغة والبيان والفصاحة، وشمل على جميع شروط الكلام البليغ في كل سُوَرِه وآياته وكلماته.
وقد أخذ من أكل أنواع البلاغة بأوفر نصيب، فتجد فيه إيجاز القصر، والتشبيه الرفيع، والتتميم.
وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ اَلزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ وَزَادَ " فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ الْكَرْب " وَلِسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ" فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْت الْقُرْآن) (١) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ (قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِن الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِن الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا، وهو أمية بن خلف) (٢) .
وعن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له. قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يؤثره عن غيره. فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا ( ﴿٣﴾ [المدثر:١١] .
стр. 185
٤- الإعجاز التشريعي (١) :
فالقرآن معجز في تنظيمه لأحوال البشر في جانب العقائد والعبادات والأخلاق (٢) ، في تنظيمه لجميع مصالح الأفراد والمجتمعات والسياسات والدول؛ فقد نظم الإسلام حياة الإنسان في نفسه، ومع غيره؛ فهناك آداب الزوجية، وحقوق الوالدين والأبناء والأصدقاء والجيران، وولاة الأمر، والمجتمع، والمسلمين بعامة، ونظم العلاقة بغير المسلمين، فهناك الذمي والمعاهد والمحارب، وهناك حال ضعف الدولة الإسلامية وحال قوتها، وهناك حال الدعوة، وحال المجادلة، وحال المجالدة، وغير ذلك (٣) .
وقد قام بعض المعاصرون بمحاولة بائسة للتشكيك في الإعجاز التشريعي ومحاولة نقضه، وبيان عدم صلاحيته، أو مخالفته العقل، ومن أشهرهم المهندس محمد شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة) (٤) ، وقد رد عليه طائفة كبيرة من العلماء (٥) ، مثل تشكيكه
стр. 186
بالحدود الشرعية كقطع يد السارق، ودعوته إلى تحديث الشريعة وعصرنتها، وأن يستبدل الجلد بالسجن، وإنكاره تعدد الزوجات وأنه لا يجوز التعدد إلا بالأرملة ذات الأيتام، وتجويزه ظهور المرأة عارية تماما أمام محارمها، وإنكاره الحجاب الشرعي واشتراط المهر وتنصيف أرث المرأة، وتجويزه النظر للمرأة غير المحرم وغير ذلك من أنواع التحريف واللعب بكتاب الله تعالى وتشريعاته.
قال القرطبي ﵀: (ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة:
- منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له (وفي " صحيح مسلم " أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعركاهن ساحر -وكان أنيس أحد الشعراء -قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر، لما قرأ عليه رسول الله (حم فصلت، على مايأتي بيانه هنالك،
стр. 187
فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان، وموضعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قط، كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له، ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه.
- ومنها الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب (١) .
- ومنها الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها، وقوله سبحانه: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ [الزمر: ٤٢] إلى آخر السورة، وكذلك قوله سبحانه: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون (إلى آخر السورة.
فمن علم أن الله هو الحق: علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] ولا أن يقول: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ [الرعد: ١٣] .
قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم والأسلوب والجزالة لازمة كل سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين؛ أحدهما الإخبار عن الكوثر وعِظَمِهِ وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل، والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان أول نزول الآية ذا مال وولد على ما يقتضيه قول الحق (ذرني ومن
стр. 188
خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ( [المدثر:١١-١٤] ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده وانقطع نسله (إن شانئك هو الأبتر (.
- ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
- ومنها الإخبار عن الأمور التي في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين فجاءهم وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته فتحققوا صدقه، قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى المتعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه؛ عُلم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي.
- ومنها الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، وإلى وعد مقيد بشرط كقوله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣] ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١] ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٥] وشبه ذلك.
стр. 189
- ومنها الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق (الآية [الصف: ٩] ففعل ذلك وكان أبو بكر رضي - الله عنه - إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه؛ ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا برا وبحرا قال الله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ [النور: ٥٥] وقال: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] وقال: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال: ٧] وقال: ﴿ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ [الروم:١-٣] فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله، لتكون دلالة على صدقه.
- ومنها ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام.
- ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.
- ومنها التناسب في جميع ما تضمنه اختلاف، قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] قلت فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم) (١) .
стр. 190
(وقد سرد هبةُ الدين الحسيني الشهرستاني المزايا الإجمالية للقرآن وهي:
- فصاحةُ ألفاظه الجامعة لكل شرائعها.
- بلاغته بالمعنى المشهور؛ أي موافقة الكلام لمقتضى الحال ومناسبات المقام، أو بلاغته المعنوية.
- توفر المحاسن الطبيعية فوق المحاسن البديعية.
- إيجاز بالغ مع الإعجاز بدون أن يخل بالمقصود.
- إطناب غير ممل في مكرراته.
- سمو المعاني وعلو المرمى في قصد الكمال الأسمى.
- طلاوة أساليبه الفطرية، ومقاطعه المبهجة، وأوزانه المتنوعة.
- فواصله الحسنى وأسماعه الفطرية.
- أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلا بمعونة الأدوات الدقيقة، والآلات الرقيقة المستحدثة.
- غوامض أحوال المجتمع، وآداب أخلاقية تهذب الأفراد وتصلح شؤون العائلات.
- قوانين حكيمة في فقه تشريعي، فوق ما في التوراة، والإنجيل، وكتب الشرائع الأخرى.
- سلامته عن التعارض، والتناقض، والاختلاف.
- خلوصه من تنافر الحروف، وتنافي المقاصد.
- ظهوره على لسان أُمي لم يعرف الدراسة، ولا ألف محاضرة العلماء، ولا جاب الممالك سائحا مستكملا.
- طراوته في كل زمان، كونه غضاً طرياً كلما تُلي وأينما تُلي.
стр. 191
- اشتماله على السهل الممتنع، الذي يعد ملاك الإعجاز، والتفوق النهائي.
-قوة عبارته لتحمل الوجوه، وتشابه المعاني.
-قصصه الحلوة، وكشوفه التاريخية من حوادث القرون الخالية.
- أمثاله الحسنى التي تجعل المعقول محسوسا، وتجعل الغائب عن الذهن حاضرا لديه.
- معارفه الإلهية كأحسن كتاب في علم اللاهوت، وكشف أسرار عالم الملكوت، وأوسع سفر من مراحل المبدأ والمعاد.
- خطاباته البديعية، وطرق إقناعه الفذة.
- تعاليمه العسكرية، ومناهجه في سبيل الصلح، وفنون الحرب.
- سلامته من الخرافات والأباطيل، التي من شأنها إجهاز العلم عليها كلما تكاملت أصوله وفروعه.
- قوة الحجة، وتفوق المنطق.
- اشتماله على الرموز في فواتح السور، ودهشة الفكر حولها وحول غيرها.
- جذباته الروحية الخلابة للألباب، السحرة للعقول، الفتانة للنفوس.
هذا وإن وجوه إعجاز القرآن كثيرة، وقد أُلفت فيها كتب كثيرة، ويمكن أن يضاف إلى ما ذكره الشهرستاني ما يلي:
- ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، مما يؤكد عجز البشر عن الإتيان بمثله.
стр. 192
- اتساق القرآن في أغراضه ومعانيه على طول المدة التي استغرقها في تجميعه، فخواتيمه بعد ربع قرن جاءت مطابقة متساوقة لفواتحه يصدق بعضها بعضا، ويكلمه كأنه نَفَس واحد.
- سهولة حفظه كما قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (. فهو ميسر على جميع الألسنة، ومحفوظ في الصدور.
- حسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره.
- إطنابه في خطاب اليهود، وإيجازه في خطاب العرب، للتفاوت بينهما فَهْمًا وبلاغة.
- وجود كلمات في جمل لا يسد مسدها غيرها، مثل قوله تعالى: ﴿وأهش بها على غنمي﴾ [طه:١٨] فليس بمقدور أحد أن يأتي بكلمة تسد مسدها.
- نزاهته في التعبير، كقوله: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة:١٨٧] ، وقوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة:٢٢٣] وقوله: ﴿أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء:٢١] وقوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [النساء: ٤٣] .
- خلوص ألفاظ الهجاء فيه من الفحش، كقوله تعالى: ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله﴾ [النور:٥٠] .
- ما تضمنه من الأخبار عن الضمائر، كقوله تعالى: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ... ﴾ [المجادلة:٨] ، وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا ... ﴾ [آل عمران:١٥٤] وقوله تعالى:
стр. 193
﴿ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم﴾ [النساء:٤٦] ، وقوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنفال:٧] .
- جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا.
- اقتران معانيه المتغايرة في السور المختلفة، فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد، ومن ترغيب إلي ترهيب، ومن ماض إلي مستقبل، ومن قَصَصٍ إلي مَثَلٍ، ومن حكمة إلى جدل، فلا يتنافر، وهي في غيره من الكلام متنافر.
- لا يخرج عن أسلوبه، ولا يزول عن اعتداله باختلاف آياته في الطول والقصر.
- آي وردت بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوها ولا قدروا، فالإخبار بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن معجزة للقرآن.
- قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الانكباب علي تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة، وغيره من الكلام يُعادى إذا أعيد، ويمل على الترديد.
- كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه.
- الإعجاز في ترتيب الآيات والسور) (١) .
وذكر السيوطي في كتاب معترك الأقران خمسة وثلاثين وجها من وجوه إعجاز القرآن، وهكذا لو تُتبعت لزادت عن المائة وجه.
стр. 194
وكل عالم يزيد وجها لم يذكره غيره وهذا مصداقا لقول عليٍّ ( «لاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» (١) .
بل إن السيوطي - رحمه الله تعالى - فصل في كتاب الخصائص في وجوه إعجاز القرآن بعملية حسابية، فبلغت تلك الوجوه عشرات الألوف، فإليك ما قال:
قال السيوطي ﵀: (وقد اختلف الناس في الوجه الذي وقع به
стр. 195
إعجاز القرآن على أقوال بينتها مبسوطة في كتاب الإتقان والملخص انه وقع بعدة وجوه:
١-منها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إعجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن.
٢-ومنها صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.
٣-ومنها ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات وما لم يكن فوجد كما ورد.
٤-ومنها ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية والشرائع السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده على وجهه ويأتي به على نصه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.
٥-ومنها ما تضمنه من الأخبار عن الضمائر كقوله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقوله تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول.
٦-ومنها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله في اليهود ولن يتمنوه أبدا.
٧-ومنها ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة.
٨-ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند سماع تلاوته كما وقع لجبير بن مطعم انه سمع النبي يقرأ في المغرب بالطور قال فلما بلغ هذه الآية ام خلقوا من غير شيء
стр. 196
أم هم الخالقون إلى قوله المصيطرون كاد قلبي يطير قال وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي.
٩-ومنها أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيد حلاوة وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادي إذا أعيد ويمل مع الترديد ولهدا وصف القرآن بأنه لايخلق على كثرة الرد
١٠-ومنها كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه.
١١-ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة.
١٢-ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا.
١٣-ومنها جعله آخر الكتب غنيا من غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد تحتاج إلى بيان يرجع فيه اليه كما قال تعالى (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) (١)
ثم بين السيوطي أن وجوه الإعجاز تصل إلى عشرات الألوف فقال:
(قال القاضي عياض: إذا عرفت ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن، عرفت أنه لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر؛ لأنه قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها، قال أهل العلم: وأقصر السور (إنا
стр. 197
أعطيناك الكوثر (فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق. قلتُ (١) : وإذا عَدَدْتَ كلمات سورة الكوثر وجدتها بضع عشرة كلمة، وقد عد قوم كلمات القرآن سبعا وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين، فالقدر المعجز منه يكون في العدد نحو سبعة آلاف تقريبا، تضرب في ثمانية أوجه؛ الأولان (٢) والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر (٣) تبلغ ستة وخمسين ألف معجزة، ثم ينضم إلى ذلك في بعضه من الوجه الثالث والرابع والخامس والسادس (٤) جملة
стр. 198
وافرة، فتصل معجزات القرآن بذلك إلى ستين ألف معجزة أو أكثر) (١) .
ولعل هذا أن يكون وجها جديدا من وجوه الإعجاز، وهو كثرة وجوه إعجازه، فكلام غير الله مهما حصل فيه من البلاغة والحكمة والتوفيق، إلا أنه لا يمكن أن يشمل كل وجوه الإعجاز السابقة، والله أعلم.
المطلب الثاني: التحدي أن يؤتى بمثله:
من علامات صدق القرآن وصحته، هو أنه تحدى الخلق من أنس وجن أن يأتوا بأحسن منه فلم يطيقوا، ثم تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو معارضته، ثم لم يزل يتنزل معهم بالتحدى، فلما عجزوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بحديث من مثله فعجزوا:
قال سبحانه: ﴿قُل فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩] .
стр. 199
وقال تعالى: ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .
ثم قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣] .
ثم قال ﷻ : ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] .
وقال تبارك اسمه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨] .
ثم قال سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤] .
قال ابن كثير ﵀: (ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبا للكافرين: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣] يعني محمدا (فأتوا بسورة من مثل ما جاء به:، إن زعمتم أنه من عند غير الله فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩] وقال في سورة سبحان ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: ٨٨]
стр. 200
وقال في سورة هود: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [هود: ١٣] وقال في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضا في المدينة فقال في هذه الآية: (وإن كنتم في ريب (أي شك (مما نزلنا على عبدنا (يعني محمدا ﷺ (فأتوا بسورة من مثله (يعني من مثل القرآن، فتحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه ومع هذا أعجزوا عن ذلك) (١) .
قال الإمام ابن جرير ﵀: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ : وهذا من الله احتجاج لنبيه محمد ﷺ على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم وكفار أهل الكتاب وضلالهم الذين افتتح بقصصهم قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ وإياهم يخاطب بهذه الآيات, وضرباءهم يعني بها, قال الله جل ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفار من أهل الكتابين في شك - وهو الريب - مما نزلنا على عبدنا محمد ﷺ من النور والبرهان وآيات الفرقان أنه من عندي, وأني الذي أنزلته إليه, فلم تؤمنوا به ولم تصدقوه فيما
стр. 201
يقول, فأتوا بحجة تدفع حجته; لأنكم تعلمون أن حجة كل ذي نبوة على صدقه في دعواه النبوة أن يأتي ببرهان يعجز عن أن يأتي بمثله جميع الخلق, ومن حجة محمد ﷺ على صدقه وبرهانه على نبوته, وأن ما جاء به من عندي, عجز جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتم عن ذلك, وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والدراية, فقد علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز. كما كان برهان من سلف من رسلي وأنبيائي على صدقه وحجته على نبوته من الآيات ما يعجز عن الإتيان بمثله جميع خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أن محمدا لم يتقوله ولم يختلقه, لأن ذلك لو كان منه اختلافا وتقولا لم يعجزوا وجميع خلقه عن الإتيان بمثله, لأن محمدا ﷺ لم يعد أن يكون بشرا مثلكم, وفي مثل حالكم في الجسم وبسطة الخلق وذرابة اللسان, فيمكن أن يظن به اقتدار على ما عجزتم عنه, أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر عليه) (١) .
стр. 202
فلما عجزوا عن معارضته مع توفر الدواعي لذلك، علمنا أنه
стр. 203
ليس بمقدور إنسان أن يأتي بمثله، فهو إذن من خالق البشر الذي هو على كل شيء قدير.
المطلب الثالث: شهادة المنصفين من أهل الكتاب والكفار وأعدائه له بالصحة والصدق:
وهذا من باب أن أقوى الشهادات على صحة الشيء شهادة الخصوم؛ فأهل الكتاب والكفار مع شدة عداوتهم للقرآن، إلا أن منهم من اعترف به، وأقر بصدقه وصحته، وهذا الدليل مأخوذ من قوله تعالى:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام:١١٤] .
وقوله ﷻ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٣] .
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٦-١٠٨] .
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠] .
وقوله تعالى ( ... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ ... ) (١) .
(وأخرج ابن إسحاق والبيهقي (٢) من طريق عكرمة، أو سعيد عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيا نقوم به، فقال: بل أنتم فقولوا لأسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره. فقالوا: نقول: مجنون. فقال: وما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قال: فنقول: شاعر. قال: فما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قال: فنقول: ساحر. قال: فما هو ساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. فقالوا: ما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمعذق وإن فرعه لجنى، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر. فتقولوا: هذا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وبين زوجته، وبين المرء وعشيرته،
стр. 206
فتفرقوا عند ذلك، فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، فأنزل الله في النفر الذين كانوا معه، ويصفون له القول في رسول الله فيما جاء به من عند الله: (الذين جعلوا القرآن عضين (أي أصنافا (فوربك لنسألنهم أجمعين (أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله لمن لقوا من الناس، قال: وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
وأخرج أبو نعيم (١) من طريق العوفي، عن ابن عباس، قال: أقبل الوليد بن المغيرة على أبي بكر يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش، فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر، ولا سحر، ولا بهُذاء مثل الجنون، وان قوله لمن كلام الله.
وأخرج ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم (٢) ، عن ابن عباس قال: قام النضر بن الحارث ابن كلدة ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فقال: يا معشر قريش، إنه والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله، لقد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم: قلتم ساحر. لا والله ما هو بساحر؛ قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن. لا والله ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة وحالهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر. لا والله ما هو بشاعر؛ لقد روينا الشعر
стр. 207
وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون. لا والله ما هو بمجنون؛ لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش انظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
وأخرج ابن إسحاق والبيهقي (١) ، عن محمد بن كعب، قال: حُدَّثْتُ أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم ورسول الله (في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه، فأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل منها بعضها ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله (، قال عتبة: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فلم يجبه قال: فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستعين بها أنت وعقبك من بعدك. ورسول الله (ساكت ولا يتكلم، حتى إذا فرغ عتبة، قال رسول الله (: يا أبا الوليد. قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال: افعل. فقال رسول الله (: بسم الله الرحمن الرحيم (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا (فمضى رسول الله فقرأها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما، يسمع منه حتى انتهى رسول الله إلى السجدة فسجد
стр. 208
فيها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعت. قال: فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم، قالوا: وما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي إني والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ؛ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم) (١) .
وهذه بعض شهادات المنصفين من المعاصرين:
-يقول إبراهيم خليل (٢) : (يرتبط هذا النبي ﷺ بإعجاز أبد الدهر بما يخبرنا به المسيح ﵇ في قوله عنه: (ويخبركم بأمور آتية) ، وهذا الإعجاز هو القرآن الكريم، معجزة الرسول الباقية ما بقي الزمان، فالقرآن الكريم يسبق العلم الحديث في كل مناحيه؛ من طب وفلك
стр. 209
وجغرافيا وجيولوجيا وقانون واجتماع وتاريخ ... ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه القرآن بالبيان والتعريف..) (١) .
وقال: (أعتقد يقينا أني لو كنت إنسانا وجوديا، لا يؤمن برسالة من الرسالات السماوية، وجاءني نفر من الناس وحدثني بما سبق به القرآن العلم الحديث في كل مناحيه؛ لآمنت برب العزة والجبروت خالق السماوات والأرض، ولن أشرك به أحدا) (٢) .
وقال بلاشير (٣) : (إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضاً ويمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة، تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من التحف، إن الخليفة المقبل عمر بن الخطاب ﵁ المعارض الفظ في البداية للدين الجديد، قد غدا من أشد المتحمسين لنصرة الدين عقب سماعه لمقطع من القرآن، وسنورد الحديث فيما بعد عن مقدار الافتتان الشفهي بالنص القرآني بعد أن رتله المؤمنون) (٤) .
وقالت بوتر (٥) : (عندما أكملت قراءة القرآن الكريم، غمرني شعور بأن هذا هو الحق الذي يشتمل على الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها، وإنه يقدم لنا الأحداث بطريقة منطقية، نجدها متناقضة مع بعضها في غيره من الكتب الدينية، أما القرآن فيتحدث عنها في نسق
стр. 210
رائع وأسلوب قاطع لا يدع مجالاً للشك بأن هذه هي الحقيقة، وأن هذا الكلام هو من عند الله لا محالة) (١) .
وقالت بوتر أيضا: (كيف استطاع محمد ﷺ الرجل الأمي، الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله (٢) .
قال بوكاي (٣) : (لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة بحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، لكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي، استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها، أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث، وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل، أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا، وأما بالنسبة للأناجيل، فإننا نجد نص إنجيل متي يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمراً
стр. 211
لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض) (١) .
وقال حتي (٢) : (إن أسلوب القرآن مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه. هو إعجاز القرآن.. فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى) (٣) .
وقال أرنولد (٤) : (.. (إننا) نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار (الإسباني) الذي عرف بتعصبه على الإسلام، يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به) (٥) .
стр. 212
ولقد ألف الدكتور مراد هوفمان -سفير ألمانيا السابق بالرباط- كتاب (الإسلام كبديل) (١) ، وفيه شهادات كثيرة على إعجاز القرآن وصدقه، وصدق النبي ﷺ وكمال التشريع.
إلى آخر تلك الشهادات الطويلة على صدق القرآن وإعجازه.
قارن بين هذا الكلام وكلام نصر أبو زيد عندما يقول: (إن إعجاز القرآن ليس إلا في تغلبه على الشعر وسجع الكهان، ولكنه ليس معجزا في ذاته) (٢) .
المطلب الرابع: الوحدة الموضوعية لكل سورة:
وقد عقد الدكتور الفذ محمد عبد الله دراز فصلا في كتابه "النبأ العظيم" عن هذا المطلب (٣) ، وبيَّن فيه أن من أدلة صدق القرآن وأنه ليس من البشر الوحدة الموضعية لكل سورة، فكل سورة معقودة للتكلم عن موضوع معين، ومع كبر بعض السور وامتداد نزولها على عدة سنوات إلا أن هذه الوحدة لم تنخرم ولم تنُس ولم تتبدل، ثم ضرب لهذا مثلا: فقال: مَثَلُ ذلك كقصر مبني في السماء، ثم ينزل الله منه كل يوم قطعة، فمرة ينزل النافذة ومرة ينزل السقف، ومرة ينزل الجدار، ويأمر الله نبيه بأن يضع الجزء كذا في مكان كذا، فيفعل وهو لا يدري لماذا، ولكنه هكذا أُمر، فلا ينتهي التنزيل إلا ويتضح
стр. 213
للجميع مدى توافق هذا البنيان وإحكامه ودقة تصميمه.
ولو أنك أخذت كلام أي إنسان لمدة سنة واحدة فقط، ثم أردت أن تجعل منه موضوعا متناغما، أو أفكارا منسجمة مع بعض لما استطعت إلى ذلك سبيلا.
ثم دلل على ذلك بأطول سورة في القرآن، وهي البقرة التي نزلت على مدار تسع سنوات، ونزل في أثنائها أغلب السور المدنية، ومع هذا كان بناء سورة البقرة في غاية الإحكام ولم تختلط به أي آية من غيره.
قال دراز ﵀ في نظام عقد المعاني في سورة البقرة (١) : (اعلم أن هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من: مقدمة، وأربعة مقاصد، وخاتمة، على هذا الترتيب:
المقدمة: في التعريف بشأن هذا القرآن وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنما يعرض عنه من لا قلب له أو من كان في قلبه مرض.
المقصد الأول: في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام.
المقصد الثاني: في دعوة أهل الكتاب إلى اعتناق الإسلام.
المقصد الثالث: في عرض شرائع هذا الدين تفصيلا.
المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها.
الخاتمة: في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد، وبيان ما يرجى لهم في آجلهم وعاجلهم) . ثم دلل على كل ما سبق تدليلا واضحا للعيان مدى مطابقته
стр. 214
للواقع، فإن تم هذا لسورة للبقرة وهي أطول سورة في القرآن وأكثرها آيات وامتد نزولها على تسع سنوات فما بالك بغيرها من السورة، لا شك أنه أولى وأحرى.
ثم قال ﵀: (إن اجتماع هذه الأسباب في كل سورة متفرقة النجوم، دون أن تغض من إحكام وحدتها، ولا استقامة نظمها هو بالتحقيق معجزة المعجزات) (١) .
المطلب الخامس: عدم التناقض:
وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل في قوله سبحانه:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
قال ابن جرير الطبري ﵀: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ؛ يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله؛ فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض) (٢) .
стр. 215
وفي طيات هذه الآية تحدي، كأنه يقول: تدبر القرآن، وستجده خاليا من التناقضات، ولن تستطيع أن تجد تناقضا واحدا، مما يدلك، أنه من عند الله؛ إذ لو كان من البشر، لكان فيه اختلاف كثير، وتناقض واضح.
فكتاب ينزل على مدار ثلاث وعشرين سنة منجما مفرقا، على النبي ﷺ لا تجد فيه أي تناقض، إن هذا لشيء عجاب، قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق ولهذا قال تعالى "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" ثم قال "ولو كان من عند غير الله" أي لو كان مفتعلا مختلفا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا أي اضطرابا وتضادا كثيرا أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله) (١) .
وقال القرطبي ﵀: (ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير؛ إما في الوصف واللفظ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب، فأنزل الله القرآن وأمرهم بتدبره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ولا ردا له في معنى ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون) (٢) .
وبهذا استدل جفري لانغ (٣) على صدق القرآن (٤) وأدى إلى