← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9438

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم = الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين

عبد المحسن المطيري

Полный текст (449 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض) (١) . وقال حتي (٢) : (إن أسلوب القرآن مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه. هو إعجاز القرآن.. فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى) (٣) . وقال أرنولد (٤) : (.. (إننا) نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار (الإسباني) الذي عرف بتعصبه على الإسلام، يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به) (٥) .

стр. 212

ولقد ألف الدكتور مراد هوفمان -سفير ألمانيا السابق بالرباط- كتاب (الإسلام كبديل) (١) ، وفيه شهادات كثيرة على إعجاز القرآن وصدقه، وصدق النبي ﷺ وكمال التشريع. إلى آخر تلك الشهادات الطويلة على صدق القرآن وإعجازه. قارن بين هذا الكلام وكلام نصر أبو زيد عندما يقول: (إن إعجاز القرآن ليس إلا في تغلبه على الشعر وسجع الكهان، ولكنه ليس معجزا في ذاته) (٢) . المطلب الرابع: الوحدة الموضوعية لكل سورة: وقد عقد الدكتور الفذ محمد عبد الله دراز فصلا في كتابه "النبأ العظيم" عن هذا المطلب (٣) ، وبيَّن فيه أن من أدلة صدق القرآن وأنه ليس من البشر الوحدة الموضعية لكل سورة، فكل سورة معقودة للتكلم عن موضوع معين، ومع كبر بعض السور وامتداد نزولها على عدة سنوات إلا أن هذه الوحدة لم تنخرم ولم تنُس ولم تتبدل، ثم ضرب لهذا مثلا: فقال: مَثَلُ ذلك كقصر مبني في السماء، ثم ينزل الله منه كل يوم قطعة، فمرة ينزل النافذة ومرة ينزل السقف، ومرة ينزل الجدار، ويأمر الله نبيه بأن يضع الجزء كذا في مكان كذا، فيفعل وهو لا يدري لماذا، ولكنه هكذا أُمر، فلا ينتهي التنزيل إلا ويتضح

стр. 213

للجميع مدى توافق هذا البنيان وإحكامه ودقة تصميمه. ولو أنك أخذت كلام أي إنسان لمدة سنة واحدة فقط، ثم أردت أن تجعل منه موضوعا متناغما، أو أفكارا منسجمة مع بعض لما استطعت إلى ذلك سبيلا. ثم دلل على ذلك بأطول سورة في القرآن، وهي البقرة التي نزلت على مدار تسع سنوات، ونزل في أثنائها أغلب السور المدنية، ومع هذا كان بناء سورة البقرة في غاية الإحكام ولم تختلط به أي آية من غيره. قال دراز ﵀ في نظام عقد المعاني في سورة البقرة (١) : (اعلم أن هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من: مقدمة، وأربعة مقاصد، وخاتمة، على هذا الترتيب: المقدمة: في التعريف بشأن هذا القرآن وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنما يعرض عنه من لا قلب له أو من كان في قلبه مرض. المقصد الأول: في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام. المقصد الثاني: في دعوة أهل الكتاب إلى اعتناق الإسلام. المقصد الثالث: في عرض شرائع هذا الدين تفصيلا. المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها. الخاتمة: في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد، وبيان ما يرجى لهم في آجلهم وعاجلهم) . ثم دلل على كل ما سبق تدليلا واضحا للعيان مدى مطابقته

стр. 214

للواقع، فإن تم هذا لسورة للبقرة وهي أطول سورة في القرآن وأكثرها آيات وامتد نزولها على تسع سنوات فما بالك بغيرها من السورة، لا شك أنه أولى وأحرى. ثم قال ﵀: (إن اجتماع هذه الأسباب في كل سورة متفرقة النجوم، دون أن تغض من إحكام وحدتها، ولا استقامة نظمها هو بالتحقيق معجزة المعجزات) (١) . المطلب الخامس: عدم التناقض: وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل في قوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] . قال ابن جرير الطبري ﵀: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ؛ يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله؛ فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض) (٢) .

стр. 215

وفي طيات هذه الآية تحدي، كأنه يقول: تدبر القرآن، وستجده خاليا من التناقضات، ولن تستطيع أن تجد تناقضا واحدا، مما يدلك، أنه من عند الله؛ إذ لو كان من البشر، لكان فيه اختلاف كثير، وتناقض واضح. فكتاب ينزل على مدار ثلاث وعشرين سنة منجما مفرقا، على النبي ﷺ لا تجد فيه أي تناقض، إن هذا لشيء عجاب، قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق ولهذا قال تعالى "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" ثم قال "ولو كان من عند غير الله" أي لو كان مفتعلا مختلفا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا أي اضطرابا وتضادا كثيرا أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله) (١) . وقال القرطبي ﵀: (ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير؛ إما في الوصف واللفظ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب، فأنزل الله القرآن وأمرهم بتدبره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ولا ردا له في معنى ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون) (٢) . وبهذا استدل جفري لانغ (٣) على صدق القرآن (٤) وأدى إلى

стр. 216

إسلامه؛ فالقرآن لا يتناقض مع نفسه، ولا يتناقض مع السنة، ولا يتناقض مع العلم الحديث، بل على العكس فدائما يأتي العلم التجريبي الحديث بالتدليل على صدق القرآن وما فيه، ولا يخالف الوقائع التاريخية، بل هو منسجم تمام الانسجام معها كلها، مما يدلك أنه ليس من بشر، بل هو من خالق البشر وخالق الكون ومدبر العالم (١) .

стр. 217

المبحث الثالث: ردود القرآن على الطاعنين وقد تكلم القرآن عن كثير من الطاعنين، وذكر طعوناتهم، ثم رد عليها ردا واضحا بينا مفحما؛ ١- فقد طعن المشركون واليهود في صحة نسبة القرآن إلى الله؛ فقالوا للنبي (كما ذكر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آية مَكَانَ آية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ؛ أي أنك متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم تخالفه (١) . ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ ... ﴾ [الأنبياء:٥] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ ... ﴾ [الفرقان:٤] فرد الله تعالى عليهم من عدة وجوه (٢) : أ-في قوله: (والله أعلم بما ينزل (أي والله أعلم بما ينزل من المصالح؛ فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده، فينسخه وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه.

стр. 218

ب-ثم قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾ [النحل:١٠٢] ("ونزله" تنبيه على أن إنزاله مدرجا على حسب المصالح بما يقتضي التبديل (من ربك بالحق (ملتبسا بالحكمة (ليثبت الذين آمنوا (ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه، وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة، رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم (وهدى وبشرى للمسلمين (المنقادين لحكمه) . ج-ثم قال تعالى بعدها بقليل ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل:١١٦] . والواقع أن النبي ﷺ أفلح في كل أعماله ودعوته وغزواته، ومكّنه الله من البلاد والعباد، ولم يمت حتى دانت له الجزيرة كلها بالإسلام لله والعبادة له وحده، ولو كان مفتريا على الله لم يكن الله تعالى ليمكن له هذا التمكين. د- ثم إنه ما كان لبشر أن يفتري كلاما وينسبه إلى الله، ويضل به الملايين من الناس، ثم بعد ذلك لا يعاجله الله تعالى بالعقوبة: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧] وقال تعالى: (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ () وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ () لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ () ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ () فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( [الحاقة:٤٤-٤٧] ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف:٨] ، إن كنت كاذباً فالله أعلم منكم بذلك، ولا يملك أحد لي أن يمنع عذاب الله بي الذي لا يتأخر عن الكاذب، فكون الله يعلم بي ولم يعذبني هذه شهادة من الله على صدقي (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (. هـ- ورد على اليهود وغيرهم من الكفار الذين أنكروا إنزال

стр. 219

أي كتاب (١) ، وذلك أن القول بأن الله تعالى لم ينزل شيئا من الكتب، من أكبر السب لله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] ، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١] . ٢- وبعضهم ادعى أنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا..﴾ [الأنفال:٣١] ؛ فتحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، كما تقدم ذكره (٢) . ٣- وبعضهم زعم أن هذا القرآن إنما هو قصص الأولين وأساطير السابقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤] . ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٤-٥] . فرد الله عليهم أنه لا يعرف أن يقرأ ولا يكتب، فكيف نقلها وكيف قرأها؟ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] . فما كان لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بمثل هذا الكلام، ويتحدى به الثقلين، ولم يقدر أحد على معارضته وإجابة هذا التحدي. ٤- وبعضهم قال: إنه تعلمه من غلام نصراني. فقال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ

стр. 220

أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( [النحل:١٠٣] ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان:٤] . (يعنون جبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي، وقيل: جبرا ويسارا كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول ﷺ يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه. وقيل: عائشا غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم، وكان صاحب كتب. وقيل: سلمان الفارسي. (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي (لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه -مأخوذ من لحد القبر- أعجمي غير بين وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة. والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين: أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون ما تلقفه منه؟ ! وثانيهما: هب أنه تعلم من المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ؛ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى، فهو معجز من حيث اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن، لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف تعلَّم جميع ذلك من غلام سوقي، سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعله لم يعرف معناها، وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم) (١) . (قال القاضي ابن الطيب: نحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تَعَلُّمٍ، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى المتعلم، منهم ولا كان ممن يقرأ فيجوز

стр. 221

أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه؛ عُلم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي) (١) . ٥- ادعاؤهم أنه من النبي ﷺ نفسه وليس من عند الله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( [يونس:١٥-١٦] . قال ابن كثير ﵀: (يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش، الجاحدين المعرضين عنه أنهم إذا قرأ عليهم الرسول ﷺ كتاب الله، وحججه الواضحة، قالوا له: (ائت بقرآن غير هذا (أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو (بدله (إلى وضع آخر. قال الله تعالى لنبيه (: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي (أي ليس هذا إليَّ إنما أنا عبد مأمور، ورسول مبلغ عن الله (إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به (أي هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على إني لست أتقوله من عندي، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ، لا تنتقدون عليَّ شيئا تغمصونني (٢) به ولهذا قال: (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل،

стр. 222

ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ﷺ ، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا. وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: لقد عرفت إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وقال جعفر ابن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه ﵇ بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة) (١) . ٦- اتهام النبي ﷺ بأنه شاعر، أو مسحور أو ساحر، أو كاهن يتلقاه من الشياطين، أو مجنون، أو أن ما يتلقاه هو أضغاث أحلام: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء:٥] . (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ () وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ () وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ () تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [الحاقة:٤٠-٤٣] . ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٥] . ﴿ ... إذ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٧] . ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٢] . ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] . ويلاحظ في هذه التهم التخبط العجيب والتناقض الغريب، فتارة

стр. 223

يتهمونه بأنه ساحر وتارة مسحور، ولما رأوا بلاغة القرآن قالوا: هذا شعر. فلما اعترض عليهم أن أوزان الشعر معروفة، وهذا ليس على وزن شيء منها، قالوا: كاهن يعني يسجع كسجعهم، فلما اعترض عليهم بأنه لو كان شعرا أو سجعا لكان الناس يستطيعون تقليده، ولكن الواقع أنه لم يستطع أحد فعل ذلك، لاسيما مع استمرار تحديه لهم في كل مناسبة، فقالوا: إنه أضغاث أحلام. ولكن أضغاث الأحلام لا تأتي بهذا الإحكام والتنظيم والإعجاز والبلاغة، فقالوا: إذن يتلقاه من الشياطين. ولكن كيف يتلقاه من الشياطين وهو يلعن الشياطين صباحا ومساء، ولا يستفتح كتابه إلا بالاستعاذة منهم، والشيطان من صفاتها إضلال الناس، وهذا الكتاب يهدي لأقوم سبيل وأفضل طريق، وهناك الكثير من السحرة والكهنة لديهم شياطين ومردة، فلماذا لا يأتون بمثل ما أتى؟ فقالوا: إذن هي أساطير الأولين وقصص السابقين، اكتتبها فهي تملى عليه. ولكن كيف يقال هذا ومحمد لا يقرأ ولا يكتب، بل هو رجل أمي، قالوا: إذن تعلمه من اليهود والنصارى. فقيل لهم: كيف ذلك وهم أعاجم، وهذا لسان عربي مبين، وكلام فصيح بليغ لم يستطع فحول الفصحاء أن يبلغوا منزلته في البلاغة، فكيف لأعجمي أن يأتي به؟ ثم هل اليهود والنصارى تكفر نفسها؟ فعند ذلك حاروا وبهتوا وألجموا ولم يردوا جوابا. وقد شهد على صحة هذا القرآن أهل الكتاب أنفسهم، كما اشرنا من قبل في مثل قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام:١١٤] . وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ () نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ()

стр. 224

عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ () بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ () وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ () أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( [الشعراء:١٩٢-١٩٧] ( ... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ () وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( [المائدة:٨٢-٨٣] . ونحن نقول -على سبيل التنزل- لمن أنكر أن القرآن كلام الله: افرض أن هذا الكتاب من عند الله حقا وأنك مخطئ فما أنت صانع؟ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) ( ﴿١﴾ [فصلت:٥٢] .

стр. 225

المبحث الرابع: ردود إجمالية أخرى المطلب الأول: عدم معارضة كفار مكة له، مع أنهم أكثر الناس عداوة وفصاحة: (إن النبي ﷺ قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عنه وانقطعوا دونه، وقد بقي (يطالبهم به مدة عشرين سنة، مظهراً لهم النكير، زاريًا على أديانهم، مسفهاً آراءهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب، فهلكت فيه النفوس، وأُريقت المهج، وقُطعت الأرحام، وذهبت الأموال، ولو كان ذلك (١)

стр. 226

في وسعهم وتحت أقدارهم، لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول إلى الحَزْنِ (١) الوعر من الفعلٍ، وهذا ما لا يفعله عاقل، ولا يختاره ذو لب، وقد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأحلام، ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع (٢) والشعراء المفلقون (٣) ، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل والخصومه واللدد، فقال سبحانه: (ما ضربوه لك إلاَّ جدلاً بل هُمْ قومٌ خصمون (وقال سبحانه: (وتُنذِرَ بِه قوما لُداَّ (، فكيف كان يجوز -على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة -أن يغفلوه ولا ويهتبلوا الفرصة فيه، وأن يضربوا عنه صفحاً، ولا يحوزوا الفلاح والظفر فيه لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه. ومعلوم أن رجلا عاقلا لو عطش عطشاً شديدا، خاف منه الهلاك على نفسه، وبحضرته ماء معرض للشرب فلم يشربه حتى هلك عطشاً، لحكمنا أنه عاجز عن شربه غير قادر عليه، وهذا بين واضح لا يُشكل على عاقل. قلت: وهذا -من وجوه ما قيل فيه ـ أبينها دلالة وأيسرها مؤونة، وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه) (٤) .

стр. 227

و (قال الخطابي: سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد:١] ؛ فأخبر أنه لا يقسم بهذا، ثم أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين:٣] ؟ فقال ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: بل اقطعني ثم أجبني. فقال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله ﷺ بحضرة رجال، وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به، وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجَهِلْتَ فلم ينكروا منه ما أنكرت. ثم قال له: إن العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتا) (١) . المطلب الثاني: إثبات الدليل (من أين لك هذا ؟) : وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] ؛ وهذا أسهل الأدلة وأسرعها وأقواها في نفس الوقت؛ لأن أكثر الطعون عبارة عن دعاوى لا حقيقة لها ولا قيمة علمية، فبمجرد مطالبته بالدليل عليها تتهاوى وتسقط. والدعاوى إن لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء

стр. 228

كدعوى أن النبي ﷺ كان يكتب أو يقرأ، أو أنهم وجدوا مخطوطا بخطه وغير ذلك. المطلب الثالث: مخالفة الواقع: الكثير من الطعون طعون كاذبة تخالف الواقع، فبنظرة سريعة للواقع يتضح بطلانها، كدعواهم أن النبي ﷺ كاهن، أو ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو كاذب، أو يصرع، أو غير ذلك، فشهادة الواقع والحال بخلاف الدعوى من أقوى الأدلة على بطلان الدعوى. هَبِني قُلْتُ هذا النُّورَ ليلُ أَيَعْمَى العَاِلموُن عَنِ الضَّياءِ المطلب الرابع: إجماع الأمة على ذلك (من سبقك إلى هذا) : قال القرطبي: (باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن، وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان، لا خلاف بين الأمة ولا بين أئمة أهل السنة أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد ﷺ ، معجزة له على نحو ما تقدم، وأنه محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة والنقصان حروفه

стр. 229

وكلماته، فلا يحتاج في تعريفه بَحدًّ ولا في حصره بعد، فمن ادعى زيادة عليه أو نقصانا منه، فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن المنزل عليه، ورد قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (وأبطل آية رسوله ﵇؛ لأنه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه حين شيب بالباطل، ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية، وخَرَجَ عن أن يكون معجزا، فالقائل أن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزوج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياما مع شهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا رد هذا الإجماع كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب) (١) ، وإجماع الأمة المحمدية حجة، وهي لا تجتمع على خطأ. -وتقدم معنا أيضا الرد الإجمالي على الطعونات الأربعة العامة في مبحث مستقل.

стр. 230

الفصل الثاني: الردود التفصيلية على من طعن في القرآن وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى. المبحث الثاني: زعم عدم حفظه. المبحث الثالث: اتهام القرآن بالتناقض. المبحث الرابع: اتهام القرآن بمعارضة الحقائق.

стр. 231

المبحث الأول: التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى (مصدر القرآن) وهذا المبحث فيه ثلاثة مطالب حاصرة -إن شاء الله - لطعونهم أو على أقل تقدير تضمنت هذه المطالب أبرز الطعون التى وجهت إلى مصدر القرآن، بهدف التشكيك فى نسبته إلى الحق ، وتفصيل ذلك فيما يلى: المطلب الأول: دعواهم أن القرآن من عند النبي محمد ﷺ : هذا الطعن من أقدم الطعون وقد ذكر في القرآن كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا ءايَةً مَكَانَ ءايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] أي أنك متقول على الله تعالى (١) . وكما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ ... ﴾ [الفرقان:٤] . ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون﴾ [السجدة:٣] .

стр. 232

﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٨] ، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ:٤٣] . وتقدم في مبحث ردود القرآن على الطاعنين تفصيل هذا الطعن ورد القرآن عليه، ولا زال الطاعنون يرددون هذه الشبهة إلى اليوم: ففي دائرة المعارف الإسلامية: (القرآن ليس من عند الله) (١) . ويقول المستشرق ويلز (٢) : (محمد هو الذي صنع القرآن) (٣) . ويقول يوليوس فلهاوزن (٤) : (القرآن من عند محمد) (٥) .

стр. 233

ويقول غوستاف لوبون (١) : (القرآن من تأليف محمد) (٢) . ويقول درمنجهام (٣) -وهو يصور النبي ﷺ بالفنان أو الشاعر الذي يتأمل الطبيعة، ثم يبدع في التأليف-: (وهذه النجوم في ليالي صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق، حتى ليحسب المرء أنه يسمع بصيص ضوئها، وكأنه نغم نار موقدة. حقا إن في السماء لشارات للمدركين، وفي العالم غيب بل العالم غيب كله؛ لكن ألا يكفي أن يفتح الإنسان عينيه ليرى، وأن يرهف أذنه ليسمع، ويرى الحق ويسمع الكلم الخالد، لكن للناس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع، أما هو فيحسب أنه يسمع ويرى، وهل تحتاج لكي تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب مخلص مُلِئَ إيمانا ... ) (٤) . ويقول نولدكة (٥) : (كانت نبوة محمد نابعة من الخيالات المتهيجة، والإلهامات المباشرة للحس أكثر من أن تأتي من التفكير النابع من العقل

стр. 234

الناضج، فلولا ذكاؤه الكبير لما استطاع الارتقاء على خصومه، مع هذا كان يعتقد أن مشاعره الداخلية قادمة من الله بدون مناقشة) (١) . ومجمل أقوال المستشرقين وغيرهم من الطاعنين في الوحي الذي يوحى إليه (؛أن هذا القرآن إنما هو: ١-إلهام سمعي. ٢-تأثير انفعالات عاطفية. ٣-لأسباب طبيعية عادية كباعثة النوم (التنويم الذاتي) . ٤-تجربة ذهنية فكرية. ٥-حالة كحالة الكهنة والمنجمين. ٦-حالة صرع وهستيريا (٢) . ٧-ول نصر أبو زيد -مُلَمِّحًا إلى هذا الطعن-: (القرآن ينتمي إلى ثقافة البشر) (٣) . -الرد على هذه الدعوى: - ١- بداية؛ فقد فَصَلَ الله تعالى هذه القضية بقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧] .

стр. 235

قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله، الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله (أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر (ولكن تصديق الذي بين يديه (أي من الكتب المتقدمة، ومهيمنا عليه ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وقوله: (وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا، حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين، كما في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب: (فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم) أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه) (١) . (لقد علم الناس أجمعون - علماً لا يخالطه شك - أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي، ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. أما بعد؛ فمن أين جاء به محمد بن عبد الله (؟ أَمنْ عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من معلم؟ ومَن هو ذلك المعلم؟

стр. 236

نقرأ في هذا الكتاب أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثَمَّ أمين: ذلكم هو جبريل ﵇، تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ ، فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصاً من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا: ١) الوعي والحفظ، ثم ٢) الحكاية والتبليغ، ثم ٣) البيان والتفسير، ثم ٤) التطبيق والتنفيذ. أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء، إن هو إلا وحيٌ يوحى. هكذا سماه القرآن حيث يقول: ﴿وإذا لم تأتهم بآيةٍ قالوا لولا اجتبيتها، قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ، ويقول: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن اتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥] وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني، ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً﴾ [يوسف: ٢] ، ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] ، ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة:١٦ -١٩] ، (اقرأ) ( [العلق:١] ، ﴿واتل﴾ [الكهف: ٢٧] ، ﴿ورتل﴾ [المزمل: ٤] فانظر كيف عبر بالقرآن بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون الكلام عربياً، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة.

стр. 237

القرآن إذاً صريح في أنه "لا صنعة فيه لمحمد ﷺ ، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه"، والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد ﷺ ) (١) . ٢- لو كان القرآن من تأليف النبي ﷺ ، لاستطاع العرب أن يأتوا بمثله، مع حرصهم الشديد على معارضته، لكن النبي ﷺ كان يتحداهم دائما ويكرره عليهم كثيرا، ومع هذا لم يطق أحد منهم معارضته، ولا يقال: إن النبي ﷺ بلغ من العبقرية مبلغا، بحيث لم يستطع أحد أن يأتي بمثل ما قال. لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيألفوا قرآنا، ومن المعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد، فلو اجتمع مائة شاعر مثلا لتأليف قصيدة؛ لكانت في جمالها وقوتها وسبكها أفضل بمراحل من شاعر واحد ألف قصيدة، مهما بلغ هذا الشاعر من البلاغة والبيان (٢) ، فإذا كان آحاد المشركين لم يستطيعوا معارضة القرآن؛ فلماذا لم يجتمعوا لمعارضته؟ ولكن هيهات؛ فإنه لو اجتمعت قريش والعرب وأهل الأرض قاطبة، بل والجن ما كانوا لهم أن يأتوا بمثل آية منه ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .

стр. 238

٣- (تبرؤ محمد (من نسبة القرآن إليه ليس ادعاء يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه؛ في الحقيقة إن هذه القضية لو وجدت قاضياً يقضي بالعدل، لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بينه، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخاً؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحداً يعارضه ويزعمها لنفسه. الذي نعرفه أن كثيراً من الأدباء يسطون على آثار غيرهم، فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله وغلت قيمته وأُمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأبواب المستعارة؛ أمَّا أن أحداً ينسب لغيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد) (١) . ٤- (لا أدل على أن الوحي القرآني خارج عن الذات المحمدية من مخالفة القرآن في عدة مواطن لرأيه الشخصي ولطبعه الخاص) (٢) ومعاتبته على أخطائه:

стр. 239

مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال:٦٧] عن ابْنَ عَبَّاسٍ قالُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ (الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ... -الحديث وفيه-: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً؛ فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» ، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ، أَعْنَاقَهُمْ فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عُقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (إِلَى قَوْلِهِ: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا

стр. 240

(فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ (١) . (وتأمل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرة عجيبة؛ فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بُدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطيب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها (٢) . فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول الكلام - لو كان عن النفس مصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره , ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب والندم وبين ابتسامة الرضا والاستحسان؟ كلا، وإن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين , لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له، ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل. فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله، على ما فيه من تقريع علني بغير حق، وتنغيص لهذه الطُعمة (٣) التي يراد جعلها حلالاً طيباً؟ إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن هاهنا ألبتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أسأتَ ولكني عفوت عنك وأذنت لك) (٤) . ومثل هذا قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّن

стр. 241

َ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( [التوبة:٤٣] ، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الأحزاب:٣٧] ، عَنْ مَسْرُوقٍ ﵀ قَالَ: «كُنتُ مُتَّكِئًا عِندَ عَائِشَةَ فسَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ (رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ (١) شَعَرِي لِمَا قُلْتَ؛ يَا أَبَا عَائِشَةَ ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا (رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ , فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (, فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ , (فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ , رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (. قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ , فَقَدْ

стр. 242

أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ , وَاللَّهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ (كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ , فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ , وَاللَّهُ يَقُولُ: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ((١) . وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ (يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ. قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ) (٢) . يقول الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ وهو يتكلم عن أدلة صدق النبي ﷺ ، فذكر أن من الأدلة على ذلك: (مخالفة القرآن لطبع الرسول، وعتابه الشديد له في المسائل المباحة، وأخرى كان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه؛ فيخطئه في الرأي يراه، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه , فإذا تلبث فيه يسيراً تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المر، حتى

стр. 243

في أقل الأشياء خطراً: ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم:١] ، (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ( [الأحزاب: ٣٧] ، ﴿عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ [التوبة: ٤٣] ، ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة: ١١٣] ، ﴿ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيزٌ حكيم، لولا كتابٌ من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال:٦-٦٨] ، ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى، كلا﴾ [عبس:٥-١٠] . أرأيت لو كان هذه التقريعات المؤلمة (١) صادرة عن وجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه؛ أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟

стр. 244

بل إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه , لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئاً من ذلك الوجدان، ولو كان كاتماً شيئاً لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ [سورة التكوير الآية: ٢٤] ) (١) . وقد أقر بهذا الدليل بعض المستشرقين، مثل المستشرق (ليتنر) حيث قال: (مرة أوحى الله إلى النبي ﷺ وحيا شديد المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى , ليخاطب رجلا غنيا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبا -كما يقول أغبياء النصارى بحقه -لما كان لذلك الوحي من وجود) (٢) . ٥-موقف الرسول ﷺ من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها: (وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها , لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه (كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثماً , اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله. لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحاً، أو جاوزه خطأ ونسياناً، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيراً فتخير. هَبْهُ مجتهداً أخطأ باختيار خلاف الأفضل، أليس معذوراً ومأجوراً؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمه بشرية وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية، هل ترى في ذلك ذنباً

стр. 245

يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟ . توفي عبد الله بن أُبي كبير المنافقين، فكفنه النبي في ثوبه وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ﵁: أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال (: إنما خيرني ربي فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين، وصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ [التوبة:٨٤] فترك الصلاة عليهم) (١) ؛ اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين , وانظر ماذا ترى؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع , وقد اتخذ من القرآن دستوراً يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييراً له بين طريقين , فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة , ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع. وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها , تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة , ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض , بل تصدع بالبيان فرقاناً بين الحق والباطل، وميزاناً للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين ولا تنقصها

стр. 246

معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بين سيد ومسود، وعابد ومعبود) (١) . ٦- نسبة محمد ﷺ القرآن إلى الله لا تكون احتيالاً منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله (٢) . (ولو أننا افترضناه افتراضاً لما عرفنا له تعليلاً معقولاً ولا شبه معقول , اللهم إلا شيئاً واحداً قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في (نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي) ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم , ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه. وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه؛ أما أنه فاسد في ذاته , فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه والكلام المنسوب إلى الله تعالى فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصةٍ من لزوم طاعته شيئاً، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدةٍ فيها شيئاً، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتها في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله , فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم. وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه

стр. 247

, وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء , فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون ( [يونس: ١٦] ) (١) . وقد قدمنا أن النبي ﷺ شهد بصدقه الصديق والعدو، وشهد بصدقه من عاشره ومن رآه لأول وهلة، ومن سمع به وبأخباره. ونزيد على ما سبق شهادة أكبر المعاندين في قريش , ورأس الكفر , وفرعون هذه الأمة أبو جهل فعن علي ﵁ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ (: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ((٢) . ٧- (في بعض المواقف تكون حاجة النبي ﷺ للقرآن شديدة، بل لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالاً ومجالاً، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام, ولا يجد في شأنها قرآناً يقرؤه على الناس؛ ومع هذا لم يتقوله ولم ينزل عليه شيء) (٣) ، مما يدلك

стр. 248

على صدقه؛ إذ الكاذب لا يتأخر في افتراء الكذب عند الحاجة الماسة إليه، وإليك بعض الأمثلة على ذلك: أ-عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث , وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة , فقالوا لهم: سلوهم عن محمد , وصفوا لهما صفته , وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول , وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ , ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا: إنكم أهل التوراة , وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن , فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم , فإنهم قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه , وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش , فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد , قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. فأخبروهم بها فجاءوا رسول الله ﷺ , فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به , فقال لهم رسول الله ﷺ : «أخبركم غدا عما سألتم عنه» ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة , لا يُحْدِثُ الله له في ذلك وحيًا, ولا يأتيه جبرائيل ﵇ حتى أرجف أهل مكة , وقالوا: وعدنا محمد غدًا , واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا

стр. 249

يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسولَ الله (مُكْثُ الوحي عنه, وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل- ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف , فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم , وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية , والرجل الطواف , وقول الله (ويسألونك عن الروح قل الروح (الآية (١) . ب- فترة الوحي في حادث الإفك (٢) : (ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه -عائشة رضي الله- عنها وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر , وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيراً» . ثم إنه بعد بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله , والكل يقولون ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله» . هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصدّيق المتثبت الذي لا يظن ولا يقول ما ليس له به علم، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها، ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.

стр. 250

فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل؛ ليحمي بها عرضه , ويذب بها عن عرينه , وينسبها إلى الوحي السماوي , لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين﴾ [سورة الحاقة الآيات: ٤٤- ٤٧] (١) . ج-لقد كان النبي ﷺ يتحرق شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا , لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام , ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنا ,على الرغم من تلهف رسوله الكريم إليه إلا بعد قرابة عام ونصف العام (٢) . عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ... ) (٣) . ولو كان الوحي من تأليف النبي ﷺ , لما تأخر كل هذه المدة لشيء يحبه ويشتهيه ويتشوف إليه ويتحرق شوقا له، ولكنه وحي الله ولا ينزل إلا بأمر الله وإذنه.
следующие страницы →