فليس في الآية إباحة لسب الأصنام، والآيتان قي وقتين مختلفين لكُلُّّ حُكْمُها على ما قدمنا.
قلت: ظَنَّ هؤلاء الجهالِ أنه طالما جاء النهيُ في سورة الأنعام عن سَبَّ أصنام الكفار, فمن باب أولى يجب الكفُّ عن قتالهم؛ إذ القتال وضرب الرقاب أعظم من السَّبَّ ,ولو كانت لهم عقول لأدركوا علة النهي عن سبَّ أصنام الكفار في نفس الآية , وهي أن سبَّ آلهتهم يُفضى إلي حَمْلِ المشركين علي سبَّ الله تعالى , وهم أجهلُ الناسِ بقدر الله , وليس للنهي في الآية أي علاقة بمرعاة مشاعر المشركين , ولكَنْ لضآلة عقولهم وسوء طَوَّيتيهم نظروا إلي صَدْرِ الآية فقط وتركوا باقيها , فزعموا أن في القرآن آية تنهي عن سبَّ أصنام المشركين لحفظ مشاعرهم , وآية أخرى تأمر بضرب رقابهم , ومن خلال هذا الزعم رموا القرآن بالتناقض , فسبحان الله أين عقول القوم؟ !
١٤- الآية ١٢٧ من سورة النحل، وهي: (وأصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون.. (تناقض الآية: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى:٣٩ -٤٠] .
يعني أن الآية الأولى تأمر بالصبر على الذي يصيبه من الناس، والآية الثانية تأمر بالانتصار من الذي يصبيه (١) .
والجواب (٢) :
الآية الأولى مسبوقة بقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما
стр. 352
عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر.. (.
وكان رسول الله ﷺ أراد أن يُمَثَّلَ بعدد من المشركين, جزاء ما مَثَّلُوا بعمه حمزة في يوم أحد، فنهته الآية أن يزيد عما فعل بعمه، وبينت أن العفو أفضل.
وآيات الشورى تصف المؤمنين بأنهم إذا بغى عليهم أحد انتصروا لأنفسهم، وبينت كما بينت الآية الأولى أن جزاء السيئة يكون بقصاص مماثل، وأن من عفا وأصلح فإن الله تعالى يثيبه.
فالآيتان في مجرى واحد، كلتاهما تفضل العفو وتقيد العقوبة بالمماثلة!
ولا يتأتى للمسلمين أن ويُبغى عليهم ويقفوا مكتوفي الأيدي، بل عليهم أن ينتصروا لأنفسهم ممن بغى عليهم، ولكنهم مع هذا الانتصار لا يظلمون ,فما أروعه أدباً وأسماه سلوكاً.
وأنت تجد في الأناجيل أن المسيح يقول لتلاميذه: أحسنوا إلى أعدائكم وباركوا لاعنيكم. ومع هذا تجده يقول لليهود: يا أولاد الأفاعي، ترون القذاة (١) في أعين الناس ولا ترون الخشبة في أعينكم!
وليس في هذا الكلام بركة ولا إحسان، وإنما هو توبيخ وزجر، فلم لم يباركهم ويحسن إليهم؟. ثم نجد الذي يقول: أحسنوا إلى أعدائكم. والذي يقول: ما جئت لأنقض الناموس. يقول أيضاً: لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لأُلقي سلاماً بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها والكنة (٢) ضد حماتها.
стр. 353
والعهد القديم والعهد الجديد كلاهما مليء بالمناقضات والخرافات، وهي رسائل وكتب من صناعة قوم انتحلوا صفة القداسة، ومثل هذا لا يوازن به كلام القرآن المحكم؛ لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصدق الله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء:٨٢] ولكن يتدبره من يفهمه، (إنما يذكر أولو الألباب) (١) .
الطائفة الثانية:
-وهذه رسالة أخرى وزعت على المراكز الإسلامية في أمريكا، موقعة باسم (توني بولدروجوفاك) ، وأجاب عنها الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق (٢) ؛كما يلي:
١٥-السؤال أو الاعتراض الأول:
يقول السائل: كيف يمكن اعتبار القرآن قد أوحي إلى محمد، وفي نفس الوقت نجد أن محمدا (هو المتكلم في آيات عديدة كما في
стр. 354
سورة الفاتحة الآيات من ٥، ٧ -وهي: (إياك نعبد وإياك نستعين أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) ، وفي سورة البقرة الآيات ٢ الآيات ١٠٥، ١١٧، ١٦٣، وهي: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِن خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥] ، ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] ، (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) ( [البقرة:١٦٣] . وكما في سورة ٣ الآية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢، وفي سورة رقم ٤٠ الآية ٦٥ (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه (، والسورة رقم ٤٣ الآيتان ٨٨، ٨٩؟.
والجواب (١) :
إن السائل لا يعرف أساليب اللغة العربية، ولا طرائق البلغاء في الكلام، ولا منهجهم في البيان، ومعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد تحدى الله الأولين والآخرين أن يأتوا بسورة من مثله؛ بلاغة وفصاحة، وبيانا وحلاوة ,وبناء معجزا يستحيل الإتيان بكلام مثله في الحلاوة والبيان.
стр. 355
ومن أساليب العرب في البيان أن يتحدث المتكلم عن نفسه تارة بضمير المتكلم، وتارة بضمير الغائب، كأن يقول المتكلم: فعلت كذا وكذا، وذهبت، وآمرك يا فلان أن تفعل كذا، وتارة يقول عن نفسه أيضا: إن فلانا -يعني نفسه- يأمركم بكذا وكذا. وينهاكم عن كذا، ويحب منكم أن تفعلوا كذا. كأن يقول أمير أو ملك لشعبه وقومه وهو المتكلم: إن الأمير يطلب منكم كذا وكذا. وهو يشير بذلك أن أمره لهم من واقع أنه أمير أو ملك، وهذا أبلغ وأكمل من أن يقول لهم: إنني الملك وآمركم بكذا وكذا. فقوله: إن الملك يأمركم. أكثر بلاغة من قوله: إنني الملك وآمركم. وقد جاء القرآن بهذا النوع من البيان , كما في الآيات التي اعترض بها السائل فظن أن هذا لا يمكن أن يكون من كلام الله ، نحو قوله تعالى في سورة البقرة: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (، وقوله في سورة آل عمران: (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق (فظن هذا الذي لا يعرف العربية أن الله لا يمكن أن يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب, وأنه كان لا بد وأن يقول: (نزلت عليك يا محمد الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه..) ونحو ذلك وهذا جهل بأساليب اللغة العربية، وموقعها في البيان والبلاغة، ولا شك أن خطاب الله هنا وكلامه عن نفسه بصيغة الغائب، أبلغ من لو قال سبحانه: ألم، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم نزلت عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الآيات.
стр. 356
وعلى كل حال فهذا أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة، والظن أن هذا يطعن في القرآن، وأنه ليس من عند الله, وإنما من عند الرسول ظن تافه ساذج في منتهى الركاكة والجهل.
وأما الالتفات (١) في الخطاب من الحضور إلى الغيبة والعكس، كأن يخاطب المخاطب بضميره فيقول: إنك فعلتَ كذا وكذا، ثم تخاطبه تارة أخرى بضمير الغائب, فتقول له: فعل فلان كذا وكذا وأنت تعنيه. فهذا كذلك أسلوب من أساليب البلاغة: كقوله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى (ولا شك أن النبي هو المقصود، ثم حول الله الخطاب إليه قائلا: (وما يدريك لعله يتزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ... (الآيات [عبس:١-٤] .
وأما أن القرآن كتاب تعليم وتوجيه, فقد جاء ليعلم المسلمين ماذا يقولون في صلاتهم، وبماذا يدعون ربهم، فقد أنزل الله سورة (الفاتحة) لتكون دعاءً وصلاة للمسلمين يتلونها في كل ركعة, وفيها: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين (وهذا كلام الله عن نفسه سبحانه, يصف نفسه بهذه الصفات الجليلة العظيمة, ثم يعلم المسلمين أن يقولوا في صلاتهم ودعائهم هذا (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (. فهذه السورة تعليم وتوجيه من الرب لعباده المؤمنين؛ ليصلوا ويدعوا بها في كل ركعة من ركعات صلاتهم، وفي هذه السورة من
стр. 357
البلاغة والإعجاز والمعاني ما لا تسعه هذه الرسالة الموجزة، ولو أن عالما بالعربية تدبرها كفته إعجازا وشهادة أن هذا القرآن منزل من الله وليس من كلام بشر. والخلاصة من هذا السؤال أن صاحبه إنما أتى به من كونه لا يعلم العربية ولا أساليب البيان والفصاحة, وما أظن إلا أن معظم اللغات تعرف هذا اللون من التعبير, والذي يسمى بـ (الالتفات) أي التحول من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، لمقاصد كثيرة؛ كتخفيف العتاب، أو توجيه النظر إلى البعيد ,أو استحضار المشهد، أو التعظيم، أو التحقير, ونحو ذلك من مقاصد البلغاء.
وكذلك قوله في سورة (غافر:٦٥) : (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (فهو خطاب لله عن نفسه بصيغة الغائب, وهو تعريف للعباد بذاته العلية جل وعلا، وقد قدمنا أن هذا أسلوب من أساليب العربية في الخطاب.
ومثل هذا أيضا ما اعترض به هذا الجاهل باللغة ,وهو قوله تعالى في (سورة الزخرف:٨٧، ٨٨، ٨٩) : </span> (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (. فإن هذا جميعه من حديث الرب جل وعلا عن نفسه، وعن رسوله، وأن محمدا (كان إذا سأل المشركين عن خالق السماوات والأرض ,يعترفون أنه الله , فعَجَّبَ الله نبيه (من حال هؤلاء المشركين, الذين يعتقدون بأن الله خالق السماوات والأرض ثم لا يفردونه وحده بالعبادة، ولا يؤمنون بقدرته على إحيائهم بعد موتهم، ثم ذكر الله توجع رسوله محمد ﷺ وشكاته من قومه , (وقيله (أي وهذا قول الرسول لربه (يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (وعندئذ يأتيه الجواب وهو بمكة (فاصفح عنهم وقل
стр. 358
سلام (أي لا تعلن حربا عليهم الآن (فسوف يعلمون (ما يكون مآلهم في الدنيا من القتل بأيدي المؤمنين، ومآلهم في الآخرة من الخلود في النار أبد الآبدين.
وهذا الجاهل باللغة يظن أن قوله تعالى: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (الآية، أن هذا من كلام محمد ﷺ ، وإذن فالقرآن لا يمكن أن يكون من كلام الله، ومثل هذا السخف لا يحتاج إلى رد, ولكن ماذا نفعل إذا كان هذا هو مستوى هؤلاء من العلم؟ ومع ذلك يعارضون القرآن، ويشككون في رسالة الإسلام.
السؤال الثاني ونصه كما يلي:
السورة ١٠ (الآية ٣) ذكر بها أن خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام , وفي السورة ٤١ (الآيات من ٩ إلي ١٢) ذكر بها أن خلق الأرض تم في يومين, وخلق الله الأنهار والغابات ... إلخ في الأرض (بعد خلقها) في أربعة أيام، وأنه قد خلق السماوات في يومين، فالسورة ١٠ - فيما زعموا- تتناقض مع السورة ٤١ حيث إن ناتج جمع (٢+٤+٢=٨أيام) .
الجواب (١) :
هذا السؤال يتعلق بقوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق
стр. 359
الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فسواهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها.. ( [فصلت٩-١٢] .
نعم بجمع هذه الأيام دون فهم وعلم يكون المجموع ثمانية, وقد ذكر الله في مواضع كثيرة من القرآن أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام وما ظنه السائل تناقضا فليس بتناقض؛ فإن الأربعة أيام الأولى هي حصيلة جمع اثنين واثنين؛ فقد خلق الله الأرض خلقا أوَّليَّا في يومين, ثم جعل فيها الرواسي وهي الجبال ووضع فيها بركتها من الماء، والزرع، وما ذخره فيها من الأرزاق في يومين آخرين, فكانت أربعة أيام، فقول الله : (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (، هذه الأيام الأربعة هي حصيلة اليومين الأولين ويومين آخرين, فيكون المجموع أربعة, وليست هذه الأربعة هي أربعة أيام مستقلة أخرى زيادة على اليومين الأولين.. ومن هنا جاء الخطأ عند السائل, ثم إن الله خلق السماوات في يومين, فيكون المجموع ستة أيام بجمع أربعة واثنين ولا تناقض في القرآن بأي وجه من الوجوه ثم إن القرآن لو كان مفتريَّا كما يدعي السائل- فإن محمدا (لم يكن ليجهل مثلا أن اثنين وأربعة واثنين تساوي ثمانية, وأنه قال في مكان آخر من القرآن إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام فهل يتصور عاقل أن من يقدم على تزييف رسالة بهذا الحجم، وكتاب بهذه الصورة يمكن أن يخطئ مثل هذا الخطأ, الذي لا يخطئه طفل في السنة الأولى الابتدائية؟! ل
стр. 360
اشك أن من ظن أن الرسول ﷺ افترى هذا القرآن العظيم ,ثم وقع في مثل هذا الخطأ المزعوم, فهو من أحط الناس عقلا وفهما. والحال أن السائل لا يفهم لغة العرب, وأن عربيا فصيحا يمكن أن يقول: زرت أمريكا فتجولت في ولاية جورجيا في يومين، وأنهيت جولتي في ولاية فلوريدا في أربعة أيام ثم عدت إلى لندن لا شك أن هذا لم يمكث في أمريكا إلا أربعة أيام فقط وليس ستة أيام؛ لأنه قوله: في يومين في أربعة أيام. يعني يومين في جورجيا ويومين في فلوريدا. فقوله تعالى: (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام (. أي بزيادة يومين عن اليومين الأولين.
قلتُ: وقد ذكر هذا الطعن ابن النغريلة اليهودي ورد عليه ابن حزم بنحوه (١) .
١٨١٨١٨-١٨ ١
٤١٨-السؤال الرابع هو السورة ٢١:الآية ٧٦ ذكر بها أن نوحاً وأهل بيته قد نجوا من الفيضان يعني قوله تعالى:
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦] ، ولكن السورة ١١:الآيتان ٤٢-٤٣ ذكر بهما أن أحد أولاد نوح قد غرق؟ يعني قوله سبحانه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢-٤٣]-
стр. 361
الجواب (١) : إن الاستثناء أسلوب معروف في لغة العرب, فيذكر المتكلم المستثنى منه على وجه العموم, ثم يخرج منهم من أراد إخراجه. ويمكن أن يأتي الاستثناء منفصلا، ويمكن أن يأتي متصلا، وفي سورة الأنبياء قال الله تعالى عن نوح: (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (وقد بين المراد بأهله في آيات أخرى, وهو من آمن منهم فقط، حيث أخبر في سورة هود أنه قال لنوح: (احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (. فقد أمره الله أن يحمل أهله معه إلا من سبق القول من الله بهلاكهم، وقد كان قد سبق في علم الله أن يهلك ابنه مع الهالكين؛ لأنه لم يكن مؤمنا، ولم يكتب الله لأحد النجاة مع نوح إلا أهل الإيمان فقط، وابنه لم يكن مؤمنا، وبالتالي فلا تناقض بين قوله تعالى في سورة الأنبياء أنه نجى نوحا وأهله، وبين ما جاء في سورة هود أنه أغرق ابن نوح؛ لأن ابن نوح لم يكن من أهله، كما قال تعالى لنوح لما سأله عن ابنه: (يا نوح إنه ليس من أهلك (. وبالتالي فلا تناقض بحمد الله في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
السؤال الخامس هو: هناك أخطاء نحوية في القرآن، فيوجد به جمل غير متكاملة، ولا تفهم تماما بدون إدخال بعض الكلمات الأخرى عليها (٥:٢) ،
стр. 362
(٧:١٦٠-١٦١.. إلخ) ، -يعني قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] ، (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) ( [الأعراف:١٦٠-١٦١] ، إن ترتيب السور بالقرآن غير متصل تاريخيا أو منطقيا، فلا تشعر بوقت أو مكان. هناك شك في موضوعية تكامل القرآن؛ لأننا نجد أن أناثاً وأماكن غير محددة وأحداثاً وضعت معا في رؤية واحدة, وكأنهم جميعا كانوا يعيشون معا في نفس الزمان. وهذا يسبب مشاكل عديدة, واختلاط الأمر لكل من يحاول فهم القرآن كقطعة أدبية، لإعادة بناء حياة وتعاليم محمد بوسيلة مرتبة, فلا بد للفرد أن يقفز من سورة إلى أخرى في القرآن كله, ويترك الفرد بإحساس عدم التكامل وعدم الرضا؛ لأنه لم يحصل على القصة الكاملة, وهذا مضاد تماما للإنجيل الذي كتب فيما يزيد عن عدة آلاف السنين بما يزيد عن ٤٠ مؤلفاً مختلفاً.
-الجواب (١) : إن صياغة هذا السؤال على هذا النحو يدل على أن كاتبه إما أنه لا يدرك شيئا من اللغات، عربية كانت أم غير عربية، أو أنه يعترض لمجرد الاعتراض, وتفصيل ذلك على هذا النحو:
стр. 363
(أ) الآية الخامسة من سورة البقرة وهي قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (يشير الله بقوله: (أولئك (على المذكورين قبل ذلك وهم المتقون الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بالقرآن، والكتب التي نزلت على الرسل قبل القرآن, ويؤمنون بالآخرة، وهؤلاء المذكورون قد عبر الله عنهم
بـ (أولئك (وهي اسم إشارة للبعيد تعظيما لشأنهم ورفعا لمنزلتهم (على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (ويبدو أن السائل ظن أن إشارة الله لهؤلاء المذكورين (بأولئك (- وهي صيغة إشارة للبعيد- أن هذا خطأ نحوي؛ إذ يعبر عن القريب بالبعيد، ولم يفهم أن هذا أسلوب بلاغي من أساليب العرب، وهي تعبيرهم بالإشارة بالبعيد للتعظيم والتهويل أحيانا، وللتقليل والتحقير أحيانا حسب السياق، ومرامي الكلام، وهنا عبر الله عن هؤلاء المتقين، الذين يتصفون بهذه الصفات بصيغة البعيد , وهي (أولئك (رفعا لشأنهم وإعلاء لمنزلتهم, ولا شك أن هذا أمر عظيم؛ لأن فيه إشارة ورفعة لهؤلاء المذكورين. ب) وأما قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما، وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشر عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ [الأعراف: ١٦] واعتراض السائل هو كيف يقول تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم (، ويتكلم بصيغة الخطاب وهو قبل ذلك قد تكلم عن بني
стр. 364
إسرائيل بصيغة الغائب، وأنه سبحانه قطعهم اثنتي عشرة أسباطا, وأنه قال لموسى كذا وكذا ومرة أخرى لا يفهم السائل أسلوب العربية، ولا بلاغة الخطاب، ويظن أن الانتقال من الغيبة إلى الخطاب خلل في الأسلوب، وخطأ نحوي!! وهذا يدل على أنه لا يعرف نحوا، ولا بلاغة، ولا يدرك معنى للفصاحة ولا البيان. فهذه الآية في منتهى الإعجاز والبلاغة؛ فإن الله تحدث فيها عن بني إسرائيل وما صنع لهم من الخير والإحسان، وأنه ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وبدلا من أن يقول: وقلت لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم.
أو وقال لهم موسى: إن الله يقول لكم: (كلوا من طيبات ما رزقناكم (فإن الله حذف هذا وانتقل رأسا إلى القول دون ذكر القائل؛ لأن القائل معروف من السياق, وهو الرب ﵎, ولا يمكن أن يفُهم أن القائل هو غير الرب جل وعلا, لأن القول هو (كلوا من طيبات ما رزقناكم (فمن سيقول هذا القول إلا الله؟ ومعلوم أن حذف ما يعلم جائز، بل ذكر المعلوم ضرورة حشو وزيادة لا داعي لها، والقرآن ينزه عن الحشو والزيادة. ويفهم كل من يعلم العربية أن قوله تعالى: (وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم (أن معنى ذلك وأنزلنا عليهم المن والسلوى وقلنا لهم: (كلوا من طيبات ما رزقناكم (فحذف (وقلنا لهم) ، أو (أمرنا موسى أن يقول لهم) لأن هذه زيادة لا داعي لها في السياق لأنها معلومة!! (ج) وأما قول السائل: إن ترتيب السور غير متصل تاريخيا أو منطقيا؛ حيث لا يفهم القارئ الوقت ولا المكان. فهذا كذلك من قصور علمه وفهمه، وبعده عن إدراك الإعجاز القرآني في ترتيب
стр. 365
المصحف، والوحدة الموضوعية في السورة، وهذا باب عظيم لا تسعه العجالةُ للرد على هذه الشبهات السخيفة. وقد كتب في هذا مجلدات ومجلدات قديما وحديثا، وأُحيل السائلَ على كتابٍ مختصرٍ حديثٍ, وهو كتاب "النبأ العظيم" للشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀, وأظنه مترجما إلى الإنجليزية. وهنا في هذه الآية من سورة الأعراف لا يسجل الله الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل من حيث كونها تاريخا وإنما يذكر إنعامه عليهم، ويسجل مخازيهم، ونكثهم لعهودهم وكفرانهم لنعمة الله . فهذه الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل وإن كانت متباعدة في الزمان, ولكنها ذُكِرتْ مجتمعة في الآية لتذكرهم بنعم الله على آبائهم, ثم جحودهم ونكرانهم.
(د) وأما قول السائل (توني بولدروجوفاك) : إن الإنجيل أفضل من القرآن من حيث الوحدة الموضوعية, والترتيب الزمني، وتسلسل الأحداث, فإن هذا مما يدل حقيقة وللأسف على تدني عقل السائل, وعدم تمييزه بين الكتاب المعجز المتناهي في البلاغة والعصمة والإحكام، وبين كتاب لم يسلم من التحريف والتبديل والتناقض، وهو أشبه بمذكرات يوميها كتبها تلاميذ أو تلاميذ تلاميذ المسيح ﵇ من الذاكرة, معبرين فيها عن تصور شخصي لهم، وتفسير شخصي للأحداث التي نقلت أو رآها بعضهم، وقد اختلفوا في هذا النقل اختلافا كبيرا، وجاءت عباراتهم في كثير من الأحيان ركيكة متهالكة. ولا شك الإنجيل الحقيقي لم يكن كذلك, وإنما أتكلم عن الأناجيل الموجودة الآن بين أيدي النصارى, وهي مختلفة فيما بينها. ولا شك أن القرآن الكريم لم ينزل قط على طريقة الأناجيل المحرفة ,التي لا تعدو أن تكون- كما ذكرنا- مذكرات ويوميات لحياة
стр. 366
السيد المسيح ﵇، فيها كثير من الاختلاف والتناقض والتضاد, ومن ذلك ما ذكرناه آنفا، ومنها كذلك نسبة المسيح إلى عنصرية بغيضة تارة ,كالزعم أنه قال: إن خبز البنين لا يجوز أن يعطى للكلاب. وذلك عندما استغاثت به امرأة كنعانية أن يشفي ابنتها.
وقوله في مقام آخر: لا كرامة لنبي في بلده وتفضيله الأجناس الأخرى على لبني إسرائيل, وكذلك قوله: (لم أبعث إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة وقوله في مقام آخر: اذهبوا واكرزوا بالإنجيل في العالم أجمع!! فتارة يدعي أنه مبعوث لنبي إسرائيل وتارة للعالم أجمع،
وكذلك قوله بوجوب التزام الشريعة كلها، ثم الادعاء أنه نسخ الشريعة كلها, وأباح للحواريين أن يأكلوا كل النجاسات والخبائث, وأن كل ما يدب على الأرض حلال لهم.. وهذا التناقض كثير في الإنجيل. وليس في الإنجيل قط ما يدل على أن الله تعالى أوحى شيئا, أو شرع شيئا, أو تكلم بنفسه كلاما مباشرا, بل هو رواية عن أعمال المسيح، أو خبر عن المسيح أنه يقول: قال: أبي كذا أو كذا. وليس في الإنجيل ما يدل على أن الله هو الذي يتكلم أو يخاطب عباده.
ومعلوم أن القرآن غير هذا تماما, فليس القرآن مذكرات ويوميات كتبها النبي ﷺ ,أو كتبها الصحابة عن حياة النبي ﷺ ، وإنما القرآن هو كلام الله المعجز الذي ليس للنبي فيه إلا التبليغ فقط (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي (. [ولا مجال بتاتا للمقارنة بين القرآن الكريم الكتاب العظيم الذي نزل تبيانا لكل شيء, فجمع الدين كله أصولا وفروعا, عقيدة وشريعة ,وأخلاقا وأمثالا ووعظا، وبين الأناجيل المحرفة المتناقضة التي لم تزد على كونها يوميات للسيد المسيح ﵇, يظهر فيها لكل ذي بصيرة التناقض والتزيد والتقول على الله بغير علم. -
стр. 367
السؤال السادس هو: هناك وجهات نظر متضاربة في ادعاء محمد النبوة؛ فالسورة (٥٣: الآية١٠) يعني قوله: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) ( [النجم:١٠] ,ذكر بها أن الله نفسه أوحى إلى محمد. والسورة (١٦: ١٠٢، والسورة (٢٦: الآيات من ١٩٢: ١٩٤) ، يعني قوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) ( [النحل:١٠٢] ونحوها من الآيات-ذكر بها أن "روح القدس" نزلت إلى محمد, والسورة (١٥: الآية٨) وهي قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنظَرِين﴾ [الحجر:٨] ذكر بها أن الملائكة, وهم أكثر من واحد نزلوا إلى محمد والسورة (٢: ٩٧) يعني قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (
[البقرة:٩٧] ؛ ذكر بها أن الملاك جبريل واحد فقط، لم يذكر في القرآن ولا في الأناجيل ما يقول أن "روح القدس" هي جبريل. -الجواب: قوله في سورة النجم (٥٣:٣-١٢) عن رسوله محمد ﷺ : (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى (الآيات. فهذا وصف لجبريل الروح القدس الأمين, الذي نزل على محمد ﷺ بحراء، وجاءه بالوحي من ربه، ولقد رآه رسول الله ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح مرتين: واحدة في مكة في بدء الوحي، وثانية عندما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء, كما جاء ذلك في حديث السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ في الصحيحين، وجبريل المذكور
стр. 368
في سورة النجم (٥٣) ، هو نفسه الذي ذكره الله في سورة النحل (١٤) ، حيث يقول : (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ((١٦: ١٠٢) ، فقد سماه الله روحا؛ لأنه ينزل بما يحيي موات القلوب، وهو وحي الله إلى رسله، ووصفه بروح (القدس) أي المقدس المنزه عن الكذب أو الغش، فهو الذي قدسه الله ورفعه، وأعلى من شأنه ﵇. وأما ما ذكره الله في سورة الحجر الآية رقم ١٥,فإن الله لم يذكر فيها أن الملائكة نزلوا على النبي ﷺ بالوحي ,كما فهم هذا الجاهل حيث يقول: (والسورة رقم (١٥: ٨) ذكر فيها أن الملائكة ,وهم أكثر من واحد نزلوا على محمد. وإنما الآيات هكذا (وقالوا (أي الكفار
(يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (فرد الله مقالة هؤلاء الكفار, الذين استعجلوا نزول الملائكة بالعذاب عليهم, وهو ما هددهم الله به إن أصروا على التكذيب, فقال تعالى: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (أي إن الله لا ينزل الملائكة إلا بالحق، وإنهم إذا نزلوا نزلوا بالعذاب عليهم, فمعنى ذلك أنهم غير ممهلين، والحال أن الله أمهلهم ليقيم الحجة عليهم، ولم يشأ أن يعجل العقوبة الماحية المستأصلة, لهم كما حدث للأمم السابقة، بل شاء الله أن يعاقبهم بالعقوبات التي لا تستأصلهم، فقد أنزل الملائكة في بدر وغيرها من معارك الرسول خزيا للكفار, ونصرا للرسول والمؤمنين.
وأما الآية ٩٧من سورة البقرة فهي نص صريح في أن جبريل ﵇ هو الذي أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، قال تعالى: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى
стр. 369
وبشرى للمؤمنين (وهذا رد على اليهود الذين كرهوا جبريل، وأنه ينزل بحربهم وهلاكهم , فأخبرهم الله أن هذا الملاك هو ملاك الرب، وأنه هو الذي أنزل القرآن على قلب محمد ﷺ ، وقد وصف الله جبريل في القرآن بأنه روح القدس؛ أي الروح المقدسة, كما قال : (قل نزله روح القدس من ربك بالحق (. وقد قدمنا معنى روح القدس. <o:p></o:p></span> ٢٢
٢٢-السؤال السابع هو: هناك آراء متضاربة في كيفية خلق الإنسان؛ فالسورة (٢٥: ٥٤) -وهي: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤]- يذكر بها أن الإنسان خلق من ماء، والسورة (٣٦: ٧٧,٧٨) -وهي قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ؛ ذكر بها أنه خلق من نطفة, والسورة (٣٧: ٧١,٧٢) -يعني قوله: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (سورة ص الآية:٧١؛ذكر بها أنه خلق من طين، على الرغم من أن سجلات الحفريات لا تساند نظرية التطور. -والجواب (١) : أن الله ذكر في كتابه الكريم- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- أنه بدأ خلق الإنسان بخلق أبي البشر آدم الذي خلقه من التراب، الذي أصبح طينا يعجنه بالماء، ثم حمأ مسنونا، أي طينا مخمرا، ثم سواه الله بأن خلقه بيديه سبحانه, ثم أصبح آدم وهو في صورته الطينية صلصالا كالفخار، وهو الطين إذا يبس وجف، ثم
стр. 370
نفخ الله فيه الروح فأصبح بشرا حياَّ، ثم أمر الملائكة بالسجود له بعد أن أصبح كذلك , ثم خلق الله من أحد أضلاعه زوجته حواء- كما جاء ذلك في الحديث النبوي - فهي أنثى مخلوقة من عظام زوجها. والله يخلق ما يشاء مما يشاء كيف يشاء، ثم لما عصى آدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله أن يأكل منها، أهبطه الله إلى الأرض , ثم جعل الله تناسل آدم من اجتماع ماء الرجل وماء المرأة، والعرب تسمي المني الذي يقذفه الرجل في رحم الأنثى ماء، وسماه الله في القرآن (ماء مهينا (. وكل ذلك موجود في القرآن الكريم. وهذا المسكين ظن أن هذه آراء متعارضة، وظن أن كل ذلك آراء متعارضة ,ولم يفهم أن خلق آدم لم يكن كخلق حواء فآدم خلق من الطين، وحواء خلقت من ضلع آدم، وأن كل إنسان خلق من أنثى وذكر من ماء مهين، وأن عيسى ﵇ خلق من أنثى بلا ذكر، كما قال عن عيسى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران:] .
وكان تنوع خلق البشر على هذه الصور؛ ليبين الله لعباده قدرته الكاملة، فهو يخلق ما يشاء مما يشاء كيف يشاء، وقد خلق الإنسان الأول آدم من طين من غير أنثى أو ذكر، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من اجتماع الذكر والأنثى، فسبحان من له القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة, وهذا كله يدل على الخلق المستقل للإنسان, وأنه لا ينتمي إلى حيوانات هذه الأرض، فالتطور- إن كان حقا- فهو إنما يكون في حيوانات وأحياء هذه الأرض فقط, وأما الإنسان فإنه خلق خلقا مستقلا في السماء، وإن كان الله قد خلقه من طين هذه الأرض, وهذا هو
стр. 371
الذي يؤيده العلم والنظر في الكون (١) .
الطائفة الثالثة: محاضرة عن تناقض القرآن ألقاها نصراني , ولم يذكر اسمه ولا مكان إلقائها وسجلت على شريط صوتي وكتب عليه: (تهادوا تحابوا) (الدال على الخير كفاعله) (الكلمة الطيبة صدقة) تلبيسا على عوام المسلمين حتى يروج بينهم، ولم يذكر فيه اسمه ولا مكان إلقائها،
وذكر فيه سبعة عشر شبهة، ومعظمها ذكرت سابقا، وابتعادا عن التكرار فسأذكر ما لم يقله أصحاب الرسالات السابقة:
٢٣-الشبهة الأولى: قال: (مرة يقول محمد إن الجنة لليهود والنصارى والصابئين والمسلمين، ومرة يقول للمسلمين فقط: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ (٢) مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( [البقرة:٦٢] ، ويقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .
-الجواب (٣) :
إن آية البقرة تتكلم عن اليهود والنصارى والصابئين قبل بعثة النبي ﷺ ، فكل من آمن بنبيه وأطاعه فله الجنة، وأما بعد بعثة النبي ﷺ
стр. 372
فقد نسخت شريعته الشرائع ونسخ دينه الأديان، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فهذا معنى الآية الأخرى، ويؤيد ذلك ما أخرجه (ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت, معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر (الآية وقال السدي إن (الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا (الآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي, بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم , فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك, ويشهدون أنك ستبعث نبيا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله (: «يا سلمان من أهل النار» فاشتد ذلك على سلمان , فأنزل الله هذه الآية ,فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة, وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى, كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ,ولم يتبع عيسى كان هالكا, وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم, وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدا (منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل, كان هالكا. قلت (١) : هذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر (- قال: فأنزل الله بعد ذلك:
(ومن يبتغ غير الإسلام دين فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين
стр. 373
(فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا, إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه ,فهو على هدى وسبيل ونجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلما بعث عيسى (وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له ,فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمدا (خاتما للنبيين, ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ,وجب عليهم تصديقه فيما أخبر ,وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا) (١) ،
ومن النصوص الصريحة في هذا الباب حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ, يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (٢) .
٢٤-قال: (مرة نهى عن الفحشاء ومرة أمر بها، تناقض فظيع جدا، قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] ، وقال في الإسراء: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ... ﴾ [الإسراء:١٦] .
الجواب:
من عدة أوجه:
١-الأمر يطلق في الشرع ويراد به الأمر الشرعي، والأمر
стр. 374
الكوني، والفرق بينهما، أن الأمر الشرعي لا يكون إلا فيما يحب سبحانه لكنه لا يلزم أن يتحقق، فالله تعالى يأمر بتطبيق شرعه, وهو يحب ذلك ,لكن الكثير من الدول لم تفعل، والأمر الكوني يكون فيما يحب وما لا يحب، ولكنه لازم الوقوع؛ فالشيطان مخلوق بأمر الله ,لكن الله تعالى لا يحبه، فالله لا يأمر بالفحشاء شرعا، لكنها تقع كونا، فإنه لا يقع شيء في هذا الكون إلا بأمر الله ومشيئته، ومن هذا الباب معنى آية الإسراء، فإذا قضى الله على قرية بالهلاك , فإنما كان هذا لانتشار الفسق والفحشاء والفجور فيها.
٢- ولو سلمنا أن المراد هو الأمر الشرعي، فيكون هناك محذوف، والتقدير، أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها، يعنى فخرجوا عن طاعة الله.
٣-القراءة الأخرى تبين معنى آخر وهي (أمَّرنا) أي جعلناهم أمراء، فأضلوا قومهم.
٤-أَمَرَ في اللغة تأتي بمعنى كَثُرَ وظهر، أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ) (١) ، ومنه حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل وفيه قال أبو سفيان: (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ؛ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ) (٢) .
إذن معنى الآية أن كثرة المترفين الفاسقين في بلد وظهورهم نذير عذاب.
قال ابن كثير: (اختلف القراء في قراءة قوله (أمرنا
стр. 375
(فالمشهور قراءة التخفيف واختلف المفسرون في معناها؛ فقيل: معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا, كقوله تعالى: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا (لأن الله لا يأمر بالفحشاء , وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضا،
وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت: إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ (أمِّرْنا مترفيها) قال علي بن طلحة: عن ابن عباس قوله: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها ,فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب, وهو قوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها (الآية. وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والربيع بن أنس.
وقال العوفي عن ابن عباس: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (يقول: أكثرنا عددهم. وكذا قال عكرمة, والحسن ,والضحاك, وقتادة وعن مالك عن الزهري (أمرنا مترفيها (أكثرنا) (١) .
٢٥- قال النصراني في الشريط المسجل:
(مرة ينهى عن النفاق ومرات أخرى يقر النفاق) ، فنهى عن النفاق في سورة النساء يقول: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) ( [النساء:١٣٨-١٣٩] ، وأقر النفاق في النحل بقوله: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] ،
стр. 376
يعني في تصريح لكل إنسان أن يكذب إذا وقع في الأسر أو في أي مأزق، هذه نزلت في عمار بن ياسر الذي اعترف بالأصنام وكفر بالله وبمحمد, وقال: إن الذي ينكر الله وينافق الكافرين, وهو تحت الإكراه محلل له وليس عليه أي ذنب أو عقوبة, حاشا لله أن ينكر الإنسان إيمانه تحت الضغظ والإكراه) أهـ.
-الجواب:
الذي يظهر أن هذا النصراني يريد الاعتراض لمجرد الاعتراض والطعن، وإلا فالآيتان مختلفتان تماما كل واحدة منهما تتكلم عن أمر مستقل؛ فالآية الأولى تتكلم عن النفاق, وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، والآية الثانية تتكلم عن المكره على الكفر، أي إبطان الإسلام وإظهار الكفر، وشتان بين المعنيين، فإبطان الكفر وإظهار الإيمان لا يجوز في ملة من الملل؛ لأنه كذب وتزوير وغش وهذا كله محرم عقلا، وأما إبطان الإيمان وإظهار الكفر في حال الإكراه الملجئ، من باب الحفظ على نفس المسلم، فهذا من محاسن شريعة الإسلام، ولا أدري هل يزعم هو أن دين النصارى لا يجوز فيه إظهار الكفر للضرورة؟ قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣] . والذي نراه الآن هو أن النصارى تؤيد اليهود تأييدا كاملا وتبرئهم من دم المسيح، بل وغيروا اسم كتابهم ليوافق اسم كتاب اليهود فسموا الإنجيل العهد الجديد، والتوراة العهد القديم، فهم - بالجملة- يظهرون لهم التأييد، ويبطنون لهم البغض ,ويرون أنهم ليسوا على شيء.
стр. 377
٢٦-وقال:
(مرة حرم الخمر في الدنيا ومرة حلل الخمر في الآخرة، قال في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] ، وقال في المطففين: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٥,٢٦] .
-الجواب:
١-أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، فقد يجوز هناك ما يحرم هنا، ثم إن في الآخرة لا يوجد تكاليف, بل تسقط كل التكاليف ,بل هي نعيم أبدي.
٢-خمر الآخرة تختلف عن خمر الدنيا، فهي خالية من المنغصات والآفات التي في خمر الدنيا، فقال تعالى: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) [الواقعة:١٨، ١٩] ، وقال: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ( [الطور:٢٢، ٢٣] وقال: ( ... وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ... (.
فخمر الدنيا؛١- طعمه غير لذيذ ٢-وتحدث لمن شربها الصداع ٣-وتذهب بعقله ٤-ويكثر عندها اللغو واللغط، بل لا تحلو إلا بكثرة اللغو ٥-وتوقع الإنسان في الآثام العظام من دخول تحت اللعنة وارتكاب للمحظورات, فلا يمتنع عن شيء منها, وكيف يمتنع وهو لا عقل له، فهذه خمسة منغصات لخمر الدنيا نفاها الله عن خمر الآخرة، فالطعم لذة للشاربين، وهم لا يصدعون عنها ولاينزفون؛ أي لا تذهب
стр. 378
عقولهم ولا لغو عندها ولا أثم فيها. وقال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ( [الصافات: ٤٥-٤٧] ، وهذا الكأس من خمر الجنة، والمعين: الجاري الكثير، ولون هذه الخمر بيضاء أي حسنة المنظر، وهي ذات (لذة) ، والغول صداع في الرأس وقيل وجع في البطن وهي ليس فيها هذا ولا هذا، (ينزفون) أي لا يسكرون منها (١) ,فلا تذهب عقولهم, وتبقى لذتها.
لذلك من آثر خمر الدنيا على خمر الآخرة, فحري أن يحرمه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ,لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» (٢) .
٢٧-وقال:
مرة يقول فرعون نجا، ومرة يقول فرعون غرق:
قال في يونس: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢] ، وقال في الإسراء: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَعَهُ جَمِيعًا () [الإسراء:١٠٣] .
-الجواب:
وهذا ليس تناقضا كما هو واضح، بل فرعون مات غرقا، لكن الله تعالى أخرج جثته للناس لتكون لهم آية، وهذا مما لا يتوقع المرء أن يقع فيه أي لبس، ولكن هو الهوى الذي يلقي صاحبه في المهاوي،
стр. 379
ولا بأس أن ننقل بعض النقول عن السلف حتى يطمأن القلب:
(قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح, وعليه درعه المعروفة على نجوة من الأرض - وهو المكان المرتفع- ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى (فاليوم ننجيك (أي نرفعك على نشز من الأرض (ببدنك (قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه. وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا؛ أي لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه. وقال أبو صخر: بدرعك. وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها كما تقدم والله أعلم، وقوله: (لتكون لمن خلفك آية (أي لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده, وأنه لا يقوم لغضبه شيء) (١) .
٢٨-وقال:
مرة يقول: إن الأرض خلقت قبل السماء. ومرات يقول: إن السماء خلقت قبل الأرض؛ قال في البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ، وقال في النازعات: (أأنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (*) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (*) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (*) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (*) أخرج منها ماءها مرعها ( [النازعات:٢٧-٣٠] .
الجواب:
هناك فرق بين الخلق والدحي، فخلق الأرض كان قبل السماء ,ث
стр. 380
م خلقت السماء ,ثم دحيت الأرض، والدحي - على رأي ابن عباس وجماعة من السلف - هو إخراج الماء والمرعى، يعني أن الله تعالى خلق الأرض ككوكب، ثم خلق السماء وبقيتِ الأجرام، فلما انتهى من ذلك، بدأ يهيئ الأرض لأن تكون دار حياة للناس، فجعل فيها الماء والطعام (المرعى) (١) ، ومثل هذا كمثل رجل بنى بيتا من دورين , فبنى الدور الأول ثم بنى الثاني، ثم رجع إلى الأول ليكمل مرافقه ويمدد أسلاك الكهرباء فيه ,وغير ذلك من مستلزمات العيش، فهو بنى الدور الأول، ثم الدور الثاني , ثم رجع للأول ليهيئه للسكنى.
وقد سئل الأمام السيوطي عن هذه المسالة شعراً فقال السائل:
يا عالم العصر لا زالت أناملكم ... تهمي وجودكم نام مدى الزمن
لقد سمعت خصاما بين طائفة ... من الأفاضل أهل العلم واللسن
في الأرض هل خلقت قبل السماء وهل ... بالعكس جا أثر يا نزهة الزمن
فمنهم قال إن الأرض منشأة ... بالخلق قبل السما قد جاء في السنن
ومنهم من أتى بالعكس مستندا ... إلى كلام إمام ماهر فطن
أوضح لنا ما خفى من مشكل وأبن ... نجاك ربك من وزر ومن محن
ثم الصلاة على المختار من مضر ... ماحي الضلالة هادي الخلق للسنن
فأجاب:
الحمد لله ذي الأفضال والمنن ... ثم الصلاة على المبعوث بالسنن
الأرض قد خلقت قبل السماء كما ... قد نصه الله في (حم) فاستبن
ولا ينافيه ما في النازعات أتى ... فدحوها غير ذاك الخلق للفطن
стр. 381
فالحبر أعني ابن عباس أجاب بذا ... لما أتاه به قوم ذوو لسن
وابن السيوطي قد قال الجواب لكي ... ينجو من النار والآثام والفتن (١)
وهذا الاعتراض عرض على بعض الصحابة ,كابن عباس وغيره ,وأجاب عنه (٢) ، وذكره ابن
النغريلة اليهودي , ورد عليه ابن حزم في القرن الرابع (٣) ، ومع هذا لا زال يردد
إلى الآن.
٢٩-وقال:
قال في سورة يونس: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَ كَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس:٩٤] .
إذن محمد كان شاكا في الوحي الذي كان يأتيه وكان مرتابا، وهذه دعوة له أن يرجع إلى الكتاب المقدس.
الجواب:
ولا زالت سلسلة الجهل باللغة مستمرة، ويوضح ذلك ما يلي:
١-أسلوب الشرط من أساليب اللغة العربية، وله أدوات كثيرة منها (إن) (٤) وهي حرف وجود لوجود، فمثلا لو قلت لك: إن كنت في البيت اتصل بي، أو إن كان عندك كتاب الألفية لابن مالك فأعطنيه، فهذا الأسلوب لا يستلزم أني في البيت أو أن الكتاب عندي.
стр. 382
فكذلك هنا، لا يستلزم من هذا الأسلوب أن الرسول ﷺ شاك، كما فهم النصراني، لذلك ورد عن النبي ﷺ أنه قال «لا أشك ولا أسأل» (١) .
٢-وقيل: إن هذا الخطاب للأمة، كما ورد في مواضع من القرآن (٢) ، كقوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ... ﴾ [الطلاق:١] وغيره كثير.
٣-وذهب ابن حزم إلى أن (إن) هنا بمعنى (ما) أي: فما كنت في شك مما أنزلنا إليك،
كقوله تعالى: ﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف:١٨٨] وقوله: ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم﴾ [إبراهيم:١١] , قال: (لأن من المحال العظيم الذي لا يتمثل في فهم من له مسكة, أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه, وينازع فيه أهل الأرض ,ويدين به أهل البلاد العظيمة, ثم يقول لهم: إني في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون, ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون، إلى مثل هذا السخف الذي لا يتصور إلا في دماغ هذا المجنون الجاهل (٣)) (٤) .
ثم إن معنى الآية: أن من أدلة صدق نبوتك يا محمد أن أهل الكتاب يعرفون ذلك ,فاسألهم حتى يطمأن قلبك. وليس معناها اترك دينك واتبع أهل الكتاب كما زعم النصراني (٥) .
إلى غير ذلك من الطعون الباردة الساذجة ,التي يوردها المغرضون ,وما هي إلا كبيت العنكبوت، أو كالزبد الذي يعلو على الماء ثم يموت.
стр. 383
المبحث الرابع: اتهام القرآن بمعارضة الحقائق
المطلب الأول: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الشرعية:
-الطعن الأول: كيف تزعمون أن محمدا (اصطفاه الله للرسالة وهيئه, مع وصفه له بالضلال (١) ، فهو كقومه كان وثنيا، ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ [الضحى:٧] ؟
-الجواب:
١- (قيل إن العرب كانت إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من
стр. 384
الأرض لا شجر معها سموها ضالة، فتهتدي بها على الطريق، فقال الله تعالى لنبيه: (ووجدك ضالا فهدى (أي وجدك لا أحد على دينك فهديت بك الخلق إلي) (١) ، ومن هذا قول: (الحكمة ضالة المؤمن) .
أي أن الضلال هنا المقصود به الحقيقة اللغوية لا الشرعية، إذ لم يكن في ذلك الوقت شرع، وبعض المعاني اللغوية معنى جميل كما رأيت.
٢-وقيل: إنه من قولك: ضللت الطريق. أي لم تعرفه (٢) ، ومنه قولهم: ضالة الإبل والغنم. يعني التي لم تهتد لقومها، فالنبي ﷺ كان موحدا عارفا بالله بفطرته وعقله، ولكنه لم يعرف كيف يعبده؛ لأنه لم ينزل عليه شرع، فهو ضال بهذا المعنى, أي لم يعرف طريق العبادة الصحيحة.
قال الراغب: (الضلال ترك الطريق المستقيم؛ عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، ويصح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد، ألا ترى أنه قال في النبي: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] ، أي غير مهتد لما سبق إليك من النبوة، وقال في يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] ، وقال أولاده: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٣٠] ، وقال عن موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] تنبيه أن ذلك منه سهو، وقوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ...
стр. 385
( [البقرة:٢٨٢] ، أي تنسى وذلك من النسيان الموضوع على الإنسان، والضلال من وجه آخر ضربان؛ ضلال في العلوم النظرية ,كالضلال في معرفة الله ووحدانيته ,ومعرفة النبوة ونحوهما, المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] ، وضلال في العلوم العملية ,كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات) (١) ، وهذا النوع يعذر فيه الإنسان إذا لم يبلغه، ألا ترى أن زيد بن عمرو بن نفيل (٢) دخل الجنة مع أنه لم يعرف كيف يعبد الله تعالى، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (: أَنَّ النَّبِيَّ (لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ , قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ (الْوَحْيُ, فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ (سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا, ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ, وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السَّمَاءِ الْمَاءَ, وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ ,ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ. إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ) (٣) .
وأخرج البخاري أيضا عَنْ ابْنِ عُمَرَ (: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ
نُفَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ ,عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَرَّ بِهِمَا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ, فَدَعَوَاهُ إِلَى سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. قَالَ: فَمَا رُئِيَ النَّبِيُّ (بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ وَبَلَغَكَ , وَلَوْ أَدْرَكَكَ لَآمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ، فَأسْتَغْفِرْ لَهُ: قَالَ «نَعَمْ» فَاَسْتَغْفِرُ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحِدَه) (١) ، وذكر ابن حجر في الإصابة أن الواقدي والفاكهي أخرجا بإسنادهما عن عامر بن ربيعة في حديث طويل , وفيه أن النبي ﷺ قال: «قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» (٢) .
فزيد بن عمرو مع جهله بطريق العبادة, إلا أن فطرته دلته على وجود الله ,وعقله هداه إلى توحيد الله، فكان يعبد الله على حسب اجتهاده، فهو مع ضلاله عن طريق العبادة الصحيحة, إلا أنه كان معذروا لذلك أدخله الجنة، ومن هذا الباب معنى قوله تعالى:
(ووجدك ضالا فهدى (. أي ضالا عن طريق العبادة الصحيحة فدلك عليها له وإن كان عارفا بالله موحدا له.
٣-ثم إننا نلزمهم بأمر وهو: هل هم يقولون هذا أيضا في موسى عندما قال عن نفسه, ﴿فعلتها إذاً وأنا من الضالين﴾ [الشعراء:٢٠] .
٤-ثم إننا لو تنزلنا لهم وسلمنا لهم بالمعنى الذي يريدون, فإن هذا لا يضره؛ فهو معذور بعدم العلم فهو إذ لم يضل عن علم بل ضل بغير علم , وهذا لا حرج عليه ولا مؤاخذة فيه، قال شيخ الإسلام ابن
стр. 388
تيمية: (وأما وجوب كونه (قبل أن يبعث نبيا لم يخطئ أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا) (١) .
ولكن الحرج كل الحرج فيمن يعرف العلم والهدى ثم يتركه ,كما هو حال اليهود والنصارى الذين يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم.
-الطعن الثاني: كيف سُحِرَ النبي ﷺ مع أن الله تعالى يذكر كلام الكفار, ووصفهم النبي بالمسحور في مقام الذم في قول الله على ألسنتهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ [الفرقان:٨] .
-الجواب:
هذا الشبهة تردد كثيرا، وللأسف يرددها كثيراً من المعاصرين من العلمانيين، ومن أصحاب المدرسة العقلية، وممن يعلم صلاحه ويظهر حبه للدين (٢) .
-الجواب:
أولا: لابد - أولاً - أن نعرف أن حديث سحر النبي ﷺ ثابت في الصحيحين, وقد تقدم معنا النقل عن ابن الصلاح, وهو أن ما كان في الصحيحين قد تلقته الأمة بالقبول (٣) ، ونص الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ (حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ
стр. 389
إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ -وفي رواية: وأنه يأتي أهله ولا يأتي- حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ, ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ, ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ -الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ- قَالَ: فِيمَا ذَا قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ (فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ ,فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَ هَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ,وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي ,وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا» . وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ) (١) .
فظاهر من الحديث أن السحر كان في الأمور الدنيوية فهو يخيل إليه أنه أتى أهله ولكنه لم يفعل ويخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله (٢) ، وأما الأمور الشرعية والوحي، فإنه محفوظ من الخطأ فيها, كما ثبت في النصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم:٣-٤] . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: