٧-أما كلام جولد تسيهر؛ فإننا نتساءل هل رأى جولد تسيهر كتب الشرائع السابقة في نصوصها الأصلية حتى تصح المقارنة والحكم؟.
وقد قال هو حين عرض للكلام عن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف: (إن التلمود يقول بنزول التوراة بلغات كثيرة في وقت واحد) (١) .
هذا وقال آرثر جفري (٢) في تقديمه لكتاب المصاحف لأبي داود: (إن تاريخ التوراة والإنجيل , وصحة نسبتهما وحرفيتهما , أبعد ما يكون عن الصحة والوثوق) (٣) .
٨- وأما كلام طه حسين (فهي دعوى قد كفانا هو إبطالها لأنه يشك فيها ويردد وبين أمرين متناقضين، ثبوت أحدهما ينفي الآخر؛ فكونها قصد بها التهويل وإظهار القرآن في مظهر عميق مخيف يقتضي أنه نطق بها الرسول وأنها كانت في عهده، وكونها رموزا وضعت لتميز بين المصاحف المختلفة ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن يقتضي أنه لم ينطق بها الرسول ولا كانت في زمنه، ونقض القرآن لا يكون بهذا الشك والاضطراب والترديد بين أمور متناقضة، ولو علم الناقد أن الصحابة والتابعين كانوا يتشددون في تجريد المصحف من كل ما ليس قرآنا حتى أنهم امتنعوا من العجم والشكل وكتابة أسماء السور لاستحيا من أن يقول مثل هذا القول، ولعمري -إذا
стр. 318
كان شاكا أو مضطربا -فلم لا يأتي إلا بما هو طعن في القرآن، ولم لم يذكر ولو على سبيل الشك والترديد ما قاله المفسرون من أنها أسماء للسور أو جئ بها هكذا مسرودة ليعلمهم أن القرآن منظوم من هذه الحروف التي ينظمون من كلامهم فهو إذن من جنس ما ينطقون، فليأتوا بمثله إن كانوا صادقي، ذلك لأن مواده ليست أعجمية بل هي من المواد التي ينظمون منها كلامهم وليست غريبة عنهم، فإذا عجزوا بعد فيعلموا أنه ليس من كلام البشر، بل هو من عند خالق القوى والقدر، وأنى لهذا الناقد أن يقول خيرا في الكتاب الكريم ولو على سبيل الشك وهو يريد نقضه وإبطاله) (١) .
المطلب الثالث: النسخ في القرآن:
موضوع النسخ في القرآن هذا من علوم القرآن الكبيرة التي أفردت بمؤلفات كثيرة، واستيعاب جميع أطراف هذا العلم يأخذ وقتا وجهدا وصفحات كثيرة، ولكني أردت في هذا المبحث أن أتكلم عن جانب واحد فقط من جوانبه وهو الطعن في القرآن من باب النسخ -الذي له اتصال وثيق بموضوع الرسالة-، وذلك أن النسخ في القرآن من الأبواب التي ولج منها الطاعنون للطعن في كتاب الله، ولو عرفوا حقيقته لعلموا أنه من محاسن القرآن لا من المطاعن فيه،
стр. 319
فالنسخ له حِكَم كثيرة منها (١) :
١-التدرج في الأحكام على الأمة حتى لا تنفر ويسهل عليها تقبله، كما حصل في الخمر فقد تدرج القرآن فيه على مراحل؛ أولاها: الإشارة إلى أنه ليس من الرزق الحسن، كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ... ﴾ [النحل:٦٧] ، والواو تقتضي المغايرة، ثم بيان أن فيه ضررا وشرا كبيرا من غير التعرض لمنعه كما في قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس وأثمهما أكبر من نفعهما..﴾ [البقرة:٢١٩] ، ثم تحريمه في أوقات الصلاة كما في قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ..﴾ [النساء:٤٣] .
ثم تحريمه تحريما تاما في كل الأوقات في سورة المائدة -التي هي من أواخر السور نزولا- في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ... ﴾ [المائدة:٩٠] .
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الْآيَةَ) ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنَ
٣- بيان رحمة الله بهذه الأمة؛ فهو سبحانه يراعي أحوال الناس وعاداتهم ويتدرج معهم رحمة بهم حتى لا ينفروا من الإسلام، بل يحببهم به حتى يكونوا من أهله.
٤-فيه دلالة على بعض صفات الله كالعلم فهو سبحانه عالم بأحوال الناس جملة وتفصيلا، وعالم بما يصلحهم وينفعهم والطريقة التي تصلح لهم، وفيه دلالة على صفة الحكمة والرحمة كما تقدم.
٥-من الحكم التذكير بنعمة الله لاسيما في بعض أنواع النسخ الذي يكون فيها النسخ من أثقل إلى أسهل كما هو الحال في عدة المتوفاة عنها زوجها وغير ذلك.
٦-ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
٧-إرادة الخير بهذه الأمة، فإن النسخ إن كان إلى ما هو أخف ففيه سهولة ويسر، وإن كان إلى ما هو أثقل ففيه زيادة الثواب والأجر.
لهذا كان النسخ من محاسن القرآن لا من مطاعنه.
وقبل أن ندخل في الرد على الطعون التفصيلية لابد من ذكر بعض القواعد المهمة في هذا الباب، فمن ذلك:
١-النسخ يكون في الأحكام ولا يكون في الأخبار -كما توهم بعض المستشرقين (١) -، فجميع أخبار القرآن -من قصص السابقين وأمور الغيب وأحوال البرزخ وما يحصل في اليوم الآخر- لا يدخله النسخ
стр. 322
أبدا، لأن نسخ الخبر يلزم تكذيب أحدهما، وهذا لا يكون في كتاب الله (١) .
٢-النسخ إنما كان في زمن النبي ﷺ ، وأما بعد وفاة النبي ﷺ فإن القرآن لا ينسخ ولا يتغير ولا يتبدل، بل هو محفوظ بحفظ الله تعالى له ﴿أنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون﴾ [الحجر:٩] ، فلا يرجع في النسخ إلا لنقل صريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخ كذا، مما له حكم الرفع (٢) .
٣-أقوال الأديان الثلاثة في النسخ:
(١-جائز عقلا وواقع سمعا، وعليه إجماع المسلمين، من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه، وعليه أيضا إجماع النصاري، ولكن من قبل هذا العصر الذي خرقوا فيه إجماعهم، وركبوا رؤوسهم وهو كذلك رأي العيسوية، وهو طائفة من طوائف اليهود الثلاث.
٢-أن النسخ ممتنع عقلا وسمعا، وإليه جنح النصارى جميعا في هذا العصر، وتشيعوا له تشيعا ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام، وفي طعنهم على هذا الدين القويم من هذا الطريق -طريق النسخ-، وبهذه الفرية -أيضا- يقول الشمعونية، وهم الطائفة الثانية من اليهود.
٣-أن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا، وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من اليهود، ويعزى هذا الرأي إلى أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه، وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيها بالخلاف اللفظي إلا يكنه) (٣) .
стр. 323
وأما الطعون في هذا الباب فهي كالتالي:
-ذهب بعض المستشرقين إلى أن النسخ يدل على وجود التحريف والتبديل في القرآن وأنه لم يحفظ (١) ، بل حصل فيه كثير من التغيير، فقد ثبت أن كثير من الآيات المنسوخة كانت تتلى بعد الرسول ﷺ ، مثل حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ) (٢) .
وبعضهم يرى أن النسخ حيلة ابتدعها المسلمون للخروج من مأزق التناقض بين الآيات (٣) مثل آيات عدة المتوفاة وآيات المصابرة وآيات القبلة.
أولا: الردود:
١-النسخ موجود في الشرائع السابقة؛ فمن طعن في القرآن من هذا الباب فهو يطعن في جميع الشرائع المنزلة،
(فقد نسخت التوراة إباحة تزوج الأخوة والأخوات كما كان في عهد آدم ﵇، ونصها في سفر اللاويين الإصحاح الثامن عشر "عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها"، ونسخ إباحة الجمع بين الأختين كما كان ذلك في عهد
стр. 324
يعقوب ﵇ فإنه كان يجمع بين ليا وراحيل ابنتي خاله، وقصته مذكورة في سفر التكوين الإصحاح التاسع والعشرين، ودليل النسخ ما جاء في سفر اللاويين الإصحاح الثامن عشر "ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها في حياتها"، ونسخت إباحة أكل جميع الحيوانات كما كان في عهد نوح ﵇ ففي سفر التكوين الإصحاح التاسع خطابا لنوح ونبيه "كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع "، ودليل النسخ ما جاء في سفر اللاويين، الإصحاح الحادي عشر من تحريم الجمل والأرنب والخنزير وغير ذلك، فهذا قليل من كثير مما نسخته التوراة من أحكام الشرائع السابقة.
وأما الإنجيل فقد نسخ إباحة الطلاق كما كان ذلك في الشريعة الموسوية بأي سبب كان زنا أو غيره، وإباحة تزوج المطلقة، ففي سفر التثنية الإصحاح الرابع والعشرين "إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء كتب لها كتاب الطلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خرجت ذهبت وصارت لرجل آخر"؛فحرم الإنجيل الطلاق إلا بعلة الزنا، وحرم تزوج المطلقة، ونص متى في ذلك الإصحاح الخامس "وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب الطلاق، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني "، ونسخ حرمة أكل الحيوانات التي كانت محرمة في شريعة موسى، وتقدمت الإشارة إلى بعضها ... ) (١) إلى أخر تلك النصوص.
٢-أن النسخ من محاسن القرآن لا من مساوئه كما تقدم
стр. 325
في ذكر طرف من هذه الحكم، وأكثر ما يدندن عليه الطاعنون هو نسخ الحكم وبقاء التلاوة أو العكس وهي قضية نسخ التلاوة وبقاء الحكم، فيقولون: ما فائدة بقاء الآية إذا ذهب حكمها ونسخ، وكيف يقال إن هذه الآية نسخت وحكمها باق، ولم يعلموا أن لهذا حكما كثيرة، فمن حكم نسخ الحكم وبقاء التلاوة:
أ- التذكير بنعمة الله تعالى حيث إن غالب الآيات المنسوخة الحكم لا التلاوة فيها تخفيف على الأمة (١) مثل نسخ عدة المتوفاة من سنة إلى أربعة أشهر وعشرا، وفي الصحيحين قَالَتْ زَيْنَبُ سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ
غَيْرِهِ،
стр. 326
سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا) (١) .
ب- أن نسخ حكم الآية التكليفي لا يبطل كل الأحكام المتعلقة بالآية مثل الأجر لمن قرأها، فقارئها له ثواب التلاوة، وكذلك الاستفادة من الآية في الأحكام البلاغية والنحوية والتجويدية، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية فيها (٢) .
٣-أن العقل لا يمنع أن يقول الملك لرعيته: افعلوا كذا، وهو يقصد أن يهيئهم لأمر آخر، فإذا تهيئوا قال: افعلوا كذا، وكما يقول الطبيب لمدمن التدخين مثلا: قلل من شرب الدخان، فإذا تجاوز هذه المرحلة قال له: اقطع التدخين.
٤-وأما حديث عائشة في مسلم (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ... ) فأجيب بعدة أجوبة:
أ-أن المقصود قارب الوفاة ولم يتوف بعد (٣) .
ب- أن مقصود عائشة هو تأخر النسخ قبيل وفاة النبي ﷺ حتى إن بعض الصحابة لم يعلم بالنسخ فكان يقرأ بها بعد وفاة النبي ﷺ (٤) وهذا هو المتبادر للذهن.
قال النووي ﵀: (وَقَوْلهَا: (فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّه (وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأ)
آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ ... ) (١) .
٢-بيان فضل هذه الأمة؛ إذ بلغ من كمال اتباعها أنها تتبع حتى ما نسخ لفظة ولا تجده في المصحف،
قال السيوطي: (يظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن، من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شئ، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام.) (٢)
٣-لنفرض جدلا أن هذه الأحكام التي نسخ لفظها لا يجوز العمل بها لأن ما نسخ لفظه فقد نسخ حكمه، فإن ثبوتها في السنة يكفي للعمل بها.
- وأما دعوى أن النسخ ابتدعه المسلمون للخروج من مأزق التناقض في الآيات فهذا كلام باطل لوجوه:
١-النسخ كان في زمن النبي ﷺ وليس مبتدعا بعده، وكان الصحابة ﵃ لا يأذنون لأحد بالفتوى حتى يتعلم الناسخ والمنسوخ (٣) .
٢-بل إن النسخ موجود في كل الشرائع كما تقدم.
٣-أن بعض الآيات تدل هي ذاتها على النسخ من غير تدخل من أحد مثل قوله تعالى في آيات المصابرة ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا..﴾ [الأنفال:٦٦] .
стр. 329
٤-أن الآيات المنسوخة قد تم الإجماع على نسخها والأمة لا تجتمع على ضلالة.
٥-أن الحكم على آية أو حديث بالنسخ له شروط شديدة لابد أن تتوفر حتى يحكم على هذا النص بالنسخ، فلا يمكن لأي أحد التلاعب في النصوص بحجة النسخ، فمن هذه الشروط (١) :
١-أن يكون النسخ حكما شرعيا.
٢-أن يكون الناسخ دليلا شرعيا.
٣-أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.
٤-أن يكون بين النصين تعارض حقيقي، فلا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بينهما.
٥-أن النسخ لا يكون في الأخبار كما تقدم.
وبهذا يتضح مدى كون النسخ من محاسن القرآن ومفاخره بل لعلنا لا نبالغ إن قلنا إنه من إعجازه في أحيان كثيرة.
وقد جازف صاحب كتاب الرد الجميل على المشككين في الإسلام بإنكار النسخ في القرآن (٢) محاولا بهذا الرد على من طعن في القرآن بسبب وجود النسخ،
стр. 330
وهذا خطأ بل النسخ موجود والرد على من طعن في القرآن بسبب النسخ واضح وقد تقدم وفيه مقنع لطالب الحق، وأما صاحب الهوى فإنه لا يقتنع ولو جئت له بأوضح الواضحات.
стр. 331
المبحث الثالث: اتهام القرآن بالتناقض
المطلب الأول: هل في القرآن تناقض حقيقي ؟.
- أسباب وقوع التناقض من الشخص الواحد هي:
إما لقلة العلم, أو بسبب النسيان, أو اختلاف النفسية ,والطباع ,أو اختلاف الاجتهاد, أو الابتعاد عن الحق, أو للمصلحة الشخصية (١) ؛ وكل هذه الأسباب منتفية عنه تعالى فهو سبحانه عالم السر والنجوي, ولا يضل ولا ينسى, ولا يبدو له شيء لم يكن يعرفه حتى يغير اجتهاده, وهو الحق ولا يصدر منه إلا الحق, ولا يبلغ أحد من خلقه ضره فيضره ولا نفعه فينفعه.
стр. 332
(وسئل الغزالي عن معنى قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] فأجاب بما صورته: الاختلاف لفظ مشترك بين معان, وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه , بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن؛ يقال هذا كلام مختلف.
أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة إذ هو مختلف؛ أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا, أو هو مختلف النظم؛ فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف (١) ، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة وبعضه على أسلوب يخالفه وكلام الله تعالى منزه عن هذه الاختلافات؛ فإنه على منهاج واحد في النظم, مناسب أوله آخره ,وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة ,فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدنيا إلى الدين، وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات؛ إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجِد فيه اختلاف في منهاج النظم, ثم اختلاف في درجات الفصاحة, بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين, فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان, بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة؛ لأن الشعراء والفصحاء ﴿في كل واد يهيمون﴾ [سورة الشعراء] فتارة يمدحون الدنيا وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا, وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة وتارة يذمونها ويسمونها تهورا, ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات؛ لأن منشأ هذه الاختلافات اختلاف الأغراض واختلاف الأحوال, والإنسان تختلف أحواله ,فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه ويتعذر عليه عند الإنقباض, ولذلك تختلف أغراضه, فيميل إلى الشيء مرة ويميل عنه أخرى, فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه
стр. 333
بالضرورة فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة نزول القرآن ,فيتكلم على غرض واحد, وعلى منهج واحد ولقد كان رسول الله ﷺ بشرا تختلف أحواله ,فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوُجِدَ فيه اختلاف كثير، فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن, وكيف يكون هذا المراد وقد قال تعالى: ﴿يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦] فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه غير مختلف وهو مع هذا سبب لاختلاف الخلق في الضلال والهدى, فلو لم يختلف فيه لكانت أمثال هذه الآيات خلفا, وهي أشد أنواع الاختلاف, والله أعلم) (١) .
وأما ادعاء معارضة القرآن للحقائق سواء كانت, شرعية, أو طبيعية, أو تاريخية، فإن سبب هذا الزعم, وقوع هؤلاء على بعض الإشارات التي فهموا منها أن هناك تعارضا, فتمسكوا بها وبدأوا يجمعون كلام كل متردية ونطيحة ,للنفخ في هذه الشبهة حتى يتم لديهم هذا الاتهام للقرآن بالتعارض مع الحقائق، وما علم هؤلاء أن الذي خلق الطبيعة وأنزل القرآن واحد وهو الله تعالى، وأن منزل القرآن والشريعة واحد وهو الله تعالى، وأن كل الحقائق التاريخية التي حصلت لنا وعرفناها عن طريق الكتب المتوارثة غابرا عن غابر, قد رآها الله تعالى معاينة وشاهدها حقيقة, ولم تنقل له كما هو الحال فينا عن طريق كتب.
إذن فقضية التعارض سواء كانت في الحقائق الشرعية ,أو الكونية, أو التاريخية أمر لا يمكن تصوره عقلا, وغير واقع أصلا، وكل ما ادعوا أنه متعارض قد تم الإجابة عليه.
стр. 334
وقد تقدم معنا في مبحث أسباب وقوع الإشكال كلاما نفيسا للإمام الزركشي والإمام الراغب الأصفهاني, في بيان وجه كل ما قيل أن فيه تناقضا.
المطلب الثاني: زعم تناقض بعض الآيات مع بعض
وهذا الموضوع قد أكثر الطاعنون منه , بناء على القاعدة الجدلية أن التناقض علامة بطلان المذهب (١) ، ولكن كل ما زعموا فيه التناقض, فهو محض افتراء أو جهل، وقد تكلم العلماء قديما على هذا النوع من الطعون, وجمعوا كل ما قيل في ذلك, ورتبوها على حسب ترتيب سور المصحف وأجابوا على كل ما قيل في ذلك بل وعلى مالم يقل مما يُظن أن فيه إشكالا أو تناقضا، ومن هذه الكتب المؤلفة في هذا الفن:
١-"كتاب تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة الدينوري (٢) ، وهو أقدم كتاب وصل إلينا.
٢-"كتاب المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير" له أيضا (٣) .
٣-"أضواء على متشابهات القرآن"، لخليل ياسين (٤) ، في مجلدين.
стр. 335
٤-"باهر القرآن في معاني مشكل القرآن" لبيان الحق النيسابوري (١) ، في أربعة مجلدات.
٥-"وضح البرهان في مشكلات القرآن" له أيضا (٢) ، في مجلدين.
٦-"تفسير آيات أَشِْكَلتْ" لابن تيمية (٣) ، في جزأين.
٨-"دفع إيهام الاضطراب"، لمحمد الأمين الشنقيطي (٤) .
٩-"مشكلات القرآن", لمحمد أنور شاه الكشميري (٥) .
١٠-"الروض الريان في أسئلة القرآن"، لشرف الدين بن ريان (٦) .
وغير ذلك من الكتب الكثيرة، التي لو جُمِعَ كل ما فيها لكان مجلدات كثيرة ,وإنما قَصَدتُ بذكر هذه الكتب بيان أن هذا الطعن قد قًُِتلَ بحثا, وأجيب عن كل ما قد قيل أو يمكن أن يقال فيه, ومع هذا لا زال أعداء الدين ينعقون بهذه الطعون ويرددونها، مما يدلك على عدم حرصهم على اتباع الحق, أو إنما القصد هو إضلال بسطاء المسلمين ممن لم يقرؤوا هذه الكتب، والله المستعان.
يقول جولدتسيهر (٧) : (من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه
стр. 336
مذهبا عقيديا (١) موحدا متجانسا وخاليا من المتناقضات، ولم يصلنا من المعارف الدينية الأكثر أهمية وخطرا، إلا آثار عامة نجد فيها -إذا بحثناها في تفاصيلها-أحيانا تعاليماً متناقضة) (٢) .
وسنذكر إن شاء الله في هذا المبحث بعض ما ذكر من شبهات في هذا العصر (٣) والجواب عليها بإذن الله.
الطائفة الأولي: طعون ذُكرت في كتاب "رد مفتريات على الإسلام"، لعبد الجليل شلبي، ورد فيه على رسالتين تطعنان في القرآن؛ الأولى رسالة في ست ورقات منسوبة إلى المجلس القبطي بالإسكندرية, وموقعة باسم الأسقف العام, ورئيس المجلس, والنائب العام البابوي تيموثاوس (٤) ، والطعون التي ذكروها كالتالي:
١-في سورة يونس: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
стр. 337
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ... ( [يونس:١٥] , وفي سورة النحل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل:١٠١] .
ففي الآية الأولى طُلب منه التبديل فرفض , والآية الثانية تم التبديل (١) .
والجواب (٢) :
أن التبديل في الآية الأولىكان بطلبٍ من الكفار لرسوله (أن يأتي بقرآن جديد أو يبدل هذا القرآن ورسول الله ﷺ يقول لا أستطيع، فذلك كلام الله ينسخ منه سبحانه ما يشاء ويثبت ما يشاء، وأنا أتبع ما يوحى إليَّ نسخا أو إثباتا.
والآية الثانية تذكر أن الله سبحانه إذا نسخ حكما بحكم قال الكفار لمحمد: أنت مفتر في هذا القرآن؛ لأنك غيرت حكماً قررته من قبل، ثم تقرر الآية التالية أن ذلك من الله تعالى، نزله الله بواسطة جبريل روح القدس، ومحمد لا يغير.
فأي تناقض بين الآيتين! كلتاهما تثبت أن القرآن من عند الله, وأن محمداً (لا يستطيع أن يغير منه شيئاً.
٢- الآية ١٠٦من سورة البقرة تُناقِضُ الآية ٢٧ من سورة الكهف، والآية في سورة البقرة هي: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] والآية في سورة الكهف: ﴿واتل ما أُيوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته..﴾ [الكهف:٢٧] .
стр. 338
فالآية الثانية تخبر أن كلمات الله لا تبدل، والأولى تخبر أنها تنسخ وتنسى، والنسخ نوع تبديل (١) .
الجواب (٢) :
الآية الأولى تتحدث عن نسخ الأحكام وتغيير حكم بآخر، وهذا أمر لا بد منه في حال أمة جاهلية نقلها الإسلام تدريجيا إلى حال جديدة متكاملة، والآية الثانية تذكر أنه لا أحد غير الله يستطيع أن يبدل كلماته، أو يرد حكما أنزله سبحانه، والطاعنون لم يفهموا النص فظنوه تناقضا، وكلتا الآيتين توضح أن الله وحده يمحو ما يشاء ويثبت، تماما كالآية السابقة قلتُ: التبديل يطلق على تبديل الأحكام ,وهذا سائغ، ويطلق على تبديل الأخبار, وهذا الذي لا يمكن في القرآن، فكل آية لها مورد (٣) ، فالنسخ والتبديل يكونان في الأحكام لا الأخبار.
стр. 339
٣- الآية ٩ من سورة الحجر تناقض الآية ٣٩ من سورة الرعد:
وآية الحجر هي: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر:٩] ، وآية الرعد هي: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب..﴾ [الرعد:٣٩] ، يعني كيف يجتمع الحفظ مع المحو (١) ؟.
الجواب (٢) :
آية الحجر تصف القرآن أنه تنزيل من الله تعالى, وأن الله حافظه من الزوال والتحريف، وصدق الله وصدق قرآنه، فالمسلمون بعد أربعة عشر قرنا يقرأون القرآن غضا طريا صريحا صحيحا كما أنزله الله تعالى، وكما قرأه محمد ﷺ على أصحابه، فأين كتاب موسى وأين وصاياه، وأين إنجيل عيسى؟ هذه كتب لم يحفظها الله تعالى فذهبت مع الأيام، والقرآن لم يضع منه شيء ولن يضيع.
وأما آية الرعد تذكر أن الله يمحو أحكاما ويثبت أخرى، ويمحو مقادير ويثبت غيرها، أفي هذا تضارب؟
قلتُ: آية الرعد ليست في القرآن, بل المراد منها الصحف التي بيد الملائكة التي فيها مقادير الخلق، فإن الله تعالى يغيرها حسب مشيئته وحكمته، واختلف العلماء في ذلك ولكن كل الخلاف دائر في باب القدر (٣) ، ولو سلمنا أن آية الرعد في القرآن، فإن المقصود بالمحو
стр. 340
والإثبات هو في وقت حياة النبي ﷺ , وأما بعد اكتمال القرآن وموت النبي ﷺ ,فإن الله يحفظ القرآن ويصونه.
٤- السجدة آية ٥ - تناقض المعارج آية (٤) :
وآية السجدة هي: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة:٤] ، وآية المعارج هي: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج:٤] ، يعني أن ألف سنة في الآية تناقض خمسين ألف سنة في الآية الأخرى (١) .
الجواب (٢) :
إن الآية تصف يوم القيامة بالطول، وأنه في طوله يعدل ألف سنة مما يعدل الناس، ولا يراد منها إفادة التكثير، كما تقول لصاحبك كتبت لك خمسين خطابا، وترددت على بيتك عشرين مرة، واللغويون يقولون دائما: العدد لا مفهوم له.
فإذا وَصَفَت الآية الثانية هذا اليوم بأن مقداره خمسين ألف سنة فلا تناقض لأن كلا منهما تصفه بالطول، وقيل: وهذا اليوم يختلف مع الناس باختلاف مواقفهم وما يعانيه كل منهم، فقد يطول اليوم على شخص لشدة مشقته, ويقصر على آخر لعدم المشقة.
قلت: إن الآيتين ليستا على مورد واحد، بل الأولى تتحدث عن أمر لا تتحدث عنه الأخرى،
стр. 341
فالآية الأولى تتحدث عن مدة يوم معراج الأوامر ومدته ألف سنة (١) ، والثانية تتحدث عن يوم القيامة ومدته خمسين ألف سنة، كما هو ظاهر من السياق: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (*) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (*) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (*) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (*) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (*) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (*) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (*) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (*) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (*) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ( [المعارج:١-١٠] ، وهو القول الراجح فقد ذكر ابن كثير أربعة أقوال في المراد من اليوم ومال إلى أن المراد به يوم القيامة (٢) ، وهو الراجح بدليل ما أخرجه مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ, فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ, فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ ,كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ, فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ... » (٣) .
وقد ذكر العلماء أجوبة كثيرة وغالبها وجيه، وقد سُئل ابنُ عباس عن هذه الآية وأجاب عنها (٤) ، ومع هذا لا زال هذا الإشكال يكرر إلى يومنا هذا.
стр. 342
٥- سورة البلد وسورة والتين:
سورة البلد جاء فيها: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد:١-٢] ، وسورة التين فيها: ﴿والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين﴾ [التين:١-٣] ؛فكيف قال: لا أقسم بهذا البلد ثم أقسم به (١) ؟.
الجواب (٢) :
فَهِمَ القومُ -وهم كما يدل أسلوبهم وكتابتهم علماء جدا في اللغة - أن (لا) في (لا أقسم) نافية، وهذا جهل بلغة العرب، وإنما تأتي لا في القسم توكيدا وهذا شائع في اللغة، كما في قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. (أي أقسم بربك أنهم كذلك، وكما قال النابغة:
فَلاَ وَحًقَّ الَّذِي مَسَّحْتً كَعْبَتَهُ وَمَا هُرِيقً عَلَى الأنْصَابِ مِنْ جَسَدِ
وقول الآخر:
فَلاَ وَاللهِ لاَ يُلْقَى لمَاِبى وَلاَ لمِّا ِبهمْ أبَداً دَواءُ
وقول طرفه:
فَلاَ وَأَبِيكَ ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر
وقال علماء اللغة: إن هذا القسم يفيد تعظيم المقسوم به، كما في سورة البلد، وكما في قوله تعالى: ﴿فلا اقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم أنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة:٧٥-٧٧] ، وكقوله:
стр. 343
﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة:١-٢] ، فهذه كلها أقسام وليس هذا من دقائق اللغة وإنما هو من أولياتها ولكن القوم لا يعلمون.
وإذا اعتبرت (لا) نافيه والجملة خبرية فهي مقيدة؛ أي لا أقسم به وأنت حل به، ولكن أقسم به وأنت غير حل به، فلا تناقض أيضاً.
٦-قوله تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون﴾ [الزمر:٤٤] ، مع قوله: ﴿مالكم من دونه من ولي ولا شفيع، أفلا تتذكرون﴾ [السجدة:٤] وقوله: ﴿يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس:٣] .
هذه الآيات متناقضة في رأي تيموثاوس (١) .
الجواب (٢) :
الآيات الثلاث تذكر أن الله وحده هو المتصرف في خلقه، ولا يشفع عنده إلا من أذن له، لله وحده الشفاعة، لا شفيع من دونه ولا بغير إذنه.. فأي تناقض بين هذه الآيات؟ أليست الشفاعة في هذا كله لله وحده؟ أفلا تذكرون؟.
قلت: نفى الله تعالى الشفاعة الشركية التي يعتقدها المشركون في معبوداتهم، وأثبتها له وحد، ولمن يأذن له فيها، فهو سبحانه ينفيها في حال ويثبتها في حال آخر.
٧-في سورة الواقعة جاء مرة: ﴿ثلثة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة:١٣-١٤] ،
стр. 344
ثم جاء مرة أخرى ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة:٣٩-٤٠] .
فهذا تناقض عند تيموثاوس ومجلسه (١) .
الجواب (٢) :
والآية الأولى تتحدث عن السابقين المقربين، والثانية تتحدث عن أصحاب اليمين ... استفيقوا أيها الناقدون.
٨- الحجر: آية ٨٥: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ... (، تناقض بالتوبة:٧٣ (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ... (.
ووجه التناقض فيما يرى القوم أن الآية الأولى أمرت بالصفح ,والثانية أمرت بالغلظة (٣) .
الجواب (٤) :
سورة الحجر مكية، وفي مكة لم يكن أذن بالقتال، والله تعالى يقول في آية الحجر أنه لم يخلق هذا الكون عبثا يفسد فيه من يفسد ويصلح من يصلح، بل الله جامع الناس بعد ذلك وجاز كلا بما فعل، فلا تحزن يا محمد لمخالفة القوم إياك ومعارضتهم دعوتك، وغدا تقوم الساعة فيجزون بسوئهم وتجزى بإحسانك، فأعرض عنهم حتى يأتي أمر الله.
стр. 345
وسورة التوبة مدنية ,وتسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، قد نزلت في حج أبي بكر بالناس، وكان الجهاد قد شرع قبل ذلك، ويسمى هذا العام عام الوفود؛ إذ أخذت قبائل العرب تتوافد على المدينة يدخلون في دين الله أفواجا، ولم يبق بعدُ مسوغ لبقاء الكفار الذين يعبدون من دون الله أوثانا، ولا لبقاء المنافقين الذين يفشون أسرار المسلمين ويخدعونهم, ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فيجب جهادهم لقطع قوم عن الكفر وآخرين عن النفاق ,كي يعيش الناس في جو نظيف ,خال من فساد العقيدة وفساد الأخلاق!
فأين التناقض؟
الناس جميعاً يفعلون هذا، يقول قائد الفرقة لجيشه: لا تضربوا. وبعد مدة يقول: اضربوا. ويقول المهندس الزراعي لفلاحيه: لا تزرعوا الآن. بعد شهر يقول: ازرعوا، وكُلَّ حِكْمَةْ.
قلتُ: ومن الأجوبة أن الآية الأولى المقصود بها حال الدعوة، والثانية حال الجهاد، فاختلف مورد كل آية، كما أن الوالد في حال نجاح ابنه يفرح ويحسن إليه بهدية، وفي حال رسوبه يغضب ويعاقبه، ولا يقال: إن هذا الوالد متناقض؛ لأنه مرة يفرح ومرة يغضب، ففرحه في مجال وغضبه في مجال آخر.
٩- الأعراف أية ٣٧: (حتى إذا أدركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا (، وفي الأعراف آية ١٧ يقول الشيطان لله تعالى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (؛ هذا تناقض عظيم جدا عندهم، كبراء القوم أضلوهم، والشيطان قال إنه يضلهم. فمن
стр. 346
الذي يضل هل هو الشيطان أم الكبراء (١) ؟.
الجواب (٢) :
وهل من التناقض أن يُضَلَّلَ الشخص من كثيرين؟ وأنتم أعضاء المجلس الملي، وجماعة المدعين أضلكم الشيطان, وأضلكم رؤساؤكم وأضللتم أنفسكم ,وأضلكم جهلكم، وأضلكم كتابكم، ولا تناقض في شيء من هذا.
١٠-الآية ٢٧٥من البقرة وهي: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل البيع وحرم الربا (. والآية ٢٩ من التوبة وهي: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (، هاتان الآيتان متناقضتان فيما يرى تيموثاوس ومجلسه، يقصدون أن الجزية مثل الربا (٣) .
الجواب (٤) :
ويبدوا أنهم أرادوا تكثير عدد الآيات؛ لأنهم ذكروا سورة والتين وسورة والبلد مرتين تكثير للعدد! وهل الجزية رِباً؟ هذا فهمهم ولا يفهمه سواهم.
قلت: شتان بينهما؛ فالربا لا يجوز أبدا سواء مع المسلم أو الكافر، وأما الجزية فهي ضريبة تجعل على الكفار مقابل حمايتهم
стр. 347
في ديار المسلمين، أو إبقائهم في الأرض التي يفتحها المسلمون مقابل هذا المال، ويراعى فيها سعة القوم وفقرهم ,ولا يجوز فيها التضييق عليهم.
١١-الآية ٦٥ من سورة الأنفال , وهي , (ياأيها النبيُّ حرض المؤمنين علي القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وأن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (تناقص الآية ٤٨ من سورة الأحزاب , وهي (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل علي الله وكفي بالله وكيلاً (فزعموا أن هناك تضارباً بين الآيتين؛ إذ الآية الأولي تطلب من النبي ﷺ تحريض المؤمنين وحثهم علي القتال , بل والتجلد لقتالهم فإن العشرين الصابرين منهم يقتلون مائتين , والمائة الصابرة يقتلون ألفاً من الذين كفروا , بينما الآية الثانية تطلب من النبي ﷺ ألا يطيع الكافرين والمنافقين , وأن يدع أذاهم لا يقابلهم مثله ويكفيه التوكل على الله , فهو حسبه وكفى بالله وكيلاً ,فكيف يأمره في الأولى لتحريض على قتالهم بهذا الجَلَد ,ويأمره في الثانية بترك آذاهم , فظنوا هذا تناقضاً , فطاروا به فرحاً , واتخذوه حجراً يقذفون به كتاب الله (١) .
والجواب (٢) :
ليس هناك أي تضارب , فالكافرون والمنافقون كانوا يؤذون رسول الله ﷺ بألسنتهم وباختلاق أقوال عليه , فأمره الله بأن يدع أذاهم له , فهو يتولى رد كيدهم في نحرهم , ودحض افتراءاتهم على رسوله , فكفي بالله وكيلاً , فأمره في آية الأحزاب أن لا يقابل اللسان بالسنان ,
стр. 348
بينما أَمَرَه في شأن الكفار المحاربين أن يحرض المؤمنين على قتالهم , والتجلد لهم , فأمره الله سبحانه في آية الأنفال بمقابلة الَسَّنان بالسَّنان, فالحكمة تقتضي وضع السيف في موضعه واللين في موضعه , فلا تعارض إذن بين الآيتين.
وحتى مع التسليم بأن الأمر في سورة الأنفال يقابل الأمر في سورة الأحزاب , فإن هذا يناسب التدرج في تشريع القتال , علي حسب ما تقتضيه كل مرحلة من مراحل الدعوة من قوة وضعف, فلا تناقض.
١٢- الآية ٢٠ من سورة آل عمران وهي: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (، تناقض الآية ٨٩ من سورة النساء وهي: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (.
ووجه التناقض - فيما يرون -أن الآية الأولى ذكرت أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، والآية الثانية أمرته بقتال المنافقين وجهادهم، وبهذا نجد هؤلاء المساكين يدورون في حلقة مفرغة، يعيدون ما قالوا ثم يكررونه (١) .
الجواب (٢) :
الآية الأولى -ومثلها كثير جدا -تقول لرسول الله ﷺ : إنك
стр. 349
لست مطالب بخلق الهداية في نفوسهم، ولكن الله يهدي من يشاء، وإنما عليك أن تبلغ رسالة الله، فمن آمن بها وأسلم فقد اهتدى، ومن تولى فحسابه على الله، وحسبك أنك بلغت الرسالة، ولست مكلفا بخلق الهداية.
والآية الثانية تتحدث عن المنافقين وموقفهم يشبه موقف (المدعين) والمجلس المِلَّيء المزعوم يتمنون أن يكفر المسلمين ككفرهم، وقد نهى المسلمون أن يتخذوا منهم أصدقاء حتى يهاجروا في سبيل الله، ولا تعني الهجرة في هذا المقام الانتقال من مكة إلى المدينة؛ إذ السورة مدنية والمنافقين كانوا بالمدينة، ولكن المراد بالهجرة طاعة الله تعالى وترك المحرمات، وهذا من معاني الهجرة, ومن معانيها أيضا الجهاد، وكان جماعة من المنافقين بقيادة عبد الله بن أُبي رجعوا قبل المعركة يوم أحد.
والقرآن ينهى المسلمين عن اتخاذهم أصدقاء؛ لأن ذلك تكريم لهم وإطلاع لهم على أسرار المسلمين، ادّعوا الإسلام وأعرضوا عن الدفاع عنه، وعاونوا أعداءه.
وليس في هذا خَلْقُ هداية في أنفسهم، وإنما التخلص منهم ومن شرورهم، والناس في كل أمة وفي كل عصر يقتلون الخونة.
فهل هذا تناقض؟ .
قلتُ: إن البلاغ أنواع، فبلاغ الكلمة وبلاغ المال وبلاغ الجهاد، فالجهاد إنما شرع لتبليغ دعوة الله إلى مشارق الأرض ومغاربها، حتى يصل الإسلام إلى جميع نواح المعمورة.
١٣- الآية ١٠٨ من سورة الأنعام تناقض الآية ٤ من سورة محمد: وآية الأنعام هي (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا
стр. 350
الله عدوا بغير علم.. (وآية سورة محمد هي: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم (.
ولعل وجه التناقض فيما يرون أن الآية الأولى نهت المسلمين عن سب الأصنام التي يعبدها المشركين، والآية الثانية حثتهم على الجهاد (١) ! .
الجواب (٢) :
القوم واهمون ومتحاملون؛ فالآية الأولى مكية سَنَّتْ للمسلمين أدبا خُلقيا، فنهتهم عن شتم الأصنام وهم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، ولكن لو سبوها لسب الكفار الإله الخالق سبحانه عدوانا وجهلا؛ لأنهم لم يعرفوه ولم يعرفوا صفاته، هذا أدب أخلاقي رفيع، وها نحن نجري عليه، فالجماعة (المدعون) والمجلس الملي يسبون ويشتمون ويقذفون النبي الكريم بأشنع الألفاظ، ونحن نلتزم المنطق ونغضي عن شتائمهم، هذا لعلمنا أن الشتائم لا جدوى من ورائها، وأن الشَّتَّام يحط دائما من قدر نفسه، ولا ينال من قدر من شتمه شيئا.
والآية الرابعة من سورة محمد تبين جانبا من تعاليم الحرب، فتعلم المسلمين أنهم إذا قابلوا الكفار في المعركة فعليهم أن يوقعوا بهم الضرب، فإذا أثخنوهم قتالاً وهزموهم كان لهم بعد ذلك أن يمنوا على من يستحق المن, وأن يأخذوا الفدية ممن يستحق أن يفدى.
стр. 351
فليس في الآية إباحة لسب الأصنام، والآيتان قي وقتين مختلفين لكُلُّّ حُكْمُها على ما قدمنا.
قلت: ظَنَّ هؤلاء الجهالِ أنه طالما جاء النهيُ في سورة الأنعام عن سَبَّ أصنام الكفار, فمن باب أولى يجب الكفُّ عن قتالهم؛ إذ القتال وضرب الرقاب أعظم من السَّبَّ ,ولو كانت لهم عقول لأدركوا علة النهي عن سبَّ أصنام الكفار في نفس الآية , وهي أن سبَّ آلهتهم يُفضى إلي حَمْلِ المشركين علي سبَّ الله تعالى , وهم أجهلُ الناسِ بقدر الله , وليس للنهي في الآية أي علاقة بمرعاة مشاعر المشركين , ولكَنْ لضآلة عقولهم وسوء طَوَّيتيهم نظروا إلي صَدْرِ الآية فقط وتركوا باقيها , فزعموا أن في القرآن آية تنهي عن سبَّ أصنام المشركين لحفظ مشاعرهم , وآية أخرى تأمر بضرب رقابهم , ومن خلال هذا الزعم رموا القرآن بالتناقض , فسبحان الله أين عقول القوم؟ !
١٤- الآية ١٢٧ من سورة النحل، وهي: (وأصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون.. (تناقض الآية: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى:٣٩ -٤٠] .
يعني أن الآية الأولى تأمر بالصبر على الذي يصيبه من الناس، والآية الثانية تأمر بالانتصار من الذي يصبيه (١) .
والجواب (٢) :
الآية الأولى مسبوقة بقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما
стр. 352
عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر.. (.
وكان رسول الله ﷺ أراد أن يُمَثَّلَ بعدد من المشركين, جزاء ما مَثَّلُوا بعمه حمزة في يوم أحد، فنهته الآية أن يزيد عما فعل بعمه، وبينت أن العفو أفضل.
وآيات الشورى تصف المؤمنين بأنهم إذا بغى عليهم أحد انتصروا لأنفسهم، وبينت كما بينت الآية الأولى أن جزاء السيئة يكون بقصاص مماثل، وأن من عفا وأصلح فإن الله تعالى يثيبه.
فالآيتان في مجرى واحد، كلتاهما تفضل العفو وتقيد العقوبة بالمماثلة!
ولا يتأتى للمسلمين أن ويُبغى عليهم ويقفوا مكتوفي الأيدي، بل عليهم أن ينتصروا لأنفسهم ممن بغى عليهم، ولكنهم مع هذا الانتصار لا يظلمون ,فما أروعه أدباً وأسماه سلوكاً.
وأنت تجد في الأناجيل أن المسيح يقول لتلاميذه: أحسنوا إلى أعدائكم وباركوا لاعنيكم. ومع هذا تجده يقول لليهود: يا أولاد الأفاعي، ترون القذاة (١) في أعين الناس ولا ترون الخشبة في أعينكم!
وليس في هذا الكلام بركة ولا إحسان، وإنما هو توبيخ وزجر، فلم لم يباركهم ويحسن إليهم؟. ثم نجد الذي يقول: أحسنوا إلى أعدائكم. والذي يقول: ما جئت لأنقض الناموس. يقول أيضاً: لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لأُلقي سلاماً بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها والكنة (٢) ضد حماتها.
стр. 353
والعهد القديم والعهد الجديد كلاهما مليء بالمناقضات والخرافات، وهي رسائل وكتب من صناعة قوم انتحلوا صفة القداسة، ومثل هذا لا يوازن به كلام القرآن المحكم؛ لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصدق الله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء:٨٢] ولكن يتدبره من يفهمه، (إنما يذكر أولو الألباب) (١) .
الطائفة الثانية:
-وهذه رسالة أخرى وزعت على المراكز الإسلامية في أمريكا، موقعة باسم (توني بولدروجوفاك) ، وأجاب عنها الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق (٢) ؛كما يلي:
١٥-السؤال أو الاعتراض الأول:
يقول السائل: كيف يمكن اعتبار القرآن قد أوحي إلى محمد، وفي نفس الوقت نجد أن محمدا (هو المتكلم في آيات عديدة كما في
стр. 354
سورة الفاتحة الآيات من ٥، ٧ -وهي: (إياك نعبد وإياك نستعين أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) ، وفي سورة البقرة الآيات ٢ الآيات ١٠٥، ١١٧، ١٦٣، وهي: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِن خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥] ، ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] ، (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) ( [البقرة:١٦٣] . وكما في سورة ٣ الآية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢، وفي سورة رقم ٤٠ الآية ٦٥ (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه (، والسورة رقم ٤٣ الآيتان ٨٨، ٨٩؟.
والجواب (١) :
إن السائل لا يعرف أساليب اللغة العربية، ولا طرائق البلغاء في الكلام، ولا منهجهم في البيان، ومعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد تحدى الله الأولين والآخرين أن يأتوا بسورة من مثله؛ بلاغة وفصاحة، وبيانا وحلاوة ,وبناء معجزا يستحيل الإتيان بكلام مثله في الحلاوة والبيان.
стр. 355
ومن أساليب العرب في البيان أن يتحدث المتكلم عن نفسه تارة بضمير المتكلم، وتارة بضمير الغائب، كأن يقول المتكلم: فعلت كذا وكذا، وذهبت، وآمرك يا فلان أن تفعل كذا، وتارة يقول عن نفسه أيضا: إن فلانا -يعني نفسه- يأمركم بكذا وكذا. وينهاكم عن كذا، ويحب منكم أن تفعلوا كذا. كأن يقول أمير أو ملك لشعبه وقومه وهو المتكلم: إن الأمير يطلب منكم كذا وكذا. وهو يشير بذلك أن أمره لهم من واقع أنه أمير أو ملك، وهذا أبلغ وأكمل من أن يقول لهم: إنني الملك وآمركم بكذا وكذا. فقوله: إن الملك يأمركم. أكثر بلاغة من قوله: إنني الملك وآمركم. وقد جاء القرآن بهذا النوع من البيان , كما في الآيات التي اعترض بها السائل فظن أن هذا لا يمكن أن يكون من كلام الله ، نحو قوله تعالى في سورة البقرة: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (، وقوله في سورة آل عمران: (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق (فظن هذا الذي لا يعرف العربية أن الله لا يمكن أن يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب, وأنه كان لا بد وأن يقول: (نزلت عليك يا محمد الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه..) ونحو ذلك وهذا جهل بأساليب اللغة العربية، وموقعها في البيان والبلاغة، ولا شك أن خطاب الله هنا وكلامه عن نفسه بصيغة الغائب، أبلغ من لو قال سبحانه: ألم، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم نزلت عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الآيات.