معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بين سيد ومسود، وعابد ومعبود) (١) .
٦- نسبة محمد ﷺ القرآن إلى الله لا تكون احتيالاً منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله (٢) .
(ولو أننا افترضناه افتراضاً لما عرفنا له تعليلاً معقولاً ولا شبه معقول , اللهم إلا شيئاً واحداً قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في (نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي) ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم , ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه.
وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه؛
أما أنه فاسد في ذاته , فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه والكلام المنسوب إلى الله تعالى فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصةٍ من لزوم طاعته شيئاً، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدةٍ فيها شيئاً، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتها في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله , فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه
стр. 247
, وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء , فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون (
[يونس: ١٦] ) (١) .
وقد قدمنا أن النبي ﷺ شهد بصدقه الصديق والعدو، وشهد بصدقه من عاشره ومن رآه لأول وهلة، ومن سمع به وبأخباره.
ونزيد على ما سبق شهادة أكبر المعاندين في قريش , ورأس الكفر , وفرعون هذه الأمة أبو جهل فعن علي ﵁ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ (: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ((٢) .
٧- (في بعض المواقف تكون حاجة النبي ﷺ للقرآن شديدة، بل لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالاً ومجالاً، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام, ولا يجد في شأنها قرآناً يقرؤه على الناس؛ ومع هذا لم يتقوله ولم ينزل عليه شيء) (٣) ، مما يدلك
стр. 248
على صدقه؛ إذ الكاذب لا يتأخر في افتراء الكذب عند الحاجة الماسة إليه، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
أ-عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث , وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة , فقالوا لهم: سلوهم عن محمد , وصفوا لهما صفته , وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول , وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ , ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا: إنكم أهل التوراة , وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن , فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم , فإنهم قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه , وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش , فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد , قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. فأخبروهم بها فجاءوا رسول الله ﷺ , فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به , فقال لهم رسول الله ﷺ : «أخبركم غدا عما سألتم عنه» ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة , لا يُحْدِثُ الله له في ذلك وحيًا, ولا يأتيه جبرائيل ﵇ حتى أرجف أهل مكة , وقالوا: وعدنا محمد غدًا , واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا
стр. 249
يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسولَ الله (مُكْثُ الوحي عنه, وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل- ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف , فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم , وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية , والرجل الطواف , وقول الله (ويسألونك عن الروح قل الروح (الآية (١) .
ب- فترة الوحي في حادث الإفك (٢) :
(ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه -عائشة رضي الله- عنها وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر , وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيراً» . ثم إنه بعد بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله , والكل يقولون ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله» .
هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصدّيق المتثبت الذي لا يظن ولا يقول ما ليس له به علم، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها، ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.
стр. 250
فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل؛ ليحمي بها عرضه , ويذب بها عن عرينه , وينسبها إلى الوحي السماوي , لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين﴾ [سورة الحاقة الآيات: ٤٤- ٤٧] (١) .
ج-لقد كان النبي ﷺ يتحرق شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا , لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام , ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنا ,على الرغم من تلهف رسوله الكريم إليه إلا بعد قرابة عام ونصف العام (٢) .
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ... ) (٣) .
ولو كان الوحي من تأليف النبي ﷺ , لما تأخر كل هذه المدة لشيء يحبه ويشتهيه ويتشوف إليه ويتحرق شوقا له، ولكنه وحي الله ولا ينزل إلا بأمر الله وإذنه.
стр. 251
٨-توقف الرسول ﷺ أحياناً في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان:
(لقد كان يجيئه الأمر أحياناً بالقول المجمل , أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله , حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلاماً لا يفهم هو معناه، وتأمره أمراً لا يعقل هو حكمته؟ .
أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟ .
وإليك بعض هذه الأمثلة:
-المثال الأول: موقفه في قضية المحاسبة على النيات:
نزل قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] فأزعجت الصحابة إزعاجاً شديداً، وداخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء آخر؛ لأنهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب وخطراتها؛ فقالوا: يارسول الله أنزلت علينا هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم النبي ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله: (لا يكلف الله نفساً إلى وسعها (إلى آخر السورة المذكورة (١) ، وهنالك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب , وهو ما كان من النيات المكسوبة والعزائم المستقرة، لا من الخواطر والأماني الجارية على النفس بغير اختيار.
стр. 252
وموضع الشاهد منه أن النبي ﷺ لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم وهم في أشد الحاجة إليه، ولم يكن ليتركهم لهذا الهلع الذي كاد يخلع قلوبهم وهو بهم رؤوفٌ رحيم، ولكنه كان مثلهم ينتظر تأويلها، ولأمر ما أخر الله عنهم هذا البيان، ولأمر ما وضع حرف التراخي في قوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] .
المثال الثاني: مسلكه في قضية الحديبية:
اقرأ في صحيح البخاري (١) وغيره قضية الحديبية، ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه نفسه، فقال تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] فلما أجمعوا زيارة البيت الحرام في ذلك العام وهو العام السادس من الهجرة أخذوا أسلحتهم حذراً أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع. ولما أشرفوا على حدود الحرم علموا أن قريشاً قد جمعت جموعها على مقربة منهم , فلم يثن ذلك من عزمهم؛ لأنهم كانوا على تمام الأُهبة، بل زادهم ذلك استبسالاً وصمموا على المضي إلى البيت , فمن صدهم عنه قاتلوه، وكانت قريش قد نهكتها الحروب , فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه. وإنهم لسائرون عند الحديبية إذ بَرَكت راحلة النبي ﷺ وأخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور، فقالوا: خلأت القصواء - أي حرنت الناقة - فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها
стр. 253
بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» يعني أن الله الذي اعتقل الفيل ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين, هو الذي اعتقل هذه الناقة ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة. وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين، لا بادئين ولا مكافئين، وزجر الناقة فثارت إلى ناحية أخرى , فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية، وعدل بهم عن متابعة السير امتثالاً لهذه الإشارة الإلهية , التي لا يعلم حكمتها، وأخذ يسعى لدخول مكة من طريق الصلح مع قريش قائلاً: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ولكن قريشاً أبت أن يدخلها في هذا العام لا محارباً ولا مسالماً، وأملت عليه شروطاً قاسية بأن يرجع من عامه، وأن يرد كل رجل يجيئه من مكة مسالماً، وألا ترد هي أحداً يجيئها من المدينة تاركاً لدينه، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم، وأمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم وبالعودة من حيث جاءوا.
فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيء في نفوس المسلمين، حتى إنهم لما جعلوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضاً ذهولاً وغماً، وكادت تزيغ قلوب فريق من كبار الصحابة فأخذوا يتساءلون فيما بينهم ويراجعونه هو نفسه قائلين: لِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ وهكذا كاد الجيش يتمرد على إمرة قائده ويفلت حبله من يده. أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشترك في وضعها أو وقف على أسرارها أن يبين لكبار الصحابة , حكمة هذه التصرفات التي فوق العقول، حتى يطفئ نار الفتنة قبل أن يتطاير شررها؟
стр. 254
ولكن انظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري) يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن انفذ أمر مولاي واثقاً بنصره قريباً أو بعيداً، وهكذا ساروا راجعين وهم لا يدرون تأويل هذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح , فبينت لهم الحكم الباهرة والبشارات الصادقة فإذا الذي ظنوه ضيماً وإجحافاً في بادئ الرأي كان هو النصر المبين والفتح الأكبر وأين تدبير البشر من تدبير القدر؛ ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً، هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علمٍ ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيءٍ عليماً لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخُلُن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلِم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً﴾ [سورة الفتح الآيات: ٢٤-٢٧] ) (١) .
٩-إخباره في هذا الكتاب بأمور تحصل بعد موته وعلوم لم تكن في عصره, وقد قيل: يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ويمكن أن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت،
стр. 255
فلنفرض أن النبي ﷺ استطاع أن يخدع كل من كان في زمنه، ألا يخشى أن ينكشف بعد ذلك إذا ازداد الناس علما، فهو يخبر بأمور فلكية وأخرى طبية وأمور جغرافية، ويخبر بأحداث سوف تقع بعد موته، ويتكلم بعلوم لم يعرفها أهل زمانه، كل هذا وهو مطمئن القلب لصدق نفسه، ثم لا يأتي الواقع إلا مطابقا لما قال، ولا يأتي العلم -على تقدمه الكبير- إلا بتأكيد كلامه وتأييد آرائه، أليس في هذا دليل أنه لا يتحدث من قبل نفسه , بل من قبل من يعلم السر والنجوى الذي لا تخفى عليه خافية.
قالت بوتر (١) : (كيف استطاع محمد ﷺ الرجل الأمي, الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله (٢) .
١٠-منهجه في كيفية تلقي النص أول عهده بالوحي (٣) :
(ولقد كان حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلاً ,فيحرك به لسانه وشفتيه طلباً لحفظه، وخشية ضياعه من صدره، ولم يكن ذلك معروفاً من عادته في تحضير كلامه، لا قبل دعواه النبوة ولا بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، إنما كانوا يزورون كلامهم في أنفسهم، فلو كان القرآن منبجساً من معين نفسه لجرى على سنة كلامه وكلامهم ولكان له من الروية والأناة الصامتة ما يكفل له حاجته؛ من إنضاج الرأي , وتمحيص الفكرة، ولكنه كان يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتياً ويلم به سريعاً، بحيث لا تجدي الروية شيئاً في اجتلابه لو
стр. 256
طلب، ولا في تداركه واستذكاره لو ضاع منه شيء ,وكان عليه أن يعيد كل ما يلقى إليه حرفياً، فكان لابد له في أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من نفسه, أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية، حتى ضمن الله له حفظه وبيانه بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به (الآيات [القيامة: ١٦] ، وقوله: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما﴾ [طه: ١١٤] .
هذا طرفٌ من سيرته بإزاء القرآن، وهي شواهد ناطقة بصدقه في أن القرآن لم يصدر عنه بل ورد إليه، وأنه لم يفض عن قلبه بل أفيض عليه) (١) .
١١-أليس يكفي للحكم ببراءة الإنسان من عمل من الأعمال , أن يقوم من الطبيعة شاهدٌ بعجزه المادي عن إنتاج ذلك العمل؟ .
فلينظر العاقل: هل كان هذا النبي الأمي (أهلاً بمقتضى وسائله العلمية , لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية؟.
سيقول الجهلاء من الملحدين: نعم. فقد كان له من ذكائه الفطري وبصيرته النافذة ما يؤهله لإدراك الحق والباطل من الآراء , والحسن القبيح من الأخلاق, والخير والشر من الأفعال، حتى لو أن شيئاً في السماء تناله الفراسة , أو تلهمه الفطرة , أو توحي به الفكرة, لتناوله محمد بفطرته السليمة وعقله الكامل وتأملاته الصادقة.
ونحن قد نؤمن بأكثر مما وصفوا من شمائله، ولكننا نسأل: هل كل ما في القرآن مما يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور؟ اللهم كلا.
стр. 257
طبيعة المعاني القرآنية ليست كلها مما يدرك بالذكاء وصدق الفراسة فمن ذلك:
أ - أنباء الماضي لا سبيل إليها إلا بالتلقي والدراسة:
ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة , التي لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقي والتعلم؛ ماذا يقولون فيما قصه علينا القرآن من أنباء ما قد سبق وما فصله من تلك الأنباء على وجهه الصحيح كما وقع؟ أيقولون: إن التاريخ يمكن وضعه أيضاً بإعمال الفكر ودقة الفراسة؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون إن محمداً قد عاصر تلك الأمم الخالية، وتنقل فيها فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان، أو أنه ورث كتب الأولين وعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين في علم دقائقها؟ إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا ولا ذاك، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه (لم يكن من أولئك ولا من هؤلاء ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ [سورة آل عمران الآية: ٤٤] ، ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾ [سورة يوسف الآية: ١٠٢] ، ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ [سورة القصص الآية: ٤٤] ، ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخُطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ [سورة العنكبوت الآية: ٤٨] ، ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ [سورة هود الآية: ٤٩] ، ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ [سورة يوسف الآية: ٣] .
لا نقول إن العلم بأسماء بعض الأنبياء والأمم الماضية , وبمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد وثمود وطوفان نوح
стр. 258
وأشباه ذلك لم يصل قط إلى الأميين؛ فإن هذه النتف اليسيرة قلما تعزب عن أحد من أهل البدو أو الحضر؛ لأنها مما توارثته الأجيال وسارت به الأمثال، وإنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة والكنوز المدفونة في بطون الكتب , فذلك هو العلم النفيس الذي لم تنله يد الأميين , ولم يكن يعرفه إلا القليل من الدارسين، وإنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محرراً في القرآن، حتى الأرقام طبق الأرقام: فترى مثلاً في قصة نوح ﵇ في القرآن أنه لبث في قومهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنة، وترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، وفي القرآن أنهم لبثوا في كهفهم ﴿ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعاً﴾ [سورة الكهف الآية:٢٥] وهذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية؛ قاله الزجاج يعني بتكميل الكسر.
فانظر إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأُمِّيَّ مُعْجِزَةًً فِي الجْاَهِلِيَّةِ والتَّأدِيبِ فِي اليُتْمِ
نعم إنها لعجيبة حقاً: رجل أمي بين أظهر قوم أميين، يحضر مشاهدهم - في غير الباطل والفجور - ويعيش معيشتهم مشغولاً برزق نفسه وزوجه وأولاده، راعياً بالأجر، لا صلة له بالعلم والعلماء؛ يقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم يطلع علينا فيما بين عشية وضحاها , فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته , وبما لم يتحدث إلى أحد بحرف واحد منه قبل ذلك، ويبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم في دفاترهم وقماطرهم؟ أفي مثل هذا يقول الجاهلون إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟ أي منطق يسوغ أن يكون هذا الطور الجديد العملي نتيجة طبيعة لتلك الحياة الماضية الأمية؟ إنه لا مناص في قضية العقل من أن يكون لهذا الانتقال
стр. 259
الطفري سر آخر يُلتمس خارجاً عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة، وإن ملاحدة الجاهلية وهم أجلاف الأعراب في البادية كانوا في الجملة أصدق تعليلاً لهذه الظاهرة , وأقرب فهماً لهذا السر من ملاحدة هذا العصر، إذ لم يقولوا كما قال هؤلاء إنه استقى هذه الأخبار من وحي نفسه، بل قالوا: إنه لابد أن تكون قد أمليت عليه منذ يومئذ علوم جديدة؛ فدرس منها ما لم يكن قد درس، وتعلم ما لم يكن يعلم ﴿وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دَرَستَ﴾ [سورة الأنعام الآية: ١٠٥] ، ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا﴾ [سورة الفرقان الآية: ٥] .
ولقد صدقوا؛ فإنه درسها، ولكن على أستاذه الروح الأمين، واكتتبها، ولكن من صحفٍ مكرمةٍ مرفوعةٍ مطهره، بأيدي سفرةٍ كرامٍ برره ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون﴾ [يونس:١٦] .
ذلك شأن ما في القرآن من الأنباء التاريخية، لا جدال في أن سبيلها النقل لا العقل، وأنها تجيء من خارج النفس لا من داخلها.
أما سائر العلوم القرآنية فقد يقال: إنها من نوع ما يدرك بالعقل، فيمكن أن ينالها الذكي بالفراسة والروية. وهذا كلام قد يلوح حقاً في بادئ الرأي، ولكنه لا يلبث أن ينهار أمام الاختبار، ذلك أن العقول البشرية لها في إدراك الأشياء طريق معين تسلكه، وحدٌ محدود تقف عنده ولا تتجاوزه، فكل شيء لم يقع تحت الحس الظاهر أو الباطن مباشرة، ولم يكن مركوزاً في غريزة النفس، إنما يكون إدراك العقول إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول، إما بسرعة كما في الحَدْسِ (١) ,وإما ببطء كما في الاستدلال والاستنباط والمقايسة (٢) ، وكل ما لم تمهد له هذه الوسائل والمقدمات , لا يمكن أن تناله يد العقل بحال، وإنما سبيله الإلهام، أو النقل عما جاءه ذلك الإلهام.
فهل ما في القرآن من المعاني غير التاريخية كانت حاضرة الوسائل والمقدمات في نظر العقل؟
ذلك ما سيأتي نبأه بعد حين، ولكننا نعجل لك الآن بمثالين من تلك المعاني نكتفي بذكرهما هنا عند إعادتهما بعد:
أحدهما: قسم العقائد الدينية.
والثاني: قسم النبوءات الغيبية.
ب - الحقائق الدينية الغيبية لا سبيل للعقل إليها:
فأما أمر الدين فإن غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه، بعد معاونة الفطرة السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلهاً قاهراً دبره , وأنه لم يخلقه باطلاً، بل وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة؛ فلابد أن يعيده كرةً أخرى لينال كل عامل جزاء عمله , إن خيراً وإن شراً.
هذا هو كل ما يناله العقل الكامل من أمر الدين، ولكن القرآن لا يقف في جانبه عند هذه المرحلة؛ بل نراه يشرح لنا حدود الإيمان مفصلة، ويصف لنا بدء الخلق ونهايته، ويصف الجنة وأنواع نعيمها، والنار وألوان عذابها، كأنهما رأي عين، حتى إنه ليحصي عدة الأبواب،
стр. 260
وعدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب، فعلى أي نظرية عقلية بنيت هذه المعلومات الحسابية، وتلك الأوصاف التحديدية؟ إن ذلك ما لا يوحي به العقل البتة، بل هو إما باطل فيكون من وحي الخيال والتخمين، وإما حق فلا ينال إلا بالتعليم والتلقين، لكنه الحق الذي شهدت به الكتب واستيقنه أهلها ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنةً للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١] ، ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] ، ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ [ص: ٦٩] ، ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ [يونس: ٣٧] .
ج -أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية , ولكنها لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق:
وأما النبوءات الغيبية فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل؟ إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحاً يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة، جاعلاً الشاهد من هذه مقياساً للغائب من تلك، ثم يصدر فيها حكماً محاطاً بكل تحفظ وحذر، قائلاً: (ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها , ولم يقع ما ليس في الحسبان) . أما أن يبت الحكم بتاً , ويحدده تحديدا ,ً حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية، ولا تلوح منه أمارة من الأمارات الظنية العادية، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين:
إما رجل مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه صدق أو كذب، وذلك هو دأب جهلاء المتنبئين من العرافين والمنجمين.
وإما رجل اتخذ عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، وتلك هي سنة الأنبياء والمرسلين،
стр. 261
ولا ثالث لهما إلا رجلاً روى أخباره عن واحد منهما.
فأي الرجلين تراه في صاحب هذا القرآن حينما يجيء على لسانه الخبر الجازم بما سيقع بعد عام وما سيقع في أعوام، وما سيكون أبد الدهر، وما لن يكون أبد الدهر؟ ذلك وهو لم يتعاط علم المعرفة والتنجيم , ولا كانت أخلاقه كأخلاقهم تمثل الدعوى والتقحم، ولا كانت أخباره كأخبارهم خليطاً من الصدق والكذب، والصواب والخطأ. بل كان مع براءته من علم الغيب وقعوده عن طلبه وتكلفه، يجيئه عفواً ما تعجز صروف الدهر وتقلباته في الأحقاب المتطاولة أن تنقض حرفاً واحداً مما ينبئ به ﴿وإنه لكتابٌ عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] .
ولنسرد لك هاهنا بعض النبوءات القرآنية مع بيان شيء من ملابساتها التاريخية؛ لترى هل كانت مقدماتها القريبة أو البعيدة حاضرة فتكون تلك النبوءات من جنس ما توحي به الفراسة والألمعية؟
مثال ذلك:
-ما جاء في بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن قد ضمن الله حفظه وصيانته ﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [الرعد: ١٧] ، ﴿ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها﴾ [إبراهيم:٢٤-٢٥] ، ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] .
أتعلم متى وأين صدرت هذه البشارات المؤكدة، بل العهود الوثيقة؟ إنها آيات مكية من سور مكية، وأنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية في مكة؟ عشر سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآن، وصد لغيرهم عن الإصغاء له، واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به، ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شِعب من شِعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك , الذي طوله عشرة أعوام، شعاعاً ولو ضئيلاً من الرجاء أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم وإعلان دعوتهم؟ ولو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته، لا في أفق الحوادث، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربوا في نفسه الأمل حتى يصير حكماً قاطعاً؟ وهَبْهُ امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك , وهو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح , فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح! وكم من مدينة قامت في التاريخ ثم عفت ودرست آثارها! وكم من نبي قتل! وكم من كتابٍ فقد أو انتقص أو بدل! وهل كان محمد ﷺ ممن تستخفه الآمال فيجري مع الخيال؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبياً يوحى إليه ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمةً من ربك﴾ [القصص:٨٦] ولا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظاً لديه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيراً﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧] ؛ فلابد إذاً من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه، ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها، والذي قدر مبدأها ومنتهاها، وأحاط علماً بمجراها ومرساها، فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما في الآية الآنفة , لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن.
سل التاريخ: كم مرةٍ تنكر الدهر لدول الإسلام , وتسلط الفجار على المسلمين , فأثخنوا فيهم القتل، وأكرهوا أمماً منهم على الكفر، وأحرقوا الكتب، وهدموا المساجد؛ وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كلاً أو بعضاً كما فعل بالكتب قبله؛ لولا أن يد العناية تحرسه , فبقي في وسط هذه المعامع رافعا راياته وأعلامه، حافظا آياته وأحكامه، بل اسأل صحف الأخبار اليومية كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن ,وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] ، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يسمك السماوات والأرض أن تزولا، ذلك بأن الله ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣] ، والله بالغ أمره ومتم نوره , فظهر وسيبقى ظاهرا لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله) (١) .
١٢-لماذا يستبعد المستشرقون إمكانية نزول الوحي على النبي ﷺ عن طريق جبريل، مع أن كثيرا منهم يُسَلَّّمُون بأبعد من ذلك؛ فهم
стр. 262
يؤمنون إيمانا كاملا بأن موسى ﵇ قد تلقى التوراة من الله تعالى مباشرة من غير واسطة؟
١٣-وانظر إلى هذا التناقض؛ تارة يصفون النبي ﷺ بأنه عبقري , وفنان موهوب, وملهم (١) استطاع بذكائه الشديد أن يصنع هذا الدين والقرآن، وتارة يقولون هو, مجنون , أو مصروع ,أو مهووس (٢) ؛ ألا ترى كيف أوقعهم بغضهم للحق في هذه المضحكات؟
وتأمل كيف استطاعت خديجة ﵂ بفطرتها البسيطة أن تعرف أن ما يأتي النبي ﷺ ليس شيطانا وجنونا ولا هَوَساً حين قالت: (كلا واللهِ لا يُخزِيكَ اللهُ أبداً؛ إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتحمل الكلَّ , وتُكْسِبُ المعدومَ وتُقْرِِِي الضَّيْفَ وتُعِينُ على نوائبِ الحقَّ) (٣) .
فما أبعد هذا الكمال الإنساني عن الهوس الذي قد يملي على صاحبه مواقف غريبة وأفعالا منكرة ينبو عنها الذوق السليم، لذلك فإن بعضهم لا يملك نفسه عندما يقرأ سيرة النبي ﷺ وما يأمر به إلا أن يسلم بنبوته؛
يقول توماس كارلايل (٤) : (هل رأيتم قط رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجيبا؟ إنه لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب، فهو لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي
стр. 263
يبنيه بيت إنما هو تل من الأنقاض , وكثيب من أخلاط المواد؛ وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا , يسكنه مائتا مليون من الأنفس (١) ، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن، وأني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة , وإلا أبت أن تجيبه طلبته، كذبُُ ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيلوه حق، ومحنةُُ أن ينخدع الناس -شعوبا وأمما- بهذه الأضاليل) (٢) .
ويقول أيضا: (لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر, أن يصغي إلى القول بأن دين الإسلام كذب , وأن محمدا خداع مزور، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرجل ,ومازالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لمئات الملايين من الناس أمثالنا , خلقهم الله الذي خلقنا، أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والعد أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ,ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول , فما الناس إذاً إلا بُلُهُ ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث؛ كان الأولى ألا تُخلق) (٣) .
١٤-من الأدلة على أن القرآن ليس من النبي ﷺ : أوقات نزوله (٤) ؛ فليس للنبي (اختيار فيما ينزل أو متى ينزل، فقد يأتيه وهو
стр. 264
في الفراش مع أهله، أو وهو نائم , أو مع أصحابه , أو وهو سائر , أو على البعير (١) ، وقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر بكثرته عليه له , وقد يفتر عنه حتى يشتاق إليه , بل قد يمرض من تأخره عليه؛ فقد روي عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ (الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْد) (٢) .
وعن عَائِشَةَ ﵂ -أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ , فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ , وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... الحديث وفيه فَقَالَ: «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ» ... الحديث) (٣) .
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا , فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» . فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ... » (٤) .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا» ، قَالَ: فَنَزَلَتْ (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ
стр. 265
أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ( [الْآيَةَ] (١) .
وعن جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ: أبطأ جبريل على النبي ﷺ , فاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا , فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ , لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (. (٢)
فهذه أربعة عشر دليلاً على أن القرآن ليس من النبي ﷺ , وبعضها كافٍ في ذلك , وكني جمعتها كلها حتى لا يكون للمعترض حجة.
المطلب الثاني: نقله من غيره , والرد عليهم:
أولاً: يقرر بعض المشككين أو الطاعنين أن القرآن ليس من عند النبي ﷺ ولكنه ليس من عند الله أيضا , بل هو مما نقله من غيره، كما قال ذلك مشركو مكة: إنه تعلمه من غلام نصراني. فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] ﴿ ... وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان:٤] ؛
стр. 266
وهذا الغير قد يكون أهل الكتاب , وقد يكون غيرهم.
وقد أُلَّفَتْ في هذا الطعن مؤلفاتْ استشراقية كثيرة منها (١) :
١-عناصر يهودية في مصطلحات القرآن الدينية، للمستشرق المجري بيرنات هيللر (١٨٥٧-١٩٤٣) ، نشر عام ١٩٢٨.
٢-كتاب (الكلمات الأجنبية في القرآن) رسالة دكتوراة للمستشرق الألماني فرانكيل (١٨٥٥-١٩٠٩) ، ليدن، ١٨٧٨.
٣-مراجع القرآن وعلومه، للمستشرق الألماني بريتزل [١٨٩٣ - ١٩٤١] .
٤-المصادر الأصلية للقرآن، لتاسدول، طبع في لندن ١٩٠٥.
٥-مصادر القصص الإسلامية في القرآن وقصص الأنبياء، سايدر سكاي، طبع في باريس ١٩٣٢.
٦-مصادر القصص الكتابي في القرآن، بقلم سباير، ١٩٣٩.
فهذه الكتب ألفت في هذا الطعن فقط، وهناك كتب أخرى ذكر هذا الطعن في أثنائها منها:
دائرة المعارف الإسلامية , حيث يقولون: (إنه ليس في سورة الفاتحة أي شئ إسلامي خاص بل على العكس فيها ألفاظ يهودية ونصرانية) (٢) ،
وفيها أيضا: (القرآن عبارة عما كان عند الكهان , بدليل وجود
стр. 267
السجع والقسم بالطبيعة) (١) .
ويقول جولدتسيهر (٢) : (إن القرآن ليس إلا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية عرفها, واستقاها محمد بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها , التي تأثر بها تأثرا عميقا والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقة عند بني وطنه، لقد تأثر بهذه الأفكار تأثرا وصل إلى أعماق نفسه , وأدركها بايحاء قوة التأثيرات الخارجية ,فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه , كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيا إلهيا) (٣) .
(ويزعم المبشر نلسن وغيره: أن الإسلام مقلَّد , وأن أحسن ما فيه مأخوذ من النصرانية , وسائر ما فيه مأخوذ من الوثنية.
وحكى الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام سوانح وخواطر" عن أحد المبشرين قوله: إن الرسول ﷺ كان يقرأ ويكتب،
стр. 268
فقرأ التوراة وقرأ الإنجيل, وأخذ تعاليمه منهما) (١) .
وفي كتاب "المنجد" (٢) الذي ألفه النصارى -كمرجع في اللغة العربية والأعلام- قد رسمت صورة للنبي (, وفيها أن الإنجيل أمامه وهو معه الريشة ينقل منه.
ويقول بلاشير (٣) : (كان أسلوب النبي في القرآن أول عهده بالدعوة مفعما بالعواطف، قصير العبارات، فخم الصورة، يقدم أوصاف العقاب والثواب في ألوان صارخة، وكثيراً ما يكرر الآيات تَكراراً مملاً، حتى تنقلب معانيها إلى الضد، فلما تقدم الزمن بالنبي فقد الأسلوب منهجه الأول، وأخذ يَقُصُّ في نغمات هادئة بديعة قصص الأنبياء، مثلما تراه في قصة حب يوسف وزوجته بوتيفار، وكانت هذه الصورة مثيرة لخيال كثير من شعراء الفرس والترك، وفي آخر عهد النبي فقد الأسلوب كل حرارة وكل فن، وأغرم بالجدل الديني مع اليهود والنصارى) (٤) .
ويقول طه حسين (٥) : (يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين , لا تربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة , أو تأثيرات ببيئات متباينة، فمثلا نرى القسم المكي يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة، كما نشاهد أن القسم المدني أو اليثربي تلوح عليه أمارة الثقافة
стр. 269
والاستنارة، فأنتم إذا دققتم النظر وجدتم القسم المكي يتفرد بالعنف والشدة، والقسوة والحدة والغضب والسباب , والوعيد والتهديد, مثل (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( [المسد:١-٤] (وَالْعَصْرِ () إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ( [العصر:١-٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إن ربك لبالمرصاد﴾ [الفجر:١٣] (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( [التكاثر:٥-٦] ، ويمتاز هذا القسم أيضا بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق فيقول: (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( [الكافرون:١-٦] .
ويمتاز كذلك بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات، والخلو التام من التشريع والقوانين، كما يكثر فيه القسَمُ بالشمس والقمر والنجوم والضحى والفجر والعصر والليل والنهار والتين والزيتون ... إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة ,التي تشبه بيئة مكة تأخرا وانحطاطا.
وأما القسم المدني فهو هاديء لين , وديع مسالم، يقابل السوء بالحسن , ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين, فيقول ﴿َوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] .
ويهجر مع أعدائه الترهيب والقسوة, ويسلك سبيل الترغيب والتطميع في المكافأة , فيقول ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ،
стр. 270
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق٢-٣] .
كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية ,كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع وسائر المعاملات، ولا شك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية , التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة، يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن.
أما طول آياته في هذا القسم , فهذا أمر جلي ظاهر؛ لأن إحدى آياته قد تزيد على عدة سور بتمامها من القسم المكي، أما أفكاره فهي منسجمة متسلسلة , ترمي أحيانا إلى غايات اجتماعية وأخلاقية.
وعلى الجملة فإن ما في هذا القسم المدني من هدوء ومنطق وتشريع وقصص وتاريخ , يدل دلالة صريحة على أن الظروف التي أحاطت بهذا الكتاب , أبان نشأته قد تطورت تطورا قويا) (١) .
وقال الخوري الحداد (٢) : (إن الدعوة المحمدية كانت في العهد
стр. 271
المكي كتابية إنجيلية , توراتية مسيحية يهودية، والقرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة , المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله، وكان محمد متأثرا إلى أبعد الحدود باليهود والنصارى، واليهودية والنصرانية والتوراة والإنجيل , حتى كأنه واحد منهم مع غلبة المسحة المسيحية) (١) .
وقال: (والسر الكبير في ثقافة محمد الكتابية والإنجيلية , وجود العالم المسيحي ورقة بن نوفل من بني أسد ابن عم السيدة خديجة في جوار النبي، وهو الذي زوجة ابنة عمه، فقد أجمعت الآثار على أن ورقة تنصر , وكان يترجم التوراة والإنجيل إلى العربية، فهو إذن عالم مسيحي كبير، وقد عاش محمد في جواره خمسة عشر عاما قبل مبعثه، ألا تكفي هذه المدة لنابغة العرب محمد بن عبد الله , لكي يأخذ عنه شيئا من علوم التوراة والإنجيل، وينص صحيح البخاري على أن ورقة هو الذي ثبَّّتَ محمدا في دعوته وبعثته لما عاد خائفا من غار حراء، وعلى أن الوحي فتر لما توفي ورقة، وحاول محمد الانتحار مرارا لفقده وفتوره، ونجد في المدينة في معية النبي حاشية مسيحية ويهودية قد أسلمت أو سايرت الإسلام، نجد بلالا الحبشي مؤذن النبي. وصهيبا الرومي المسيحي الثري، وسلمان الفارسي المسيحي الأصل، وعبد الله بن سلام اليهودي الوحيد الذي أسلم في المدينة مع كعب الأحبار، وهل كان
стр. 272
حديث هذه الحاشية الكريمة سوى التوراة والإنجيل؟ إن ذلك حجة قاطعة على أن بيئة النبي والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها ,وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل) (١) .
وقد ذهب إلى أبعد من ذلك المستشرق كليمان هواز (٢) ,حيث كتب فصلا زعم فيه أنه اكتشف مصدرا جديدا للقرآن، وهو شعر أمية بن أبي الصلت، ومن ذلك قوله:
وَيَوْمَ مَوْعِدِهِمْ أنْ يُحْشَرُوا زُمَراً يَوْمَ الَتَّغَابُنِ إذُ لا يَنفَعُ الحَذَرُ
مُسْتَوسِقِيَنَ مَعَ الدَّاعِي كَأَنَّهُمُ رِجْلُ الجَرادِ زَفَتْهُ الرَّيحُ مُنْتشرُ
بَرَزُوا بصعيد مستوٍ جَزِرٍ وأُنْزِلَ العَرْشُ والميزانُ والزُبُرُ
تَقُولُ خُزَّانُها مَا كَانَ عِنْدُكُمُ أًلُمْ يَكُنْ جَاءَكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ نُذُرُ
قالوا بَلَى فتبَِعْنا فَتْيةً بَطَرُوا وَغَرَّنَا طُولُ هذا العَيْشِ والعُمُرِ (٣)
وأورد توسدال (٤) شبهته السابقة وقال: إن من مصادره- القرآن- شعر امرئ القيس حيث قال: دَنَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرْ عَنْ غَزَالٍ صَادَ قَلْبِي ونَفَرْ
أَحْوَرُ قَدْ حِرْتُ في أَوْصَافِِِهِ نَاعِسُ الطَّرُفِ بعَيْنَيهِ حَوَرْ
بِسهَامٍ مِنْ لحاظٍ فَاتِكٍ تَرَكَتْنِي كَهَشِيِمِ المُحْتِظِر (٥)
стр. 273
ولو أردنا أن نجمع أقول كل من تكلم لطال بنا المقام (١) .
ثانياً الرد على من زعم أنه نقل من غيره:
١-لقد تكفل الله تعالى بالرد على هذه الشبهة:
وبالسبر والتقسيم القول: إن القرآن يمكن أن يأتي إلى النبي ﷺ عن أربع طرق: من عند نفسه، من عند شخص، من كتاب، من الله تعالى ,أما من عند نفسه فقد تقدم معنا الرد على هذه الشبهة بأكثر من عشرة أوجه، (٢)
-أما من عند شخص؛ فمن هو هذا الشخص؟ أكثر الطاعنين على أنهم نصارى أو يهود، فرد الله تعالى عليهم أن لسان أولئك القوم ولغتهم أعجمية، ولكن لغة هذا القرآن عربي مبين، فكيف للأعجمي أن يأتي بأعلى الفصاحة وذروة البلاغة في اللغة العربية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] .
-أما من كتاب، فالنبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ،
стр. 274
- فلم يبق إلا أنه من الله تعالى.
٢-العهد القديم لم يكن مترجما إلى اللغة العربية قبل الإسلام، وقد نص على ذلك المستشرقون أنفسهم، فهذا (جوتين) يقول عن صحائف اليهود: (إن تلك الصحائف مكتوبة بلغة أجنبية) (١) ، وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى عدم وجود ترجمة عربية لأسفار اليهود قبل الإسلام وأن أول ترجمة كانت في أوائل العصر العباسي , وكانت بأحرف عبرية (٢) .
كيف إذن أخذ النبي ﷺ منها، لابد على المستشرقين أن يفتروا كذبة جديدة , وهي أن النبي ﷺ درس لغة التوراة فكان يترجمها للقرآن؟!!.
٣-ومن لطائف الاستدلال على أنه لم ينقل من غيره ما يذكره العلماء في فوائد أسباب النزول؛ إذ يذكرون أن من فوائد أسباب النزول أن دلالته على إعجاز القرآن , وأنه من الله تعالى من ناحية الارتجال، فنزوله بعد الحادثة مباشرة يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين، أو من كتب السابقين (٣) ، فلو كان ينقل كتابه من كتب غيره , لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده , وينظر ماذا تقول في هذه المسألة ثم يجيب، ولكن النبي ﷺ لم يكن يفعل , بل يسأله الرجل فيعطيه الجواب الموافق للصواب، الذي لم يكن قرأه ولا عرفه إلا في هذه اللحظة التي نزل عليه فيها , وقد ذكرت في مبحث أدلة صدق النبي وقائع كثيرة تدل على هذا المعنى.
стр. 275
٤- من أوضح الأدلة على رد دعوى النقل من , غيره التحدي أن يأتي بمثله، كما تقدم تفصيل هذا في الردود العامة.
٥-لو كان القرآن مأخوذا من التوراة والإنجيل والكتب السابقة , لما استطاع محمد ﷺ أن يتحدى الناس ويقدم على هذا الخطأ الفادح؛ لأن هذه الأصول المنقول عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى الناس بشيء موجود، ألا يخشى أن يقوم بعض الناس بالرجوع إلى مراجعه والعمل مثل عمله، فينكشف؟
٦-ثم هذه الأساطير والمراجع ليست خاصة بمحمد ﷺ , بل هي كتب متداولة بيد الجميع, فلماذا لا تحضرون لنا هذه الكتب التي نقل منها؟.
٧- (افتراض تعلم النبي ﷺ من نصارى الشام ويهود المدينة وغيرهم, لا يتفق مع الحقيقة التاريخية التي تحدثنا عن الحيرة والتردد في موقف المشركين من رسول الله في محاولتهم لتفسير ظاهرة الرسالة؛ لأن مثل هذه العلاقة مع النصارى أو اليهود لا يمكن التستر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم، الذين عاصروه وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامة بما فيها من سفرات ورحلات) (١) .
٨-وجود بعض الشرائع في القرآن , التي تتفق مع ما في التوراة والإنجيل , أو حتى ما عند العرب ليس في هذا دليل على أنه مأخوذ منها، فالقرآن لم يأت لهدم كل شيء , بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق، فالصدق والشجاعة والكرم والحلم والرحمة والعزة كل هذه المعاني موجودة عند كفار مكة ومع هذا جاء الإسلام ولم يغير منها شيئا بل
стр. 276
باركها وحث عليها، لذلك قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (١) . ولم يقل: لأنشئها.
إذن ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل، أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله حتى يثبت صحة نفسه، فمن الطبيعي أن يقر القرآن بعض الشرائع، سواء في الكتب السابقة السماوية , أو في عادات الناس وأعرافهم، وأما الخطأ فإنه لا يقره (٢) ، وقد نص القرآن على هذا المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧] .
٩-كيف يمكن اعتبار التوراة والإنجيل من أهم مصادر القرآن مع أن القرآن, خالفها في كثير من الأشياء؛ ففي بعض الأحداث التاريخية نجد القرآن يذكرها بدقة متناهية ,ويتمسك بها بإصرار، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل بعضها، على الأقل تفاديا للاصطدام بالتوراة والإنجيل) (٣) .
(ففي قصة موسى يشير القرآن إلى أن التي كفلت موسى هي امرأة فرعون، مع أن سفر الخروج يؤكد أنها كانت ابنته، كما أن القرآن يذكر غرق فرعون بشكل دقيق , لا يتجاهل حتى مسألة نجاة بدن فرعون من الغرق مع موته وهلاكه، في الوقت الذي نجد التوراة تشير إلى غرق
стр. 277
فرعون بشكل مبهم، ويتكرر نفس الموقف في قضية العجل؛ حيث تذكر التوراة أن الذي صنعه هو هارون، وفي قصة ولادة مريم للمسيح- ﵉ وغيرها من القضايا) (١) .
١٠-من المعلوم أن في القرآن ما لا وجود له في كتب اليهود والنصارى، مثل: قصة هود وصالح وشعيب، فكيف أتى بها النبي ﷺ ؟ (٢) .
стр. 278
١١-وإذا كان النبي ﷺ أخذ من النصارى الذين خالطهم؛ من أمثال سلمان , وصهيب وورقة، فلِمَ لم يفضحوه عندما سب النصارى وكفرهم في كتابه في عدة آيات، حتى إن سورة المائدة، وهي من آخر السور نزولا , كانت من أكثر السور تكفيرا للنصارى (١) ؟ ذكر الآيات التي تكفر النصارى من سورة المائدة.
١٢-من تناقضهم زعمهم أن النبي ﷺ أخذ القرآن من سلمان وصهيب النصرانيين وابن سلام اليهودي وغيرهم ممن أسلم من أهل
стр. 279
الكتاب (١) ، وحقيقة الأمر أن إسلام هؤلاء حجة عليهم، إذ لو كان النبي ﷺ أخذ القرآن والشريعة من أهل الكتاب، فلماذا يتركون الأصل ويذهبون إلى الفرع؟
١٣-إذا كان النبي ﷺ أخذ دينه من اليهود والنصارى (والقرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله) ، كما يقول الخورى الحداد , فلماذا إذن هذه الحرب الشعواء عليه؟ ولماذا هذا الطعن في كتاب مأخوذ من الإنجيل والتوراة؟ أليس حقيقة هذا الأمر أنه طعن في الأصل المأخوذ منه؟،
أم أن هؤلاء الطاعنين علموا في قرارة أنفسهم أنه كتاب عظيم منزل من الله تعالى , وأنه ناسخ للشرائع السابقة؛ فهالهم هذا الأمر وحاولوا تنفير الناس منه بأي طريق ,فأخذوا يتكلمون بأي كلام ,لا لشيء إلا بغضا لهذا الكتاب , فجرفهم الحماس حتى قالوا كلاما طعنوا به في التوراة والإنجيل -التي يدينون بها-وهم لا يشعرون.
١٤-لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد ذلك:
يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر (٢) : (بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباساً , بل قد أوحى إليه ربه, ولا ريب بذلك) (٣) .
ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابا
стр. 280
مقدسا , ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه) (١) .
١٥-وأما قول طه حسين: (وأما القسم المدني فهو هاديء لين وديع مسالم، يقابل السوء بالحسن , ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين: فيقول ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] ، ويهجر مع أعدائه الترهيب , والقسوة ويسلك سبيل الترغيب والتطميع في المكافأة) .
فنقول: إن من غيرك ممن يوافقك أو توافقهم النصارى المبشرين والمستشرقين يخالفونك هنا فهذا الخوري الحداد يقول: (حين استقر محمد في المدينة انقلب انقلابا شاملا كاملا، انقلابا في الدعوة، فقد دخلت السياسة الدين، وانقلابا في الداعية الذي أصبح رجل دولة وحرب، وانقلابا في طريق الدعوة لقتال المشركين إلى أن يؤمنوا , والكتابيين حتى يخضعوا للجزية، انقلابا في الأسلوب حيث كان بالحكمة والموعظة الحسنة ,فصار بالقتال والجهاد) (٢) ، فمن نصدق؟، والحق أن أسلوب القرآن واحد، ولكنه يشتد مع الكافرين , ويتلطف مع المؤمنين (٣) .
١٦-وأما الحداد فقد حشى كتبه بالتناقض المضحك، ونقول له:
стр. 281
(وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (. فإليك هذه الطامة؛ إنه يقرر بكل وضوح وقوة أن القرآن (نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله) ، ويدلل على هذا بأن النبي ﷺ أخذه من ورقة وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي ساقها.
ويقول: إن ذلك حجة قاطعة على بيئة النبي , والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها, وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل) .
ثم يعقد فصلا بعنوان (هل للقرآن من مصدر) فيجيب: (المصدر الأول للقرآن هو الله؛ وهذه قضية إيمانية لا تُمس) (١) ، وإن تعجب فعجب تناقضه واضطرابه وحيرته، وهذه كافية في نسف كل ما قال، ولكن مع هذا سنكمل قراءة نص كلامه، ومع قلته إلا أنه حوى من المغالطات الشيء الكثير، فهو تارة يكذب كذبا صريحا , مثل قوله: وهو-يعني ورقة- الذي زوجه ابنة عمه) ، مع أن كتب السيرة تذكر أن خديجة هي التي كانت راغبة في النبي ﷺ , وأرسلت له تعرض في زواجها، وأن الذي خطبها له هو عمه أبو طالب من عمها عمرو بن أسد (٢) ، وكيف لورقة أن يزوجها-وهو ابن عمها- مع وجود أعمامها الذين هم أقرب منه وأحق في الولاية؟!
стр. 282
- (وقد عاش محمد في جواره خمسة عشر عاما قبل مبعثه) . لم تذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ التقى بورقة إلا تلك المرة، فكيف يزعم أنه لازمه خمس عشرة سنة؟ ثم لو كان النبي ﷺ يعرفه هذه المعرفة لما احتاج إلى خديجة لتوصله إليه، ويكفى في الرد على هذا الكلام أنها دعوى لا دليل عليها.
- (وينص صحيح البخاري على أن ورقة هو الذي ثَََبَّتَ محمدا في دعوته وبعثته ,لما عاد خائفا من غار حراء) . وانظر إلى هذه المكابرة، فقد نص الحديث أن التي ثبتته هي خديجة ﵂ وأما ورقة فقد خوفه فقال: (ليتني فيها، جَذِعاً يا ليتني أكونُ فيها حياً حين يخرج قومك، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ» ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ, لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ. في رواية: عُودِيَ) . وإليك نص الحديث كما في الصحيحين؛
عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ (قَالَتْ: كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ, ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ, وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ , فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ, فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» . قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي» ، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» . «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي» ، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» . «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى
وإذا كان ورقة يعرف حال النبي ﷺ ,وأنه لازمه خمس عشرة سنة , وأخذ منه القرآن، فلماذا يقول: (هذا الناموس -يعني الوحي-الذي أنزل على موسى) ويقول: (وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا) أليس في هذا تصديق له وإثبات صحة نبوته، أم أن الحدادي يأخذ من الحديث ما يوافق هواه ويعرض عن غيره.
-وقوله: (ونجد في المدينة في معية النبي حاشية مسيحية ويهودية قد أسلمت أو سايرت الإسلام، نجد بلالا الحبشي مؤذن النبي وصهيبا الرومي المسيحي الثري، وسلمان الفارسي المسيحي الأصل، وعبد الله بن سلام اليهودي الوحيد الذي أسلم في المدينة مع كعب الأحبار) : فانظر كم حوى هذا النص من المغالطات، فصهيب لم يكن من الأثرياء، بل كان فقيرا معدما مستضعفا (١) ، وسلمان لم يكن مسيحي، الأصل بل كان مجوسيا ثم تنصر ثم أسلم بعد وصية الراهب النصراني له بذلك (٢) ، وعبد الله بن سلام لم يكن الوحيد الذي أسلم من اليهود، فهناك الغلام اليهودي جار النبي ﷺ الذي عاده من مرضه فأسلم،
стр. 285
بن وصفية بنت حيي بن أخطب وغيرهم (١) ، وكعب الأحبار لم يدرك النبي ﷺ ، بل هو من التابعين. (٢)
فيا الله؛ كيف يلقى الهوى صاحبه في مهاوًى ومزالق.
١٧- وأما زعمهم أن من مصادر القرآن شعر أمية بن أبي الصلت؛ (فإن الغريب في الأمر أن المستشرقين يشكون في صحة السيرة النبوية نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرونها مصدرا تاريخيا صحيحا، فهم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف، ولكنهم يقفون من أمية وشعره موقف المتيقن المطمئن، مع أن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من السيرة، فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو هذه الأخبار دون الأخرى) (٣) .
الأمر الآخر كذبهم في هذه الدعوى؛ فشعر أمية بن أبي الصلت، وشعر امرؤ القيس محفوظ معروف فلا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لإثبات بطلان دعواهم؛ يقول العقاد: (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء المخاطبين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام، وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبا واصبا لينكروا